← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بطبعِه، ويروي بطبعهِ، وذلك فاسدٌ بما فَسَدَ به مذهبُ أهلِ الطبعِ، فلم يَبْقَ إلا أن يقالَ: الطهارةُ تقعُ عندَ إجرائِه بنية المُكَلَّفِ تَعَبداً، وقد بينَ الله سبحانَه ذلك في كثيرٍ من آيِ كتابهِ، مثلُ قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] فصل في اختلافِهم في الطَّبائعِ على أربعةِ مذاهبَ: فمنهم من جعلَها موجِبة للفعلِ، كالاعتمادِ الذي في الحَجَرِ يُوجِبُ ذهابَه إلى جهةٍ، والفاعلُ غيرُها في الحقيقةِ. ومنهم من جعلَها فاعلةً في الحقيقةِ، وهم أهلُ الطبْعِ. ومنهم من جعَلَها مفعولًا بها، مثل: ما يفعلُ القَطْعُ بالسكِّينِ. ومنهم من جعلَها مفعولًا عندَها، وهو مذهبُ أهلِ السُّنةِ، وهو مذهبُنا (١).

стр. 212

فصل وقد أشارَ اللهُ سبحانَه إلى المذهب الأخيرِ-وهو مذهبُنا- في كثيرٍ من الأفعالِ، واكتفى بذلك بياناً للعاقلِ، وتنبيهاً له على باقِيها، فقالَ في حق عيسى: (﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا (١) بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ (٢) الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وإذا أخرجَ عيسى أن يكونَ فاعلاً، وجعلَ له الفعلَ سبحانه، فلا موجودَ إلا عن فعلِه وخَلْقِه؛ لأنه لو اختُصَّ شئ من خلقِه بفعلٍ يكونُ منه وعنه، لكانَ الأخص بذلك الأنبياءَ ﵈ الذين أيدَهُم بما خَصهم به من خَرْقِ العاداتِ شهادةً لهم بالصدقِ، وقال

стр. 213

سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فلم يبقَ شيءٌ من جسمٍ ولا عَرَض يضافُ خَلْقُه إلى أحدٍ سواه، ولأنه أضافَ إلى الأشياءِ إضافاتٍ، وأضافَ إلى نفسِه مثلَها، فقال في العَسلِ: ﴿فيه شفاءٌ للنَّاسِ﴾ النحل: ٦٩،، وقال: ﴿وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، فالأحق أن يكونَ الشفاءُ حقيقةً مضافاً إلى الخالقِ سبحانه، والعسلُ يكون عنده الشِّفاءُ، والماءُ يوجَدُ عند نزولِه الإِنباتُ، والمنبتُ حقيقةً، هو الله سبحانه، فإنه سبحانه يقولُ: ﴿فأَحيَيْنا به﴾ [فاطرَ: ٩]، ﴿يُنْبتُ لكم به الزَّرْعَ والزَّيْتونَ﴾ [النحل: ١١]، وقال: ﴿فأَنبتنا به﴾ (١) [النمل: ٦٠، وق: ٩] يعني: انبَتْنا لكم عندَه، وقد أضافَ الله سبحانه الِإضلالَ إلى الأصنامِ (٢) والسَّامِريِّ (٣)، والضَّلالُ فيهم لابهم. ومن دلائلِ العقولِ، أنَّ الطبائعَ عندَهم هي الفاعلُ الأولُ، وليس فوقَه عندهم من هو أعلى، وقد وَجَدْنا هذه الطبائعَ مقهورةً مقسورةً، حيث جُمعَ المتنافرُ منها والمتضادُّ في الحيوانِ والنباتِ، وكما أن أهلَ الطبعِ أثبتوا له الفعلَ، فقد أثبتوا له المضادَّةَ والمنافاةَ، فإذا اجْتَمعَ مع أضدادهِ في هياكلِ الحيوانِ والنباتِ، عُلِمَ أن المضادةَ فيه لا من طريقِ

стр. 214

الطبعِ، وإنما هو بوضعِ واضعٍ، تارةً يُفَرقُ بينها بالانحلالِ، وتارة يَجْمَعُ بينها إذا أرادَ الاجتماعَ، فهذا حسب ما يليق بهذا الكتاب، والله أعلم.

стр. 215

فصل في البيانِ وهو إخراجُ المعنى، أو نقول: إظهارُ المعنى بلفظٍ غيرِ ملتبِسٍ ولا مشتبهٍ، أو نقول: منفصلًا عما يَلْتَبِسُ به ويَشْتَبِهُ (١). وهو في اللغة من القَطْعِ والفَصْلِ، يقال: بأنَ منه: إذا انقطعَ، قال ﷺ : "ما ابِينَ من حَى، فهو مَيْت" (٢)، وقال الشاعر: بأنَ الخَلِيطُ ولو طُووِعْتُ (٣) ما بانا (٤)

стр. 216

وبانتِ المرأةُ من زَوْجِها: إذا فارقَها، وانقطعَ بالبيانِ عن كل ما يحْصُلُ به التباسٌ أو اشتباهٌ. فصل فيما حَدِّ به الشافعي ﵁ البيانَ، واعْتُرِضَ عليه فيه. فقال: البيانُ: اسمٌ جامع لمعان مجتمِعةِ الأصولِ، متشعِّبةِ الفروع، فأقلُّ ما في تلك المعاني المتشعبةِ أن يكونَ بياناً لمن خُوطب [بها]، (١) ممَّن نزلَ القرآن بلسانِه، وإن كانَ بعضُها أشدَّ تأكيداً في البيانِ من بعض (٢)، ثم جعلَه على خمسةِ أوجهٍ (٣). ولم يفهمْ كلامَه من اعترضَه مِن المُحْدَثِينَ الذين لم يبلغوا شَاوَ أصحابِه في العِلْمِ، فقال أبو بكر بن داود (٤): البيانُ أبْيَنُ من هذا الذي ذكرَه وفَسرَه به الشافعي. ثم قال بعدَ اعتراضِه عليه: ولم يصفِ البيانَ، لأنه ذكرَ جملة

стр. 217

مجهولةً، فكان بمنزلةِ من قال: البيانُ: اسمٌ يشتملُ على أشياءَ، ثم لايُبَيَنُ عن، تلك الأشياءِ ما هي (١). فصل في نصرةِ كلامهِ والرُّدِّ على من اعترضَه وذلك أن الشافعي أبو هذا العلمِ وأمه، وهو أولُ من هَذَبَ أصولَ الفقهِ، ومن غزارةِ علمِه، وكثرةِ فضلهِ عَلِمَ أن البَيانَ مما لا يضبِطُه حدٌّ، حيث، كان مشتملًا على أنواع؛ فمنها: النص، والظاهرُ، والعمومُ، وتفسيرُ المجمَلِ، وتخصيصُ العموم، ودليلُ الخِطاب، وفَحْوى الخطاب، فذكرَ ذلك باسم جامع، فقال جَملة، وجميعُ ذلكَ بيانٌ وإنِ أختَلَفًت مراتبُه، وقوله: "مجتمِعة الأصولِ"، يعني: في الاسمِ الشامل، وهو البَيانُ، وقوله: "متشغبة الفروع"، يعني: بينَ نصٍّ، وظاهرٍ، وعمومٍ، وتخصيصٍ، وفحوىً، ودليلٍ، وإلى أمثالِ ذلك، فهذه شُعَبُ الاسَمِ الذي سماه جملة، هو: البيانُ. ثم قال "وإن كان بعضُها آكدَ بياناً من بعض"، وصدقَ؛ حيثُ كان البيانُ مراتبَ، وقد أشارَ النبي ﷺ إلى ذلك حيث قال: "إنَ من البَيانِ لَسِحراً" (٢)، ولم يقلْ: إن البيانَ سِحْرٌ، وإنما جعلَ بعضَه سحراً،

стр. 218

ولأن النصَّ أجلاها، والعمومَ والظاهرَ دونه، ودليلَ الخطاب دونَ فحْواهُ، فهذا كلامُ من أحاطَ بالبيانِ خُبْراً، وقتلَه عِلْماً. فصل وقال أبو بكر الصيْرَفِيُّ (١) -وهو من بعضِ أصحاب الشافعي-: البيانُ: إخراجُ الشيءِ من حَيزِ الاحتمالِ إلى حيًزِ التًّجَلَي (٢)، وهو اختيارُ أبي بكرٍ عبد العزيزِ (٣) من أصحابِنا.

стр. 219

وفي هذه العبارةِ خَلَلْ اعترضَه الأصوليون، قالوا: وذلك أن هذا أحدُ أقسام البيانِ، وهو ما كان تفسيراً لمجمَلٍ، أو تخصيصَ عموم، ويخرجُ منهَ البيانُ المبتدَأ. ومعلومٌ أن من جملةِ أنواعِ البيانِ ما كان نصاً مبتدَأً، وما كان للخطاب للمبتدإِ إشكالٌ، فيخرج منه إلى حميِ التجلي؛ فالمبتدأ من قولِ اللهَ، وقولِ رسولِه بيانٌ صحيح، وإن لم يَتَعلقْ عليه هذا الحدُ الذي ذكرَهُ الصيْرَفى. على أن قولَه: من حيزِ الاحتمالِ إلى التجلي، ليس بمقابلةٍ صحيحةٍ، بل كان يجبُ أن يقولَ: من حيز الخفاء أو الغموض إلى حيز التجلي، أو من حيز الاحتمال إلى حيز الاتحادِ بمعنىً واحدٍ، والأصح أن لا يقالَ: إخراجٌ، لأن هذا هو فعل البيانِ، وهو التَبْيِين، لكن نقولُ: خروجٌ، لا إخراجٌ. فصل وقال قومٌ من المتكلِّمين: البيانُ: هو الدَلالةُ على الشيءِ أو الحكمِ، لأن البيانَ إنما يقعُ بها، وقد ذهبَ إليه أبو الحسنِ التَمِيمِي (١). قال بعضُ النَاس (٢): هذا فيه خَلَلٌ أيضاً، لأن من الدلائلِ ما لا يقعُ به البيانُ كالمجمَلِ ونحوِه.

стр. 220

فصل وقال قومٌ: البيانُ هو العلمُ الذي يُبَيَّنُ به المَعْلُومُ، وإليه ذهبَ أبو بكرٍ الدقاقُ (١)، وهو من المُعْتَرَضاتِ أيضاً؛ لأنه صَرفَ منه "يُبَيَّنُ به" وبعدُ ما عَرَفْناهُ، وقد تقدم اعتراضُنا على من قال في حدِّ العِلْم: معرفةُ المعلومِ (٢). فصل في وُجُوهِ البَيانِ فمنها: الأحكامُ المبتدأة. ومنها: تخصيصُ العموم الذي يُمْكِنُ استعمالُه على ظاهرِ ما ينتظمُه (٣) الاسمُ، فيُبَينُ أن المَرادَ به بعضُ تلك الجملةِ. ومنها: صَرْفُ الكلامِ عن الحقيقةِ إلى المجازِ، وصرفُ الأمْرِ عن الوجوبِ بظاهرِه إلى النَدْبِ أو الِإباحةِ، وصرفُ الخَبَرِ إلى الأمْرِ. ومنها: بيانُ الجملةِ التي لا تَسْتَغْنِي عن البيانِ في إفادةِ الحكْمِ، وهذا هو التفسيرُ المرادُ بالجملةِ، كقولِه تعالى: ﴿وآتُوا حَقَه يومَ

стр. 221

حَصادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١) بينَ النبيُّ ﷺ أن المرادَ به العُشْرُ من السيح (١)، أو نِصْفُ العُشْرِ من سَقْيِ الكُلَفِ (٢)، أو رُبْعُ العُشْرِ من الأثمانِ (٣). ومنها: النَسْخُ؛ وهو رفعُ الحكمِ في الاستقبالِ بعدَ أن كان ظَننا فيه الدوامَ. فصل فأما ما يحتافي إلى البيانِ، فكل لفظٍ لا يمكنُ استعمالُ حُكْمِه من لفظِه. وسمعتُ مَنْ عُوِّلَ على قولِه (٤) [يقول]: ما لم يمكن استعمالُ

стр. 222

حكمِه، ولم يَقُلْ: من لفظه. فنقضَ عليه بعضُ الأصوليينَ بقولِ القائلِ لغيرِه: اصعَدْ إلى السماءِ، أو: صَلِّ اليومَ مِئَة ألفِ رَكْعَةٍ؛ فإنه لا يمكنُ استعمالُ حكمِه، وليس يَحْتاجُ إلى بيانٍ؛ لأنه لم يَنْعَدِم (١) الإِمكانُ من طريقِ اللَّفظِ، لكِنْ من جهةِ عدم القدرةِ على الفعلِ، مثلَ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فنحن وإنْ عَلِمْنا معنى الحق إلا أنًا لا نعلمُ قَدْرَ الحق ولا نوعَه، فإنه يجوزُ أن يكونَ حق المالِ شُكْراً بالأبدانِ، ويجوزُ أن يكونَ مِقْداراً دونَ مِقْدارٍ، وقولِه ﷺ : "أُمِرْتُ أن اقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها، عَصَمُوا مِنِّي دماءَهم وأموالَهم إلا بحقَها" (٢)، وهذا مجملٌ لا يُعْلَمُ منه ما حقُها،

стр. 223

وقولِه أتعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لا ندري كمِ المال؟ وما المال الذي يبتغى به؟. فصل في حقيقةِ الذفَةِ التي تَحفَظُ الأموالَ والحقوقَ. وهي العَهْذ والأمانُ ومنه سُمي أهل الذَمَّةِ، وهم المعاهَدون، وهم في ذِمةِ الله، أي: في عهدهِ، وذِمَة فلانٍ: عهدُه. فصل في بيانِ المالِ حيث عرضَ ذكرُه ها هنا، وهو: ما يتناقله الناسُ في العادةِ بالعقودِ الشرعيَّةِ -لطلبِ الأرْباحِ والأكساب التي تلزم بها الأموال والحقوق والذَمَةُ- لرغباتِهم فيه، وانتفاعِهم به، مأخوذٌ من المَيلِ من يَدٍ إلى يَدٍ، وجانب إلى جانبِ، فإنك إن اقتصرتَ على قولِك: "المرغوب والمنتفَع به"، فإن الخمورً مرغوبٌ فيها، ومنتفَعٌ بها، وليست مالَاً. فإن قيل: المال ما يقَومُ بالإتلافِ، أو: قوبِلَ بالأعْواض، بطَلَ بدم الأحرارِ ومنافعِهم، وبالأبْضاع، فلا بد من ذكرِ المناقلةِ بالمعًاوَضاتِ التي يقْصَدُ بها الأرباح، ولاَ الرغْبَةُ تكفي وصفاً له، ولا المعاوَضةُ، حتى يَنضمَّ إلى ذلك ما ذَكَرْنا من المناقَلةِ لرغبةِ الأرباحِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 224

فصل في حقيقةِ البُضْعِ ولما جَرى ذكرُ الأبْضاعِ، وبالفقيهِ حاجة إلى معرفةِ حقيقتِها، اقتضتِ الحالُ ذكرَ حَدها وحقيقتِها، وهي: المنافعُ المستباحةُ بعَقْدِ النِّكاح دونَ عُضْوٍ مخصوص من فَرْجٍ أو غيرِه، على ما تَعْتَقِدُه المُتَفَقَهَةُ. والمُباضَعَةُ: مفاعلة من المُتْعَةِ به، والمتفقَهةُ تقولُ: منافعُ البُضْعَ. فصل في ما يقعُ به البيانُ وهو خمسةُ أشياءَ: القولُ، والكتابُ، والإِشارةُ، والفعلُ، والإقرارُ. فالقولُ: الكتابُ والسّنَةُ، ويترتَبُ عليه الإِجماعُ، والقياسُ (١). فالبيانُ من اللهِ تعالى يقعُ بالقولِ من جهةِ الكتاب بالآي التي عُرِفَتْ معانيها من ظاهرِها، مثل قولِه تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ثم بينَ المحرَّماتِ، وقال: ﴿لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ثم خَصَّ من المباحاتِ بعموم هذه الآيةِ باستثناء السُّنَةِ تحريمَ الأْختِ والعَمّةِ والخالةِ، على الَأختِ وبنتِ الاختِ وبنت الأخِ. ومثل قولِه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ

стр. 225

أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم بين السبيل، فقال ﷺ : "قد جعلَ الله لهن سبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ، وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيِّبِ جلدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ " (١). ومثل قولِه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، بيَّنَ ذلك في كتابهِ الذي كتَبه لعمروبن حَزْمٍ (٢) في الزكَواتِ والدِّياتِ (٣)، وكتابهِ الذي لأبي بكرٍ في

стр. 226

الصَّدقاتِ (١)، وكتابهِ الذي كتبَه إلى مَشْيَخَةِ جُهَيْنَةَ في جُلُودِ المَيْتَةِ قبلَ موتِه يُحرِّمُ فيه استعمالَها، وينهاهم عنها (٢). فبانَ بهذا أن كتابَه ﷺ يجري في البيانِ مَجْرى قولِه. وقد بَينَ الصلاةَ والحَج بفعلهِ، فقالَ للذي سألَه (٣): "صَلِّ مَعَنا" (٤)، وقال في الحَجِّ: "خُذُوا عَنَي" (٥)، فصارَ قَولُه وفعلُه وكتابُه بياناً. وأما الإِشارَةُ؛ فقولُه: "الشَّهْرُ هكذا وهكذا" (٦) وأشارَ بأصابِعهِ، وقد

стр. 227

أمرَ الله زكريًا بقوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ (١) فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١٠ - ١١]. وقد بين أيضاً بالإِقرار؛ فإنه لمًا أقر على قول سَمِعَهُ، فلم يُنْكِر، وفعلٍ رآه، فَلم يُنكرْه، فقد بينَ جوازَ ذلك؛ لأنه لا يُقِر على باطلٍ (٢). وقد بيَّنَ بالنًسخِ مُدةَ الحُكْمِ إلى حينِ نسخِه (٣).

стр. 228

فصل في التَرْتيبِ وُيحتاجُ إليه في أفعالِ العباداتِ المرتَبةِ، وفي تراتيب الأدلةِ حالَ الاجتهادِ، كترتيبِ السنه على القياسِ، والكتابِ على الَسَنةِ. وبيانُ معناه وحدُّه اعلم أن الترتيبَ: هو وضعُ الشيءِ في حقَه. وقيل: الترتيبُ: جعلُ الشيءِ في المكانِ الذي هو أوْلى به. وقيل: الترتيبُ: تَصْييرُ الشيءِ في المرْتَبَةِ التي هيَ له. فصل وإخراجُ الشيءِ عن مَرْتَبتِه بأحدِ ستَّة أقسام: التَّقديمِ، أو التأخيرِ، أو الرَّفعِ، أو الحَطِّ، أو الأخذِ يمينَاً أو شمالاً. وتغييرُ الكلام ستَةُ أقسام: زيادة، ونقصان، وقَلْب، وإبدال، وتقديم، وتأخير، فكَلُّ واحدٍ من هذه يُزيلُ الكلامَ عن ترتيبِه، ومرتبتِه فى الأصل. والقلبُ في الأصل: جعلُ الأعلى أسْفَلَ، والأسفلِ أعلى، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِلَ على تغييرِ الصُورةِ إلى الصورةِ.

стр. 229

فصل و البَدَل ، والِإبدال: رفع أحدِ الشيئين، ووضعُ الأخرِ مكانه قال سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]،، وقيل: التكفير بالشيءِ عن الشيءِ بَدَلٌ، وسميَ التيمم بدلاً عن الوضوء. ونظير التَرتيبِ: التَمييز، والتَصفيف (١)، والتأليف. ونقيضُ التَرتيبِ: التخليط، كما أن نقيضَ التَحصيلِ: التَحريف. فصل و الإِلْزامُ: هو التَعليقُ على الخَصْم ما لا يقولُ به بدَلالَةِ ما يقول به. والإِلزامُ: هو الجمعُ بينَ مذهبينِ من جهةِ أن أحدَهما يشهَدُ بِشَبهٍ بالأخَر؛ لِيُسَويَ بينهما المسؤولُ. وقيل: الإِلزامُ: هو المطالبةُ للخَصْمِ بما لا يقولُ به على مذهبٍ يقولُ به، وذلك في الأصولِ مثلُ قولِ المسلمِ لليهودي: إنما لَزم القولُ بصِدْقِ موسى؛ لقيام المُعْجِزِ على يدهِ شاهداً له، وهو خَرْق العادةِ، وقد انخرقت العادة على يدَيْ محمدٍ ﷺ ، فلَزِمَ تصديقه فيما جاءَ به من نسخِ السبْتِ. ومن الفقهِ: قد ثبتَ وجوبُ النَيةِ للتيَمم لتحقيقِ التَعبدِ، وهذا موجودٌ في الماء، فيَلْزَمُ له النيةُ، وَيجيءُ استيفاءُ ذلك في الجَدَل (٢) إن شاءَ الله.

стр. 230

فصل في الاتًفاقِ والاختلافِ اعلم أن الاتًفاقَ والاختلافَ على ضَرْبَيْنِ: ما يرجعُ إلى الذَواتِ، وما يرجعُ إلى المذاهبِ والآراءِ والاعتقاداتِ. فالاتِّفاقُ والاختلافُ الراجعُ إلى الذواتِ: الاتَفاقُ والاختلافُ في الأجناسِ، فكلُّ جِنْسٍ، هو مخالفٌ لغيرِه من الأجناسِ، ومتَفِقٌ في نفسِه؛ إذ كان الجنسُ الجملةَ المتَفقةَ الأجزاءِ، والجزءُ من الجنسِ موافقٌ للجزءِ الأخَرِ بنفسِه، ومخالِف لغيرِه من الأجناسِ بنفسِه، والمعتبَرُ في الاتفاقِ أن يَسُد أحدُ الشيئينِ مَسَدَّ الاَخَرِ. والاتفاقُ الراجعُ إلى الآراءِ والمذاهب والاعتقاداتِ: هو الإِجماعُ على الرَّأيِ، أو المذهبِ، أو الاعتقادِ. وقيل: ذهابُ كلِّ واحدٍ من المتَفِقِينَ إلى ما ذهبَ إليه الأخَرُ. وقيل: التَواطؤ على الاعتقادِ أو الاختيارِ، أو المذهبِ. فصل والاختلافُ في الذواتِ المعتبرُ فيه: أن لا يَصِحَّ أن يَسُد أحدُهما مَسَد الآخَرِ، وقد تَعْتَرِضُ فصولٌ تُخْرِجُ الجنسَ الواحدَ أن يَسُدً بعضُه مَسَد الاَخَرِ، فالمعتبرُ في ذلك رفعُ تلك الفصولِ عن الأوهام، وهي الأعراضُ العارضةُ، كالصُّورِ، والطُّعومِ، فإذا أزَلْتَها عن الوَهمِ، سَدتْ أجزاءُ الجنسِ بعضُها مَسد بعضٍ.

стр. 231

فصل فيما يدخلُ عليه لفظُ: "أفْعلُ "، وليس ممَّا يقبلُ التَّزايُدَ في نفسِه . مِن ذلك قولُهم: زيدٌ أعلمُ من عَمْرٍو. حسن أحْسَنُ من حسينٍ. وقولُهم: قبيحٌ أقبحُ من قبيحٍ. وإنما نَعْنِي به أن زيداً يعلمُ معلوماتٍ أكثرَ من معلوماتِ عمرٍو؛ إذ لا يجوزُ أن يَرْجِعَ إلى عِلْم زيدٍ بأن خالداً قائمٌ، وعمرٌو أعلم به من ذلك المعلوم، ولا أن عَمْرا يعلمُ أن القَارَ اسود، وزيدٌ أعلمُ بذلك منه، إذ ليسَ في قولِنا: إن العلمَ معرفةُ المعلوم على ما هو به مايَحتمِلُ أن يزيدَ عليه علمٌ آخر، فيكون معرفة الَمعلومِ زيادةً على ما هو به، أو غيرَ ذلك. وكذلك قولنا: إن هذا الجسْمَ قائمٌ بنفسِه، لا يَحتمِل التزايدَ في أن جسماً آخَرَ اقوَمُ بنفسِه منه، ولَمَّا قالت العربُ: أجسَم، فأدخلَت عليه لَفْظَةَ: "أفعل" على أنها أرادتْ بالجسمِ المُؤلَّفَ، وأدخلتِ التَّزايدَ بلفظةِ: "أفعل" على ما يتزايدُ، وهو كَثْرة التَّأليفِ بكثرةِ الأجزاءِ المؤلَّفةِ. وقولُنا: حسَنٌ وأحْسَنُ منه، يُرادُ به: أن الأحْسَنَ ما أُمِرنْا به من الثَّناءِ والمَدْحِ لمن فعلَ الحَسَن، أُمِرْنا باوفَرَ منه وأكثرَ لمن فعلَ ما قيلَ: إنه الأحْسَنُ، ومن قيل: إنه فعلَ حَسَناً ما، لا الأحسنَ، هو الذي أنقصُ رتبةً ممَّن فعلَ الأحسنَ، وهو الذي يستحقُّ بوعدِ الله سبحانه من المدحِ والثناءِ والتعظيمِ عليه أقلَّ. فصل وأما قولُنا في أحدِ القبيحينِ: إنه أقبحُ، أنَّ ما يُقابَلُ عليه من الذمِّ

стр. 232

والانتقام والامتهانِ أكثرُ وأوفرُ، وهذا يرجعُ إلى أصلٍ، وهو: أن التَقبيحَ إلىَ الشَّرع والتَّحسينَ إليه، فإذا رأيْنا مضاعفةَ الأجرِ، والثناءَ، والوَعْدَ والشهادةَ بالفَضلِ، لمن فعلَ حَسَناً ممًا حَسَّه، ورأيْنا ما هو دونَ ذلك في حَسَنٍ آخَرَ، عَلِمْنا أنه أبلغُ في باب الحُسْنِ، وكذلك الذمُّ. فصل في الفَرْقِ بين مذهب أهل السنه -وهم الفقهاءُ وأصحابُ الحديث- وبين مذهب المتكلمَين في كونِ الحسَنِ ما حَسَّنَه الشَرعُ، والقبيحِ ما قَبَّحَه الشَرعُ عند أهلِ السنةِ، وكونِ القبيحِ قبيحاً بمعنى يعودُ إلى النفْسِ، والحَسَنِ [حَسناً] (١) بمعنىً (٢) يعودُ إلى النفس: أن أهلَ السنةِ قالوا: إن الشرعَ إذا أباحَ شيئاً، أو أمرَ به فأوجبَه أو ندبَ إليه، عَلِمنا أنه الحسَنُ، وكذلك إذا مَدَحَ عليه، ووَعَدَ بالنَعيم لفاعِله، كالصَلاة، والصَيامِ، والصَدقةِ، وبِر الوالِدْينِ، وما يُشاكِلُ ذلكَ أيضاً من ذَبْحِ الحيوانِ، وقتلِ الآباءِ في الجهادِ، ولأجْلِ (٣) سَبِّ (٤) النبيِّ ﵊، وهذه الأمورُ تأباها العقولُ بفِطرَتِها، لكنْ لَمَّا وردَ الشرعُ بتحسينِها، حَكَمْنا بحُسْنِها. وإذا حَظَرَ شيئاً وحَرَّمَهُ، وزجرَ عنه، وتَوَعدَ (٥) عليه بالنَّارِ، فهو

стр. 233

القبيحُ، وإن كان العقلُ لا يَأْباهُ ولا يُقَبحُه، كالفِرارِ من الزَحْفِ لحِفْظِ النفسِ وخَوَرِها، وكذلك بَيْعُ درهمٍ بدرهميْنِ بطِيب قلب ورضا نفسٍ، وكذلك قَبحَ قومُ شعيبِ نَهْيَهُم (١) عن ذلك، فقالواَ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ (٢) مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وقال المخالفون: إنا نجدُ القَبيحَ من ذاتِ الشيءِ، فإذا كان في نفسِه على صفةٍ يَذُمها العقلُ وُينكِرها؛ فذلك هو القبيح، وذلك كالظلمِ، وعقوقِ الوالدينِ، وكُفْرانِ النَعَمِ، والفسادِ، وما يُودي إلى الفسادِ. والأحسنُ نجدُه من نفوسِنا، وكذلك الأقبحُ، فنجدُ الإِساءَةَ إلى الجارِ قبيحةً، والتَأفيفَ الدال على الضجَرِ من الوالدينِ قبيحةً، والإِساءةَ إلى الوالدين أقبحَ من الإِساءةِ إلى الجارِ، وضَرْبَ الوالدينِ أقبحَ من التأفيفِ. قالوا: و [لو] (٣) لم يكُ في العقلِ تزايدُ ذلك، لَمَا عَقَلْنا التَنْبيهَ على المنعِ من الضرب بالنَهيِ عن التأفيفِ، فلو لم يكنْ في النفسِ مايَزِن ذلك وُينْزِلُ كل واَحدٍ منهما منزلةً تَخُصهُ لَمَا عَقَلنا بالنَهيِ عن التأفيفِ النهيَ عن الشَتْمَ والضربِ (٤).

стр. 234

فصل في الِإشارة إلى الدَّلالةِ بحَسَب الكتابِ ، ولولا أنه ليس بموضِعِه لأطَلْتُ، لكنْ نذكرُ ما يليقُ بهذا اَلكتابِ، فنقول- وبالله التوفيقُ-: إنه لا يخلو أنَّ دعواكم حُسْنَ الحَسَنِ وقُبْحَ القبيحِ بالعقلِ معنىً علمتموه ضرورة من جهة العقلِ، أو بالاستدلال. فلا تجوز دعوى الضَّرورةِ، لأننا وكثيراً (١) من العقلاءِ مخالفون في ذلك، وقائلون بأنَّا لا نعلمُ شيئاً من ذلك إلا بالسَّمْعِ، ولو جازَ أن يختلفَ العقلاءُ فيما هو معلومٌ ضرورةً، لاختلفوا في حُسْنِ العَدْلِ، وشُكْرِ المُنْعِمِ، فقال بعضُهم: إنه قبيحٌ، وحَسَّنَه بعضُهم، فلمَّا لم يختلفوا في حُسْنِ العدلِ وقبحِ الظُلمِ، ولم يَجْرِ وقوعُ الخلافِ في ذلك، ووقعَ الخلافُ في طريقِ التَحسينِ، فقال قومٌ: هو السمعُ، وقال قومٌ: هو العقلُ، بطَلَ دعوى العلمِ بذلك من جهةِ الضَّرورةِ. فإن قيل: الخلافُ قد يقعُ عناداً كما عانَدَتِ السوفسطَائيةُ (٢) في جَحْدِ الحقائقِ، ودَرْكِ الحواسِّ. قيل: فهذا أمرٌ لا يَخْتَصُّنا، ولَئِنْ جازَ مثلُ ذلك في حقِّنا وانَّا نعاندُ

стр. 235

ما نجدُه من تحسينِ العقلِ، جازَ ذلك في حقِّكم من معاندةِ ما اعتقدناه من أن التحسينَ ليس إلَا من جهةِ السمعِ. ولا يجوزُ أن يكونَ من جهةِ الاستدلالِ بأدلةِ العقلِ، لأننا وإياكم في النَظَرِ والاستدلالِ سواءٌ، فلو جازَ دعوى التقصيرِ منَا في أدلَةِ العقلِ إلى أن يُفْضِيَ بنا ذلك إلى جَحْدِ القبيحِ والحَسَنِ المؤدي إليها والعلم بها دليلُ العقلِ، لجازَ أن يذهبَ بعضُ النَاظرينَ المستدلِّينَ إلى قُبْحِ العدلِ وحُسْنِ كُفْرِ المُنْعم (١)؛ لقصورِه في النَظرِ. وعلى انَا على ما كُنَّا نجدُه في نفوسِنا من إيلامِ الحيوانِ، وقتل الآباءِ والأولادِ، وقطعِ الأرحام؛ لأجلِ الكُفْرِ، ونكابدُ نفوسَنا في إيقاع ذلك مكابدةً نجدُها في نفوسِنَا نجدُها اليومَ بعدَ استقرارِ الشَرعٍ، ولاَ عِبْرَةَ بها؛ لأجل أن الشَرعَ حَسنَها، كذلك قبلَ الشرع، ومن هان عليه ذلك هانَ باستمرارِ العادةِ لا بتحسينِ العقولِ، كالقَصًابينَ والمُحارِبينَ الذين صارَ ذَبْحُ الحيوانِ عندَهم كتجارةٍ، أو تفصيلِ ثوبٍ، والمحاربة كَتَشْنيخ (٢) شجرةٍ، أو رميٍ إلى هَدَفٍ، ومع ذلك فلا عِبْرةَ بما نجدُه من ذلكَ معِ تحسينِ الشرع له، والأمرِ ببعضِه، وجعلِه في الهدايا والجهادِ قُرْبةَ وطاعةً، ومعلومٌ أَن هذا من أبعدِ المنافاةِ ما بين كونِه في فِطْرَةِ العقلِ قبيحاً إلى كونِه في الشَرعِ حَسَناً وطاعةً وقُرْبةً. وأما الِإشارُة إلى النَهيِ عن التأفيفِ، فلِعِلْمِنا بأن النهيَ لأجلِ نفيِ المَضَرةِ، ولسنا نقولُ: إنَّا لا نعلمُ بالعقلِ مراتبَ الإِساءةِ، فلما

стр. 236

نَهَى عن ادناها -ونحنُ نعلمُ بالعقلِ أعلاها-، عَلِمْنا قبحَ الأدنى والأعلى بنهيهِ لا بعقولِنا، وعلمنا مقاديرَ المضارِّ بعقولِنا، وتفاوت ما بينَ الإِضْرارِ بالتضَجرِ والتَبَرّمِ، والإِضرارِ بالشَتْمِ والضربِ.

стр. 237

فصل في الرأيِ وهو مما عليه المدار في القِياسِ. اعلم أن الرايَ: هو استخراج حالِ العاقبةِ. وقيل: استخراج صوابِ العاقبةِ (١). وقيل: هو نهاية الفِكْرِ (٢)، وهو لإِدراكِ العواقبِ، كالرويةِ لدَرْكِ الشاهد الحاضر، والارتياء: تَجاذب الرأْيَيْنِ. فصل في الحَقِّ وهو (٣): اسمٌ مشترَكٌ بين الموجودِ الثَّابتِ، وبين الواجب اللَّازمِ، وبين نقيضِ الباطلِ، وهو الصوابُ في القَوْلِ والاعتقادِ. فأما الموجود: فهو من تسميةِ الباري بأنَّه حَقٌّ، من قولِه: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، ومنه قولُ النبيِّ ﵊:

стр. 238

"أشهدُ أنك حقٌ، وأن الساعةَ حقٌ، وأن الجَنَةَ حق، والنارَ حقٌّ، والعَرْضَ حقُ، والسِّحْرَ حقٌّ" (١)، والمرادُ بذلك: ثابت وكائنٌ؛ ولذلك خَلَطَ به السحرَ، وإن كان باطلاً لا حَقّاً، لا بمعنى أنه صوابٌ، لكن [بمعنى] (٢) أنه كائن وموجودٌ، وليس بمنفيٍّ على ما قاله نُفاةُ السحر. ويحتملُ أن يكونَ قولُ النبيِّ ﷺ : "وأن السَّاعةَ حق، والنارَ حقٌّ، والجَنَّةَ حقٌّ"، المرادُ به: ضِد الباطلِ، لا نفسُ الوجودِ؛ لأنها من المخبَراتِ والوَعْدِ، فإذا قال: هي حقٌّ، كأنه قال: إخبارُ الله بها حقٌّ، ووعدُ الله ووعيدُه حق، وقال سبحانه: ﴿لِيَعْلَمُوا (٣) أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف: ٢١]، يقال: حَقَقْت الشيءَ (٤) وأحْقَقْتُه، فهو حَق: إذا كنتَ منه على يقينٍ.

стр. 239

وأما الحقُّ الواجبُ، وحَقَّ بمعنى: وَجَبَ، من قولِه سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩]، وجَبَ ووَجَبَتْ، ونقول: حُقَّ لك أن تفعلَ، وحَقِيقٌ بك أن تفعلَ، وعليك؛ يعني: واجبٌ لك، وواجبٌ عليك. والحقُّ مصدرٌ أُقيمَ مَقامَ الصِّفَةِ، ومعناه: ذو الحقِّ، والعربُ تُسَمَّي الفاعلَ والمفعولَ بالمصدرِ تكثيراً، يقالُ: رجلٌ عَدْل ورضاً، بمعنى: عادِلٌ ومَرْضِيٌّ، كما أنشدونا: ترْعَى إذا غَفَلَت حتَى إذا ادَّكَرَتْ ..... فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإدْبارُ (١) يعنون: فإنما هي مقبلةٌ مدبره (٢)، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، والمرادُ به: البارُّ، أو: البِرُ بِرُّ مَنْ امنَ بالله (٣).

стр. 240

فصل والحَق: أعَم من الملكِ؛ لأنه يَعُمُّ الديونَ والأملاكَ، والملكُ يَخُصُ الأعيانَ. وَيعُم الحق الأموالَ وغيرَها؛ فإنه يدخلُ فيه الدَماءً، والفُرُوجُ، ومنافعً الأحرارِ، والعقوباتً، والعباداتً، فكل ذلك لله سبحانه وللآدَمِيِّينَ. والملكً يختصُ الأعيانَ والأموالَ خاصَةً فصل في الكُلِّ وهي كلمةٌ من بعضِ ألفاظِ العمومِ، فلا بًدَ للأصولى (١) من معرفتِها، وهي: الجملةُ التامةُ. وكلٌّ: أعم العموم (٢)، فلا يدخلً إلا على الأَعم، ولا يدخلً على أخَص الخصوصِ، ولكَنَها في العمومِ على طبقاتِه، مثلً قولِك: كلُّ الناسِ، ثم تقول: كلُّ بني هاشمٍ. ونظيرُ كلٍّ: الجميعُ. فأمَّا العمومُ والاشتمالً والاستغراقُ والِإحاطةً فإنها لا تًستَعْمَلُ استعمالَ كل، وإنْ كانَ فيها معناهُ.

стр. 241

فصل والفَرْقُ بينَ إضافةِ كُلٍّ إلى الجِنْسِ، وبينَ إضافتِه إلى الواحدِ من الجنسِ؛ أنَ معنى الجزءِ في الجنسِ يجبُ للجميعِ، وفي واحدٍ يجبُ لكلِّ واحدٍ من الجميعِ؛ مثالُ ذلك قولُك: [كل] (١) القُيام في الدَّارِ لهم درهمٌ، فالدرهم الواحدُ مشترَكٌ بين القُيَّام كلِّهم، وإذا قلَتَ: كل قائمٍ في الدارِ فله درهمٌ. فالدراهم بعِدةِ القيامِ في الدارِ. فصل في البَعْضِ والبعضُ: هو النَاقصُ من الجملة، وهو نقيضُ الكُل، ويقال: هو الناقصُ عن الجملة التَامةِ. والجزءُ، والشَطْرُ، والثُّلْثُ، والربْعُ، وكُلُّ جزءٍ ينسبُ إلى الجملة، فهو بعضُه في الحقيقة. فصل في الذَّنْبِ وهو التَأخرُ عن الواجب، قال الزَّجاجُ (٢): أصلُه من اشتقاق آخرِ الشيءِ. والجُرْمُ، والمعصيةُ، والخطيئةُ نظائرُ الذَنبِ.

стр. 242

فصل في حَدَ النًسْخِ وحقيقتِه (١) وهو في أصل اللُّغةِ: الرفْعُ والإِزالةُ، قالوا: نسخت الشَمسُ الظلَّ، ونسخت الريحُ الآثارَ، بمعنى: رَفَعَتْها. وهوعلى المعنى في الشَرع، لكنَه رفعٌ مخصوصٌ، فيقعُ بمعنى: رفعِ الحُكْم رأساً، ويقعُ على وجه التَبديلِ للحكم، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]،، وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننْسأها (٢) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]،، وهذا صريحُ التَبديلِ ومعناه. فتحقيقُ حده على مذهب أصحابنا وأهلِ السنه: أنه المبدلُ لحكمٍ ثبتَ، ولولا ورودُه لكان ثابتاً. وقد اختلف الناسُ في تحديده، وخَلطَ قومٌ من الفقهاء كلامَهم بكلام القَدَرِيةِ، وأنا أذكرُ في هذا الكتابِ حدودَ أهلِ الكلام مِمَّن

стр. 243

خالفَ السُّنَةَ لتُجتنبَ، وليمتازَ الحقُّ عندنا من باطلهم، ولِئَلَا يغتر المبتدىءُ بما يجدُه في كتبهم، فإنه قد يُفضي إلى فسادٍ في الأصل لايعلمُه: فقالت القَدرِيةُ، ومَنْ تابعَهم إما قَصْداً، وإمَّا جهلًا بمذهبهم: إن حَدَّه ومعناه: أنه النص الدالُّ على أن مِثْلَ الحكمِ الثابتِ بالنص المتقدمِ زائلٌ على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً (١). وقال بعضُهم أيضاً: إنه الدالُّ على أن مثل الحكمٍ الثابتِ بالمنسوخِ غيرُ ثابتٍ في المستقبل، على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً بالنصِّ الأولَ (٢). وزادَ فيه آخرون: بأنه ما دَلَّ على سقوطِ مثلِ الحكمِ الثابتِ بالنَّصِّ الأولَ، مع تراخيه عنه (٣). وقال بعضُ الفقهاءِ: حَدُّه: أنه بيانُ مُدَّةِ انقطاعِ العبادةِ. وكلُّ هذه الحدودِ باطلةٌ ومجانِبةٌ لمعنى النَسْخِ بما نُبَيِّنُ إن شاءَ الله. فصل وإنما عَدَلت القدريَّةُ إلى تحديد النَّسخِ بهذه العباراتِ؛

стр. 244

لاعتقادهم أنَ الله لا يَصِح أن يَنْهى عن شيءٍ أمرَ به بعدَ أمرِه به؛ لأن ذلك- على ما زعموا هم واليهودُ (١) - عينُ البَداءِ أو يوجبُ البَداءَ (٢)، أو أن يكون الحَسَنُ قبيحاً، والطَاعةُ عصياناً، والمرادُ مكروهاً، وأنَّ ذلك لا يقعُ إلا عن سفيهٍ، لا عن حكيمٍ، وطَوَّلوا القولَ في ذلك بناءً على ذلك الأصلِ، وأنه لا يجوزُ أن يَنْهى عما أمرَ به، ولا يُريدُ كونَ مانهى عنه. فمن اتَّبَعَهم في الحدِّ انساقَ به تحديدهُ إلى هذا الأصلِ، وإنما سلكَه من الفقهاء مَنْ نقلَ من صحيفةٍ، أو أعجبه بالبادرة صورةُ اللَّفظِ واختصارُه، من غير رَوَيةٍ ولا معرفةٍ بما يُفضي إليه (٣). فصل في تصحيح حدِّنا، وبيانِ سلامتِه والذي نختارُه في حدِّ النَسخِ ومعناه: أنه الخطابُ الدالُّ على ارتفاعِ الحكمِ الثابتِ بالخطاب المتقدِّمِ، على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً

стр. 245

به، مع تراخيه عنه (١). والدَلالةُ على ذلك: أنه لو لم يكنْ رفعاً للخطاب المتقدمِ، لم يكن نسخاً ولا إزالةً، لكنه كان ما دل عليه حكماً مبتدأً غيرَ مزيلٍ لحكمٍ ثبتَ. فصل في (٢) بيان كل وصفٍ من الحدّ الذي اخترناه، وتأثيرهِ في الخصيصة. إنما قلنا: الخطابُ المزيلُ لحكم خطابٍ تقدَّمَ، ولم نقلْ: النصُّ المزيلُ لحكم نص تقدمَ؛ لأن الخطابَ يثبتُ به الحكمُ ويزولُ، وإن لم يكنْ نصاً، مثل أن يكون لَحْناً، وفحوىً، ومفهوماً، ودليلَ خطابٍ، فإذا قلنا: الخطابُ، دخلَ النصُّ، وإذا قلنا: النصُّ، خرجَ جميع ما ذكرنا من المفهومِ والفحوى والدليلِ واللحنِ. وأيضاً فإن السَّمعَ الواردَ بوجوب العباداتِ التي الذِّمَمُ منها بريئةٌ في العقلِ مزيل لحكم العقلِ، وليسَ بنسخ له؛ لأنه مزيل لما ليس هو من حكمِ الخطابِ، فثبتَ صحَةُ قولِنا. وإنما قلنا: ما دلَّ على زوال الحكمِ وارتفاعِ الحكمِ الثابتِ،

стр. 246

بدلًا من قولنا: ما دلَّ على ارتفاع الأمرِ بالشيءِ بعدَ استقرارِه، وزوالِ النَّهي عنه بعد ثبوتِه، أو الإِباحةِ، أو الحَظْرِ؛ لأن قولنا: زوالُ الحكم، أو ارتفاع الحكمِ، يدخلُ فيه المأمور به، والمنهى عنه، والمندوب إليه، وذِكْر الأمرِ ذكرٌ للأخصِّ، فيَسْقطُ ما ليس بأمرٍ ممَّا هو فرضٌ وندبٌ وإباحةٌ وحظرٌ، فاللَّفظُ الذي لا يَسْقُط معه ولا يَخرُجُ بعض الأحكام أحسن من اللَّفظِ الذي يَخًص، فيسقِطُ ويخرِجُ ما لا بد من دخولِه، فبان أن قولَنا: الرافعُ للحكم، أوْلى من قولهم: الرافع لمأمورٍ به. وأما قولُنا: على وجهٍ لولاه لكان حكمُ الخطاب الأولِ ثابتاً؛ لأنه لو لم يكنِ الحكم ثابتاً بالخطاب الأولِ لولا ورودُ الثَاني، لكان ما ثبتَ بالثاني حكماً مبتدأً، ولم يكنْ رافعاً لحكم الخطابِ الأولِ. ويدلُّ على هذا أنه لو كان الخطاب المتضمِّنُ للحكم مفيداً لوقتٍ محدودٍ، وقد وقِّتَتِ العبادة به، ثم وردَ بعد تَقَضَي وقتهِ خطاب آخرُ مُسقِطٌ لمثل حكمِه، لم يكنْ عند أحد نسخاً لحكم الخطاب الأولِ، وذلك نحو قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا يفيد الصيامَ إلى حين دُخولِ الليلِ، ولا يفيدُ وجوبَه في الليلِ، فلو قال: إذا دخلَ الليل فلا تصُمْ في الليل، لم يكن نسخاً؛ لأنه لم يزِلْ حكماً لولا ورودُه لكان ثابتاً بحقِّ الخطابِ المتقدم، فوجبَ لذلك اشتراط ذلك في الحَدَ. وإنما قلنا: مع تراخيه عن الخطاب المتقدِّيمِ؛ لأنه لو وَرَدَ معه ومقترناً به، لم يكنْ مزيلاً لشيءٍ ثَبَتَ بالأمرِ باتفاقٍ، ولا مُنبئاً عن انقطاع عبادةٍ ثبتت به، ذلك نحو أن يقول: صُمْ إلى الليل، فإذا دخلَ

стр. 247

الليلُ فَلا تَصُمْ ولا صيامَ عليك، ليس بمزيلٍ لحكم ثبتَ بقوله: صُمْ إلى الليل، فلو أطلقَ الأمرَ بالصيام، أو دل دليل على أن المرادَ بفرض الصيام زَمَنُ الليلِ والنهارِ جميعاً، ووردَ ذلك واستقرَّ، ثم قال له: لا تصمْ فَي الليل، فقد أسْقَطْتُ ذلك عنك، كان نسخاً؛ لأنه قد أزالَ حكماً ثبتَ بالخطاب المتقدمِ مع تراخيه عنه وبَعْدَ ورودِه واستقرارِه. فهذا هو الحدُّ الذي اخترناه. وسائرُ المعتزلةِ تأبى هذا الحدً لمخالفتِه أصولَهم، فالدَلالةُ على فساد حدودِهم التي قَدمْنا ذكرَها: أننا إذا كنا قد بَينَا أن النسخَ هو الإِزالةُ؛ وجبَ أن لا يصحَّ تحديدُه إلا بما ذكرناه دونَ جميعِ ما قالوه؛ لأنه يصيرُ تحديدهُ بذلك أجنبياً من معنى النسخ، لأنه إذا قيل: حَدُه الخطابُ الدَالُ على ارتفاعِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ، أو الدالُ على انقطاعِ مدةِ العبادةِ (١)، أو الدالُ على سقوط مثلِ ما تضمَنَه الخطابُ الأولُ في المستقبلِ، وأمثالُ ذلك مما هو [في] (٢) معناه، وجبَ أن لا يكون الناسخُ رافعاً ولا مزيلاً لشيءٍ مما ثبتَ بالخطاب الأولِ؛ لأن مثلَ ما ثبتَ به غَيْرُه، ولم يثبتْ قَطُّ بخطابِ أولَ، فيزولَ بالثاني، وليسَ ما أزالَ مِثْل الشيءِ ورَفَعَه مزيلًا لنفسَ الشيءِ، ولو كان مثلُ هذا نسخاً، لكان كلُّ خطابٍ ابْتُدِىءَ به إثبات عبارةٍ نسخاً لحكم خطابٍ آخرَ، وإن لم يكنْ بينهما تنافٍ في الحكم، ولم يكن أحدُهما رافعاً لشيءٍ ثبتَ بالاَخَرِ، وإذا بطَل؛ بطلَ ما قالوه.

стр. 248

وأيضاً ممَّا يدلُّ على فساد قولِهم؛ أنهم قد قالوا: إنه ما دلَّ على زوال مثلِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ على وجهٍ لولا ورودُه لكان ثابتاً بالخطاب الأوَّلِ، وهذا تَصريحٌ منهم بأن الناسخَ يُزيلُ ما ثبتَ بالخطاب الأولِ، ولولا ورودُ الثاني لكان ما أزالَه ثابتاً بالخطاب الأولِ، وهم كلُّهم يقولون: ما أزالَه الناسخُ ما ثبتَ قَطُّ -على قولهم- بالخطاب الأول، ولا دخلَ تحتَهُ، ولو تَضَمَّنه ودخلَ تحتَه لم يَجُزْ رفعُه وإزالتُه؛ لأنه يُوجِبُ بزعمهم جميعَ ما ادَّعَوْه من الِإحالةِ في صفةِ الله ، وهذه مناقضةٌ ظاهرةٌ، فإذا كان لا بدَّ من الثبوت على مُوجَبِ قولِهم: لولا ورودُ الناسخِ لكان الحكم ثابتاً بالخطاب المتقدِّمِ، وجبَ لا مَحالَةَ دخولُ ما رفعَه الناسخُ تحت الخطابِ المتقدِّم، ورفعُه بعد ذلك بما أزالَه ونسخَه، وهذا ما لا حيلةَ لهم في دفعه، ولا شُبْهَةَ في تناقض كلامِهم فيه. فصل فأما قولُ مَنْ قال: حدُّه: أنه الدالُّ أو المبينُ عن مُدَّةِ العبادة، أو عن زمن انقطاع العبادةِ، فإنه قولٌ ظاهرُ السقوطِ؛ لأنه يوجبُ أن يكونَ قولُه: صُمْ إلىَ الليل، فإذا دخلَ الليلُ فلا تَصُمْ، نسخاً لقوله: صمِ اللَّيلَ؛ لأنه بيانٌ عن مدَّةِ زمنِ العبادةِ وعن انقطاعِها، بل كان يجبُ أن يكونَ قولُه: صم إلى الليل، نسخاً لقوله: صم؛ لأنه قولٌ فيه إثبات العبادةِ، وبيان مدَّتِها وزمنِ انقطاعِها، وذلك باطلٌ باتِّفاقٍ، فسقطَ ما قالوه. وإن ضَمُّوا إلى ذلك أن يقولوا: الدال على مدةِ انقطاع العبادة، أو سقوطِ مثلِها، مع تَراخيه عن الحطاب المتقدِّمِ، دخل عَليهم ما

стр. 249

أَفْسَدْنا به قولَ مَنْ قَبْلَهم بعينهِ؛ لأنّ [زمنَ] (١) العبادةِ التي دل على انقطاعها الخطابُ المُتراخي، لم يدخلْ قطُّ في الخطاب (٢) الأولِ، ولا تَضَمَّنَه، فكيف يكونُ الثاني رافعاً له؟ فبطَلَ ما قالوه. والذي يدل على سقوطِ هذا الحد وإبطالِه على أصولنا: أننا نُجَوزُ نسخَ العبادةِ الواحدةِ والفعلِ الواحدِ قبل دخولِ وقتِهِ، وإن لم تكنْ إزالةُ حكمِه بياناً لسقوطِ أمثالِه، ولا بياناً لانقطاع مدةِ التَعَبُدِ به، أو التَّعبُدِ بسقوط أمثالِه، فبطلَ ما قالوه في حدِّ النسخ من كلِّ وجهٍ، وثبتَ بذلك: أن كل نسخٍ لحكمٍ في الشَّرعِ، إن كان نسخاً لفعل واحدٍ، أو بعضِ جملةٍ دخلَت تحتَ خطابٍ متقدِّمٍ، أو دليلٍ على تَكْرارِ العبادةِ، فإنه رفع لما ثبتَ بالخطابَ المتقدم قبلَ دخولِ وقتِه، وهذا واضحٌ لا إشكالَ فيه. وسنبينُ جوازَ نسخِ الشيءِ قبلَ وقتِه في مسائل الخلافِ من الكتاب (٣)، إن شاءَ الله. فصل في بيان قولِنا: نَسَخَ، على وزن: فَعَلَ (٤). أعلم أن هذا القولَ يقعُ على ناصب الدً ليلِ على رَفْعِ الحكمِ الثابتِ بالخطاب، ويقعُ أيضاً على الدليلِ الرافعِ لحكم الخطابِ

стр. 250

الأولِ، ويجري أيضاً على مُعْتَقِدِ جوازِ نسخِ الشَيء بغيرِه، وقد يقعُ ويجري أيضاً على حكم الخطاب الثاني الرافعِ لحكم الخطابِ الأولِ، فهذا جملةُ ما تستعملُ هذهَ اللفظةُ فيه. والدَّلالةُ على استعمالهم لها في ذلك اجْمَعَ: إجماعُ العلماءِ أن الله سبحانه نسخَ حكمَ آية االسيف (١)، ونسخ كذا، ونسخ كذا، بمعنى: أنه نصبَ الدليلَ على رفع الحكمِ الثابت بالخطاب المتقدمِ. ويقولون أيضاً: نسختِ الآيةُ إلسنَةَ، ونسختِ السّنَةُ الآيةَ، يريدون؛ أنها دالةٌ على زوال الحكمِ الأول. وُيقال: نُسِخَ صومُ عاشوراءَ بصوم رمضانَ، ونُسِخَتِ الوَصيةُ للوالدَيْن (٢) بالميراث (٣)، ويريدون بذلك: أنه رفعَ حكماً ثابتاً قبلَ
следующие страницы →