المرجِّحة لأحدِ محتملاتها، كذلكَ هذه الصيَّغُ. وأكثرُ من هذا المتشابهُ الذي أوهمَ التشبيهَ، وبعضُه الاختلافَ والمناقضَة، وأحالَ سبحانه في ذلكَ على عِلمِ المتأوَّلين أو تسليمِ المُحكِمين (١).
وأمَّا ما يَسمعه جبريلُ من الوحي، فإنَّ اللهَ سبحانَه يضعُ في نفسِه (٢) ما يعملُ عملَ القرائنِ في حقنا ودلائلِ الأحوالِ.
فالمعتمِدُ على مثلِ هذهِ الطرقِ سريعُ الانقطاعِ؛ لأنَه كالمعوِّلِ في دليلِه على استعظامِ خَصْمِه طريقاً يوضِّحه ليحصلَ فهمُ العمومِ والشمولِ، فإذا أوضَح طريقاً صالحاً لتفهيمهِ ذلكَ، انقطعَ الكلامُ وصارَ كقائلٍ يقولُ لغيرِه: من أينَ علمتَ كذا؟ فإذا قالَ له: من طريقِ كذا. وذكرَ جهةً صالحةً لحصولِ العلمِ، سقَطَ الكلامُ.
فينبغي للعاقلِ أن يتوقّى مثلَ هذه الطرقِ، فإنَ مصرعها وَخيم، وانقطاعَ المعتمدِ عليها سريعٌ.
وكما ينبغي للمصنف أن يُرشدَ إلى الأدلةِ النافعةِ، ينبغي أن يُحذرَ من هذه الطرقِ المضرَّة، ليقعَ بتصنيفه تمامُ النَفع إن شاءَ الله.
стр. 1472
فصل
يجمع أدلّة المخالف في هذا الفصل (١)
فمنها قولُهم: لو كانَ للعمومِ صيغةٌ موضوعةٌ تَقتضيه، لم يخلُ أن تكون ثابتةً بدليلِ العقلِ أو النقلِ، والعقلُ؛ فلا مجالَ له في إثباتِ اللغاتِ، والنقل؛ فلا يخلو من آحادٍ، ولا تَصلحُ لإثباتِ هذا الأصلِ؛ لأنها توجبُ الظنَّ، وهذه الأصولُ طريقُها القطعُ، أو يكون النقلُ تواتَر؛ فيجبُ أن يشيعَ خبرُه ويستبينَ أمرُه، حتى يكونَ العلمُ القطعيُّ به حاصلاً، والاتفاق عليه واقعاً، فلمَّا بطلت (٢) دعوى وضعِ صيغةٍ للعمومِ، إذ لم يبقَ لها طريقٌ تثبتُ به، فيقالُ: هذا ينقلبُ عليكم في إثباتِكم الاشتراكَ في هذهِ الصيغِ والألفاظِ بين الخصوصِ والعموم.
قلنا: لا تجدون (٣) عنه انفكاكاً؛ لأنه لا يخلو ثبوتُ الاشتراكِ فيها عنْدكم أن يكون عقلاً، ولا مدخلَ لأدلةِ العقلِ فيما هذا سبيلُه من الوضعِ، أو نقلاً، فلا يخلو أن يكونَ تواتراً قطعياً فكانَ يجبُ أن نشتركَ وإياكم في علمِه، ويشيعَ خبرهُ شياعَ جميع ما نُقِلَ تواتراً، وإن كان آحاداً، فالآحادُ لا يثبت بها ما طريقهُ العلمُ.
على أننا أثبتناه بنقلٍ يجري مجرى التواتر، وهو ما ذكرناه من النقلِ الذي رضيتم إثباتَه للصلاحية، وتَنكَّبتم منه الوضعَ والاقتضاءَ، وعَقَلنا نحنُ منه الوضعَ والاقتضاءَ بما أغْنانا ذِكره عن (٤) الإعادة (٥).
стр. 1473
وقد تكرَرَ طلبُكم في هذا التواترِ الذي يزيلُ الشك ويقطعُ الخلافَ، وليس هذا من أصول الدينِ بشيءٍ، إذ لو كان (١) مما لا يثبتُ إلا بالأدلةِ القطعية، لما سوَّغ الفقهاءُ لإجماعهم الخلافَ فيه، كما لم يسوغوه في أصول الديانات، ولكفّروا مخالفَهم أو فسَّقوه، كما اعتمدوا في أصولِ الديانات.
فصل
في شبههم
فمنها: أن قالوا: إنَ هذه الألفاظَ والصيغَ تردُ والمرادُ بها الكُلّ، وتردُ والمرادُ بها البعضُ، فإذا جاءت مطلَقة بغيرِ دلالةٍ ترجحها، ولا قرينةٍ تقرنها إلى أحدِ الأمرين، بقيت على التردُّدِ؛ فلا تقتضي أمراً معيَّناً؛ فوجبَ الوقفُ، فإنَّ حَمْلَها على أحدِ محمليها بغير دلالةٍ حَزْرٌ وتَخْمين. وبمثلِ هذا لا تثبت الأحكامُ، ولا تُشغلُ الذِّمَم، وما صارت إلا بمثابة الأسماءِ المشتركَة، مثل: جَون، ولَون، وقرء، وعَين، وشَفق، لا يحملُ على أحدِ محتملاته: البياضِ أو الحمرةِ، أو الطهر أو الدَّمِ، إلا بدلالةٍ، ولا مذهبَ في ذلكَ قبل ورودِ الدلالةِ أو مُصاحَبةِ القرينةِ إلا الوقفُ، كذلك ها هنا.
فيقال: ليسَ إذا حصلَ الاستعمالُ فيهما يمنعُ من كونِ الإطلاق ينصرف إلى أحدِهما، لكونه حقيقةً فيه دونَ الآخرِ، كالبحرِ، والحمارِ، والجوادِ والشُّجاعِ، فيستعملُ في غيرِ الماءِ الكثيرِ والرجلِ العالمِ أو الكريمِ، والحمارِ في النَّهَّاق والرجلِ البليدِ، والشجاع في الحيَّة والرجل المقُدِم على الحرب، وصيغُ (٢) العمومِ تُستعملُ في البعضِ مجازاً، بدليلٍ، وتنصرفُ إلى الأصولِ الموضوعةِ لها والاستغراقِ والشمولِ.
والجوابُ عن المشتركِ: أنه لم يوضع لأحدِ تلكَ الأشياءِ بعينه، والكل، والجميعُ،
стр. 1474
وسائرُ، وأنَّى (١) موضوع للاشتمال والاستغراق، ولهذا لو قال له: اذبَح كلَّ غَنمي.
حسُنَ شروعُه في الذَّبح ماراً في استئصالها بالذبحِ، إلا أن تقومَ دلالةُ النَّهي، ولا يَحْسُن لمن قيل له: اصبغ ثوبي لوناً. أن يشرعَ في صبغهِ أسودَ إلى أن يُنْهى، فهل يقفُ حتى يُبَيِّن له أيَّ الألوانِ أراد؟!
قال بعضُ الأئمةِ في النظر هذا الجوابُ غيرُ صحيح؛ لأنَّ المجازَ إنما يُستعملُ فيما يقربُ من الحقيقةِ بنعوعٍ من صفاتِ الحقيقةِ يقرب إليها، كالبلادةِ في الحمار والفيضِ في الكريمِ، والعالمِ يقرِّبه من البحرِ, وعلى ذلك في جميع الاستعارات.
فأمَّا استعارةُ الضدِّ والتجوُّزِ به، فلا؛ ألا ترى أنهم لا يستعيرون للبخيلِ بحراً؛ لأنه إلى جانبِ الجمودِ، واليُبسِ، وهي ضد الرطوبة والفَيضِ والذَّوبِ، ولا يستعملُ الحمارُ للفَطِن الذكيَّ؛ لأنه على ضدَّ البليدِ.
قال: ومن وجْهٍ آخر: وهو أنه لا يصحُّ على مذهبِ من يقولُ: إنَ المخصوصَ من العمومِ يَبقى ما بقي منه حقيقةً، ولا يكونُ مجازاً، فلا ينطبقُ الجوابُ على ما أشارَ إليه من أسماءِ الحقائقِ إذا انتقلت إلى المجاز بدلالةٍ.
فيقال: إنَّ دعواكَ أنَّ العرب لا تستعملُ الاستعارةَ في الضدِّ لا تصحُ، فإنها قد سمت الضريرَ: بَصيراً (٢)، واللسيعَ: سليماً (٣)، والمَخوفَ من الطرقِ: مفازةً، وهذا
стр. 1475
استعمالُ الاسمِ في ضدِّ ما وضعَ له.
وإن قال قائلٌ: إنَّ الباقي من العمومِ حقيقةٌ، فلا نلزمه؛ لأنَّ الصيغةَ موضوعةٌ للاستغراقِ في أصلِ الوضعِ، وما تحتَ الاستغراق في كُلِّ لفظٍ شاملٍ لاثنين فصاعداً من الجنسِ، فهي عمومٌ في ذلكَ القدر؛ لأنها لم تُصرف إلى غيرِ ما وُضعت له؛ لأنَّ الشمولَ للكلِّ، والشمول للجملة التي تحت الكُلّ ليست غيراً ولا خلافاً، بخلافِ صيغةِ الحمار, إذا أريد بها: الرجلُ البليدُ، فإنها موضوعةٌ للنَّهَّاقِ في الأصلِ، والبليدُ غيرُ النَّهَّاقِ.
فصل
ومن شبهاتِهم: أنَّ استعمالَ هذه الصيغِ في البعضِ أكثرُ من استعمالِها في الكُّلِّ .
يقول القائلُ: جمعَ الأميرُ التجارَ, وحشر الصنَّاعَ، وغسلتُ ثيابي، وأسرجتُ دوابِّى، وتصدقتُ بمالي أو بدراهمي، وصرمتُ نَخلي، وجاءني بنو تميم. وكلُّ ذلكَ مستعملٌ في البعضِ، وقلَّ أن يستعملَ في الكُلِّ، ومُحالٌ أن يكونَ اللفظُ للكُلِّ وموضوعاً للاستغراق، ثم يكون استعماله في المجازِ أكثر كالحمارِ والبحرِ والأسَدِ والشجاعِ، لما كانت حقائقَ أصليةً كان استعمالُها فيما وضعت له أكثرَ من استعمالها فيما استعيرت له.
فيقال في (١) جوابهم: إنَّ كثرةَ الاستعمالِ لا تدلُّ على الحقيقة، وقِلَتَه لا تدل على المجاز بدليلِ أنَّ (٢) الاستعمال لاسمِ الغائطِ، والعَذِرَةِ، والراويةِ، والشُّجاعِ، ثم
стр. 1476
الغائط والعذرة تُستعملان في الخارج من الإنسان، والراوية تستعمل في المزادة، أو الحيوانِ الحامل لها، والشُّجاع في الرجل المقدامِ، وإن كان ذلك موضوعاً لغيره؛ فالغائطُ للمطمئنِ من الأرضِ، والعَذرةُ لفِناءِ البيت، والشجاع للحيّة المخصوص (١).
وكثرة الاستعمال أمر تَجددَ، فلا يُخرجُ الوضعَ عن أصله، كما يكثرُ استعمالُ الفلوسِ في بعضِ البلادِ، والأخْبار والإبرِ يسم والأقْطان، ولا تَخرجُ الدراهمُ والدنانيرُ عن كونِها أثمانَ الأشياءِ. ويُكثر أهل البوادي أكلَ الهَبيدِ (٢) والعِلْهِزِ (٣)، وإن كان الطعامُ إذا اطلقَ ينصرفُ إلى غيرِ ذلكَ من الأطعمةِ الموضوعةِ في الأصلِ للطّعمِ.
فصل
ومن شُبَههم: قولهم: أجمعَ (٤) القائلونَ بالعموم، والذاكرونَ له على حُسنِ الاستفهام عن مُراد اللافظِ بهذهِ الصيغِ والألفاظِ: ما الذي أردتَ بقولك: اصرِمِ النخلَ، واذبح الغنَم، وأكرِم من زارنا، واضرِبْ من عَصانا، وتصدَّق (٥) بدراهِمنا؟ وهل أردتَ العمومَ واستغراقَ كُلِّ النخيلِ، وذبحَ جميعِ الشياهِ حتى لا يبقى منها واحدة؟ أم أردتَ البعضَ أو الأكثرَ؟ ولو كان ذلك موضوعاً للاستغراقِ لما حسُنَ الاستفهامُ.
стр. 1477
ألا ترى أن صيغ الأسماء للأجناس لما كانت موضوعة لأعيانٍ مخصوصة لم يحسُن فيها الاستفهامُ، فلو قالَ: اذبح غَنَمي، واصرِم نَخلي، وتصدَّق بدارهمي. فقال: فهل تريدُ بالغنم الإبلَ، وبالنخيل الكرومَ، وبالدراهمِ الزعفرانَ؟ لماّ كانَ موضوعاً لتلكَ الأعيانه لم يحسُن الاستفهامُ فيه.
فيقالُ في جوابِهم عن ذلكَ: إن جوازَ الاستفهامِ لايقف على غيرِ الموضوعِ، بل يحسُنُ أيضاً في الموضوعِ حقيقةً (١)، لينفيَ باستفهامِه ما يعتري اللفظَ من التجوّز والاتساعِ والاستعارةِ، ألا تراه لو قال: دخلَ السلطانُ البلدَ. حسُنَ أن يقولَ: نفسُه أم عسكَرُه؟ وإذا قال: رأيتهُ (٢) مُقبلاً. حَسُن أن يقول: عَيْنه أو موكبَه؟ وإذا قالَ: ناطحتُ جبلاً، ولقيتُ بحراً، ورأيتُ حماراً. حَسُن أن يُستعلمَ: أمتَجوِّزٌ هو أم مُحِّق؟ فيقالُ: خاصمتَ رجلاً عظيماً, ولقيتَ رجلاَ كريماً, ورأيتَ رجلاً بليداً، أم نطحَك جَبَلٌ من حَجر, ولقيتَ ماءً غزيراً، ورأيتَ حيواناً نَهّاقاً؟
وإذا كان الاستفهامُ موضوعاً لزوال الالتباسِ، والإلباسُ حاصلٌ من حيثُ دَخَلَ الكلامَ التوسُّعُ والمجاز؛ لم يبقَ في الاستفهام دِلالةٌ على أنَ العمومَ لا صيغةَ له من حيثُ حَسُن فيه ودخلَ عليه؛ ولأنَ العمومَ صيغةٌ موضوعةٌ، لكنها ظاهرٌ, والاستفهام لطلبِ النصّ الذي هو الغاية التي لا تحتمل.
فصل
ومن شبههم أيضاً: أن قالوا: لو كان اللفظُ موضوعاً للاستغراقِ حقيقةً، لكان استعمالُه في البعض مجازاً، كما أنه لما كان استعمال لفظِة (حمار) حقيقةً في الحيوانِ النَّهَّاق، كان استعمالُها في الرجلِ البليدِ مجازاً، فلما كانت في الاستغراقِ حقيقةً، وفي البعض حقيقةً، عُلِمَ أنها إلى الاشتراكِ أقربُ منها إلى الوضعِ للعمومِ والشمولِ.
стр. 1478
فيقالُ لهم: إنما لم يصِر مجازاً؛ لأنَهُ غيرُ مستعمَلٍ في غير، بل ما بقي منه صالحٌ للشمولِ لما بقي من العددِ، وذلكَ لا يُسمى مجازاً، كما إذا قال: له علي عشرةٌ كان حقيقةً في هذا العددِ المخصوصِ، فإذا قال: إلا درهمين. كان حقيقةً في الثمانية، ولا يقال: إنه مجازٌ في العشرةِ، وإنما المجاز ما استُعملَ في غيرِه، استعمالِ الحمارِ في الرجلِ البليدِ، إذ لم يكن هو ولا بعضه (١).
فصل
ومن شُبههم فيها: أن قالوا: لو كانَ اللفظُ للعمومِ لما جازَ أن يردَ، والمراد به [البعض لا] (٢) العموم، كما في أسماءِ الأجناسِ والأنواعِ والأعيانِ، فلما وردَ هذا اللفظُ والمرادُ به البعضُ، بطَلَ أن يكونَ موضوعاً للكُلّ.
ألا ترى أن العلَّةَ لما كانت مقتضية للحكم لم يجُز أن تردَ في غيرِه (٣) مُقتضية له بحالٍ.
فيقالُ: نقولُ بموجب دليلكَ، وأنه لا يردُ للبعضِ بمطلقه، وإنما يردُ للبعضِ بقرينةٍ أو دلالةٍ، وليس ذلكَ مانعاً من الوضع كأسماءِ الأجناسِ التي عوَّلتَ عليها في الاستشهادِ، فإنَ الدلالةَ تصرفُها إلى غيرِما وُضِعت له.
فصل
ومن شمبههم فيها: أن قالوا: لو كان اللفظُ موضوعاً للكل، ثمَ وردَ ما يدُل على أنّه اريدَ به البعضُ، لكان كذباً، كما إذا قال: عشرة. ثم بان أنه رأى خمسة عَشر فإنه يكون كذباً كذلك ها هنا، فلما لم يكن تبيانُ التخصيص كذباً، دل على أنه ليس
стр. 1479
بموضوع للاستغراق.
فصل
في الأجوبة عن هذا
فمنها: أنه يبطل به إذا قال: اقتل عشرةَ أنفسٍ. ثم خصَّ بعضَهم، فإنَّ اللفظَ يتناول العشرةَ، ثم تَخصيصه لم يوجب الكذبَ.
على أنَّ كلامَ صاحبِ المتبرعِ يُجمَعُ بعضُه إلى بعضٍ، كالجملةِ الواحدةِ، فيصيرُ كالاستثناءِ مع المستثنى منه، فإنه لو قال: له علي عشرة إلا درهمين (١)، لم يكن كذباً، كذلك ها هنا.
والذي يوضح هذا: أن كلامَ صاحبِ الشرعِ يُبنى بعضُه على بعض كالمجموع (٢)، فإنه يُطلق الأمرُ في الشرعِ إطلاقاً، ثم يردُ بعد ذلك النسخُ، فلا يُعدُّ بداءً (٣)، وإن كان في غيرِ ألفاظِ صاحبِ الشرع يُعد بَداءً، فكذلكَ لا يُعَدّ التخصيص فيه كذباً.
فصل
ومن شُبههم: أن قالوا: لو كانَ اللفظ موضوعاً للاستغراقِ، لما جازَ تخصيصُ الكتاب بأخبارِ الآحادِ والقياس، فإنه لا يجوز إسقاطُ حكم القُراَنِ المقطوع بخبر واحد وقياسٍ مظنونٍ، كالنسخِ.
فيقال: ليس التخصيصُ إسقاطَ اللفظِ كُلّه، وإنما تخرجُ به بعضُ الأحكامِ ويبقى بعضها، ويتبين به أنَّ هذا الذي كان المرادَ به، فلا يكونُ إسقاطاً لحكمِ الكتابِ، بل بياناً للمراد بالكتابِ، فهو كصرفِ ظاهرِ اللفظِ، كالأمرِ والإيجابِ
стр. 1480
يُصرفُ إلى الندبِ بخبرِ الواحدِ والقياسِ، بخلافِ النسخِ الذي هو رفعٌ وإسقاطٌ (١).
فصل
ومن شُبههم فيها: أن قالوا: حملُ هذهِ الصيغِ على العمومِ يوجبُ التضادَّ؛ لأنه يعطي الخصوصَ كما يعطي العُمومَ، والكُل والبعضُ، والعمومُ والخصوصُ، متضادان، وليس في اللغةِ ذلك.
فيقال: الصيغةُ التي تفيدُ العمومَ ليست هي الصيغةَ المفيدة للخصوص، لأنَّ التي تعطي العمومَ هي الصيغةُ المجرَّدة المطلقةُ، والصيغةُ التي تفيدُ الخصوصَ هي المقيَّدةُ بقرينةٍ، أو الموجبة للبعضِ بدلالةً (٢).
فصل
والدلالةُ على فسادِ مذهبِ من حمل صيغة العموم على أدنى الجمعِ (٣)، ما تَقدَّم من الآي، والأخبار واحتجاجِ الصحابةِ بعضهِم على بعضٍ بالآيِ والأخبار (٤)، ولا أحدَ منهم تعلَّق بأقلِّ الجمعِ ولا ذكرَه.
ومنها: أنه يحسُن أن يُستثنى من هذه الصَّيَغِ والألفاظِ الثلاثةُ والأكثر, ومحالٌ أن تكونَ الصيغةُ موضوعةً لثلاثةٍ، ويُستثنى جميعُها وأكثر منها.
وفي علمِنا أنَه يحسن أن يقولَ: أحضر بني تميم، واقتل المشركين إلا ثلاثةً، فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ. وكذلكَ لو قال: إلا عشرةً. ولو كانت الصيغةُ بإطلاقِها تقتضي الثلاثةَ، لما جازَ استثناءُ الثلاثةِ، كما لو قال: اقتل ثلاثةً من المشركينَ إلا ثلاثةً.
стр. 1481
ومنها: أن للجمع لفظاً هو أخصُّ من صيغِ العمومِ، فلو أريدَ به أو وُضِعَ له، لأتى بذلك اللفظِ. فالخاصُّ: اقتل جماعةً من المشركينَ، واقتل مشركين، واقتل ثلاثةً.
فأمَّا: اقتلوا المشركين. فهذا هو صيغةُ الكل والاستغراقِ.
ومنها: أنَه لو كان الواجبُ حملَ العمومِ على الأقل لحُمِلَ على الواحِد، فإنه كما يرد والمراد به الثلاثة، قد يردُ والمرادُ به الواحدُ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والمرادُ به واحد (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] فأفضى الكلامُ إلى أنَّ الطائفة تقع على الواحدِ، إذ جعل الطائفتين اثنين. ونون الجميعِ تقعُ على العظيمِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وهو الواحدُ حقيقةً، فكانَ يجب على كُل من اعتمدَ على أقلِّ ما يُستعملُ في لفظِ الجمعِ أن يعتمدَ على الواحدِ، فإنه أقل من الثلاثةِ، وقد كتب عُمرُ إلى سعدٍ: إني قد أنفذتُ إليكَ بألفي رجل (٢)، وإنما أنفذَ إليه القعقاعَ وألفَ فارسٍ، فسمَّي القعقاعَ ألفاً، وهو واحد.
ومنها: أنَ لفظَ الجمعِ يُفارقُ لفظَ العموم من وجهين:
أحدهما: أن صيغةَ العمومِ آيتها الألفُ واللاّم، وإذا كان له مع وكيله دراهمُ، فقال له: تصدَّق بدراهم. اقتضى ذلك الثلاثةَ فما زاد، وإذا قال: بالدراهمِ، رجع إلى
стр. 1482
المعهود كُلِّه، أو الجنس، وقوله: دراهم. لفظُ تنكيرٍ.
والوجهُ الثاني: أنَه لا يحسُنُ دخولُ الاستثناءِ على قولنا: دراهم. ولا على [ما] (١) جمعه تنكير ويدخلُ على لفظِ العموم، وهذا يَدُلّ على الفرق بين اللَّفظتين.
فصل
في جمع شُبَههم
فمنها: أن قالوا: الثلاثةُ متحقِّقٌ فيها الجمعُ والشمولُ، فحملنا إطلاقَ اللفظ على المتحقق من الجمعِ، ولم نَرتقِ إلى ما زادَ على المتحقِّق؛ لأنه مشكوكٌ فيه، فلا بُدَّ من دلالةٍ توجبُ لنا الارتقاءَ إليه، والحملَ عليه.
فيقالُ: هذا يوجبُ حملَه على الواحدِ؛ لأنه أقلُّ ما وردَ فيه لفظُ الجمعِ (٢) من الوجْه الذي قدَّمنا، على أن الثلاثةَ لا تُستعملُ في الكُل والجميعِ إلا بدلالةِ وقرينة، ولهذا لا يُعقلُ من قولِ القائلِ: اقتُلْ المشركين، وأكرِم المسلمين. ثلاثة من هؤلاء، ولا من هؤلاء إلا بدلالة تَحملُه بأقلّ بادرة على الثلاثة، [وإلا كان ذلك] (٣) حطّاً على اللغةِ.
ودعوى الشك في الزيادةِ بعيدٌ، لأنها أصلُ الوضع، فكيف نسلِّم لكم أن اليقينَ الثلاثة، وأن الزيادة مشكوكٌ فيها؟ بل عليكم الدلالةُ على دعواكم الشكَّ، ولن تجدوا لذلك دليلاً، فإنَّ الانحطاطَ إلى الثلاثةِ عن الاستغراقِ عندنا، هو الذي يحتاجُ إلى دليلِ. ولأنه لو جازَ أن يقتَصر على الثلاثةِ في العموماتِ والصيغِ للكلِّ والجميعِ؛ لجازَ أن يقتصر على الثلاثةِ في الأعدادِ وأسماءِ الجموعِ، كالعشراتِ والمئين.
стр. 1483
ولأنَ الاستثناءَ قد يدخلُ عليها فيردَّها إلى الثلاثةِ والواحدِ، لمّا لم يلزم ذلك في ألفاظ العموم.
ومنها: أنَه لو كان لفظُ الجمعِ يقتضي العمومَ، لكان من قال: له عليَّ دراهم. غير مقبول منه تفسيرُ إقراره بالثلاثةِ؛ لأنه فسَّره بغيرِ الموضوعِ، كما لو أقرَّ بعبدٍ أو أمةٍ، وفسَّره بشاةٍ أو بَعيرٍ.
فيقالُ: إنَّ قولَه: عليَّ دراهم. نكرة، ومثل هذا عندنا لا تقتضي الجنس، لكن يقتضي إذا تَعرف بالألفِ واللام، غيرَ أنَا لا نَحملُ ذلكَ على الجنسِ في الإقرار، لدليلٍ دلَّ عليه، وهو أنّا نعرِفُ من طريقِ العُرفِ والعادةِ أنَه لا يلزمُ ذِمَّةَ الإنسان لمُعامِلهِ جنسُ الدراهم، لا في قَرضٍ، ولا بيع، ولا بَدلِ مُتلَفٍ، ودلالةُ العُرف تَخُصُّ أبداً، وتمنع من حمله على أصلِ الوضع، كما تقصر الدراهمَ على [البعض] (١)، ولا يقبل تفسيرُ إطلاقِه بدراهمَ غيرِ نقدِ البلدِ.
فوِزانُه من مَسألتِنا: أن يردَ لفظُ العمومِ ويردَ معه أو بعدَه دلالةٌ تقتضي الخصوصَ، فيُقضى بالخصوصِ عليه.
فصل
في الكلامِ على من فرَّق بين الأوامرِ والأخبارِ، فأثبتَه (٢) في الأمرِ دون الخبرِ (٣).
فمن الدلالةِ عليهم: أنَّ فيما ذكرنا أخباراً تعلَّق السلفُ بعمومِها وأوامر؛ من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]،
стр. 1484
واحتجاج عبد الله بن الزِّبَعرى على رسولِ اللهِ ﷺ بها، وجوابُ اللهِ تعالى بالتخصيصِ
من غيرِ إنكارٍ للاحتجاجِ من طريقِ اللغةِ (١).
ومنها: أنَّ ما تحتَ اللفظِ العامِّ لا عبرةَ به، وإنَما العملُ للصيغِ؛ فقولُ القائِل: قامَ الناسُ. وقولُه: ليقم الناسُ. وقولُه: أقامَ الناسُ؛ وقوله: لم يقم الناسُ. كلُّه عمومٌ من طريقِ الصيغةِ. قال اللهُ سبحانَه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر ٣٠]، وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فالصيغةُ واحدةٌ, فإذا اقتضت العموم في أحدِهما اقتضت الشمولَ والاستغراقَ في الآخرِ، ألا ترى أنه يحسُنُ الاستثناءُ في كُلِّ واحدٍ منهما بألفاظِ (٢) الشمول. والاستثناءُ لا يُخرجُ إلا ما كانَ لولاهُ داخلاً، والمؤكِّد لا يؤكِّد إلا بما يضاهي المؤكَّد به، نقول: سَجَدَ الملائكةُ كلُهم، ودخلَ الناسُ جميعهم، وجاءني زيدٌ نفسه. وإذا حسُنَ إخراجُ كلِّ واحدٍ من الجمعِ بالاستثناءِ، دلَّ على أنه دخلَ في لفظِ الجمعِ، وإذا حسُنَ تأكيدٌ بألفاظِ الشمولِ، دلَّ على أنه يقتضي الشمولَ.
ومنها: أن كُل صيغةٍ اقتضت معنى أفادت ذلك المعنى في الخبرِ والأمرِ والنهي وغيرِها من المعاني.
فالحروفُ المثبِتة والنافِية كحرفِ (ما) و (ليسَ) و (لا)، إذا دخلت على الأمرِ والنهي والخبرِ، أفادت معناها الذي وُضِعت له، نقول: ما زيد في الدارِ، وليس زيدٌ في الدارِ، ولا دخلَ زيدٌ الدار وفي النهي: ما ينبغي لك يا زيدُ أن تدخلَ الدارَ، ولا تدخل يا زيدٌ الدار. فكذلكَ صيغةُ العموم: دخل القومُ الدار، وأدخِلِ القومَ الدارَ، وقامَ الناسُ، وأقمِ الناسَ. وعلى هذا في كُلّ شيء دخلَ
стр. 1485
عليه حرفٌ من حروفِ العمومِ (١).
فصل
في شُبَههم
فمنها: أن قالوا: إنَّما قلنا به في الأمر لأنَّ الأمرَ تكليف، فلو لم يُعرف به الأمر أدّى إلى تكليفٍ بلفظٍ غيرِ معقول، وذلك تكليفُ ما لا يُطاق، وليس كذلكَ الخبرُ، فإنه وعد أو وَعيد أو قَصَصٌ، وذلكَ لا يلزم به تكليف، ولا يقتضى إيجابَ شيء.
فيقالُ: وكيفَ لا يدخلُ تحته تكليفٌ، وهو قِوامُ التكليفِ، فإنَّ الخبرَ عليه تَنبني الاعتقاداتُ، والوعدُ والوعيدُ من أكبرِ مَصالحِ التكليفِ، فإنَّهما الحاديانِ للمكلَّفين إلى الطاعةِ والانْقيادِ، ولو عُدِما لم تَنْقَدِ النفوسُ إلى ما كُلفت، ومحالى أن يخلوَ الخبرُ من فائدةٍ من فوائِد التكليفِ، وإن اختلفت الفوائدُ لم يوجب ذلكَ تركَ العملِ بالعمومِ؛ كاختلافِ الأوامرِ أنفسها بين نَدبٍ هو أدنى، وإيجابٍ هو أعلى، وأقصى مراتبنا في اقتضاءِ العمومِ لها ودخوله عليها، ولسنا نطلبُ للوضع عائدةَ الفائدةِ، فإنَّ العربَ تضعُ الألفاظَ والصّيَغ لما قلَّ وجلَّ من أغراضها، كذلكَ الشريعةُ؛ لأنها جاءت بعادة القومِ.
ومنها: أنَّ الخبرَ لا يدخله نسخ ولا تخصيصٌ، والأمرَ يدخله النسخُ والتخصيصُ جميعاً، فجازَ أن يدخلَه العمومُ الذي عليه يرِدُ التخصيصُ.
فيقالُ: هذا يُدلُّ على تأكُّدِ الخبرِ، فإنه متأكدُ الثبوتِ، لا يتسلَّط عليه رفعٌ ولا تخصيص، ولأنَّه إنما لم يدخله نسخٌ؛ لأنَّ نسخَ الخبرِ عما (٢) كان، هو محض الكذبِ غيرُ الجائزِ على حكيمٍ فضلاً عن الخالقِ سبحانه.
ونسخُ الخبرِ عما يكون في المستقبل أيضاً كذب، فإنَّ حقيقةَ نسخِ الخبرِ أنَّه إذا
стр. 1486
قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، أن يقول: لم يك لي نَبي يُعرف بنوح، أوكان نوحٌ، لكن لم يُكذِّبه قومُه.
والمستقبل مثل قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، فنسخُ ذلكَ أن يقولَ: لن يَغلبوا، ولن تدخلوا. وهذا عينُ الكذبِ الذي لا يجوزُ على اللهِ سبحانَه، ولا على رسُلهِ، ولا يحسُنُ بعقلاءِ خلقِه.
فأمَّا التخصيصُ فيجوز من ذلك (١) قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وأما قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر ٣٠]، فأغرقنا جميعَ أهلِ الأرضِ، فأهلكنا جميعَ أهل قريةِ لوطٍ. فلا فرقَ بينَ ذلكَ وبين قولِه: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] انفِروا في سبيل الله كافة. في دخولِ التخصيص.
ومنها: أنَ الأخبارَ يجوزُ أنْ تردَ با لمجهولِ والمجملِ، مثل قوله: ﴿وكَمْ أهْلكنا قَبلهم مِن قَرنٍ﴾ [مريم: ٧٤]، ﴿وقروناً بينَ ذلك كثيراً﴾ [الفرقان: ٣٨]، ولا يُبينُه أبداً، ولا يجوزُ أن يقولَ في الأمر ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ولا دلالةَ قبيلَ الأمرِ أو معه أو بعدَه تُبيِّنُ مرادَه بذلكَ، بل لا بُدَّ من بيانٍ، فأينَ الخبرُ من الأمرِ؟
فيقالُ: أكثرُ ما يتلوّحُ من هذا الفرقِ أنَّ في الأخبارِ ما لا حاجةَ بنا إلى معرفة كيفيةِ المخبَرِ به ولا مقدارِه ودوام الإجمالِ فيه، وهذا لا يمنعُ من وضعِ صيغةٍ لعمومِه، كما لم يمنع من جوازِ ورودِ دلالةٍ على بيانِه وتفسيرِ مُجمَلهِ، والكشفِ عن مقدارِ المُخَبرِ به.
стр. 1487
فصل
ويجوزُ الأخذُ بالعمومِ في المضمرَاتِ (١).
مثاله: قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء٢٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فالمضمرُ فيها أفعالُنا، إذ الأعيانُ أنفسُها لا توصَفُ بحظرٍ ولا إباحةٍ؛ لأن الحظرَ والإباحةَ منع وإطلاق، والأعيانُ الموجودةُ لا يصحُ المنعُ والإطلاقُ فيها عَيْنها، بل يتسلَّطُ على أفعالنا فيها؛ فأفعالُنا إذاً هي المضمَرة، وأما العمومُ المعمولُ به فيها، فهو المنعُ منها: أكلاً، وبيعاً، وشُرباً، وادِّخاراً، واقتناءً، وكذلكَ الأمهاتُ: نكاحاً، وبَيعاً، وشراءً، واستمتاعاً، واستخداماً، والصيدُ: اصطياداً، وبيعاً، وشراءً، وحَبساً، وإمساكاً، وأذيَّة له من نتفِ ريشٍ أو شَعرٍ، أو كَسر بيضٍ، أو إزعاجٍ من وَكْرٍ إلى أمثالِ ذلكَ.
ومثاله من السُّنَن: "هذانِ حرامٌ على ذكورِ أُمّتي، حِل لإناثها (٢) ". مشيراً إلى الذهبةِ والحريرةِ، فالمضمَر أفعالنا فيهما، والعمومُ: سائرُ أفعالِنا إلا ما خصَّه الدليلُ في جميعِ ما ذكرنا من الكتابِ والسنَةِ.
وقال أكثرُ أصحابِ أبي حنيفة، وأصحاب الشافعي: لا يُعتبر العمومُ في ذلكَ (٣).
стр. 1488
٠ فصل
في أدلتنا
فمنها: أن قول النبي ﷺ : "رفع عن أُمتي الخطأُ والنسيانُ" (١)، لا يمكنُ رَفعُه بعدَ وقوعِه، وإنما أرادَ به: ما يتعلّق على الفعلِ من الجُناح، إذا كان عمداً، يُرفع عن، المكلَّف إذا وقَع منه ذلكَ الفعلُ خطأً. فصارَ بهذا التقدير الذي أوجَبَتْه أدلةُ العقلُ منصرفأ إلى مأثم الفعلِ وتَبعاتِه عن كُلّ فعل وقَع خطاً من فاعلِه.
ومنها: أنَّ المُضْمَرَ الواجبَ إثباتُه بحكمِ دليلِ العقلِ، كالمنطوقِ به، وإذا كان ثبوتُه بدليلِ العقلِ، وجبَ حملُ تحريمِ الأفعالِ المضمَرةِ المتُصورِ وقوعُها في الأعيانِ على الإطلاقِ.
стр. 1489
فصل
شُبَهُهُم: قالوا (١): معنى قولنا: عمومٌ؛ أنه بخطابٍ موضوعٍ لشمولِ الجنسِ واستغراقِه، وهذا لا يدخلُ في المعاني والمضمَرات إذا كان المضمَرُ والمعنى ليس بلفظ.
فيقالُ: إنَّ المضمَر الواجبَ إثباتُه، كاللفظِ، وهل يُرادُ من العمومِ إلا استغراقُ ما يتناولُه؟ فلا فرق بين أن يكونَ ما تحته معاني تُنْبىء عنها الألفاظُ والصيَغ، أو نفسُ الصيَغِ والألفاظِ، فهو كقائلٍ ومخاطِبٍ في النفسِ يقول: لا حُكمَ من أحكامِ العمدِ يتعلَّق على الخطأ المعفوِّ عنكم المرفوع.
ومنها: أنَّ دليلَ الإضمارِ ألجأنا وأحوَجنا إلى أن نُضمِر الفعلَ، إذ لا يجوزُ أن يقَع الحظر على نفسِ العينِ، فالواجبُ أن يُستعملَ الإضمارُ فيما بنا حاجةٌ إليه، والفعلُ الواحدُ يقضي حقَّ الدليلِ، ويَسُد مَسَدّ الفعلِ المصرَّح به، فلو قال: حُرِّمت عليكم أمهاتكم نكاحاً، والميتةُ أكلاً، والصيْدُ حَبْساً، كفى، ولم يحتج إلى إضمار فَما يَسُدُّ مسدَّ الإظهارِ يكفي، فالعمومُ لا يُحتَاجُ إليه.
فيقال: لعمري إنَ الحاجةَ داعية إلى الفعلِ في الجملة، لكن مَن الذي أوجَب اتفاقَ لفظِ التحريمِ على فعلٍ واحدٍ مع كونِ التحريمِ صالحاً لشمولِ كُل فعلٍ يصلُحُ أن يُضمرَ؛ والإضمارُ كما أوجبَ فعلاً، صلُح لكل فعل، فاللفظُ بالتحريمِ يعمُ كلَّ صالحٍ من الأفعالِ أن تقَع في تلك الأعيانِ، والصلاحية كافية، كما لو اشتبهت الأعيانُ المحظورةُ والمباحةُ، فإنَّا نقطعُ على أنَّ المحظورَ البعضُ، ولمّاَ صَلُحَ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منها للتحريمِ؛ عمَّ الحظرُ جميعَها، فأعطينا الإضمارَ حقَه من اعتبارِ الفعلِ،
стр. 1490
والحظرَ حقَه من شموله لكلِّ فعلٍ.
ومنها: أن قالوا: لو صحَ دعوى العمومِ في المضمراتِ؛ لصح أن يدخلَ
التخصيصُ على المضمرات، كا لمُظْهَراتِ (١) لمَا دخلها العمومُ دخلها التخصيصُ. فيقالُ: كذلكَ نقولُ، وإنه على عمومِه في كُلِّ مضمَر يصحُّ إضمارُه إلا أن تردَ دلالةٌ تخصُ بعضَ الأفعالِ بالإباحةِ.
فصل
ولا يكون قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] مجازاً غيرَ دالى على تحريمِ أفعالي في الأعيانِ (٢)، خلافاً لما حُكيَ عن أبي عبد الله البصري (٣)، المفَقب بالجُعَل، وقوله: هذا مجازٌ لا يدل على تحريمِ الأفعالِ.
стр. 1491
فصل
في الدلالةِ لنا على أنَّ المعقولَ في لغةِ العربِ من التحريمِ المنعُ
والمنعُ إنما يَتَجه (١) إلى ما عليه تسلُّط، ولا نوعَ تسلُّطٍ على الأعيانِ إلا بالأفعالِ، فلما قال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦]، عُقِلَ أنهم ممنوعون منها، ولا منعَ يعود [إلا] (٢) إلى دخولهِم إليها وسكناهم فيها، وكذلكَ قوله في حق موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] عاد إلى المنعِ من الارتضاعِ من ثدي غيرِ أمِّه من النساءِ الأجنبياتِ، وقال النبي ﷺ في الشرابِ: "هو حرام عليَّ" (٣) فأنزلَ الله عر وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وإنما عنى به: شُربَه حرامٌ عليَّ، والعربُ تقول في البِكر: بنتُ محرمة، بمعنى لم تُفْرَع (٤).
قالوا: لا يجوزُ أن تكونَ الأفعالُ حُرمَتْ لأعيانِها، وكونِها أفعالاً، لكن بمعاني في الذواتِ التي أُضيفَ التحريمُ إليها، فالأم لمكانِ حرمتهِا، ولتربيتها، وكونِها السببَ في الإنجابِ، والكُلّ الذي الولُد جزءٌ منها، صينَت عن البذلةِ بالمتعةِ، ولهذا أعتقت ساعةَ تملُّكِها عند قومٍ (٥)، ووقتَ إزالةِ الملكِ عنها عندَ أهلِ الظاهرِ (٦)، صيانةً عن
стр. 1492
دوامِ الملكِ الموجِبِ للبذلةِ والاستخدامِ.
قالوا: وكذلكَ الميتةُ لاستحالةٍ وفسادٍ، بكونِ الدَّمِ لم يخرج عنها (١).
فصل
في الاسمِ المفردِ إذا دخلَ عليه الألفُ واللامُ
مثل: الإنسان، والدِرهمِ، والدينارِ، والكافرِ، والزاني، والسارقِ، فهو واقعٌ على جنسِ ما دخل عليه واستغراقه، هذا مذهبنا (٢)، وبه قال أبو عبد الله الجُرجاني (٣)، وحكاه عن أصحابِه، واختلفَ أصحابُ الشافعي (٤)، فمنهم من قال بمذهبنا، ومنهم من قال: المرادُ به المعهودُ (٥)، وهو مذهب الجبائي من المعتزلة.
стр. 1493
فصل
في أدلتنا على أنهما يدخلان للجنس
فمنها: أن الله سبحانه ما أدخلَ الألفَ واللامَ على الاسمِ المفردِ إلا وأراد به الجنسَ؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢]، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور ٢]، ثم عطف عليه ما دلّ على أن المرادَ به الجنسُ، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر ٣]، والذين اسم جماعة، والجماعةُ لا تُستثنى من واحدٍ، فدل ذلكَ على أنَه أراد بالإنسانِ: الجنسَ، فكذلك صحَ أن يستثني منه جماعةً.
ومنها: أنَ الجمعَ مثل: رجال، وناس، وكل، أسماء مُنكَرة، إذا دخلَ عليها الألفُ واللامُ اقتضت الجنسَ، كذلكَ الاسمُ الواحد، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الأعدادَ المخصوصةَ إذا جاءت بلفظِ النكرةِ لم تقتضِ الجنسَ من ذلكَ المعدود، ودخولُ الألفِ واللامِ يجعلها من قبيلِ الشمولِ والعمومِ لاستغراقِ الجنسِ، كذلكَ الواحدُ المفردُ، والجامعُ بينَهما: أنَ كُل واحدِ منهما صيغة لا تقتضي الجنسَ إذا لم يدخل عليها
стр. 1494
الألفُ واللامُ، أعني صيغةَ الواحدِ المفردِ، والجمعِ المنكَّر ثم إنَّ الألفَ والَّلامَ إذا دخلت على الجماعةِ المنكَّرةِ جعلتها المرادَ بها الجنسُ، كذلك الواحدُ.
ومنها: أنَّ الواحد المنكَّر مثل قولنا: إنسان، ورجل، وسارق، وَزانٍ، وبَر, وفاجر, لا يجوزُ دخولُ الاستثناءِ عليه، فإذا دخَل عليه الألفُ واللأَم؛ حسُنَ دخولُ الاستثناءِ، مثل قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]، والمصلّون جماعةٌ استثناهم من قوله: ﴿الْإِنْسَانَ﴾ فَعُلمَ أنه أراد به جنسَ الناسِ، إذ لو كان واحداً؛ لما صحَّ أن يستثني منه جماعةً، إذ ليس الواحدُ جماعةً، وليسَ إلا نفسه.
ومنها: أنَّها لو اقتضت العهدَ لما حسُنَ الابتداءُ بها، ومعلومٌ أنَه يحسُنُ أن يبتدىءَ الإنسانُ بقوله: رأيتُ الناسَ، ولقيتُ العربَ. وكما يحسنُ ذلك يحسُنُ أن يقولَ: رأيتُ الإنسانَ غدّاراً، وغادرتُ الكافرَ كذاباً. ولو كانت للعهدِ لما حسُنت ابتداءً، ألا ترى أنك تقول: دخلتُ السوق فرأيتُ رجلاً، ثم عدتُ فرأيتُ الرجل. فيعودُ إلى الرجلِ المعهودِ بالذكر أولاً؟ وأردت أن تبتدىء فتقولَ: دخلتُ للسوقِ، ورأيتُ الرجل.
وتُريد العهدَ، لم يصح ذلك، ولم يكن ذلك لغة.
فصل
أي، (١) شُبههم
فمنها: توهُّمُ أنَ الألفَ والَّلام لا تدخلانِ إلا للعهدِ، قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] والمرادُ به: المذكورُ أولاً، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، قال ابن عباس: لن يغلب عسرٌ يُسْرَين (٢). فلو لم يكن العُسرُ بالألفِ واللام، جعل الثاني
стр. 1495
الأول، لما كان عسراً واحداً
فيقالُ: إنَ صلاحيتها للعهدِ لا نُنكره، لكن إذا تقدمها نكرةٌ، وكلامُنا إذا جاء الاسمُ المفردُ بالألفِ واللام مبتدأ، فأمَّا إذا جاء بعد نكرة، كان بحسَبِ النكرةِ المتقدِّمةِ عليه عائداً إليها للعهدِ والتعريف لمن تقدّم، وهو الواحدُ المنكَّر، فأما في مسألتِنا، فليس ها هنا معرفةٌ يَرجعُ إليها سوى الجنسِ، فأطبقناه عليه (١).
ومنها: أن قالوا: إنَّ الألفَ والَّلامَ لا تقتضي -أو لا تفيدُ- إلا تعريفَ النكرةِ، فإذا كان الاسمُ المنكَّرُ واحداً ولا يقتضي أكثرَ من واحدٍ، وجبَ أن يكونَ تعريفُه بالألفِ والَّلام لا يقتضي إلا واحداً من الجنسِ، فلا وجْه لاستغراقِه واستيعابِه.
فيقالُ: هذا باطلٌ به، إذا دخلت على اسمِ الجمعِ اقتضت الجنسَ، لا تعريفَ ذلكَ الجمعِ فقط، على أنَه يقتضي تعريفَ النكرةِ إذا تقدمته نكرةٌ، فأمَّا إذا لم تتقدمه اقتضت تعريفَ الجنسِ، وها هنا لم تتقدمه نكرةٌ، فوجبَ أن يكون تعريفاً للجنس.
فصل
في أسماءِ الجموعِ إذا لم يدخلها ألف ولام
مثلُ قولِنا: مسلمينَ، ومشركينَ، وقائلينَ، ومُجَربينَ، فإنها لا تكون محمولةً على العمومِ، وتحمل على أقلِّ الجمعِ.
واختلفَ أصحابُ الشافعيِّ على وجهينِ:
стр. 1496
أحدُهما: مثلُ قولنا، وأنَها لا تُحملُ على العمومِ (١).
والثاني من الوجهينِ: أنها (٢) تُحملُ على العمومِ واستغراقِ الجنسِ، وإليه ذهب الجُبَّائي من المعتزلةِ.
وعن أحمدَ مثلُ الأوَّلِ من المذهبينِ، وعنه: مثل الثاني أيضاً (٣).
стр. 1497
فصل
في أدلتنا (١)
فمنها: أنَ أهلَ اللغةِ سموا هذا نكرةً، ولو كان للجنسِ، لما سمَّوه نكرةً؛ لأنَّ الجنسَ معرفةٌ؛ لأنَه معروف كُلّه غيرُ منكَرٍ عندَهم، ولا يختلطُ بغيرِه، بل هو مستوعَب مُنقطع عن غير الجنس.
ومنها: أنه نكرةٌ في الإثبات، فلم يقتضِ العمومَ، كالاسمِ المفردِ.
ومنها: أنَه يصحُ تأكيدُه بـ (ما)، فتقول: رأيتُ رجالاً ما، ولو كان يقتضي الجنس لما حسن تأكيده بما؛ لأنَّ قولَ القائلِ: عندي دراهمُ، وجاءني رجالٌ ما، يريدُ به التقليل، والتقليلُ ينافي الاستغرافَ، ولهذا قال سبحانه: ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، فصرح بالقلّةِ في حرف (ما)، ألا ترى أنه إذا دخلَ الألفُ والَّلامُ عليه لم يحسُن دخول (ما)، فلا يقال: الرجالُ ما.
شبهةُ أهلِ العمومِ أن قالوا: لو لم يَقْتضِ الجنسَ لما حسُنَ الاستثناءُ لكلِّ واحدٍ من الجنسِ، فلما حسُنَ استثناءُ كلِّ واحدٍ منه عُلمَ دخولُه فيه وبحَسبِه، إذ لا يخرجُ بالاستثناءِ إلا ما دخلَ في اللفظِ.
فيقال: لا نسلِّم، بل لا يجوزُ الاستثناءُ من ألفاظِ الجموعِ إذا تجردت عن الألفِ واللامِ، فلا نقولُ: رجالاً إلا زيداً وعَمْراً.
على أنَا لو سلمنا توسعةَ الكلامِ؛ فإنَ الاستثناءَ يُخرجُ البعضَ من الكُلِّ، ويخرجُ البعضَ من البعضِ، ومهما كانَ الجمعُ محتمِلاً لإخراجِ بعضِه، صحَ الاستثناءُ منه بحسَبِه، ولا يعطي هذا استِغْراقَ الجنسِ.
стр. 1498
فصل
إذا وردت صيغةُ العمومِ الدالةُ بمجرّدها على استغراقِ الجنسِ واستيعابِ الطبقةِ، فهل يجبُ أن يقفَ الاعتقادُ لها والعملُ بها على البحثِ عن دليل التخصيصِ، أم يجب بأولِ بادرةٍ؟
على روايتين عن أحمدَ ﵁:
إحداهما: يجبُ اعتقادُها والعملُ بها في الحالِ.
والثانيةُ: لا يجبُ ذلكَ إلا بعد البحثِ والطلبِ وعدمِ الدلالةِ المخصِّصة (١).
ولأصحابِ الشافعي وجهان كالروايتينِ (٢).
واختلفَ أصحابُ أبي حنيفةَ، فقال أبو عبد الله الجُرجاني: إن سمعَ الصيغةَ من رسولِ الله وجبَ الاعتقادُ والعملُ من غير توقف، وإن كان سماعُها من غيره لزمَه
стр. 1499
التثبتُ وطلبُ دلالةِ التخصيصِ، فإن فقدَها حملَ اللفظَ على مقتضاه من العمومِ، وذكر أبو سفيان (١) وجوب اعتقادِ عمومِه من غير توقفِ ولا طلبِ دلالةِ تخصيصِ.
فصل
يجمعُ أدلّتنا (٢)
فمن ذلك: أن الصيغةَ تقتضي بوصفِها العمومَ، كما أن اللفظ المقتضي للحكمِ على الدوامِ إذا وردَ فسمعَه من أهلِ الآفاقِ في عصرِ النبي ﵊، كمعاذِ باليمنِ، وعتَّاب (٣) بمكة، وغيرهما من الصحابةِ، مع تجويزِ ورودِ ناسخٍ ينسخُ ذلكَ الحكمَ، فإنه لا يجوزُ التوقفُ ليُطلبَ ناسخٌ عساهُ يكونُ قد وردَ، فضلاً عن أن يجب، كذلك لا يجبُ طلبُ دلالةِ التخصيص.
وكما أنَ الناسخَ يتأخّر فالتخصيصُ يجوزُ أن يتأخر فاذا لم يجب بطلبِ أحدِهما، كذلكَ الآخر.
ومنها: أنَ الصيغةَ موضوعةٌ للعمومِ، والتخصيص متوهَم ومُجَوّز فلا يجوزُ تأخيرُ الاعتقادِ لعمومِه والعملِ به، لتوهّم ما يخصُّه، كما أنَّ أسماءَ الحقائقِ إذا وردت يجبُ اعتقادُ ما يوجبُه الوضعُ والعملُ به، ولا يجبُ التوقفُ لطلبِ دلالةٍ صارفةٍ له عن ظاهرِه وحقيقتِه إلى مجازِه واستعارته.
стр. 1500
فصل
في سؤالهم على الدليلين
قالوا: إنَ الصيغةَ تقتضي ما ذكرت، لكن مع التجرّد من مخصِّص، وذلكَ لم يتحقق ما لم يبحث عن الدليلِ المخصِّص، وما ذلكَ إلا بمثابةِ الشهادةِ إذا قامت على حق من الحقوقِ لا يتلقاها الحاكمُ بالعلمِ والعمل بها، حتى تقومَ الدلالةُ على سلامتِها بالبحثِ الدالِّ على السلامةِ، مما يقدحُ فيها، وهي التزكيةُ لها، فلا يَقنعُ بأصلِ العدالةِ التي هي كأصلِ الوضعِ ها هنا.
وأمَّا النسخُ، فإنه أمرٌ يردُ متراخياً فيما بعدَ المنسوخِ، وذلكَ لا يجبُ انتظارُه وتوقُّعه، ولأنَّ انتظارَ الناسخِ يُعطِّلُ الأمرَ الأولَ عن العملِ به؛ لأنَّ رفعَه إنَّما يكونُ بعد العملِ به، ولو كان مثلَ العملِ به لما ثبتَ للفظِ الأوَّلِ فائدةٌ؛ لأنَّهُ يخلو جميعُ الزمانِ السابقِ للناسخِ من عملٍ بذلك (١) المنسوخِ، وليس كذلك انتظارُ الدليلِ المخصِّص؛ لأنَّه أيُ وقتٍ كان، قصد العمل باللفظِ الذي أريدَ به الخصوصُ، كما نقولُ في البينةِ إذا ثبتت عدالتُها في الحالِ، لا يتركُ العملُ بها، والاعتقادُ لما شهدت به، فإنا لا نَسْتأني (٢) بها استقبالَ حالها وتوقّعها، عساه يحدثُ فيها من فعلٍ أو قولٍ خارج يقدَحُ في عدالتها أو يرفعُ العدالةَ عنها.
فيقال: إنَّ القاعدةَ في سؤالِكم غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّ تجويزَ وجودِ دلالةٍ تصرفُ عن العمومِ إلى الخصوصِ لو أوجبَ التوقفَ لطلبِها والبحثِ عنها؛ لأوجبَ تجويزَ صرفِ لفظِ الأمر عن ظاهرِه -وهو الوجوبُ- إلى الندبِ، توقيفاً عن العملِ به، واعتقاداً لإيجابِ البحثِ عن دلالةٍ تدلُّ على صرفِه، ولماَ لم يجب ذلكَ في الأمرِ
стр. 1501
المطلقِ؛ لم يوجب التوقفُ في العمومِ المطلقِ.
وقولُكَ: لا يكونُ مجرّداً إلا بعدَ البحثِ. يَبْطُلُ بالأمرِ والنهي، فإنه يكونُ مجرّداً
قبلَ البحثِ عن دليلِ الصرفِ له عن ظاهرِه.
وفارقَ التَنبيه، فإن خبرَ الواحدِ ها هُنا لا يوجبُ البحثَ ولا التوقُف في الراوي إلى أن تقومَ الدلالةُ على عدالةِ باطنه، ونقبلُ فيه الواحدَ، ولا يُعتبرُ العددُ، بخلافِ الشهادةِ.
وأما قولكم: إنَ دلالةَ التخصيصِ تكونُ معه بخلافِ النسخِ، فلا يُسلَم، بل عندنا: أنَ البيانَ يجوزُ أن يتأخرَ عن وقتِ الخطابِ، فهو كالنسخِ، ولأنَ النسخَ الذي يكونُ بعدَه قد يخفى عن البعيدِ عن مدينةِ الرسولِ ﷺ ، فلا يعلمُ أنَزَلَ به وحيٌ أمْ لا؟ ومع ذلكَ لا يجبُ الانتظار، وإن كان ذلك لا يفوِّتُ أصلَ العملِ عن ورودِ النَّسخِ، ومع هذا التجويزِ لا يجبُ التوقفُ عليه.
فإن قيلَ: ليس العمومُ من أسماءِ الحقائقِ بشي؛ لأنَّ تلكَ إذا عُدِلَ عنها إلى غيرِها كانت استعارةً ومجازاً، فأمَّا العمومُ فإنَه إذا صُرِفَ إلى الخصوصِ، ودخلَه التخصيصُ، لم يكن مجازاً.
قيل: قد استويا في العدولِ عن الظاهرِ الأصليّ في الوضعِ، وإن افترقا في كونِ أحدهما بقيَ حقيقةً (١)؛ لأنَّ ما بقيَ ليس غيراً ولا مخالِفاً؛ لأنَه يصلحُ للعمومِ ابتداءً وما صلُحَ للابتداءِ كان أصلحَ للبقاءِ؛ لأنَّ البقاءَ والدوامَ آكَدُ (٢).
стр. 1502
فصل
في إيضاحِ شُبَههم
فمنها: أن قالوا: إنَ اقتضاءَ العمومِ، أو إن المقتضي للعمومِ: إنما هي هذه الصيغ إذا تجردت عن قرينةٍ تصرفُها. ولا طريقَ إلى العلمِ بتجرُدها عن القرينةِ إلا البحثُ الكاشفُ لأحدِ أمرين: إما القرينةُ الصارفة لها عن الوضعِ الأوَل، أو تجرّدها عن قرينةٍ، فصار كالبينة التي لا تُعلمُ صلاحيتُها لإثباتِ الحقوقِ إلا بالبحثِ عن باطِنها لتتضحَ براءتُها من أسبابِ الريبةِ.
فيقالُ: إنَ الأصلَ عدمُ القرينةِ؛ ولأنه يلزمُ عليه الأعداد وأسماءُ الحقائق، فإنهما جميعاً يُصرفان (١) عن ظاهرهما بالقرائنِ، ولا يعتبرُ العملُ بهما بعَدم البحث.
ومنها: أن قالوا: إنَ سامعاً إذا سمع قولَه سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فلا يخلو أن يعتقد عمومَه بالبادرةِ حتى إنه يعتقدُ خلقَ الكلامِ والعلمِ والإرادةِ، أو يتوقفَ لينظرَ ما يجوزُ أن يدخلَ تحتَ العمومِ وما لا يجوز فيخرِجه بدلالةِ التخصيصِ، ولا يجوزُ الأوَل بإجماعِنا، فلم يبقَ إلا الثاني.
فيقالُ: إنَّ لأدلةِ العقولِ فيما يتعلَقُ الله سبحانَه وصفاتِه الواجبةِ له سابقةً لسماعِ كل سمعٍ يردُ من الرسولِ ﷺ ، كما كانت سابقةً لإرسالِ الرسولِ في تجويزِ الإرسالِ عليه، فلما جوَّزت الإرسالَ سمعنا ذلك لا جَرمَ منه، ولو لم تسبق أدلةُ العقولِ بتجويزِ (٢) الرسالةِ عليه سبحانَه والسفارةِ عنه لما سمعناه، وتلكَ أدلةٌ ظاهرةٌ لا تحتاجُ إلى تجديدِ نَظَرٍ وبحثٍ بعد ورودِ صيغةِ العمومِ.
стр. 1503
فصل
في الكلامِ مع أصحابِ أبي حنيفة في الفرقِ بين سماعِ ذلكَ من الرسولِ ﷺ وسماعِه من غيره .
إنَّ الصيغةَ الموضوعَة في اللغةِ لا تختلفُ باختلافِ الناطقين بها، بدليلِ أسماءِ الجموعِ والحقائقِ الموضوعةِ من أسماءِ الأجناسِ، والأنواعِ، والأشخاصِ، فنقولُ: صيغةٌ موضوعةٌ، فلا يجبُ التوقفُ عن اعتقادِ موجَبها والعملِ به، كما لو سُمِعت من الرسول ﷺ .
شبهةُ القائلِ بالفرقِ: ان الرسولَ ﷺ لا يؤخرُ بيانَ التخصيصِ، إذا كانت الصيغةُ مخصصةً، إما ببيانِ ذلكَ بدلالةٍ، أو قرينةٍ تُذكرُ، فإنَّه لا يجوزُ عليه تأخيرُ اليَبانِ، بخلافِ آحادِ أمَّتِه من المبلِّغينَ عنه والرواةِ، فإنَه لا يجبُ عليهم ذلكَ.
فيقالُ: إنَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الخطابِ جائز عندنا، وسيأتي الكلامُ في ذلكَ إن شاء الله على أنَ المبلِّغَ عن النبي ﷺ لا ينبغي له أن يؤديَ الصيغةَ إلا على ما سمعها، ولا يُحدِث فيها شيئاً؛ لأنَّه يكون تلبيساً، فإذا كان النبيُّ ﷺ لا يجوزُ له أن يُعزَيَ الصيغةَ عن بيانِ تخصيصٍ إن كان فيها، فالمبلغُ أيضاً عنه لا ينبغي له أن يبلِّغَها متجرِّدةً عن القرينةِ التي سمعها من رسول الله ﷺ ؛ فلا فرقَ بينَهما إذاً.
فصل
في العمومِ إذا خُصّ، هل يبقى على حقيقتِه أو يكونُ مجازاً ؟
فإنه حقيقةٌ فيما بقي، ولا يصير مجازاً بتَخصيصهِ، هذا مذهبنا (١)؛ لأنَّ أحمدَ ﵁ أخذَ بعموماتٍ قد خُصَّت في عدةِ مواضعَ، وبه قال أصحابُ الشافعيِّ (٢)،
стр. 1504
خلافاً للمعتزلةِ في قولهم: يصير مجازاً فيما بقي على الإطلاق، سواءٌ خُصِّ بلفظٍ صاحَبَه، واقترنَ به لفظٌ، [أم] (١) تأخَّر عنه.
واختلف أصحابُ أبي حنيفة (٢)، فحكى أبو عبد الله الجُرجاني عن عيسى بنِ أبان أنَّه يصيرُ مجازاً يمنع من التعلقِ بظاهرِه، سواء قارنته دلالةُ التخصيصِ، أو انفصلت عنه.
وحُكي عن أبي الحسن الكرخي أنَّه كان يقول: يصيرُ مجازاً إذا كان التخصيصُ منفصلاً عنه، ولا يصيرُ مجازاً إذا كان متصلاً به.
وٍ حُكي عن أبي بكر الرازي أنَّه يكون مجازاً، إلا أن يكونَ الباقي جمعاً، فيبقى حقيقةً.
وقالت الأشعريةُ: يكونُ مجازاً، وإنَّما يصحُّ ذلكَ عندهم إذا ثبت أنَّه عمومٌ بدلالةٍ، ثم خُصَّ بدلالةٍ، إذ لا عمومَ عندهم على الإطلاقِ.
стр. 1505
فصل
في جمع الأدلة لنا
فمنها: أنَّ فاطمةَ رضوانُ الله عليها احتجت على الصِّديقِ رضوانُ اللهِ عليه بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ..﴾ [النساء: ١١] الآية، ومعلومٌ أنَ التخصيص قد دخلَ عليها، بإخراجِ الكافرِ من الأولادِ، والقاتلِ، ولم يُنكر عليها هوَ ولا أحد ٢١/ ٩٧، من الصحابةِ الاحتجاجَ بذلكَ، بل عدَلَ إلى روايةِ حديثٍ عن أبيها صلوات الله عليهما، وهو قوله: "نحنُ معاشر الأنبياء لانُورَث، ماتركناه فهو صدقةٌ" (١).
ومنها: أنَ هذه الصيغةَ لو وردت على نَفيٍ بعدَ التخصيصِ من الجماعةِ التي انتهى التخصيصُ إليهم؛ لكانت حقيقةَ في العمومِ، فوجَبَ أن تكونَ دلالةٌ من اللفظِ قائمةً بعد التخصيصِ، كماكانت قبل التخصيصِ.
ومنها: أنَ الأصل في الاستعمالِ (٢) الحقيقة، وقد وجدنا الاستثناءَ والشرطَ والغايةَ في الاستعمالِ أكثرَ من أن يُعَد ويُحصى، فدلَّ على أنَ ذلك حقيقةٌ.
ومنها: أنَ فوائدَ اللفظِ تختلفُ بما يدخلُ عليها من الزيادةِ والنقصانِ، مثالُه: أنَكَ تقولُ: زيدٌ في الدار فيكونُ خبراً، ثم تزيدُ فيه ألفَ الاستفهامِ، فتقول: أزيدٌ في الدارِ؟ فيكون استفهاماً واستخباراً، فلو قلنا: إنَ ما اتصلَ باللفظِ من الشرطِ والاستثناءِ، يجعلُ الكلامَ مجازاً فيما بقي، لوجوبِ أن يكونَ قولُه: أزيدٌ في الدارِ؟ مجازاً في الاستفهامِ؛ لأنه لو سقطَ منه الألفُ، لصار خبراً محضاً، وفي دعوى هذا وركوبه إسقاطُ فوائدِ الألفاظِ.
стр. 1506
ومنها: أنَ الكلامَ إنما يكونُ مجازاً إذا عُرف له حقيقة، كالحمارِ حقيقةً: الحيوانُ النَّهَّاقُ، وإذا استُعمل في الآدمي البليدِ، كان مجازاً؛ لأنَه استعملَ في غيرِ ما وُضعَ له، والعمومُ مع الاستثناءِ ما استعملَ في غيرِ هذا الموضعِ على سبيلِ الحقيقةِ، فلا يجوزُ أن يُجعلَ مجازاً في هذا الموضعِ (١).
ومنها؛ أنَ دلالةَ التخصيصِ بمنزلةِ الاستثناء المتصلِ بالجملةِ من جهةِ أن كُلَّ واحدِ منهما يُخرجُ من الجملةِ ما لولاهُ لدَخَلَ فيها، فإذا كان الاستثناءُ غيرَ مانعٍ من بقاءِ اللفظِ فيما بقي، وصارت الجملةُ مع الاستثناءِ عبارةً عما عدا المخصوصَ بالاستثناءِ، كذلك ها هنا.
فإن قيل: [إنما كان كذلك في] (٢) الاسثتناء مع المستثنى منه؛ لمكان الاتصالِ كالجملةِ الواحدةِ، فيصير عبارةً عن الباقي؛ لأن للتسعة اسمين: [تسعة، و] (٣) عشرةٌ إلا واحداً، وأيّهما عُبَّر به كان حقيقةً، كما ان في الجمع والتثنية لا فرق بين قوله: ثلاثة، أو: اثنان وواحد (٤). في أنَّ العبارتين تفيدان معنى واحداً، وكذلكَ دلالةُ التخصيصِ المتصلةِ.
فأمّا المنفصلُ من التخصيصِ عن صيغةِ العمومِ، فإنَّه لا يكونُ جملةً ولا كالجملةِ الواحدةِ، وإنَّما كانت جملة هي حقيقة في عددِ أو في استغراق جنسٍ، فبدِّلت بالدَّلالةِ عما وُضعت له.
قيل: كذلكَ التخصيصُ المنفصلُ أيضاً يصيرُ مع الجملةِ الأولى، كالمتصلِ، ولا
стр. 1507
فرقَ بينهما؛ لأنها ملحقةٌ بها وقاضيةٌ عليها، ولو كانت كالجملةِ الأخرى لكانت نسخاً، ولمّا لم يكن نسخاً، ثبت أنَها كالاستثناءِ من حيثُ إنها أبانت عن المرادِ بالصيغة الأولى (١).
فصل
في شُبَههم
فمنها: أن الصيغة موضوعةٌ للاستغراقِ والشمولِ لجميعِ الجنسِ، فإذا جاءت دلالةُ التخصيص صارت مصروفةً عمّا وُضعت [له] (٢)، وإذا ثبَتَ بهذهِ الجملةِ أنه معدول به عما وُضِعَ له، صارَ مجازاً، وصار بمثابةِ اسم الأسدِ إذا استعملَ في الرجلِ المقدام على الحربِ، والحمارِ إذا استعملَ في الرجلِ البليدِ، فإنَه يكون مجازاً، كذلك ها هُنا، ولو كان ما صرفته الأدلةُ المنفصلةُ عن موضوعِه ومقتضى إطلاقِه بعد صرفِه حقيقةً فيما صُرفَ إليه للدلالة أو القرينة، لصار كل مجازٍ حقيقة فيما اقتضته القرينة، ولسقط المجازُ من كلامِ العرب جملة، ولصار القولُ في الإنسانِ البليدِ والرجلِ الشديدِ: إنه ثورٌ وحمار وأسد حقيقةً مع القرائنِ الدالةِ، مع أنَ القصدَ به غيرُ ما وُضع له في الأصلِ.
ولما بَطلَ ذلكَ وثبتَ المجازُ من الكلامِ، بَطلَ ما ادعوه.
فيقالُ: هذا باطل بما إذا قيَّده بالشرطِ أو الغاية، أو خصَّه بالاستثناءِ على قولِ من سلم ذلكَ، فمنَه موضوع للجنسِ، وقد استُعملَ مع الاستثناءِ في غيرِ ما وضع له، ثم لم يصر مجازاً.
على أنَه لما صُرِفَ بقي على جملةٍ صالحةٍ، كونها عموماً، فهي كالعددِ الذي إذا
стр. 1508
زالَ بعضُه بقي الباقي حقيقةً في الجمعِ، بخلافِ الأسماءِ التي قاسوا عليها.
فإن قيلَ: هو مع الاستثناءِ موضوعٌ للخصوصِ لا للعمومِ، فما استعمل إلا فيما وُضعَ له.
قيل: وكذا نقولُ في مسألتنا: لفظ العمومِ مع دلالةِ التخصيصِ موضوعٌ للخصوصِ، لا للعمومِ، فما استعملَ إلا فيما وضِعَ له.
ويخالف هذا ما ذكروه من استعمالِ الأسدِ في الرجلِ الشجاعِ، والحمار في الرجلِ البليدِ، فإنَّ الأسدَ لم يوضع للشجاعِ، ولا الحمارَ للرجلِ البليدِ في اللغة، فإذا استعملَ في ذلك حكمنا أنَّه مجازٌ، وليس كذلك لفظُ العمومِ، فإنه متناوِلٌ لكل واحدٍ من الجنس ما أخرجه الدليلُ وما بقي تحتَه، وواقعٌ عليهما، فإذا استعملَ في الخصوصِ، فقد استُعملَ فيما يقتضيه اللفظُ.
يَدُل عليه: أن القرينةَ فيما ذكروه تُبق ما أريدَ باللفظِ، والقرينة فيما اختلفنا فيه تبين ما لا يرادُ باللفظِ، فبقي الباقي على مقتضى اللفظ (١).
فصل
في الدلالةِ على من فرَّق بينَ المتصلِ والمنفصل
لأنَّ المتصل (٢) معنى يقتضي تخصيصَ العمومِ، فلم يَصِو مجازاً في الباقي، دليلُه ألشرطُ والاستثناءُ، وأيضاً فإنَ اللفظَ اقتضى استغراقَ الجنسِ أجمعَ، فإذا دلَّ الدليل على أن بعضَ (٣) الجنسِ غيرُ مرادٍ، بقيَ الباقي على مقتضى اللفظ، فوجبَ أن يكونَ حقيقةً فيه.
стр. 1509
فصل
في الدلالةِ على أنَّه يجوزُ تخصيصُ العمومِ إلى أن يبقى واحدٌ (١)، فلا يتخصصُّ جوازُه بأن يبقى أقلُّ الجمعِ وهو الثلاثةُ، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (٢)، خلافاً لأبي بكر الرازي (٣) فيما حكاه الجُرجاني عنه، وأبو بكر القَفّال. يجوزُ تخصيصُ الجمعِ إذا كان الباقي جمعاً حقيقةً، ولا يجوزُ النقصانُ منه إلا لما يجوزُ النسخُ به (٤).
فالدلالةُ على ما ذكرناه: أنَ ما جاز تخصيصهُ إلى الثلاثةِ جاز تخصيصهُ إلى الواحدِ، كمنْ، وما، فإنَّه لو قال: من دخلَ الدارَ؟ أو: من في الدار؟ أو: ما في الدار؟ حسُن جوابه بالواحد من الجنس، كما يحسُن جوابُه بالثلاثةِ، أو بقولِ لفط من ألفاظِ العمومِ، فصارَ تخصيصهُ إلى أن يبقى دونَ الثلاثِ، كمن، وما.
стр. 1510
وأيضاً: ما جازَ تخصيصُ العمومِ به إلى الثلاثِ جازَ التخصيصُ به إلى الواحدِ،
كالاستثناءِ.
وأيضاً: فإنَ القرينةَ المنفصلةَ كالقرينةِ المتصلةِ؛ لأنَّ كلامَ صاحبِ الشريعةِ وإنْ تفرّق، فإنه يجبُ ضمُ بعضِه إلى بعضٍ، وبناءُ بعضِه على بعضٍ، فإذا كانَ كذلك، وكان المتصلُ صحيحاً ما (١) بقي من اللفظِ شيءٌ، كذلكَ التخصيصُ.
فصل
في شُبههم
قالوا: إن اللفظَ موضوعٌ للجمعِ، فإذا لم يبقَ ما يقعُ عليه اسمُ الجمعِ، صارَ مستعملاً في غيرِ ما وُضع له، فاحتاج إلى دليلٍ يجوزُ به النسخُ.
فيقالُ: إنَا لا نُسلِّم أنه لا يجوز استعمالُ لفظِ الجمع فيما دونَ الثلاثِ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأراد به نُعيماً (٢)، وقال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] وأراد به عائشةَ وحدَها (٣)، وعلى أنَّ هذا يبطلُ به إذا خصَّه بالاستثناءِ، فإنَّه يجوزُ، وإن كان اللفظُ يستعملُ فيما دونَه.
فإن قيل: أليسَ من مذهبِكم أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر؟ فكيف أجزتم رفع الكُلّ إلا واحداً ها هُنا.
قيلَ: ليس التخصيصُ من الاستثناءِ بشيءٍ، بدليلِ أنَّه (٤) لايلحق بالمستثنى منه إلا مع اتصالِ الكلامِ، وفي التخصيصِ يلحقُ الخصوصُ بالعمومِ مع الانفصالِ.