بالفرائض، بدليل الكتاب والسُّنة.
أمَّا الكتابُ فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] نزلت في الرَّجلِ الذي سألَ النبيَّ ﷺ عن استمتاعِه من المرأةِ الأجنبية بكلِّ ما يستمتعُ به الرَّجُلُ من زوجتِه إلاً الجماعَ، فأنزلَ الله هذه الآيةَ (١)
وقيل في التفسير: إنَّ الصلوات الخمسَ يكفِّرنَ ما بينها. فهذا حكمُ تمحيصها وتكفيرها بالطَّاعات.
وأما تكفيرُها بالآلامِ والمكارهِ فلِمَا رويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "حُمَّى يومٍ كفارةُ سنة" (٢)، وقوله ﷺ :"ما من مصيبة تصيب العبدَ إلاَّ كفَّرت عنه خطيئة، حتى الشَّوكةُ يُشاكُها حتى النَّكبةُ" (٣)، وقد قال الله سبحانَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] وقال النبىّ ﷺ : "إذا انقطعَ شِسْعُ نعل أحدِكم
стр. 2102
فليسترجعْ، فإنَّها مصيبةٌ" (١).
قال أحمدُ: ولا يُرَدُّ خبرُ أبي بَكْرة ولا من جُلِدَ معه (٢)، لأنَّ م جاؤوا مجيءَ الشَّهادةِ، ولم يأتوأ بصريح القذفِ، ويسوغ فيه ألاجتهادُ ولا تردُّ الشَّهادةُ. مما يسوغُ فيه الاجتهاد.
وهذا من كلامه يدلُّ على أنَّ اللعبَ بالشِّطرنج وشربَ النبيذ [ليس جرحاً] (٣) في حقِّ المجتهدين، ومَنْ قلَّد مجتهداً في ذلك، ولمَّا نصَّ على أنَّه لا تردّ الشَّهادةُ في ذلك، كان تنبيهاً على أنَّه لا يردّ الخبرُ؛ لأنَّ الخبر دونَ الشَّهادةِ، ولأنَّ نقصانَ العددِ معني في غيره، وليس. بمعني من جهتِه.
فصلٌ
في أهل البدعِ ومَنْ يُرَدُّ حديثُه منهم
قال أحمدُ في روايةِ الأَثرم، وقد ذُكِرَ له أنَّ فلاناً أمر بالكِتابِ عن
стр. 2103
سعدٍ العَوفِى (١)، فاستعظمَ ذلك، وقال: ذاكَ جهميٌّ، امتُحنَ فأجاب قبل أنْ يكونَ ترهيبٌ.
وقال في رواية أبي داود: احتَمِلُوا من المرجئةِ، ثم يُكتَب عن القدري إذا لم يكن داعيةً.
وقال المرُّوذي: كان أبو عبد الله يحدِّث عن المرجئ إذا لم يكن داعيةً، ويكتبُ عن القدري إذا لم يكن داعيةً.
فصلٌ
ويعتبر أن يكونَ ضابطاً (٢)؛ لأنَّ أحمدَ قالَ في روايةِ المرُّوذي: لا ينبغي للرجلِ إذا لم يعرفِ الحديثَ أن يحدِّث به، ثمَّ قال: صارَ الحديثُ يحدِّثُه مَنْ لا يعرفه.
وقال فيما دون البالغ؛ لأنّه لا رغبةَ له في الصِّدقِ، ولا مخافةَ عليه في الكذبِ، فحالُه دون حالةِ الفاسق؛ لأنَّ الفاسقَ قد يرجو ثواباً ويخاف عقاباً، ولأنّنا إذا لم نقبلْ إقرارَه على نفسه، فَلأن لا نقبله على رسول الله ﷺ أَولى.
وأمَّا روايتُه بعد بلوغِه جائزٌ؛ لأنَّ السَّلفَ عملوا بخبرِ ابن عباس،
стр. 2104
وابنِ الزبير، والنعمانِ بن بشير، ومَن شَاكلهم من أحداث الصَّحابة، ولأنه لما جازَ تحمُّلُه للشَّهادةِ قبل بلوغِه مع كونِ الشَّهادةِ أضيقَ حكماً وآكدَ شروطاً، فأولى أن يتحملَ الخبرَ ويؤديه بعد بلوغه.
قال أحمدُ في روايةِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، والمروذي، وحنبل: يصحُّ سماعُ الصَّغيرِ إذا عقَلَ وضبط.
وروى البخاريُّ في "صحيحه" عن الزهري، عن محمود بن الربيع:
عَقَلْتُ من النبيِّ ﷺ -مَّجةٌ مجَّها في فيَّ وأنا ابنُ خمسِ سنين (١). وهذا يدلُّ على [أنَّ] ابنَ حمس يعقلُ ويضبطُ، فصحَّ سماعُه.
فإن قيل: فهلاّ صحِّحتْ روايتُه مع تكاملِ الأمر بينَ عقلِه لما سمع، وضبطِه لما عقَل؟
قيل: الشرعُ قصَرَه في شأنِ النطقِ، ولم يجعل له نطقاً في إقرارٍ ولا شهادةٍ، ولا طلاقِ ولا عتاقٍ في مثل (٢) هذا السِّن، لأنَّه قد يُعتبرُ للأداءِ ما لا يعتبرُ للتحمُّلِ؛ بدليلِ الشهادةِ يتحملها مَنْ لا يُقبلُ أداؤُه.
فصلٌ
فأمَّا الذكوريةُ فلا تعتبرُ في روايةِ الحديثِ؛ لأنَّ النِّساءَ روين عن
стр. 2105
رسولِ الله ﷺ ، وسمعَ أصحابُه (١) حديثَهنَّ، وبنوا عليه الأحكامَ، وذلك أشهرُ من أن يحتاجَ إلى ذِكْرهِ، من ذلك: رواياتُ أزواجِه ﵅، أفعالَه وأقوالَه التي بُنيت عليها الأحكامُ، ولأنّهنَّ دخلنَ في الشَّهادةِ وهي أضيقُ مسلكاً، وأكثرُ شروطاً وآكدُ، فكان ذلك منبِّهاً على جواز دخولهِنَّ في الأخفِّ والأوسع، ووجهُ ضيقِ الشَّهادةِ اعتبارُ العددِ والعدالةِ الباطنةِ في بابِ العقوباتِ إجماعاً ظاهراً، وعدمُ اعتبارِها في روايةِ أحاديثِ الحدودِ، والعقوباتِ، وعدمُ سماع الشَّهادةِ بالعنعنة، ومن وراءِ حجاب، ومن طريقِ الإجازةِ والإرسالِ، وذلك كلُّه غيرُ معتبرٍ في الأخبارِ.
فصل
وقال أحمدُ: لا بأسَ بروايةِ الضَّريرِ إذا كان يحفظ، وكذلك قال في الأمِّي، إذا كان يحفظ (٢)، وذلكَ لأنَّه لا عملَ للبصر والخطِّ في الحفظِ والأداءِ، فإذا كان سليمَ الآلةِ التي يحصلُ بها الأداءُ، فلا عبرةَ. بما سواها.
فصل
وقال أحمدُ: لا يروى عن أهلِ الرَأي.
وقوله: لا يروى عنهم، في عدة روايات، لا يجوزُ لعاقلٍ أن يحملَه على أصحابِ أبي حنيفةَ لمعانٍ، منها:
стр. 2106
أنَّ غايةَ ما اعتَلَّ في تركِ الروايةِ عن بعضِ مشايخهم، أنَّه رأى سراويلَه على شراكِ نعلِه، لأجلِ الحديثِ فيما نزلَ من الإزارِ على العَقبِ (١) فعَلَّلَ بذلك، ولم يذكر الرأي، وكيف يذكرُ تركَ الرِّوايةِ لأجلِ الرأي الذي هو القياسُ، وهو ممَّن عمل بالرأي، يَذُمُّ ما ذهب إليه؟! وقد قاسَ، وعمل بالقياس، وردَّ على داود، ويذم أهلَ الظَّاهر، حتى قال في داود ما قال، وقاسَ هو وعملَ بالقياس (٢).
وكيف يذم الأرئيتية لأجلِ القياس؟ وأول من قال: "أرأيت" النبيُّ ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أبيكِ دينٌ فقضيتيه" (٣)، "أرأيتَ لو تمضمضت" (٤)، يقول ذلك لمَنْ سألتْ عن الحجِّ عن أبيها، ولِمَن سألَ عن قُبلةِ الصَّائم.
وإنَّما يحملُ كلامُه في نفي الرِّوايةِ وفي الذمِّ، على أهلِ الأهواءِ الذين ردُّوا السُّننَ بالآراءِ، فأمَّا ما خلا ذلك فلا يُظنّ به مع دخولهِ في القياس، وعملِه به، وبناءِ مذهبِه عليه في مسائلَ عدَّة ليس له فيها آية، ولا خبرٌ، ولا قولُ صحابيٍّ.
стр. 2107
فصلٌ
وقال: لا أروي ولا يُروى عمَّن أجاب في المحنة (١). وهذا محمولٌ على مَنْ أجاب تقرُّباً إلى السُّلطانِ لا بإكراهٍ له على الإجابة، بدليل أنَّه لا خلافَ أنَّ الإكراهَ يزيلُ حكمَ ما أُكرِهَ عليه الإنسانُ من الأقوالِ في بابِ المآثم، ولا أشدَّ من كلمةِ الكفرِ، وليسَ الكلامُ في القرآنِ بخلْقٍ أو نفى خَلْق، أو توقّفٍ بأكثرَ من تصريح بكلمةِ الكفرِ، فهذا الذي ينبغى أن يقالَ ليوافقَ أصلَ السُّنة، وأصولَ الرَّجل في نفسِه، وما يليقُ بالعلمٍ، أو يحملُ على النزاهةِ والورع، خوفاً أن يكونوا استجابوا محاباةً، أو تقرباً لشكٍّ وقعَ له فيهم.
فصلٌ
قال في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا كانَ الرجلُ في الجندِ لم أكتب عنه (٢). وهذا من كلامِه الذي يجبُ صرفُه عن ظاهرِه، وإنما أرادَ أنَّه جنديٌّ الغالبُ من حالِه لبسُ المحظورِ وكلامه المكروه، وامتداد يدِه إلى الظلمِ والاستطالةِ، فأمّا نفسن التجنّدِ فليسَ. بمحظورٍ، بل التجنّدُ دخولٌ في عَسْكَر الإسلامِ ومعاضدة الإمام.
فصلٌ
ومنع من سماعِ الحديثِ عمَّن يُعاملُ ويبيع بالعِينَةِ ، وهذا محمولٌ على النَّسيئة التي هي رباً، وكل بيع مراباةٍ (٣).
стр. 2108
فصلٌ
وقال: لا نكتبُ عمَّن يأخذُ الدراهمَ على الحديثِ ، ولا كرامةَ (١).
وهذا محمولٌ على أخذِ الأجرةِ، مع كونِ الروايةِ فرضاً على الكفاية، فأمَّا السَّعي وأن يَصمُدَ للإتعاب لسماعِ يَقطَعُه عن شغله، فهو كنسخ الحديثِ والمقابلةِ له.
فصلٌ
وأمّا التدليسُ، فإنه يُكره، لكن لا يَمنَعُ قَبولَ الرِّوايةِ وسماعَ الحديث؛ لأنَّه ليس بكذبٍ، لكنَّه من المعاريضِ المغنيةِ عن الكذبِ، والموهمةِ ما ليس هناك، مثل: أنه لم يعاصر الزُّهريَّ، ولكنَّه روى عمَّن لقِيَه، فيقول قولاً يوهِمُ أنَّه لقِيَ الزُّهريِّ محتملاً.
ومثل قولِه: حدَّثنا فلانٌ وراءَ النَّهر، ويشيرُ به إلى نهر عيسى ويوهم به جَيحان.
وقد صرَّحَ أحمدُ بكراهةِ التدليسِ، وقال: التدليسُ عيب. وإنَّما كان كذلكَ لما فيه من الإيهامِ والبَخْس. بما ليسَ هو ثابتاً (٢) في حقّه.
وقد نصَّ على أنَّه لا يمنعُ، فقيل له: شعبةُ يقول: التدليسُ كذبٌ،
стр. 2109
فقال: لا ليسَ بكذبٍ، قد دلسَ قومٌ ونحن نروي عنهم (١).
وذهبَ قومٌ من أصحابِ الحديثِ إلى أنَّه لا يقبلُ خبرُ المدلِّس (٢).
وجهُ قبولِ خبرِه: أنَّه يحصل (٣) بإيهامٍ ليس فيه أكثرُ من استعارةِ اسمٍ مكانَ اسمٍ أَنَفَةً من النُّزولِ وإيثاراً للعُلوِّ، وهو صادقٌ في الباطنِ وما هو إلأ. بمثابةِ مَنْ قيل له: أحججتَ؟ فقال: لا مرةً ولا مرتين، يوهمُ أنه حجَّ أكثرَ، وهو يقصدُ نفيَ الجميع باطناً.
فصلٌ
إذا روى خبراً إنسان ثم نسي روايته للذي رواه عنه ، فجحدَه النًاسي وأنكرَه، لم يوجب ذلك ردَّ الحديثِ في إحدى الروايتين عن أحمدَ ﵁ (٤)، حتى إنَّ الراوي الناسي إذا كان يثقُ إلى عدالةِ الرَّاوي عنه حَسُنَ أن يقول: حدَّثني فلانٌ عني بكذا وكذا. وبها قالَ أصحابُ الشَّافعي.
وفيه روايةٌ أخرى بردِّ الخبرِ ولا يجوزُ العمل به، نصَّ عليها في إنكار الزُّهري روايتَه حديث عائشةَ في الوليِّ (٥).
стр. 2110
فالأوَّلة أصحُّ؛ لأنَّ اكثرَ كلامِ أحمدَ يتضمن تصحيحها، فقال: كان سفيانُ يحدِّث ناسياً، ويقول: ليس من حديثي ولا أعرفه، قد يحدِّثُ الرجلُ ثم ينسى (١).
فصلٌ
والدلالةُ على قَبولِه، والعملِ به: أنَّ النبيَّ ﷺ نسيَ فسلَّمَ من ركعتين، فقامَ إليه ذو اليَدين، فقال له: أقصرتِ الصَّلاةُ أم نَسِيتَ؟ فقال: "كلُّ ذلك لم يكن". تم سَألَ أبا بكرٍ وعمرَ فصدَّقا ذا اليدين، فقامَ يقضي ما أخبراه بأنّه نسيَه (٢)، وهذا عملٌ بقولِ غيرِه فيما نسيَه، وجَحْده للنُّقصانِ، كجحد الزهريِّ للخبرِ.
وأنَّ ربيعةَ بنَ أبي عبد الرحمن روى عن سهيلِ بنِ أبي صالحِ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ- ﷺ قضى باليمين مع الشَّاهد (٣). ثمَّ نسيَه سهيل،
стр. 2111
فكانَ يقولُ: حدَّثني ربيعة عنِّي أنِّي حدثته عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ .
ويرويه هكذا، فلا ينكرُ أحدٌ من التابعين، ولا يخالفه مخالف منهم، فدلَّ على جوازِه.
فإن قيل: هذا يحتمل ألا نخالفكم فيه، وهو أن يكونَ لمَّا نسيَ فأخبرَهُ وذكره فذكَرَ، فكانَ راوياً بنفسِهِ.
قيل: لو كانَ كذلك لانطوى ذِكْرُ ربيعةَ، وكان يرويه رواية نفسِه، ألا ترى أنَّه لو رَوى حديثاً عن النبيِّ ﷺ ثم نسيه فذكَّره آخر قولَ النبي ﷺ وما سَمِعَهُ منه، لم يقلْ: حدَّثني فلانٌ عن النبيِّ، بل كان يروي عن النبيِّ بحكم ذكرِه لقوله ﷺ .
ومنها: أنَّ الراوي عنه [عَدْلُ] يُحَقِّقُ (١) مأنعه منه، وهَبْ أنَّ نسيانَه كموته، فإنَّ موتَ حِفظِه وذهابَه كفَقدِه، فيعوَّلُ على عدالةِ الراوي وإسنادِه إليه، ولا علينا كان ذاكراً أو ناسياً، ولهذا لو جُنَّ لم يؤثِّر، والجنونُ إعدامٌ لقوَّةِ الحفظ، والنِّسيانُ كذلك.
فصلٌ
في شبهاتِ الروايةِ الأخرى والموافقِ لها
فمنها: أنَّ عمارَ بنَ ياسر لمَّا روى لعمرَ بنِ الخطاب ﵄ فقال: "أمَا تذكرُ يا أميرَ المؤمنين لمَّا كنا في الإبلِ، فأجنبتُ،
стр. 2112
فتمعَّكْتُ في الترابِ، ثم سألتُ النبيَّ ﷺ فقال: "إنما يكفيكَ أن تضرب بِيَديك" (١) فلم يقبلْ عمرُ من عمار ما رواه له، مع كونِه عدْلاً ثقةً عندَه.
ومنها: أنَّ إنكارَ مَنْ أُسندَ إليه، يمنعُ من قبول قوله، كالنبيِّ ﷺ ، والحاكمِ إذا ادَّعى رجل أنَّه حكمَ له، فقال: لا أذكرُ ذلك، فأقامَ عندَه شاهدين بأنَّه حَكَمَ له. بما ادَّعاه، فإنه لا يُقبَلُ، كذلك هاهنا.
وشاهدِ الأصلِ مع شاهدِ الفرع (٢).
فصل
في أجوبتنا عما ذكروه أوّلاً
أمَّا النبيُّ ﷺ فقد قال لذي اليدين: "كل ذلك لم يكن في الصلاة"، فلم يزد، وسألَ أبا بكر وعمرَ وبنى فعله على قولهما.
أمَّا الشَّهادةُ، فإنَّها أضيقُ طريقاً، وأكثرُ شروطاً، بدليلِ أنَّه لا يُقبلُ فيها الواحدُ، ولا يُقنعُ فيها بالعدالةِ الظَّاهرةِ، ولا يُقبلُ في العقوباتِ بشهادة النِّساءِ، ولا مَنْ ظاهره العدالة، وتقبل الأخبار الواردة، بالحدود والقَوَدِ من النساء، ولا تقبلُ فيها العنعنةُ، ولا من وراءِ حجاب.
وأمّا الحاكمُ فلا نُسَلِّمُ، بل إذا شَهِدَ شاهدان بحكمِه، لزمه الرجوعُ
стр. 2113
إلى قولِهم، ومذهبُنا يوجب عليه الرجوعَ إلى حفظه (١) مِن تحتِ ختمه فِى قِمَطرْه (٢)، فقولُ الشاهدَين أَوْلى.
وأمّا حديث عمّار، فإنَّه يجوز أن يكونَ ذلك مذهباً لعمرَ بنِ الخطاب، ولنا في قولِ الصَّحابيِّ هل هو حجةٌ؟ روايتان، أصحُّهما: أنَّه ليس بحجَّةٍ، لأَنه مجتهدٌ وليس. معصومٍ، ولا ممنوع من خلافِه، فهو كسائرِ المجتهدين.
فصلٌ
المستحبّ رواية الحديث بألفاظِه (٣)، لأنّه إذا نقِلَ بألفاظِه، أُمِنَ فيه التغييرُ والتبديل، وسوء التأويلِ، فهذا هو الأَوْلى.
وإنْ نقلَه بالمعنى مَنْ يعرفُ العنى، وحَفِظَه من الشبهةِ، ومن التغييرِ المخلِّ بالمعنى، جازَ، وهذا إنّما يصحُّ ممَّن كانَ عارفاً بالمعاني، نصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ من أصحابهِ، فقال: تجوز الروايةُ على المعنى، وما زال الحفَّاظُ يحدثون بالمعنى.
وحكي عن ابنِ سيرين وجماعةٍ من السَّلف: أنه يجب نقلُ اللفظِ على صورتهِ. وحكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي (٤)، ولأصحاب الشَّافعيِّ
стр. 2114
وجهان كالمذهبين (١).
فصلٌ
في ذكر أدلَّتنا
فمنها: ما رواهُ شيخُنا عن أبي محمدٍ الخلال (٢) - ولي منه إجازةٌ - عن ابن مسعودٍ، سأل رجلٌ النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله، تُحدِّثنا [حديثاً] لا نقدر أن نسوقَه كما نسمعه، فقال: "إذا أصاب أحدُكم المعنى فليحدِّث" (٣).
ومنها ما روي عن مكحول (٤)، قال: دخلنا على واثلةَ بنِ الأسقع،
стр. 2115
فقلنا: حدِّثنا حديثاً ليس فيه تقديمٌ ولا تأخير، فَغَضِبَ. وقال: لا بأسَ إذا قَدَّمت وأخْرتُ إذا أصبتُ المعنى (١).
ومنها: أنَّ المقصودَ من الألفاظِ المعاني، فإذا أتى بالمعنى، وجبَ أن تجوزَ، كما نقولُ في ألفاظِ الشَّاهدِ إذا تضمنت معاني ما شَهِدَ به.
ومنها: أنَّ الحاجةَ إلى أحكامِ الشَّرع داعية، ولا طريقَ لنا بَعدَ القرآنِ إلى معرفتِها إلا السُّنَّةُ، والحوادثُ جمةٌ، فلو رَدَدْنا على الرُّواةِ بالمعاني، وأوقفنا القَبولَ والعملَ على نفسِ الصِّيغ، دونَ الرِّوايةِ بالمعنى، لوقَفَتِ الأحكامُ في أكثر الحوادثِ.
ومنها: أنَّ الاجتهادَ في معاني ألفاظِه لاستخراج الأحكامِ سائغ جائز، بل واجبٌ لازمٌ، فتجزئُ المعانى من ألفاظِه للروايةِ التي بنينا عليها الأحكامَ كذلك.
ومنها: أنَّا رأينا النبي ﷺ يقولُ في القصةِ والحادثةِ قولاً، ثمَّ يقولُه مرةً أخرى بغير ذلك اللّفظِ، لكن يتطابقُ المعنى، مثل قوله: "أليسَ في الشَّث
стр. 2116
والقَرَظِ ما يطهِّره" (١)، "يطهِّر الدِّباغُ الجلدَ كما يطهِّر الخلّ الخمر" (٢)، "دباغُ الأديم ذكاتُه" (٣) الكلّ. بمعنى واحد، والألفاظُ مختلفةٌ، "ادرؤوا الحدودَ بالشبهاتِ" (٤)، "مَنْ أتى من هذه القاذوراتِ شيئاً، فليستتر بسترِ الله" (٥) "تجاوزوا عن ذنب السخيِّ، فإنَّ الله يأخذُ بيدِه كلما عثر" (٦)، "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم" (٧)، "إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلعَ إلى أهلِ
стр. 2117
بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١)، وإذا جاز له هو أن يغيِّرَ اللًفظَ مع حفظِ المعنى، كان لنا نحنُ ذلك تعويلاً على المعنى.
ومنها: أنَّ أحاديث الناسِ بعضِهم عن بعض تجوزُ بالمعاني، ولا تشترط الصيغة التي (٢) سمعها، ولا يعدُّ كاذباً ولا متجوِّزاً، كذلكَ أحاديثهم عن الني ﷺ .
فصلٌ
في شبههم
فمنها: ما روي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "نضَّر الله امرأً" أو قال: "رحم الله امرأً، سمعَ مقالتي فوعاها وأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه" (٣).
ومنها: أنَّه قولٌ تثبتُ به أحكامُ الشَّرع، فلا يجوزُ تغييرُه كالكتابِ والأذانِ والشَّهادةِ.
فصلٌ
في الأجوبةِ عنها
أمَّا الحديثُ، فهو حجةٌ لنا من وجهٍ، ونقولُ به من حيثُ يحتجُّون به،
стр. 2118
أمَّا حجَّتُنا منه، فإنَّه عوَّلَ على المعنى في أوَّلِه وآخرِه حيث ذكرَ الفقهَ، ولم يتعرَّض للحفظِ، وإِنما نحن مجوِّزون لنقلِه بالمعنى في حقِّ مَنْ يفقه المعنى.
وإذا كان فقهُ الحديث هو المقصودَ، لم يبق فيه إلا الاحتياط للفظِ خوفاً على المعنى، وذلكَ يقتضي الأَوْلَى والاستحباب، ونحن قائلودن به.
ولأنَّ في تعليلِ الخبرِ ما يدلُّ على أنَّ المعنى أَوْلَى، وهو أنَّه إذا كان الحديثُ مشكلَ الظاهر فأزال إشكاله بروايته بالمعنى، أغنى السَّامعَ عن تفسيرِه، وعن سؤال وإيضاحِ للمعنى، فإنَّ الصَّحابة قد تخطئ في ذلك حتى يُشبَّه على أحدهم خيطا الفجر بخيطي الحبل، فقال له النبيُّ ﷺ : "إنك لعريضُ الوِسادِ (١) (٢ ......... ٢) لا الكف عنه فقطع للسان غير معناه، مثل: أن يسمعَ من النبيِّ- ﷺ : "صاحبُ الحقِّ له اليدُ واللسانِ" (٣)، وهذا يوهمُ: له اليدُ ضرباً ونَتْراً وجذباً، واللِّسانُ شتماً وسبًّا، فجاءَ الراوي وقال: قال النبيُّ ﷺ :"صاحبُ الحقِّ له المطالبةُ بلسانهِ، واليدُ بملازمتِه وإمساكهِ" ففصح بالمعنى، كان هذا أحسنَ في إزالةِ الإشكالِ.
стр. 2119
وأمّا قياسُهم على القرآن فغيرُ صحيحٍ، لأنَّ ذلكَ لفظُه ونطقُه إعجازٌ، فتغييره (١) لا يجوز، ولو لم تكَن آيه محكمةً، حتى [لو] كانت قصصاً، أو وعيداً للأمم السَّالفةِ أو مثلاً على أنه هو الحجة، لأنه لا يسقطُ الحكمُ الذي [ذَكَر] معناه الناقلُ بالمعنى، مثل قوله: إذا نوديَ للصَّلاة فامضوا ودعوا التبايعَ، ويقول: أنا سمعتُ ذلك، فإنَّه لا يكونُ قرآناً، ويكون الحكمُ ثابتاً، كما غيَّر ابنُ مسعود التلاوةَ بالتفسير، ولم يسقط حكمُ الغيَّرِ، وإنما سقطَ النطقُ عن كونهِ قرآناً.
على أنَّ القرآن لو قَدَّمَ فيه المؤخر، لم نُجِزْه، فتلا بدل ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران: ٤٣]: اركعي واسجدي، لم يجز، ولو قال في روايةِ الحديث: "لا جنَبَ ولا جلبَ" أو قال: "لا جلَب ولا جنبَ" (٢) كان سواءً، وكذلك إذا روى: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر أسماء بالغَسْلِ للدمِ والحتِّ والقرصِ (٣)، أو قدَّمَ ما أخَّر، جاز.
وأمّا الأذانُ والشَّهادةُ، فذلكَ تَعَبُّدٌ لا يحصلُ إلا بالصيغة التي تعبَّدَنا الشَّرعُ بها، كهيئاتِ التعبداتِ، وإذا غيَر لم نفهمِ الدُّعاء إلى الصَّلاةِ به، ولم نعلم أنَّه صادفْنا فيه الأصلحَ، وليسَ القصدُ به العملَ فنعملَ به، إنَّما القصدُ التعبدُ بالصيغةِ، والعملُ به الاستجابةُ والقصد إلى مواضع
стр. 2120
العبادات (١)، وذلكَ لازمّ بقولِ القائل: الصلاة جامعةٌ، لكنَّه لا يكون أذاناً، فإن كانَ [القصدُ] الإعلامَ، فإنَّه يحصلُ، وإِنْ [كان القَصدُ] التَّعبُّدَ، فإِنه لا يحصل.
فأمَّا في مسألتِنا، فإدنَّ القصدَ العلمُ. بمرادِ الشَّرع، وذلكَ يحصل بفهمِ المعنى بأيِّ صيغةٍ كانت، حتى بالخطِّ والمناولةِ تحصلُ الرِّوايةُ، وبكتابٍ يُسَطرَّ إلى أهلِ القريةِ والمحلّةِ من قِبَلِ المؤذن لا يحصلُ ثواب الأذانِ عند مَنْ يجعلُه سنَّةً، ولا فرضُه عندَ مَنْ يقولُ بأنَّه فرضٌ.
فصلٌ
وإذا سمع من الراوي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال كذا، فقال: إنَّ النبي ﷺ قال كذا، أو على العكسِ، فإنَّه يجوزُ، نصَّ عليه أحمد، رواه عنه عمرُ المَغَازلي؛ إذ الاسمانِ لمسمًّى واحدٍ، والمفهومُ من الاسمينِ المسمَّى المشارُ إليه ﷺ ، والنبوةُ وإنْ كانت دونَ الرِّسالةِ، فإنَّ كلَّ رسولٍ نبيٌّ، وليسَ كلُّ نبي رسولاً، لكن في حقِّ نبيِّنا ﷺ الاسمان حقيقةٌ فيه، فهو نبيٌّ وهو رسولٌ، والله تعالى قد دعاه بالاسمين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] , ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
فصلٌ
إذا وَجَدَ سماعَه في كتابٍ، ولم يذكر أنَّه سمعَه، جازَ روايته، أشارَ إليه
стр. 2121
أحمدُ (١). وبه قالَ الشافعي وأبو يوسفَ ومحمّد (٢).
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أن يرويَه إذا لم يذكر سماعَه (٣).
لنا: أنَّ مبنى الأخبارِ على حُسن الطنِّ والمسامحةِ وتركِ الاستقصاءِ، والعمل فيها على الظاهرِ من الحالِ، بدليلِ أنه لا يشترطُ فيها العدالةُ الباطنةُ، وتقبلُ من العبيد والنِّساءِ وبالعنعنةِ (٤)، والظاهرُ هاهنا من الخطِّ الصِّحَّةُ وصِدقُ الكاتب، ولهذا بَنَتِ الصَّحابةُ على الكتبِ المعزيَّةِ إلى النبي ﷺ ، ثقةً بالخط.
فصلٌ
في شبهةِ المخالف
منها: أنَّ الواجدَ لخطِّه بالشَّهادةِ لا يجوزُ أن يشهدَ به، كذلكَ الخبرُ ولا فرقَ.
ومنها: أنَّ الأخبارَ لا يُؤمَنُ عليها الكذبُ، والخطّ يجوزُ أن يكونَ كاتبُه كاذباً، وأن يشبهَ خطّ غيرِه خطَّه، فلا يجوزُ أن يثقَ إلى ذلك.
стр. 2122
فصلٌ
في الأجوبةِ
فأمَّا الشَّهادةُ، فقد روي عنه جوازُ الشَّهادةِ بخطِّه، إذا لم يخرج عن يدِه، والصَّحيحُ: [عَدَم] (١) التسليم، فلأنَّ أمرَها مبنيٌّ على التأكيدِ والتغليظِ من الوجوه التي ذكرناها، وأمَّا الخطّ فإنَّه ظاهر، وليسَ يعتبرُ ما وراءَ الظاهرِ، ولا ما زادَ عليه، ويجوزُ أن يشبهَ الخطُّ الخطَّ، [و] يجوزُ أن يشبهَ الصوتُ الصوتَ، وقد أجمعنا على جوازِ روايةِ الأعمى عن البصير. بمعرفتِه الصوتَ، وإنِ اشتبهت الأصواتُ، وقد نصَّ أحمدُ على جوازِ روايةِ الضَّرير.
فصلٌ
في الحديث إذا قرئَ على المحدِّثِ وهو يسمعُ من قراءةِ غيرِه، أو قرأه هو والشيخ يسمعُ منه، فإنَّه لا يجوزُ أن يقول: سمعتُ الشَّيخَ يقول، ولا: أَمْلَى عليَّ الشيخُ، بل إنْ قرأه الشَّيخُ أو رواه له، جاز أن يقول: سمعتُ منه، وحدَّثني.
فأمَّا إن قال: حدَّثني، وكان الحديث قد قرئَ على الشَّيخ، أو قال: أخبرني، ففيه روايتان (٢):
إحداهما: يجوزُ، قال: وقد سئلَ عن ذلكَ فقال: أخبرنا وحدثنا، عندنا واحدٌ.
стр. 2123
وقالَ أحمدُ: إذا قال حكايةَ الحال كما جرى فهو أحبُّ إليَّ.
فقد أجازَ قولَه: حدَّثني وأخبرني فيما سمع منه، أو قرأ عليه فأقرَّ به، وجعلَ الأَوْلَى حكايةَ الحال، وبها قالَ أصحاب أبي حنيفة والشَّافعي.
والرواية الثانية: لا يجوز أن يقولَ: أخبرني وحدَّثني إلا ممَّا يسمعه من لفظهِ، ولكن يقولُ: قرأته، أو قرئَ عليها، نصَّ عليها أيضاً، قال: الأعجب إليَّ أن يحكي كما سمع، إن قرئَ عليه أو قرأه قال ذلك، وإنْ قرأه الشيخُ قال: حدثني أو أخبرني (١).
فصلٌ
في أدلةِ مَنْ أجازَ ذلك
إنَّ الحاكمَ إذا قالَ للمدَّعَى عليه: ما تقول فيما ادُّعي عليك؟ فقال: نعم؛ فإنَّه يكونُ إقراراً، وكذلك إذا قرأَ الشاهدُ الكتابَ، وقالَ المشهودُ عليه: نعم؛ جازَ للشَّاهد أن يشهدَ عليه بالإقرارِ بهذا القدر.
فصلٌ
في شبَهِ مَنْ منعَ ذلك
فمنها: أنَّ قولَه: حدَّثني وأخبرني، يقتضي أنْ يكونَ المقروءُ عليه قد
стр. 2124
فعلَ فعلاً قد استحقَّ به ذلك، وذلك إنَّما هو قولُه، فأمَّا قولُ غيرِه وهو يسمعُ فلا، كما لو قال: ضربني وشتمني، أو سلمَ عليَّ، أو ما شاكلَه من الأفعالِ والأقوالِ لا يكودنُ صادقاً في ذلك، إلاَّ أنْ يكونَ الفعلُ والقولُ صدرَ عن المضافِ إليه ذلك.
ومنها: أنَّ الاستئذانَ من القارئ عليه الحديثَ، بأن يقولَ: أُحدِّث به عنك؟ فيقول: نعم، أو حدِّث عني، لا يكونُ إلاَّ إذناً أو أمراً، وليسَ الإذن والأمرُ حديثاً منه له، فلا يصحُّ قوله: حدَّثني، فهو إنما أمره أو أَذِنَ له، فيكونُ بخلافِ ما سمع، فإنَّه سمع الأمرَ والإذنَ، ولم يسمع منه إخباراً له، ولا حديثاً له.
فصلٌ
في الأجوبةِ عن شبههم
أمَّا الأُولى: فقولُهم: أخبرني وحدَّثني، يقتضي إحداثَ فعلٍ، فقد كان ذلك، لأنَّ قولَه: نعم، وإقرارَه، حديثٌ منه وإخبارٌ منه، لأنه إذا قال له: هو كما قرأتُ؟ فقال: نعم، وكانَ الذي قرأَه عليه إنَّما صيغتُه: حدَّثنا فلانٌ عن فلانٍ، فهو إذنٌ له في الحديثِ عنه.
وأمَّا قولُهم: إنَّ قولَه: اروه عني، أمرٌ، والأمرُ ليسَ بإخبارٍ له، فليسَ (١) لك، لأنَّ قولَه [في] جوابِ قوله: أرويه عنك وهو كما قرأتُ؟: نعم
стр. 2125
اروه، أو قولِه: هو كما قرأتُ؟ هو (١) كقوله: حدِّث عني. بما قرأتَه عليَّ، والذي قرأه عليه إنَّما هو الحديث، كما إذا قال الشَّاهد للمشهود عليه: أنت تقرُّ عندي بجميع ما في هذا الكتاب؟ فقال: نعم، صارَ كأنَّه تلا على الشَّاهدِ وحدَّثه، وصرَّح. بما تضمَّنه ذلك الكتاب.
فصلٌ
فإنْ قرئَ على الشَّيخ وهو ساكتٌ، فهل يجوزُ أن يقال: أخبرنا وحدَّثنا؟ قال أصحابُنا: يجوزُ ذلكَ ويكون سكوتُه إذناً ورضاً بالروايةِ عنه؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه راضٍ ومقرٌّ وآذِنٌ؛ لأنه لو لم يكن سماعَه لما أقرَّهم عليه، ومع هذا التجويز، فإنَّ الأحوطَ أن يقولَ له عَقِيبَ القراءةِ: هو كما قرأتُه أو قرئَ عليك؟ فإذا قال: نعم، فقد زالَ التردُّدُ (٢).
فصلٌ
فإنْ قالَ المحدِّثُ: أخبرنا، فهل يجوزُ للمحدِّث عنه أن يقول: حدَّثنا؟ فيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز، لأنَّه حكى عنه خلافَ لفظِه الذي سمعَه منه.
قال أحمد: إذا قال الشَّيخُ: حدَّثنا، فقل: حدثنا، وإذا قال: أخبرنا، فلا تقل: حدَّثنا.
стр. 2126
كما لو قال: ضربني وشتمني، أو سلم علي، أو ما شاكله من الأفعالِ والأقوالِ لا يكونُ صادقاً في ذلك إلا أن يكونَ الفعلُ والقولُ صدر عن المضاف إليه ذلك.
والثانية: يجوزُ، لأنه قال في رواية عبد الله بن أحمد الكِسَائي: حدَّتنا وأخبرنا واحدٌ، وهي اختيارُ أبي بكر الخلاَّل.
فصل
فإنْ قال: أجزتُ لك هذا الحديث، أو ما صحَّ عندك من حديثي، جازَ أن يقول: أجازَ لي فلانٌ، وحدَّثني وأخبرني فلان إجازةً، ولا يقولُ: حدَّثني وأخبرني مطلقاً؛ لأنَّه لم يخبره، ولم يحدِّثْه، وإنَّما أجازَ له إجازةً.
فصلٌ
وإذا ناولَه كتاباً فيه حديث هو سماعُه، فقال له: قد أجزتُ لك أن ترويَ عني ما فيه من الحديثِ، جاز له أن يقولَ: ناولَني فلانٌ، أو يقول: أخبرني فلانٌ مناولةً، وكذلكَ إذا كتبَ إليه بحديثٍ، جازَ أن يقول: كاتبني فلانٌ، أو أخبرني فلانٌ مكاتبةً.
وقد نصَّ أحمدُ على هذا، فقال في رواية المرُّوذي: إذا أعطيتُكَ كتابي، وقلتُ لك: اروِه عني، وهو من حديثي، فلا تبالِ سمعتَه أو لم تسمعه (١).
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أبو المثنى العنبري، أنَّ أبا داود خبَّرهم،
стр. 2127
أنَّ أبا عبدِ الله قال: لم أسمع من أبي تَوْبةَ (١) شيئاً، كَتَبَ إليَّ بأحاديث.
قال أبو بكر الخلال: وكان محمّدُ بنُ عوفٍ الحمصي (٢) يحدِّثنا كثيراً، فيكثر فيما نسمع منه من المسندِ خاصة، فيقول: أخبرني أبو ثَوْرٍ (٣) في كتابِه إليَّ.
وقال عبدُ الله: رأيت عبدَ الرحمن المتطبب (٤) جاءَ إلى أبي فقال: يا أبا عبدِ اللهِ: أجِز لي هذين الكتابين، قال: ضعهما، فأخذَهما أبي، فعارضَ بهما حرفاً حرفاً، فلما جاءَ دفعهما إليه، وقال: قد أجزتُ لكَ هذه.
стр. 2128
وبهذا قال أصحاب الشَّافعي (١).
وقال أبو حنيفةَ وأبو يوسف، فيما حكاه أبو سفيان عنهما: لا تجوزُ الروايةُ بالإجازة ولا بالمناولةِ ولا بالمكاتبةِ، سواء قال: حدَّثني به إجازةً أو مكاتبةً أو مناولَةً، أو لم يقل ذلك (٢).
وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنَّه قال (٣): إنْ قال الراوي لرجلٍ: قد أجزتُ لك أَنْ ترويَ عني جميع ما في هذا الكتاب فاروِه عني، فإنْ كانا قد علما ما فيه، جازَ له أن يرويَه فيقول: حدَّثني فلانٌ، وأخبرني فلانٌ، كما أنَّ رجلاً لو كتب صكًّا، والشُّهودُ يرونه ثم قال لهم: اشهدوا عليَّ بجميع ما في هذا الصَّكِّ، جازَ لهم إقامةُ الشَّهادةِ عليه. بما في ذلك الكتاب، وأمَّا إذا لم يسمع الراوي ولا السَّامع. بما فيه، قال: فإنَّ الذي يجب على مذهبنا أنَّه (٤) لا يجوز أن يقول: أخبرني فلانٌ، كما قالوا في الصَّكِّ إذا أشهدَهُم، وهم لا يعلمون ما فيه، لم يصح الإشهادُ، فكذلك في الأخبارِ، فيصيرُ كأنَّه قال: ما يصحُّ عندَكَ مِنْ صَكٍّ فيهِ إقراري، فاشهدْ عليَّ فيه وبه.
стр. 2129
قال: فإن عَلِمَ المكتوبُ إليه أَنَّ هذا كتابُ فلانٍ إليه، جازَ له أَنْ يقولَ: أخبرني فلانٌ، يعني الكاتبَ، ولا يقول: حدَّثني.
فصلٌ
في حجنا على جواز الرّواية بالإجازة والمناولةِ والمكاتبه على
الوجهِ الذي ذكرناه (١)
أنَّ النبيَّ ﷺ أَنْفذَ. ممكاتَباتِهِ على أيدي أصحابِه إلى أمراءِ الأطرافِ، وملوكِ العربِ، والحُبشانِ، والرومِ، والفرسِ على ما نطقَتْ به السِّيرُ والتواريخُ. فكان قولُهم عنه ﷺ : هذا كتابُهُ، روايةً عنه وإخباراً. بما تَضَمَّنه مِنَ الدِّعايةِ من أحكامِ الإسلامِ.
ومنها أَنَّ أكثرَ ما فيه أنَّه لم يسمعْ منه ما فيهِ من لفظِهِ ولا قرأَهُ على مَنْ أجازَهُ له، ولا مَنْ ناولَهُ، وذلك لا يمنعُ من قولِهِ: حدَّثني وأخبرني، كما لو كان السَّامع هو القارئ للحديث، ثم يجوزُ له أن يقولَ: أخبرنى وحدثني، بقراءتِهِ هو على الشيخ، كذلك هاهنا.
وأمَّا المكاتَبَةُ، فالكتابة حروف يُفهمُ منها مرادُهُ، فهي كاللفظ المسموع.
ومنها: أَنَّ مبنى الأمرِ في الحديثِ على حسنِ الطنِّ، والظاهرُ من المكاتبةِ أنها روايةٌ؛ ولهذا كانَ رسولُ الله ﷺ مأموراً بالبلاغ فكان يُكاتِبُ، فلو لم يعلمْ أنَّ الكتابةَ بلاغٌ يخرجُ به مِنْ عُهْدةِ الأمرِ، لَمَا أقامَها
стр. 2130
مقامَ القولِ، فكذلك تبليغُ العلمِ عنه ﷺ وبلاغُ العلماءِ عنه كبلاغِهِ عن اللهِ، والظَّاهرُ صحَّةُ المكاتبةِ وصدقُها.
فصلٌ
في شُبَهِ المخاِلفِ (١)
فمنها: أنه لم يوجَد مِنَ المحدِّث فعلُ الحديث، ولا ما يجري مجرى فعلِهِ، فلم يجزْ أن يقولَ: أخبرني، ولا حدَّثني، ومتى قال ذلك كان كَذِباً.
ومنها: أن مثلَ هذا لا تحصلُ به الشَّهادةُ على الشهادةِ بأن يناولَهُ كتاباً مسطوراً، اُو يكتبَ إليه، فيقولَ: اشهدْ على شهادتى في هذا، أو في كذا، مكاتبةً إليه، لا قولاً له، كذلك الخبرُ.
فصل
في الأجوبة
فأمَّا الأوَّلُ فليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ قولَهُ: ارْوِهِ عني، أو أجزتُ لك، أو مكاتبتُهُ بالحديثِ، كلّها أفعالٌ حقيقةً، فلم يبقَ إلأ أنَّ المعدومَ من ذلك صريحُ قولهِ: حدَّثني فلان، وهذا لا يمنعُ جوازَ الروايةِ، كما إذا كان القارئُ للحديثِ على الشَّيخ هو السَّامعَ له، فإنه هو الفاعلُ دولتَ الشَّيخ المسموع عنه، لِمَ يصحُّ أَنْ يقولَ: أخبرني وحدَّثني؟ كلُّ ذلك استناداً (٢) إلى إقرارِه به، وإذنِهِ لَهُ، كذلك هاهنا ولا فرق.
стр. 2131
وأمَّا تعلُّقُهم بالشَّهادة على الشهادة: فإنَّ (١) مبنى ذلك على التغليظِ والتأكيدِ والاحتياطِ، بدليلِ اعتبارِ العددِ والعدالةِ الباطنةِ في الحدود بلا خلافٍ، وفيما سواها على مذهبِ جماعةٍ من الفقهاءِ، والمنع من العنعنةِ، ومن وراءِ حجابٍ، ومن المرأة على الانفرادِ في المالِ، والنساء وإنْ كثُرنَ مع الرجالِ في العقوباتِ.
وأما أمرُ الأخبارِ فسهلٌ يُقبلُ مِنَ النساءِ والعبيدِ، ومَنْ ظاهِرُهُ العدالةُ حتى في العقوباتِ والحدودِ.
فصلٌ (٢).
فيمن قال: حدَّثني وأخبرني فلانٌ عن فلانٍ، يحمل على أنه سمعَهُ منه مِنْ غيرِ واسطةٍ ويكون خبراً متصلاً.
وقد قالَ أحمدُ في رواية أبي الحارث وعبد الله: ما رواهُ الأعمشُ (٣) عن إبراهيمَ عن علقمةَ عن عبدِ اللهِ عن النبي ﷺ ، فهو ثابتٌ، وما رواه الزُّهريّ عن سالم عن أبيهِ، وداودُ عن الشَّعيِّ عن علقمةَعن (٤) عبد اللهِ عن النبيَّ ﷺ ، ثابتٌ، وبهذا قال أصحابُ الشَّافعي.
ومِنَ الناسِ مَنْ قالَ: حديثُ العنعنةِ غيرُ صحيح.
стр. 2132
لنا: أَنَّ قولَهُ: عن فلانٍ، الظاهرُ أَنَّه عنه، وأنَّهُ هو الراوي، وقولَهُ: عن فلانٍ، الظاهرُ أنَّهُ سمعهُ منه، وأن كلَّ واحدٍ سمعهُ ممَّن عزاهُ إليه، والأصلُ عدمُ الواسطةِ ما لم يذكرْ واسطةً.
قالوا: قولُ عبدِ الرزاق: عن مَعْمَرٍ، يحتمل أَنْ يكونَ عن معمر وبينه وبينه رجالٌ، مثلُ قولِ القائل: حدَّثني فلانٌ عن النبيِّ، وإنَّما هو بإسنادِ واحدٍ عن واحدٍ إلى النبيَّ ﷺ ، وقوله: هذا يرويه أحمدُ عن الحسنِ، وإن كان بينه وبين الحسن رجالٌ.
قيل: الظاهرُ عدمُ الواسطةِ، إلاَ أَنَّه إذا (١) عُلِمَ أنَّه لم يُدْرِكْ مَنْ عزاهُ إليه، فتلك قرينةٌ صَرَفَتِ اللَّفظَ عن ظاهرهِ.
فصلٌ
إذا رَوى صحابيّ عن صحابيِّ خبراً عن النبي ﷺ لزمَهُ العملُ به ، ولا يلزمهُ سؤالُ النبيِّ عمَّا رواه عنه، وإنْ قدر على لقائِهِ وسؤاله، وحُكِيَ عن بعضِ الأصوليين أنَّه متى قَدَرَ على سؤالِهِ لزمَهُ سؤالُهُ.
فصل
في دلائلنا
فمنها: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يبعثُ العمَّالَ والسُّعاةَ والقضاةَ والمعلمين
стр. 2133
للأحكامِ إلى البلادِ والأطرافِ، ليرجعَ الناسُ إلى قولِهم، ويحكموا (١) بحَسبِ أخبارهِم، ويقتصروا (٢) على ذلك منهم، ولم يجبْ على أحدٍ منهم أن يسألَ النبيَّ ﷺ إذا وفدَ إليه وقَدِمَ عليه، وقد أشار الله سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فلولا أنَّ تبليغَ الإنذارِ بأخبارِ هؤلاء الآحادِ لازمٌ، والبناءَ عليها للأحكامِ واجبٌ، لَمَا كان لنَدْبِهم إلى ذلك معنىً.
ومنها: أنَّه لو كان سؤالُهُ واجباً بعد الإخبارِ عنه، لكان على النبيِّ ﷺ المشافهةُ بذلك، ولم يُجْزِه الاخبارُ [و] البلاغُ بواسطة، فلمَّا لم يجبْ على النبيِّ ذلك، لم يجبْ على السَّامع للخبرِ الاستقصاءُ إلى سؤالِهِ ﷺ .
وقد صرَّحَ بذلكَ ﵊ حيثُ قالَ: "ليبلغ الشَّاهدُ الغائبَ" (٣) وهذا تصريحٌ بالإبلاغ، وجَعْلِه طريقاً للخطابِ والإيجابِ.
فصلٌ
في شبهةِ المخاِلفِ
بأنَّ لهم طريقاً إلى معرفة الحكم بالقطع واليقينِ، وصارَ. بمثابةِ مَنْ قَدَرَ
стр. 2134
على النصِّ فعدلَ إلى الاجتهادِ، وقول الصَّحابي كالاجتهادِ؛ لأنَّه مظنونٌ لا مقطوعٌ.
فالجوابُ؛ أنهُ ليس يمتنعُ مثلُ هذا، كما يُبنَى على حكمِ أقوالِ رسلِهِ وقضاتِهِ في الآفاقِ.
وبالعدلِ عن مقتضى أدلَّةِ العقولِ على براءةِ الذِّمم، وخلوِّ السَّاحات من الغراماتِ والكُلَفِ والمشاقِّ وغيرِ ذلك من التَخَسُّرِ في المالِ وإتعابِ الأبدانِ؛ بأخبارِ الآحادِ، فقضينا بها مع كونها موجبَةً للظُّنون، فأزلنا القطعَ بالظنِّ، فهذا في حكمِ الأصولِ.
وأمَّا الفروع: فإنَّ مَنْ وَجَدَ إناءً مِنَ الماءِ على شاطئِ دجلةَ أو فراتٍ يَتوضَّأُ منهُ مع كونِ طهارتِه مظنونةً، وتجويزِ نجاستِهِ حاصلاً (١)؛ لأنَّه ماءٌ قليلٌ معرَّضٌ للنَّجاسةِ، وأما الفراتُ فمقطوع (٢) بطهارتهِ، ولا يلزمُ العدولُ عن ماءِ الإناءِ إلى ماءِ دجلةَ والفراتِ.
فصلٌ
فيمن يقعُ عليه اسمُ الصَّحابيّ
ظاهرُ كلامِ أحمدَ: أَنَّ الصَّحابيَّ يُطلقُ على مَنْ رَأَى النبي ﷺ وإنْ لم يختصَّ به اختصاصَ المصحوبِ ولا رَوَى عنه الحديث "لأنَّه قال في روايةِ
стр. 2135
عبدوسِ بنِ مالك العطارِ: "أفضلُ النَّاسِ القرنُ الدين بُعِثْتُ فيهم" (١)، كلُّ مَن صحبَهُ سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآهُ فهو مِنْ أصحابهِ، له مِنَ الصُّحبةِ على قدرِ ما صحبَهُ. فقد أطلقَ اسمَ الصحبةِ على مَن رآه وإِن لم يختصَّ بِهِ.
وحَكَى أبو سفيان عن بعضِ مشايخِه (٢): أنَّ الصَّحابيَ إنَّما يُطلَق على مَنْ رَأى النبي ﷺ واختصَّ به اختصاصَ الصَّاحبِ بالمصحوبِ، سواء روى عنه الحديثَ أو لم يَرْوِهِ، أخَذَ عنه العلمَ أو لم يأخذْ. فاعتَبَرَ تطاولَ الصُّحبةِ في العادةِ.
وحكى أبو سفيان عن عمرو بن بَحْر (٣) أنَّ هذا الاسمَ إنما يُسمَّى به مَنْ طالتْ صحبتُه بالنبي ﷺ واختلاطُه به وأخذَ عنه العلمَ، فهذا القائلُ اعتبرَ طولَ الصحبةِ مع نقلِ العلمِ.
وحكى الإسفرايينيّ: أنَّ الصحبةَ في العرفِ عبارةٌ عمَّنْ صحبَ غيرَهُ، فطالت صحبتُهُ له ومجالستُهُ معه.
стр. 2136
فصلٌ
في دلائلنا
فمنها: أنَّ الصُّحبةَ اسمٌ مشتقٌّ من قولِ القائلِ: صَحِبَهُ، يَصْحَبُهُ، صُحْبَةً، وذلك يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والناقلَ للعلم وغيرَ النَّاقلِ.
تقول: الرجلُ صاحبنا في السَّفينةِ وصاحبي في السَّفرِ، فهو كقولك: مكلِّمي، ومحادثي، وزائري، وصاحَبَني، وصَاحَبَ فلانًا ساعةً ويوماً، ولو اقتضَتِ الإطالة لما صحَّ قولُه: صاحَبْتُهُ ساعةً.
ولو حلفَ: لا صَحِبتُكَ، ولا صَحِبْتَني لا سفري، حَنَثَ بأيسرِ متابعةٍ يتبعُهُ فيها.
ومنها؛ أنَّ أخص الصُّحبةِ في حقِّ الأنبياءِ ﵈ هي المتابعةُ لهم، والتصديقُ لِماَ جاؤُوا به، وقد وُجِدَ ذلك ممَّن آمنَ برسولِ اللهِ ورآهُ، فلا ينبغي أن يُسلبَ اسمَ الصُّحبةِ مع هذه الحالِ.
ومنها: أنَّ الصُّحبةَ للرسولِ ﷺ مختلفةٌ؛ لأنَّ أحوالَه كانت مختلفةً، فتارةً يكون متشاغلاً بالجهادِ، وتارةً يكون مذكِّراً (١) بآلاء اللهِ ونعمِهِ، وتارةً ببيانِ الأحكامِ الشَّرعيةِ والآدابِ الحكميّةِ، وتارةً يكَون متشاغلاً بشأنِ نفسِه كخروجه إلى الغائط، وإذا قَصَرْنا صحبتَهُ على مَنْ جالسَهُ حالَ إيرادِ العلمِ حَرَمْنا مَنْ حملَ له إداوةً إلى الغائطِ، أو ناولَهُ أحجارَ
стр. 2137
الاستجمارِ، أو خرجَ معه للجهادِ، ولا وجهَ لحرمان مَنْ صَحِبَهُ في أحدِ هذه الأمورِ اسمَ الصُّحبةِ، كما لا وجهَ لحرمانه اسمَ المعاصرةِ والخدمةِ والاجتماع به والرؤية، فلا يسلب اسمَ الصُّحبةِ لِسَلْبِ نوع منها.
والزوجةُ تسمَّى صاحبةً، وهي صحبةٌ في الاستمتاع والسَّكنِ، يقال في الله سبحانه: لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. يعني: لم يتخذ زوجةً.
ومنها: أنَّ القومَ كانوا يختلفونَ في الرِّوايةِ عنْهُ، فبعضُهم لا يروي الروايةَ والحديثَ، وبعضُهم يروي، حتى إنَّ السَّائبَ بنَ يزيدَ قالَ: صحبت سعدَ بنَ أبي وقاصٍ زماناً، فما سمعتُ منه حديثاً إلا أَني سمعتُه ذاتَ يومٍ يقولُ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يُفرَّقْ بينَ مجتمِع، ولا يُجمعْ بينَ متفرِّقٍ، والخليطانِ: ما اجتمعا في الحوضِ والفحلِ والراعى (١) " (٢)، وقد كانَ سعدٌ من سادات الأصحابِ، فما سلبَهُ أحدٌ اسمَ الصُّحبةِ.
والذي يوضِّحُ هذا أنه لو أطلق مطلق صحبة رسولِ اللهِ، لحَسُنَ أن يُقالَ له: فبماذا صَحِبتَه في الجهادِ، أوِ السَّفرِ، أو في أخذِ العلمِ عنه؟ فلو لم تكنِ الصُّحبةُ اسماً شاملاً للمقارنةِ في أحد هذه المعانى، لما حسُنَ السُّؤالُ، بل كانَ يختصُّ بالمعنى.
فصلٌ
يجْمع شبههم
فمنها: أَنَّ الصَّاحبَ لا يقعُ في عُرفِ القومِ وعادتِهم إلا على الملازمِ
стр. 2138
المكاثرِ، فصاحب المتاع هو المالكُ، وأصحابُ القريةِ مُلازموها، [و] أصحابُ الكهفِ والرَّقيم [ملازموه]، وأصحابُ الجنَّةِ ملازموها ومالكوها، وأصحابُ الرَّسِّ الملازمونَ لَهُ، ويقالُ: أصحابُ أبي حنيفةَ وأصحابُ الشَّافعيِّ لِمَنْ نَقَلَ عنهما العلمَ وعُرِفَ بِهِما (١)، فأمَّا جيرانُه، ومَنْ صلَّى خلْفَهُ، أو عامَلَهُ، فلا (٢) يُسمَّى صاحباً له على الإطلاقِ، وإنَّما يكونُ على التقييدِ، يقالُ: صَاحَبَهُ في السَّفرِ، وفي السَّفينةِ. ولهذا لا يقال: أصحابُ الحديثِ، إلاَّ لأهلِهِ، والمكاثرينَ لدراسَتِهِ وقراءَتِهِ، والآخذينَ لهُ عنْ أهلِهِ، والنَّاقلينَ لَهُ إلى سامعِيْهِ. فصيغةُ الصُّحبةِ موضوعةٌ لهذا دونَ ما سواهُ، فلا ينبغي أَنْ يقع اسمُ صحبةِ رسولِ اللهِ ﷺ إلاَّ على الحقيقةِ العهودةِ المستعملةِ بينَ النَّاسِ، وعلى ما يعهدُهُ أهلُ اللغةِ.
قالوا: والذي يوضِّحُ هذا أَنَّهُ يحسُنُ النفيُ لاسمِ الصُّحبةِ عمَّنْ لم يلازمْهُ، فنقولُ: فلانٌ لم يصحبِ النبي ﷺ ، لكنْ وفَدَ عليه، لكنْ جاءه في رسالةٍ، لكن سايره في الغَزاةِ الفلانيةِ. ويقولُ القائلُ: لم أصحبْ أبا حنيفةَ، لكنْ رأيتُهُ وكنتُ ممَّنْ صلَّى خلْفَهُ، وعاملتُهُ لكنْ ما صحبْتُه. فعُلمَ أَنَّ الصَّاحاب لا يقعُ إلاَّ على اللازمِ أو النَّاقلِ العلمَ عنْهُ.
والجوابُ: أَنَّ الوفودَ التي كانتْ تَرِدُ عليه من المسلمينَ كانَ يُطلَقُ عليهم اسمُ الصُّحبةِ، ولو كانوا كفَّاراً لم يقعْ عليهم الاسمُ، لأنهم غيرُ
стр. 2139
تابعينَ لَهُ، ولا مصدِّقينَ بهِ، وأمَّا غيرُهُ مِنَ العلماءِ فإنَّ مَنْ صحبَهُ في طريقٍ أوِ استفتاه في مسألةٍ لا يُسمَّى صاحباً على الإطلاقِ؛ لأنَّ العُرفَ ألأ يقعَ الاسمُ إلا بنوع دلالةٍ.
ولسْنَا نمنعُ أَنَّ للصحبةِ غايةً تنتهي إليها من القربِ والملازمةِ، لكنَّ طلبَ الأقصى لوقوع الاسمِ لا معنى لَهُ، كما لا يُطلَبُ في الاسمِ رفيقٌ.
على أَنَّ ما ذكرتُموهُ حجةٌ عليكم؛ لأَنَّ مَنْ رأى أبا حنيفةَ واتبَعَ مذهبَهُ صاحبٌ لَهُ، وإنْ [لم] يكنْ فقيهاً مبرّزاً، وكذلك أكبرُ رتبةِ الصحبةِ اتِّباعُ النبيِّ ﷺ في مِلَّتِهِ، وبما دعا إليه، وطَلَبُ الأَقصى لا وجهَ لَهُ.
فصلٌ
قالَ أصحابُنا: فإنْ قالَ مَنْ عاصرَ النبيَّ ﵊: أنا صحابىّ، قُبِلَ منه، كما لو قالَ غيرُهُ: هذا صحابيٌّ؛ لأنَّ قولَه الظاهرُ صدقُه فيه، فهو كقول غيرِهِ فيه.
فإنْ قيلَ: قولُ الغير لا يُتهمُ فيه، وقولُهُ لنفسِهِ إثباتُ رتبةٍ، فهو متهمٌ فيها، كما نقولُ في الشَّهادةِ: يشهدُ لغيرِهِ، ولا يشهدُ لنفسِهِ، ولا لمن يجري مَجْرى نفسِه، كولَدِهِ.
قيلَ: باطلٌ، [وهو] كخبرٍ يتضمَّنُ نفعاً لراويهِ، فإنه يقبلُ ولا يردُّ، كما لو تَضمَّنَ إيجابَ حقٍّ عليه.
فصلٌ
إِذا قالَ الصَّحابيُّ أوِ التابعيُّ: كانوا يفعلونَ كذا، حُمِلَ على الجماعةِ
стр. 2140
دونَ واحدٍ منهم، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ، وذلك مثلُ قول عائشةَ: كانوا لا يقطعودنَ فِى الشَّيءِ التَّافهِ (١)، وقولِ إبراهيمَ النَّخَعيًّ: كانوا يحذفون التكبير حَذفاً، فيكونُ هذا حكايةً عن جماعتِهم، لا سيَّما وظاهرُ الأمرِ فيه: أنهم أخرجوه مخرجَ الحُجَّةِ والإسنادِ إلى قولِهم، والحجةُ إنَّما تكونُ راجعةً إلى ما أجمعوا عليه دونَ ما قاله الواحدُ منهم؛ ولأَنَّ في إسقاطِ الباقينَ إهمالاً لهم، وليس في الصَّحابةِ مَنْ يُهمَلُ أمرُه إلى حدٍّ لا يُذكرُ، ويُذكَرُ غيرُه.
فصلٌ
في شبهةِ بعض مَنْ خالف في ذلك
قالَ: لو كانَ هذا عبارةً عن جماعتِهم لما سَاغَ الاجتهادُ في ذلكَ، ولمَّا سَوَّغْتُم الاجتهادَ، دلَّ على أنَّ القولَ عادَ إلى بعضِهم.
والجوابُ: إنما سوَّغْنا الاجتهادَ، لأنَّ الطريقَ ظنيٌّ وليسَ بقاطعِ، فهو كخبرِ الواحدِ عن المعصوم ﷺ لا يوجبُ قطعاً لأجلِ الطرَّيقِ، لا لأنَّ قولَ النبيَّ ﷺ يَسُوغ في خلافِهِ الاجتهادُ.
فصلٌ
إذا قالَ الصَّحابيُّ: قالَ رسولُ اللهِ كذا وكذا، حُكِمَ بأَنه سَمعَ ذلكَ