يقبلَ الخبرُ مع الإرسال، وإن لم تُقْبلِ الشهادةُ مع الإرسال.
على أنَّ الشهادةَ إنَّما اعتبرت تسميتهم؛ لأَن الشهادة على الشهادة يعتبر لها الاستدعاءُ، وهو أن يقولَ شاهدا (١) الأصلِ لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتنا، فافتقرت إلى تسمية الأصل، ولأنَّ مِن الفقهاءِ مَنْ يوجبُ عليه الضمانَ، فلا بدَّ من تسميته، ليُعرفَ، فيُسندَ إليه الضمانُ.
فإن قيل: أَفليسَ (٢) قد استويا في اعتبارِ العدالة؟
قيل: فقد بيَّنا أنَّ الرواية من العدلِ تعديلٌ.
وأمَّا قولُهم: إنَّ المعرفة بعدالةِ الراوي شرطٌ، ومع الإرسالِ لا تعرفُ عدالته، فلا (٣) يصحُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ العدلَ لا يروي إلا عن عدلٍ، وتكفي العدالةُ في الظاهرِ في بابِ الأخبارِ، لأنَّ روايةَ العدلِ عن الشخصِ تعديلٌ، وإذا لم يسمِّه، كان ذلك من أكبرِ الثقةِ به، لأنَّه إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، فقد قطع الشهادةَ على النبي ﷺ ، ولا يُقدمُ العدلُ الثقةُ على هذا القولِ إلا عن ثقةٍ بعدالةِ الراوي.
فإن قيل: قد تكرَّر منكم هذا التعويلُ (٤) على أن الروايةَ عن الشخص تعديلٌ، وليس كذلك، ولهذا قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، وأبي العالية (٥)، فإنهما لا يباليان عمن أخذا
стр. 2067
الحديث.
قيل: هذا قولٌ يعطي البحث، أو الطعن، فأمَّا البحثُ، فلا يَلْزَمُهما، لأَنّ النبي ﷺ قنع في قبولِ قولِ الأعرابي في رؤيةِ الهلال بمُجرَّدِ الإسلام (١)، والشهادةُ برؤيةِ الهلالِ بمثابةِ روايةِ الأحاديث، لأنَّ كلَّ واحد منهما خبرٌ بأمرٍ من أمورِ الديانات، ويلزمُ المُخْبِرَ والمُخبَرَ، فيشتركان فيه.
وأَمَّا الطعن، فلا يقبل من ابن سيرين في الحسنِ وأبي العالية، ولا يظن فيه أنّه قصدَ بذلك روايتَهما عن الفُسَّاقِ والكذابين، إنماقصد أنَّهما لا يفتشان ويبحثان، والبحثُ لا يلزمُ، ويكفي ظاهرُ العدالةِ، ومذاهبُ أصحابِ الحديثِ في ذلك مختلفةٌ، فلا ينبني الطعنُ (٢) بقولٍ
стр. 2068
مُتردِّدٍ لا يَتَّضحُ (١)، ولا يكشف عما يوجب الردَّ، بل الطعن المطلق لا نقبلُه، فكيفَ بقولٍ لا يلوح منه الطعن؟!
وأمَّا قولُهم: جهالةُ عينِه آكدُ من جهالةِ صفتِه، فلا نُسَلِّمُ أنَّ هاهنا جهالةَ صفةٍ، والإسلامُ كافٍ مع عدمِ العلمِ بالفسقِ، وهذا موجودٌ فيمن روى عنه المُحدِّثُ العدلُ.
ولأنَّ الحاكمَ إذا قالَ: ثبت عندي بشهادةِ (٢) رجلين ساغَ لي سماعُ شهادتِهما، لم يَحْتَجْ إلى ذكرِ اسمهما، ولا تعريفهما، والشهادةُ يعتبر فيها ما لا يعتبرُ في الخبر، فالخبرُ أَوْلى.
وأما تعلقُهم: بأنَّه لا يصير الخبرُ بقوله متواتراً، فلا يلزم؛ لأنَّ التواترَ يُشترطُ فيه استواءُ طرفيه ووسطِه بالعددِ الذي لا يجوزُ على مثلِهم التواطؤُ والكذب، وقولُ الواحدِ لا يحصلُ به القطع، فلا يحصلُ به إثباتُ خبير يوجب القطع، فهو كخبرِ الواحدِ العدلِ عن المعصومين الجاري مجرى التواتر، وذلك يوجب النظرَ اعتباراً.
فصلٌ
إذا ثبتَ أنَّ المرسلَ حجةٌ، فلا فرق بين مرسل أهل عصرنا ومن تقدم ، وهذا ظاهرُ كلام أحمد (٣).
стр. 2069
وحكيَ عن عيسى بن أبان: أنَّه قال: من أرسلَ من أهلٍ عصرنا حديثاً، فإن كانَ من الأئمةِ الذين حَمَلَ عنهم أهلُ العلمِ، كان مُرسَلُه مقبولاً، كما نقبل مسنده، ومن حملَ عنه الناسُ المسندَ دونَ المرسلِ، كان مرسَلُه موقوفاً (١).
وقال أبو سفيان: مذهبُ أصحابنا أن مراسيلَ الصحابةِ، والتابعين، وتابعي التابعين، مقبولة (٢).
يشير إلى الذين شهد لهم النبي ﷺ ، وهم ثلاثة القرون (٣).
وحكيَ عن الكرخي، ووافقه الجرجاني: في قبول مرسلِ أهلِ سائرِ الأعصار (٤).
وذكر الشيخُ الإمام أبو إسحاق ﵁: أن مراسيلَ غيرِ الصحابةِ ليست حجة (٥).
ودليلُ (٦) تقييده بالصحابةِ يدلُ على أن غيرهم لا تقبلُ مراسيله.
стр. 2070
فصلٌ
في أدلتنا
فمنها: أنَّ الراوي إذا كان ثقة عدلاً، وكان لا يروي بظاهرِ الحال، فلا يَختلِفُ حالُ عدالتِه، ولا حكمُ إرساله بعصر دونَ عصر، كما لا تختلفُ المسانيدُ والشهاداتُ بعصر دونَ عصر، ولا تختلفُ الشهادةُ على الشَّهادةِ (١) باختلافِ أهل الأعصار.
ومنها: أنَّ العدالةَ لم يُجْعَلْ لها مراتبُ في الشرع؛ بحيث يختلفُ حكمُ الأورعِ والأزهدِ على غيره في اختلافِ الحكمَ، والدليل عليه: في باب الفتيا، والحكم، والشهادةِ، وروايةِ المسانيد، وليسَ في الإرسال إلا الثقةُ بعدالةِ المروي عنه لثقةِ الراوي، فالثقاتُ لا يختلفون باختلافِ الأزمانِ والأعصارِ، كما لم يختلفوا بالمراتبِ في الزهادةِ والورعِ في العصرِ الواحد.
فصلٌ
في شبهةِ المخالف
إِنَّ النبيَّ ﷺ عدَّلَ القرآن الذي كانَ فيه، وقرنين بعد عصره، فقال: "خيرُكم القَرْنُ الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يلونهم، ثم يَفْشُو الكذبُ" (٢).
стр. 2071
ومَنْ قصَرَه على الصحابةِ، قال: إنَّ أصحاب رسول الله مقطوعٌ بعدالتهم، فإنْ كانَ إطلاقُ الواحدِ منهم: قالَ رسول الله، بسماعه منه، فبَخٍ بَخْ؛ لأنَّه عدلٌ مقطوعٌ بعدالتِه، روى عن صاحب الشرع المعصوم في خبره، وإن كان بينه وبين النبيِّ ﷺ صحابيٌّ آخر، فالصحابةُ كهم مقطوعٌ بعدالتهم، وليسَ كذلك في غيرهم، فإنهم لا يقطعُ على عدالتهم.
فصلٌ
في الأجوبةِ عمَّا ذكروه
فأمَّا قولُهم: إنَّ القرونَ الثلاثة مشهودٌ لهم بالخيرِ، والصحابةُ رضوان الله عليهم شُهِدَ بعدالتِهم، فهذا ممَّا يوجبُ الثقة البالغة، وليس طريقُ الأخبار ممَّا يطلبُ فيه الأقصى، بل ظاهرُ العدالةِ كافيةٌ في الأخبارِ، بدليلِ المسندِ؛ فإنَّه لا يحتاجُ إلى أن يُسندَ إلى مقطوعٍ بعدالته، فالذي ذكرتموه في القرنِ الأوَّل والاَخرين يصلُحُ للترجيح، فأمَّا التخصيصُ، وسلبُ غيرهم أصلَ الإرسالِ، فلا، ولسنا نمنع أَن تكونَ مراسيلُ أولئك أَوْلى ومُقدَّمةً على مراسيلِ القرنِ الرابع، فأمّا أن يمْنعَ تخصيصُ أولئك بالعدالةِ المقطوعةِ مِن إرسالِ مَنْ دونهم، فلا.
стр. 2072
على أنَّه لم يخلُ عصرٌ من الأعصارِ ممَّن ليسَ بعدلٍ، لكن حُمِلَ الأمرُ على الظاهرِ، وهاهنا حاصلٌ، وهذا صحيح، لأنَّ ما ذكرتم لم يوجب تخصيصَ أولئك بالشهادةِ دونَ من بعدهم، ولا من الشهادةِ على الشهادة، ولا من الروايةِ على وجهِ الإسنادِ، لا الإرسال.
فصل
في كلام أحمدَ في المراسيل ، وترجيحِ بعضِها على بعض (١).
قال في رواية أبي الحارث: مُرسَلاتُ سعيد بن المسيِّب كلُّها صِحاحٌ، لا نرى أَصَح من مرسلاته، فأمَّا مرسلاتُ الحسنِ وعطاء، [فليست] بذاك، هي أضعفُ المرسلاتِ، فإنّهما كانا يأخذانِ من كلٍّ.
وقال في روايةِ الفضل بن زياد: مرسلات عطاء، ففيها (٢) شيء، وأمَّا مرسلاتُ ابن سيرين، فما أحسنَ مخرجه أيضاً، ومرسلاتُ سعيدِ بن المسيب أصحُّ المرسلات، ومرسلاتُ إبراهيمَ النخعي، فلا بأس بها، وليس في المرسلاتِ أضعفُ من مرسلاتِ الحسنِ وعطاءِ ابنِ أبي رباح، كأنهما كانا يأخذان من كلٍّ.
وسأله مُهنا عن مرسلات سعيد بن جبير، [فقال]: هي أقرب، وهي أَحبُّ إِليَّ من مرسلات عطاء.
وسئل عن مرسلات سعيد بن جبير أحبُّ إليك، أو مرسلات
стр. 2073
مجاهد؟ قال: مرسلاتُ سعيد بن جبير أحبُّ إليَّ.
وسئل مرسلاتُ مجاهدٍ أحبُّ إليك، أو مرسلات عطاء؟ فقال: مرسلاتُ مجاهدٍ، لأنَّ عطاء روى عمن هو دونه، ومجاهدٌ لم يروِ عمَّن هو دونه.
وقال وقد سئل: مرسلاتُ طاووس أحبُّ إليك، أو مرسلاتُ أبي إسحاق (١)؟ قال: مرسلاتُ طاووس.
وسئل عن مرسلات إسماعيلَ بن أبي خالد (٢) أحبُّ إليكَ، أومرسلاتُ عمرو بن دينار؟ فقال: إسماعيلُ بن أبي خالد لا يبالي عمَّن حدَّثَ؛ عن أشعث بن سَوَّار (٣)، وعن مُجالدٍ،
стр. 2074
وعمرُو (١) بن دينار لا يروي إلا عن ثقة، مرسلاتُ عمرٍ وأحبُّ إليَّ.
وسئلَ: أيُّما أحب إليك إبراهيمُ عن علي، أو مجاهدٌ عن علي؟ قال: إبراهيم عن عليٍّ؛ لأنَّ هذا كانَ مقيماً، وكان مجاهدٌ إنما تقْدَمُ في الأحيان إلى الكوفة.
وسئل عن مرسلات النخعي، قال: ما أصلحها ليسَ به بأسٌ، أصلحُ من مرسلاتِ الحسن.
وسأله مهنا: لم كرهت مرسلات الأعمش؛ قال: لأنَّ الأعمش لا يبالي عمن حدث.
وسئل عن مرسلاتِ الأعمش، وسليمان التَيْمِي ويحيى بن أبي كثير (٢)، قال: مرسلاتُ يحيى بن أبي كثير أحبُّ إليَّ.
وقال في مرسلات يحيى بن أبي كثير: لا تعجبُني، لأنَّه روى عن رجال ضعاف.
стр. 2075
وقال في رواية أبي الحارث: مرسلاتُ ابن سيرين صحاح، حسنةُ المخرج.
وسأله مهنا عن مرسلاتِ سفيان (١)، قال: كان سفيانُ لا يبالي عمَّن روى.
وسأله عن مرسلاتِ مالك، قال: هي أحبُّ إليَّ.
стр. 2076
الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (٥١٣ هـ)
تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الجزء الخامس
مؤسسة الرسالة
стр. 2077
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2078
الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
٥
стр. 2079
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر
الطبعة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان
تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢
فاكس ٦٠٣٢٤٣ ص. ب: ١١٧٤٦٠ - برقيًا بيوشران
AL- Resalah PUBLISHERS
BEIRUT/LEBNON - Telefax: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩
fax: ٦٠٣٢٤٣ - P.O.Box: ١١٧٤٦٠
Email: Resalah@Cyberia.net.lb
стр. 2080
فصلٌ
في المعتبر في الراوي من الصفات لقبول روايِته
والذي يجبُ أن يَجتمعَ فيه لقَبولِ روايتِه خمسُ خِصَالٍ:
البلوغُ: لأنَّ الصبيَّ لا يتحرَّجُ عن الكذبِ إذا كانَ الوعيدُ على ارتكا بِه.
والعقلُ، والإسلامُ، والعدالةُ، والنزاهةُ من الكذب الذي لا يوجبُ الفسقَ، وهو الذي لا يتكرر لكنه يندر (١).
والعقلُ: لأنّه الذي يوجبُ تحصيل مَا نحكيه ونُجَرِّبه.
والاسلام: ليحرصَ على حفظِ الكتابة، ولا يتجوَّزُ. بما ينقص حكماً، ولا يزيده بالكذب حكماً، لا نلزمه ذلك.
والنزاهةُ: فإنَّه يخاف المعرَّة، والخروج عن قانونِها.
والعدالةُ: وهي طريقةٌ يقوى معها الظنُّ بصدقِه، ولا تحصلُ الثقةُ مع عدمِها، لأنّ الفاسقَ قد ارتكب محظوراً بدينه فعلاً، فلا (٢ مانع عن ٢)
стр. 2081
ارتكابه (١) الكذبَ قولاً.
فصل
في كلام أحمد في ذلك
قال أحمد فِى روايةِ أحمدَ بنِ الحسين: لا يكتبُ الحديث عمن يسكر.
وقال في روايةِ ابن القاسم وسندي (٢)، عن الرجلِ يُعرفُ بالكذبِ في الشيءِ يحدِّثُ به القومَ وليسَ يُعرفُ منه الكذبُ في الرواية: كيف يُؤمَنُ هذا على الروايةِ أن يكذبَ فيها إذا عُرف منه الكذبُ في شيء؟!
وقال فى روايةِ أبي الصقر (٣) في الصَّلاةِ خلف آكل الربا: إِنْ [كان] أكثرُ طعامِه الربا لم يُصلَّ خلفَه، فاعتبرَ الكثرة في ذلك.
وقال: لو لم نَقبل إلا ممَّن يمحِّض الطاعاتِ لم يُقبَل أحد؛ لأن أحداً لا يمحِّضُ الطاعاتِ حتى لا تشوبَها معصيةٌ، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وأرادَ بالغيِّ وضعَ الشيءِ في غيرِ موضعِه، وقال في حقِّ داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وقال النبيُّ ﷺ : "ما أحدٌ إلاَّ عصى، أو همَّ. ممعصيةٍ،
стр. 2082
إلَّا يحيى بن زكريا" (١).
قلتُ: وهذا ليسَ بجيِّدٍ من القولِ؛ لأنَّ السَّلامةَ من المعاصي لا بدَّ منها لقبولِ القولِ والثقةِ إلا الرَّاوي، ولسنا نعتبرُ السَّلامةَ من أن تكونَ وقعت رأساً، بل نعتبرُ أن لا يكونَ مُصرّاً، وأن يكونَ تائباً متنصِّلاً لنَثِقَ إلى خبرِه، ونعوذُ بالله أن يقالَ: لا يخلو عبدٌ من عبادِ الله عن الإصرارِ حتى الأنبياء ﵈، لكن لا يخلو أحدٌ من وقوع عصيان، لكن يجبُّه ويزيلُه الاستغفارُ، كما كان في حقِّ الأنبياء.
وقوله: لو رددنا كلَّ مَنْ لم يمحِّضِ الطَّاعةَ لم نقبل أحداً، فَكلامٌ غيرُ صحيِح، لأنَّنا لو (٢) قبلنا مِن كلِّ مَن مزجَ الطَّاعةَ بالعصيةِ لما رددنا فأسقاً، ولَمَا رددنا إلاَّ الكفارَ؛ لأنَه كما لا يخلو مسلمٌ من معصيةٍ، لا يخلو مسلمٌ من طاعةٍ، وقد أجمعنا على وجوبِ ردِّ قولِ الفاسقِ الذي حصلَ فسقه. بمعصيةٍ واحدةٍ، وهي الكبيرةُ، وتركِ طاعةٍ واحدة، وهي الفريضةُ.
عُلِمَ أنَّه لا بدَّ من اعتبارِ العدالةِ، إمَّا الحاصلةُ في الابتداءِ، أو الحاصلةُ بالتلافي للمعاصي بالتوبةِ في ثاني الحال.
فأمَّا مَنْ ثبت كذبُه، فإنَّه يُرَدُّ خبرُه وإنْ لم يتكرَّر ذلك منه، هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ في رواية علي بن سعيد (٣) في الرجلِ يكذبُ كذبةً واحدةً، لا
стр. 2083
يكونُ في موضع العدالةِ؟: الكذبُ شديدٌ (١).
وقيلَ لأبي عبدِ الله في الرجل: متى يُترَكُ حديثُه؟، قال: إذا كانَ الغالبُ عليه الخطأَ. قيل له: الكذبُ من قليلٍ أو كثير؛ قال: نعم.
قلت: وهذا إنَّما خُصَّ الكذبُ به لأنّه من طريق الروايةِ والإخبار عصيان في نفس الخبر، فلا يؤمنُ معه الخبرُ، وللكذب (٢) في حقِّ مَنْ رتبتُهُ رتبةُ المخبرِ من تأثيرٍ ما ليس لغيره، ولهذا ما بعث نبيًّا كَذَبَ، وبعث أنبياءَ عَصَوا، ولهذا ذهبَ أبو حنيفة إلى ردِّ شهادةِ القاذفِ المحدودِ في القذفِ، وإنْ تاب، لماّ ثبتَ كذبُه، وحكمَ بجميع ما تُعتَبرُ العدالةُ فيه إلاّ الشهادةَ لمَّا كان طريقُا القولَ، وقَبِلَ شهادةَ كلِّ تائبٍ من ذنبٍ، وإنْ كبُرَ، إلاّ القذفَ لما فيه من تحقّقِ الكذبِ.
وقد اعتبرَ في روايةٍ أخرى لردِّ خبرِه كثرةَ الكذبِ دونَ الكذب القليلِ، فقال في رواية أحمد بن أبي عَبْدة (٣) في الرجل يكذب، فقال: إِنْ
стр. 2084
كثُرَكذبُه لم يُصلَّ خلفَه.
فظاهرُ هذا أنَّه لا يخرج من العدالةِ بالكذبةِ الواحدةِ، ولكنَّه قالَ ذلك في الصَّلاة خَلْفَهُ، فلا ينبغي اُن يشملَ الخبرَ لما بيَّنا أنَّه قول، والكذبُ يرجِعُ إلى القول.
فإن قيل: فإبراهيم ﵇ كذبَ ثلاثَ كذباتٍ على ما صحَّت
به الرواية عنه (١): قوله: "هذه أختي" وهي زوجته، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩]، وما فعل الصَّنم شيئاً، ولا كان سقيماً، قيل: ذلك من المعاريض، وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ في المعاريضِ لَمَنْدُوحةً عن الكذبِ" (٢)، ووجهُ ذلك أنَّ قوله: "إنِّي سقيم"، من قولِكم وكفرِكم، "هذه أختي"؛ في الإسلام، ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فعلَّق الفعلَ ولم يَحتِمْه.
هذا المذكورُ في تفاسير المحقِّقين الذين اجتهدوا في تبرئةِ الأنبياءِ بجهدهم.
стр. 2085
وأيضاً ممَّا يد على تخصيصِ الكذبِ بإيجاب الردّ من غيرِ اعتبارِ تكرارٍ، ما روى إبراهيمُ الحَرْبى في كتاب "النهي عن الكذب" بإسناده عن موسى الجندي قال: ردَّ النبيُّ ﷺ شهادة رجلٍ في كذبة كذبها (١).
وبإسنادهِ عن يحيى بن سالم قال: اطَّلعَ رسولُ اللهِ من وافدِ قومٍ على كذبةٍ كذبها، فقأن له: "لولا سخاءٌ فيك وَمِقَكَ الله عليه -يعني أحبَّك؛ من المِقَةِ -لشرَّدتُك من وافدِ قوم" (٢). يعني: لنفيتك لكذبتك.
ومصداقُ هذا الخبر قولُه ﷺ : "تجاوزوا عن ذَنْب السَّخي، فإنَّ الله يأخذُ بيدِه كلَّما عثر" (٣).
стр. 2086
ونُقِلَ عن أحمدَ فيمن تابَ عن الكذبِ: أنَّه لا يقبلُ حديثُه، فنقل أبو عبد الرحمن عبيدُ الله بنُ أحمدَ الحلبي (١) قال: سألتُ أحمدَ بن حنبل عن مُحدِّثٍ كذبَ في حديثٍ واحدٍ، ثمَّ تاب ورجع، قال: توبته فيما بينه وبين الله، ولا يُكتبُ عنه حديثٌ أبداً.
وقال قاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغَاني (٢) ﵁: يُقبلُ حديْثُه المردودُ وغيرُه إذا تابَ، بخلاف الشَّهادة إذا رُدَّت ثم تاب، لا تُقبلُ المردودة خاصة، قال: والفرق بينهما أنَّ الشهادة المردودةَ ردُّها حكمٌ من الحاكمِ، فلا تقبلُ بعدَ ردِّها، لأنَّ فيهِ نقضاً للحكمِ بالتوبة، وهي ظاهرٌ، فلا يجوزُ نقضُ الحكمِ بظاهرٍ متردِّد، وردُّ الخبرِ ليسَ لمجكمٍ.
وقالَ أبو بكر الشَّامي قاضي القضاة ﵁: لا نقبلُ خبرَه المردودَ بعد التَوبةِ، ونقبلُ غيرَه من رواياتِه اعتباراً بالشَّهادة.
وقد اعتلَّ شيخُنا (٣) ﵁ لردِّ شهادته بعدَ التوبة: أنَّ مَنْ أقدمَ على الكذبِ على رسولِ الله ﷺ زنديقٌ، فَنُخَرِّجُ ردَّ توبتهِ على ردِّنا. لتوبةِ الزنديق.
стр. 2087
وفارَقَ الشَّهادةَ؛ لأنَّه قد يرغبُ في الكذبِ فيها لأجلِ رشوةٍ، أو تقرُّبٍ إلى أبناءِ الدنيا لغرضٍ خصَّه. وهذا عندي فرقٌ بعيدُ؛ لأنَّ الرغبةَ في التقرُّبِ إلى أبناء الدنيا بأخبارِ الإرجاءِ أو تخويفهم لغرضٍ يخصُّه من أخبارِ الوعيدِ، لا يدلُّ على الكفرِ؛ لكن غايته الفسقُ.
ومن كلامِ أحمدَ ﵁ ما رواه أبو إسحاق في بعضِ تعاليقِه عن أبي بكر النَّقاشِ (١)، عن محمدِ بن سعيدٍ (٢)، عن محمّدِ بن سهلِ بن عَسْكَر (٣)،سمعتُ "أحمدَ بن حنبل يقول: إذا سمعتَ أصحابَ الحديث
стр. 2088
يقولون: هذا حديثُ غريبٌ أو فائدة، فاعلم أنَّه خطأٌ، وإذا سمعتَهم يقولون: هذا حديثٌ لا شيءَ، فاعلم أنّه صحيحٌ؛ لأنَّهم لا يستغربونَ إلاَّ الحديثَ الشَّاذَّ الذي ليسَ. بمشهورٍ، ولا رواه أئمةُ أصحابِ الحديث (١).
وقولهم: "هذا الحديثُ لا شيءَ". بمعنى: ما أفادت روايتُه لاشتهارِه وتكرُّرِ روايته، وما هذا سبيلُه، ينتفي عنه السَّهوُ والغلطُ.
فصلٌ
ولا يُقبَلُ الجرح إلاَّ مفسَّراً، فعلى هذا إذا قال أصحابُ الحديث: "فلانٌ ضعيف"، و"فلانٌ ليس بشيء"، [فليس هذا ممَّا يوجبُ جرحَه، وردَّ خبرِه] (٢).
هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ في رواية المَرُّوذِي، وقد قيلَ له: إنَّ يحيى بنَ معين سُئِلَ عن الصَّائمِ يحتَجِمُ؟ قال: لا شيءَعليه، ليس يثبت فيها خبرٌ.
فقال أبو عبدِ الله: هذا كلام مجازفة، فلم يقبل مجرَّدَ الجرح من يحيى.
ونقلَ مُهنَّا: قلتُ لأحمدَ: حديث خديجةَ: كان أبوها يرغب أن يزوِّجَه (٣)، فقالَ أحمدُ: الحديثُ معروفٌ، رويتُه عن غير واحدٍ. قلت: إنَّ
стр. 2089
النَّاسَ ينكرون هذا. فقال: ليس هو منكر.
وروى المَرُّوذِيُّ عنه ما يدلُّ على أنَّه يُقبَلُ، فقال: قرئَ على أبي عبدِ الله حديثُ عائشةَ: كانت تلبّي: لبيك اللَّهمَّ لبَّيك، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والملك (١)، فقال أبو عبد الله: كان فيه "والملك لا شريك لك"، فتركتُه، لأنَّ الناسَ خالفوه. وقوله: فتركتُه، معناه: تركتُ روايتَه لأجلِ تركِ النَّاسِ له، وإنْ لم تظهرِ العِلَّة التي لأجلها تركَ النَاسُ روايتَه.
وجهُ الرِّوايةِ الأولى: أَنَّ الناسَ اختلفوا فيما يحصلُ به الفِسْقُ، فلا بدَّ من كشفِ سببهِ لينظرَ هل هو فسقٌ أم لا، ولهذا لو شهدَ رجلان بأنَّ هذا الماءَ نجسٌ، لم نحكم بنجاسته، لجوازِ أن يكونَ نجساً عند المُخبِرَين الشَّاهدَين، وليسَ بنجسٍ عندنا، وذلك لأنَّ الفقهاءَ يختلفون في سببِ نجاسةِ الماءِ، فبعضُهم يحكم بنجاسة الماء القليل وإن لم يتغيَّر، وبعضهم لا يحكم بنجاسته، وبعضهم بنجاسةِ سؤر السَّبُع والحمار، وبعضُهم لا يرى نجاسته، وبعضُهم يرى أنَّ بولَ ما يؤكل لحمُه طاهرٌ، وبعضُهم يراه نجساً، فلمَّا كانوا يختلفون في ذلكَ لم نقبل قَولَهم: "نجس" ما لم يثبتوا وجهَ نجاستِه وسببَها.
стр. 2090
كذلكَ أسبابُ الجرح تختلف، فبعضُ الناسِ يرى اللّعبَ بالشِّطْرَنْجِ جرحاً، وبعضُهم لا يراه جرحاً، وكذلك التعيير وشربُ النَّبيذ، وكذلكَ السكر الذي يخلط به كلامه، كلُّ هذه مختلف في كونها جرحاً، فقومٌ لا يرونه جرحاً، وبعضُهم يراه جرحاً.
فإن قيل: فهذا يوجب أن لا يُقبل قولُ المزَكي: إنَّه عدلٌ رِضًى؛ لأنَّ النَّاس أيضاً يختلفون في أسباب العدالة، وبعضُهم يرى أنَّ قانونَ المروءَةِ ليس من شرطِ العدالة، وبعضُهم يراه شرطاً في العدالةِ، وكذلك بعضُهم يرى أنَّ التوبةَ من القذفِ تعيده عدلاً، وتصحُّ شهادتُه على الإطلاق، وبعضُهم لا يرى قبولَ شهادتِه أبداً، كما قال الله تعالى (١). وبعضُ النَّاسِ يشترطُ التوبةَ من جميع الذنوبِ، ومُضيَّ الحولِ على صلاح العملِ، وبعضُهم لا يشترط ذلك، ثمَّ لا يوجبُ ذلك كشفَ سبب العدالةِ، كذلكَ الجرحُ المطلق.
قيل: العدالةُ هي الأصلُ، فهي كالطَّهارةِ في الماء، فإنَّه لمَّا كان أصل الماء على الطَّهارةِ لم نحتج إلى بيانِ سببٍ، كذلكَ العدالةُ هي الأصلُ، ولأَنَّ العدالةَ لو اعتبرنا ذِكْرَ شروطها لَمَا أَمكنَ التَّعديلُ والتزكيةُ؛ لأنَّ العدالةَ لا تكمل إلاَّ بأفعالٍ وبتروكٍ جامعةٍ لكلِّ فرضٍ وتَرْكِ كل محظورٍ، ومَنِ الذي يحيط علماً بذلَك؟ والتركُ نفيٌ، والشهادةُ بالنفي لا تصحُّ، وليس كذلكَ الفسقُ والجرحُ؛ فإنَّه تكفي فيه الفعلةُ الواحدةُ والمخزيةُ النَّادرة، وذلك ممّا يمكنُ الإحاطةُ به فلا يتعذرُ ذِكرُه وكشفُه.
стр. 2091
فصلٌ
ويقبلُ في الجرح قولُ الواحد ولا يعتبر العدد.
هذا قياسُ قولِه في التعديل: إنه يقبلُ فيه قولُ الواحدِ.
قال أبو زُرْعَة: سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: مالكُ بنُ أنس إذا روى عن رجلٍ لا يُعرَفُ فهو حُجَّةٌ.
وقال إسماعيلُ بن سعيد الشَّالنجي (١): قلت لأحمد: تعديلُ الرجلِ الواحدِ إذا كان مشهوراً بالصَّلاح؟ [قال] (٢): يُقبَل، وظاهرُ هذا أنَّ تعديلَ الواحدِ مقبولٌ.
وقال أحمدُ أيضاً في رواية الأثرم: إذا روى الحديثَ عبدُ الرحمن بن مهدي عن رجل فهو حُجَّة.
وروى مُهنّا عن أحمد ما يدلُّ على أنَّ روايةَ العدلِ عن غيرِه لا تكونُ تعديلاً لمن روى عنه. قال: وسألت أحمد عن رباح بن عبيد الله بن عاصم (٣) بن عمر بن الخطاب، فقال: مدنيٌّ روى عنه عبدُ الرزاق. قلت:
стр. 2092
كيف هو؟ قال: ضعيف.
وظاهرُ هذا أنَّه لم يجعل روايةَ العدل تعديلاً. وهو قولُ أصحاب
الشافعي (١).
فصلٌ
والدلالةُ على أنَّ تعديلَ الواحد مقبول: أنَّ أصلَ الحديث وروايتَه ليس من شرطها العددُ، فلم يكن من شرطِ التعديلِ والجرح العددُ، لأنَّ ذلكَ وصفٌ، فإذا لم يُعتَبر العددُ في الأصل، ففي (٢) الوصفِ التابع -وهي الجرحُ والتعديلُ- أَوْلى أنْ لا يعتبر.
والدلالةُ على أنَّ روايةَ الواحدِ عن العدلِ تعديل: أنَّ العارفَ بالحديث لا يرويه إلا عمَّنْ يثق بدينه وأمانته، ولو روى عن غيرِ موثوقٍ به كان جنايةً في الشرع، وإدخالاً لما ليسَ منه لمجردِ قولِ [مَن] لا يَيقُ به، وقد أُخِذَ على العلماءِ أنْ لا يقولوا على الله ما لا يعلمون.
ووجهُ مَنْ ذهبَ إلى أنه لا يكونُ تعديلاً: أنَّه لا يمنعُ من الرِّوايةِ عمَّن لا تعلمُ عدالتُه حملاً على ظاهر الإسلام والسَّلامة، ومَنْ حملَ الأمرَ على
стр. 2093
ظاهرِه، لم يقل: إنَّه فعل زيادة على الجائز، وإنه بلغَ الأقصى وهو الاحتياط.
فصلٌ
وإذا روى عمَّن لا تعرفُ عدالتُه ولا فسقُه بل عُرِفَ مجرَّدُ إسلامِه، فظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يروى إلا عمَّنْ تُعْرَفُ ثقته بثناءِ أهلِ بلدِه عليه، ولا يقنَعُ. ممجرَّدِ إسلامِه في الرواية عنه.
قالَ في روايةِ الفضل بن زياد، وقد سأله عن ابن (١) حميد: يروي عن مشايخَ لا يعرفهم، وأهلُ البلدِ يُثنون عليهم، فقال: إذا أثنيَ عليهم قُبِلَ ذلك منهم، هم أعرفُ.
فقد اعتَبرَ في قَبولِ رواييهم ثناءَ أهلِ البلد عليهم.
وحكيَ عن أبي حنيفةَ أنه يقبلُ ذلك ممَّن ثبت إسلامُه فقط، ما لم يُعرَفْ فِسقه (٢).
فصلٌ
في الدِّلالةِ على ما حكيناه عن صاحبنا: أنَّ هذا مجهول العدالةِ فلا تحصلُ الثِّقةُ به، كالفاسقِ المعلوم فِسقه؛ يوضِّحُ هذا: أنَّ الفسقَ إِنما منعَ قبولَ الرِّوايةِ، لأنه متهم، ومَنْ لم تُعلَمْ عدالتُه متَّهمٌ، والإسلامُ لمجرَّدِه لا
стр. 2094
يكفي، بدليلِ الفاسق: إسلامُه حاصلٌ، وروايتُه لا تقبل.
ومنها: أنَّه خبرٌ تتعلَّقُ عليه أحكامٌ وحقوقٌ، فاعتبرَ فيه العدالةُ، أو نقول: فلم يقبل من غيرِ معلومٍ عدالتُه، كالشَّهادةِ.
فصلٌ
في شبهة المخالف
فمنها: أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا شهد عنده الأعرابيُّ برؤيةِ الهلالِ قال: "أتشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله" فلما ثبت عنده إسلامُه بكلمةِ التوحيد أمرَ بالنداءِ بالصوم (١)؛ ولم يقرِّر ما وراءَ إسلامِه، والشهادةُ برؤيةِ الهلالِ خبرٌ حيث يتعلق عليه حكمٌ من أحكامِ الدين، فهو أشبهُ بأخبارِ الديانات.
ومنها: أنّه عَلِمَ إسلامه، ولم يعلم منه ما يوجبُ فسقاً، فكانَ على أصلِ العدالةِ، كالذي عرفت عدالتُه، ولأنَّها عدالةٌ فلا تعتبرُ في أخبار الدياناتِ، كالعدالةِ الباطنةِ.
فصلٌ
في الأجوبةِ عمَّا ذكروه
أمَّا الخبرُ، فلا حجَّةَ فيه، فإنَّه حكايةُ فعلٍ وقضية في عين فتقف لمجردِ
стр. 2095
الاحتمالِ، ووجهُ احتمالِها: أنَّ (١) الظاهر أنه أسلمَ حينَ سأله، إذ لو كان ممَّن بايعه على الإسلام لعرفه، لكن يكون عرض عليه الإسلامَ فأسلمَ، والإسلامُ يجبُّ ما قبلَه، فتلك عدالةٌ متجردةٌ، ولم يتجدد منه ما يزيلها ولا ينسخها (٢)، ويحتملُ أن يكونَ سبقه غيرُه ممَّن لم يُعلم حالُه، فقويَ الظنُّ بالعددِ.
وأمّا الإسلام وتعلّقُهم به فلا يكفي؛ بدليلِ الفاسقِ، فإنَّه مسلمٌ ولا يقبلُ خبرُه لأجلِ التهمةِ، ومَنْ لا تعرفُ عدالتُه فالتهمةُ في حقِّه حاصلةٌ، وأما العدالةُ الباطنةُ، فإنَّها تقفُ على بحثٍ واختبارٍ، ومُجالسةِ الحكامِ، وذلكَ لو شُرِطَ لقَبُول الأخبارِ لوقفت الرواياتُ، ولهذا اعتبرنا للشهادةِ بالعقوباتِ والحدودِ، العدالةَ الباطنةَ في الشُّهودِ، ولم نعتبرها في الأخبارِ المرويةِ في الحدود.
فصلٌ
هل يجوز الأخذُ بالحديث الضعيف ؟
قد أطلقَ أحمدُ القولَ بالأخذِ به، فقال مهنَّا: قال أحمدُ: الناسُ كلُّهم أَكْفَاءُ إلا الحائكَ والحجامَ والكسَّاح (٣). [فقيل له] (٤): تأخذُ بحديث:
стр. 2096
"كلُّ النَّاسِ أَكْفَاء إلاَّ حائكاً أو حجَّاماً" (١) وأنتَ ضعَّفتَهُ؟ فقال: إنَّما ضعَّفْتُ إسنادَه، ولكنَّ العملَ عليه.
وكذلك قال في رواية ابن مشَيْش (٢)، وقد سأله عمَّن تحلُّ له الصَّدقةُ: إلى أيِّ شيءٍ تذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث حكم بن جبير (٣). فقلتُ له: وحكيمُ بن جبير ثبتٌ عندكَ في الحديث؟ فقال: ليس هو ثَبتاً عندي في الحديث.
وكذلك قال مهنَّا: سألت أحمدَ عن حديث مَعمَر عن الزُّهْري عن سالم عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ : أنَّ غيلان أسلم، وعنده عشر نسوة (٤)؟ قال: ليسَ بصحيح، والعملُ عليه، كان عبدُ الرزاق يقولُ: عن معمر عن الزهري مرسلاً.
стр. 2097
ومعنى قولِ أحمدَ: ضعيفٌ، على طريقةِ أصحابِ الحديث، وقولُه: والعملُ عليه. كلامُ فقيهٍ يُعَوِّلُ على ما يقوله الفقهاءُ من إلغاءِ التضعيفِ من المحدّثين؛ لأنَّهم يُضعِّفونَ. مما لا يوجبُ ضعفاً عند الفقهاءِ؛ كالإرسالِ والتدليسِ والتفرّدِ بالروايةِ، وهذا موجودٌ في كتبهم، يقولون: وهذا الحديث تفرَّدَ به فلانٌ وحده.
وقال أحمد في روايةِ إسحاق بن إبراهيمَ: قد يحتاجُ الرجل يحدِّثُ عن الضعَفاء مثل عمرو بن مرزوق (١)، وعمرو بن حَكَّام (٢)، ومحمد بن معاوية (٣)، وعلي بن الجَعْد (٤)، وإسحاق بن أبي إسرائيل (٥)، ولا يعجبني أن
стр. 2098
يُحدَّثَ عن بعضهم.
وقال أحمد في ابن لهيعة (١): ما كان حديثه بذاك، وما كنت أكتب حديثَه إلاَّ للاعتبارِ والاستدلال، أنا قد كنتُ أكتب حديث الرَّجل كأنِّي أستدلُّ به مع غيره يشدُّه، لا أنّه حجَّةٌ إذا انفرد.
وقال: كنت لا أكتبُ حديث جابرٍ الجعفيِّ (٢)، ثم كتبته أعتبرُ به.
فقال له مُهنَّا: لِمَ تكتبُ حديثَ ابنِ أبي مريم وهو ضعيف؛ قال: أعتبر به (٣).
стр. 2099
فقد بيَّن وَجهَ قَصْده [بأَخذِه] عن الضُّعَفاء للاعتبارِ والشَّدِّ به.
فصلٌ
في بيانِ الكبائرِ التي تمنع روايةَ الحديث، وتوجب الفسقَ (١)
روى أبو بكرٍ في كتابه بإسنادِه عن عبيدِ بن عُمَير (٢) عن أبيه عن رسولِ الله ﷺ قال: "الكبائرُ تسعٌ: الإشراكُ بالله، وقتلُ النَّفسِ المؤمنةِ، وقذفُ المحصنةِ، والزِّنى، والفرارُ من الزَّحفِ، والسِّحرُ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وعقوقُ الوالدين المسلمين، والإلحادُ بالبيت الحرام" (٣).
وروى أبو سلمة (٤) بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: قال رسول الله
стр. 2100
- ﷺ :"الكبائر سبع" (١) وذكر أكلَ الرِّبا مع ما تقدَّم ذكرُه، من الشِّرك، وقتلِ النَّفس، وقذفِ المحصنات، وانقلاب إلى الأعراب بعد هجرةٍ.
ورأيت عن علي ﵁ أنَّها عشرةٌ قسَّمها على الأعضاء، فقال: في اللِّسان: الشِّركُ وقذفُ المحصنات، وفي اليدين: السَّرقةُ والقتلُ، وفي البطن: شربُ الخمر، وأكلُ الرِّبا، وأكل مالِ اليتيم، وفي الفَرْج: الزِّنى واللِّواط، وفي القدم: الفرارُ من الزحف إذا التقى الصَّفان (٢).
وقد روي في حديث آخر: عقوقُ الوالدين وشهادة الزور، وقد ورد في بعض الأخبارِ: وقولُ الزور، فتدخل فيه الشَّهادةُ وغيرُها، ودخل في القتلِ وَأْدُ البناتِ.
وما رويَ من نهيه ﷺ وأخذه على مَنْ أخذَ عليه الإسلامَ: "وأن لا تقتلَ ولدكَ خشيةَ أن يأكلَ معك" (٣).
وإذا كان تاركاً لهذه الكبائرِ فإنَّ الصَّغائرَ مكفَّرةٌ. بمصائبِ الدنيا أو
стр. 2101
بالفرائض، بدليل الكتاب والسُّنة.
أمَّا الكتابُ فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] نزلت في الرَّجلِ الذي سألَ النبيَّ ﷺ عن استمتاعِه من المرأةِ الأجنبية بكلِّ ما يستمتعُ به الرَّجُلُ من زوجتِه إلاً الجماعَ، فأنزلَ الله هذه الآيةَ (١)
وقيل في التفسير: إنَّ الصلوات الخمسَ يكفِّرنَ ما بينها. فهذا حكمُ تمحيصها وتكفيرها بالطَّاعات.
وأما تكفيرُها بالآلامِ والمكارهِ فلِمَا رويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "حُمَّى يومٍ كفارةُ سنة" (٢)، وقوله ﷺ :"ما من مصيبة تصيب العبدَ إلاَّ كفَّرت عنه خطيئة، حتى الشَّوكةُ يُشاكُها حتى النَّكبةُ" (٣)، وقد قال الله سبحانَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] وقال النبىّ ﷺ : "إذا انقطعَ شِسْعُ نعل أحدِكم
стр. 2102
فليسترجعْ، فإنَّها مصيبةٌ" (١).
قال أحمدُ: ولا يُرَدُّ خبرُ أبي بَكْرة ولا من جُلِدَ معه (٢)، لأنَّ م جاؤوا مجيءَ الشَّهادةِ، ولم يأتوأ بصريح القذفِ، ويسوغ فيه ألاجتهادُ ولا تردُّ الشَّهادةُ. مما يسوغُ فيه الاجتهاد.
وهذا من كلامه يدلُّ على أنَّ اللعبَ بالشِّطرنج وشربَ النبيذ [ليس جرحاً] (٣) في حقِّ المجتهدين، ومَنْ قلَّد مجتهداً في ذلك، ولمَّا نصَّ على أنَّه لا تردّ الشَّهادةُ في ذلك، كان تنبيهاً على أنَّه لا يردّ الخبرُ؛ لأنَّ الخبر دونَ الشَّهادةِ، ولأنَّ نقصانَ العددِ معني في غيره، وليس. بمعني من جهتِه.
فصلٌ
في أهل البدعِ ومَنْ يُرَدُّ حديثُه منهم
قال أحمدُ في روايةِ الأَثرم، وقد ذُكِرَ له أنَّ فلاناً أمر بالكِتابِ عن
стр. 2103
سعدٍ العَوفِى (١)، فاستعظمَ ذلك، وقال: ذاكَ جهميٌّ، امتُحنَ فأجاب قبل أنْ يكونَ ترهيبٌ.
وقال في رواية أبي داود: احتَمِلُوا من المرجئةِ، ثم يُكتَب عن القدري إذا لم يكن داعيةً.
وقال المرُّوذي: كان أبو عبد الله يحدِّث عن المرجئ إذا لم يكن داعيةً، ويكتبُ عن القدري إذا لم يكن داعيةً.
فصلٌ
ويعتبر أن يكونَ ضابطاً (٢)؛ لأنَّ أحمدَ قالَ في روايةِ المرُّوذي: لا ينبغي للرجلِ إذا لم يعرفِ الحديثَ أن يحدِّث به، ثمَّ قال: صارَ الحديثُ يحدِّثُه مَنْ لا يعرفه.
وقال فيما دون البالغ؛ لأنّه لا رغبةَ له في الصِّدقِ، ولا مخافةَ عليه في الكذبِ، فحالُه دون حالةِ الفاسق؛ لأنَّ الفاسقَ قد يرجو ثواباً ويخاف عقاباً، ولأنّنا إذا لم نقبلْ إقرارَه على نفسه، فَلأن لا نقبله على رسول الله ﷺ أَولى.
وأمَّا روايتُه بعد بلوغِه جائزٌ؛ لأنَّ السَّلفَ عملوا بخبرِ ابن عباس،
стр. 2104
وابنِ الزبير، والنعمانِ بن بشير، ومَن شَاكلهم من أحداث الصَّحابة، ولأنه لما جازَ تحمُّلُه للشَّهادةِ قبل بلوغِه مع كونِ الشَّهادةِ أضيقَ حكماً وآكدَ شروطاً، فأولى أن يتحملَ الخبرَ ويؤديه بعد بلوغه.
قال أحمدُ في روايةِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، والمروذي، وحنبل: يصحُّ سماعُ الصَّغيرِ إذا عقَلَ وضبط.
وروى البخاريُّ في "صحيحه" عن الزهري، عن محمود بن الربيع:
عَقَلْتُ من النبيِّ ﷺ -مَّجةٌ مجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين (١). وهذا يدلُّ على [أنَّ] ابنَ حمس يعقلُ ويضبطُ، فصحَّ سماعُه.
فإن قيل: فهلاّ صحِّحتْ روايتُه مع تكاملِ الأمر بينَ عقلِه لما سمع، وضبطِه لما عقَل؟
قيل: الشرعُ قصَرَه في شأنِ النطقِ، ولم يجعل له نطقاً في إقرارٍ ولا شهادةٍ، ولا طلاقِ ولا عتاقٍ في مثل (٢) هذا السِّن، لأنَّه قد يُعتبرُ للأداءِ ما لا يعتبرُ للتحمُّلِ؛ بدليلِ الشهادةِ يتحملها مَنْ لا يُقبلُ أداؤُه.
فصلٌ
فأمَّا الذكوريةُ فلا تعتبرُ في روايةِ الحديثِ؛ لأنَّ النِّساءَ روين عن
стр. 2105
رسولِ الله ﷺ ، وسمعَ أصحابُه (١) حديثَهنَّ، وبنوا عليه الأحكامَ، وذلك أشهرُ من أن يحتاجَ إلى ذِكْرهِ، من ذلك: رواياتُ أزواجِه ﵅، أفعالَه وأقوالَه التي بُنيت عليها الأحكامُ، ولأنّهنَّ دخلنَ في الشَّهادةِ وهي أضيقُ مسلكاً، وأكثرُ شروطاً وآكدُ، فكان ذلك منبِّهاً على جواز دخولهِنَّ في الأخفِّ والأوسع، ووجهُ ضيقِ الشَّهادةِ اعتبارُ العددِ والعدالةِ الباطنةِ في بابِ العقوباتِ إجماعاً ظاهراً، وعدمُ اعتبارِها في روايةِ أحاديثِ الحدودِ، والعقوباتِ، وعدمُ سماع الشَّهادةِ بالعنعنة، ومن وراءِ حجاب، ومن طريقِ الإجازةِ والإرسالِ، وذلك كلُّه غيرُ معتبرٍ في الأخبارِ.
فصل
وقال أحمدُ: لا بأسَ بروايةِ الضَّريرِ إذا كان يحفظ، وكذلك قال في الأمِّي، إذا كان يحفظ (٢)، وذلكَ لأنَّه لا عملَ للبصر والخطِّ في الحفظِ والأداءِ، فإذا كان سليمَ الآلةِ التي يحصلُ بها الأداءُ، فلا عبرةَ. بما سواها.
فصل
وقال أحمدُ: لا يروى عن أهلِ الرَأي.
وقوله: لا يروى عنهم، في عدة روايات، لا يجوزُ لعاقلٍ أن يحملَه على أصحابِ أبي حنيفةَ لمعانٍ، منها: