قال بعض الأصوليِّين: وقد يكونُ صوابٌ أصوبَ من صوابِ، كما يكونُ صلاح أصلحَ من صلاحٍ، وطاعةٌ أفضلَ من طاعةٍ، قال عَلي بن عيسى في كتابِه: وهذا يجوزُ على طريقِ المبالغةِ، كما يقالُ: فلانٌ أصدقُ من فلانٍ، أو أصدق العالمينَ.
فصل
في الخطأ
والخطأ: نقيض الصواب؛ وهو الدَّفعُ عن الحقِّ، وهو الذهابُ عن الحقِّ، وهو الضلالُ عن الحَقِّ.
فصل
في الضَّرُورَةِ
والضرُورَةُ: هي الفعل الذي لا يُمْكِنُ التخلصُ منه.
والمُضْطرُّ: هو المفعولُ به ما لا يمكنه التخلصُ منه.
والضَرُورَةُ والاضْطِرارُ واحدٌ، وهما غيرُ الِإلْجاءِ وخلافُه؛ وذلك أن الإِلجاءَ: أن يُحمَلَ على أن يَفعَلَ، والضَّرورَة: أن يُفْعَل فيه شيءٌ لا يمكنه الانصراف عنه.
واشتقاقُ الضرورةِ من الضُرِّ، والضرُّ: ما فيه ألمٌ، وقد يُقال: اضْطَرة إلى أن يفعلَ، كما يقال: ألْجَاهُ إلى أن يَفعلَ، غيرَ أن الأظهرَ في الاضْطِرارِ أنه خِلافُ الاكتساب، ألا ترى أنه يقالُ: أباضْطِرارٍ عرفتَ هذا، أم باكتسابٍ؟ ولا يَقع الَإِلجاءُ هذا الموقعَ، وإذا تقاربتِ
стр. 177
المعاني تداخلت الألفاظُ، فوقعَ بعضُها مَوقعَ بعضٍ، ونابَ بعضُها عن بعضٍ.
وأكثرُ ما تستعملُ الضرورةُ في العلمِ، وهي في الفعل كلِّه تَصِح، فكَوْنُ الإِنسانِ ضرورة، وشَهْوتُه ضرورةٌ، وخَواطِرُه ضرورةٌ وأكثرُ أحوالِه ضرورةٌ؛ لأن أكثرَ أحوالِه ما يُفعل فيه، وأقلُّها ما يَفْعَلُ ويَكْتَسِبُ كحركتِه، وسكونِه، وجمعِهِ، وتفريقِه، وإرادتِه، وكراهتِه، واعتقادِه، وندمِه، وإصْرارِه، وما يَجْرِي هذا المَجْرَى، فاكتسابٌ كلُه.
وكأنَ الأصلَ في الضرورةِ أن يُفعلَ في الشيءِ ما يَضُرة، ولا يَتهَيأ
له الانصرافُ عنه، ثم كَثُرَ حتى صارَ في كلِّ ما يُفعلُ فيه مما لا يَتهيأ
له الانصرافُ عنه، ضَرَّهُ أو نَفَعَهُ، وقد يضْطَرُّ الِإنسانُ نَفسَهُ إلى أمرٍ، كالذي يُلقي نفسَه من سطحٍ، فيَضْطَر نفسَهُ إلى الهُبوطِ.
فصل
في الضِّدَّ
وهو: المنافي للنَّقيض مع المنافاةِ لِمَا نافاهُ، وشرح ذلك: أنَّ المنافاةَ قد تكونُ بين الشيئَيْنِ، ولا مُضادَّةَ بينهما، كالإِرادةِ تنافي الموتَ، ولا تُنافِي ما نافَى الموتَ من الحياةِ والمعرفةِ وغيرِ ذلك، وإنما قيلَ: مُنافاة، ولم يُقَلْ: مُضادَّة؛ لأن المضادَّةَ نهايةُ المُبايَنَةِ، والمنافاةُ إنما يُرادُ بها الدَّلالةُ على أنه لا يَصِحُّ وجودُهما معاً.
وأما النقيضُ فهو أعمُّ من الضد، فكلُّ ضدَّ نَقيضٌ وليسَ كُلُّ نقيضٍ ضداً، إذِ الصِّدقُ نقيضُ الكذبِ، وليس بضدٍّ، وكذلك المتحركُ نقيضُ الساكنِ، وليس بضا، وكذلك المنافاةُ أعمُّ من
стр. 178
المضادَّةِ، والنَقيضانِ قد يجتمعانِ في الوجودِ (١)، ولا يَصِح أن يجتمِعَ الضدانِ في الوجود، وذلك كقولك: زَيدٌ متحرِّكٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاَ، فهذان القولانِ نقيضانِ، وقد اجتمعا في الوجودِ، والضدان يتعاقبانِ في الوجودِ.
وعندي أن ذلك لأنَّ الضدَّيْنِ لا يقومُ كل واحدٍ منهما إلا بمَحَل، ولا يتبيينُ التضاد إلا بالمَحَل الواحدِ، ولا اجتماعَ للحَرَكةِ والسَكونِ، ولا للبياضِ والسَّوادِ في محلٍّ واحدٍ، والنَقيضُ (٢) في اللفظ الواحد لا يَجتمع مع النقيض، وإنما قولُ القائلِ: زيدٌ متحركٌ [ليس]، (٣) متحركاً، نقيضانِ، لكنْ في زمانَيْنِ، والنطقُ لم يَجْمَعْهما (٤)، وإنما يَعْقُبُ أحدُهما الاَخَرَ، وإنما الذي بَقِي من المُفارَقَةِ أن القولَيْنِ نقيضانِ، وجُمِعَا لزيدٍ جَمْعاً لا يُجْمَعُ مثلُه في الضِّدَّيْنِ، فقيلَ: زيدٌ متحركٌ، ليس زيدٌ متحرِّكاً، والضدانِ لا يجتمعانِ وجوداً في المحلِّ.
стр. 179
فصل
واعلم أن لنا ما يُضادُ شَرْطَ الشيءِ وليس بمضادٍّ له، كالِإرادةِ تُضاد الكراهةَ من حيثُ إنها لا تجتمعُ معها في المحَلِّ، والكراهةُ لا تجتمعُ مع المَوْتِ، ولا الِإرادةُ تجتمعُ مع اْلموتِ، ولا يقالُ: إن الِإرادةَ ضدُ الموتِ، ولا الكراهة ضدُ الموت، لكنَ الموتَ يُضادُ ما لا يصحُ وجودُ الإِرادة والكراهةِ إلا مَعَهُ، وهو الحياةُ.
وكذلك العِلْمُ لا يجتمعُ مع الموتِ، لا لكونِ الموتِ ضداً له، لكنْ لكونِه ضد الشَرْطِ وهي الحياةُ، فافْهَمْ ذلك.
فصل
في مثالِ ذلك من الفِقْهِ
إن الحَظْرَ في باب الاستمتاعِ يُضادُ الإِباحةَ لا الملكَ، والإِباحةُ لا تجتمعُ مع عِتْقٍ ولا طلاقٍ لا من حيثُ مضادَّتُهما لها، لكنْ لِمضادةِ الشرطِ لها، وهو الملكُ.
فصل
وقال بعضُ أهلِ العلم بالأصولِ: وما ادفَعُ قولَ القائلِ: إنَ الموتَ يُضادُّ الإِرادةَ.
والذي نختارُه هو الأولُ؛ لأنه ينبغي أن يكونَ المضادُ للشيء مضادَّاً لِمَا ضادَّهُ، كالسوادِ لمَا ضادَّ البياضَ، ضادَ جميِعَ ما يُضادُّ البياضَ من سائرِ الألوانِ، وقد علمنا أن الكراهةَ تضادُّ الموت، والموتُ يضادُّ الحياةَ، فينبغي أن تكونَ الكراهةُ تضادُّ الحياةَ، كما نقولُ في
стр. 180
حركةٍ يَمْنَةً، وحركةٍ يَسْرَةً، والسكونِ، فإن كان هذا لا يجبُ في بعضِ الأضْدادِ، لم يَجِبْ أيضاً في كلِّ الأضدادِ المُساوَقَةُ.
ومما يَدُلُّ على ذلك أن الأضدادَ إنما تتضادُ على المحل الواحدِ إذا كان من شأنِها أن تَحِلَّ في مَحَلٍّ، يدل على ذلك أن بياضَ زيدٍ لا يُضادُ سوادَ عمرو، وُيضادُه ما كان من جِنْسِ ذلك البياضِ يَحُلُ في زيدٍ، وإذا ثبتَ هذا قلنا: إن المضادَّةَ بينَ الإِرادةِ والكراهةِ حاصلةٌ من حيثُ تعاقَبَتْ على المَحَلِّ، ومتى وُجدَ أحدهُما في المَحَلِّ-وهو الحَي-، انتفى الآخَرُ عن ذلك المَحَلِّ، فأما إذا وُجدَ الموتُ انتفتِ الحياةُ، وهي ضِدُّه، وكان امتناعُ حلولِ الإِرادةِ لاَ لحلولِ ضدِّها - وهي الكراهةُ-، لكنْ لعدم شَرطِها، وهي الحياةُ، فخرجَ المحل عن كونِه قابلاً لكراهةٍ وإرادةٍ، فصَارَ كعَدَم المحلِّ رأساً، لا يقالُ: إنه ضد لأعْراضِ الجسمِ.
فصل
في الفِسْقِ
الفِسْقُ: هوالخروجُ، يقال: فَسَقَتِ الحيَّةُ: إذا خَرَجَتْ. وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ: الفُويسِقَةَ (١)، وسُمَيَ به العاصي بكبيرةٍ، أو بمداومةٍ [على]، صغيرةٍ، لخروجهِ عن أمرِ الله وشرعِه، قال سبحانه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، يعني: خرجَ. فهذا حَدُّ الفِسْقِ أصلًا في اللغةِ.
وهو في الفقهِ بحكمِ الرَّسْمِ: عبارةٌ عن فِعْلِ كبيرةٍ، أو مُداوَمةٍ
стр. 181
على صغيرةٍ، وقد اختلفَ الناسُ في ذلك، فقال قوم: إن الله سُبحانَه لم يَنصِبْ على الكبيرةِ عَلَماً ولا دَلالةً، لِيَقَعَ الاجتنابُ لكلِّ معصيةٍ.
وقال صاحبنا (١) رحمةُ اللهِ عليهِ: عليها امارَةٌ، فكل معصيةٍ أوجبت حَدَاً في الدنيا، كالزِّنى، والسرقةِ، والشًّرْب، والقَذْفِ، وقَطْعِ الطريقِ، أو وَعيداً في الآخرةِ كالربا، والتَوَلي عن الجَهادِ إذا الْتَقَى الصَّفَّانِ، فهو كبيرة (٢). والصغائر: ما عدا ذلك.
وحَصَرَها قومٌ بأربعينَ (٣)، وأدخلوا فيها عُقُوقَ الوالدَيْنِ، وشهادةَ الزورِ، والانتسابَ إلى غَيْرِ العَشِيرةِ، واسْتِرْقاقَ الحُرِّ.
وحَصَرَها قومٌ بعَشرَةٍ، فقالوا: الشِّرْكُ، والقَذْفُ في اللِّسانِ، والسَّرقةُ، والقتل في اليَدِ، والشًّربُ، وأكل الرِّبا، وأكل مالِ اليتيم في البَطْنِ، والزِّنى، واللِّواطُ في الفَرْجِ، والفِرارُ من الزَّحْفِ في القَدَمِ.
والدَلالة على معرفتِنا لها: أن الله سبحانَه قد سمَّى كبائرَ، وشرطَ إحْبَاطَ كلِّ سيئَةٍ غَيْرِها باجتنابِها، فدلَّ ذلك على أن لنا غَيْرَها، وشَرَعَ عقوباتٍ، وجاءَ بوعيدٍ على معاصٍ مخصوصةٍ، فالاستدلال بعِظَم العُقوبةِ على عِظَمِ الجريمةِ استدلالٌ صحيحٌ، فنستدلًّ على الأكثرِ
стр. 182
مَاثَماً عندَ اللهِ على الأكثر عُقُوبَةً بوَضْعِ الله، كما نستدلُّ على الفَضْلِ في أعمالِ الطَاعاتِ بما يَرِدُ من مَقَاديرِ المجازاةِ عليها، وشِدةِ الحَثِّ على فِعْلِها، ومَجِيءِ الوَعِيدِ على تركِها.
فصل
و العَدْلُ: هو الاسْتِقامةُ في الفِعْل.
وقيل: هو العُدُولُ إلى الحق.
وقيل: هو الوَضْعُ للشيءِ في حَقِّه.
وقيل: سُميَ العدلُ بهذا؛ لأن العَدْلَ: هو الذي لا يَمِيلُ، وهو مأخوذُ من التَّعديلِ الذي يَنْفِي المَيْلَ.
فصل
و الجَوْرُ: هو المَيْلُ عن الحق، ومنه قولُه سُبْحانَه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]، وتقولُ العَرَبُ: جارَ السهْمُ: إذا مالَ.
ونَقائضُ تلكَ الحدودِ المُقَدمَةِ في العَدْلِ ها هنا أن نَقُولَ: هو وضعُ الشيءِ في غيرِ حقِّهِ، نَقِيض قولك في العدلِ: هو وَضْعُ الشيءِ في حَقَهِ، ومن نقائضِ العدلِ في حدودِ الجَوْرِ أن نقولَ: هو المجازفةُ في الفِعْلِ حتى يَميلَ عن الحق، وهذا الحَدُّ نَقِيضُ قولِك في حد العَدْلِ: هو المُضِى في الفِعْلِ حتى لا يَمِيلَ عنِ الحق.
стр. 183
فصل
في الظُّلْمَ
والظلمُ: هو الانْتِقَاصُ، قالَ سبحانه: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، وتقولُ العربُ: مَن أشْبَهَ أباهُ فما ظَلَمَ، أي: ما انتقصَ من حقِّ الشَبَهِ، ومن قال: إنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه (١)، فما خرجَ بهذا عن الانْتِقَاصِ.
وقد غَلَبَ استعمالُ الناسِ الظلمَ في انتقاصِ حقوق الآدمِيِّينَ، وانتقاصِ الحقِّ الذي يجبُ به الذّمُ شَرعاً، ولو كانَ الظُّلْمُ ما كان انتقاصاً من حَقِّ آدميٍّ، لَمَا كانَ الكُفْرُ ظُلْماً، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، لأنه انتقاصُ أكْبَرِ الحقوقِ، وهو شُكْرُ المُنْعِمِ اَلأولِ، ومِن نِعَمِهِ يكونُ إنعامُ مَنْ بَعْدَهُ في الإِنعام، كحَنينِ الوالدِ، وإكرامِ الصَّديقِ، فإنه المُمِدُّ بتَحْنِينِ القُلوبِ وتَليِينِها.
فصل
واعْلَمْ أنَّ العدلَ والإِنصافَ نَظَائِرُ، والجَوْرَ والظلمَ نظائرُ، ويتميَّزُ أحدُ القَبيلَيْنِ من الاَخرِ عندَنا بالشَّرْع، كما يتميَّزُ السواد من البياض بالبَصَرِ، وعند من أثبتَ العَقْلَ مُحَسِّناً ومُقَبِّحاً (٢) يقول: إن المِيزَةَ بينهما بالعَقْلِ، كما أن المِيزَةَ بين البياضِ والسَّوادِ بالبصرِ.
стр. 184
فصل
في حروف المُباحَثاتِ (١)
وهي تسعةٌ في الأصلِ، ومدارُ البيانِ فيها على "ما هو"- وهو البَحْثُ عن "الماهِيةِ" (٢) -، ثم "هَلْ"، و"امْ"، و"ما"، و"مَنْ"، و"أيُّ"، و"أيْنَ"، و"مَتَى"، و"كَيْفَ"، و"كَمْ"، وهي على مَعانٍ مُتَفَرقَةٍ (٣).
فصل
في الماهِيةِ (٢)
وهو المَعْنى الذي يدل عليه القولُ بِدَلالةِ الإِشَارةِ. وأصلُ الماهيةِ (٢): هو المعنى المنسوبُ إلى "ما" التي يُستَخبر بها، فيقال: ما هو؟، و"ما" هي التي سَألَ بها من جَهِلَ اللهَ سبحانَه، وهو فِرْعَوْنُ (٤)، وعَدَلَ عنها إلى ما يَلِيقُ بالله من تَعْرِيفِهِ بافعالهِ- إذ لا
стр. 185
ماهِيَّةَ له- موسى الكَلِيمُ الكريمُ عَليه السلائم (١).
وكل علَم قِياسيٍّ، فَمدارُ البيانِ فيه على "ما هو؟ ".
فصل
في " هَلْ "
وقد تَرِدُ بمعنى الألِفِ (٢)، تقول: هل زيدٌ في الدارِ؟ مكانَ قولِك: أزيدٌ في الدارِ؟ وقولُك: هَلْ ق امَ زيدٌ؟ بدلًا من قولِك: أقامَ زيدٌ (٣)؟.
فصل
في "أمْ"
وأما "أم" فلا يُبْحَث بها ويستخرج إلَّا بعدَ كلامٍ قد تقدمَ، مثل قولِك: زيدٌ قامَ أم عمرٌ و؟ بكرٌ دخلَ أم خالدٌ (٤)؟
ولا يُبتداب "أم" بخلافِ "هل" و"الألف"، أعني: ألِفَ الاستفهامَ.
فصل
في الألف
والألف يُستأنَفُ الاستخبارُ بها، فتقول: أزيدٌ قامَ؟ أعمرو في
стр. 186
الدارِ؛ أدَخل الأميرُ دارَه؟ وما شاكلَ ذلك (١).
فصل
في " كَيْفَ "
فأما "كيفَ هو؟ " فيقعُ سؤالًا عن الصُّورةِ والحال (٢)، ويجوزُ أن تقولَ بدلاً منه: ما حالُه؟ ما صورتُه؟ فتجتزىء به من القولِ: كيفَ هو؟ وهذا المُوَضِّحُ لكونِ "كيف هو" إنما هو سؤالٌ عن الصورةِ والحالِ، لأنه حَسُنَ مَجِيءُ أحدِهما بدلَاَ من الآخَرِ، وهذا علامةُ صِحةِ الدَّعوى في البَدَلِ، وإذا رأيتَ الإِفصاحَ بالغرامة (٣) يَنطبقُ على ما ادُعِيَ أنه بَدلٌ له، أو عِبارةٌ عنه، فاعلم صِحَةَ الدً عوى.
فصل
في " كم "
وهي: حرفٌ للبَحْثِ عن العِدَّةِ (٤)، تقول: كم عندَك رجلَاَ (٥)؟، وكم في الكِيسِ دِرْهماً (٥)؟. ويَشهدُ لذلك أنَّكَ تُقِيمُ مَقامَ هذا قولَك: ما عِدَّةُ مَنْ عندَك مِنَ الرِّجالِ؟ وما عَدَدُ ما في الكيسِ من الدراهمِ؟،
стр. 187
فصل
في " مَتَى "
وأما "متى": فهو بَحثٌ عن الزمانِ (١)، تقول: مَتى جاءَ ابُوكَ؟ ومتى عُوفِي أخوكَ؟ ومَتى قَدِمَ الأميرُ؟ فالجواب عنه: اليومَ، أمسِ. فالسؤال عن الزمان يَنُوبُ عنه أن تقولَ: ما زَمانُه؟.
فصل
في " ايْنَ "
فأما "اينَ هو؟ " فهو بحثٌ عنِ المكانِ، تقولُ: أين زيدٌ مِنَ السُّوقِ؟ وأينَ كنْتَ اليومَ؟ ويَحْسُنُ أن يقالَ بدلاً منه: ما مكانُه؟.
فصل
وكان الفرضُ في إبدال كُلِّ حرفٍ بـ "ما" بيانَ فضلِ "ما" وكثرةِ فائدتِها بدخولِها بدلًا من كلًّ حرفٍ: ما عِدتُه؟ بدلًا من: كم هو؟، وما مكانُه؟ بدلاً من: أينَ هو؟، وما زمانُه؟ بدلاً من: متى هو؟، وما عندك؟ بدلاً، مِنْ: مَنْ عندَك (٢)؟، وما حالُه؟ بدلًا من: كيف هو؟، فقد بأنَ أنها الاصلُ في حروفِ المباحثاتِ.
стр. 188
فصل
في التَحْصِيلِ
وهو: حذفُ فُضُولِ الكلام. وقيل: هو الاعتمادُ على المقصودِ دونَ الحَشْوِ والتَطْوِيلِ، ولا سبيلً إلى ذلك مع التكثيرِ إلا بالتماسِ الغَرَض ما هو، ثم التماس ما يُحتاجُ إليه في الغرضِ، فحينئذٍ يقعُ التحصيلُ، ويَصِحُّ التَمييزُ.
والتَحصيلُ والتَهذيبُ والتخليصُ نظائرُ، ويقالُ: هو (١) نَقِي الكلامِ، كثيرُ الصوابِ.
فصل
في الاجْتِهادِ
والاجتهادُ في الأصلِ: كلُ فعلٍ فيه مشَقَةٌ، ثم صارَ عَلَماً على الطلَبِ للحق من الطريقِ المُوديَةِ إليه على احتمالِ المشقَةِ فيه.
ومثال الاجتهادِ في الأحكامِ كعَبْدٍ ضَل عن سيدِهِ، فقامَ أصحابُه بالاجتهادِ في طَلَبهِ، فسلكَ كل منهم طريقاً غيرَ طريقِ الآخَرِ بحَسَبِ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ (٢) وجودُه له، ووقوعُه عليه، واسْتَفْرَغَ الَوُسْعَ،
стр. 189
واستَنْفَدَ المنوةَ بمقدارِ الطَاقةِ.
فصل
والاجتهادُ على ضَرْبَيْنِ:
اجتها. يؤدي إلى معرفةٍ.
واجتهاد يؤدي إلى غَلَبَةِ ظَنً أنه لا شيءَ أوْلى بالحادثةِ من تلك القضيةِ.
стр. 190
فصل
في تحقيقِ معنى قولِ الفقهاءِ في الفعلِ: إئهُ مكروهٌ وذلك منهم وبينَهم ينصرفُ إلى وجهَيْنِ لا ثالثَ لهما:
أحدهما: أنه المنهى عن فعلِه نهيَ فضْلٍ وتَنْزيهٍ، مثل: سلوكِ ما يحفظُ المروءَةَ تنَزُّهاً عن سلوكِ ما يَقْدَحُ فيها، كالأكلِ على الطريقِ، ومَد الرِّجْلِ بين النَاسِ، وكثرةِ الضحِكِ، واستدامةِ المُزاحِ والهزءِ، وتركِ الوَقَارِ بإهمالِ التَجَملِ، ومأمورٌ على وَجْهِ النَدْب بأن يفعلَ غيرَهُ، والذي هو أوْلى وأفضلُ منه، وذلك نحوُ: كراهيةِ اَلتركِ لصلاةِ الضُحَى، وصلاةِ الليلِ، وهو التهجُّدُ وقيامُ الليلِ الذي يفعلُه العلماءُ والصلحاءُ، والنَوافلِ المأمورِ بفعلِها، فيقالُ للمكلفِ: يُكْرَهُ لك تركُ هذهِ الفضائلِ المؤديةِ بك إلى المنازلِ؛ لأن في تركِها تفويت الرغائبِ من ثوابِ اللهِ تعالى (١).
فصل
والوجهُ الآخَرُ من المَكْرُوهِ: وصفُ المختلَفِ في حكمِه بأنه مكروهٌ، نحو: وصفِنا التَوَضؤ بالماءِ المستعمل بأنه مكروة؛ لموضعِ
стр. 191
الخلافِ في جوازِ التوَضُّؤ به (١)، ونحو: التوَضّؤِ بسُورِ الهِرِّ مع القدرةِ على غير؛ (٢)؛ لأنه أفضلُ، وَنَحو أكلِ لحوم السباع (٣)، وما يَحرُمُ أكلُه، واتفِقَ على أن العدولَ عنه وأكلَ غيرِه أَوْلى.
وفي الجملةِ، فهو كلُّ ما كان العدولُ إلى غيرِه أحوطَ وأوْلَى وأفضلَ.
فصل
وإنما يجبُ أن يقالَ في أمثالِ هذا: إنه مكروهٌ في حق من رأى أنَ ذلك لا يجوزُ، ولا يقالُ: إنه مكروهٌ على الإِطلاقِ، سِيما على قولِ من يقولُ: إن كُلَّ مجتهدٍ مصيب.
فصل
وليس من عادةِ الفقهاء أن يصفُوا ما أُمِرْنا به مما ليس غيرُه أفضلَ منه، ولا ما قَطَعَ الدليل على تحريمِه، بأنه مكروهٌ؛ فلذلك لا يجوزُ أن يقالَ في تركِ شيءٍ من الفرائض، ولا في المُباحِ المطْلَقِ: إنه مكروهٌ ولا يصفون أكلَ المَيْتَةِ والذمِ والخنْزير وشُرْبَ الخمرِ بأنه مكروهٌ؛ لمَّا كان مقطوعاً بتحريمِه.
فصل
وقد يقالُ في الفعلِ: إنه مكروهٌ، إذا كان مختلَفاً في تحليلِه
стр. 192
وتحريمِه اختلافاً حاصلاً مُسَوَّغاً، مع عدم النص القاطعِ على أحدِ الأمرَيْنِ، بل واقعٌ به من جهةِ الاجتهادِ وغَلبةِ الظَنِّ، فيقالُ في مثلِ هذا: إنه مكروهٌ فعلُه عندَ من أدَّاهُ اجتهادُه إلى تحريمِه، فكان القولُ بذلك من فَرْضِهِ وتَجْويزِه لغيرِه القولَ بتحليلِه إذا كان ذلك جهْدَ رأيهِ، فيكونُ ذلك مكروهاً في حقِّ عالمٍ وفَرْضِه، وغيرَ مكروهٍ في حقِّ غيرِه إذا اخْتَلَفَ اجتهادُهما، لا وَجْهَ لقولِهم: إنه مكروة، سوى ما ذَكَرْنا.
وقد أشارَ النبيُ ﷺ إلى ذلك بقوله: "الحلالُ (١) بين، والحرامُ (١) بيِّن، وما بين ذلك أمور متشابهات لا يعلمُها إلا قليل" وقال: "لكل مَلِكٍ حِمىً، وحِمى اللهِ محارِمه، ومن حامَ حولَ الحِمَى، يوشِك أن يَقَعَ فيه" (٢)، وقال: "دعْ ما يَريبُكَ لِمَا لا يَريبُك" (٣) وقال لوابِصَةَ:
стр. 193
"استفتِ نفسَك وإنْ أفتاكَ المُفتُونَ، فالبِرُّ ما اطمأنَّتْ إليه نفسُك، والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِك" (١).
ولم يُرِدْ ﷺ بالمتشابِهاتِ، ولا ما حاكَ في الصًدْرِ ما لا دَليلَ عليه، لكنَهُ أرادَ ما كانَ في دليلِه غُموض، والدَلالةُ على ذلك قولُه: "لا يعلمها إلًا قليلٌ"، ولو كان ما لا دليلَ عليه، لمَا أضافَهُ إلى القليلِ من العلماء، وهمُ الذينَ زالَ الاشتباهُ عنهم لانكشافِ الأدلًةِ لهم.
فصل
ويكرهُ للِإنسانِ الإِقدامُ على ما حاكَ في صَدْرِه، وخافَ الزلَلَ فيه، وظنً إصابةَ دليلٍ قاطعٍ عليهِ، بل يجب عليه الكَف عن ذلك اجْتِناباً.
فصل
فأما وصفُ الفعلِ الواقعِ بأنه مكروهٌ لله، واكتسابُ العبد له، فذلك باطل؛ لأنه تعالى الخالقُ لجميعِ أفعالِ العبادِ وأكسابِهم، والمريدُ لإِيجادِها، وقد يوصفُ بأنه كارهٌ للقبائحِ منها، على معنى أنه كارهٌ لكونِها دِيناً مَشْرُوعاً، وكارهٌ لوقوعِها مِمنْ نَزَّهَهُ عنها من الأنبياءِ والملائكةِ ومَنْ عَلِمَ أنَّه لا يَقَعُ منه، فأما على غيرِ ذلك فإنه باطلٌ.
стр. 194
فصل
في معنى قولِ الفقهاءِ والأصوليِّينَ في الفعلِ: بأنه صحيح، وفاسد ، ونَحْوُ ذلك.
فالذي يُريدُ به الأصولِيُّونَ من قولِهم: صحيحٌ. أنه فعل واقع على وجهٍ يوافقُ حكمَ الشرعِ، مِن أمرٍ به، أو إطلاقٍ فيه، ولا يَعنُون به: أنَ قضاءَه غيرُ واجبٍ، ولا أنَّ فِعْلَ مثلِه بعدَ فعلِه غيرُ لازمٍ.
وكذلك: إنما يُريدونَ بالفعلِ أنه فاسد وباطل: أنه قبيحٌ، وأنه مفعولٌ على مُخَالفَةِ الشرع، ولا يُريدونَ به ما كانَ قضاؤهُ واجباَ، وفعلُ مثلِه بعدَه لازم.
فصل
وأما معنى القولِ: بأن الفعل باطلٌ وفاسدٌ، مثلَ قولهم: صلاة باطلةٌ وفاسدة: أن فعلَ مثلِها واجبٌ بعدَ فعلِها، وقضاؤها لازمٌ، فبانَ أن الفسادَ والبُطْلانَ عندهم: ما لم يَقَعْ موقعَ الإِجزاءِ وإسقاطِ الواجب عن الذِّمَّةِ، فالعملُ في ذلك كلِّه على قولِه ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ علَيْهِ امْرُنا فهو رَد" (١). وردُ العَقْدِ والعبادةِ والشَّهادةِ: أن لا يَعْمَلَ عَمَله.
فصل
ومعنى الصحيحِ عندَ الفقهاءِ-أعني من العباداتِ-: إبْراءُ الذِّمًةِ
стр. 195
بفعلِها، وسقوطُ القضاءِ، ووقوعُها مَوْقع الإِجْزَاءِ؛ ولذلك قالَ كثير منهمِ: إن الصلاةَ في الدارِ المغصُوبَةِ صحيحةٌ ماضيةٌ، وإن كانت واقعةَ على غيرِحكمِ الشَرْعِ ولا أمرِه، بل معصيةٌ.
وسموا الصلاةَ التي قطعَها بإطفاءِ الحريقِ، وتَنْجِيَةِ الغريقِ، وإبعادِ الضَرير عن السقوطِ في البئرِ غيرَ صحيحةٍ، بل قالوا: باطلة، وإنْ كانت طاعةً الله بنفسِها، وبالفعلِ الذي قطَعها به، لكنْ أرادوا بقولِهم: باطلة، وجوبَ قضائِها، وعدمَ الاعتدادِ [بها] (١)، ونَفْيَ سقوطِ ما في الذِّمَّةِ بفعلها، ويجيءُ من هذا دليل على إحدى الرِّوايتينِ لنا، وأن الفعلَ الذي هو طاعةٌ أبطلَها لمَا لم يَكُ من الطاعاتِ المشروع مثلُه فيها؛ ألا ترى أنه لو أطالَ القراءَةَ والرُّكوعَ، وكرر تسبيحاتِ الرَكوع والسجود؛، صارَ من جملةِ أفعالِها غيرَ مُبْطَلٍ بها (٢) بالإِجماع، ثم إنًّ الفقهاءَ اختلفوا: هل يصيرُ التطويلُ واجباً، أم لا؟.
فكذلك كان يجبُ أن يكونَ الغَصبُ للدارِ لمَّا كان من المَناهي التي لا تَخْتَص الصلاةَ، أن يكونَ معصيةً غيرَ قادحةٍ، وسَنَسْتقْصِي القولَ في ذلك فيما بعْدُ، إن شاءَ الله.
فصل
فكذلك، قولُهم: عَقْد باطل، وشهادة باطلةٌ، وحكم باطل، وقولُهم: عقد صحيحٌ، وشهادة صحيحةٌ، وحكم صحيح، فإنَّما يَعْنُونَ بصحَّتِه: نفوذَه ووقوعَ التَّمْلِيكِ به.
стр. 196
ويريدونَ ببطلانِه وقولِهم: عقدٌ باطلٌ وفاسدٌ: غيرَ نافذٍ، ولا يَحْصُلُ به التمليكُ.
وشهادةٌ باطلةٌ: لا يجوزُ أو لا يجبُ العملُ بها، ولا يَثْبُتُ بها الحق.
وإقرار باطل، وإنكارٌ باطل في أمثالِ ذلك مِما لعلنا أن نَشْرَحَهُ من بَعْدُ.
فهذه جُمَلُ المُقَدَماتِ التي لا تَتِم معرفةُ أصولِ الفِقْهِ، وأحكامُ أفعالِ المكلفينَ إلا بها، كافية إن شاءَ اللهُ.
فصل
في المُلْكِ
الملكُ عندَ قومٍ من الأصولِيِّينَ: هو القُدْرةُ على ما للقادرِ أن يتصرَّفَ فيه، والمالِكُ: هو القادرُ على مَالِه أو تَصَرفِه.
وقيل: هو القُوةُ، وهو قريب من الأولِ، ومنه قولُهم: عَجِين مملوك: إذا كان معجوناً عَجْناً قَوَاهً.
وقيل: هو التسلطُ بحق، وهذا أشْبَهُ بالفِقْهِ.
وقيل: هو الاختصاصُ بالتَصَرفِ، فكلُّ مختصٍّ بالتصرفِ في منافعَ أو أعْيانٍ، فهو مالكُها (١).
стр. 197
فصل
و"لملكُ قد يجبُ بتمليكِ مُمَلِّك، وملكٌ يجبُ لابتمليكِ مُمَلكٍ، فالأولُ كملكِ العَبْدِ، والثاني كملكِ الرَّب جَل وعَزً.
والعبدُ يملِكُ بحكمِ اللهِ ، واللهُ سبحانَه مالكٌ للأعيانِ تمَلكَ خَلْقٍ وإيجادٍ؛ لأنه المخرجُ لها من العَدمِ، والعبدُ مأذونٌ له في التصرف، محظورٌ عليه بعضُ التَصرفاتِ.
فصل
وقال ثَعْلَبٌ (١): "مَالِك" أمْدَحُ من "مَلِك"؛ لأنه يدل على الاسمِ والصَفةِ (٢). ولا يجوزُ أن يملكَ أحدُنا بالعَقْلِ، وإنما يجوز بحجةِ السمعِ، كما لا يجوزُ أن يَذْبَحَ شيئاً من البهائم بحجةِ العقل، وإنما يجوزُ بحجة السمعِ.
والأصل في ذلك أنً الإِنسانَ غيرُ مالك للتصرفِ بنفسِه، بل فوقَ العقلِ آمِرٌ وناهٍ، وليس فوقَ قدرةِ الله متحجرٌ.
والمعتزلة تقولُ: الأصل في ذلك: أنً الواحدَ منا لا يملك العِوَضَ على إزهاق نَفْسٍ، ولا إراقةِ دَمِ، والله يملك التَعويضَ، وهو النَعيمُ المؤبدُ، والبَقاء السًرْمَد، فيُوفِىَ التعويضَ على الإِيلامِ.
стр. 198
فصل
في معنى وَصفِ الخِطابِ بأنه مُحْكَم ومُتَشابِة
اعلم أن المُحْكَمَ يرجعُ إلى معنَييْنِ: أحدهما: أنه مُفَسر لمعناهُ، وكاشف له كَشْفاً يُزيلُ الإِشْكالَ، ويرفعُ وجوهَ الاحتمالِ، وهذا المعنى موجود في كلام الله ، وكثيرٍ من كلام خلقِه، فيجبُ وصفُ جميعِه بأنه محَكم على هذا التَأْوِيلَ.
فصل
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ معنى وصفِ الخِطابِ بأنه محكم، بمعنى: أنه محكمُ النَظْمِ والتَرتيب، على وجهٍ يُفيدُ من غيرِ تناقضٍ واختلافٍ يَدْخُلُ عليه، فكلُّ كلامٍ هذا سبيلُه، فهو محكم (١)، وإنِ احتملَ وجوهاً، والتبسَ معناهُ، فإنه يَخْرُجُ عن كونِه محكماً.
وما فَسَدَ نَظْمُه، واختل عن وجهِه وسَنَنِه، وُصِفَ بالفسادِ لا بالتَشَابُهِ.
وقد غَلَبَ على قولِ الفقهاءِ: أن المحكمَ ما كان حكمُه ثابتاً.
فصل
فأما المُتَشابهُ، فمعنى وصفِ الخطاب بأنه متشابة، فهو: أنه محتمِلٌ لمعانٍ مختَلِفةٍ يقعُ على جميعِها، ويتناَولُها على وَجهِ الحقيقةِ،
وفي الحروفِ إعْجامٌ يزيدُ على التَشابُهِ؛ لأنه لم يُوضَعْ لشيءِ مُعَيَّنِ، فضلاَ عن شيئيْنِ، فإذا لم يُوضَعْ لشيءٍ واحدٍ، فكيف يَتَرَددُ بين الشيئَيْنِ؟.
فأما التَرددُ في الوَجْهِ: فقد يُعَبَّرُ به عن الأولِ، كقوله: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]،وبانَ انه أرادَ به الأولَ من قولِه: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]، وقد يُعبَّرُ به عن خِيارِ الشيءِ وأَجْوَدِهِ، كوجهِ الثوْبِ، ووجهِ الحائطِ، وهو الذي يُحَسنُ بالَاجُر المَحْكُوكِ، والغَزْلِ المُحَسَّنِ، والعملِ المُجَودِ، وبين هذا العُضْوِ المخطَطِ الجامعِ للمحاسِنِ وَالحَواس.
واليدِ: بينَ الجارحةِ، والقُدرَةِ، والنَعْمَةِ.
والرَّحْمَةِ: بينَ الرقَةِ، والفعلِ الدال على إرادةِ الخَيرِ، أو إرادة الخيرِ ودفعِ الضيْر.
والغَضبِ: بين غَليانِ دم القلبِ طَلَباً للانتقامِ، وبينَ التَعذيبِ والانتقامِ الذي يدل على غَضَب من يَصدرُ عنه من الخَلْقِ.
وعلى هذا الاشتباهِ جميعُ ما يَجيءُ من الأوصافِ، فقامت دَلاَلةُ العَقْلِ والنصَ على نَفْي مالا يليقُ به مما هو وصفُ الأجسامِ المُحْدَثَةِ، وهو الأوَّلِيَّةُ والتَّخْطِيطُ والجارحةُ، ولم يَبْقَ إلا أَحَدُ مَذهبَيْنِ: وهو نَفْسُ الذَاتِ، فيكونُ معناهُ: ويَبْقَى رَبُّكَ، وكذلك قولُه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] والمرادُ به: إلأَ هُو (١).
أو قول أصحابنا بالوقوفِ عن التفسير والتأويل (٢).
стр. 201
والنصُ الذي مَنَعَ من حَمْلِه على الجارحةِ، وعلى الأولِ، وحملِ الغَضَبِ على الاشْتِياطِ أو غَليانِ دمِ القلبِ قولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ودليلُ العقلِ الذي دَل على أَنه سبحانَه ليس بِجِسْمٍ، ولا مُشْبِه للأجسامِ (١).
فصل
في الحروف المُعْجَمَةِ في أوائِل السوَرِ
وهي من جملةِ المتشابِه، فقالَ قومٌ: أسماءٌ لله.
وقال قومٌ: حروفٌ من أسماءٍ، مثلُ: كاف: من "كافي"، وها: من "هادي"، وصاد: من "صادق"، أو من "صَمَد".
وقال قومٌ منهم: ﴿الر﴾، ﴿حم﴾، ﴿ن﴾: الرحْمان، اسمٌ مُقَطَعُ الحروفِ.
وقال قومٌ: لا يعلَمُ معناها إلا الله (٢)
стр. 202
فصل
في بيان مُناقَضَةِ من قالَ من أصحابِ الحديثِ: إن هذِه الآياتِ آياتُ صفاتٍ، وإنها تُمَرُ على ظاهرِها.
ووجهُ المناقضةِ منهم: أَنّهم قالوا: لا نعلمُ مامعنى "يَدٍ"، حتى قُلْنا لهم: أَجَارِحةٌ هي؟ فقالوا: لا، قلنا: فَقُدرةٌ هي؟ قالوا: لا، قلنا: فَنِعمَةٌ؟ قالوا: لا، وهذهِ الأقسامُ التي تتردَّدُ في إطلاق قولِنا: "يَدٌ"، فإذا قالوا: ليس واحداً منها، لم يَبْقَ إلا القول بأنَّا لا نعلمُ ما معناها.
وسَمِعْنا هؤلاءِ القائلينَ بأعْيانِهم يقولُون بألفاظِهم، وقَرَأْنا من كُتُبِهم القول: بأنه يَجبُ القول: بأنه يجبُ حَمْلُ الكلامِ على ظاهِرهِ، أو إمرارُه على ظاهرهِ، ولس يجوزُ أن يَجْمَعَ القائل بين قولِه: لا يعلمُ تأويلَه إلا اللهُ، وبينَ قولِه: أَحْمِلُهُ على ظاهرِه، أو: حَمْلُهُ على الظاهرِ يُسقِطُ حكمَ التأويلِ؛ لأن التأويلَ صَرْفٌ له عن ظاهرِه.
ثم إن الآية عندهم أنَّ الوقفَ منها على قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [آل عمران: ٧]، وهذا يُعْطِي أن لظاهِرها تأويلاً غامضاً لا يعلمُه إلا اللهُ، فكيفَ يقال بعدَ ذلك: يجبُ حملُها على ظاهرِها؟ وأيُ ظاهرٍ يَتَحَقَقُ مع عدمِ العِلْمِ؟ وما لا يُعلم خَفِيّ، فإنْ قالوا: لها ظاهرٌ. فهم مطالَبُونَ بما ظهرَ من معنى الصَفَةِ، وإنْ قالوا: لا نعلمُ.
стр. 203
بَطَلَ تَعَلقهم بظاهر، ودعواهم أنَ لها ظاهراً (١).
فصل
وما يوهِم أنه مختلفٌ، أو متناقِضٌ مثل قولِه ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، فإنه يُحْمَلُ على مَقام، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، يُحْمَلُ على مَقامِ آخَرَ (٢)، وضمانُ اللهِ سبحانَه لآدمَ ان لا يَعْرَى (٣) مشروطٌ بأن لا يَأكل من الشجرة (٤).
فصل
والاشتباهُ بين الطهْرِ والحَيْضِ (٥)، والعَفْو في الِإسْقاطِ والِإعْطاءِ، ومن أن يكونَ الذي بِيَدِهِ عُقْدَة النكاحِ هو الزَّوج أو الوَلِيُّ (٦) يزولُ بالدليل الدالِّ على أنه في أحدِهما أوْلى، وبأحدهِما أشْبَة.
стр. 204
فصل
وليس ببدْع أن يكونَ الله سبحانَه في كتابه ما يَتَضحُ وينكشفُ معناهُ، ليُعمَلَ به اعتقاداً أو طاعةً، وفيه ما يَتشابَهُ لنُؤمِنَ بمتشابِهِه، ونقفَ عندَه، فيكونَ التكليفُ فيه هو الإِيمانَ به جملةً، وتركَ البحثِ عن تفصيلِه، كما كتَمَ الروحَ، والسًاعةَ، والآجالَ، وغيرَ ذلك من الغُيوبِ، وكَلَّفنَا التصديقَ به دونَ أن يُطْلِعنا على علمِه.
فصل
وغيرُ ممتنع أن يكونَ من الغامض الذي لا يعلمهُ إلا خواصُّ العلماءِ المجتهدينَ، والأظهرُ في الآيةِ أنَ المتشابِهَ الذي قال سبحانَه فيه: ﴿وَمَا (١) يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أن له تأويلاً عندَه، وأن الراسخينَ في العلم لَمَّا لم يعلمُوا له تأويلًا، قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، وتَسَلوْا بقولِهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾،: ليزولَ الرَّيْبُ عنهم، لِما ثَبتَ من حِكْمةِ اللهِ عندَهم، والله أعلم.
فصل
في الجِنْسِ
ولا بُدَّ للفقيهِ من معرفتِهِ لتَكَررِ الجنسيةِ في أبواب من الفقهِ، كالزكاةِ والرَبا. واعلم أن الجِنْسَ، هو جملةٌ متفقةٌ متماثلةٌ، والجنسُ الواحدُ: ما
стр. 205
سدَّ بعضُه مَسَّ بعضٍ، وقامَ مَقامَه، وذلك بالمشاهدة (١)، أو بأن لا يجوزَ على أحدِهما شئٌ إلا جازَ على الآخَرِ مِثْلُه ونَظِيرُهُ، ولذلك لم يَجُزْ أن يكونَ الله سبحانَه مِثْلاً لشيءٍ، ولا شيءٌ مِثْلًا له، إذ لو شابَه المُحْدَثَ من وجهٍ، لجازَ عليه من ذلك الوجهِ ما يجوزُ على المُحْدَثِ من ذلك الوجه.
فمثالُه عند الأصولِيينَ: الجَوْهَرُ جنس واحد من حيثُ هو جوهر على الحقيقةِ، فما جوهرٌ إلَّا سَاد مسَدَّ جوهرٍ في خصائصِه من شُغْلِ الحَيز، وحَمْلِ العَرَضِ كاللوْنِ والحركةِ والسُّكونِ (٢).
فصل
في النَّوْعِ
وهو تحتَ الجنسِ بنوع فَضْلٍ وخاصةٍ، وإن قلتَ: هو ما انفصلَ عن الجنسِ بمعنى، كان أخصَرَ، والاختصارُ للحدِّ واجب في طريقةِ المحقَقينَ. وما لم ينفصلْ من الجنسِ بمعنىً، فهو جزءٌ فيه وليس بنوعٍ.
مثالُ الأولِ- وهو ما انفصلَ عن الجنْس (٣) بمعنى-: الجِسْمُ والخَط والسَّطْحُ، كُلُّ واحدٍ من هذه الثلَاثةِ نوع للجَوْهَر؛ لأنه قد انفصلَ بمعنىً هو التأليفُ والسَّطْحيَّةُ -وهي: طول وعرض لا عمقَ له-، وبالخَطيَّةِ -وهي: طولى لا عَرْضَ له ولا عُمْقَ-، والانقسامِ
стр. 206
أيضاً، والجوهرُ لا يَنْقَسِمُ.
ومثالُ الثاني -وهو الذي لا ينفصلُ عنه بمعنىً-: كالجزءِ الذي لا يتجزَأ، وكذلك الجزءُ من السوادِ والحُمُوضَةِ وما جرى مَجْرَى ذلك (١).
فصل
وقد جنَسَ الناسُ الأجسامَ أجناساً، فقالوا: جنسُ الحيوانِ، وجنسُ النَباتِ، وجنسُ الجَمادِ.
والمحقًقونَ من أهلِ الأصولِ جَعَلُوا الكل جنساً، وقالوا: إن الجنسَ الواحدَ قد يَعْرِضُ فيه ما لا يَسُد بعضُه مَسَد بعض، كالحيوان والجمادِ؛ فإنهما وإن كانا من جنسٍ واحدٍ، فإنه لا يَسُد أحًدُهما مَسَد الاَخَرِ، أو يَرْتَفِعَ ذلك العارضُ -يعنون عارضَ الحيوانيةِ وعارضَ النباتيةِ- فإنها أعراض خَصَّصَتِ الجسم بخَصِيصَةٍ أوجبَتْ عند الفقهاءِ وبعضِ الأصوليينَ تَجنساً، حتى إن بعضَ الفقهاءِ جعلَ صناعاتِ الآدميين وآثارَهم في الأجسام مُجَنسةً، كتلفيقِ الغَزْلِ ثوباً، وتفريقِ الحِنْطةِ دقيقاً، وجَعْلِ أجزاءِ اَلأرضِ فَخاراً.
فصل
وسلَكَ من جَنس بالصنْعَةِ والخصائصِ الواقعةِ في الجسمِ مَسلكَ من جَعل الجوهرَ جنساً، فَخَصوا بهذا المتساويَ من الحيوانِ، فقالوا في الغَنَمِ: جِنْس، وفي البَقَرِ: جنس، وقالوا في الذَهب: جنس،
стр. 207
والفِضًةِ: جنسٌ، وقد سَمَّاه الشرعُ بذلك، فجعل الفضةَ جنساً، والذهبَ جنساً، وهذا صحيحٌ، لأن آحادَ الجنس يَسُد بعضُها مَسَد بعضٍ من الحيوانِ والنباتِ، وما لم يَسُد بعضُه مَسَد بعضٍ-وإن كان جوهراً- ليس بجنسٍ؛ لاختلافِهما في الفَصْل والخَصيصَةِ، وهذه الطريقةُ ألْيَقُ بالفقهِ، والأولَى أقْرَبُ إلى مذهبِ الأوائلِ.
فصل
والوسَطُ من هاتينِ الطريقتينِ أن لا نقولَ: إن التَجنسَ يقِفُ على الجَوهَريةِ فقطْ، ولا جنسَ إلا الجوهرُ، ولا نقولَ ما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ من أنَ الصنعةَ ما تجنَسُ، كتلْفِيقِ الغَزْلِ ثوباً، وتَفريقِ الحَب دقيقاً، لكن نقولُ: إن العارضَ على الجوهر والدَخِيلَ عليه، إن كانَ لازماً كالذهبيَّةِ في الجوهرِ والفضيةِ؛ صارَ به كأنَهُ جنسٌ آخَرُ، وإن كان الدَخيلُ غيرَ لازمٍ مثلَ الحركةِ والسكونِ، والحُمُوضةِ والحَلاوةِ؛ لم يَصِرْ به كالجنسِ الآخَرِ، وهذا أشبهُ بمذهب الفقهاءِ، والشرعُ يُصَدقُه [حيثُ جعلَ] (١) الذهبَ جنساً والفضةَ جنساً، ولم يجعلِ الصناعةَ في الذهب جنساً غيرَ جنسِ سَبائِكِه، ولا جعلَ حُموضَةَ اللَّبَنِ جنسَهُ، ولا حلاوتَةَ.
فصل
وأهل اللغة يقولونَ: جنسُ الرُّومِ، وجنس التُّرْكِ، وجنسُ السندِ، وجنس الزَنْجِ، وما شاكلَ ذلك، ويذهبون إلى اتَفاقِ تلك الجملة الممَيَّزَةِ من غيرِها.
стр. 208
فصل
في معنى قولِهم: الطبْع
وقد نطقَ بذلك أهلُ الطبْعِ (١)، ثم دارَ بين أهل الكلامِ، وقد تَعَدَّى إلى أهل الفقهِ، فنطقَ به الخُراسانِيُّونَ من أصحاب أبي حنيفةَ، فقالوا في مسألةِ طهارةِ الحَدَثِ: لا تَفْتَقِرُ إلى النيةِ؛ لأَن طَبْعَ الماءِ إزالةُ الحَدَثِ والنَّجَسِ، فلا يَفْتَقِرُ في كونِه رافعاً إلى النيَّةِ (٢). وما ذلك إلا خَطَأ كبير لمَنْ كَشَفْنا له عن حقيقةِ القولِ بالطبْعِ.
فصل
فالطَّبْعُ عندَ القائلينَ بإثباتِه: هو الخاصةُ التى يكونُ الفعلُ بها من غيرِ جهةِ القدرةِ، وليس عندَ أهلِ الإِسلام حادث يَحدُثُ من غيرِ جهةِ القدرةِ؛ لأن الحوادثَ خلقُ الله سُبحانَه، فلم يَبْقَ لغيرِه حادث يصدرُ عنه.
والخاضَةُ عندَهم على ضربَيْنِ:
طبع معروث عندهم، كالحرارةِ في النارِ، والبُرُودَةِ الدائرةِ بين النَّارِ والهواءِ، والرُّطُوبةِ في الماءِ، واليُبُوسَةِ في الترابِ والحَجَرِ.
وطبعٌ مُبْهَمٌ، كجَذْبِ المِغْناطِيسِ للحديدِ، وعملِ السَّقَمُونيا (٣) في
стр. 209
إخراجِ الصَّفْراءِ، وإنما قلنا: من غير جِهَةِ القدرةِ؛ لأنَ ما يكونُ بالقدرةِ يقعُ بالتمييزِ؛ لأن القدرةَ لا تقومُ إلا بمَحَلٍّ فيه اختيارٌ، أو تكونُ صفةً لمختارٍ، وقد أكْذَبَ الله سبحانَه، أهلَ الطبعِ بقولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ الى قوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، ولو كانَ الماءُ يُعْطِي النباتَ الرطوباتِ بالطبعِ الذي أثْبَتُوه لأعطاها رطوبةً خاصَّة ذات طَعْمٍ خاصٍّ؛ لاستواءِ أجزاء الماءِ في نَفْسِه، فلمَّا اختلفتِ الطعوم مع اتّحادِ الماءِ والتُّرْبَةِ، علِمَ أنه لم تَأتِ النباتَ من جهةِ الطبعِ، لكنْ من جهةِ اختيارِ الصَانعِ الطَّابعِ (١)، ولأن الطبائع تَتَباينُ لتضَادِّها، وقد اجتمعت في الحيوانِ، ولا يَجْمَعُ المُتَنافِرَ إلا قاسِرٌ قاهِرٌ، وليس إلَّا المختارَ القادرَ سبحانَه.
فصل
إذا ثَبَتَ أنْ لا طَبْعَ، فلا بُدَّ أن نكشِفَ عن وجوهِ الإِضافاتِ، ونعْطِيَ كل شَيءٍ حَظهُ، حتى لايُعْطَى ما ليسَ بفاعل منزلةَ الفاعلِ، ولا تُعْطَى الآلاتُ حقَّ الأسباب، ولا يُبْخَسَ الفاعل حقَة من الفعلِ، فهذه مَهاوِي هَامِ الكَفَرةِ إلىَ هوَّةِ الإِلْحادِ، ومَزَلةُ أقدام المهْمِلينَ لأصلِ الاعتقادِ، وما يجوز لعاقلٍ أن يجَودَ الكلامَ في مسَالةِ الفَرْع لإِسقاطِ نِيًةٍ في طهارةٍ، فَيشْرِك أو يُلْحِدَ.
فاعلم أن إضافةَ الفعلِ إلى الشيءِ تكون من وجوهٍ كثيرةٍ:
стр. 210
أحدها: إضافةُ الفعْلِ إلى وَقْتِهِ، وهو ظَرْفُ زمانِه، كقولك: نَبتَ المَرْعى في الرَّبيعِ، وأَطْلعَتِ النَّخيلُ في الفَصْلِ، وصَلَحتِ الثمرُ في الصَيفِ أو الخَرِيفِ.
وإضافتُهُ إلى المكانِ، كقولك: طريق تؤدِّي بنا إلى البَحْرِ، أو إلى المَعْدنِ (١)، وأرض زَكِيةٌ مُنْبِتَةٌ، وأرض رُخْوةٌ أو صُلْبةٌ. فهذه (٢) أظْرُفُ مكانٍ.
وإضافتهُ إلى الآلةِ، كقولِك: آلَمَهُ السَّوطُ، وَوَحَتْهُ السكَينُ (٣) أو السيفُ، ونَحَتَ الخَشَبةَ القَدُومُ، فهذا المفعولُ به؛ فالمحل مقطوعٌ، ومضروبٌ، ومَنْحُوتٌ.
والمحلُّ المفعولُ فيه شَرْطٌ أيضاً لإِيقاعِ النَحْتِ والقَطْعِ فيه، وهو الرَابِعُ.
والخامس: السبَبُ، وفيه وقعَ الخلافُ، فلا فاعِلَ للريَ ولا للشِّبَعِ، ولا إخراجِ الصفْراءِ، ولا تبريدٍ وتسخينٍ، وإحداثِ طَعْمٍ، وإنشاءِ لَوْنٍ، وايجادِ خاصةٍ، إلا الله سبحانَه.
وعندَ أهلِ الطَّبْع ومن وافقَهم من المتكلمينَ من المعتزلةِ، أن السَبَ: هو الذي سموْهُ طبعاً ومُوَلِّداً، فها هنا مَزَلةُ الأقدامِ، فمن قال: إن الماءَ يُطَهرُ بطبْعٍ، وُيزيلُ بوضْعِهِ، فهو كالقائلِ بأنه يُنْبِتُ (٤)
стр. 211
بطبعِه، ويروي بطبعهِ، وذلك فاسدٌ بما فَسَدَ به مذهبُ أهلِ الطبعِ، فلم يَبْقَ إلا أن يقالَ: الطهارةُ تقعُ عندَ إجرائِه بنية المُكَلَّفِ تَعَبداً، وقد بينَ الله سبحانَه ذلك في كثيرٍ من آيِ كتابهِ، مثلُ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]
فصل
في اختلافِهم في الطَّبائعِ على أربعةِ مذاهبَ:
فمنهم من جعلَها موجِبة للفعلِ، كالاعتمادِ الذي في الحَجَرِ يُوجِبُ ذهابَه إلى جهةٍ، والفاعلُ غيرُها في الحقيقةِ.
ومنهم من جعلَها فاعلةً في الحقيقةِ، وهم أهلُ الطبْعِ.
ومنهم من جعَلَها مفعولًا بها، مثل: ما يفعلُ القَطْعُ بالسكِّينِ.
ومنهم من جعلَها مفعولًا عندَها، وهو مذهبُ أهلِ السُّنةِ، وهو مذهبُنا (١).
стр. 212
فصل
وقد أشارَ اللهُ سبحانَه إلى المذهب الأخيرِ-وهو مذهبُنا- في كثيرٍ من الأفعالِ، واكتفى بذلك بياناً للعاقلِ، وتنبيهاً له على باقِيها، فقالَ في حق عيسى: (﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا (١) بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ (٢) الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وإذا أخرجَ عيسى أن يكونَ فاعلاً، وجعلَ له الفعلَ سبحانه، فلا موجودَ إلا عن فعلِه وخَلْقِه؛ لأنه لو اختُصَّ شئ من خلقِه بفعلٍ يكونُ منه وعنه، لكانَ الأخص بذلك الأنبياءَ ﵈ الذين أيدَهُم بما خَصهم به من خَرْقِ العاداتِ شهادةً لهم بالصدقِ، وقال
стр. 213
سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فلم يبقَ شيءٌ من جسمٍ ولا عَرَض يضافُ خَلْقُه إلى أحدٍ سواه، ولأنه أضافَ إلى الأشياءِ إضافاتٍ، وأضافَ إلى نفسِه مثلَها، فقال في العَسلِ: ﴿فيه شفاءٌ للنَّاسِ﴾ النحل: ٦٩،، وقال: ﴿وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، فالأحق أن يكونَ الشفاءُ حقيقةً مضافاً إلى الخالقِ سبحانه، والعسلُ يكون عنده الشِّفاءُ، والماءُ يوجَدُ عند نزولِه الإِنباتُ، والمنبتُ حقيقةً، هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقولُ: ﴿فأَحيَيْنا به﴾ [فاطرَ: ٩]، ﴿يُنْبتُ لكم به الزَّرْعَ والزَّيْتونَ﴾ [النحل: ١١]، وقال: ﴿فأَنبتنا به﴾ (١) [النمل: ٦٠، وق: ٩] يعني: انبَتْنا لكم عندَه، وقد أضافَ الله سبحانه الِإضلالَ إلى الأصنامِ (٢) والسَّامِريِّ (٣)، والضَّلالُ فيهم لابهم.
ومن دلائلِ العقولِ، أنَّ الطبائعَ عندَهم هي الفاعلُ الأولُ، وليس فوقَه عندهم من هو أعلى، وقد وَجَدْنا هذه الطبائعَ مقهورةً مقسورةً، حيث جُمعَ المتنافرُ منها والمتضادُّ في الحيوانِ والنباتِ، وكما أن أهلَ الطبعِ أثبتوا له الفعلَ، فقد أثبتوا له المضادَّةَ والمنافاةَ، فإذا اجْتَمعَ مع أضدادهِ في هياكلِ الحيوانِ والنباتِ، عُلِمَ أن المضادةَ فيه لا من طريقِ
стр. 214
الطبعِ، وإنما هو بوضعِ واضعٍ، تارةً يُفَرقُ بينها بالانحلالِ، وتارة يَجْمَعُ بينها إذا أرادَ الاجتماعَ، فهذا حسب ما يليق بهذا الكتاب، والله أعلم.
стр. 215
فصل
في البيانِ
وهو إخراجُ المعنى، أو نقول: إظهارُ المعنى بلفظٍ غيرِ ملتبِسٍ ولا مشتبهٍ، أو نقول: منفصلًا عما يَلْتَبِسُ به ويَشْتَبِهُ (١).
وهو في اللغة من القَطْعِ والفَصْلِ، يقال: بأنَ منه: إذا انقطعَ، قال ﷺ : "ما ابِينَ من حَى، فهو مَيْت" (٢)، وقال الشاعر:
بأنَ الخَلِيطُ ولو طُووِعْتُ (٣) ما بانا (٤)