← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فصل الواو لا تقتضي الترتيب على قول أصحابنا (١). يشهدُ لذلكَ من قولهم فيمن قال لامرأتِه التي لم يَدخل بها: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، يقعُ بها طلقتان. ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالقٌ، أو: ثمَ طالقٌ، وقعت واحدةً، حيثُ كانت الفاءُ مرتَبةً معقِّبةً، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ، واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ على مذهبين (٢)؛ فقال بعضُهم مثلَ قولنا وقولِ أصحاب أبي حنيفة ومالك، وقال بعضُهم: تَقتضي الترتيب. [وهو قول] (٣) ثعلب (٤)، وأبي عمر الزاهد (٥) غلام ثعلب.

стр. 1437

فصل في دلائلنا فمنها: ماروي أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، فقال: "أسِيَّانِ أنتما؟! قل: ما شاءَ اللهُ ثم شئتَ" (١)، فلو كانت الواو مرتَّبة، كما أن (ثم) مرتَّبةً؛ لكان قد نقله من حرفٍ إلى مثلِه، فلم يبقَ للنقلِ وجْه، إلا أنَه نقلَه من جمعٍ إلى ترتيبٍ وتقديمٍ لاسمِ الله تعالى رتبةَ المقدم وتأخير المؤخَر بحرفٍ يحصُرُ الترتيب. ومنها: أنها لو كانت تقتضي الترتيب، لجاز أن تجعل في جواب الشرط كما جعلت الفاء، فإذا قال: إن دخل زيا الدار فأعطِه درهماً، أبدله بقوله: وأعطِه درهماً، فلما لم تدخُل مَدْخَلها، بطلَ أن تكونَ للترتيب. ومنها: أنَ اللهَ سبحانه أدخلَ الواوَ فيما لا يحتمل الترتيب، فقال: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [الأعراف: ١٦١] وقال: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ﴿البقرة: ٥٨﴾، ولو اقتضت الترتيب لما أخّر ما قدَّمَه في أحدِ حرفيه، كما لا يجوزُ أن يقالَ: قلنا ادخلوا البابَ ثم قولوا حطة، ثم ادخلوا، وكقول الشاعِر:

стр. 1438

ومَنهلٍ فيه الغُرابُ مَيْتُ ... كأنه من الأجونِ زَيْتُ سَقَيتُ منه القومَ واستقيتُ (١) ومعلومٌ أنه استقى ثم سقا. ومنها: أن الواوَ لو اقتضت الترتيبَ لما حَسُن أستعمالُها فيما لا يحتملُ الترتيبَ، وأجمعنا على جوازِ قولِ القائلِ من أهلِ اللغةِ: اشترك زيد وعَمرو ولا يحسنُ أن يقول: اشترك زيدٌ ثم عمرو ورأيت زيداً وعمراً معاً، ولا يحسن أن يقول: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً، ولو كانت تقتضي الترتيبَ، لكان أيضاً كاذباً في خبره، حيث أخَّر في خبرِه المقدمَ في رؤيته. ومنها: أنَ الواوَ تدخلُ في الاسمينِ المختلفين مثل زيدٍ وعمروٍ، بدلاً من التثنية في الاسمينِ المتفقين، مثل الزَيدينِ، حيث لم تمكن التثنيةُ مع الاختلافِ، وأمكنت مع الاتفاقِ، ثم إنَّ التثنية في المتفقينِ لا تقتضي ترتيباً، كذلكَ الواوُ في المختلفين، ويشهدُ لتساويهما أنه لم يمكن التثنية في زيدٍ وعمروٍ فابدلهما بقوله: رأيتُ زيداً وعمراً رأيتهما، وبقوله: معاً، فعلمت أن التثنيةَ والعطفَ في الاسمينِ المتفقينِ والمختلفينِ ما

стр. 1439

اختلفا إلا في عدم الإمكانِ، فلم يمكن التثنيةُ في المختلفين، فأبدلوا التثنيةَ بالواوِ الجامعةِ، وأكدوها بقولهما: معاً, إو بقولهما: رأيتُهما. فصل في أسئلتهم فمنها: أنَ النبي ﷺ إنما نقلَه من الواوِ إلى (ثمَّ) (١)، وليسَ حرفُ (ثمَّ) كالواو؛ لأنَّ (ثم) تعطي المُهلةَ والتراخي، وليس ذلكَ للواو فما نقله من جمعٍ إلى ترتيب، ولا من ترتيب إلى مثله، [بل نقله] (٢) من ترتيبٍ مطلقٍ إلى ترتيبٍ بنوعِ تراخٍ ومُهلةٍ. ومنها: أنَّ قولَه: معاً، أخرجت الواوَ عن ترتيبها بعدَ أن كانت قبل القرينةِ تقتضي الترتيبَ بظاهرِها. فصل في الجواب عن السؤالين أمَّا الخبرُ؛ فإنه قال فيه: "أسيّانِ أنتما"؟، ومعَ الرُّتبةِ لا يكونُ قولُه يعطي أنهما سيانِ؛ لأنَّ من رتَّب رتبة ما، فما سوَّى، حتى لو قال: ماشاءَ الله فشئت، لم يكن جاعلاً لاسمِ اللهِ واسمهِ سيين لما قرن به من حرفِ الرتبةِ والتقديمِ، فلما قال: "أسيانِ أنتما"؟ عُلِمَ أنه لم يأتِ بحرفٍ يعطي نوعَ ترتيبٍ وتقديمٍ. وأمَّا قولُه: إنَّ (معاً) قرينةٌ، فلِمَ لم تُخرج هذه القرينةُ حرفَ (ثمَّ) عن ظاهرِه؟ ويحسُنُ ضمها إليه، فيقولُ: رأيتُ زيداً ثم عمراً معاً. فيعطي الجمعَ، ويحسُنُ القولُ، فلما لم يحسُنْ في حرفِ (ثمَ) ولا عَمِلَ فيه إلا إفسادَ الكلامِ، وحَسُنَ في الواو عُلِمَ أنه كشفَ بقوله: (معاً) عما تضمنته اللفظةُ من الجمعِ.

стр. 1440

وممَّا سألوه على بقيَّة طُرُقِنا في المسألةِ أن قالوا: يجوزُ أن لا يُجعلَ جواباً للشرطِ، ويقتضي الترتيبَ (١كحرفِ (ثمَّ) لا يحسنُ جواباً للشرط ويقتضي الترتيب ١)، إنما لم يجعل الجواب جواباً للشرط. ومنها: أنَ استعمالها في عدةِ مواضعَ للجمع لا للترتيب (٢) لا يمنع من كونِها موضوعةً للترتيب كحرفِ (ثمَّ)، قد ورد لا بمعنى الترتيب، قال الله سبحانه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، والمرادُ به: واللهُ شهيد، إذ شهادةُ الله لا يتقدمُها شيء، فتَترتب عليه. وقالَ الشاعرُ: كَهزِّ الرُدَينيَّ تَحتَ العجاجِ ... جَرى في الأنابيبِ ثم اضطَرب (٣) ومعلومٌ أنَّ الاضطرابَ لا يتأخر عن الاهتزازِ، ولا يترتبُ عليه، وإنَّما أراد به: واضطرب. فصل في الجواب عنهما فالجواب عن الأوَّلِ منهما: أنَّ (ثمَّ) إنما لم يحسُن أن تقَع جواباً للشرطِ؛ لأنها تقتضي المهلةَ والتراخي، ومن حكمِ الجزاءِ أن لا يتأخرَ عن الشرطِ، كما لا يتأخرُ عن

стр. 1441

النداءِ، فإذا تأخرَ وتراخى صارَ كامِلاً مبتدأً لا جواباً، كذلكَ يخرجُ أن يكونَ مع التراخي والمهلةِ جزاءٌ. فأما الواو فلا تقتضي المهلةَ، فإذا قال: ضربني وضربتُه. يحسُنُ أن يقولَ: عقيب ضربه، كما يحسنُ أن يقولَ في الفاءِ، ولا يحسُنُ أن يقولَ في (ثمَ) ذلكَ، فإذا كانت (١) مفارقةً لـ (ثمَّ) في المهلةِ والتراخي المُخرِجِ للجزاءِ عن مقتضاه، ثم لم تقم مقام الفاءِ، ولا كانت بدلاً عنها، عُلِمَ أنها لا تقتضي الترتيبَ. وأمَّا الجوابُ عن الثاني منهما، فغيرُ لازم؛ لأنَّنا لا نمنعُ أن تستعملَ استعارة ومجازاً، لكن الأصل الحقيقةُ، فلا يجوز أن يرد الاستعمال للحقائقِ لأجلِ ورودِ ذلك مجازاً واستعارةً، ما هذا إلا بمثابةِ من استدل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، وذلك دليل على أنه لا يؤكلُ جميعُ الهدي والأضحيةِ، فيقول له قائلٌ: أليسَ قد قال اللهُ تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، و ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وليس المرادُ به البعض، فإنا لا نترك حقيقةَ حرفِ التبعيض فيما استدللنا بهِ لأجلِ المجازِ الواردِ في ذلك، بل نَحتاجُ إلى دليلٍ يدلُّ على أنَ ما ذكرناه مجازٌ واستعارةٌ. فصل في شُبههم في مسألةِ "الواو " فمنها: ما روى عديُّ بنُ حاتمٍ أنَ رجلاً خطبَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: من يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشد، ومن يَعصهما فقد غَوى. فقال النبي ﷺ :"بئسَ الخَطيبُ أنتَ، قل: ومَن يعصِ اللهَ ورسولَه فَقد غوى" (٢). فلو كانت الواوُ التي نقلَه إليها للجمعِ؛ لكان قد نقلَهُ من جمعٍ إلى مثلِه، وذلكَ لا يليقُ بمنصبه. ومنها: ما روي عنه ﷺ انه بدأ بسَعيه بين الصَّفا والمروة، وقال: "نبدأ بما بَدأ اللهُ

стр. 1442

به " (١)، وأراد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وهذا نص منه على أنها للترتيب، فإن الذي يناسبه من الفعلِ ترتيب، فبدأ فعلاً بما بدأ الله به قولا ومنها: ما رُويَ أن عبدَ بني الحَسْحَاس (٢) أنشد عُمرَ ﵁: عُميرةَ وَدِّع إن تَجهزتَ غادياً ... كَفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهياً (٣) فقال له عمر لو قدمتَ الإسلام على الشيب لأجزتك. فدل على أن الواوَ رتَّبت الشيبَ على الإسلامِ. ومنها: ما رُويَ أنَ رجلاً قال لابن عباس: كيف تقدِّمُ العمرةَ على الحج وقد قدم اللهُ الحج على العمرة؟ فقال ابنُ عباس: كما قُدمَ الدينُ على الوصية، وقد قدم اللهُ الوصيه على الدين (٤)، يعني بذلك قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾

стр. 1443

[النساء: ١٢]، وهذا كلُهُ يدل على أنهم فهموا من التقديمِ في اللفظِ التقديمَ في الحكمِ. ومنها: أنَ المهاجرين احتجوا على الأنصارِ في بابِ الخلافةِ من جملة ما احتجوا به أن الله بدأ بنا فقال: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (١) [التوبة: ١١٧]، والعرب تبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، ولهذا قَدَّم الفقراء في أصنافِ الزكاةِ (٢)، لكونِهم أمسَّ حاجةً من غيرِهم من الأصنافِ. ومنها: أنَ كل فطنٍ من أهلِ اللغةِ يعلمُ أنَ رجلاً لو كاتب غيرَه بكتابٍ، وذكر فيه أنه قد أنفذه على يدي رسولين، وبدأ بذكرِ أحدِهما في الكتابِ، عَلمَ المكتوبُ إليه وسبقَ إلى فهم كل عالمٍ باللغةِ أنَ أكرمَهما عليه وعندَه من بدأ بذكره، وإن كان اسمُ الثاني معطوفاً على الأول بالواو. ومنها: أنَ المعنى نَتيجةُ اللفظِ، واللفظُ في أحدِهما سابق، فكان المعنى سابقاً. فصل في الأجوبة عنها أما الأولى: فإنَّ إنكارَ النبي ﷺ على الخطيبِ الجمعَ بينَ اللهِ ورسوله على وجه التثنية، فهي أبلغُ من الجمعِ بالواو وإن كانت الواوُ شريكتَها في الجمعِ، ولهذا قالَ سبحانه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل: يرضوهما، وطلبَ

стр. 1444

رسول الله ﷺ ما ذكره الله في كتابه، وهاء الكناية في التثنية والجمع أبلغُ من الجمعِ با لواوِ. وأمَّا قولُ النبي ﷺ : "نبدأ بما بدأ اللهُ به". فلا خلافَ ان اللهَ بدأ بالصفا قولاً، ولكن عطفَ عليه بالواوِ الجامعةِ لا بحرفٍ مرتِّب، ومن عادةِ العربِ أن تبدأ نطقاً بالأهم، فلا يتحقق الترتيبُ إلا بحرفِ التراخي أو التعقيبِ الذي لا يصحُ أن ينطبقَ عليه الجمعُ، وها هنا يحسنُ أن ينطبقَ عليهما قولُ القائلِ: معاً، فدلَّ على أنها عاطفة جامعة لا مرتِّبةٌ. وأما قول عُمر لشاعرِه: لو قدَّمت الإسلامَ؛ لأجزتك. إنما طلب منه تقديمه لفظاً؛ لأنَّ الأهمَّ يجبُ أن يُبدأ به لفظاً، وإن كان مجموعاً بما بعده. قال شيخُنا الإمام أبو القاسم الأسدي (١): على هذا؛ ليس في قولِ عمرَ ما يعطي أنه قدم الشيبَ، بل يعطي أنه لم يقدِّم الإسلام، وبينهما واسطة، وهو أنَه جَمَع، ومن جمع بين الإسلامِ والشيبِ، فما قدّم الإسلامَ، فأوقف جائزتَه على تقديمهِ الإسلامَ. وأما قولُ ابنِ عباس: كما قدّم الدَّينَ على الوصية. فالمراد به: لدلالةٍ دلتني على تقديمِ العمرةِ فعلاً على الحجِّ، كما دلَّت [على] (٢) تقديم الدَّين فعلاً على الوصية، ولعل الدليلَ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكان يتمتع، فيقدمُها بهذه الدلالةِ كما قدم الدين على

стр. 1445

الوصيَّةِ بالإجماعِ، ودليلُ الإجماعِ أنَّ الدَّين حق هو مرتَهنٌ به، والوصيَّة تبرُّعٌ. وأما احتجاجُ المهاجرين على الأنصار بتقديمِ ذكرِهم في كتابِ الله حيثُ قال: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]. فلعمري إنها مَزيّة وحجّة في البداية بذكرهم، لكن ما أراد به الترتيبَ، بدليل أنه قد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال يوم بُنيان المسجد وهو يحمل اللّبن: "لاعيشَ إلاعيشُ الآخرة ... فاغفر للأنصارِ والمهاجرة" (١) ولو عُقِلَ منها الترتيب، لما خالفَ ترتيب القرآن. وأما قولُهم: إنه يسبقُ إلى فهم كل سامعٍ تبجيلُ من يسبق بذكر اسمه أولاً. فلعمري إنه أرادَ وقصدَ تعظيمَ شأن البادىء بذكره، فهو كما قالوا، غيرَ أنه لا يعطي الترتيبَ، بدليلِ أنه لو قال: قد أنفذتُ بصاحبيِّ زيد وعمرو. وعمرو مقدّم عليه أو قبلَه، جازَ ولم يعد مناقضاً، ولو قال: بعثتُ إليكَ بزيدِ فعمرو ثمَ عمراً قبلَه. عُدّ مناقضاً. وأما قولهم: إن [المعنى] (٢) نتيجة الَّلفظ، فالمعنى الذي هو نتيجةُ الَّلفظِ: فعلُ واحدٍ بعدَ واحدٍ، وهذا هوَ الترتيبُ. فيقالُ: المعنى مفارقٌ اللفظَ؛ فإنه إذا قَدَم ذِكرَ أحدِهما، وعَطفَ عليه الآخَر ثم قال: مَعاً. صحَّ القولُ وجاز وإن لم يكن ذلكَ مُتحقِّقاً في المعنى، بحيث تقعُ الفعلانِ معاً.

стр. 1446

فصل في الباء وهي عند أصحابنا للإلصاق (١)، فإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، وكتبتُ بالقلم، ومسحتُ برأسي [فإن الباء تُلصق المرور بزيدٍ، والكتابةَ بالقلم، والمسحَ بالرأس] (٢). ولا تدخل للتبعيضِ، ولذلكَ يقولُ القائلُ: استعنتُ بالله، وتزوَّجت بامرأةٍ. ولا يُراد به البعضُ. وكذلكَ قولُ النبي ﷺ : "لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشهودٍ" (٣). وقال أصحابُ الشافعي في أحدِ الوجهين: إذا دخَلَت على فعلٍ متعدٍّ يتعدّى بغيرِ الباءِ إقتضت التبعيضَ (٤)، وذلك مثلُ قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 1447

فصل في دلائلنا فمنها: أن الباءَ موضوعة لإلصاقِ الفعلِ بالمفعولِ به، يدل على ذلكَ قولُهم: مررتُ بزيدٍ، وكتبتُ بالقلمِ، وطفتُ بالبيتِ، فتفيدُ الباءُ إلصاقَ الفعلِ بالمفعولِ به. ومنها: أنَ الباءَ لو كانت فيما لا يتعدى بها من الأفعالِ تقتضي التبعيضَ لما حسُنَ عطفُ العمومِ عليها، ومعلومٌ أنَكَ تقولُ: مسحتُ برأسه كُلِّه. ويحسنُ أنك تقول: امسحوا برؤوسكم كُلّها وجميعِها. ولا يحسنُ أن تقولَ: امسح ببعض رأسك كُلِّه وجميعِه. ومنها: أنه لا يحسنُ دخولُ الاستثناءِ على ما دخلت عليه الباءُ الموجبةُ المتعدِّيةُ، مثل قوله: امسحوا برؤوسكم إلا ثُلثها. ولو كانَ يقتضى البعضَ المهملَ، لما جاز أن يدخلَ عليه الاستثناءُ المقدر؛ لأن الاستثناءَ إنما يخرجُ ما لولاه لكانَ داخلاً، وإذا قال: امسحوا برؤوسكم. وكان كقوله: امسحوا ببعضِ رؤوسكم. فلا نعلمُ دخولَ بعضٍ يُستثنى منه الثلثُ، إذ لا نعلم مقدارَ البعضِ المستثنى منه، فصل في شُبههم فمنها: أن قالوا: إن أهلَ اللسانِ فرقوا بين قولِ القائل: أخذتُ ثوبَ فلانٍ وركابَه، وبين قوله (١): أخذتُ بثوبِه وركابِه. فيحملون الأولَ الخالي من الباءِ على أخذِ الجميعِ، والثاني المقيدَ بالباءِ على الأخذِ بالبعضِ، ويقولونَ: مسحتُ برأسِ اليتيمِ، ومسحتُ يدي بالمنديلِ. فلا يُعقلُ إلا البعضُ.

стр. 1448

فصل في الجواب عنها إنَ المرادَ بقوله: أخذتُ بثوبِه وركابِه. أي: علِقتُ بهما، والتعلُّقُ بدلالةِ الحالِ في أنَّ الإنسانَ لا يتعلَقُ بجميعِ القميصِ ولا بجميعِ الركابِ، ولا يمسحُ برأسِ اليتيم إلا للرحمةِ والحنوِّ والإشفاقِ، دون التعميم بِدلائلَ وقرائنَ منعت التعميمَ، فأمَّا أن تكونَ الباءُ أفادت باطلاقِها التبعيضَ، فلا؛ ألا ترى أنه يقولُ: وقفتُ بعرفة، وبالدارِ، وبالربعِ. ولا يحسُنُ أن يقولَ: وقفتُ عرفةَ، ووقفتُ الدار كما لا يحسُنُ أن يقولَ: وقفتُ زيداً. بل: وقفتُ بزيدٍ. ويكونُ المراد بإطلاقِ اللفظِ إلصاقَ الوقوفِ بالدارِ, وعرفةَ، كذلكَ قولُه: مسحتُ برأسي. يعطي الإلصاقَ. ومن أحوالِ الواوِ (١): أن تقع بدلاَ من الباءِ، والباقي القسمُ، فتقولُ: والله. بدلاً من قولك: بالله. ومن أحوالها (٢): وقوعها موقعَ رُب، قال الشاعر: ومَهْمَهٍ مُغْبرَّة أرجاؤهُ (٣) مكان قوله: رُبَّ مهمهٍ. ومن أحوالها: أن تقعَ موقعَ أو، قال الله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، والمراد به: أو ثلاث أو رُباع، فهذه أحوالُ الواوِ.

стр. 1449

فصل في حروف شتى فمنها: (الفاءُ)، وهي للترتيبِ على وجه التعقيبِ؛ لأنها تقعُ للجزاء والجزاءُ لا يقعُ إلا متأخراً عن الشرط. قال سيبويه (١): إذا قال: رأيتُ زيداً فعمراً، يجب أن تكون رؤيته لعمروٍ عقيبَ رؤيته لزيدٍ (٢). ومنها: (ثم)، وهو حرف للفصلِ والترتيبِ على وجْهِ التراخي والمهلةِ (٣)، فكأنها تزيدُ على الفاءِ بنوعِ مهلةِ وتَراخٍ، وقد جعل أصحابُنا الدلالةَ على أنَ إمساكَ المُظاهرِ لزوجتِه لا يكون عَوْداً فيما نطق به لمَن (٤) ظاهرَها: قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، فاقتضى ذلك المهلةَ والتراخي، وذلكَ في العزمِ على الوطء، أشبه بإمساكها زوجَة؛ لأن الإمساك يتعقبُ، والعزمَ يتراخى. ومنها: حرفُ (أو)، وهو إذا دخلَ على الخبرِ اقتضى الشك، مثل قولِ القائِل: رأيت زيداَ مقبلاً، أو عمراً. فيكونُ ذلكَ دليلاَ على شكه في الرؤية لأحدِهما على التعيين والتحقيقِ. وإذا دخلت على الأمرِ والاستدعاء [اقتضت] (٥) الإباحةَ والإطلاقَ والتخييرَ, فإذا قالَ: كُلْ لحماً أو تمراً، أو اشترِ لي خُبزاً أو لحماً إو ادخُل الدارَ أو المسجد. كان

стр. 1450

ذلكَ تخييراً للمفعولِ (١) بين المذكورين. وإذا دخلت على النهي، فقد ذكرنا أنَّ المذهبَ أنَها للنهي عنهما، وذكرنا الدلالةَ بعد ذكرِ الخلاف، وتكلمنا على شبهةِ المخالفِ بما أغنى عن الإعادة ها هنا (٢).

стр. 1451

[العموم] (١) فصل العمومُ: صيغةٌ تدل بمجردها على أنَ مرادَ النطقِ بها: شمولُ الجنسِ والطبقةِ مما ادخلَ عليه صيغة من تلكَ الصيَغ (٢). وإنما تنكبتُ ما سلكه الفقهاء من قولهم: للعمومِ. لما قدمتُ في الأمر والنهي (٣)، وأنَ من قالَ بأنَ الكلامَ هو عينُ الحروفِ المؤلفةِ، لا يحسنُ به أن يقولَ: للعمومِ صيغةٌ؛ لأنَّ الصيغةَ هي للعمومِ، فكأنه تقول: العمومُ عموم. وإنما يحسُنُ ذلكَ ممن قالَ: الكلامُ قائم في النفسَ (٤)، فالصيغةُ له لا هُو. وقد شرحت في بدءِ كتابي هذا تقاسيمَ ألفاظِه وصِيغِهِ (٥)، وإنما الكلامُ ها هنا في أصلِه دونَ تفاصيله، هذا مذهبُنا، نص عليه صاحبُنا، وبهِ قالَ الفقهاءُ؛ أبو حنيفةَ، ومالك، والشافعيُّ، وداودُ. وقالت الأشاعرةُ: ليس للعمومِ صيغة، وما يرد من ألفاظِ الجموعِ لا يحملُ على

стр. 1452

عمومٍ ولا خصوصٍ إلا بدلالةٍ تدلُّ على ذلكَ (١). وقال بعضُ الأصوليين: إن ورد ذلكَ في الخبرِ؛ فلا صيغةَ له، وإن كانَ في الأمرِ والنهي؛ فله صيغة تحملُ على الجنسِ (٢). وقال بعضُ المتكلمين: تحملُ ألفاظُ الجمعِ على أقل الجمعِ، ويُتَوقفُ في الزيادةِ على ذلكَ إلى أن يقومَ الدليلُ عليه. وهو قول أبي هاشم (٣)، وابنِ (٤) شُجاعٍ الثلجي (٥). فصل في دلائلنا من الكتاب على إثبات أنَّ (٦) الصيغة دالّةٌ بمجردها على الاستغراق فمنها: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، تمسّكاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]، فأجابه الباري سبحانَه عن ذلكَ جوابَ تخصيصٍ لا جوابَ نكيرٍ عليه ما تعلّق بهِ من العمومِ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فدلَّ على [أن] (٧) اللفظةَ عموم، ولولا دليلٌ أخرجَ ابنه من أهلِه؛ لكانَ داخلاً تحتَ اللفظِ. ومنها: أنه لما نزلَ قولُه تعالي: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]،

стр. 1453

قال ابن الزِّبعرى (١): لأخصمَنَّ محمداً. فجاء إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالَ: قد عُبِدت الملائكةُ، وعُبدَ المسيحُ، أفيدخلون النارَ (٢)؟! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فاحتجَّ بعمومِ اللفظِ، ولم يُنكر النبي ﷺ تعلُّقَه بذلك، وأنزلَ اللهُ سبحانه جوابَ ذلكَ مما دل على تخصيم، لا منكراً لتعلُّقِه، فعُلِمَ أنَ العمومَ مقتضى هذه الصيغةِ. ثم إنَّ عبد الله بن الزِّبَعرى هَداه اللهُ إلى الإسلامِ، واعتذرَ إلى رسولِ الله ﷺ بقصيدةٍ، قالَ فيها: أيامَ تأمُرني بأغْوى خُطَةِ ... سَهْم وتَأمُرني بها مَخْزومُ فاليومَ آمنَ بالنبيِّ محمدِ ... قَلبي ومُخطىء هذه مَحرومُ فَاغفِرْ-فِدى لكَ والديَّ كلاهُما- ... ذَنبي فإنَّك راحِمٌ مَرحومُ (٣) ومنها: قولُه تعالى في قصةِ إبراهيمَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ

стр. 1454

بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١ - ٣٢] ففهِم إبراهيمُ من قولهم: أهل هذه القرية. إهلاكَهم على العمومِ، حيث ذكر لوطاً، وأجابت الملائكةُ بالتخصيص، واستثنوا أقرانه من جملةِ المهلكين، واستَثنوا امرأتَه من جملةِ الناجين، فهذه الآياتُ كلُها قد بانَ بها أنَّ. العمومَ ثابت بهذهِ الصيغِ، وأنها صيغٌ موضوعةٌ بمجرّدها. فصل فيما وجَّهوه من الاعترأض على هذه الآيات فمنها: قولُهم: إنَ هذه الصيغَ صالحة للعمومِ متهيئةٌ له، فإذا قام الدليلُ على مرادِه منها ثبتَ العمومُ، وبالصلاح يحسُن ما وُجه عليها من الاعتراض، ومنها: أن قالوا: بَعد دلائلَ قامت بان المراد بها العموم، لا بمجردها؛ لأن الألفاظَ المسموعةَ يقارنها حالَ السماعِ لها والتلقِّي لصيَغِها دلائلُ أحوالٍ، وشواهدُ تدلُّ على مراد اللافظ بها، وقصدِ منها، وترِدُ إلينا ساذجةً خاليةً من تلك الدلائلِ والشواهدِ، وهذا أمرٌ يعلمه كلُّ أحدٍ من ألفاظِ اللافظِين. فيقالُ: لو كانَ ذلك لأجلِ صلاحِها للعمومِ؛ لكان ما وجّهوه سؤالاً واستفهاماً. فأمَّا قول عبد الله بن الزبعرى: لأخْصمنَّ مُحمداً. فليس هذا حداً لصلاحيةٍ، بل كان غاية ما يقول: لأسألنَّ محمداً، فمن كانَ مرادُه كذا، قلتُ: كذا. فلما أقدمَ على ذلك إقدامَ الخصومةِ، وتقريرَ المناقَضةِ، عُلم أنه ما تعلق عليه إلا بمقتضى اللفظِ، دون الصلاحية فقط. وأما نوحٌ؛ فإنه اقتضى وجعلَ ذلك وعداً (١)، ولا ويقدِمُ نبيٌ كريمٌ على الاقتضاءِ

стр. 1455

بصلاحيةِ مجردة، بل بمقتضى ووضع. وإبراهيمُ قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، ولم يقل: أيَهلِكُ لوطٌ في جملةِ أهلِها؟! والباري سمَّاه بذلك مجادلاً لا سائلاً، فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ [هود: ٧٤]، والمجادِلُ هو المحتج دونَ المستعلِمِ. وأمَّا دَعواهم مقارنةَ دلائلِ أحوالٍ وشواهدَ؛ فذلكَ توهم لا يتحققُ إلا بدلالةٍ، وما هذا القولُ إلا كدعوى (١) خصوصِ وَردَ ولم (٢) يُنْقَل، ودعوى صارت لظاهرِ لفطٍ مَنقولٍ من غَيرِ نَقَلةٍ، ونسخِ نص من غير نَقلِ ناسخِه، فنحنُ متمسّكون بمطلق اللفظِ إلى أن تقومَ دلالةٌ بما ادّعاه الخصم. فصل في دلائلنا من إجماعِ الصحابةِ على ذلك قولاً (٣) وعملاً فمنها: احتجاجُ عمرَ على أبى بكرٍ في قتاله ما نعي الزكاةِ: كيف تُقاتِلهم وقد قال النبي ﷺ : "أُمرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دِماءَهم وأموالهم" (٤)؟، فلم ينكِرْ عليه احتجاجَه بذلك، بل عَدَل إلى

стр. 1456

التعلُّق بالاستثناء" وهو قوله: "إلا بحقّها"، والصحابةُ متوفّرونَ، وبتلك القصة مهتمونَ، ولا أحدَ أنكرَ ذلك التعلُّقَ بالعمومِ، ولا أنكرَ جوابَ أبي بكر عنه بالتخصيص. ومنها: احتجاجُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وسلامُه عليها بعمومِ آية المواريثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] على أبي بكر الصدّيق لما مَنعها ميراثَها من أبيها، فلم يُنكر احتجاجَها بالآية، بل عَدلَ إلى ما رواه عن النبي ﷺ من دليلِ التخصيص، وقوله: "نحنُ مَعاشِرَ الأنبياء لا نُورَث، ما تَركنا صَدَقة" (١). ومنها: لما اختلفَ علي وعثمانُ في الجمعِ بينَ الأختين (٢)، فقال عثمانُ: يجوزُ، واحتجَّ بعمومِ قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وقال

стр. 1457

علي: لا يجوز واحتجّ بعموم قوله: ﴿أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) [النساء: ٢٣]، ومنها: ما احتجَّ به من كان يُبيح شُربَ الخمر ممن لم يعرف النسخَ، بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) [المائدة: ٩٣] ولم ينكر سائرُ الصحابةِ ذلكَ، وإنما بينوا لقائل هذا أنه منسوخ (٣). وروي عن عثمان (٤) أنه لما سمع قولَ الشاعر ألا كُلُّ شَيءٍ ماخَلا اللهَ باطِلُ ... وكُلُّ نَعيمٍ لامَحالةَ زائلُ (٥)

стр. 1458

فقال: كذبتَ، نعيمُ أهلِ الجنَةِ لا يزولُ (١). وهذا كُلُه أخذٌ بالعموم وتجويز للقول به. فصل فيما وجّهوه من السؤال على هذه الدلائل فمنها: أن قالوا: هذه أخبارُ آحادٍ، لا يثبتُ بمثلِها هذا الأصلُ. ومنها: أنه يَحتملُ أنَّ كلَّ صيغةٍ من هذهِ الصِّيغِ دلَّت عليها دلالةٌ، أو قارنتها قرينةٌ دلَّت على إرادةِ العمومِ بها والاستغراقِ. فيقال: هي وإن كانت آحاداً في آحاد القضايا، إلا أنها تواترٌ في أصلِ استعمالهم العموماتِ، واحتجاجهِم بها، فصارَ ذلك كشجاعةِ عليٍّ، وسخاءِ حاتِم، وفصاحةِ قُسٍّ، وما ورد في جُزئياتِ سِيَرهم وآحادِ أخبارِهم آحاد، وأصلُ ذلك فيهم تواترٌ. على أنَّ هذه الأحاديثَ متلقاةٌ بالقبولِ، فهي في حكمِ التواتر ولأنَ ما نحنُ فيه ليس بأصلٍ قطعيٍّ حتى تُطلبَ له أدلةٌ قطعيةٌ، بخلافِ أصولِ الدياناتِ، ولهذا يسوغُ فيه الخلافُ، ولم نُفَسق مخالفنا فيها. وأمَّا دعوى القرائنِ، فلو كانت لنُقلت، كما نُقِلَ أصلُ الصيغِ والألفاظِ، ولا يجوزُ الإخلالُ بالقرائِن مع كونِ الألفاظِ تتغيرُ بها أحكامُها (٢). فصل في دلائلِنا من غير الآي والأخبارِ فمن ذلكَ: ان أهلَ اللغةِ قد ثبت كونُهم حُكماءَ علماءَ، ودل على ذلكَ ما نُقلَ عنهم وَظهرَ منهم من الأوضاعِ الحكيمةِ (٣)، ومعلومٌ أنَّ العمومَ المستغرِقَ لجميعِ

стр. 1459

الجنسِ قد عُلِمَ وعُرِفَ، وبهم حاجةٌ إلى أن يضعوا له صيغةً، كما وضعوا لجميعِ المسمَيات من الأسماءِ، وكما وضعوا للخبرِ، والاستخباير، والتمني، والترخي، والنداءِ، وجميعِ ما احتاجوا إليه، وضعوا له لفظاً يُنبىءُ عنه ويدل عليه، ومعلومٌ شدةُ حاجتِهم إلى التعبيرِ عن الجموعِ والأعدادِ في أمرِ دينهم ودنياهم، فكيفَ يُنسبونَ إلى الغفلةِ عن الوضعِ للعمومِ صيغة تخصُّه؛ ولا لفظ أحق بذلكَ من الألفاظِ التي حصرناها، والضيغ التي سطَرناها في صدرِ كتابِنا هذا (١). فثبتَ أنها هي الموضوعةُ للعمومِ، المقتضيةُ للاستغراقِ والشمولِ. فصل في الأسئلة محلى هذه الطريقةِ فمنها: أنَ هذا إثباتُ لغةٍ باستدلالٍ، وليس للغةِ طريقٌ سوى النقلِ، ولا نقلَ يعطي ما ذكرتم. وفي طريقتكم هذه سَوْرَة (٢) على العرب، وإيجابٌ عليهم أن يضعوا، وما وضعوا، وليسَ ذلكَ بواجبٍ عليهم، ولاهم معصومون (٣) في الوضعِ، بحيثُ لا يخلون بما ينبغي منه. ومنها: أنهم قد وضعوا ألفاظاً كثيرةً صالحةً له، وتأكيداتٍ تنبىءُ عنه، ودلائلَ أحوالٍ تدُلُّ علي الألفاظِ الصالحة بأنَّ المرادَ بها العمومُ. وفي ذلكَ غنىً عن الوضعِ المقتضي للعمومِ. ومنها: أنَّهم قد أغفلوا أشياء، فلا نَأمنُ أن يكونَ هذا من جملةِ ما أعْفلوه. فمن ذلكَ؛ أنهم وضعوا للفعل الماضي: ضربَ، وللمستقبلِ: يضربُ وسيضربُ، ولم يضعوا

стр. 1460

للحالِ اسماً يعبَّر به عنها. وكذلكَ الطعومُ والأرايح (١)، لم يضعوا لكُلِّ طعمٍ ولا لكلِّ ريح اسماً. فصل في الأجوبةِ على الأسئلةِ فمنها: أن يقالَ: ليس إثبات لغةٍ إلا بالنقلِ، لكنا دللنا على ان المنقولَ من ألفاظِ (٢) العموم هو الموضوعُ؛ ولأنَّ القرائنَ ودلائلَ الأحوالِ (٣) إنما تكونُ فيما بيننا، فأمَّا اللهُ سبحانَه؛ فلا دلائلَ أحوالٍ ولا قرائنَ بينَنَا وبينَه تدل على العمومِ من اللفظ الصالحِ له. ومنها: أنَ دعواهم: ما وُضِعَ من التأكيداتِ الدالةِ على العمومِ، فالتأكيداتُ من أدلّ الدلائل (٤) لنا على أنَ المؤكد موضوع يقتضى [العموم] (٥)، لأنَّ التأكيدَ إنما يحكي (٦) المؤَكد، فأما أن يجددَ التأكيدُ اقتضاءً لم يكن في اللفظ، فلا. فقوله تعالى: ﴿فَسجدَ الملائِكَةُ﴾، لو لم يُعطِ العمومَ، لما كان في قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر ٣٠] ما يعطي (٧)، وإن كان الأوّل غير مُقتضٍ، فالثاني مثلُه، لم يبقَ

стр. 1461

إلا أنَّ الوضع حاصلٌ في الجميعِ، وإنما أُكدَ الأولُ بالثاني، والثاني بالثالثِ، وليس شيءٌ من قرينةِ تقترن بالصيغ التي نقول: إنها موضوعة، إلا وفي الصيغة ما يغني عنها. ومنها: أنَ دعواهم أنَهم أغفلوا أشياءَ، فليس كذاكَ، بل دقَقوا في النوع الذي ظنَ المخالفُ أنَهم أغفلوه، حتى قالوا: حامض وحُلو ولما تركَبَ بينهما: مُزٌ. فوضعوا لما تركَبَ بين حلاوةِ وحموضةِ اسماَ، لكن قنعوا في بعض الأرايحِ والطُّعومِ بالإضافةِ، والإضافةُ كافية، فإنَ الله سبحانَه سمَّى نفسَه بأسماءَ مشتقةِ من أفعالِه؛ كخالقٍ ورازقٍ، ومن صفاتِه؛ كعالمٍ وقادرٍ، ومن أسمائِه ما هي إضافة كقولهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ (١) و ﴿الطَوْلِ﴾ (٢)، وفي بعض الكتبِ: أنا اللهُ ذو بَكَة (٣)، فالإضافاتُ مسميات، فقالوا للجنسِ: حلوَّ، فشملوا به طعم العسلِ والرطبِ، وقالوا: رائحة ذكيَّةٌ. فعموا بها ريحَ العودِ والكافورِ، ثم خَصصوا الرائحةَ بمحلها، والطعمَ بمحله،

стр. 1462

فقالوا: حلاوةُ العسلِ، وحلاوةُ الرطبِ، وريحُ الكافورِ، وريحُ المسكِ. فما أغفلوا ولا أهملوا. وعندكم أنَّهم لم يضعوا صيغةً للعمومِ، بل صارَ للعموم ما قرنوا به قرينةً، أو دلَّت عليه دلالةُ حالٍ، والعمومُ أصلٌ من الأصولِ، والأسماءُ المفردةُ دونَه، فلا يُظَن بهم أنهم وضعوا للجزئيِّ وأغفلوا الكُلي، وفي اسمِ الجنسِ من المطعومِ ما أغفلوه، بل وضعوا له اسم إضافةٍ إلى محله، وهو أحدُ أقسام الأوضاعِ والأسماءِ الدالة على المسمّياتِ، ولأنَ الأرايحَ كثُرت واختلفت، فجازَ أن يعتمدوا فيها على الإضافةِ إلى محلها، والعموم أصل، فلا حاجة بهم إلى إغفالِه، ثم إنَّ ها هنا صيغٌ تشهدُ بأنها موضوعةٌ للعمومِ، فلا نعطلُها ونحوجُها إلى قرائنَ ودلائلِ أحوال. فصل ومن الدلائل المشاهَدة لمذهبِنا: أنّا وجدنا أهل اللغة قد وضعوا للواحدِ لفظاً يخصُّه، وللاثنينِ لفظاً يخصُّهما؛ وهي التثنيةُ، وللجمع لفظاً يخصُّه، فقالوا: رجلٌ، ورجلانِ، ورجالٌ. كما وضعوا للأعيان المختلفةِ في الصّورِ ألفاظاً تخصّها، فقالوا: أتانٌ، وفرسٌ، وحمارٌ، وما وضعوا هذه الأسماءَ الخاصةَ إلا للفرقِ والتمييز بين المسمَّيات، فلو كانَ لفظُ الجْمعِ محتملاً للاثنين، لما كان للوضع معنىً. ومن وجهٍ آخر وهو أنَّهم لما لم يُغفلوا اسمَ التوحيدِ والتثنية والجمعِ، فلا يجوزُ أن يُغفلوا اسماَ يضعونه للشمولِ والعمومِ الجامعِ للجنسِ الذي تحتَه العدد (١) المخصوص. قالوا: ليسَ في لفظِ الواحدِ والاثنينِ، والفرس والحمارِ ما يخلطُ التأحيدَ بالتثنية، ولا النَّهاقَ بالصَهَّال، وفي الجمعِ نوعُ شركةٍ ظاهرةٍ، وهو (٢) أنه يقعُ على الأقل والأكثرِ

стр. 1463

إلى غيرِ غايةٍ، فإنَّ قولَنا: رجالٌ. يقعُ على ألفٍ، لو فُسِّرَ بها، كما يقعُ على ثلاثةٍ، فجاءت الشركةُ في الجمعِ، فصاركسائر الأسماءِ المشتَركةِ. فيقال: لنا مُتَيقَّنٌ أقل؛ وهو الثلاثة، فلا توقُعَ للشَّركةِ إلا في محلِّ الاشتباهِ، وهو ما زادَ على الثلاثةِ، كما يعطي الحمارُ والشجاعُ حقيقتَه عند الإطلاقِ، فيتركُ المجازُ والاتساعُ لما تقومُ عليه الدلالةُ لنقلِه عما وُضِعَ له. فصل ومن دلائلنا: أنَّا أجمعنا وإياهم على أنَ الاستئناءَ حُبسَ دخولُه عل هذهِ الصيغِ الموضوعةِ عندنا للعموم، فقالت العربُ: جاء بنو تميمٍ إلا زيداً (١)، ومن دخل داري فأكرِمْهُ إلا المجرمَ، وأعطِ فقراءَ بني تميم إلا الجبناءَ، واذبَحْ إبلي إلا العجافَ. وهذا يدُلّ على أنَّ الصيغَة موضوعةٌ للعمومِ؛ لأن الاستثناء إنما يُخرجُ ما لولاه لدخلَ تحتَ اللفظِ. يوضِّحُ ذلكَ في الأعدادِ قولُهم: لهم عليَّ عشرةُ دراهمَ إلا درهماً (٢). فيكونُ بالالستثناءِ إقرارٌ بتسعةٍ، ولولاه لدخلَ العاشر فإذا بانَ بدخولِ الاستئناءِ أنَّه لولاهُ لكانَ داخلاً شاملاً؛ عُلمَ بذلكَ أنه مع عدمِ الاستثناءِ موضوعٌ للشمولِ والعمومِ. والذي يكشفُ عن هذا: أنَّ الاستثناءَ لم يحسُن من غيرِ الجنسِ لما لم يكن داخلاً تحتَ عمومِ اللفظِ، فاستقبحَ أن تقولَ: رأيتُ الناسَ إلا حماراً. فلمّا حسُنَ أن يخرجَ بالاستثناءِ كل اسمٍ من الجنسِ المذكورِ في الصِّيغة؛ عُلِمَ أنَّ الصيغةَ شملت، وأنَّ الجنسَ بآحادِه دخلَ، فَحَسُنَ الاستثناءُ لمكانِ اقتضاءِ دخوله (٣).

стр. 1464

فصل فيما وجَّهوهُ على هذهِ الدلالةِ فقالوا: ولِمَ قَصرتم الاستثناءَ على ذلكَ؟ وما أنكرتم أن يكونَ تسلط للاستثناءِ على هذهِ الجملةِ، لصلاحيتها للعمومِ دون اقتضائها، ونحنُ لا نمنعُ أنها بالإطلاقِ صالحةٌ، وإنما نمنعُ أن تكونَ تقتضي العمومَ وليس فيما ذكرتم من الاستثناءِ ما يَدُلُّ على أكثرَ من الصلاحية. فيقالُ: هذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الاستثناءَ لا يُخرجُ إلا ما اقتضاه اللفظُ؛ لأنه مأخوذٌ من قولهم: ثنيتُ عِنانَ فَرسي. إذا صَرفه. وقيل: إنه مأخوذ من تثنية خبرٍ بعد خَبر، فإنَّ قولَه سبحانه: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، خبرٌ بنجاةِ لوطٍ، [وقوله:] (١) ﴿إلا امرأتَه﴾ خبر بإهلاكها، وأيُّهما كان اقتضى دخولَ المستثنى في (٢) اللَّفظ حتى يصرفه عنه في قولِ بعضِهم، فيثني الخبرَ بعد الخبرِ في قولِ البعضِ. ولأنَّه لو كان حَسُنَ الاستثناءُ، لجواز أن يكونَ داخلاً في اللفظ، لوجَب أن يصحَّ من النكراتِ، كما يصحُّ من المعارِف المقتضيَة للجنسِ، فلما لم يحسُن ذلكَ في النكراتِ، بَطلَ ما ذكروه (٣). فصل في دلالةٍ لنا أيضاً هي (٤): أنَه لو قال لرجل: من عندَك؛ حسُنَ أن يجيبَ بكل واحد من جنسِ العقلاءِ، حتى لو استوعبَ الجميعَ لكان ذلكَ جواباً، ولو لم يكن اللفظُ عامَّاًشاملاً لجميعِ الجنسِ،

стр. 1465

لما صار مُجيباً بكلِّ واحدٍ من الجنسِ؛ لجوازِ أن يكونَ المسؤولُ عنه غيرَ الذي أجابَ به. ألا ترى أنَه لو أجابَه بواحدٍ من جنسِ البهائمِ لما كان مجيباً له، لمّا لم يك داخلاً تحت السؤال بحرف (مَن). قالوا: إنما حَسُن ذلك؛ لأنَّ اللفظَ يَصلُحُ لكلِّ واحدٍ منهم (١) لا لأنَّ اللفظَ شاملٌ لهم من طريقِ الاقتضاءِ. قيلَ: اللفظُ يصلحُ لما أجابَ به ولغيرِه، فيجبُ أن لا يصح الجوابُ حتى نعلَم مرادَ السائلِ. يدلُّ عليه: أنه لو قالَ: من دخلَ الدارَ فله درهمٌ، أو من ردَّ عبدي الآبقَ فله درهمٌ. يستحقّ كل من وجدَ ذلكَ منه العطاءَ، فدلَّ على أنَ اللفظَ يقتضي الكل. ومن أدلتِنا: أنَ للعمومِ تأكيداً، وللخصوص تأكيداً، وقد اتفقنا على أنَّ تأكيدَهما يختلفُ في أصل الوضعِ، لا بقصدِ ولا إرادةٍ، لاختلافهِما، فكذلكَ يجبُ أن يكونَ أصلُ المؤكَدهين اللذين أحدُهما عام، والآخرُ خاصّ مختلفَينِ في أصل الوضعِ، لا بالقصدِ إلى ذلكَ، ولا بالإرادة له، وقد ثبتَ أنَّ في حق التأكيدِ أن يكونَ كقول المؤكَّد ومطابقاً لمعناه، ومتى لم يكن كذلكَ خرج عن كونه تأكيداً. والذي يوضحُ ذلكَ من المثالِ: أنَّ القائلَ لو قالَ: ضربتُ زيداً كلهم أجمعينَ أكْتَعين (٢)، أو أكرمتُ عَمْراً أجمعَين كلَّهم سائرهم. لم يكن قولاً صحيحاً في اللغةِ، و [كان] (٣) خارجاً عن قانونِها، ولا يجوزُ أن يقولَ: ضربتُ القومَ أو الرجالَ نفسَه أو عَينه. وإنما القولُ الجائرُ في ذلكَ، المسموعِ من أهلِ اللغةِ: ضربتُ زَيداً نفسَه،

стр. 1466

وضربتُ القومَ كلهم أجمعينَ، أو سائرَهم أكتَعينَ. وإذا كان كذلك: ثبتَ أنَّ للعمومِ لفظاً يخصُّه، وللخصوصِ لفظاً يخصُّه، كما أنَّ للواحدِ لفظاً يخصُّه، وللاثنينِ لفظاً يخصهما، وللثلاثة لفظاً يخصّها، فصارَ العمومُ والخصوصُ في الوضعِ كالأعدادِ من الآحادِ والتثنياتِ والجموعِ، لكل قدرِ منها لفظٌ يخصُّه (١). فصل فيما وجّهوه من الأسئلةِ على هذهِ الأدلة فمنها: المنعُ من القاعدةِ (٢)، وأنه قد يؤكَد لا بما اقتضاه المؤكَّد. من ذلك: قول القائل من العرب: كلُّ رجلِ ضَربني ضربتُه، وسائرُ من أكرمني أكرمتُه. ولفظة سائرُ وكلُّ للجميعِ، وقوله: أكرمتُه، وضربتُه. إنما رجع إلى الواحد، ولا جَمع فيه أصلاً، فقد قوبلَ الجمعُ والعمومُ بالواحدِ، وأكِّدَ بما لا جَمْع فيه. قال اللهُ سبحانَه تصديقاً لهذا في اللغةِ، ودليلاً على أنّه أصل فيها: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨] , ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وكُلّ صالح للعمومِ عندنا، وموضوعٌ عندكم، وقد أُكِّد برجل، ونفس وإنسانٍ، وليس فيه جمعٌ رأساً، بل هو لفظٌ للواحدِ. ومنها: أن قالوا: نُقِلت الدلالةُ على عكسِ ما أردتم، وأنها لما حَسُنَ أن يُعطفَ عليها أجمعين وأكتعين، عُلم أن كُل وسائرَ لا يعطي ولا يقتضي الشمولَ والعمومَ، إذ

стр. 1467

لو كانت تقتضي ذلكَ لما احتيجَ إلى ثانٍ (١) منها، وثالثٍ؛ لأنَّ كل صيغةٍ من هذهِ لا تُفيد إلا ما أفادت الأولى, فهو كقولِ القائلِ: رأيتُ ثلاثةَ أنفسٍ وواحداً، أو واحداً وواحداً وواحداً. لمّا كانت الثلاثةُ موضوعةً لا جَرمَ لم يحسُن أن تؤكَّد بما ذكرنا من عطفِ الآحادِ عليها، وكذلكَ لو قال القائلُ: أعطه عشرةَ دراهم؛ تسعةً [ودرهماً، أو] (٢) ثمانيةً ودرهمين. لم يكن ذلك مفيداً؛ لاستغنائنا بكونِ الأوَّلِ موضوعاً لهذا العددِ المخصوصِ. ومنها: أن قالوا: استشهادكم بالتأكيدِ وألفاظِه غفلةٌ منكم؛ لأنَّ الخلافَ في كُلِّ لفظٍ أوردتموه مؤكَّداً كان او مؤكِّداً، فلا يقتضى شيء من ذلكَ الشمولَ والعمومَ، بل هوصالحٌ، فَلمكانِ (٣) الصلاحية التي فيه عُطف عليه مايَصلحُ له، فأمَّا الاقتضاءُ فإنما هو مجرَّد دعوى وزيادة على الصلاحية، ولا دلالةَ (٤) لكم عليها، وإنما أرادَ عطفَ شيءٍ على شيءٍ ليبلغَ بذلك إلى غايةٍ، هي العلمُ بأن قصدَه الاستغراقُ، فيقولُ: أكرِم كُلَّ العلماءِ، فقيرَهم وِغنيَّهم شيخَهم وشأبَّهم، قاصيَهم ودانيَهم، حتى ينتهيَ إلى الغاية، فيعلمَ المقولُ له أنَّ قصدَ المتكلَّم: عمومَهم وشمولَهم بالإكرامِ. فصل في الأجوبةِ لنا عن أسئلتهم فأمَّا الأوّلُ: ومنعهُم أنَّ التأكيدَ لا يكونُ إلا بما يكون كالمؤكِّد، وما يقتضيه. فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الأمرَ في ذلك أظهرُ وأشهر فإنَّ القائلَ من أهلِ اللغةِ يقولُ: دخلَ السلطانُ نفسه. وإن كان اسمُ السلطانِ لا يقعُ على غيرِه، ولا وُضعَ إلا للمسلطِ

стр. 1468

بالحقِّ، لكن أكَّد الحقيقةَ بالحقيقةِ، لما قد يُستعانُ في ذلكَ من المجازِ، وأنَّه قد يقالُ: دخلَ السلطانُ البلدَ. وإن كانَ الداخلُ إليه عسكرُه أو رَحلُه وثَقَلُه (١)، وكذلكَ قولُهم: قد سكنَ زيدٌ الدارَ الفلانيةَ. ويُراد به نفسه، ويحسُنُ أن يقالَ: سكنها بنفسِه. دفعاَ لتوهُّمِ الاستعارةِ في ذلكَ، وأن يكونَ سكنها بمعنى أنه نَقل إليها رحله وأهلَه، وإن لم ينتقل بنفسِه، فهذا الأمرُ لا يجحدُه إلا مُكابرٌ أو جاهلٌ باللغةِ. وأمَّا قولُهم: كُل مَن أكرمني أكرَمْتُه. ولم يقل: أكرمتهم؛ لأنَّ كُلّ ها هنا دخلت بمعنى: أيّ النَاسِ أكرمني أكرمتُه. والوحدةُ ها هنا أبلغُ من الجمعِ؛ لأنَّ قوله: كُل مَن لفظةُ كُلّ معطوفٌ عليها (مَن)، ومعطوفٌ عليها: كل نفسٍ، وكل إنسانٍ، فعاد التأحيدُ إلى التأحيدِ، ولا يحسُنُ: كل نفسٍ بما كسبوا، وكُلّ نفسٍ ذائقون الموت، وإن جاز فالتأحيدُ أحسنُ مساغاً، كقوله: ﴿رَهِينَةٌ﴾ و ﴿ذَائِقَةُ﴾، وأكرمتُه إلى لفظِ الواحدِ؛ لأنَه أبلغُ؛ لأنَّ إكرامَ الواحدِ من الكُل مع دخولِ الكُل على الآحاد يعطي إكرامَ (٢) الكُل والآحادِ، وأن تكونَ كلُّ النفوسِ وآحادها رهينةً وذائقةً للموت، فصار المعنى: أيُ النفوسِ كَسَبت؛ فهي رهينة بكسبها، وأيُ الرجال أكرمني أكرمته. وأمَّا قولهم: إنَ التأكيدَ يعطي ضدَّ ما أردتم، وإنه لو اقتضى اللفظُ الأولُ العمومَ لما احتيج إلى الثاني، ولما حَسُن عطفُه. فغلطٌ؛ لأنَّ التأكيدَ إنما دخلَ لنفي التوسع، والمجازِ، ولَّما كان أهلُ اللغةِ قد يتوسّعونَ بالمجارِ فيقولون في حق المعظَيم: جاءني كلُّ بني تميم. والمرادُ: أكثرُهم، والمجازُ لا يؤكَّد، أدخُلوا التأكيدَ لدفعِ التجوز والتوسع، فقالوا: أجمعينَ، أكتعينَ، أبْصعين، حتى لا يبقى توهُّمٌ للمجازِ والتوسُعِ، مثلُ قولهم: حمارٌ نهَاق ذو أربع. يُزيلونَ بالتأكيدِ توهُّمَ الرجلِ البليدِ. والذي يدُلُّ على أنَ التأكيدَ يعطي ما ذكرنا: أنه لا يحسنُ أن نقولَ: رأيتُ زيداً

стр. 1469

غيره. ولا يقالُ: إلا نفسَه وعينَه؛ لأنَّ النفسَ والعينَ هى حقيقةُ زيدٍ. ولانُسَلِّمُ قولهَم: لا يحسن تأكيدُ الاعدادِ. بل اذا قالَ ما يؤكدُ الأعدادَ حَسُنَ قال الله تعالى. ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فقد بان تجويز التأكيد فى الاعداد؛ التفصيل بالجملة، فكذلكَ يحسُنُ أن تُؤكد الجملة بالتفصيل، فإذا حسن أن يقال: عشرةٌ وثلاثون: أربعون، وثلاثةٌ وسبعةٌ: عشرةٌ. عطفاً وتأكيداً، كذلك يحسُنُ ان يقال: عشرةٌ، ثمَّ يقال: ثمانيةٌ واثنان. قياساً كانَ -فنحن نقول به، وأنَّ اللغة تثبتُ قياساً، وسنذكره في موضعه إن شاءَ الله (١) - أو استقراءً. وأمَّا قولهم: إنَ العطف للجمل المتساوية، وإنَّ المتساويةَ كلها مختلفٌ فيها، غيرُ مقتضيةٍ (٢)، وإنما قصدوا بذلك بيان قصدهم وأنَّه الشمولُ، فصار بذلك الاستقصاءِ (٣) مفيداً لاْ بنفس الصيغة. فغيرصحيح؛ لأنَّه اذا كان كل لفظ وصيغة من هذهِ الألفاظِ والصيغ لاتفيدُ الشمولَ، لم يكن اجتماعها مفيداً، فصيغةُ كُل، وجميع، وسائر وأجمعين، وأكتعين، كلُّ واحدةٍ منها لا تفيد عندكم، ولا تقتضي العموم، فكيف يجلبُ اجتماعها علماً المعلوم؟ وهل هذا إلا بمثابة من قال: رأيتُ معظمَ بني تميم، أكثرَ بنى تميم، أظهر بنى تميم؟ لم يعط ذلك تكرارُ الجميع، بل البعضَ، لكن الأكثرَ فقط فما أظهر التكرارُ تعميماً، حيث لم يكن فى الصيغة الأولى والثانيةِ والثالثةِ تعميم، فكيف يدعى العلم بالعموم بتكرار: كل؛ وسائر, وجميع؟ وكلُّ صيغةٍ منه على حدِّها لا تعطى ذلك ولا تقتضيه.

стр. 1470

فصل فيما استدل به بعضُ من وافَقنا ، وأخرجه مخرجَ الاستبعادِ لمذهبِ الخصمِ، وليسَ بالمعتمد، لكن في ذكرِه فائدةٌ ليتحرَّز من الاعتمادِ عليه. فمن ذلك: قولُهم: إذا كان الباري قد كلَّفنا أمراً وحُكماً يشملُ الجنسَ ويستغرقُ الطبقةَ، ولم يكن قد وَضعَ للعمومِ صيغةً ترد في كتابه ولا على لسانِ رسوله ﷺ ، والباري ليس بعاجزٍ عن أن يضعَ لذلك صيغةً نعقلُ بها ذلك، فلا وجهَ لذلك، فلم يبق إلا أنه قد وَضعَ لذلكَ صيغةً تقتضيه، كما كلَّف أحكاماً تعمُّ الجنسَ وتستغرق الطبقةَ (١). ومن ذلكَ: ما قالوا: أليسَ جبريلُ سمِعَ ألفاظاً صالحةً للعموم، ونزلَ بها على الرسولِ ﷺ ، فبماذا علِمَ؟ وجوابُ القومِ عن هذا سهلُ المتناوَل؛ لأنهم يقولون: إنَ مثلَ هذا لا يمنعُ كونَ الصيغِ صالحةً غيرَ مقتضية، وإنَّ الاعتماد في حصول العموم بها ما يتبعها من قرائنِ الألفاظِ، ورمزِ اللِّحاظِ، ودَلائلِ الأحوالِ، وشواهدِ الأقوالِ التي تجعلُ الألفاظَ كالنصوصِ بارتفاعِ الاحتمالِ، ولو جازَ أن يكونَ هذا رافعاً للاحتمال، جالباً للاقتضاء في هذه الألفاظِ؛ لكانت الصيغُ المشتركةُ، كالقرءِ والشَّفقِ، لا يجوزُ أن تردَ ويجعلَ نفي تجويزِ ورودِها هذه الدلالة. فيقالُ: إذا كانت الصيغةُ مُترددة (٢) بينَ الأحكامِ، أو الأعيانِ، أو الأوقاتِ المختلِفةِ بل المتضادَّةِ، فكيفَ يكون ترجيحُ بعض (٣) محتملاتِها؟ فلمَّا جازَ ورودُها، وكانَ الاعتمادُ في ترجيحها إلى بعضِ محتملاتها على القرائنِ لها ودلائلِ الأحوال

стр. 1471

المرجِّحة لأحدِ محتملاتها، كذلكَ هذه الصيَّغُ. وأكثرُ من هذا المتشابهُ الذي أوهمَ التشبيهَ، وبعضُه الاختلافَ والمناقضَة، وأحالَ سبحانه في ذلكَ على عِلمِ المتأوَّلين أو تسليمِ المُحكِمين (١). وأمَّا ما يَسمعه جبريلُ من الوحي، فإنَّ اللهَ سبحانَه يضعُ في نفسِه (٢) ما يعملُ عملَ القرائنِ في حقنا ودلائلِ الأحوالِ. فالمعتمِدُ على مثلِ هذهِ الطرقِ سريعُ الانقطاعِ؛ لأنَه كالمعوِّلِ في دليلِه على استعظامِ خَصْمِه طريقاً يوضِّحه ليحصلَ فهمُ العمومِ والشمولِ، فإذا أوضَح طريقاً صالحاً لتفهيمهِ ذلكَ، انقطعَ الكلامُ وصارَ كقائلٍ يقولُ لغيرِه: من أينَ علمتَ كذا؟ فإذا قالَ له: من طريقِ كذا. وذكرَ جهةً صالحةً لحصولِ العلمِ، سقَطَ الكلامُ. فينبغي للعاقلِ أن يتوقّى مثلَ هذه الطرقِ، فإنَ مصرعها وَخيم، وانقطاعَ المعتمدِ عليها سريعٌ. وكما ينبغي للمصنف أن يُرشدَ إلى الأدلةِ النافعةِ، ينبغي أن يُحذرَ من هذه الطرقِ المضرَّة، ليقعَ بتصنيفه تمامُ النَفع إن شاءَ الله.

стр. 1472

فصل يجمع أدلّة المخالف في هذا الفصل (١) فمنها قولُهم: لو كانَ للعمومِ صيغةٌ موضوعةٌ تَقتضيه، لم يخلُ أن تكون ثابتةً بدليلِ العقلِ أو النقلِ، والعقلُ؛ فلا مجالَ له في إثباتِ اللغاتِ، والنقل؛ فلا يخلو من آحادٍ، ولا تَصلحُ لإثباتِ هذا الأصلِ؛ لأنها توجبُ الظنَّ، وهذه الأصولُ طريقُها القطعُ، أو يكون النقلُ تواتَر؛ فيجبُ أن يشيعَ خبرُه ويستبينَ أمرُه، حتى يكونَ العلمُ القطعيُّ به حاصلاً، والاتفاق عليه واقعاً، فلمَّا بطلت (٢) دعوى وضعِ صيغةٍ للعمومِ، إذ لم يبقَ لها طريقٌ تثبتُ به، فيقالُ: هذا ينقلبُ عليكم في إثباتِكم الاشتراكَ في هذهِ الصيغِ والألفاظِ بين الخصوصِ والعموم. قلنا: لا تجدون (٣) عنه انفكاكاً؛ لأنه لا يخلو ثبوتُ الاشتراكِ فيها عنْدكم أن يكون عقلاً، ولا مدخلَ لأدلةِ العقلِ فيما هذا سبيلُه من الوضعِ، أو نقلاً، فلا يخلو أن يكونَ تواتراً قطعياً فكانَ يجبُ أن نشتركَ وإياكم في علمِه، ويشيعَ خبرهُ شياعَ جميع ما نُقِلَ تواتراً، وإن كان آحاداً، فالآحادُ لا يثبت بها ما طريقهُ العلمُ. على أننا أثبتناه بنقلٍ يجري مجرى التواتر، وهو ما ذكرناه من النقلِ الذي رضيتم إثباتَه للصلاحية، وتَنكَّبتم منه الوضعَ والاقتضاءَ، وعَقَلنا نحنُ منه الوضعَ والاقتضاءَ بما أغْنانا ذِكره عن (٤) الإعادة (٥).

стр. 1473

وقد تكرَرَ طلبُكم في هذا التواترِ الذي يزيلُ الشك ويقطعُ الخلافَ، وليس هذا من أصول الدينِ بشيءٍ، إذ لو كان (١) مما لا يثبتُ إلا بالأدلةِ القطعية، لما سوَّغ الفقهاءُ لإجماعهم الخلافَ فيه، كما لم يسوغوه في أصول الديانات، ولكفّروا مخالفَهم أو فسَّقوه، كما اعتمدوا في أصولِ الديانات. فصل في شبههم فمنها: أن قالوا: إنَ هذه الألفاظَ والصيغَ تردُ والمرادُ بها الكُلّ، وتردُ والمرادُ بها البعضُ، فإذا جاءت مطلَقة بغيرِ دلالةٍ ترجحها، ولا قرينةٍ تقرنها إلى أحدِ الأمرين، بقيت على التردُّدِ؛ فلا تقتضي أمراً معيَّناً؛ فوجبَ الوقفُ، فإنَّ حَمْلَها على أحدِ محمليها بغير دلالةٍ حَزْرٌ وتَخْمين. وبمثلِ هذا لا تثبت الأحكامُ، ولا تُشغلُ الذِّمَم، وما صارت إلا بمثابة الأسماءِ المشتركَة، مثل: جَون، ولَون، وقرء، وعَين، وشَفق، لا يحملُ على أحدِ محتملاته: البياضِ أو الحمرةِ، أو الطهر أو الدَّمِ، إلا بدلالةٍ، ولا مذهبَ في ذلكَ قبل ورودِ الدلالةِ أو مُصاحَبةِ القرينةِ إلا الوقفُ، كذلك ها هنا. فيقال: ليسَ إذا حصلَ الاستعمالُ فيهما يمنعُ من كونِ الإطلاق ينصرف إلى أحدِهما، لكونه حقيقةً فيه دونَ الآخرِ، كالبحرِ، والحمارِ، والجوادِ والشُّجاعِ، فيستعملُ في غيرِ الماءِ الكثيرِ والرجلِ العالمِ أو الكريمِ، والحمارِ في النَّهَّاق والرجلِ البليدِ، والشجاع في الحيَّة والرجل المقُدِم على الحرب، وصيغُ (٢) العمومِ تُستعملُ في البعضِ مجازاً، بدليلٍ، وتنصرفُ إلى الأصولِ الموضوعةِ لها والاستغراقِ والشمولِ. والجوابُ عن المشتركِ: أنه لم يوضع لأحدِ تلكَ الأشياءِ بعينه، والكل، والجميعُ،

стр. 1474

وسائرُ، وأنَّى (١) موضوع للاشتمال والاستغراق، ولهذا لو قال له: اذبَح كلَّ غَنمي. حسُنَ شروعُه في الذَّبح ماراً في استئصالها بالذبحِ، إلا أن تقومَ دلالةُ النَّهي، ولا يَحْسُن لمن قيل له: اصبغ ثوبي لوناً. أن يشرعَ في صبغهِ أسودَ إلى أن يُنْهى، فهل يقفُ حتى يُبَيِّن له أيَّ الألوانِ أراد؟! قال بعضُ الأئمةِ في النظر هذا الجوابُ غيرُ صحيح؛ لأنَّ المجازَ إنما يُستعملُ فيما يقربُ من الحقيقةِ بنعوعٍ من صفاتِ الحقيقةِ يقرب إليها، كالبلادةِ في الحمار والفيضِ في الكريمِ، والعالمِ يقرِّبه من البحرِ, وعلى ذلك في جميع الاستعارات. فأمَّا استعارةُ الضدِّ والتجوُّزِ به، فلا؛ ألا ترى أنهم لا يستعيرون للبخيلِ بحراً؛ لأنه إلى جانبِ الجمودِ، واليُبسِ، وهي ضد الرطوبة والفَيضِ والذَّوبِ، ولا يستعملُ الحمارُ للفَطِن الذكيَّ؛ لأنه على ضدَّ البليدِ. قال: ومن وجْهٍ آخر: وهو أنه لا يصحُّ على مذهبِ من يقولُ: إنَ المخصوصَ من العمومِ يَبقى ما بقي منه حقيقةً، ولا يكونُ مجازاً، فلا ينطبقُ الجوابُ على ما أشارَ إليه من أسماءِ الحقائقِ إذا انتقلت إلى المجاز بدلالةٍ. فيقال: إنَّ دعواكَ أنَّ العرب لا تستعملُ الاستعارةَ في الضدِّ لا تصحُ، فإنها قد سمت الضريرَ: بَصيراً (٢)، واللسيعَ: سليماً (٣)، والمَخوفَ من الطرقِ: مفازةً، وهذا

стр. 1475

استعمالُ الاسمِ في ضدِّ ما وضعَ له. وإن قال قائلٌ: إنَّ الباقي من العمومِ حقيقةٌ، فلا نلزمه؛ لأنَّ الصيغةَ موضوعةٌ للاستغراقِ في أصلِ الوضعِ، وما تحتَ الاستغراق في كُلِّ لفظٍ شاملٍ لاثنين فصاعداً من الجنسِ، فهي عمومٌ في ذلكَ القدر؛ لأنها لم تُصرف إلى غيرِ ما وُضعت له؛ لأنَّ الشمولَ للكلِّ، والشمول للجملة التي تحت الكُلّ ليست غيراً ولا خلافاً، بخلافِ صيغةِ الحمار, إذا أريد بها: الرجلُ البليدُ، فإنها موضوعةٌ للنَّهَّاقِ في الأصلِ، والبليدُ غيرُ النَّهَّاقِ. فصل ومن شبهاتِهم: أنَّ استعمالَ هذه الصيغِ في البعضِ أكثرُ من استعمالِها في الكُّلِّ . يقول القائلُ: جمعَ الأميرُ التجارَ, وحشر الصنَّاعَ، وغسلتُ ثيابي، وأسرجتُ دوابِّى، وتصدقتُ بمالي أو بدراهمي، وصرمتُ نَخلي، وجاءني بنو تميم. وكلُّ ذلكَ مستعملٌ في البعضِ، وقلَّ أن يستعملَ في الكُلِّ، ومُحالٌ أن يكونَ اللفظُ للكُلِّ وموضوعاً للاستغراق، ثم يكون استعماله في المجازِ أكثر كالحمارِ والبحرِ والأسَدِ والشجاعِ، لما كانت حقائقَ أصليةً كان استعمالُها فيما وضعت له أكثرَ من استعمالها فيما استعيرت له. فيقال في (١) جوابهم: إنَّ كثرةَ الاستعمالِ لا تدلُّ على الحقيقة، وقِلَتَه لا تدل على المجاز بدليلِ أنَّ (٢) الاستعمال لاسمِ الغائطِ، والعَذِرَةِ، والراويةِ، والشُّجاعِ، ثم
следующие страницы →