← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ومنها: أنَ الكلامَ إنما يكونُ مجازاً إذا عُرف له حقيقة، كالحمارِ حقيقةً: الحيوانُ النَّهَّاقُ، وإذا استُعمل في الآدمي البليدِ، كان مجازاً؛ لأنَه استعملَ في غيرِ ما وُضعَ له، والعمومُ مع الاستثناءِ ما استعملَ في غيرِ هذا الموضعِ على سبيلِ الحقيقةِ، فلا يجوزُ أن يُجعلَ مجازاً في هذا الموضعِ (١). ومنها؛ أنَ دلالةَ التخصيصِ بمنزلةِ الاستثناء المتصلِ بالجملةِ من جهةِ أن كُلَّ واحدِ منهما يُخرجُ من الجملةِ ما لولاهُ لدَخَلَ فيها، فإذا كان الاستثناءُ غيرَ مانعٍ من بقاءِ اللفظِ فيما بقي، وصارت الجملةُ مع الاستثناءِ عبارةً عما عدا المخصوصَ بالاستثناءِ، كذلك ها هنا. فإن قيل: [إنما كان كذلك في] (٢) الاسثتناء مع المستثنى منه؛ لمكان الاتصالِ كالجملةِ الواحدةِ، فيصير عبارةً عن الباقي؛ لأن للتسعة اسمين: [تسعة، و] (٣) عشرةٌ إلا واحداً، وأيّهما عُبَّر به كان حقيقةً، كما ان في الجمع والتثنية لا فرق بين قوله: ثلاثة، أو: اثنان وواحد (٤). في أنَّ العبارتين تفيدان معنى واحداً، وكذلكَ دلالةُ التخصيصِ المتصلةِ. فأمّا المنفصلُ من التخصيصِ عن صيغةِ العمومِ، فإنَّه لا يكونُ جملةً ولا كالجملةِ الواحدةِ، وإنَّما كانت جملة هي حقيقة في عددِ أو في استغراق جنسٍ، فبدِّلت بالدَّلالةِ عما وُضعت له. قيل: كذلكَ التخصيصُ المنفصلُ أيضاً يصيرُ مع الجملةِ الأولى، كالمتصلِ، ولا

стр. 1507

فرقَ بينهما؛ لأنها ملحقةٌ بها وقاضيةٌ عليها، ولو كانت كالجملةِ الأخرى لكانت نسخاً، ولمّا لم يكن نسخاً، ثبت أنَها كالاستثناءِ من حيثُ إنها أبانت عن المرادِ بالصيغة الأولى (١). فصل في شُبَههم فمنها: أن الصيغة موضوعةٌ للاستغراقِ والشمولِ لجميعِ الجنسِ، فإذا جاءت دلالةُ التخصيص صارت مصروفةً عمّا وُضعت [له] (٢)، وإذا ثبَتَ بهذهِ الجملةِ أنه معدول به عما وُضِعَ له، صارَ مجازاً، وصار بمثابةِ اسم الأسدِ إذا استعملَ في الرجلِ المقدام على الحربِ، والحمارِ إذا استعملَ في الرجلِ البليدِ، فإنَه يكون مجازاً، كذلك ها هُنا، ولو كان ما صرفته الأدلةُ المنفصلةُ عن موضوعِه ومقتضى إطلاقِه بعد صرفِه حقيقةً فيما صُرفَ إليه للدلالة أو القرينة، لصار كل مجازٍ حقيقة فيما اقتضته القرينة، ولسقط المجازُ من كلامِ العرب جملة، ولصار القولُ في الإنسانِ البليدِ والرجلِ الشديدِ: إنه ثورٌ وحمار وأسد حقيقةً مع القرائنِ الدالةِ، مع أنَ القصدَ به غيرُ ما وُضع له في الأصلِ. ولما بَطلَ ذلكَ وثبتَ المجازُ من الكلامِ، بَطلَ ما ادعوه. فيقالُ: هذا باطل بما إذا قيَّده بالشرطِ أو الغاية، أو خصَّه بالاستثناءِ على قولِ من سلم ذلكَ، فمنَه موضوع للجنسِ، وقد استُعملَ مع الاستثناءِ في غيرِ ما وضع له، ثم لم يصر مجازاً. على أنَه لما صُرِفَ بقي على جملةٍ صالحةٍ، كونها عموماً، فهي كالعددِ الذي إذا

стр. 1508

زالَ بعضُه بقي الباقي حقيقةً في الجمعِ، بخلافِ الأسماءِ التي قاسوا عليها. فإن قيلَ: هو مع الاستثناءِ موضوعٌ للخصوصِ لا للعمومِ، فما استعمل إلا فيما وُضعَ له. قيل: وكذا نقولُ في مسألتنا: لفظ العمومِ مع دلالةِ التخصيصِ موضوعٌ للخصوصِ، لا للعمومِ، فما استعملَ إلا فيما وضِعَ له. ويخالف هذا ما ذكروه من استعمالِ الأسدِ في الرجلِ الشجاعِ، والحمار في الرجلِ البليدِ، فإنَّ الأسدَ لم يوضع للشجاعِ، ولا الحمارَ للرجلِ البليدِ في اللغة، فإذا استعملَ في ذلك حكمنا أنَّه مجازٌ، وليس كذلك لفظُ العمومِ، فإنه متناوِلٌ لكل واحدٍ من الجنس ما أخرجه الدليلُ وما بقي تحتَه، وواقعٌ عليهما، فإذا استعملَ في الخصوصِ، فقد استُعملَ فيما يقتضيه اللفظُ. يَدُل عليه: أن القرينةَ فيما ذكروه تُبق ما أريدَ باللفظِ، والقرينة فيما اختلفنا فيه تبين ما لا يرادُ باللفظِ، فبقي الباقي على مقتضى اللفظ (١). فصل في الدلالةِ على من فرَّق بينَ المتصلِ والمنفصل لأنَّ المتصل (٢) معنى يقتضي تخصيصَ العمومِ، فلم يَصِو مجازاً في الباقي، دليلُه ألشرطُ والاستثناءُ، وأيضاً فإنَ اللفظَ اقتضى استغراقَ الجنسِ أجمعَ، فإذا دلَّ الدليل على أن بعضَ (٣) الجنسِ غيرُ مرادٍ، بقيَ الباقي على مقتضى اللفظ، فوجبَ أن يكونَ حقيقةً فيه.

стр. 1509

فصل في الدلالةِ على أنَّه يجوزُ تخصيصُ العمومِ إلى أن يبقى واحدٌ (١)، فلا يتخصصُّ جوازُه بأن يبقى أقلُّ الجمعِ وهو الثلاثةُ، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي (٢)، خلافاً لأبي بكر الرازي (٣) فيما حكاه الجُرجاني عنه، وأبو بكر القَفّال. يجوزُ تخصيصُ الجمعِ إذا كان الباقي جمعاً حقيقةً، ولا يجوزُ النقصانُ منه إلا لما يجوزُ النسخُ به (٤). فالدلالةُ على ما ذكرناه: أنَ ما جاز تخصيصهُ إلى الثلاثةِ جاز تخصيصهُ إلى الواحدِ، كمنْ، وما، فإنَّه لو قال: من دخلَ الدارَ؟ أو: من في الدار؟ أو: ما في الدار؟ حسُن جوابه بالواحد من الجنس، كما يحسُن جوابُه بالثلاثةِ، أو بقولِ لفط من ألفاظِ العمومِ، فصارَ تخصيصهُ إلى أن يبقى دونَ الثلاثِ، كمن، وما.

стр. 1510

وأيضاً: ما جازَ تخصيصُ العمومِ به إلى الثلاثِ جازَ التخصيصُ به إلى الواحدِ، كالاستثناءِ. وأيضاً: فإنَ القرينةَ المنفصلةَ كالقرينةِ المتصلةِ؛ لأنَّ كلامَ صاحبِ الشريعةِ وإنْ تفرّق، فإنه يجبُ ضمُ بعضِه إلى بعضٍ، وبناءُ بعضِه على بعضٍ، فإذا كانَ كذلك، وكان المتصلُ صحيحاً ما (١) بقي من اللفظِ شيءٌ، كذلكَ التخصيصُ. فصل في شُبههم قالوا: إن اللفظَ موضوعٌ للجمعِ، فإذا لم يبقَ ما يقعُ عليه اسمُ الجمعِ، صارَ مستعملاً في غيرِ ما وُضع له، فاحتاج إلى دليلٍ يجوزُ به النسخُ. فيقالُ: إنَا لا نُسلِّم أنه لا يجوز استعمالُ لفظِ الجمع فيما دونَ الثلاثِ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأراد به نُعيماً (٢)، وقال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] وأراد به عائشةَ وحدَها (٣)، وعلى أنَّ هذا يبطلُ به إذا خصَّه بالاستثناءِ، فإنَّه يجوزُ، وإن كان اللفظُ يستعملُ فيما دونَه. فإن قيل: أليسَ من مذهبِكم أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر؟ فكيف أجزتم رفع الكُلّ إلا واحداً ها هُنا. قيلَ: ليس التخصيصُ من الاستثناءِ بشيءٍ، بدليلِ أنَّه (٤) لايلحق بالمستثنى منه إلا مع اتصالِ الكلامِ، وفي التخصيصِ يلحقُ الخصوصُ بالعمومِ مع الانفصالِ.

стр. 1511

على أنَّ هذا السؤالَ لا نقولُ به، بل عندَك يجوزُ استثناء الأكثرِ, ومن جنسِه مايرفعُ الأصلَ وهو النسخُ؛ لأنَه تخصيصُ الزمانِ، كما أنَّ هذا تخصيصُ أعيانٍ. فإن قيلَ: قد حدَّ الناسُ العمومَ بماشملَ اثنينِ فصاعداً، ولأنكم (١) إذا أبقيتموه على واحد لم يبقَ فيه للعمومِ مَساغٌ؛ لأنَّه لا يبقى ما يمكنُ معه التخصيصُ، وكل ما لا يدخلُه التخصيصُ فليس بعمومٍ. قيلَ: باطلٌ بالاستثناءِ. فصل يجوزُ تخصيصُ العمومِ بدلالةِ العقلِ ، وبه قالَ أكثرُ العلماءِ (٢) وحكى بعض الأصوليين أنَّه زعم قوم أنه لا يجوز ذلك (٣).

стр. 1512

فصل في أدلّتنا فمنها: أنَّ القائلين بالعموم، وهم الذي يُتصوّر معهم الخلاف، قد علموا أن قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢]، ظاهره في اللغة العموم، وليس في اللغة مايخصّ، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ﴾ [المائدة: ١٢٠]، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾ [فصلت: ٥٤]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، إنَما دلّت العقولُ على أنَه لا تدخلُ تحتَ ذلك صفاتُ اللهِ سبحانَه، ولا يدخلُ تحتَ الرحمةِ في إرسالِه ﷺ أبو لهبٍ وأبو جهلٍ، وإنَّما كان رحمةً لمن صدقه وآمنَ به. ومنها: أنَه إذا جازَ صرفُ الكلامِ عن ظاهرِه إلى غيرِ الظاهرِ، مثلُ صرفِه عن الحقيقةِ إلى المجازِ بدلالةِ العقلِ، جازَ تخصيصُ العمومِ بدلالةِ العقلِ، مثلُ قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ومثل قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، والعِجلُ لا يدخلُ القلوبَ بذاتِه، لكنْ تقديرُه: حُبُّ العجلِ، والآدميُّ لا يكونُ قولاً الله سبحانَه، إنَّما يكونُ بكلمةِ اللهِ، أو يكونُ قائلاً قولَ اللهِ، وكلمةَ الحقِ، فلا فرقَ بينَ الظاهرِ والعمومِ، ولا بينَ الخصوصِ والمجازِ. ومنها: أنَّ دلالةَ العقلِ دلالةٌ تؤدي إلى العلمِ، فجازَ التخصيصُ بها، كالكتابِ والسنةِ والإجماعِ. فصل يجمع شُبهات المخالف فمنها: أنْ قالوا: إنَ دلالةَ العقلِ سابقةٌ للألفاظِ والصيغ المقتضية للعمومِ، ومحالٌ أن تتقدّمَ دلالةُ التخصيصِ على اللفظِ المخصوصِ، كما أنَه يستحيلُ أن تتقدَّمَ

стр. 1513

صيغةُ التأكيدِ على اللفظِ المؤكَّد، وتقديمُ الناسخِ (١) على المنسوخِ؛ لأنَّ رفعَ الشيءِ قبلَ وجودِه محالٌ. ومنها: أنْ قالوا: لو جازَ تخصيصُ العمومِ بدليلِ العقلِ، لجاز النسخُ بدليلِ العقلِ. ومنها: أنَّه قد ثبتَ أنَ الاستثناءَ كالتخصيصِ من حيثُ إنَ كل واحدٍ منهما يُخرجُ من اللفظِ الجامعِ الشاملِ مالولاه لدخلَ فيه، ثمَّ أجمعنا على أنَ الاستثناءَ لا يجوزُ تقدُّمُه على المستثنى منه، كذلكَ يجبُ أن لا يجوزَ تقدُمُ الخصوصِ على المخصوصِ منه (٢). فصل في الأجوبةِ لنا عن شُبَههم أمَّا الأوَّلُ، وقولُهم: دلالةُ العقلِ سابقةٌ. لا يُسلَّم، بل في هذا تفصيلٌ؛ فإنْ كانَ العامُّ كلاماً لله سبحانَه، فإنَّه السابقُ بقِدَمِه وأزليته للعقل (٣) ودليلِه، فلا يصحُّ ما ادَّعوه على الإطلاقِ، فبطلت دعواهم في كلامِ الله. فأمَّا كلامُ غيرِه؛ فإنَّا لا نقولُ: إنَ دليلَ العقلِ خصوص قبلَ وجودِه؛ لأنَّ قولنا خصوصٌ، من باب المتضايفاتِ (٤)، فإذا لم يوجد عمومٌ، فلا خصوصَ، فنحنُ لا نسمَّي دلالةَ العقلِ تخصيصاً للعبارةِ قبل حُصولها ووجودِها، وإنَّما نصفه بأنَّه تخصيصٌ بعدَ وجودِ العبارةِ، وهذا حكمُ الدلائلِ، وأنَّها تارةً تتقدَمُ فتدل على ما يكونُ في الثاني، وتارةً تتأخّرُ فتدلّ على أمرٍ كان.

стр. 1514

ألا ترى أنَّ الدليلَ قد دل على أنَّ الله سبحانَه يثيبُ المؤمنين بالجنةِ، وأنَه يعاقبُ الكافرَ بالنارِ, وإن كان مدلولُ هذا الدليلِ وهو عينُ الإثابةِ والعقابِ، متأخّراً، كذلكَ دلالةُ التخصيصِ في العقلِ سابقةٌ لمدلولِ العمومِ. ولأنَّه ثبت بدلائل العقولِ أنَّ اللهَ سبحانَه خالقٌ، وأن صفاتِه قديمة غيرُ مخلوقةٍ، وأنَّه واحدٌ ليس بذي أعضاءَ ولا جوارحَ، فإذا وردت صيغُ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، اقتضت دلالةُ العقلِ السابقةُ (١) صرفَ العمومِ إلى الخصوصِ، وصرفَ ظاهرِ هذه الأسماءِ عن الأعضاء (٢)؛ ولأنَ الدلائلَ باقية إلى ما بعدَ نزولِ هذه الآياتِ، فلا معنى لتخصيصِها بالتقدُمِ على ما خصصه. وأمَّا تعلقهم بالمنعِ من التخصيصِ به لامتناعِ النَّسخ به، فليسَ التخصيصُ من النسخ في شيءٍ؛ لأنَّ النّسخَ رفعٌ لما ليسَ بأصلَح، أو ما فيه مفسدةٌ وليسَ في العقل ما يقتضى الأصلَح والأفسَد؛ لأنَّ الحظرَ والإباحةَ والإيجابَ ليسَ من قضاياه، فأمَّا الإحالةُ والتجويز, فإنَّها من قضاياه التي لا خلافَ فيها، فهو يقضيى بتجويزِ جائزات كونها، وإحالةِ الممتنعات، وإيجاب واجبات وجودها، فأما الأحكامُ فلا. والتخصيصُ تدخل عليه قضاياه (٣)، فإنَّه مما يقضي أنَّ الصفاتِ المخصوصةَ تجبُ لله سبحانَه، فلا تدخلُ تحتَ مقدورٍ, ولا يجوزُ زوالها كما وجبَ وجودُها، فإذا قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر ٦٢]، أرشدَ العقلُ إلى أنَّه لا يدخلُ تحتَ هذا العمومِ ما وجبت له من الصفاتِ، وإذا قال: فولِّ وجهَك شطرَ بيتِ المقدسِ. لم يكن في قضاياه تقديرُه مدةَ الاستقبالِ، ونقلُ الاستقبالِ إلى الكعبةِ، ولأنَ النسخَ

стр. 1515

بالقياسِ وخبرِ الواحدِ يجوز وذلكَ لأنَه بيانُ المرادِ باللفظِ، والنسخُ بيانُ غايةِ الحكمِ، وذلكَ لا يعلمُه إلا من يحيطُ علماً بالمصالحِ ومن له المشيئةُ النافذةُ، ولأنَّ العقلَ يجوز بقاءَ الحكمِ الذي شَرعَه اللهُ، إذ قد أجمع (١) أربابُ العقولِ من أهلِ الشرائعِ أنَّه لا يجوزُ أن يردَ الشرعُ بغير مُجوَّزاتِ العقولِ، فإذا جوَّزَ ذلك وعُلم أن الواضعَ له الحكيمُ الأزليُّ الذي لا يَصدرُ عنه ما يقضي عليه العقلُ، بل يقضي به العقلُ، فلا سبيلَ إلى نسخِ ذلك الحكمِ بالعقلِ. فأمَّا إذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] حسُنَ أن يشعر العقلُ بتخصيص هذا الأمرِ العامِّ بإخراجِ من لا يَسوغُ في العقلِ خطابُه من الأطفالِ والمجانين. وقد أجابَ بعضُ الناسِ: بأنَ معنى النسخ ليس بأكثرَ من رفعِ الحكمِ الحكمَ، أو مثلَ الحكمِ المشروعِ في مُستقبل الزمان لمصلحةٍ تجدَّدت، وهذا ينهضُ بهِ دليلُ العقلِ في سقوطِ خطابِ اللهِ المستمرِ في كلِّ زمانٍ بما يتجددُ من عجزِ المكلَفِ عن النهوضِ بالتكليفِ بذلكَ الحكمِ المشروعِ، فقد نهضَ بالنسخِ على هذا الوجهِ، وإنَّما منعَ الاسم (٢)؛ لأنَّهم خصّوا اسمَ النسخِ بما حَصلَ بلفظِ الشارعِ، حتى إنَ ما رفعه الإجماعُ لا يُعدُّ نسخاً، وإلا فالمعنى قد حصَلَ. وأمَّا تعلقهم بالاستثناءِ وأنَّه لما لم يَجُزْ تقدمُه على المستثنى منه، كذلك التخصيصُ. فلا يصحُّ؛ لأنه لو ابتدأ بقوله: إلا زيداً، لم يُعدَّ متكلِّماً بلغةِ العربِ، وإن قالَ بعد ذلكَ: رأيتُ الناسَ. ولو قال: إنَّما يقعُ خطابي بالتكاليفِ للعقلاءِ البالغين، ثمَّ قالَ: يا أيها الناسُ اتقوا ربكم، اعبدوا ربكم. صحَّ، وانطبقَ الأوَّلُ على الثاني بالتخصيصِ، فصارَكأنه قال: يا أيها الناس العقلاءُ اتقوا ربكم (٣).

стр. 1516

فصل يجوزُ تخصيصُ القرآنِ بأخبارِ الآحادِ، سواءً كانَ العمومُ قد دخله التخصيصُ أو لم يدخله ، نص عليه أحمدُ (١)، وبه قالَ أصحابُ الشافعيِّ (٢). وقالَ بعضُ المتكلِّمين: لا يجوزُ (٣). وقال عيسى بنُ أبان: ما خُصَّ بدليلٍ جازَ بخبرِ الواحدِ، وإن لم يدخله التخصيصُ فلا يجوزُتخصيصُه ابتداءً بخبرِ الواحدِ (٤). واختلفَ القائلونَ بجوازِه، فقال فريقٌ: يجوز أن يرِد، لكن لم يرد. وقال قومٌ: قد وردَ. ونحنُ منهم. فصل في جمع الأدلة لنا فمنها: ما رُويَ عن الصحابةِ مما يَدُلُّ على مثلِ مذهبنا: أنَّهم خصّوا قوله:

стр. 1517

﴿وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا تُنكَح المرأةُ على عمّتها ولا على خالتها" (١). ومن ذلك: تخصيصهم قوله تعالى في آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، بما رُويَ عن النبي ﷺ : "لا يرثُ القاتل" (٢)، وقوله: "لا يرثُ الكافرُ من المسلمِ، ولا المسلمُ من الكافر" (٣)، وخَصّوا آيةَ المواريثِ حيثُ احتجّت بها فاطمةُ بقوله ﷺ : "نحنُ معاشرَ الأنبياءِ لا نورث" (٤). فإن قيلَ: فقد رُوي أن عمر بن الخطاب [ردَّ] (٥) حديثَ فاطمة بنت قيس، حيث لما روت عن النبيِّ ﷺ أنَّه لم يجعل لها سُكنى ولا نفقةً، قال: "لا ندعُ كتابَ ربِّنا وسنّةَ

стр. 1518

نبيِّنا لقولِ امرأةٍ" (١). وهذا أشارَ به إلى قولي تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. قيل: إنَّ عمرَ ﵁ لم يمتنع من قبولِ ذلك لأجلِ أنه خبرُ واحدٍ عارضَ القراَن، لكن اعتقد خطأ فاطمةَ لمعارضةِ غيره، لما يَدُلُّ عليه أنَّه رُويَ: "لقول امرأةٍ لعلها نَسيت"، أو شبهة عَرَضت له، ويدُلُّ عليه أنَه قال: "لا ندري أصدقتْ أم كذبت". وهذا يدلُّ على أنّه ردَّ ذلك لأمرٍ يخصُّها، ونحن إنما نقتضي بالتخصيصِ بخبر واحدٍ سكنت إليه نفسُ المجتهدِ، وغَلبَ على ظنه صدقُه، فأمَّا مثلُ هذه الحالِ فلا. وقد أجابَ صاحبُنا أحمدُ ﵁ بأن قال: كان ذلك منه على سبيلِ الاحتياطِ، وإلا فقد كانَ يقبلُ من غير واحدٍ قولَه وحده (٢). على أنَ هذا الخبرَ مُطَّرحُ الظاهر لأن آيةَ السُكنى مخصوصةٌ في حقِّ الصغيرةِ، فإنه لا سُكنى لها وخبرُ الواحدِ عند أصحابِ أبي حنيفةَ إذا دخَله التخصيصُ يُخصُ بخبرِ الواحدِ (٣). فإن قيلَ: فإن تعلّقتم بأنَ الصحابَة عملتْ بذلك، فقد أُحدثَ النسخُ لما ثبت قِبلةً في الشرعِ بخبرِ الواحدِ، قال لهم: ألا إنّ القِبلَةَ حُولت نحو الكعبةِ، فاستداروا (٤).

стр. 1519

فكان يجب أن تَتْبعوهم في ذلكَ وتقولوا: إنَّ النسخَ بخبرِ الواحد جائزٌ. قيل: بهذا نقول، وقد نصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ الفضل بن زياد (١)، وأبي الحارث (٢) عنه في خبر الواحد: إذا كان إسناده صحيحاً وجبَ العملُ به، ثم قال: "أليس قِصَّةُ القبلةِ حين حُوِّلت، أتاهم الخبرُ وهم في الصلاة، فَتحوّلوا نحوَ الكعبةِ، وخبر الخمر، فأراقوها (٣)، ولم ينتظروا التواتر" (٤)، فهذا مذهبُه في النسخِ،، فرجع سؤالهم عليهم. فصل ومن أدلتنا من طريقِ النَّظر أنَّ الخبرَ الخاصَّ يتناولُ الحكمَ بصريحهِ، والعامَّ من الكتابِ يتناولُ الحكمَ بظاهرِه، والصريحُ يقضي على الظاهِر كا لآيتين والخبرين، ونحرِّرُه طريقةً قياسية، فنقولُ: دليلانِ خاصٌّ وعامٌّ، فقضيَ بالخاصِّ على العام،

стр. 1520

كالآيتين والخبرين. ومنها: أنَ خبرَ الواحدِ دليلٌ من أدلةِ الشرعِ يجبُ العملُ به، فوجبَ أن يقضيَ خاصّهُ على عامَّ الكتابِ كالمتواتر. فإن قيلَ: المتواترُ مقطوعٌ بطريقهِ، كما أنَّ القرآن مقطوعٌ بطريقهِ، فلما استويا في القطعِ وزادَ الخاصُّ بتناولِ الحكمِ بصريحهِ قدَّمناه على العمومِ، وقضينا به، فأمَّا خبر الواحدِ فإنَّه لا يعطي إلا الظنَّ، ولا يُقضى بالظنِّ على القطعِ. قيل: خبرُ الواحدِ ظنٌ، وبراءةُ الذممِ بدليل العقلِ قطعٌ، وحكمنا بإشغالِ الذِّممِ وتعليقِ التكاليفِ والمشاق على البدنِ بخبرِ الواحدِ المظنونِ. وكذلكَ لو شهدَ رسولُ الله ﷺ لرجلٍ بأنَّ هذا العبدَ له، فقال: هذا العبدُ مِلكٌ لهذا، ثمَّ إنه ادَّعى تملُّكَه (١) آخرُ من جهةِ المشهودِ له بها (٢) ببيع أو هِبةٍ، وقامَ بذلكَ بيِّنةٌ حُكمَ له بها، وإن كُنّا نَعلمُ أن الشهادةَ بنقلِها عن الأولِ قضاءٌ بظنٍّ على قطعِ. ومنها: أنَّ ما ذهبنا إليه جمعٌ بين الدليلينِ، وما ذهبوا إليه إسقاطٌ لأحدِهما، والجمعُ بين دليلينِ من أدلّةِ الشرعِ أولى من الأخذِ بأحدِهما وإسقاطِ الآخر وتعطيله. ومنها: أن العمومَ عُرضةُ التخصيصِ ومحتمِلٌ له، والخصوصُ من خبرِ الواحدِ غير محتمِل، فلا يعترضُه إلا النسخُ، فكان غيرُ المحتمِل قاضياً على المحتَمِل (٣). فصل يجمع شبهاتهم فمنها: أنَّ العمومَ في كتابِ الله مقطوعٌ به، وخبرَ الواحدِ مظنونٌ غيرُ مقطوعٍ به،

стр. 1521

فلا يجوزُ أن يقدَّمَ المظنونُ على المقطوعِ، كما لا يُقضى بخبرِ الواحدِ على الإجماعِ. ومنها: أنَ التخصيصَ لكتابِ الله إسقاطُ ما تضمَّنه القرآنُ، أو إسقاطُ بعضِ ما يقتضيه القرآنُ بخبرِ الواحدِ، فلم يجز، كنسخِ القرآنِ بخبرِ الواحدِ. ومنها: أنَّ الترجيحَ للأدلَّةِ بابٌ مُجمَعٌ عليهِ عند أهلِ النظر، وخبر الواحدِ ضعيف، والقرآن قويّ، فلا يجوزُ تقديمُ الضعيفِ على القويِّ، كما لا يقدَّمُ القياسُ على الخبرِ (١). فصل في جمع الأجوبة عنها فالأوَّلُ: أنَّا لا نُسقطُ المقطوعَ بالمظنونِ؛ لأنَّ المقطوعَ به في كتابِ الله إنما هو أصلُ الكلامِ وإثباتُه، فطريقهُ القَطعُ، ولسنا نُسقطُ ذاك، وإنما نقضي على عمومِه وتناوله للأعيانِ التي أخرجها خصوصُ الخبر وتلكَ الأعيانُ ما دخلت تحت العمومِ إلا من طريقِ الظاهرِ وغلَبةِ الظن، ولذلكَ سُوِّغَ الاجتهادُ ممن أسقطَ العمومَ ونفى أن تكونَ له صيغة، ولذلكَ لم يفسق ولم يكفر، بل خُطّىءَ، فرجّحنا الصريحَ على ذلكَ الظاهرِ المظنونِ، كما تُصرف صيغُ الأوامرِ التي في كتابِ الله عن الإيجاب إلى الندبِ والاستحبابِ، والنواهي عن التحريمِ والإفسادِ إلى التنزيهِ والكراهةِ بأدلةِ مظنونةِ. على أنَّه باطلٌ بما قدّمنا من الحكمِ بخبرِ الواحدِ على براءةِ الذِّمم بأدلَّةِ العقولِ المقطوعِ بها، وكما يقضى بنقلِ الملكِ عن المالكِ الذي شَهِدَ بملكِه الصادقُ بشهادةِ شاهدين صدقُهما غيرُ مقطوعِ به. وأمَّا إلزامُ النسخِ، فقد منعناه بما نصَّ عليه أحمدُ واستدلَّ بخبرِ القبلةِ والخمرِ ولم يكلنا (٢) على طريقِ توسعةِ النظر وسلَّمناه نظراً، فإنَّ النسخَ إسقاطٌ لموجَبِ اللفظ،

стр. 1522

فلم يجز إلا بمثلِه أو أقوى منه، والتخصيص بيانُ ما أريدَ باللفظِ، فجازَ بما دونَه، كصرفِ الأمرِ والنهي عن ظاهرِه وحقيقةِ الكلامِ إلى مجازِه. وأمَّا قولُه: إنَّ العمومَ أقوى، والتعلق بوجوبِ تراجيحِ الأدلةِ، فإنَ ذلكَ للمقابلةِ والإسقاطِ، فأمَّا الجمعُ الذي سلكناه، فيجوزُ أن يُجمعَ بين الأقوى والأضعفِ، كما يستدلُّ بالآيةِ والخبرِ والقياسِ في المسألةِ الواحدةِ؛ ولأنَّه يَبْطلُ بما ذكرنا من خبرِ الواحدِ مع دليلِ العقلِ في براءةِ الذممِ والبينةِ مع تقدُمِ شهادةِ المعصومِ بالملكِ. فصل في الكلامِ على من أجازه في المخصوص، ومنعَ من التخصيصِ به لما لم يدخله التخصيصُ . وفيما قدَّمناه من الدلائلِ ما يكونُ دلالةً على مَنْ فَرَّقَ بينَ المخصوصِ وغيرِه، ولأنَّ العمومَ الذي لم يُخصَّ متعرّضٌ للتخصيصِ، وخصوصُ الخبرِ صريحٌ في تناولِ الحكمِ، والعمومُ الذي خُصَّ والذي لم يُخَصَّ تساويا في تناولهما الحكمَ بالظاهرِ من اللفظِ، والخصوصُ يتناولُ الحكمَ بصريحهِ. وأيضاً: فإنَ العمومَ الذي لم يُخَصَّ، كالظاهرِ من الأوامرِ والنواهي التي لم تُصرف عن ظاهرِها، ولم يدل الدليلُ على صرفِها، ثم إنَه إذا وردَ دليل يصرفها صرفناها به مع كونها لم تُصرح (١) بصرفٍ، كذلكَ العمومُ، والجمعُ بينهما واضحٌ، وهو أنَ كل واحد منهما ظاهرٌ. وأيضاً فإن التخصيصَ لم يخرج عمومَ القراَنِ عن رتبته في أنَه ثابتٌ بدليلِ مقطوعٍ وهو النقلُ المتواترُ، ورتبته في كونِه قراَناً، وفي كونه مقدَماً على السنَة، فإذا جازَ دخول التخصيصِ عليه بخبرِ الواحدِ مع هذه الرتبةِ، جازَ دخولُ التخصيصِ عليه بخَبرِ

стр. 1523

الواحد قبل تخصيصه لتساويهما في تقدُمهما على الآحادِ برتبةِ القطعِ في طريقهما، ورتبةِ الحُرمةِ في نطقهِما وتقدمهما على السنة. فصل في شُبهة المخالف (١) قال عيسى بنُ أبان: إذا دخَله التخصيصُ صارَ مجازاً، فَقُبِلَ وأثر خبرُ الواحدِ في تخصيصهِ، كما قُبِلَ في بيانِ المجمَلِ، وإذا لم يدخلْهُ التخصيصُ بقيَ على حقيقته فلم يجز تخصيصُه بخبرِ الواحدِ. فيقالُ: لا نُسلّمُ أنَّه صارَ مجازاً، فلا نبني خلافاً على خلافٍ، فأمَّا المجملُ، فإنَّه لا يعقلُ معناهُ من لفظِه، ولا المرادُ به بنفسِه، والعمومُ قبلَ التخصيصِ وبعدَه مفهومُ المعنى، معقولٌ منه المرادُ، وامتثالُه ممكنٌ، واللفظُ متناوِل لما يبقى بعدَ تخصيصِه، فكانَ حكمُه حكمَ ما لم يُخصَّ. شبهةٌ ثانيةٌ: الباقي على عمومِه من غيرِ اتفاقٍ على خصوصِه مقطوعٌ على ما تضمنه من المسمّيات؛ لأنَّ صاحبَ الشريعة لو خصَّصَه لذكرَه معه، ولو ذكرهُ لنُقلَ، فلما لم يُنقلْ بقيَ على القطعِ بتناوله كلَّ مسمىً دخل تحتَه. فيقال: لا نسلِّمُ أنه تناولَ الأسماءَ قطعاً، بل ظاهراً متردّداً، لكنَّه إلى الاستغراقِ أقربُ، ومنه أظهرُ, وهو مهيأٌ لورودِ التخصيصِ عليه، بدليلِ أنَ قرآناً مثله يخصُّه، وتخصيصُه بالقرآنِ بيانٌ لا نسخٌ، ولو كان قطعاً لكان ما يرد من القرآنِ نسخاً، والخصوصُ الواردُ بخبرِ الواحدِ لفظٌ صريح في الحكمِ، والأخذُ به جمعٌ بين الدليلينِ،

стр. 1524

وحفظٌ لهما عن الإسقاطِ، وفي إسقاطِ خبرِ الواحد الخاصَّ إسقاطٌ لأحدِ الدليلينِ، والأخذُ بهما (١) أولي. فصل يجوز تخصيصُ العمومِ بالقياسِ أومأ إليه صاحبُنا أحمدُ بنُ حنبل في عدَّةِ مواضعَ، منها لعانُ البائنِ بالثلاثِ، قالوا له: اللهُ يقول: ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور ٤]، وهذه ليست زوجةَ، فقالَ: المريضُ الفارُّ من الميراثِ يورَثُ منه، وهذا فارٌ من الولدِ (٢). واختلف أصحابُنا على وجهين: بعضُهم أجازَه، وبعضُهم منعَ منه (٣)، ومن منعَ منهم ذكرَ أنَّ كلامَ أحمدَ يعطي في روايةِ المنعِ، وهو قولُه: كلامُ النبيِّ ﷺ أو قال: السنة- لا تُرَدُ بالقياسِ. وعندي: أنه ليسَ في هذا من كلامِ أحمدَ ما يمنعُ التخصيصَ، لأنَّ التخصيصَ ليس بِرَدٍ، لكنَّه بيانٌ، وإنَّما أراد: لا تُرَدُّ الرواياتُ بالآراءِ. ولأصحابِ الشافعي أيضاَ في جوازِ التخصيصِ بالقياسِ الخفيِّ وجهان (٤).

стр. 1525

وقال أصحابُ أبي حنيفة: إن كان قد دخله التخصيصُ بإجماعٍ؛ جازَ تخصيصُه بالقياسِ، وإن لم يكن دخله التخصيص؛ لم يجز تخصيصه به (١). فصل في جَزمِ أدلّتنا (٢) فمنها: أنَّه دليلٌ شرعيٌّ نافٍ بعضَ ما دخلَ تحتَ العمومِ بصريحِه، فوجبَ أن يُخصَّ به، كالنطقِ الخاصِّ. ومنها: أنَّ العللَ الشرعيةَ معاني الألفاظِ الشرعيةِ، والمعاني المودَعةُ في النطق تكشفُ عن مرادِ الشارعِ، فإذا كانَ النطقُ الخاصُ يُخصُ به النطقُ العامُ، فكذلكَ المعنى الذي تضمَّنه النطقُ إذا كان مصرِّحاً بالحكمِ. ومنها: أنَّ العملَ بمخصوصِ القياسِ جمعٌ بينَ الدليلينِ، وهو أنَا نعملُ بعمومِ اللفظِ فيما لم يتناوله القياسُ، وبمعناه الخاصِّ في الحكمِ الذي تناوله، فهو أولى من إسقاطِ ما لاحَ من معنى النطقِ رأساً، والتمسُّك بظاهرِ لفظِ العمومِ. ومنها: أنَّ النبي ﷺ لو قالَ: إذا زالت الشمسُ فصلوا أربَع ركعات، وإذا أهَلّ شهرُ رمضانَ فصوموا، وما أخبركم به عنّي أبو هريرةَ فهو قَولي وشَرعي. ثم إنَّ أبا هريرَة أخبرنا أن المسافر يصلي الظهرَ ركعتينِ، ويفطرُ شهرَ رمضانَ، فإنَّ ما سمعناه

стр. 1526

منه قطعٌ، وما أخبرنا به أبو هريرة ظنٌ، ويجوز التعويلُ عليهِ في إخراجِ ركعتين من صلاةِ الظهرِ، وتأخيرِ صومه رمضانَ عن وقتِه، فأكثرُ ما في العمومِ أنه قطعيُّ الطريقِ، وأكثرُ ما في القياسِ أنَه يوجِبُ الظنَّ، فلا نمنعُ من أن نُخرجَ به بعضَ ما شملَه العمومُ. ومنها: أنَ العمومَ عُرضةُ التخصيصِ والاحتمالِ، والقياسُ حجةٌ لأنه غيرُ محتَملٍ في المعنى المستنبطِ له، وأبداً يقضى بغيرِ المحتَملِ على المحتَملِ كالتفسيرِ مع الإجمال. وأمَّا الدلالةُ على من أجازَ ذلكَ بالقياسِ الجلي خاصةً من أصحاب الشافعيِّ: أنَ القياسَ الخفيَّ دليلٌ، فكانَ حكمُه حكمَ الجليِّ من جنسِه في تخصيصِ العمومِ، كخبرِ الواحدِ لما كانَ دليلاً، كان حُكمُه حكمَ الجليِّ من جنسِه، وهو المتواترُ الذي ينجلي الحكمُ به. وأيضاً: فإنَّ الخصوصَ إنما قُدِّمَ على العمومِ؛ لأنه تناولَ الحكمَ بصريحه، وهذا موجودٌ في القياسِ مع العمومِ المبتدأ بالتخصيصِ، وفي العمومِ الذي دخَلَه التخصيصُ. فصل يجمع شُبههم فيها فمنها: ما روي عن النبي ﷺ أنَه قال لمعاذ: "بِمَ تحكم"؟ قال: بكتابِ اللهِ، قال: "فإنْ لم تَجد"؟ قال: بسنَةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو (١). فأقرَّه النبيُّ ﷺ على ذلكَ، وحمِدَ اللهَ على توفيقِه. فوجْهُ الدلالةِ: أنَّه قدَّمَ السُنَّةَ بأسرِها على قبيلِ الرأي. فيقالُ: إنَّ ما عارضه القياسُ منَ العمومِ ليسَ بسنةٍ، كما أنَ ما عارضه خصوصُ

стр. 1527

السنَّةِ من عمومِ القرآنِ ليس بقرآنٍ، ووجبَ القضاءُ بخاصِّ السنَّة. والذي يوضِّحُ هذا: أنه رتَّبَ القياس على السنَّة، كما رتَبَ السنةَ على كتاب الله، ثم إنَّ السنَة الخاصَّةَ لا تؤخَّر عن عمومِ كتابِ الله، بل تُقدِّمُ عليه، فكذلكَ لا يلزم تقديمُ عمومِ السنَّةِ على خصوصِ القياسِ (١). ومنها: أنَّه إسقاطٌ لما تناولَه نطقُ القرآنِ، فلا يجوزُ بالقياسِ كالنّسخِ، وربما قالوا: أحدُ نوعي التخصيصِ، فلا يجوزُ بالقياسِ، كتخصيصِ الأزمانِ. فيقالُ: ليس إذا لم يجز النَّسخُ لم يجز التخصيصُ، بدليلِ أنَ نسخَ القرآنِ بخبرِ الواحدِ لا يجوز ويجوزُ التخصيصُ به؛ ولأنَّ النَّسخَ: إسقاطُ موجَبِ اللفظِ، والتخصيص: بيانٌ للفظِ، والتخصيص جمع بينه وبينَ غيرِه، فافترقا. ومنها: أنَ القياسَ فرعٌ للكتابِ، فلا يجوزُ أن يخُصَّ الفرعُ أصلَه، كما لا يُسقِطُ الفرعُ أصلَه. فيقالُ: إنَا لا نَخُصُّ الأصلَ بفرعِه، وإنَّما نخصُّ غيرَ (٢) أصله؛ لأنَّ القياسَ متى استنبطَ من أصلٍ فيكونُ مماثلاً له في حكمِه، فلا يخصُّ به، وإنما يخصُّ أصلاً آخرَ يُضادُّه وينافيه. ومنها: أنَّ هذا القياسَ مما يقدَّمُ عليه القياسُ الجليُّ، وكلُّ ما قدِّم عليه القياسُ الجليُّ لم يَجُزْ تخصيصُ العمومُ به، كاستصحابِ الحال. فيقالُ: إنَّما لم يُخصَ العمومُ باستصحابِ الحالِ؛ لأنَّ ذلك تمسُّكٌ وبقاءٌ على حكمِ الأصلِ، وليسَ كذلكَ القياسُ، فإنَّه دليلٌ في نفسِه (٣)، وتقديمُ الجليِّ عليه لا

стр. 1528

يمنعُ كونَه دليلاً يخصُّ بَيانه العمومَ، كما أنَّ الخبرَ يقدَّم عليه ما هو آكدُ منه، وهو المتواتِر, ولا يمنعُ من تخصيص العمومِ به. ومنها: أنَّ القياسَ من شرطِ صحتِه أن يجريَ على الأصولِ، فلا يردُّه أصلٌ، والعمومُ من جملةِ الأصولِ، وهو ينافيه، فلا يصبح مع منافاةِ أصلٍ من أصولِ الشرعِ له. فيقال: لا نُسلِّم، أنَّ ما خصَّصه القياسُ كان مراداً بالعمومِ حتى يكونَ معارِضاً له أو مضاداً له، بل يتبين بالقياسِ أنَه لم يكن مراداً ولا داخلاً تحتَه. ومنها: أنَّ العمومَ مقطوعٌ به، والقياسَ مظنونٌ، فلا يجوزُ أن يمضى بالمظنونِ على المقطوعِ. فيقالُ: إن المقطوعَ به (١) كونُه من كتابِ اللهِ، وذلكَ لا نرفعُه بالقياسِ، وتناولُ ما تحتَ العمومِ من الأعيانِ مظنونٌ، فما رفعنا بالمظنونِ، إلا المظنونَ، وزادَ القياسُ بأنه تناولَ الحكم بصريحهِ. على أنَّ قولَ النبيّ ﷺ لو قال: اقتلوا الزناةَ، واقطعوا السُّرَّاقَ، واقبلوا خبر أبي هريرة عني. فقال أبو هريرة: لا تقتلوا البكرَ من الزُّناةِ، ولا الابنَ إذا سرق من مالِ أبيه. قبلنا قولَه المظنونَ، وأخرجنا بعضَ من دخلَ في نطق الرسولِ المقطوعِ به، ولأنَّ براءةَ الذِّممِ بأدلةِ العقولِ مقطوعٌ بها، ثمَ لو جاءَ خبرُ واحدٍ يَشْغلُ الذِّممَ لقبلناه، وكذلك القياسُ. ومنها لأصحابِ ابى حنيفة: أنَّ التخصيصَ للنطقِ قبل دخولِ التخصيصِ عليه إسقاطُ دلالةِ اللفظ، فلم يجز بالقياسِ، كالنسخِ، ولا تلزمُ الزيادةُ في التخصيصِ؛ لأنَّها ليست بإسقاطٍ؛ لأنَّ الدلالة قد سقطت بغيره.

стр. 1529

فيقالُ: لا يمتنعُ أن لا يجوزَ النَّسخُ ويجوزُ التخصيصُ، ألا ترى أنَّ نسخَ الكتابِ بخبرِ الواحدِ لا يجوز ويجوزُ التخصيصُ؛ لأنَّ النسْخَ إسقاطٌ، وهذا جَمْعٌ بينه وبين غيرِه، فافترقا. فصل يجوز تخصيص عام السُنّة بخصوص القرآن (١) أومأ إليه أحمد ﵁، فإنه نسخ قضيته بينه وبين قريش في ردِّ المسلمات إذا أتَيْنه، فمنع ردَهنَ بقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فأثبت أحمدُ نسخَ القضيةِ بالقراَنِ (٢)، والنَسخُ آكدُ من التخصيصِ، وبهذا قالَ جماعةٌ [من] (٣) الفقهاءِ والمتكلِّمين. وخرَّج ابن حامد (٤): أنَّه لا يجوز من إيماء أحمدَ ﵁، فإنَّه قال: السنَّة مفسِّرةٌ للقرآنِ ومُبيِّنَةٌ له (٥). وذهبَ إلى ذلكَ بعضُ المتكلِّمين.

стр. 1530

وحكى شيخنا في "العُدّة" (١): أنَّ بالثاني من المذهبينِ قال أصحابُ الشافعي. وذكر أصحابُ الشافعيِّ أنَّ المذهبَ عندهم جوازُ التخصيصِ دونَ المنعِ (٢)، ولم يحكوه مذهباً لأحدٍ من أصحابهم. فصل في الدلالة على مذهبنا قولُه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وهذا يعمُّ بيانَ قولِ الرَّسولِ، وبيانَ كل مُشكِلٍ ومُجْملٍ، إلا ما خصَّه الدليلُ من المتشابه الذي انفردَ بعلمِه، وكلَّفَ الإيمانَ به من غيرِ بيانِ معناه. ومنها: أنَّ القرآنَ مقطوعٌ به، والسنَّةَ غيرُ مقطوعٍ بها، فإذا جازَ بيانُ القرآنِ بالسنّةِ، فلأنْ يجوزَ بيانُ السنَّةِ- وهي الأضعفُ- بالأقوى أوْلى، ألا ترى أن من جوَّز نسخَ القرآن بالسنَّة كان قائلاً بنسخِ السنّةِ بالقرآنِ من طريق الأولى. وأيضاً: فإنَّ السنَّةَ وحيُ اللهِ إلى قلبِه ﷺ ، والقرآنَ كلامُ الله، ولا يمتنعُ أنْ يقضى بخصوصِ كلامِه على عمومِ كلامِ رسوله الصادرِ عن إلهامه، فهما غيرُ مختلِفَين في المعنى.

стр. 1531

فصل في شُبَههم (١) فمنها: قولُه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فجعلَ النبيَّ مبيِّناً لما ينزله من كتابِه، وبيانُه هو سنته. ومنها: أنَا لو جعلنا السنَة مخصوصةَ بالآية، جعلنا السنَّة أصلاً ومتبوعاً، والقرآنَ تابعاً، وهذا حَطٌّ له عن رُتييه. فصل في أجوبتنا عن ذلك أمَّا الآيةُ: فلا حجَّة فيها؛ لأنَّا قائلون بأنَّه يجوزُ بيانُ ما يحتاجُ إلى بيانٍ من السنَّةِ بالقرآنِ (٢)، وليسَ فيها نفيٌ لما أثبتَته آيتنا من أنَّ القرآنَ تبيان لكل شيءِ، وقد يعتمدُ الرسولُ ﷺ فيما يقولُه من الكلامِ على بيانِ القرآنِ السابقِ لسنّتِه، كما يبينُ ما أشكلَ من القرآنِ بقوله. وأمَّا قولُهم: فيه حطٌ لمرتبةِ القرآنِ. فبعيد جداً؛ لأن الأقوى قد يقضي على الأدنى، كأخبارِ التواترِ يجوزُ أنْ تُبين بها أخبارُ الآحادِ، ولا تنحط رتبتُها عن العلمِ ولا تصيرُ تابعةً لأخبارِ الآحادِ الموجبةِ للظنِّ، ودليلُ العقل يخصُ أدلَّةَ الكتابِ والأخبارَ، ولا يدل على أنَّ أدِلةَ العقلِ منحطةٌ بذلكَ عن كونِها هي الأصلُ في إثباتِ الصانعِ والنُّبوَّات، ولأنَّ الذي ينطقُ به النبي ﷺ من العمومِ عن وحي إلى قلبِه ﷺ ثمَّ ينزل عليه القرآنُ كاشفاً لتخصيصِ الوحي الأوَّلِ (٣).

стр. 1532

فصل يجوزُ تخصيصُ العمومِ بأفعالِ النبيِّ ﷺ أشارَ إليه أحمدُ في مواضعَ (١)، وبه قالَ أصحاب الشافعي (٢)، وأصحابُ أبى حنيفةَ سوى الكرخي (٣)، وذلكَ مثلُ نهَيه ﷺ عن استقبالِ القبلةِ بالبولِ والغائطِ، واستدبارِها (٤)، وأنَّه بعد ذلك روى جابرٌ أنَّه جلسَ مستقبلَ القبلةِ فوقَ سطحٍ

стр. 1533

على لَبِنَتين (١)، فكانَ فعلُه عندنا كأنَّه قولٌ منه: ويجوزُ ذلكَ في البُنيان (٢). فصل في دلائلنا فمنها: أنَّه قد ثبتَ بما قدَمنا أنَّه مخاطبٌ كخطابِنا، وأنَّه معنا في التكليفِ على سواءٍ، إلا ما خصَّه به الدليلُ عنَّا من إيجابٍ، أو حظرٍ أو إباحةٍ، فإذا ثبتَ ذلكَ، وقال قولاً عامّاً، ثم إنه فعل فعلاً دخلَ تحت قولي ونَهيه، وهو ممَّن لا يخالفُ أمر الله، ثبتَ أنَّه فعلَه بأمرِ اللهِ ووَحيه، فصارَ بذلكَ فعلُه كقول. ومنها: أنَّ فعلَه ﷺ مما يجبُ الاقتداءُ بهِ في الشرعيّاتِ، فخصَّ به العمومُ، كقوله، وقد دلَّلنا على ذلكَ في بابِ الأوامرِ (٣). [فصل (٤)] شبهةُ المخالفِ: أنَّ الفعلَ يقعُ محتَملاً بأن يكونَ مخصوصاً به (٥)، وأن يكون مشروعاً لنا، فلا نقضي بالمحتَمل على العمومِ المتناولِ للحكمِ بصيغته.

стр. 1534

فيقالُ: إنَّ فعلَه لو أرادَ ابتداء، الظاهرُ عندنا جميعاً منه أنَّه تشريعٌ لا يخصّه، بل هو تشريعٌ لنا، وإذا كان كذلك، فالعامُّ يتناولُ الفعلَ بظاهرِه، وهذا فعلُه ﷺ موضوعٌ للتشريعِ إلا ان يخصَّه الدليلُ، ولذلكَ جعلناه كذلكَ حال الابتداءِ من غيرِ تقدُّمِ عمومٍ. فصل ويجوزُ التخصيصُ بالإجماع (١)؛ لأنَّ الإجماعَ حجةٌ مقطوعٌ بها، فإذا جازَ التخصيصُ با لمظنوناتِ من الأدلةِ، كخبرِ الواحدِ والقياسِ، فلأنْ يجوزَ بالدليلِ القطعيِّ أولى. فإن قيل: قد أجزتم النّسخَ بخبرِ الواحدِ ولم تُجيزوه بالإجماعِ مع الحالِ المذكورةِ من كونه قطعياً، وخبرِ الواحد ظنياً. قيلَ: الإجماعُ والنَّسخُ لا يلتقيانِ؛ لأنَّ النسخَ إنما يكونُ مع حياةِ الرسولِ ﷺ ، ولا يصحُّ الإجماعُ، ولا يكون حجّةً إلا بعد موتِ النبي ﷺ ، وانقطاعِ الوحي، والإجماعُ والعمومُ يجتمعانِ في عصرٍ واحدٍ، وإذا جازَ أن يبيِّنَ القياسُ مرادَ الشارع باللفظِ العام، فاجتماع القائِسين أحرى أن يجوزَ بيانُهم لمرادِه بالعمومِ، وإذا كانَ الإجماعُ مبيِّناً، فقد بيّن النسخ أيضاً كما يبين التخصيص، فإذا تلونا آيةً، وروينا حديثاً، ورأينا الإجماع منعقداً على ضدّ حكمه، تَبينّا بذلكَ أنه منسوخ حسبَ ما تبينّا بالإجماع في

стр. 1535

العموم الذي اتفقوا على إسقاطِ عمومِه، أنَّه مخصوص، فلا فرقَ بينهما من هذا الوجه (١). فصل ويجوزُ التخصيصُ بدليلِ الخطابِ؛ وهو مفهومُه، وفحوى الخطاب؛ وهو تنبيهه (٢)؛ لأنه دليل من أدلة الشرع، ويعقل منه ما وراءه (٣). صورة ذلك أن يقول: في الأنعام صدقةٌ، أو في الأنعام الزكاةُ. فيكونُ ذلكَ عامَّاً في جميعِ الأنعامِ، الإبلِ والبقرِ والغنمِ، سائمتِها ومعلوفتِها، فإذا قالَ بعدَ ذلكَ: في سائمةِ الغنم الصدقةُ. دلَّ ذلكَ على أنَّه لا صدقةَ في معلوفتها، واختصَّ بالسائمةِ. والدلالةُ على ذلكَ: أنَّ مفهومَ الخطابِ بيْنَ أن تكونَ دلالتُه من اللفظِ، كما قال قوم، أو قياساً جليّاً، كما قال آخرون (٤)، والأمرانِ جميعاً مقدَّمان على العمومِ، وقاضيان عليه بما قدَّمنا من الدلالةِ على التخصيصِ بالقياسِ وخبر الواحدِ. فصل يجوزُ تخصيصُ العمومِ بقولِ الصحابي إذا لم يظهر خلافُه، وكذلكَ تفسيرُه الآية المحتملة والخبر المحتمل على الروايةِ التي يُجعل قولُه فيهما مقدَّماً على القياسِ، نصَّ

стр. 1536

عليه أحمدُ (١)، وأنه يخصُّ بقولِ الصحابةِ إن لم تكن سنةٌ، فإذا (٢) اختلفت الصحابةُ على قولينِ أخذنا بأشْبهِ القولين بكتابِ اللهِ تعالي، وبهذا قال أصحابُ أبي حنيفة (٣)، واختلفَ أصحابُ الشافعي على القولِ القديمِ الذي يجعلونَ [فيه] (٤) قولَ الصحابي حجّةً، فمنهم من خصَّ به ومنهم من لم يخُصَّ به (٥). فصل دليلنا: أنَّ قولَ الصحابي أقوى من القياسِ، بدليلِ أنه يترك له القياسُ، فيجبُ أن يُخصَّ به الظاهر كخبرِ الواحدِ. وأيضاً، فإنَّ القياسَ الذيُ تركُ لأجلِه يُخصُ به العمومُ، فبأن يخصّ بخبر الواحد أولى وأحرى.

стр. 1537

فصل في شُبَههم فمنها: أنَّ الصحابيَّ يتركُ مذهبَه وقولَ نفسِه للعمومِ، ألا ترى أنَّ ابن عمر كان يخابرُ أربعينَ عامَاً لا يرى به بأساً، [قال] (١): حتى أتانا رافعُ بنُ خَديج، فأخبر أنَّ النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فتركناها بقولِ رافعٍ (٢). فيقال: إنَه تركَ قولَه بالنصِّ، ولأنَّ مخابرتَهم لم تكن عن اجتهادٍ، لكنْ عملوا بالأصلِ، وأنَّه الإباحةُ، وأخذُ المال بالتراضىِ إلا ما نهاهم الشرعُ عنه (٣)، فلما جاءهم خبرُ الواحدِ كان ناقلاً عن حكمِ الأصلِ. ومنها: أنَّ الخبرَ حجةٌ، فلا يُخصُ بفتوى مُفتٍ، كفتوى غيرِ الصحابةِ من الفقهاءِ. فيقالُ: إنَّ آحادَ الفقهاءِ ليس قولُهم حجةً بخلافِ الصحابةِ. فإنْ قيلَ: فما تقولون في تفسيرِ التابعيَّ، وقولِه، هل يخصُ به العمومُ؟ قيلَ: لا يُخصُ به، ولا يفسَّرُ به؛ لأنه ليسَ بحجةٍ؛ لأنَّ أحمدَ قَصَرَ التخصيصَ على قولِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وعنه: جوازُ ذلكَ. وروي عنه: يَأخذُ بما جاء عن النبيِّ ﷺ وعن أصحابِه، وهو مع التابعين مخَيَّرٌ. فقد (٤) حَطَّ رُتْبةَ التابعينَ عن رتبةِ الصحابةِ؛ لأنَّهم لم يَشهدوا التنزيلَ، ولا عاينوا النبيَّ ﷺ وقد قالَ: لا يكاد يَجيءُ شيءٌ عن التابعينَ إلا يوجد عن أصحابِ النبيِّ- ﷺ (٥).

стр. 1538

فصل ويجبُ الأخذُ بتفسيرِ الراوي للَّفظِ المرويِّ عن رسول الله ﷺ ، والعملُ به إذا كان مفتقِراً إلى التفسيرِ (١)، مثل قولهِ ﷺ : "المتُبايعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرّقا" (٢) يتردّدُ بينَ الافتراق بالأقوالِ أو الأبدانِ، فكان ابنُ عمر يقومُ من مجلسِ العقدِ، فكان قيامه تفسيراً للافتراقِ، وأنَّه بالأبدانِ دونَ الأقوالِ، ومثل قول النبي ﷺ : "الشهرُ تِسعٌ وعشرون، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له" (٣)، فكانَ ابنُ عمرَ إذا كان في السماءِ غيمٌ أو قَتَرٌ في ليلةِ الثلاثينَ أصبحَ صائماً (٤). فكأنَّه فسر ذلك بالضيقِ، فَضَيَّقَ شعبانَ لشهرِ رمضانَ توسعةً للصومِ، وتفسيرُ عمرَرضي الله عنه لقولِ النبي- ﷺ : "الذهبُ بالوَرِق رِباً إلا هاءَ وهاء، والشعيرُ بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرَّ رباً إلا هاء وهاء" (٥)، فإنَّ المرادَ بهاء وهاء: التَقابُض في مجلسِ العقدِ (٦)، والدليلُ على تفسيرِهِ بذلكَ ما رواهُ مالكُ بن أوس بن الحَدَثان، أنَّه قال: التمستُ صَرفاً بمئةِ دينارٍ, فدعاني طَلحةُ بنُ عبيد الله، فَتراوضنا (٧) حتى اصطَرف منّي وأخذَ الذهبَ يقلِّبها في يدِه، ثمَّ قالَ: حتى يأتيَ خازني من الغابةِ. وعمرُ بن الخطاب يسمعُ، فقال: واللهِ لا تفارقه حتى تأخذَ منه. وروي أنَّه قال لطلحةَ: لا

стр. 1539

تفارقْه حتى تعطيَه وَرِقَه، أو تردَّ عليه ذهبَه (١). وبهذا قالَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ (٢). وحكى أبو سفيان عن الكرخيَّ من أصحابِ أبي حنيفةَ أنَّه كان يقولُ: يجبُ العمل بظاهرِ الآيةِ والخبرِ, ولا يرجع إلى تفسيرِ الصحابي (٣). فصل في دليلنا إنَّ اللفظَ المفتقر إلى البيان؛ الصحابةُ- ﵃ أعرفُ بمعناه؛ لأنَّهم عربٌ، ثمَّ انضمَّ إلى معرفتِهم بلغةِ العربِ، مشاهدتُهم لرسولِ الله ﷺ ، وإدراكُهم إلى مخارجِ كلامِه، ودلائلِ أحواله (٤)، والأسبابِ التي وردَ الكلامُ عليها وفيها، فصارت تفاسيرُهم مع معرفتِهم بأقوالِه ﷺ كالبيّنَة المترجمةِ للكلامِ الذي لا يَفهمه الحاكمُ، وكالمقوِّمين المُعتَبَرين (٥) بالأسواقِ فيما يقعُ الخلافُ في قيمتِه عند الغرامةِ الواجبةِ على المتلِفِ للمقوَّماتِ من الأموالِ. شبهةُ المخالفِ: بأنَّ الآيةَ والخبرَ يجبُ العملُ بظاهرِهما؛ لكونِهما حجتين من حُججِ الشرعِ، وقولُ الصحابيِّ؛ إنَّما هو اجتهاد وليسَ بحجةٍ، فلا يمضى بغيرِ حجةٍ على حجةٍ.

стр. 1540

والجواب: أنا لا نسلِّم، بل هو حجةٌ في إحدى الروايتين، ولو سلَّمنا أنَّه ليس بحجةٍ في الشرعِ لم يخرج عن كونِه حجةً في (١) اللغةِ، ونحن نقنع بقول أبي زيدٍ (٢)، والأصمعيِّ، وثعلب، والمبرَد (٣)، وشعرِ زهير (٤)، وأمثالِ ذلك لمكان المعرفةِ، ونشغل الذمّةَ بالقيمةِ بقولِ المقوِّمين من أهلِ الخبرةِ بالسوقِ، ونُسقِطُ هيئاتِ الصلاةِ، ونُؤخِّرُ الصومَ بقولِ مُتطببينَ بأنَّ هذا المرضَ يزيدُ في الصومِ، وإلى أمثالِ ذلكَ، والله أعلم. فصل فإن تركَ الراوي لفظَ النبيِّ ﷺ وعملَ بخلافِه متأوِّلاً لم يكن تركُه للظاهرِ معمولاً به، ويُعملُ بالظاهر (٥). فإنْ صرفه بدليل، وعلمنا أنه دليلٌ لا شبهة، صرفناه بذلكَ الدليلِ، لا لكونه قولَ الراوي، مثل نهيِ النبي ﷺ أبا طَيْبة عن أكلِ أجرةِ الحجامةِ، وأمره أن يعلفَه

стр. 1541

ناضِحَه، ويُطعمَه رقيقه (١)، وحملَ ابنُ عباسٍ ذلكَ على غيرِ التحريمِ، وقال: لو كان حراماً، لم يُعطِه (٢)، وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ (٣). وفيه روايةٌ أخرى: لا يجبُ العملُ به إذا خالَفه الراوي، مثل ما روي عن عائشةَ أنها زوَّجت بناتِ أخيها (٤)، مع روايتها عن النبي- ﷺ : "أيّما امرأةٍ نكحت نفسَها بغيرِ

стр. 1542

إذنِ وليِّها، فنكاحها باطل" (١) الخبر المعروف. وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال: هذا على وجهين (٢): أحدهما: أن يكونَ الخبرُ محتمِلاً للتأويلِ، فلا يُلتفتُ إلى عملِ الصحابيِّ، كحديثِ ابن عمرَ في التفرُّقِ بين خبرِ المتبايعين وخيارهما (٣)، وحمله ذلك على التفرّق بالأبدان (٤)، فلا يعمل على تأويله. والثاني أن يكون الخبرُ غيرَ محتمِلٍ للتأويل، فعمله بخلافِه يكونُ دليلاً على أنَّه عَرفَ نسخه، او عقلَ من دلالةِ الحالِ مرادَ النبي ﷺ أنَّه للندبِ دونَ الإيجابِ، وكان يحكي ذلكَ عن الكرخي، وحكى غيرُه عن الكرخيَّ أنَّ الأخذَ بما رواه أَوْلى مما عمل به من غيررتفصيلٍ (٥). فصل في دلالة الرواية الأولى إنَّ كلامَ صاحبِ الشرع واجبٌ اتباعُه، وقولَ الراوي وعملَه قد يقعُ لشبهة أو اجتهادٍ يخطىءُ فيه، وقد يكون لدلالةٍ، فلا يجوزُ تركُ الحجّةِ لما يَحتمل هذه الاحتمالات. وهذه الروايةُ التي تقولُ: إنَّ الصحابي كسائر المجتهدين، وليسَ قولُه حُجّةً، وأيضاً فإنَّ أبا حنيفةَ قال: ليسَ بيعُ الأمةِ المزوجةِ طلاقاً لها، واحتجّ هو وغيرُه بما رويَ عن ابنِ عباس أنَّ عائشةَ اشترت بَريرة، فأعتقتها، فخيرَّها رسولُ الله ﷺ (٦)، ولو

стр. 1543

كانَ بيعُها طلاقاً لما خيَّرها، وخالفَ ابنُ عباسٍ هذا الخبر وهو راويه، وكان يقولُ: بيعُ الأمةِ طلاقُها (١)، ولم يكن ذلك موجباً ترك الخبر. ووجهُ المذهبِ الآخر أنَّ الصحابيَّ لا يخالفُ الخبرَ ولا يعاندُه، فإذا عملَ بخلافِه، أو أفتى بخلافِه استدللنا على نسخِ الخبر, وأنَّه إنَّما خالفه وتركَه عن توقيفٍ عرفَه من قول النبي ﷺ ، وتصاريفِ أحوالِه الدالّةِ على إسقاطِ حكمِ الخبرِ (٢). جوابُ من نصرَ الأوَّلَ: أنَّ وجوهَ الاحتمالِ لغير ما ذكرتَ كثير، فلمَ قصرتَه على النَسخِ؟ ودلالة الحال مع احتمالِ النسيانِ أو التأويلِ بنوعِ شبهةٍ تجلَّت عنده بالدليلِ مع كونه مجتهداً يُقَرُّ على الخطأ، وليس بمعصومٍ، فلا وجهَ لتقليدِه، وتركِ ظاهرِ الخبرِ مع احتمالِ هذه الوجوه. الثاني مما تعلَّقوا به: أنَّ الصحابيَّ أعرفُ بقولِ النبي ﷺ لسماعِ الوحي ومشاهدةِ الأحوالِ، وتصاريفِ النبي ﵊، فكان قولُه قاضياً على ظاهرِ الأخبار. فيقالُ: قد وفيناه حقَه من هذه الميزةِ فيما يحتملُ من الألفاظِ، فأمَّا ما لا يحتملُ ولا يفتقرُ إلى التفسيرِ والبيانِ فلا؛ لأنَه مجرّدُ خلافٍ منه للخبرِ، ولأنَّه لو عرفَ أمراً؛ لوجبَ عليه نقلُ ذلكَ الأمرِ لنَعرِفه كما عرفَه. على أنَا قد بيَّنا وجوهَ الاحتمالِ التي لا يستحيلُ حصولُها في حقّه، فلا وجهَ لإبطالِها والاقتصارِ على ما ذكرت.

стр. 1544

فصل لا يجوزُ تخصيصُ اللفظ العام بعادةِ المكلَّفين (١) مثلُ ورودِ تحريمِ البيعِ مطلقاً، وعادتُهم جاريةٌ بنوعٍ منه، كقوله العامِّ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وقد جرت عادتُهم بأكلِ نوعٍ منه، فإنه لا يُعدلُ عن عمومِ اللفظِ بإخراجِ ما جرت به عادتهم، وما رأيتُ في ذلكَ، خلافاَّ فأحكيه (٢)، ولكنَ الأصوليين سطّروا ذلك في كتبهم. لنا محلى صحةِ ذلك، وإبطالِ ما عساه يذهبُ إليه بعضُ من لا يعرفُ وضعَ

стр. 1545

الخصوص: أنَّ العموم نطقُ الشارعِ، ونطقُه لا يُخَصُّ إلا بنطقِه أو ما يستخرجُ من نُطقِه، كالفحوى، ودليلِ الخطابِ، ومعنى الخطابِ، فأمَّا العادةُ؛ فليست إلا وضعَ الشهواتِ أو الاختياراتِ أو الحاجاتِ التي لا يجوزُ أن تكونَ شرعاً، فكيف تَخُصُّ شَرعاً؟! وأيضاً: فإنَّ الشريعةَ جاءت بتغيير العوائِد وحسمِ موادِّها، فلا يجوزُ أن يكونَ ما وردت الشريعة قاضيةً عليه، قاضياً عليها، ومُزيلاً لعمومها؛ ولأنَّ الشرع إمَّا لمصلحةٍ أو تحكُّمٌ بالمشيئةِ، والعاداتُ قد تقع بالمفاسدِ، ومخالفةً للمصالح؛ لأنها واقعة ممّن لا مَعرفةَ له بالمصالحِ، وتحكُّمُ الشرعِ إذا وردَ إنما يردُ على ألسنةِ الرسُل، فلا وجْه لقضاءِ العادةِ على عمومِ لفظِ الشارعِ ونطقِه، ولأنَّه لو خُصّصَ العمومُ بالعوائدِ؛ لما عُمِلَ بعمومٍ قط؛ لأنَّ العاداتِ قد تتجددُ أبداً، والخصوصُ بيانٌ، فيفضي إلى خلوِّ نطقِ الشرعِ عن بيانٍ. شبهةٌ: إذا جاز أن يُخصَّ الاسم بالعرفِ، جازَ أن يُخصَّ العمومُ الشاملُ بالعرفِ. قالوا: ونقول: ما خُصَّ به الاسمُ خُصَّ به العمومُ، كالنطقِ والقياسِ، ولأنَّ إطلاقَ الثمنِ في البيع يختصّ بنقدِ البلدِ، وهو عُرفٌ، وقد أجمعنا على حَمْلِ اسم الدابة على حيوانٍ مخصوصٍ، وإن كان واقعاً على ما يَدبُّ. فيقال: إنَّ عرفَ الاستعمالِ في الاسمِ مقارنٌ للفظ، فيصيرُ ذلك لغةً جاريةً، فإنَّ اللغةَ أصلها استعمالٌ، بخلافِ وضعِ الشرعِ، فإنَّه ليس بمبنيٍّ على الاستعمالِ، وإنَّما هو وضعٌ وتحكُم، أو تحكم الحِكمةِ والمصلحةِ للمكلَّفين. وممَّا يوضحُ الفرقَ بين اللُّغة والشرعِ: أنَّ العاداتِ التي يحتاجُ النَّاسُ إليها لم تتحكمْ على الوضعِ الشرعيِّ، وذلكَ مثلُ عادة الديالِم والركابية والباتاواة (١) أكثرُ
следующие страницы →