← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

فصلٌ في حجتنا وهي أنَّ إحالةَ اجتماعِ الكفارِ على إتيانِ الكذبِ، مع كثرةِ الأعدادِ، واختلافِ الأمزجةِ والطباعِ، فصارَ كإحالةِ اجتماعِهم على حبِّ الحموضةِ أو الحلاوةِ في ساعةٍ واحدةٍ، أو يومٍ واحد، وهذا أمرٌ لا، يختلف باختلاف الأديانِ، كما لا يختلفُ باختلافِ السنِّ بعدَ التساوي في البلوغِ، والعقلِ الذي يصحُّ معه توخي الصدقِ. وأيضاً: فإنَّ العددَ المعتبرَ، لو جازَ أن يَقبلَ اعتبارَ زيادةِ صفةِ نفي الإسلامِ أو العدالةِ، لجازَ أن يَقبلَ الزيادةَ في العددِ؛ بحيث يقوى بزيادة (١) مئةٍ أخرى (٢). فصلٌ في شبههم الكفرُ عرضةُ الكذبِ، والتحريفِ في القول، والإسلام مناطُ الصدقِ، والتحقيقِ في القولِ، ولهذه العلة اختص المسلمونَ بالقطعِ بإجماعهم، كذلكَ وجبَ أن يختص العلمُ القطعي بتواترِ أخبارِهم،

стр. 1997

والآحادُ عرضةُ تجويزِ الكذبِ. فيقال: إنَّما تقوى بالصفةِ الآحادُ؛ ليغلبَ على الظنِّ صدقُ المخبرين، فأمَّا عددُ التواترِ؛ فإنَّ الإحالةَ للتواطؤ كافية عن اعتبارِ الصفاتِ الزائدةِ على المعتبرِ من العقلِ، وسلامةِ الحواسِّ التي يحال بالإدراك عليها، وقد وطن لمثل هذا جماعة من الفقهاء المالكيةِ والحنابلةِ في شهادة الصبيان في الجراح، فلم يعتبروا البلوغ، إذا جاؤوا مجتمعين قبلَ أن يمضيَ زمان يتهمون فيه بالتعليم لهم أو التواطؤ، فللاجتماع، وعدم تجويزِ التواطؤ، عمل وتأثير يغني عن اعتبارِ صفاتِ المخبرين؛ لبُعْدِ التُّهْمةِ في ذلك. على أنَّا نجدُ من نفوسِنا العلم بإخبار العددِ الكثيرِ وإن كانوا كفاراً؛ بحيث لا يورثُنا كفرُهم شكاً في خبرِهم، مع توفيرِ عددِهم، واستحالةِ تواطئهم على الكذب. وأما الإجماع، فإنما صار حجة معصومةً بالشرع، والشرعُ خصَّ ذلكَ بقوم مخصوصين بالإسلام، والاجتهادِ، والعدالةِ، مع البلوغ والعقل، وليس كذلك الأخبارُ، فإنها توجب العلمَ من طريقِ العادةِ، وما طريقهُ العادةُ، لا يختلفُ فيه المسلمونَ والكفارُ. ومنها: أن قالوا: لو كانَ العلمُ يقع بتواترهم، لوجب أن يقعَ العلمُ بكلِ ما يخبرون به، ومعلوم أنَّه لا عددَ أكثرُ من عددِ النصارى من بين سائرِ الملل، وقد أخبروا بقتلِ المسيح وصلبهِ ﵇، ومع ذلك لم يثبت العلمُ بخبرِهم، وما ذلك إلَا لعدمِ إسلامهم. فيقال: إنما لم يقع هناك العلمُ؛ لأنَّ شرائط التواتر فيه غيرُ متكاملة، وهو استواءُ طرفي العددِ ووسطِه، [و] الذي نقلته النصارى

стр. 1998

الآن مع كثرتِهم، يَستنِدُ إلى نقلِ آحاد يسيرةٍ لا يقعُ العلمُ بخبرٍ هم، وكلامُنا في عددٍ كثيرٍ لا يتواطؤ أمثالُهم على كذب، يخبرون عن دركِ إحساسِهم، ولا يزالُ ينقلُه أمثالُهم إلى أن يصلَ إلينا على ذلك الوجهِ، لا يختلُّ الطرفان، ولا الوسطُ. ومنها: أنَّ الإسلام والعدالة صفتان تحصلُ بهما الثقةُ إلى الخبرِ، فكانَ مشروطاً في المُخْبِرِ كصحَّةِ (١) العقلِ والحاسَّةِ. فيقال: المخبرُ إنما يرقى عن إدراكه لما يخبرُ به؛ إما من طريق نفس إدراكه، وهم الأعداد الأُوَل المذكورون، أو عن غيرهم، وهم الطبقةُ الثانية، بإدراكِ ما سمعوه منهم، فإذا لم تكن حاسةٌ، انعدمَ الطريقُ، فصارَ خبره عن غيرِ حاسَّةٍ، ولا عقلٍ، يعني كالمخبرِ عن ميتٍ، أو جمادٍ، بأنه قال كذا، أو فعل كذا. فأمَّا الكافرُ، فله دركٌ وحاسَّةٌ وعقل، فإذا كثُرَ العددُ المفرط الذي لا يحصرُه بلدٌ ولا عددٌ، استحالَ حبُّ جماعتِهم للكذبِ، سواء كانوا معتقدين لدينٍ، أو لم يكونوا معتقدين، فإنَّ (٢) الأمزجةَ والطباعَ لا تتفقُ على الكذبِ، مع التديُّنِ، وعدمِه. فصل يجوز ورود التعبد بخبر الواحد من طريق العقل (٣)، خلافاً لبعض

стр. 1999

المتكلمين -وأظنه: الجبائي؛ على ما رأيته في بعض الكتب الكلامية-، قال: لا يجوزُ ذلك عقلاً (١). فصل يجمع أدلتنا فمنها: أنَّ التعبداتِ تتضمنُ ترغيباً في الثواب، وترهيباً من العقاب، وعلى هذا مبنى التكليف، وقد ثبت تجويزُ الرجوعِ في التخويفِ من طريقٍ، والترهيبِ من سفرٍ، إلى خبرِ الواحد المخبر بما يخوفه من سبعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، وكذلكَ تجويزُ العملِ بخبرهِ ترغيباً في سفير لنفعٍ آَخْبرَ به؛ من ربحٍ في تجارةٍ، ودركٍ لمطلبٍ، فكذلك خبره عن الرسول ﷺ بما يعودُ بدفعِ مضرةٍ، أو درك منفعة، ولا

стр. 2000

عاقلَ ينكر التوقف عن الشروع في السفرِ، لما يخبره الواحدُ عن مضرةٍ تلحقهُ، ولا ينكر الإقدامَ على السفرِ؛ لإخبارِ الواحدِ له بمنفعةٍ يدركها. فإن قيل: أمَّا الخبرُ من جهةِ الواحد في بيانِ الأمور الدنيوية، لا يُشبهُه الخبرُ بالتعبداتِ، ولهذا لا يقفُ وجوبُ العملِ والتحرز في الأمَورِ على العدلِ، بل الفساق إذا أخبرونا بسبعٍ أو قاطعِ طريقٍ، وجبَ في العرفِ التحرزُ والتوقفُ عن سلوكِ الطريقِ، ولا نبني حكماً شرعياً على خبرِ فاسقٍ. (١ قيل: لا نُسَلِّمُ، بل الفاسقُ إذا حَذَّرَ من سَبُعٍ، أو قاطعِ طريقٍ، قَدْ نَقصِدُ إليه ١) ... ومنها: أنَّ الاتفاقَ حاصلٌ بأنَّ الشرعَ لا يأتي إلا بمجوَّزاتِ العقولِ، فأمَّا موانعُها، وما لا تجيزهُ، فلا. وقد وردَ الشرعُ بالعملِ بقولِ الشاهدِ والشاهدينِ والأربعةِ على حسب الأحكام، والعملِ في الأحكامِ بقولِ المفتي، وإن جازَ عليهم السهو والخطأ، ولم يقبح ذلكَ في العقل، وإن كان قول المفتي يستند إلى استنباطٍ أو دليلٍ، قد يخطىءُ فيه أو يصيبُ، فالرجوعُ إلى قولٍ وخبر يسنده إلى سماعِه عن الرسول ﷺ ، أَوْلى أن يُعملَ به.

стр. 2001

فصلٌ في شبههم فمنها: أن قالوا: إنَّ التكاليفَ مبنيةٌ على المصالح، ولا يعلمُ المصالحَ إلا الله سبحانه ورسولُه ﷺ وإذا كان الناقلُ للخبرِ غيرُ العالم بالمصالح واحداً، مع تطرقِ السهوِ عليه في نقلِه وخبرِه، لم تحصل لنا الثقة بحصول الأصلحِ الذي بُنيَ التكليفُ عليه. فيقال: الأصلُ في التكليفِ مشيئةُ الله سبحانه، ولا يتخصصُّ التكليفُ بمصلحةِ المكلف، هذا أصلٌ قد فرغنا منه في أصول الدياناتِ؛ بما بانَ من كونِ التكليفِ في حقِّ كثيير من المكلفين سبباً للوبال. على أنَّا إن تكلمنا على الاسترسال في النظرِ، فإنَّ تَحَرِّي ما يوجبُ غلبةَ الظنِّ في حصول الأصلح، هو المُعوَّل (١) عليه، وهو خبرُ الواحدِ العدل الذي رضيَ به الشرع في إشغال الذمم التي أوجبَ خلوَّها دليلُ العقلِ، وإراقةِ الدماءِ، وانتزاع الأموال من أرباب الأيدي، والتصرفات، وإباحةِ الأبضاعِ المغصوبةِ المحرمةِ، كلُّ ذلكَ بشهادةِ الاثنين، وفتوى الواحدِ مع العدالةِ، وإن كان مبنى إيجاب (٢) الحقوق، وشغلِ الذمم، وإباحةِ الحيوانِ، على المصالح ونفي المفاسد، وقد وجبَ على الحكامِ العملُ بذلك في الأحكامِ، وكذلك العوامُّ جاز لهم العمل بفتيا الواحدِ في جميعِ هذه الأحكام، وإن جازَ

стр. 2002

أن يكونَ باطنُ الشهادة كذبَ الشاهدِ، وباطنُ الفتيا خطأ المفتي. جوابٌ آخر: لو كانَ هذا طريقاً في المنعِ [لكان طريقاً في المنع] من العملِ بالاجتهاد؛ لأنَّ أدلة الاجتهادِ ظواهرُ غيرُ قطعيةٍ، كالقياسِ والاستنباطِ والعمومِ، وكما أنَّ خبرَ الواحدِ يجوزُ عليه الكذب، [و] المجتهدُ المستندُ اجتهادُه إلى هذهِ الطرق يجوزُ عليه الخطأ، فإذا لم يكن طريقاً لمنعِ العمل بالاجتهادِ، لا يكونُ طريقاً لمنع العمل بأخبارِ الآحاد. ومنها: أن قالوا: لو جازَ العملُ بخبرِ الواحدِ، وإن لم يقع به العلمُ، لجازَ العملُ بخبرِ الفاسقِ والصبي؛ إذ ليسَ في خبرِهما إلا عدمُ وقوعِ العلم. فيقال: لو وردَ الشرعُ بالعملِ بالخبرِ الصادرِ عنهما، لقبلناه، ولهذا لما جَوَّزَ قبولَ خبرِ الصبي في الهدية، والإذن في دخول الدارِ، قبلناه، لكنَّه نهانا عن الرجوعِ إلى قولِهما، وجاءنا بقبولِ قولِ الواحدِ العدلِ، فقبلنا ما جَوَّزَ لنا قبولَه، ورددنا ما منَعنا قبولَه، وهو في بابِ الشهادةِ والفتوى، فلا فتوى لفاسقٍ ولا صبى، ولا شهادةَ، بخلافِ الواحد العدل. على أنَّ الثقة في العادة لا تحصلُ بخبرِ من عرفناه بارتكابِ الكذبِ في القولِ، والتحري في الفعلِ، وتحصلُ لنا فيمن عرفنا منه التحري في القولِ والعملِ، فهذا معنى يرجعُ إلى ما نجده من نفوسِنا، ولهذا لم نقبل شهادةَ الفاسقِ، وقبلنا شهادةَ العدلِ. ومنها: أن قالوا: لمَّا لم نقبل خبرَ الواحدِ في الرسالةِ والنبوةِ حتى اعتبرت المعجزةُ، كذلك لا نقبل ما جاءت به النبوةُ من التكاليفِ

стр. 2003

التي جاءت النبوة لأجلها (١). فيقال: إنَّ طريقَ أصلِ إثباتِ النبوةِ على القطعِ، ولا قطعَ في خبرِ الواحدِ من غيرِ برهانٍ وإعجازٍ، فأمَّا أعيانُ التكاليفِ وجزئياتُ الأحكامِ، فإنَّ طريقَها الظنُّ، بدليلِ أنَّه لما ثَبَتتِ النبوةُ قطعاً، جاءت النبوةُ بالتعبد بقبولِ خبرِ الواحدِ في باب الشهاداتِ والفتاوى عن الآحاد، مع كونِ أقوالِهم مبنيةً على الثَقةِ بحسنِ الظنِّ، من غير يقينٍ، ولا قطع. فصلٌ يجب العملُ بخبرِ الواحدِ الذي يَجُوزُ قبولُ خبرِه شرعاً وعقلاً. نصَّ عليه صاحبُنا (٢)، وبهذا قالَ جمهورُ الفقهاءِ والأصوليين. وذهب قومٌ من أصحاب الشافعي: إلى أنه يجوز من جهة الشرع خاصة (٣).

стр. 2004

وذهب بعضهم: إلى وجوب العمل به، كقولنا، عقلاً وشرعاً، على ما قدمنا. وذهب (١) القاساني (٢): إلى أنَّه لا يجوزُ العمل به من طريق الشرع، ووافقه (٣) على المنع من العمل به ابن داود، إلا أنه قال: وقد كان يجوز وجوب العمل به عقلاً، لولا منع الشرع (٤). وذهب الجبائي: إلى أنه لا يقبَلُ في الشرعيات أَقلُّ من اثنين. فصلٌ في جمع أدلتنا فمنها: قولهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]، فوجهُ الدلالةِ من الآيةِ: أنَّه

стр. 2005

أوجبَ أن يتخلف عن النفورِ إلى الجهادِ قومٌ، كما أوجبَ أنْ ينفرَ إلى الجهادِ قومٌ، وعلّل في ذلك: أن تكونَ الطائفةُ المتخلفةُ عند النبي ﷺ ، تحفظُ ما يقولُ، وتعي ما يردُ به الوحيُ من الناسخِ، وما يشرعُ، وتُنذِرُ به من تخلفَ عن النبي ﷺ بشغله بالجهادِ، وغيبتِه عنه، ولو لم يجب على الغائبِ التعويلُ على بلاغ الحاضرِ، لما كان للأمرِ بالإنذارِ معنى، فدلَّ على وجوبِ الأخذِ بقولهم، وإن كانوا طائفةً يسيرةً، لا يبلغونَ إلى حدِّ التواترِ. فصلٌ في الأسئلة على هذه الآية قالوا: وجوب الإنذارِ لا يدلُّ على وجوبِ العملِ بقول المنذرِ، بدليل الشاهدِ الواحدِ، والشاهدين اللذين ظاهرُهما العدالةُ، لكن الحاكمُ لا يعلمُ عدالةَ باطنِهما، فإنَّ الله تعالى أَوْجبَ بلاغَها، ونهى عن كَتْمِها، فقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ومع ذلك لا يلزمُ العملُ بقولِ الواحد، ولا يقولِ من ظاهرهُ العدالةُ فيما يعتبرُ فيه البحثُ. فصلٌ إذا كان غرضُ الإبلاع العملَ والإنذارَ، فلا يجوزُ أن يَعْرى إيجابُ السماع من النبي ﷺ عن غرضه، ولهذا لو صرح، فقال: ﴿ولِيُنْذِرُوا قومَهم﴾ [التوبة: ١٢٢]، فلم (١) يَعملِ القومُ بإنذارِهم، لما حسنَ هذا، وكان كلاماً خارجاً عن الفائدةِ والإحكامِ.

стр. 2006

وأمَّا الشاهدُ الواحدُ، فيجبُ عليه الإبلاع، لأنَّه يمكنُ بناءُ اليمينِ عليه فيما يقبلُ الشاهدَ واليمينَ، وإتمامُ العددِ مكانِ النصِّ عدى عدد مخصوصٍ، وها هنا لم نَعتبِرْ عدداً، فننتظرَه، ولا توقفَ الإنذارُ عليه، فيُعلَّقَ وجوبُ العملِ به، لأنَّ الأصلَ ما ذكرنا، وأنَّ كلَّ من وجبَ عليه الإعلامُ لشخصٍ (١)، وجبَ على الشخص الذي أُعلِمَ العملُ بقوله، كالأذان لما وجبَ، وجبَ إجابته بالعملِ به صلاةً، وإفطاراً في المغربِ، أو إمساكاً في الفجر، وكذلك الفتوى، وكذلكَ تبليغُ النبي ﷺ أمته؛ حيث قيل له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فإنه حيثُ وجبَ عليه ذلك، وجبَ على المُبلَّغينَ من الأُمَّةِ العملُ به. فإن قيل: الحذرُ لا يعطي العملَ بخبرهم إلا على وجهٍ؛ وهو أنْ ينظرَ في التبليغِ والإنذارِ، ويعمل بما يقتضيه الدليلُ، فأمَّا أن يوجبَ قبولَ خبرِه، فلا. قيل: الحذرُ المُعَلَّقُ على إنذارِهم، يقتضي أنَّه حذَّرَ من مخالفةِ إنذارهم، وتركِ العملِ به، فأمَّا أن ينضمَّ إلى إنذارهم دليل، فلا وجه له، ولا يعطي ظاهرُ الآيةِ ذلك، ومن لم يعمل بخبرِ المنذِر فما (٢) حَذِرَ، فالآية تقتضي الحذرَ بمجردِ الإنذارِ، ولو كان ذلك واقفاً على دليلٍ، لم يكن عملاً بالإنذار، بل كانَ العمل بذلك الدليل. فإن قيل: لا حجةَ في الآيةِ؛ لأنَّ الطائفةَ قد تقعُ على ما يحصلُ به العددُ الذي يحصلُ بخبرِهم العلم: الأربعةُ، والاثنا عشر،

стр. 2007

والسبعون (١) والثلاثُ مئةٍ وبضع، وإذا لم يتخصص بعددٍ، لم يكن في الآيةِ حجةٌ. قيل: قد تقعُ الطائفةُ على أقل قليل، وهو الواحدُ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٦٦]: كان رجلاً واحداً (٢)، وقيل في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، قيل: أقلها واحدٌ. على أنَّنا أجمعنا على أن سماع العلمِ فرضٌ على الكفاية، وأنه لو تخلفَ عند النبيِّ ﷺ من يسمع منه، ولو واحداً (٣)، سقطَ عن كافَّةِ أصحابِه رضوان الله عليهم، ومَن سَقَطَ بحضورِه الفرضُ عن الكل، هو الذي وجب الحذرُ بإنذارِه. فإن قيل: إنَّما المرادُ بالإنذارِ الفتيا من العلماءِ، وذلك يجب قبوله على العوام، فنحن قائلون بما جاءت فيه، ويشهد لذلك: ما في نطق الآية من قولِه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا﴾ [التوبة: ١٢٢] , ولم يقل: لينقلوا، أو: ليسمعوا، فيخب (٤ فالمقصود: علمُ ٤) أحكام الشريعة. قيل: كل مسموع من (٤ النبي ﷺ ٤) يسمى فقهاً، لا سيما في حق الصحابة مع فقههم لكلامه، ولهذا قال ﷺ : "يحملُ هذا العلم من

стр. 2008

كل خل عدولُه" (١) فكانت الأخبارُ علماً، وقال: "رحم الله -وروي: نَضَّرَ الله- امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأدَّاها كما سمعها، فربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه" (٢) فكان قوله المحمول فقهاً، ولأنَّ في الفتيا من الحجةِ مثل (٣ ما في قول واحدٍ ٣)، يقول قولاً غير معصوم من الخطأ، كما أن القائل غير معصوم من السهوِ والغلطِ أو الكذب، فإذا (٣ أخطأ أحدهما في ٣) التحذير، كان الآخر مثله، (٣ وحكَمه حكمه، كما في ٣) قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وتقييده يمنعُ أن يكونَ العدلُ (٣ مراداً، فيبطل ٣) تقييد القرآن بالفسق، ويخرج عن الفائدة إذ لم نخص التَّبيُّن بالفاسق، ويكون العدل عندها كالفاسق في إيجاب التَّبيُّن. وهذه الآية ينبني الاستدلال بها على دليلِ الخطاب في نقلِ المستفيض الذي لا يعتريه شك، فقد كان النبي ﷺ يُنفِذُ آحاداً من أصحابه في النواحي والبلاد حاملين الكتب رسلاً، مثل كتابه إلى قيصر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيات, وأمَّر أبا بكر الصديق أميراً على الحاج، وعمرَ ساعياً على الصدقة، وعلياً قاضياً على اليمن، وعَتَّابَ بنَ أَسيدٍ، ومعاذ بن جبل، وكَلَّفَ كلَّ أهلِ ناحيةٍ طاعةَ من أَنفْذَ به إليهم، والعملَ بما بعثهم به، وندبهم له، وطاعتَهم في ذلك، وهم آحاد. فإن قيل: يجوزُ أن يكونَ بعَثَهم إلى قومٍ في أحكامٍ علموها قبل بَعْثِه هؤلاء الآحادَ؛ بالتواترِ السابقِ لبَعْثِهم، كما أنهم علموا وجوبَ

стр. 2009

العملِ بخبر الواحد قبل بَعْثِه الرسلَ على قولكم. قيل: لو كانَ نُقِلَ إليهم نقلاً متواتراً، لكان قد نُقِلَ إلينا، وعرفناه، كما علمنا جميعَ ما حصلَ به نقلُ التواتر. وأمَّا وجوبُ العمل بخبرِ الواحد، فإنَّهم كانوا علموه بما شاعَ من بعثهِ الرُّسلَ إلى كلِّ جهةٍ. فإن قيل: فقد كانَ يبعثُ بآحادِ الرسلِ يدعو إلى الإيمانِ، وإن لم يكن ذلك معلوماً من جهةِ الرُسلِ، فكذلكَ بعثَ برسلِه بالأحكامِ، وإن لم يكن ذلك معلوماً من جهةِ الرُّسلِ. قيل: الإيمانُ معلومٌ عقلاً، ولكن وجوبُه الذي بَعَثَ به رسلَه لأجلِه، لم يُعلَمْ إلا من جهةِ رسلِه، وعند المخالفِ يُعلَمُ ذلكَ بالعقلِ، ولكن بَعَثَ من يُنبِّهُهُم على إعمالِ الفكرِ والنظرِ في الدليل. ومنها: إجماعُ الصحابةِ ﵃ على عملِهم بخبرِ الواحد، ومن ذلك: عملُ أبي بكر الصديق بخبر المغيرةِ ومحمد بن مَسْلَمةَ في ميراثِ الجدة، وأنَّ النبي ﷺ أطعمها السدسَ، فجعلَ لها السدس (١).

стр. 2010

ومن ذلك: عملُ عمرَ ﵁ بخبرِ عبد الرحمن بن عوف في أخذِ الجزية من المجوس، وقوله: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب" (١). وعملَ بخبرِ حَمَلِ بن مالك في الجنين، وقال: لولا هذا لقضيتُ بغيرِه (٢). ورويَ أنَّه قال: كِدْنا أن نقضيَ فيه برأينا (٣).

стр. 2011

وعمل بحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها (١). ومن ذلك: عملُ عليٍّ وعثمانَ بخبر فُرَيعةَ بنت مالك في سكنى المتوفى عنها زوجها (٢).

стр. 2012

ومن ذلك: عملُ ابنِ عمرَ بحديثِ رافعِ بن خَدِيجٍ في الانتهاءِ عن المخابرةِ (١). ومن ذلك: عملُ ابن عباس بخبرِ أبي سعيد الخُدْريِّ في الرِّبا في النَّقْدِ، بعد أن كان لا يحكمُ بالرِّبا إِلا في النَّسِيئَةِ (٢). ومن ذلك: عملُ زيد بن ثابت بخبر امرأةٍ من الأنصار: أن الحائض تَنْفِرُ بلا وداعٍ (٣). ومن ذلك؛ ما رويَ عن أنس بن مالك: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبيَّ بن كعب شراباً من فَضِيخٍ، إذ أتانا آت، فقال: إنَّ الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنسِ إلى هذه الجرارِ، فاكسرها، قال: فقمت إلى مِهْراسٍ لنا، فضرَبْتُها (٤) بأَسْفلِهَ حتى

стр. 2013

تكسَّرَتْ (١). ومن ذلك: ما ظهر واشتهر من عمل أهل قباء في التحول من القبلة بخبر الواحد، فالتفتوا بخبره إلى الكعبة (٢). ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس، أنه بلغه عن رجل، أنه قال: إنَّ موسى صاحب الخَضِرِ ليس بموسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذبَ عدوُّ الله، أخبرني أبيُّ بن كعب، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، ثم ذكرَ موسى والخَضِرَ بشيءٍ يدلُّ على أنَّ موسى بني إسرائيل صاحب الخَضِرِ (٣)،، فعمل بخبر أبى إلى حدٍّ كَذَّبَ الرجلَ، وسمَّاه عدوَّ الله، تعويلاً على خبر الواحد. وعملوا كلهم بخبر أبي بكر الصديق ﵁: أن الأئمة من قريش (٤)، وبحديث عائشة في التقاءِ الخِتانَيْنِ، ووجوبِ الغسل من

стр. 2014

غير إِنزالٍ (١). فصل في الأسئلةِ على قضايا الصحابة بخبرِ الواحدِ فمنهاْ قولهمْ هذه أخبارُ آحاد، فكيف يُحتَجُّ بأخبار الاَحاد، والخلافُ في أخبار الآحاد؟! فيقال: هي تواتر من طريقِ المعنى، وليس إذا كانت آحادُ الجملةِ آحاداً، والجملة تواتراً، تعطى الجملةُ أحكامَ الآحادِ، كشجاعةِ عليٍّ، وسخاءِ حاتمٍ، وفصاحةِ قُسٍّ، وفهاهةِ باقِلٍ، هذه أمورٌ تواترت، وإن كانت آحادُها آحاداً في النقلِ. وعلى أنَّه يبعدُ أن تكون هذه الأخبار مع كثرتِها خطأً أو كذباً (٢).

стр. 2015

ومنها: أن قالوا: تلكَ آحاد استندت إلى دلالةٍ قطعيةٍ، وهي إجماعُ الصحابةِ، فإنَّهم لم ينكروا خبراً منها، فصار إمساكهم عن النكير إجماعاً على قبولها، وهذه الأخبار لا حجةَ معها. فيقال: لو كانَ عندهم من ذلك ما عند الراوي، لما أشكلت عليهم الأحكامُ التي تضمنتها الأخبارُ، فلما كانوا قبل الروايةِ واقفين في الأحكامِ، عُلِمَ أنَّهم لم يعلموا ذلك، ولا علموا (١) إلا بها. ومنها: أن قالوا: إن تعلقتم بقبولِ من قبلها، قابلناكم بردِّ من رَدَّها، وليس أحدُهما بأَوْلى من الآخرِ، وبطل دعوى الإجماع منكم، والدلالةُ على ما ادعينا من الردِّ المرويِّ عنهم لأخبارِ الآحَادِ: ما رويَ أنَّ أبا بكرٍ لم يقبل خبرَ المغيرةِ في ميراث الجدةِ حتى انضمَّ إليه خبرُ محمد بن مسلمة. وعمر رَدَّ حديثَ أبي موسى في الاستئذانِ، وهو أنَّ أبا موسى استأذن على عمرَ ثلاثاً، فلم يؤذن له، فانصرفَ، فبعثَ إليه عمرُ: لِمَ انصرفتَ؛ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا استأذنَ أحدُكم على صاحبهِ ثلاثاً، فلم يؤذن له، فلينصرف" فقال: من يشهدُ لك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصارِ، فقالوا: نبعثُ معك بأصغرنا أبي سعيد الخدري. فلم يقبل قولَه حتى روى معه أبو سعيد الخدري (٢).

стр. 2016

وعليُّ بن أبي طالب رَدَّ حديث ابن سنان في المفوِّضةِ (١)، وكان لا يقبلُ خبرَ الواحدِ حتى يستحلفه إلا أبا بكر؛ فإنَّه كانَ يقبلُ خبرَه بغيرِ يمين (٢). فيقال: قبولُهم -على ما بيناه- دليلٌ على وجوبِ العملِ بها،

стр. 2017

وردُّهم لا يدلُّ على عدم العملِ بها (١)، بل يجوزُ أن يكونَ لشبهةٍ تعرضُ في خبرِ الواحد، أَو معنىً وعِلَّةٍ ظهرت، فأوجبت الردَّ لذلك الخبرِ، ألا ترى أنَّ خبرَ التواترِ قد أجمعنا على العملِ به، وإن كنا نردُّ التواترَ لِعلَّةٍ؛ مثلِ تواترِ خبرِ النصارى أنَّ المسيحَ صُلِبَ. والذي يوضِّحُ أنَّ الردَّ إنما حصلَ لعِلَّةٍ: هو قولُ عمرَ في خبرِ الاستئذانِ لأبي موسى: فقلتُ ذلكَ لكي لا تجترىءَ على رسول الله. وقالَ علي في حديثِ ابن سنان (٢): أعرابيٌّ بوَّال على قدميه. أي: لا يعرف الأحكام. وأيضاً من طريق الاستدلالِ بالاستنباط: أنَّ العقل يوجبُ الاحتياطَ من المضار، وخبرُ الواحدِ العدلِ الثقةِ الذي لم يُجرَّب (٣) عليه الكذبُ، يترجحُ صدقُه على كذبه، وإن كان الكذبُ جائزاً عليه، وإذا تَرجحَ صدقُه فيما يخبرُ به عن رسولِ الله ﷺ ، غلَبَ على الظنِّ اقتحامُ الإثمِ وحصولُ الضررِ بمخالفتِه، وهذا أمر يقتضيه العقلُ، وقد عضدَ ذلكَ ما اتفق العقلاءُ عليه من المتدينين وغيرِهم، أنَّ الرجوعَ إلى قولِ الواحدِ في التَّحَرُّزِ من المَضارِّ من عزائمِ العقلاءِ ومقتضى رأيهم، كإخبار الثقةِ بسَبُعٍ في طريقٍ يريدُ سلوكَه، أو الإخبارِ عن رياحٍ مهلكةٍ في بحرٍ يريدُ ركوبَه، كلُّ ذلكَ يوجبُ العقلُ التحرزَ منه عملاً بخبرِ الواحدِ. ومن ذلك: أنَّه إخبار عن حكمٍ شرعي، فجازَ قبولُ خبرِ الواحدِ فيه؛ كالاستفتاءِ في الحوادثِ لآحاد المجتهدين.

стр. 2018

وأيضاً: لو لم يجب العملُ بخبرِ الواحدِ، لوجبَ أن يكونَ ما بيَّنَ النبيُّ ﷺ في عصرِه يختصُّ بمن سمع من لفظِه ونطقِه، ولا يلزمُ غيرَه اعتقادُه والعملُ به، لأنَّه لا يتحققُ نقلُ جميع ما بَيَّنَه وبَلَّغَه عن الله نقلاً متواتراً، وهذا يقطعُ عنا أكثرَ الشريعةِ، ومعظمَ أحكامِها، وهذا من أكبرِ المفاسدِ. فإن قيل: هذا يوجبُ قبولَ خبرِ الفاسِق؛ لئلا يفضيَ إلى فواتِ العملِ بأحكام النبي ﷺ وكذلكَ خبر الكافرِ، لئلا يفضيَ إلى انقطاعِ ذلكَ عنَّا برد خبرِه إلى المفاسدِ العظيمةِ، فلما لم يجز قبولُ خبرِ الكافرِ والفاسقِ لحرصِنا على العملِ بأحكامِ الشريعةِ التي سُمعت من النبيِّ ﷺ طلباً لشرطِ العملِ، وهو حصولُ الثقةِ والعلمِ، فكذلكَ لا يلزمُ العملُ بخبرِ الواحدِ؛ لعدمِ العلمِ بخبرهِ، وتجويز الكذبِ عليه. قيل: الفاسقُ يغلبُ على الظن كذبُه، لأنَّ تُهْمتَه ظاهرةٌ في ارتكاب محظور دِينِه، ومن ارتكبَ محظورَ دينِه فعلاً وقولاً، لم يُوثَقْ منه إلى خبر، لأنَّه قولٌ من جملةِ أقوالِه، فلا يتخلص لنا صدقه من كذبهِ، وليس من حيثُ رددنا قولَ المتهمِ نردُّ قولَ المغلبِ صدقُه، الموثوقِ إلى قوله؛ لسلامةِ أفعاله، ولذلكَ قبلنا قولَ المفتي والشاهدين مع كوننا لا نعلمُ إصابةَ المفتي، ولا صدقَ الشاهدين، لكنَّنا ظننا الصدقَ والإصابةَ، ولم يوجب ذلك علينا قبولَ قولِ المفتي والشاهدِ، إذا كانا فاسقين.

стр. 2019

فصل في شبههم فمنها: أن قالوا: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وذَمَّ اتباعَ الظن، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وخبرُ الواحد ليس بموجبٍ للعلم، فقد دخلَ العملُ به تحت النهيِ، ويوجبُ الظنَّ، فقد دخلَ تحت ذَمِّ المتبعين للظنِّ. فيقال: إنَّ الطريقَ إلى العملِ بخبرِ الواحدِ مَعْلومٌ، فَعَمَلُنا بهِ عملٌ بالعلمِ، وإن كانَ هو في نفسِه مُوجباً للظن، ولأنَّ الآيةَ مشتركةُ الدلالةِ؛ لأنَّه لو كانَ العملُ بخبرِ الواحدِ، عملاً بما لا علمَ له به، (١ ويدخل تحت النهي، كان الأخذ بالشهادة والفتيا داخل تحت النهي؛ لانه خبر واحدٍ ١) ولأنه محمولٌ على الظنِّ الذي لا يستندُ إلى دليلٍ يوجبُ العملَ. جوابٌ آخر: وهو أنَّ الدليلَ قد دلَّ على أنَّ العملَ بخبرِ الواحدِ خارجٌ مخصوصٌ عن عمومِ الآيةِ، بدليلِ وجوب قبولِ قولِ الشاهدِ والمفتي، وإن كانَ قولُ الشاهدِ مجوّزاً عليه الكَذبُ، وقولُ المفتي مُجوَّزاً عليه الخطأ. ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يرجع إلى قولِ الواحدِ، حيث رَد خبرَ ذي اليدينِ؛ حيث قالَ له: أَقَصُرَتِ الصلاةُ، أم نَسِيتَ؟ وعدلَ إلى الاستزادةِ على خبرِه، فسألَ أبا بكر وعمرَ وغيرَهما مِمَّن كان في الصفِّ عن صدقِه، فقال: "أحقٌّ ما يقولُ ذو اليدين؟ " فلما خَبَّراه

стр. 2020

بذلك، تَمَّمَ وسجدَ سجدتي السهو (١). فيقال: إنَّه لا حجةَ في الخبرِ؛ لأنَّه قد يكونُ غيرَ واثقٍ بقول ذي اليدين لمعنى يخصُّه، ويجوزُ أن يكونَ قدَّمَ ما كانَ يجدُ في نفسِه من الإتمامِ على خبرِه، وإخبارُ الأنسانِ عن فعلِ نفسِه يحتاجُ إلى زيادةٍ على إخبارِه عن غيره، وعساه ذكرَ بعد ذلكَ عند قول أبي بكر وعمر، لا أنه أوقفَ العملَ على قولِهما، وعساه احتاطَ في ذلك. على أنَّ قول أبي بكرٍ وعمرَ لا يُخرٍ جُ العملَ عن كونِه عملاً بخبرِ (٢) الواحدِ، ولا يخرجُ به خبرهما وخبرُ ذي اليدين عن كونهِ خبرَ واحد، إذ ليسَ ذلك بتواترٍ. ومنها: أن قالوا: لو وجبَ العملُ بخبرِ الواحدِ من غيرِ دليل، لوجبَ قبول خبرِ من يَدَّعي النبوةَ من غير دليل. فيقال: نعارضكم بمثلِه، فنقول: لو جازَ رد خبرِ الواحدِ من غيرِ دليل، لجازَ ردُّ قول النبيِّ ﷺ من غيرِ دليلٍ، ولأنَّه إذا جازَ أن نقبلَ قول المفتي والشاهدِ من غيرِ حجةٍ، وإن لم نقبل دعوى النبوةِ من غير حجة، جازَ أن نقبلَ خبرَ الواحد، وإن لم نقبل دعوى النبوةِ من غير حجةٍ. وعلى أنَّ خبرَ الواحدِ لا يقبلُ إلا بدليلٍ، وهو ما دلَّلنا به على العملِ به من الكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وفارقَ دعوى النبوة؛ فإن هناك لم تعلم نبوته إلا من جهةٍ، وهو ما يوجب القطعَ والعلمَ، ولم يقم دليل على صحته، فلم تثبت، وهاهنا الشرعُ قد ثبتَ قبلَه، وعلم

стр. 2021

من جهتِه قبولُه، فوجبَ المصيرُ إليه. ومنها: قولهم: لو جازَ قبولُ خبرِ الواحد في فروعِ الدينِ، لجاز قبولُه في أصولِ الدين؛ كالنبواتِ، وإثباتِ الصفاتِ. فيقال: إنَّ أصولَ الدين لها أدلة قطعية تغني عن قبولِ الأدلةِ الظنيّهِ، ولذلكَ لا يجوزُ التقليدُ فيها بالرجوع إلى قولِ المفتي، وصار الأصل لسائرِ العقلاءِ كالقِبلةِ لمن شاهدها، وهذه الفروعُ كالقبلةِ (١) لمن غاب عنها، يرجعُ إلى الاستدلالِ إن كانَ من أهلِ العلم بدلائلها، أو إلى تقليدِ الرجالِ العارفين بها. ومنها: أن قالوا: الأصلُ براءةُ الذِّمَمِ من الحقوقِ، والعباداتِ، وتحمُّلِ المشاقِّ، وذلكَ ثابتٌ بدليلِ العقلِ القطعي، فلا يجوزُ إزالةُ اليقينِ والقطعِ بخبرِ الواحد المتردد بينَ الصدق والكذب، فيكونُ ذلك إزالةَ اليقينِ بالشك. فيقال له: ما أزلنا اليقينَ إلا بيقينٍ (٢) مثلِه، وهو دليلُ العملِ بخبرِ الواحد؛ لأنَّه الإجماعُ وأدلةُ العقلِ التي ذكرناها، وإن كانَ ما يتضمنه غيرَ مُتيقَّنٍ، ولأنَّ هذا باطل بالشهادةِ والفتيا؛ فإنهما ظنٌّ، ومع ذلكَ شغلت بهما الذِّمَمُ، وأُرِيقَت (٣) بهما الدماءُ، ولأنَّ خبرَ الواحدِ ليس بشك، لأن الشك ما ترددَ بينَ أمرينِ: الصدقِ والكذبِ سواءً، وليسَ كذلكَ خبرُ العدلِ، فإنَّه يترجَّحُ إلى الصدقِ، كما يترجحُ قولُ الشاهدِ والمفتي.

стр. 2022

على أنَّ الأصلَ لِم يبقَ على القطعِ مع ورودِ خبرِ الواحدِ، وإن كانَ باقياً على ما كان بعدَ ورودِ الخبرِ، لفسَّقْنا المخالفَ أو كَفَّرْناه، كما نُفسِّقُه ونكفِّرُه بالقولِ بإيجابِ حقٍّ لمجرد الشك والحدس. ومنها: أن قالوا: إيجابُ العملِ بخبرِ الواحدِ يفضي إلى تركِ العملِ بخبرِ الواحدِ، ويفضي إلى التوقفِ عن العملِ بظواهرِ القرآنِ وعموماتِه، لأنَّه ما من عمل يُرْوَى له، فيُعمَلُ به، إلا وهو يجوز أن يكونَ هناك خبرٌ يقضي عليه؛ بأن يكون أَوْلى منه، أو يَتعلَّقُ بظاهر آيةٍ، إلا ويجوزُ أن يكونَ هناك خبرٌ يصرفه عن ذلك الظاهرِ، ولا يتعلقُ بعمومٍ، إلا ويجوزُ أن يكونَ هناك خبرٌ يختص به ذلك العموم، فيقفُ العملُ بالآي والأخبارِ، وذلك باطلٌ، فكل ما يفضي إلى ذلك، يجب أن يكونَ بَاطلاً. فيقال: إن الحكمَ ببعضِ الأدلةِ، والعملَ به، لا يقفُ على ما عساه يكونُ قاضياً عليه، أو ما هو أَوْلى منه، وإن جَوَّزْنا ظهورَ ذلك؛ بدليلِ أنَّ لنا ناسخاً.، وأدلةً تستنبط، توجبُ تخصيصَ الظواهرِ، ومعلومٌ أنَّ الآيَ والأخبارَ المسموعة من رسول الله ﷺ يَعْمَلُ بها مَن كان بعيداً عن المدينةِ، مع تجويزِ النسخِ لذلك المعمولِ به، ولا يمنعُ ذلك وجوبَ العملِ به، وتركَ التوقفِ الذي أشرتَ إليه. على أنَّه لو كانَ تجويزُ ما هو أَوْلى منه من الأدلةِ يمنعُ العملَ بما يقعُ منها إلى المجتهدِ، لوجب أن لا يجوز للحاكم أن يحكمَ بشهادةٍ، ولا للعامي أن يعمل بفتوى مجتهد؛ لجوازِ أن يكون هناك ما هو أَوْلى منه، أو ما يقضي عليه من بيِّنَةٍ طاعنة في الشاهدِ، أو قاضيةٍ على ما شهدَ به، وكانَ يجبُ أن يكونَ هذا مانعاً من العملِ

стр. 2023

بأدلةِ الاجتهادِ المستنبطةِ، لجوازِ أن يكونَ هناك دليلٌ هو أَوْلى منه، فيؤدي ذلك إلى إبطالِه، فلمَّا لم يجز ما قالوه في إبطالِ أدلَّةِ الاجتهادِ، لم يجز أن يكون مبطلاً للأخبارِ. ومنها: أن قالوا: لما لم يجز للعالِمِ أن يُقَلِّدَ العالِمَ، لم يجب العملُ بخبرِ الواحدِ. فيقال: إنَّما لم يجز أن يقِّدَ العالِمُ العالِمَ؛ لأنَّه معه مثلُ الآلةِ التي معه، وليسَ كذلكَ الراوي مع المرويِّ له، فإنَّه ليسَ مع المرويِ له مثلُ ما مع الراوي، فلذا وجبَ العملُ بما رواه حتى لا تتعطلَ أحكامُ الشريعة. ومنها: أن قالوا: طريقُ هذا: السمعُ، وقد طلبنا، فلم نجد. فيقال: قد أوجدناك بما روينا في ذلك، على أنك قد يجوزُ عليك الفتورُ والتقصيرُ في الطَّلَبِ، ولو صدقتَ الطلبَ، لوَجَدْتَ. فصل يقبل خبرُ الواحدِ، وإن انفرد الواحد بروايته (١). وقال أبو علي الجبائي: لا يقبل حتى ينضمَّ إليه آخرُ، فَيرْوِيَه اثنان عن اثنينِ إلى رسول الله ﷺ . وقال بعض المتكلمين: لا يُقبَلُ حتى يَرْوِيَه أربعةٌ (٢).

стр. 2024

فصل في أدلتنا على ذلك فمنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فيعطي أنه إذا جاءنا عدلٌ، لا يجبُ علينا أن نتثبتَ، بل نعملُ بقوله، ونحكمُ بخبرِه. ومنها: أنَّ النبي ﷺ كان يبعثُ بعاملٍ واحد، وحاكمٍ واحدٍ إلى البلدِ، وذلك يعطي وجوبَ العملِ عنه بخبرهِ ﷺ فيما بَعَثَه به، فبعثَ علياً إلى اليمن، وعَتَّابَ بن أَسِيدٍ إلى مكة، ومصعبَ بن عُمَيرٍ إلى المدينة. ومنها: أنَّ الصحابةَ رجعت في التقاءِ الختانين إلى خبرِ عائشة ﵂ وحدَها، ورجعَ كلُّ خليفةٍ في قَضيَّتِه إلى خبرِ واحد، وقد سبقَ ذلك في الفصلِ الذي قبل هذا. ومنها: أنَّه إخبارٌ عن حكمٍ شرعي، فلم يُعتَبرْ فيه العددُ، كالفتوى (١). ومنها: أئَّه لما لم نَعتبِرْ فيه صفةَ الشخصِ -أعني: الحُرِّيّهَ، والدُّكُوريّهَ-، فأَوْلى أن لا نعتبرَ انضمامَ شخصٍ إلى شخص، لأنَّ الصفةَ في الشخصِ أيسرُ من اعتبارِ مثلِه إليه، ونصرفُ مَّنَ هذه الطريقةِ طريقةً أخرى، فنقول: العددُ معنى لا يعتبرُ في الفتوى، فلا

стр. 2025

يشترطُ في الخبر، كالذكوريةِ، والحريةِ. ومنها: أنَّ اعتبارَ اثنين عن اثنين إلى النبي ﷺ قد لا يَتَّفِقُ، فيفضي اعتبارُ ذلك إلى تعطيلِ كثيرٍ من السنن. فصل في شبههم فمنها: أنَّ أبا بكر الصديقَ ﵁ لم يعمل بخبرِ المغيرةِ في ميراث الجدة، حتى روى ذلك معه محمدُ بن مَسْلمَةَ، وعمر ﵁ لم يعمل بخبر أبي موسى في الاستئذانِ، حتى شهدَ معه أبو سعيدٍ الخُدْريُّ، واستندَ فعلُهما إلى ما فَعَلَه النبيِ ﷺ في توقفِه عن خبرِ ذي اليدين في الصلاة، وطلبَ مع خبرِه خبَرَ غيره، فأشارَ إلى أبي بكر وعمر، فلما صَدَّقاه، بنى على قولهم، وتَمَّمَ، وسجدَ السهو. فيقال: قد سبقَ الجوابُ عن ذلك في الفصلِ الذي قبله. ومنها: أن قالوا: ما اعتبرَ فيه العدالةُ، اعتبرَ فيه العددُ، كالشهادةِ. فيقال: هذا باطلٌ بالفتوى؛ تعتبرُ فيها العدالةُ، ولا يعتبر فيها العدد. على أن الشهاداتِ أُكُّدَت على الأخبار، بدليل أنه اعتبرَ فيها الذكوريةُ والحريةُ عندك، واخْتَلفَتْ (١) باختلافِ الحقوقِ، فلم يقبل في القصاصِ والحدودِ إلا الذكوريةُ المحضة، واعتبر في الأموالِ

стр. 2026

النساءُ مع الرجال، واعتبر في حدِّ الزنى من بين سائرِ الحدودِ أربعةٌ من الشهودِ، والأخبارُ لم تختلف، بل قُبِلَ في الكلِّ منها ما اعتبر به، وقُبِلَ فيها العنعنةُ (١)، ومِن وراءِ حجابٍ. فصل خبرُ الواحدِ فيما تَعُمُّ به البلوى مقبولٌ (٢) وذلك مثل خبر أبي هريرة في غسلِ اليدين عند القيامِ من نومِ الليل (٣)، وخبره في رفع اليدين في الركوع (٤)، وما شاكل ذلك، وبه

стр. 2027

قال أصحاب الشافعي (١). وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبلُ في ذلك خبر الواحد (٢). فصلٌ في دلائلنا فمنها: عموم قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وهذا غايةٌ في الإنذارِ فيما تعمُّ البلوى به وما تخصُّ. ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فخصَّ التثبتَ والتبينَ بالفاسقِ، فدلَّ على أنَّ العدل لا يُتَثَبَّتُ من خبرِه، ولا يعتبرُ فيه ذلك، وهذا الدليلُ على أصلِنا، وهو دليلُ الخطاب، وهو يَعُمُّ كُلَّ حكمٍ نَقَلَه العدلُ. ومنها: إجماعُ الصحابةِ على العملِ بخبرِ الواحد فيما تعمِ البلوى به، فمن ذلك: ما روي عن ابن عمر: كنا نُخابِرُ أربعين عاماً لا نرى به بأساً، حتى أتانا رافعُ بن خَدِيجٍ، فأخبرنا أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، فانتهينا (٣). ولما اختلفوا في الإكسالِ والإنزال، فقالَ زيدٌ وجماعةٌ من

стр. 2028

الأنصار: لا غسلَ على مَنْ لم يُنزِلْ، بل الماءُ من الماءِ، وقالَ غيرهم: إذا التقى الخِتانانِ، وجبَ الغسل، فأرسلَ الجماعة إلى عائشة ﵂، فسألوها، فقالت: إذا التقى الخِتانان، وجب الغسلُ، أنزلَ أو لم يُنزِلْ، فعلتهُ أنا ورسول الله، فاغتسلنا (١)، فصاروا إلى قولها وخبرها، وتَوَعَّدَ عمر زيد بن ثابت على الفتوى بغير ذلك، وأصحاب رسول الله ﷺ متوفرون، فلا أحدَ أسقطَ العملَ بخبرها. ولما جاءت الجدة إلى أبي بكر، فقال لها: لا أجدُ في كتاب الله لك شيئاً، فقال المغيرة: إن النبي أطعمها السدسَ، وتابعه محمد ابن مَسْلمةَ، فعملَ به أبو بكر، وصار إجماعاً (٢). ومنها من طريقِ النظر: أنَّا رأينا أنَّ العملَ بالقياس في الأحكامِ التي تعمُّ بها البلوى جائزٌ، والقياسُ فرع لخبر الوَاحد، والخبرُ أصلٌ، فإذا جازَ إثباتُ هذه الأحكامِ بما تَفرَّعَ عن خبرِ الواحد، فأولى أن يثبتَ به، وهو الأصلُ. ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ ثَبَتَ وجوبُ العملِ به بدليلٍ مقطوع عليه، فهو كآي القرآن، فإذا ثبت ما تعمُّ به البلوى بالآي، كذلكَ أخبارُ الآحاد، إذ كانَ طريقهُما جميعاً قطعياً. فصلٌ في شبههم قالوا: ما تَعُمُّ بلوى الأُمَّةِ به يَكثُرُ سؤالُهم عنه، وأذا كثرَ السؤالُ

стр. 2029

عنه، كثرَ جوابُ النبي ﷺ وإذا كثرَ جوابُه عنه، كثرَ نقلُ الناقلين لجوابه عنه ﷺ ، هذا دَأْبُ الناس وعاداتُهم، فإذا نقلَ ذلك الواحدُ والاثنان، قويت التهمةُ لهم، ولم يجز التعويلُ على خبرِهم، وبهذه الطريقةِ رددنا روايةَ الرَّافَضَةِ خبرَ (١) النصَ على عليٍّ ﵁ يوم غَدِيرِ خُمٍّ، وقلنا: لو كانَ هذا صحيحاً، لنقلَه الخاص والعامُّ، واستفاضَ بينَ أصحاب رسولِ الله ﷺ ، ولَمَّا روى ذلك آحادٌ من شيعتِه، عُلِمَ أنه مُفتعَلٌ مُخَتلَقٌ. وكذلكَ لم نقبل روايةَ الآحادِ عن فتنةٍ جرت بالجامعِ يومَ الجمعةِ أو العيدِ، ولا سُقوطِ الخطيبِ عن منبرهِ لحادثٍ حدثَ به، كلُّ ذلكَ لِمَا اطَّرَدَتْ به العادةُ من كونِ النقلِ بحسب المنقولِ في الظهور، وهذا يرجع إلى سرٍّ في الطباعِ، ودفينٍ في أَصل الخلقِ والأوضاعِ؛ وهو أنَّ الدواعيَ متوفرةٌ على حُبِّ البلاغ لما حدثَ، والإخبارِ بما تَجدَّدَ، وقلَّ ما يتمكنُ أحدٌ من كتم شيءٍ سمعَه، وطَيِّ أمرٍ علمه، حتى كأنه يلقي عن نفسِه ثقلاً، ويسقط عبئاً، بل عساه يتزيد في الحديثِ، ويصلُ به ما ليس منه، لإيثاره الحديث، حتى قال الشاعر: ولقد سئمت مآربي ... فكأنَّ أكثرها خبيث إلا الحديث فإنه ... مثل اسمه أبداً حديث وإذا ثبتَ هذا، لم يجز أن نسمع أخبار الآحاد فيما بنيَ على الشياعِ، والتكرارِ، والانتشارِ بين المخبرين، مع اتفاقِ الكل في توفير الدواعي، ومحبة البلاع، لا سيما في النقلِ عن صاحبِ الشرعِ، وفيه الثواب والأجر في الآخرة، وكثيرُ الفخرِ في الدنيا.

стр. 2030

فيقال: إنَّ النقلَ لأخبارِ الدياناتِ كانت الصحابة تختلف فيه مذاهبُهم، فمنهم من كانَ يتورعُ عن النقلِ طلباً لحفظِ الصيغةِ، ولا يرى الروايةَ بالمعنى، وبعضهم من كان لا يتشاغلُ بذلك رأساً، فيُقصَدُ ويُطلَبُ منه الحديثُ، فلا يُحدِّثُ، ولذلك لما حجَّ النبيُّ ﷺ في الجمِّ الغفيرِ، والعددِ الكثيرِ، فكانت مناسكُ الحج مشهورةً بين الجميعِ، وكان ﷺ يقول: "خذوا عني" (١)، وما نقلَ المناسكَ عنه إلا آحادٌ. وفارقَ الخبرَ بالنصِّ على الإمامِ، فإنَّ ذلكَ أمرٌ واجبٌ على كل أحدٍ عِلْمُه، والقطعُ به، والأحكام لا يجبُ العلمُ بها والقطع، وإنما طريقها غلبةُ الظن، ولذلكَ تثبتُ بالقياس، وإلحاقِ النَّظيرِ بالنظيرِ (٢)، والأخذِ بالشَّبَهِ، فيجوزُ أن ينفردَ البعضُ بعلمِه، ويكون فرضُ الباقين الاجتهادَ. وفارقَ نقلَ الحادثةِ بالجامعِ والخطيبِ، لأنَّ ذلك تحثُّ على نَقْلِه دواعي (٣) الطباع، وذلك مما يعم الناس، وبذلك (٤) يشهدُ خلقُ رواةِ الحديث، وفيها الآحاد والأفراد، وخلقُ أرباب الشعوذةِ وغرائبِ الأعمال والأسمار يملأُ الرِّحابَ والعِراصَ، وكذلكَ خلقُ القُصَّاصِ، فهذا أمر معلوم بالغرائز والجِبِلاَّتِ. ومنها: أنَّ قبول خبرِ الواحدِ في مثلِ هذا الحكمِ يفضي إلى التوقفِ في أحكام الكتاب، لجوازِ أن تكون نُسِخَت، ولم ينقل نسخها.

стр. 2031

فيقال: إنَّ إثباتَ الأحكام تقْصرُ عن النسخ؛ لأنَّ النسخَ رفع لحكم قد ثبتَ واستقر (١)، فلا يرفع بأخبار الآحاد، ولهذا ثبتَ الحكمُ المبتدأُ بالقياسِ، ولم يُرفَعْ حكمٌ ثبتَ واستقر، ولم يُنسَخْ، بالقياس. ومنها: أنْ قالوا: إن القران لَمَّاَ كان مما تَعُمُّ [به] البلوى، لم يثبت بخبر الواحد، كذلك هذه الأحكام التي تعم بها البلوى. فيقال: القرآن لا يثبت إلا بطريقٍ قطعي، لأنَّ إثباتَ القرآنِ طريقُه العلمُ لا الظن، وهذه الأحكامُ وإن عَمَّتْ (٢) بها البلوى إلا أنَّ طريقَها الظنُّ، ولهذا تثبتُ بالقياس الذي هو فرعٌ لخبرِ الواحدِ، ولهذا ردَّت الصحابةُ قراءةَ ابن مسعود، ولم تردَّ في الأحكامِ التي تعمُّ بها البلوى خبرَه، ولا خبرَ من هو دونه، وهذا إنَّما نسلمه في الآيةِ والاثنتين، فأمَّا السورةُ، فنقبلُ فيها خبر الواحد، لأنها مما لا يمكن اختلاقُها، فكالنَ نفسُ إعجازِها دلالةً على كونِها من كتابِ الله سبحانه. فصل يقبل خبر الواحد إثبات الحدود (٣)، وبه قال أصحاب الشافعي. واختلف أصحاب أبي حنيفة:

стр. 2032

فحكى أبو سفيان، عن أبي يوسف: أنه يقبل، وهو اختيار أبي بكر الرازي. وحكي عن الكرخي: أنَّه لا يثبت به حدّ، ولا ما يَسقُطُ بالشبهةِ (١). فصل في دلائلنا فمنها: أنَّه حكم يستوفى بغلبة الظن، ولا يعتبر في إثباتِه القطعُ، فثبت بخبرِ الواحد؛ كالأحكامِ الشرعيةِ كلِّها، والدلالةُ على ثبوتِ استيفائه بالظن: قبول قول الشاهدين. يُوضِّحُ هذه الطريقةَ: أنَّ بابَ الشهادةِ آكدُ من باب الأخبارِ، فإنَّ أخبارَ الدياناتِ يقبلُ فيها قولُ العبدِ والمرأةِ، والعنعَنةُ، ولا يقبلُ ذلك في بابِ الشهادةِ، ثم إنَّ هذا الحدَّ مستوفى بالشهادة، مع كونها آحاداً، وكونها موجبة للظن دون القطع، فأَوْلى أن يجب بخبر الواحد، مع توسع طريقه، وسهولة بابه. ولأنَّ طريقَ خبرِ الواحدِ مقطوعٌ به، لأنَّ طريقَه الإجماعُ والقرآنُ، كما أن طريق الشهادةِ كذلك، فإذا ثبتَ استيفاءُ الحد بالشهادةِ، ثبتَ

стр. 2033

وجوبُه بخبر الواحد. فصل في شبه المخالف قالوا: الحدودُ موضوعةٌ في الأصلِ على أنَّ الشبهةَ تُسقِطُ الحدودَ، وتمنع إثباتها، وخبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ، وما ليس بعلمٍ، فهو شبهةٌ؛ لأنَّه يتردد بينَ الصحة والبطلان. فيقال: ليس كل ما لم يوجب العلمَ يكونُ شبهةً، بل يوجب الظن، والظنُّ يترجح [فيه] أحدُ المُجوَّزَيْنِ، وإنَّما الشبهة ما اشتبه الأمرُ فيه من غير ترجيحٍ إلى الإثباتِ، والدليلُ على ذلكَ: إثباتُه بشهادةِ (١) الشاهدين، وهي غيرُ موجبةٍ للعلم، وإنما أوجبت الظن، فكذلكَ خبرُ الواحدِ، ولا فرقَ بينهما. فصل خبر الواحد مقدمٌ على القياس (٢) ومعنى هذا: أنه يعمل به، وإن خالف القياس (٣).

стр. 2034

وبهذا قال أصحاب الشافعي (١). وقال أصحاب مالك: يقدم القياس عليه (٢). وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا كان مخالفاً لقياس الأصول، لم يقبل (٣).

стр. 2035

فصل في أدلتنا من جهة السنن ما روي: أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعث به إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتابِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنَةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو، فقال رسولُ الله ﷺ :"الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (١)، فَرتَّبَ العملَ بالقياس على السُّنَةِ، فدل على تقديمِها على القياسِ، والسنةُ تعمُ الآحادَ وَالتواترَ. ورويَ أنَّ عمر بن الخطاب ترك القياس في الجنين؛ لحديثِ حَمَلِ ابن مالك بن النابغة، وقال: لولا هذا لقضينا بغيره (٢). ورويَ أنه كان تقْسِمُ ديةَ الأصابعِ على قدرِ منافعها (٣)، (٤ وترَكَ ذلك لخبرِ الواحد الذي رُوِيَ له ٤) عن النبيِّ ﷺ :"في كلِّ إصبعٍ مما هنالك عشرٌ من الإبلِ" (٥)، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة.
следующие страницы →