← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

فيقال: إنَّ إثباتَ الأحكام تقْصرُ عن النسخ؛ لأنَّ النسخَ رفع لحكم قد ثبتَ واستقر (١)، فلا يرفع بأخبار الآحاد، ولهذا ثبتَ الحكمُ المبتدأُ بالقياسِ، ولم يُرفَعْ حكمٌ ثبتَ واستقر، ولم يُنسَخْ، بالقياس. ومنها: أنْ قالوا: إن القران لَمَّاَ كان مما تَعُمُّ [به] البلوى، لم يثبت بخبر الواحد، كذلك هذه الأحكام التي تعم بها البلوى. فيقال: القرآن لا يثبت إلا بطريقٍ قطعي، لأنَّ إثباتَ القرآنِ طريقُه العلمُ لا الظن، وهذه الأحكامُ وإن عَمَّتْ (٢) بها البلوى إلا أنَّ طريقَها الظنُّ، ولهذا تثبتُ بالقياس الذي هو فرعٌ لخبرِ الواحدِ، ولهذا ردَّت الصحابةُ قراءةَ ابن مسعود، ولم تردَّ في الأحكامِ التي تعمُّ بها البلوى خبرَه، ولا خبرَ من هو دونه، وهذا إنَّما نسلمه في الآيةِ والاثنتين، فأمَّا السورةُ، فنقبلُ فيها خبر الواحد، لأنها مما لا يمكن اختلاقُها، فكالنَ نفسُ إعجازِها دلالةً على كونِها من كتابِ الله سبحانه. فصل يقبل خبر الواحد إثبات الحدود (٣)، وبه قال أصحاب الشافعي. واختلف أصحاب أبي حنيفة:

стр. 2032

فحكى أبو سفيان، عن أبي يوسف: أنه يقبل، وهو اختيار أبي بكر الرازي. وحكي عن الكرخي: أنَّه لا يثبت به حدّ، ولا ما يَسقُطُ بالشبهةِ (١). فصل في دلائلنا فمنها: أنَّه حكم يستوفى بغلبة الظن، ولا يعتبر في إثباتِه القطعُ، فثبت بخبرِ الواحد؛ كالأحكامِ الشرعيةِ كلِّها، والدلالةُ على ثبوتِ استيفائه بالظن: قبول قول الشاهدين. يُوضِّحُ هذه الطريقةَ: أنَّ بابَ الشهادةِ آكدُ من باب الأخبارِ، فإنَّ أخبارَ الدياناتِ يقبلُ فيها قولُ العبدِ والمرأةِ، والعنعَنةُ، ولا يقبلُ ذلك في بابِ الشهادةِ، ثم إنَّ هذا الحدَّ مستوفى بالشهادة، مع كونها آحاداً، وكونها موجبة للظن دون القطع، فأَوْلى أن يجب بخبر الواحد، مع توسع طريقه، وسهولة بابه. ولأنَّ طريقَ خبرِ الواحدِ مقطوعٌ به، لأنَّ طريقَه الإجماعُ والقرآنُ، كما أن طريق الشهادةِ كذلك، فإذا ثبتَ استيفاءُ الحد بالشهادةِ، ثبتَ

стр. 2033

وجوبُه بخبر الواحد. فصل في شبه المخالف قالوا: الحدودُ موضوعةٌ في الأصلِ على أنَّ الشبهةَ تُسقِطُ الحدودَ، وتمنع إثباتها، وخبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ، وما ليس بعلمٍ، فهو شبهةٌ؛ لأنَّه يتردد بينَ الصحة والبطلان. فيقال: ليس كل ما لم يوجب العلمَ يكونُ شبهةً، بل يوجب الظن، والظنُّ يترجح [فيه] أحدُ المُجوَّزَيْنِ، وإنَّما الشبهة ما اشتبه الأمرُ فيه من غير ترجيحٍ إلى الإثباتِ، والدليلُ على ذلكَ: إثباتُه بشهادةِ (١) الشاهدين، وهي غيرُ موجبةٍ للعلم، وإنما أوجبت الظن، فكذلكَ خبرُ الواحدِ، ولا فرقَ بينهما. فصل خبر الواحد مقدمٌ على القياس (٢) ومعنى هذا: أنه يعمل به، وإن خالف القياس (٣).

стр. 2034

وبهذا قال أصحاب الشافعي (١). وقال أصحاب مالك: يقدم القياس عليه (٢). وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا كان مخالفاً لقياس الأصول، لم يقبل (٣).

стр. 2035

فصل في أدلتنا من جهة السنن ما روي: أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعث به إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتابِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنَةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو، فقال رسولُ الله ﷺ :"الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله" (١)، فَرتَّبَ العملَ بالقياس على السُّنَةِ، فدل على تقديمِها على القياسِ، والسنةُ تعمُ الآحادَ وَالتواترَ. ورويَ أنَّ عمر بن الخطاب ترك القياس في الجنين؛ لحديثِ حَمَلِ ابن مالك بن النابغة، وقال: لولا هذا لقضينا بغيره (٢). ورويَ أنه كان تقْسِمُ ديةَ الأصابعِ على قدرِ منافعها (٣)، (٤ وترَكَ ذلك لخبرِ الواحد الذي رُوِيَ له ٤) عن النبيِّ ﷺ :"في كلِّ إصبعٍ مما هنالك عشرٌ من الإبلِ" (٥)، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة.

стр. 2036

وأيضاً من جهةِ المعنى والاستنباطِ: أنَّ القياسَ يدلُ على قصدِ صاحبِ الشرعِ من طريقِ الظن، والخبرُ يدلُّ على قصدِه من طريقِ الصريح، فكان الرجوعُ إلى الصريح أولى؛ يوضِّحُ هذا: أنَّه حثَّ على تبليغِ الأحكامِ مع علمِه بأنَّ الآراءَ كثيرةٌ، وأتى بالتحكماتِ الخارجةِ عن الرأي، ولم يأتِ بقولٍ مخالفٍ لقولٍ سبقَ له (١)، إلا أن يكون ناسخاً ورافعاً. ومنها: أنَّ الاجتهادَ في الخبر يقل خطرُه؛ لأنَّه لا يحتاج إلا إلى الاجتهادِ في عدالةِ الراوي فقط، وفي القياسِ يحتاجُ إلى الاجتهادِ في

стр. 2037

عِلَّةِ الأصلِ، ثمَّ في إلحاقِ الفرع به، ومن الناس من يمنعُ إلحاقَ الفرع بالأصلِ إلا بدليلٍ آخر، فكان المصيرُ إلى مَا قلَّ فيه الخطرُ، وقلَّ الاجتهادُ فيه والنظرُ، أَوْلى، لأنَّه أسلم من الغرر. ومنها: أنه لو سُمعَ القياسُ والنصُّ المخالفُ (١) له من رسول الله ﷺ ، لقدِّمَ النَصُّ فيما تناولَه على القياس، فلأنْ يُقدَّمَ على قياس لم يُسمع من رسولِ الله ﷺ أَوْلى. ومنها: أنَّ حكمَ الحاكمِ يُنقضُ إذا خالفَ النصَ، ولا ينقض إذا خالف القياسَ، وهذا دليل على أَنّه أقوى، فلا يجوزُ أن نتركَ الأقوى للأضعفِ. ومنها: أنَّ الخبرَ قد ينتهي إلى العلمِ إذا كثرَ راوتُه، والقياسُ لا ينتهي إلى العلمِ، ولا يتجاوزُ الظنَّ، وإن كثرت من الأصولِ شواهدُه، وهذا أيضاً يدلُّ على قوةِ الخبرِ، وضعفِ القياس. فصل في شبهاتهم فمنها: أن قالوا: إنَّ خبرَ الواحدِ يدخلُ عليه الفسادُ، والمنعُ من العملٍ به؛ من وجوه أربعة: أحدها: أن يكون فيِ خبرِه كاذباَّ، وأن يكون فاسقاً، لا كاذباً، وأن يكونَ خطأً، أو يكون في اعتقاده كافراً، وغايةُ ما يدخلُ على القائسِ: أن يكونَ في اجتهادهِ مخطئاً، وما قلَّت وجوهُ الفساد فيه، وكثرت وجوهُ الإصابةِ، وحصولِ السلامةِ، كان هو المرجحَ على ما كثرت وجوهُ الخطأ والفساد فيه وعليه.

стр. 2038

فيقال: جميعُ ما ذكرتَ يَتسلَّطُ على القياس المستنبط؛ لأنَّ الخبرَ أصلُ القياس، وإذا كانَ أصلُه تتسلطُ عليه هذه الوجوهُ من الفساد، ويزيدُ عليهَ الخطأُ في الاجتهاد، لم يبق للقياس ميزة على الخبر؛ إذ كان فرعاً له. ولأنَّ الترجيحَ إنَّما يحصلُ بوجوهِ الإثباتِ؛ ككثرةِ الأشباه بالأصول على ما هو أقلُّ شبهاً بها، وكذلك الخبرُ بكثرةِ الرواةِ على ما قل رواتُه، ولا يُرَجَّحُ خبرُ المغفلِ على خبرِ الفاسقِ، ولا ما وُجدَ فيه سببٌ من أسباب الفساد على ما وجدَ فيه سببانِ من أسباب الفسَاد. ولأنه كان يجبُ [أن يكونَ] خبرُ الواحدِ أَوْلى من القياس، لاجتماعِ أربعةِ الأَوْجهِ (١) من الفساد، والخامسِ؛ وهو الخطأ المُتطرِّقُ على الاجتهاد. ومنها: أن قالوا: إن الخبرَ طريقُه اللفظُ المتطرق عليه المجازُ والإجمالُ والاحتمالُ، ولا يتطرقُ على المعنى المستنبط شيءٌ من ذلك. فيقال: هذا موجودٌ في آي الكتابِ، والسُّنَةِ المتواترة، ولا يوجبُ ذلك تقديمَ القياسِ عليهما. ولأنَّ الخبرَ يستندُ إلى قولِ المعصومِ، والاجتهادَ يستندُ إلى رأي غير المعصوم، ولأنَّه يستندُ إلى الخبر وهذه حالُه، فإِن ضَعُفَ الخبرُ لِمَا ذكرتَ من تَطرُّقِ هذه الوجوه، كانَ المستندُ إليه -وهو القياسُ- أضعفَ.

стр. 2039

ومنها: أن قالوا: إنَّ الإجماعَ قد يقع على موجبِ القياس، وخبرُ الواحد لا يتأتى أن يجمعوا على موجبه، بل يخرج ذَلك إلى المتواتر، ولا يخرجُ الإجماعُ على موجبِ القياسِ عن كونه قياساً. فيقال: إنَّ الإجماعَ إنَّما يحصلُ على الحكمِ الذي أوجبَه القياسُ، كما يحصلُ على الحكمِ الذي أوجبَه خبرُ الواحدِ، وأمَّا الإجماعُ على القياس، فلا يحصلُ، فإن حصَلَ، كان قياسَ الإجماعِ، كما يصير الخبرُ المجمعُ عليه أنَّه مرويّ عن النبي ﷺ ، فيصيرُ قياساً معصوماً، وهذا خبرَ تواترٍ قطعاً. ومنها: أنَّ القياسَ يحصلُ من جهةِ رأيه واجتهاده، والإنسانُ لا يُكذِّبُ نفسَه، والخبرَ من جهة غيرِه، ولا ثقةَ إلى قولِ الغيرِ توازي ثقتَه بنفسِه، ونفسُه بمثابةِ ما سمعه من النبيِّ ﷺ مَعَ ما يسمعُه عنه غيرُه. فيقال: باطلٌ بخبرِ التواترِ المخالفِ للرأي، وقياسِ الأصول. ولأنَّه وإن كان بفعلِه واجتهادِه، إلا أن طريقَه غامضٌ، فقد يصدرُ عن رأيهِ ما يخالفُ الأولَ، فيبطلُ الأولُ، ولا يعملُ في حادثةٍ أخرى، والروايةُ تقضي للمُتأخِّرِ على المتقدِّمِ. فصل وأمَّا ما يختصُّ أصحابَ أبي حنيفةَ، فيقال لهم: ما الذي تريدونَ بمخالفة الأصول؟ فإن قالوا: معنى الأصولِ، فهو كقولِ أصحاب مالك، وقد بيّنا

стр. 2040

فسادَه. وأيضأ: فإنَّهم ناقضوا في هذا، فإنَّهم لا يزالون يتركونَ القياسَ بخبرِ الواحدِ، ويسمونَه موضع الاستحسان، فمن ذلك: قولُهم: من أكلَ ناسياً، بطلَ صومُه، إلا أنا تركناه لخبر أبي هريرة (١). وقالوا: القياسُ أنَّه لا يجوزُ التوضؤ بنبيذِ التمر، ولكن تركناه لخبرِ عبد الله ابن مسعود (٢)، وأمثالُ ذلك على أصلهم كثيرٌ. وإن أرادوا بالأصول (٣): الكتابَ والسنةَ والإجماعَ، فكذلكَ نقول، إلا أنَّهم يقولون ذلك في مواضع لا كتابَ فيها ولا سُنَّةَ ولا إجماعَ، وهي (٤) في خبرِ المُصرَّاةِ والتفليسِ والقرعةِ، فلا وجهَ لما قالوه. وأيضاً: فإن خبرَ الواحدَ أصلٌ بنفسِه، وأصلٌ لغيره -وهي المعاني المستنبطة-، فلو جازَ أن يتركَ لأجلِ الأصلِ، لجازَ أن تتركَ الأصولُ له. فصل خبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ؛ لا الضروريَّ، ولا المكتسبَ ، على الصحيح من الروايتين عن صاحبنا (٥).

стр. 2041

وعنه: ما ظاهره حصولُ العلم بخبرِ الثقةِ (١)، وتأوَّله شيخنا الإمام ابن الفراء ﵁ (٢). وعنه: التوقفُ في الفرقِ بين العلمِ والعمل، فقال: -وقد حُكِيَ له عمن يقول: العملُ به واجب، ولا يوجب العلم-: لا أدري ما هذا؟ وقال بعضُ أهل الظاهر: يوجب العلم. وقال بعضُ أصحاب الحديث: فيها ما يوجب العلم كحديثٍ يرويه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وما أشْبَهه. وقال النظام (٣): خبرُ الواحد إذا قارنته أمارة يوجبُ العلمَ، وقيل

стр. 2042

عنه: إنَّه يوجبُ العلمَ الضروري عند مقارنةِ الأمارةِ له (١). فصل في جمعِ أدلتنا فمنها: أنَّ الاعتقاداتِ بحسب أدلتِها، والتأثيراتِ في النفوسِ والقلوبِ بحسب المُؤثِّرِ، ولا نجدُ في خبرِ الواحدِ، وإن بلغَ الغايةَ، إلا ترجيحَ (٢) صدقِه على كذبه، مع تجويزِ الكذب عليه، ولا يتأثر في النفس من تغليب أحدِ المجوَّزين إلا الظنُّ، فأمَّا القطعُ والعلمُ، فلا وجهَ، لأنَّ ذَلكَ لا يحصلُ في النفسِ؛ إلا أن ينتفيَ التجويزُ للكذب عن المخبر الواحد. ومنها: أن لو كان خبره يوجبُ العلم، لما روعِيَ (٣) فيه الصفاتُ؛ من الإسلام، والعدالة، كما قلنا في أخبار التواتر؛ لَمَّا أَوْجَبَتِ العلمَ، لم تُعتبَرْ صفات المخبرين؛ سوى العقلِ. ومنها: أنَّه لو وجبَ العلمُ، لَمَا قَبِلَ الزيادةَ والترجيحَ في نفسِ المُخبَرِ، فلما كان خبرُ الواحد يُؤثَر في النفس معنى، وكلما انضمَّ خبرٌ آخرُ إليه، وزادَ عددُ المخبرين، قَوِيَ الأثرُ في النفسِ، عُلِمَ أنَّ

стр. 2043

الأولَ ظنٌّ، إذ لا تقبلُ القطعُ زيادةً، بدليل العلم الحادث عن المخبرين الذين لا يجوزُ عليهم التواطؤ أو الكذب، لَما بلغ طبقةَ العلمِ، لم تقبلِ التزايدَ، وكذلك العلم الثابت بأدلةِ العقولِ لا يحتملُ الزيادة. ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ لو أوجبَ العلمَ، لَمَا كان مما يَختَلُّ بخبرِ آخر بضدِّ ما أخبرَ به المخبر الأول، أو بخلافه، فلمَّا وجدنا أنَّ الواحدَ الثقةَ إذا أخبرَ بالخبرِ، فروى لنا ثقة آخرُ بخلافِ ما رواه الأَوَّلُ، زالَ ما كُنا نجدُه في نفوسِنا من خبرِ الأَوَّلِ، عُلِمَ أنَّ الأولَ لم يكن علماً. ومنها: أنَّه لو كانَ خبرُه يوجبُ العلمَ، لأوجبَ التَّبرُؤَ بينَ العلماءِ، والتفسيقَ للمخالفِ والتضليلَ، كأخبارِ التواترِ وأَدِلَّةِ العقول؛ لَمَّا أوجبتِ العلومَ، لا جَرَمَ أوجبت التبرؤَ مِمَّن خالفَ فيما أوجبه، وتضليلَه. ومنها: أنَّه لو كانَ خبر الواحدِ يوجبُ العلمَ، لكانَ المُخبِرُ بالنبوة يكفي خبرُه بمجردِه في تصديقه، ولا يحتاجُ إلى الإعجازِ، وإقامةِ الدلالةِ على صدقِه، فلمَّا لم يُصدقْ بمجرد خبره، عُلِمَ أنه لا يُوجِبُ العلمَ إلا ما قام على صِدْقِه من المُعجِزِ. وكذلك الشهادةُ عند الحاكم، لو أوجبَت العلمَ، لما افتقرت إلى العدالة والتزكية. ومنها: أنَّه لو أوجبَ العلمَ، لكانَ يعارضُ خبرَ التواتر، كما يتعارض الخبران؛ إذا كان كلُّ واحدٍ منهما خبرَ واحد، فلمَّا لم يُؤثَرْ خبرُ الواحد مع خبر التواتر، بل ألغيناه، وأسقطناه، عُلِمَ بطلانُ

стр. 2044

دعوى المخالف في كونه موجباً للعلم. ومنها: أنَّ خبرَ الواحدِ يصحُّ التشكيكُ فيه بخبرٍ آخرَ؛ بخلاف ما أخبرَ به، أو برجوعه عمَّا رواه، ولو كانَ موجباً للعلمِ، لما وقعَ الشكُّ بمثله، ولما كان الشكُّ واقعاً في خبرِ الأول بخبرِ الثاني، وفي خبر الثاني بخبر الأول، علم أنَّه كان ظنّاً، فلمَّا قابله ما يوجبُ ظناً، تَجدَّدَ الشكُّ عند تقابلِ خبريهما. ومنها: أنَّه لو كان موجباً للعلم، لوجبَ إذا قابله خبرُ تواتر أن يتعارضا، فلما قُدِّمَ خبر التواتر، عُلِمَ أنَّه غيرُ موجبٍ لما يوجبُه الخبر الموجب للعلم. ومنها: أنَّ التأثير في قلب السامع مبنيّ على أمورٍ تحصل في قلبِ المخبر، وهي صفات مخصوصة، فإذا كان المخبر معصوماً من الكذب، أثّرَ في قلبِ السامعِ نفي تجويزِ الكذبِ، فصار بخبره قاطعاً، فأمَّا الواحدُ المُجوَّزُ عليه السهوُ والغلطُ والتحيلُ والكذبُ، فلا وجهَ لحصولِ علمِ السامعِ بصدقِه فيما أخبر به، وأكثرُ ما يتحصَّلُ ترجيحُ صدقِه لنوع ترجح في صفاتِه، من كونه عدلاً، مأمونَ القولِ (١) والفعل. ومنها أن يقال: إن تأثيرَ العلمِ في القلبِ إنما يَقَعُ (٢) بطريقٍ يصلحُ، كما أنَّ الظنَ لا يحصل إلا بطريقه، والشكَّ بطريقه، فإن الأصلَ الجهل، فإذا لاحَ للقلبِ أمرانِ متكافئان في الإثباتِ والنفي، أَوْرَثا شَكّاً وتَردُّداً متكافئاً، وإذا تَرجَّحَ أحدُهما بما يترجحُ به

стр. 2045

أحدهُما، أوجبَ في النفس أمراً يقال له: الظنُّ، وهو ترجيحٌ في النفسِ لأحدِ المُجوَّزينِ، وإذا كانَ الدليلُ غيرَ متردِّدٍ، ولا محتملٍ في نفسِه، أوجب في النفس دركاً ووجداناً للشيءِ على ما هو به من غيرِ تَردُّدٍ، فسُمِّيَ عِلماً. جئنا إلى الواحدِ إذا أخبر، وهو كما يجوزُ عليه الصدقُ يجوزُ عليه الكذبُ؛ بأن لا يترجحَ أحدُ الأمرين بعدالةٍ، فيورثُ خبرُه شكاً، فإذا ترجح بنوع تماثُلٍ (١)، عرف به في القول والفعل، ترجحَ صدقُه في نفوسِنا، فأمَّا القطعُ، فقد بقيَ له رتبةٌ، وهي العصمةُ، فإذا عَجَّلْناها بالعدالة، ظلمنا؛ لإعطاء الدلالةِ أكثرَ ممَّا تستحقه، وكما لا يجوز أن تُحَطَّ رتبةُ العصمةِ إلى إيجاب الظنِّ في خبرِ المعصومِ، لا يجوزُ أن تُعْلَى رتبةُ العدالةِ، فتوجب خبرِ العدلِ صِفَةَ المعصومِ؛ لإيجابِ العلمِ بخبرهِ. فصل يجمع أسئلة المخالفين على أدلتنا المذكورة [منها]: أن قالوا: إنَّ خبرَ الواحدِ إذا تأيدَ بالعدالةِ فيه، تأَثرَ (٢) في أنفسِنا العلمُ بخبرِه، وذلت يحصلُ بأحدِ طريقين: إما هجومٌ على النفس من غيرِ استدلالٍ، بل ثقةٌ تحصلُ في النفس.

стр. 2046

أو باستدلال على ذلك؛ بما جمعَ من الصفاتِ المبعدةِ عنه الكذبَ، فلا يبقى إلاَّ تصديقُه فيما أخبر به، فيحدثُ في النفسِ علمٌ بما أخبرنا به، فما حصلَ التأثيرُ في النفسِ إلا بحسب المُؤثرِ. وأمَّا قولكم: إنَّه يعرضُ الشك بعدُ بخبرِه فيما أخبرنا به، فذلكَ لا يمنعُ حصولَ العلم، فإن العلمَ الاستدلاليَّ تتطرَّقُ عليه الشُّبَهُ، ولا تخرجه عن كونه علماً، وترجيحُ خبرِ التواترِ عليه أيضاً، لا يخرجُه عن كونه علماً استدلالياً، فإن رتبة العلمِ الاستدلالي دون الضروري، وخبرُ التواترِ يوجبُ علماً ضرورياً، وما ذلكَ إلا بمثابةِ الخبرِ القطعي العيانِ، والعلمِ الصادر (١) عن النظرِ والاستدلالِ بالإضافة إلى العلم الضروري الحاصل ببدائِه العقولِ، والكلُّ علمٌ، وكما يترجحُ الخبرُ بكثرةِ الرواة على الخبر الذي يرويه الثقاتُ لكن دونَ عدد المخبرين في الخبر الآخرِ؛ فإنَهما جميعاً يوجبان الظنَّ، ولا يدلُّ تقديمُ الأكثرِ رواة على الأقل على أنَّ (٢) الأقلَّ رواةَ لا يوجبُ الظنَّ، بل استويا في الظن، وقدِّمَ الأرجحُ، كذلك ترجيحُ المتواتر على خبرِ الواحدِ، لا يمنعُ تساويهما في العلم. فصل في أجوبتنا عن أسئلتهم أمَّا دعواهم أنَّ العدالة في المُخبِرِ توجبُ هجومَ العلم للقلبِ، والثقةَ للنفس، فغيرُ صحيح، لأن العدالةَ ليست بأكثرَ من تَعمُّلٍ لطريقةٍ الطبعُ غالبٌ لها، وعادةُ النَاسِ التجملُ بإظهارِ المحاسن،

стр. 2047

وسَترِ القبائح، ولهذا تكشفُ الخبرةُ والعبرةُ من الناس، ما لا تكشفُه المعرفةُ بالظَاهرِ، وإلى هذا أشارَ ﷺ بقوله: "اخْبُرْ، تَقْلِه" (١)، وقوله: "لو تكاشفتم، ما تدافنتم" (٢)، وقوله سبحانه: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقول النبي للأنصار، إذا رجعوا من السرايا: "لا تدخلوا على بيوتكم إلى أن تصبحوا (٣) " (٤)، أو كما قال، وتحت ستر التَّجمُّلِ الدواهي، ولولا سترُ الله الشاملُ،

стр. 2048

لما حسنت ثقةٌ بأحدٍ، وقد قال عمر ﵁: الثِّقة بكلِّ أحدٍ عجزٌ، وكلامُ الناس في ذلك أكثر من أن يُسطَّرَ، فغايةُ (١) ما يقعُ في النَّفس مع حُسنِ الظاهر، ويمِرُّ في القلب من خبرِ المخبرِ العدلِ: حسنُ الظنِّ به، وأنه صادق، فأمَّا القطعُ والعلم، فلا وجه له، لا سيما مع قولِ النبي ﷺ :"سيكثر الكذب عليَّ" (٢)، وقوله: "نضَّر الله امرأً سمعَ مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقهُ منه" (٣)، وهذا يعطي التَّجوُّزَ في تغييرِ المعنى، مع تجويزِ التزيد في اللفظ. وأمَّا إلزامكم العلمَ الاستدلالي، وأنَّه قد يعترضه الشَّكُّ والشبهةُ، ولم يخرج [عن] أن يكون علماً، فلا نُسَلِّمُ أن ما صَدَقَتْ مقدماتُه، وصَحَّتْ نتائجه من أدلة العقول، ولم يَمِلْ صاحبه إلى ضربٍ من التقليدِ، ولا أخل (٤) بشروطِ (٥) النظر، بل صدق نفسه الاجتهاد بطرقِه، فإنَّه يهجمُ به ذلك على إصابة الحق المطلوبِ لا محالة، وإنَّما يؤتى الإنسان فيه من قِبَلِ نفسِه، ويُدْهى من إهمالِ بعضِ شروطِه، فأمَّا الخبرُ، فإنه إذا خَبرَ عدالةَ الراوي، وجاءَ مثلُه في العدالةِ بخبرٍ ينافي ذلك الخبرَ، فإنَّه لا يترجحُ أحدُهما على الآخرِ، فيورثُ ذلكَ شكاً، مع تمام شروطِ الدليلِ، فلو كان الدليلُ يورث

стр. 2049

علماً، لأمكنَ تحصيلُه به لا محالةَ؛ كدليلِ العقل. وأمّا قولُك: إنَّ إسقاطَ أحدِهما بالآخرِ، لا يمنعُ تساويهما في العلمِ، فغيرُ (١) صحيح؛ لأنّ العلمَ حقيقةً لا يقبلُ التزايدَ، ولا الترجيحَ، وإنما غايةُ اختلافِ العلمِ أن يكونَ أحدُهما أسرعَ حصولاً، وهو الحاصلُ ببدائه العقولِ من غيرِ احتياجٍ إلى وسائل ومقدِّماتٍ، كالعلمِ باستحالةِ مستحيلاتٍ، وإيجاب واجبات بأول نظر، مثل استحالةِ كونِ الجسمِ الواحدِ في مكانين في حالةٍ، واجتماع الضدين في حال واحدٍ، وإِيقاع في الماضي، وإلى أمثالِ ذلك، والعَلمُ الآخرُ أَبْطأَ حصولاً، كالعلمِ بتساوي الخطوطِ الخارجةِ من مركزِ (٢) الدائرةِ على استقامةٍ إلى محيطِ الدائرةِ، وكون المساوي للمساوي مساوياً، وإلى أمثالِ ذلك من الجمل الحِسابيَّةِ، والأشكال الهندسية، الخارجة من العلم إلى الحسِّ. وأمَّا ترجيحُ أحد الخبرين بكثرةِ الرواةِ، فلأنَّ الظنَّ تقبلهُ الغلبةُ، فيقالُ: ظنّ، وغلبةُ ظنٍّ، فأمَّا العلمُ، فهو الغايةُ التي لا تقبلُ الزيادةَ. فصل يجمع شبهاتهم فمنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

стр. 2050

[الإسراء: ٣٦]، فنهانا عن اتباعِ غيرِ العلمِ، وقد أجمعنا على جوازِ اتباع خبر الواحدِ في أحكام الشرعِ، ومحالٌ أن نُجمعَ على ما نكون في اتباعه مخالفين للنص في اتباعِ ما ليس لنا به علم، فلم يبقَ إلا [أَنَّ] الإجماعَ بالعملِ بخبرِ الواحدِ، دلالةٌ على أنَّه موجبٌ للعلم. وذمَّ سبحانَه على اتباع الظن، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، فذمَّ أربابَ الظنونِ في الأحكام والأعمالِ الشرعية، فدل على أنَّ أخبارَ الآحادِ توجبُ علوماً لا ظنونا، لأنَّ من المحالِ أن يذمَّ على اتباع شيءٍ، [ولا] يذمَّ على اتباعِه، لم يبقَ إلا أنَّه أمرَ باتباع أخبارِ الآحادِ؛ لكونها موجبةً للعلم، وذمَّ على اتباع الظنِّ، ولم يَحكم بكونها موجبةً للظن. ومنها: ما يخصُّ أصحابَ الحديثِ: أن قالوا: إنَّ عليّا كرَّم الله وجهه قال: ما حدثني أحدىٌ إلا استحلفتُه، إلا أبا بكر الصديق، وصدقَ أبو بكر (١). فقطع بصدقه، وهو واحدٌ. قالوا: ولأنَّ هذه الأحاديثَ، مع تلقي أصحابِ الحديثِ لها بالقبولِ، مع انتقادِهم الرجالَ، وتَحرُّجِهم في صفاتِ الرواةِ، والجرحِ لمن وجدوا فيه مطعناً، وكثرةِ الرواةِ، ولا يجوزُ أن تكونَ كذباً، فوجبَ كوتُها (٢) حقاً تُوجِبُ علماً، لا ظناً. ومنها: أنَّه لو كانَ خبرُ الواحدِ لا يوجبُ العلمَ، لم يوجب، وإن كَثُرَ العددُ إلى حَيِّزِ التواترِ؛ لأنَّه يجوزُ على الثاني ما يجوزُ على

стр. 2051

الأَوَّلِ، وفي جميعِ العدد كذلك، ألا ترى أنَّ الفساقَ والصبيانَ لَمَّا لم يحصل العلمُ بالواحدِ [منهم]، لم يحصل بالكثرةِ منهم، ألاترى أنَّه لو لم يكن خبرُ الواحدِ موجباً للعلمِ، لمَّا أباح قتلَ النفس بإقرارِ الواحد على نفسه، وشهادة اثنين عليه بالقتل، وبأخبارِ الآَحادِ إيجابَ (١) الحدود، فلما قُبلَ الآحادُ في الأقارير والدماءِ والفروجِ، عُلمَ أنَّها موجبةٌ للعلم، حيث قضت على أدلَّةِ العقولِ الموجبةِ لبراءةِ الذِّمم. ومنها: ما تعلَّقَ به النظَّامُ: في أنَّ خبرَه مع الأمارةِ يوجب العلمَ، ولا يوجبُه بمُجرَّدِه، فقال: إنَّ الإنسانَ إذا أخبرَ عن نفسِه؛ بأنَّه قتلَ من يكافئه ظلماً عمداً محضاً بآلةٍ يقتلُ مثلها غالباً، كان خبرُه مع هذه الأمارةِ المعلومةِ موجباً للعلمِ، والأمارةُ: أنَّ كل حيٍّ يحبُّ الحياةَ، ويكرهُ القتلَ، بل الموتَ في الجملةِ، فإذا قال: قتلتُ، كان آكدَ من قولِه على غيره: قتلَ فلانٌ فلاناً؛ لأنَّ محبةَ النفس، وحبَّ الحياةِ، وكراهةَ الآلامِ، تمنع أن يكونَ قولُه على نفسه كذَباً، فأوجب ذلك العلمَ بصدقِهِ فيما أخبرَ به عن نفسِه. قال: ولأنَّ الأمارةَ باللَّوْثِ (٢) تُؤثِّرُ في النفس أثراً بحِدَتِها (٣)، فإذا انضمَّ إليها الخبرُ، لم يبقَ في النفسِ شك فيمَا دلَّت عليه الأمارة،

стр. 2052

بيانُه: أنا إذا رأينا مقتولاً في سِكَّةٍ من السكك، ورأينا رجلاً بيده سكينٌ عليها أثرُ الدم، والرجلُ هاربٌ من السِّكة، فإنَّ ذلكَ يؤثِّر عندنا، وفي نفوسِنا أَنَّ العاديَ الهاربَ على ذلكَ الوجهِ هو القاتلُ لهذا، ثمَّ إذا انبنى عليه قولٌ، صارَ القولُ مع ذلك اللَّوْثِ مُحقِّقاً في نفوسنا أنَّه القاتل، حتى إن الشريعة [جعلت] للأولياء أن يقسِمُوا على القتلِ، وأنَّ هذا قاتلُهُ، وأنهم لا يعلمون له قاتلاً غيره (١)، وقومٌ جعلوا عداوةَ من ظهرت عداوتُه له كالأثر عند من رأى اللَّوثَ أثراً، وقد أشار الله تعالى إلى ذلكَ؛ حيث قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦]؛ لأَنه أمار على أنَّه كان مقبلاً على المراودةِ، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧] ولأنَّا لا نشكُّ في خبرِ من أخبرنا بموتِ رجلٍ قد كُنَّا عَرَفْنا مرضَه، وقد خرجَ أهلُه مخرقي الثياب، وقد جيءَ بجنازةٍ وُضِعَت على بابهِ، بعد أن سمعنا الصراخَ من دارِه، لا سيَّما إذا كانَ المخبر أباه، أو ابنَه، ومَن لا يُتَّهَمُ بالإرجاف عليه بالموتِ، حتى إنَّا لا نجدُ في أنفسِنا تردُّداً بعد هذا، وإذا كانَ كذلك، عُلِمَ بأنَّ الخبرَ على هذه الصفةِ يوجبُ العلمَ، ومن جحدَ ذلك، كابرَ أو سفسط. وكذلكَ إذا كانَ في جوارِ الإنسان امرأةٌ حامل، فسمعَ الطلقَ من وراءِ جدارهِ، وضَجَّةَ النساءِ حولَ تلك الحامل، ثمَّ سمعَ صراخَ الطفل واستهلالَه، وخرجَ نسوةٌ يقُلْنَ: ولدت فلانة ابناً، أو أخبرت القابلةُ

стр. 2053

بذلك، فإنَّنا لا نجدُ في نفوسِنا شكاً ولا ارتياباً بصحةِ الخبرِ، وصدقِ المخبرِ بذلك، ومن جحدَ ذلكَ، خرجَ من حَيِّزِ المناظرةِ إلى المكابرة. فصلٌ في الأجوبة عن شبههم أما التعلقُ بالآياتِ، والمنعِ من قفوه ما ليسَ له به علمٌ، وذمِّ من اتبعَ الظنَّ، فالجوابُ عنه: أنه أرادَ: فيما طريقُه العلمُ، كالاعتقاداتِ الأصوليةِ، وما يتعلَّقُ بالله سبحانه، وما يجبُ له، وينفَى عنه، صرفاً للآية عن ظاهرها -وهو العمومُ- إلى ما يعتبرُ فيه العلمُ، بدلائلنا التي ذكرناها. على أنَّ من دلَّ على إيجابِ قبولِ خبر الواحدِ، وإن أوجبَ ظنّاً، فقد قفا ماله به علمٌ، ونحنُ نقطعُ ونعلمُ بوجوبِ قبولِ خبرِ الواحدِ، والعملِ به، فهو وإن أوجبَ ظناً، إلا أنَّ إيجابَ العملِ به أُوجبَ قطعاً. والدليلُ على صحةِ تأويلنا، وتخصيصِ الآيةِ على ما ذكرنا: هو إجماعُنا على اقتفاءِ خبرِ المفتي بما صدرَ عن اجتهادِه، وعملُ الحكامِ بالبيناتِ عمل بما لا يقطعونَ به، لكن لما استندت البَيِّنةُ إلى دليلٍ قاطع، عملنا بها، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، كذلك هاهنا، قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].

стр. 2054

وأمَّا ذمُّه العاملينَ بالظنونِ، فإنَّه عادَ إلى مَن عَوَّلوا على الظنون فيما طريقُه العلومُ والقطعُ، وهو إثباتُ الأصولِ، والآيةُ تشهدُ بذلك، لأنها وردت في معتقداتِ القومِ، من دون أعمالِهم. وأمَّا قولُ علي ﵁ في استحلافِه مع الخبر، وتصديق أبي بكر الصديق ﵁، فذاك من (١) الأحكامِ الفروعية، وليسَ يعتبرُ فيها القطعُ، بل الظنّ، وجعلَ رتبة أبي بكر مع خبره موازية لحلفِ غيرِه مع خبرِه، فأغناه ذلك عن تقويةِ ما في نفسِه بحلفِه، وقويَ مجردُ قولِه عنده وعندنا؛ لأن الغالبَ صدقُه على الظن، فحسنَ أن يقالَ: إنَه مصدَّق في خبره، وليس كل مصدَّقٍ في خبرِه مقطوعاً على صدقِه. وأمَّا مبالغة أصحابِ الحديثِ، فلا تعطي القطعَ بأخبارِ من روَوا عنه، وتحرزوا في الروايةِ عنه، بدليلِ أنَّا نرجِّحُ بكثرةِ الرواةِ، وروايةُ صاحبِ القصةِ كحَمَل بن مالك في قصةِ الجنين، رجحناه على روايةِ غيره؛ لأنَّ القصةَ كانت متعلقة به، ونُرجِّحُ في أسرارِ أخبار رسول الله ﷺ ، وأحوالِه [غير] البَيِّنةِ حديثَ عائشةَ وأمثالِها من أَزواجه، على روايةِ أنسٍ وابن عمرَ وابنِ عباس. على أَنَّ رواياتهم نقطعُ بأن فيها صدقاً (٢)، ولا نعلمُ عينَهُ، ولا يجوزُ أن يكونَ كل ما رووه وأخبروا (٣) فيه كذباً، وقطعنا على أنَّ في أخبارِهم صدقاً لا يعطي العلمَ بأعيانِ الأخبارِ، هذا كما نقطعُ في بابِ الفتوى من جهة المفتين المجتهدينَ المختلفينَ في الأحكامِ، أنَّ

стр. 2055

الحقَّ والقطعَ في أحدِ أقوالهم، وأنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن مقالاتِهم، لكن لا يعلمُ ذلك عيناً، واجتهادُهم في الرأي كاجتهادِ أصحابِ الحديثِ في الروايةِ، ولا نقطعُ على صحةِ مقالةِ واحد من المفتين، لأجلِ قطعِنا على أنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن رأيهم، كذلكَ لا نقطعُ على خبرِ واحدٍ من الرواةِ بعينه، لأجلِ قطعِنا على أنَّ الحقَّ والصدق لا يخرجُ عن روايتهم. وأمَّا قولُهم: إنَّه لو لم يوجب العلمَ، لما أوجبَ إذا كثر الرواةُ، وانتهوا إلى حدِّ التواترِ، فغلطٌ، لأنَّ إعطاءَ آحادِ الجُملَةِ ما (١) يجبُ للجملَةِ، يردُّه الحسُ والعقلُ، فإنَّ للتعاضدِ والتناصرِ ما ليس للانفرادِ في بابِ المحسوساتِ، [و] اعتمادُ الجماعةِ يعطي ما لا يعطيه آحادُهم دفعاً ورفعاً للأشياءِ الثقيلة، وتأثيراتُ الأقوالِ المتناصرةِ في النفسِ معلومة، بحيث لا نجدُ قبل تناصِرها في نفوسِنا ما نجدُه بعد تناصِرها وتعاضدِها، بل يجد الإنسانُ في نفسه من التأثير باستثباتِ الخبرِ من الواحدِ، ما لا يجدُ من قولِه مرَّةً من غيرِ استثباتٍ، ولذلكَ يَفْزَعُ العقلاءُ إلى قولِهم لمن أخبرهم بدخولِ الأميرِ البلدَ، وبقدوم القافلةِ على طريق الاستثبات: حقاً تقول؛ فإذا قال: نعم، وجدوا في نفوسهم ما لم يجدوه قبل استثباته، فكيفَ بأقوالٍ بعدَ أقوالٍ، وأخبارٍ بعد أخبارٍ؟! وما زالَ العقلاءُ يطلبون تناصرَ الأدلة؛ ليرتقوا بها إلى القطعِ، فإذا انتهوا إلى القطعِ، سكنوا، وحصلت الثقةُ منهم المغنيةُ عن الاستزادةِ، مثل قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران: ٤١].

стр. 2056

ولأنَّ العددَ الكثيرَ يبعدُ عنهم التواطؤ على الكذبِ، وإذا صارَ عددَ التواترِ، استحالَ؛ كاستحالةِ اجتماعِ أهلِ بغدادَ على حب الحامضِ في حالةٍ واحدةٍ. ولأنَّه ما زالَ يَتجدَّدُ بقولِ الجماعةِ ما لا يوجدُ بقولِ الواحدِ؛ بدليلِ قولِ الشاهدِ الواحدِ، والمرأةِ الواحدةِ مِع الرجلِ الواحد، وقد عَلَّلَ البارىء بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا يعطي أنَّ الوَحْدةَ يقوى فيها تجويزُ الكذب، والكثرةَ يبعدُ معها الكذبُ، وكذلكَ يبعدُ السَّهْوُ والغلطُ عن الكثرَةِ؛ لتعاضدِهم على المذاكرةِ بالأمرِ المخبَرِ به، فإن نسيَ أحدُهم، ذكره الباقون، وإن نسيَ جماعة منهم، ذكرهم الواحدُ، ولذلكَ صار الإجماعُ قطعياً، وإن كانَ الواحدُ من المجتهدين مُجوَّزاً عليه الخطأ، فيتجدد للإجماعِ أمرٌ لم يكن لآحادِ المجتهدين، وهو القطعُ بصحةِ ما أَفْتَوا به في الحادثة. وأمَّا قولهم: لو لم يوجب العلمَ، لما أباح قتلَ النفس بإقرارِ الواحدِ، وشهادة الاثنين، فدعوى لا برهانَ عليها؛ إذ قد أباَح القتل باجتهادِ الواحدِ والاثنينِ، إذا لم يكن لنا سواهما من أهل الاجتهاد، نعم، وأباحَ القتلَ مع وجودِ الخلاف، ولم يجعل أحد من الفقهاء اجتماعَهم على إيجابِ القتل أو إباحتهِ شرطاً، بل أجمعوا على أنَّ القتلَ في مسائلِ الاجتهادِ المختلف فيها جائز (١)، فهذا يقتلُ بالقتلِ بالمُثقَّلِ مع خلافِ غيرِه له، وهذا يقتلُ المسلمَ بالكافرِ مع خلافِ

стр. 2057

غيرِه له، وهذا يقتلُ الأبَ بابنه ذبحاً مع خلافِ غيرِه له، فلم يوقفوا القتلَ على القطعِ. وأما ما تعلَّقَ به النظَّام، بخبرِ الواحدِ مع الأمارةِ، فلا نُسلِّمُ أنه يقعُ بها العلمُ، بل هذه عينُ الدعوى، وشرحُ المذهب. وكيف يُعتقَدُ ذلكَ، ونحنُ نعلمُ أنَّ مثلَ تلكَ الأمارةِ تقعُ تزويراً؟ وكم فعلَ النَّاسُ مثلَ ذلك، لأغراضٍ بلغوها، مثل وضعِ الدمِ على قميصِ يوسفَ، ووَضْعِ يوسفَ بضاعتهم في رحالِهم، ووضعِه الصُّواع في رحلِ أخيه، وكانوا أحبارَ العالم، وأولادَ الأنبياء، فكيف بأهلِ عصرِنا على ما نعرفه منهم؟ وكم من لَوْثٍ كانَ موضوعاً على غيرِ الجاني، وكم من غشيةٍ حسبَها أهلُ المريضِ موتاً، وكانت إغماءً وضعفاً، قال الله سبحانه في حق سليمان: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١] ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤]، وإذا كان حكمُ الأَماراتِ على هذا الوضعِ، فلا ثقةَ إلى أمارةٍ على حدتها، ولا خبرٍ واحدٍ على حدتِه، فإذا اجتمعا، فلا قطعَ، بل غايةُ ما يوجبُ ذلك تَرجُّحَ أحدِ المُجوَّزين، وهو الذي نشيرُ إليه من الظنِّ، وكم رأينا مَن فعلَ ذلك وسمعنا، لدفعِ ضررٍ، أو اختلاف يقعِ، وكم استعارَ النساءُ أولاداً، وأظهروا الطلقَ، وانتفاخَ البطنِ، ثمَّ بان أنَّ الولدَ كان مُزوَّراً، فمتى سلمَ لكَ حصولُ العلم، مع اتجاه هذه الأفعالِ، وسلوكِ هذه المسالك؟! وإنّي لأَسْتكثِرُ الظنَّ فيه، فضلاً عن العلمِ؛ لما نعرفُه من أَدْغالِ الناسِ.

стр. 2058

مسألة المراسيل حجةٌ، ويجب العمل بها (١) وصورةُ الإرسال: أن يقولَ مَنْ لم يَلْقَ رسولَ الله ﷺ : قال رسول الله، مثل أن يرويَ التابعيُّ عن النبيِّ ﷺ . وكذلك إذا قال: أخبرني الثقةُ، أو أخبرني رجلٌ عدل، عن فلان، في إحدى الروايتين عن أحمد، نَصَّ عليه. وقال: ربما كان المنقطعُ أَقْوى. وقال: مرسلاتُ سعيد بن المسيب أصحُّ المرسلاتِ، وليس في المرسلاتِ أضعفُ من الحسنِ، وعطاء بن أبي رباح (٢)، ومرسلات إبراهيم (٣) لا بأس بها.

стр. 2059

وبهذا المذهب قال الكرخي من أصحابِ أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، والمعتزلة (٣). وفيه روايةٌ أخرى: ليس بحجةٍ إلا مراسيلَ الصحابةِ (٤)، وبها قال الشافعي (٥).

стр. 2060

فصلٌ في الأدلة على جواز الاحتجاجِ به فمنها: أنَّ التابعينَ رحمة الله عليهم، كان من عادتهم إرسالُ الأخبارِ، من ذلك: ما رويَ عن الأعمش (١)، أنَّه قال: قلتُ لإبراهيمَ: إذا حدَّثْتَني، فأَسنِدْ، فقال: إذا قلتُ لك: حدثني فلانٌ عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلتُ لك: قال (٢) عبد الله، فقد حدثني جماعةٌ عنه، ورويَ ذلك: عن الحسنِ، وسعيد بن المسيب، والشَّعبي (٣).

стр. 2061

وإذا كان هذا معروفاً من عادتهم، فلو كانَ عندهم أنَّها غيرُ مقبولةٍ، كانوا قد ضَيَّعُوا سُننَ رَسولِ الله ﷺ بهذا الفعلِ، وذلك لا يجوزُ، فلا يظنُ بهم اعتمادٌ، مع شهادةِ رسول الله ﷺ لهم بالخير والعدالة. ومنها: أنَّ إرسال الراوي مثبتٌ لعدالةِ من رَوَى عنه، من وجهين: أحدهما: أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ فاسقاً، ويكتمَ اسمَه، ويُدرِجَه إدراجاً، فيكون غِشَّاً لمن يُحدِّثُه بذلكَ الحديث عن رسولِ الله. والثاني: أنَّه إذا روى عن غيرِ ثقةٍ، كانَ قد قطعَ على رسول الله ﷺ بغيرِ طريقِ القطعِ، فلم يبقَ إلا أنّه تعديل لمن روى عنه، وإذا كان تعديلاً له، وجبَ قبولُ خبرِه، وقد جعلَ أحمدُ روايةَ العدلِ عن غيرِه تعديلاً، فقال في كتاب "العلل" للأثرم: إذا روى عبد الرحمن (١)

стр. 2062

عن رجلٍ، فروايتُه حجة. وقال أيضاً في رواية أبي زرعةَ الدمشقي (١): مالكُ بن أنسٍ إذا روى عن رجلٍ لا يعرفُ، فهو حجةٌ (٢). ومنها: أنَّ الظاهرَ من المُسنِدِ بحديثه، أنه يقصد أن يخرجَ من عهدةِ الرواية يذكرِ الرجال، فإذا أرسلَ، وقال: قال رسول الله ﷺ ، فقد تيقن صحةَ الطريقِ، وسلامتَه بصدقِ الرواةِ عنده؛ ولهذا قالَ الحسنُ لما أرسلَ، حديثاً، فسئل عنه، فقال: حدثني به سبعون بدريّاً، فدلَّ على أنَّ الإرسالَ إن لم يقوَ على الإسناد، فلا ينحطُّ عنه. ومنها: أنَّه ي يقبَلُ منه الخبر مسنداً، فقُبِلَ مرسلاً، كالصحابيِّ، وكسعيدِ بن المسيب.

стр. 2063

فصلٌ في جمع أسئلتهم على أدلتنا فمنها: أنَّ الحالَ في تركِ إسنادِه متردِّدةٌ محتملة، فيجوزُ أن يكونَ لنسيانٍ منه عينَ الراوي، فلا يذكرُه لأجلِ النسيانِ، ويجوزُ أن يكونَ ممن يأنفُ أن يرويَ عنه، ويحتمل أن يقنع بظاهر عدالتِه عنده، ولا يكون مرضياً، ولو كانَ عدلاً عنده لم يكف، لأنه (١) يجوزُ أن يكونَ ليس بعدلٍ عند مَنْ يَعْرِفُه، إذا سمَّاه وذكره. ومع هذهِ الاحتمالاتِ لا يجوزُ أن يقطَعَ على العدالةِ، ويُرَجَّحَ جانِبُها، وعدالتُه عندَه لا تكفي في وجوبِ العملِ بخبرِه حتى يُنظرَ في حالِه. قالوا: ولأنَّه لو كانَ هذا كافياً في إرسالِ الخبرِ، لكانَ كافياً في بابِ الشهادةِ على الشهادةِ، ونَقْنعُ بعدالةِ شهودِ الفرعِ، ونقول: إنه لا يشهدُ العدلُ إلا على العدلِ، ولا يُسنِدُ شهادته إلا إلى مثله، ولما بطلَ هذا في الشهادة، بطل في الأخبار. فصل في الأجوبةِ عن أسئلتهم فمنها: أمَّا النسيانُ بعدَ المعرفةِ بعدالةِ الراويِ، فلا يضرُّ، لأنَّ

стр. 2064

نسيانَه لا يمنعُ من اجتماعِ صفاتِ العدالةِ فيه حين روى له الحديث. على أنَّ جميعَ ما تعلقَ [به] من الاحتمالات باطلٌ برواية الصحابيِّ عن النبيِّ ﷺ ، وبقولِ الحاكمِ: ثبتَ عندي بشهادةِ رجلين ساغَ لي سماعُ قولهما، فإنَّه لا يسأل عن عينهما مع الاحتمالات التي ذكرتَها، وكذلكَ لا يُشَكُّ أنَّ الشافعي نصَّ على قبولِ مراسيلِ سعيد، ويبعدُ ما يقولُه أصحابُه عنه، وأنَّه تتبعها، فوجدَها مسانيدَ؛ لأنَّه لما وجدها مسانيدَ، كان ينبغي أن يُزِيلَ عنها اسمَ المراسيلِ؛ فإنَّ في ذلك تلبيساً (١). وأما الشهادةُ على الشهادةِ، فإنَّما لم يكتفَ فيها بالإرسالِ، فبابُ الشهادةِ على الاحتياطِ، وبابُ الأخبارِ على السهولة؛ لقبولِ العنعنة، والمناولة، والإجازة، وعدمِ العدد، وإفراد الأنوثة من وراءِ الحجاب، وظاهرِ العدالةِ من غير بحثٍ عن باطنِ المحدِّث، وسيأتي الجواب عن ذلك في احتجاجهم، إن شاء الله. فصل في شبههم فمنها: ما احتجَّ به الشافعيُّ ﵁، وهو أنَّ الخبرَ كالشهادِة في اعتبارِ العدالةِ في كلِّ واحدٍ منهما، وقد ثبتَ أنَّ الإرسالَ في الشهادةِ يمنعُ قبولَها وصحتها، فكذلك الخبرُ. ومنها: أنَّ من شرطِ صحةِ خبرِ الراوي المعرفةَ بعدالتِه، والمُرسَلُ

стр. 2065

لا تعرفُ عدالةُ الراوي له، فوجبَ أن لا يقبَلَ، لعدمِ الشرط. ومنها: أن قالوا: الجهالةُ بعينِ الراوي آكد من الجهالةِ بصفتِهِ؛ لأن من جُهِلَت عينُه، فقد جُهِلَت صفتُهُ، ثم قد ثبت أنَّه لو كانَ معروفَ العينِ مجهولَ الصفةِ، مثل أن يقول: أخبرني فلان، ولا أعرف ثقته، فإنه لا يقبَلُ، فجهالةُ الأصلِ -وهي العينُ-، أَوْلى أن تَمْنَع قبولَه. ومنها: أن قالوا: الخبرُ خبران: تواتر، وآحاد، ثم لو قال: أخبرني مَنْ لا أحصيهم عدداَّ، أو قال: أخبرني مَنْ بمثلِه يثبتُ التواترُ، بكذا، لم يقبَلْ قولُه في التواتر، ولم يثبت له حكمُ التواتر، كذلك الآحاد، ولا فرق بينهما. فصل في أجوبتهم فأمَّا دليلُ الشافعيِّ واعتبارُه الخبرَ بالشهادة، فغيرُ صحيح؛ لأنَّهما وإن استويا في اعتبارِ العدالة، إلا أنَّ للشهادة تأكيداً (١) في بابِ الأحكامِ والشروطِ، ألا ترى أنَّها لا تقبلُ من وراءِ الحجابِ، ولا من العبيدِ والنساءِ على الانفرادِ، ولا من شهودِ فرعٍ مع وجودِ شهودِ الأصل، والخبر يُقبل من وراءِ الحجاب، ومن العبيد والنساء على الانفراد، ومن راوٍ يروي مع حضور المرويِّ عنه، وإذا تباعدتِ الشهادةُ عن الأخبارِ هذا البعدَ، وفارقتها هذه المفارقة، فلا ينكرُ أن

стр. 2066

يقبلَ الخبرُ مع الإرسال، وإن لم تُقْبلِ الشهادةُ مع الإرسال. على أنَّ الشهادةَ إنَّما اعتبرت تسميتهم؛ لأَن الشهادة على الشهادة يعتبر لها الاستدعاءُ، وهو أن يقولَ شاهدا (١) الأصلِ لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتنا، فافتقرت إلى تسمية الأصل، ولأنَّ مِن الفقهاءِ مَنْ يوجبُ عليه الضمانَ، فلا بدَّ من تسميته، ليُعرفَ، فيُسندَ إليه الضمانُ. فإن قيل: أَفليسَ (٢) قد استويا في اعتبارِ العدالة؟ قيل: فقد بيَّنا أنَّ الرواية من العدلِ تعديلٌ. وأمَّا قولُهم: إنَّ المعرفة بعدالةِ الراوي شرطٌ، ومع الإرسالِ لا تعرفُ عدالته، فلا (٣) يصحُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ العدلَ لا يروي إلا عن عدلٍ، وتكفي العدالةُ في الظاهرِ في بابِ الأخبارِ، لأنَّ روايةَ العدلِ عن الشخصِ تعديلٌ، وإذا لم يسمِّه، كان ذلك من أكبرِ الثقةِ به، لأنَّه إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، فقد قطع الشهادةَ على النبي ﷺ ، ولا يُقدمُ العدلُ الثقةُ على هذا القولِ إلا عن ثقةٍ بعدالةِ الراوي. فإن قيل: قد تكرَّر منكم هذا التعويلُ (٤) على أن الروايةَ عن الشخص تعديلٌ، وليس كذلك، ولهذا قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، وأبي العالية (٥)، فإنهما لا يباليان عمن أخذا

стр. 2067

الحديث. قيل: هذا قولٌ يعطي البحث، أو الطعن، فأمَّا البحثُ، فلا يَلْزَمُهما، لأَنّ النبي ﷺ قنع في قبولِ قولِ الأعرابي في رؤيةِ الهلال بمُجرَّدِ الإسلام (١)، والشهادةُ برؤيةِ الهلالِ بمثابةِ روايةِ الأحاديث، لأنَّ كلَّ واحد منهما خبرٌ بأمرٍ من أمورِ الديانات، ويلزمُ المُخْبِرَ والمُخبَرَ، فيشتركان فيه. وأَمَّا الطعن، فلا يقبل من ابن سيرين في الحسنِ وأبي العالية، ولا يظن فيه أنّه قصدَ بذلك روايتَهما عن الفُسَّاقِ والكذابين، إنماقصد أنَّهما لا يفتشان ويبحثان، والبحثُ لا يلزمُ، ويكفي ظاهرُ العدالةِ، ومذاهبُ أصحابِ الحديثِ في ذلك مختلفةٌ، فلا ينبني الطعنُ (٢) بقولٍ

стр. 2068

مُتردِّدٍ لا يَتَّضحُ (١)، ولا يكشف عما يوجب الردَّ، بل الطعن المطلق لا نقبلُه، فكيفَ بقولٍ لا يلوح منه الطعن؟! وأمَّا قولُهم: جهالةُ عينِه آكدُ من جهالةِ صفتِه، فلا نُسَلِّمُ أنَّ هاهنا جهالةَ صفةٍ، والإسلامُ كافٍ مع عدمِ العلمِ بالفسقِ، وهذا موجودٌ فيمن روى عنه المُحدِّثُ العدلُ. ولأنَّ الحاكمَ إذا قالَ: ثبت عندي بشهادةِ (٢) رجلين ساغَ لي سماعُ شهادتِهما، لم يَحْتَجْ إلى ذكرِ اسمهما، ولا تعريفهما، والشهادةُ يعتبر فيها ما لا يعتبرُ في الخبر، فالخبرُ أَوْلى. وأما تعلقُهم: بأنَّه لا يصير الخبرُ بقوله متواتراً، فلا يلزم؛ لأنَّ التواترَ يُشترطُ فيه استواءُ طرفيه ووسطِه بالعددِ الذي لا يجوزُ على مثلِهم التواطؤُ والكذب، وقولُ الواحدِ لا يحصلُ به القطع، فلا يحصلُ به إثباتُ خبير يوجب القطع، فهو كخبرِ الواحدِ العدلِ عن المعصومين الجاري مجرى التواتر، وذلك يوجب النظرَ اعتباراً. فصلٌ إذا ثبتَ أنَّ المرسلَ حجةٌ، فلا فرق بين مرسل أهل عصرنا ومن تقدم ، وهذا ظاهرُ كلام أحمد (٣).

стр. 2069

وحكيَ عن عيسى بن أبان: أنَّه قال: من أرسلَ من أهلٍ عصرنا حديثاً، فإن كانَ من الأئمةِ الذين حَمَلَ عنهم أهلُ العلمِ، كان مُرسَلُه مقبولاً، كما نقبل مسنده، ومن حملَ عنه الناسُ المسندَ دونَ المرسلِ، كان مرسَلُه موقوفاً (١). وقال أبو سفيان: مذهبُ أصحابنا أن مراسيلَ الصحابةِ، والتابعين، وتابعي التابعين، مقبولة (٢). يشير إلى الذين شهد لهم النبي ﷺ ، وهم ثلاثة القرون (٣). وحكيَ عن الكرخي، ووافقه الجرجاني: في قبول مرسلِ أهلِ سائرِ الأعصار (٤). وذكر الشيخُ الإمام أبو إسحاق ﵁: أن مراسيلَ غيرِ الصحابةِ ليست حجة (٥). ودليلُ (٦) تقييده بالصحابةِ يدلُ على أن غيرهم لا تقبلُ مراسيله.

стр. 2070

فصلٌ في أدلتنا فمنها: أنَّ الراوي إذا كان ثقة عدلاً، وكان لا يروي بظاهرِ الحال، فلا يَختلِفُ حالُ عدالتِه، ولا حكمُ إرساله بعصر دونَ عصر، كما لا تختلفُ المسانيدُ والشهاداتُ بعصر دونَ عصر، ولا تختلفُ الشهادةُ على الشَّهادةِ (١) باختلافِ أهل الأعصار. ومنها: أنَّ العدالةَ لم يُجْعَلْ لها مراتبُ في الشرع؛ بحيث يختلفُ حكمُ الأورعِ والأزهدِ على غيره في اختلافِ الحكمَ، والدليل عليه: في باب الفتيا، والحكم، والشهادةِ، وروايةِ المسانيد، وليسَ في الإرسال إلا الثقةُ بعدالةِ المروي عنه لثقةِ الراوي، فالثقاتُ لا يختلفون باختلافِ الأزمانِ والأعصارِ، كما لم يختلفوا بالمراتبِ في الزهادةِ والورعِ في العصرِ الواحد. فصلٌ في شبهةِ المخالف إِنَّ النبيَّ ﷺ عدَّلَ القرآن الذي كانَ فيه، وقرنين بعد عصره، فقال: "خيرُكم القَرْنُ الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَفْشُو الكذبُ" (٢).
следующие страницы →