← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

فصلٌ في دلائلنا فمنها: أنَّ الصُّحبةَ اسمٌ مشتقٌّ من قولِ القائلِ: صَحِبَهُ، يَصْحَبُهُ، صُحْبَةً، وذلك يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والناقلَ للعلم وغيرَ النَّاقلِ. تقول: الرجلُ صاحبنا في السَّفينةِ وصاحبي في السَّفرِ، فهو كقولك: مكلِّمي، ومحادثي، وزائري، وصاحَبَني، وصَاحَبَ فلانًا ساعةً ويوماً، ولو اقتضَتِ الإطالة لما صحَّ قولُه: صاحَبْتُهُ ساعةً. ولو حلفَ: لا صَحِبتُكَ، ولا صَحِبْتَني لا سفري، حَنَثَ بأيسرِ متابعةٍ يتبعُهُ فيها. ومنها؛ أنَّ أخص الصُّحبةِ في حقِّ الأنبياءِ ﵈ هي المتابعةُ لهم، والتصديقُ لِماَ جاؤُوا به، وقد وُجِدَ ذلك ممَّن آمنَ برسولِ اللهِ ورآهُ، فلا ينبغي أن يُسلبَ اسمَ الصُّحبةِ مع هذه الحالِ. ومنها: أنَّ الصُّحبةَ للرسولِ ﷺ مختلفةٌ؛ لأنَّ أحوالَه كانت مختلفةً، فتارةً يكون متشاغلاً بالجهادِ، وتارةً يكون مذكِّراً (١) بآلاء اللهِ ونعمِهِ، وتارةً ببيانِ الأحكامِ الشَّرعيةِ والآدابِ الحكميّةِ، وتارةً يكَون متشاغلاً بشأنِ نفسِه كخروجه إلى الغائط، وإذا قَصَرْنا صحبتَهُ على مَنْ جالسَهُ حالَ إيرادِ العلمِ حَرَمْنا مَنْ حملَ له إداوةً إلى الغائطِ، أو ناولَهُ أحجارَ

стр. 2137

الاستجمارِ، أو خرجَ معه للجهادِ، ولا وجهَ لحرمان مَنْ صَحِبَهُ في أحدِ هذه الأمورِ اسمَ الصُّحبةِ، كما لا وجهَ لحرمانه اسمَ المعاصرةِ والخدمةِ والاجتماع به والرؤية، فلا يسلب اسمَ الصُّحبةِ لِسَلْبِ نوع منها. والزوجةُ تسمَّى صاحبةً، وهي صحبةٌ في الاستمتاع والسَّكنِ، يقال في الله سبحانه: لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً. يعني: لم يتخذ زوجةً. ومنها: أنَّ القومَ كانوا يختلفونَ في الرِّوايةِ عنْهُ، فبعضُهم لا يروي الروايةَ والحديثَ، وبعضُهم يروي، حتى إنَّ السَّائبَ بنَ يزيدَ قالَ: صحبت سعدَ بنَ أبي وقاصٍ زماناً، فما سمعتُ منه حديثاً إلا أَني سمعتُه ذاتَ يومٍ يقولُ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يُفرَّقْ بينَ مجتمِع، ولا يُجمعْ بينَ متفرِّقٍ، والخليطانِ: ما اجتمعا في الحوضِ والفحلِ والراعى (١) " (٢)، وقد كانَ سعدٌ من سادات الأصحابِ، فما سلبَهُ أحدٌ اسمَ الصُّحبةِ. والذي يوضِّحُ هذا أنه لو أطلق مطلق صحبة رسولِ اللهِ، لحَسُنَ أن يُقالَ له: فبماذا صَحِبتَه في الجهادِ، أوِ السَّفرِ، أو في أخذِ العلمِ عنه؟ فلو لم تكنِ الصُّحبةُ اسماً شاملاً للمقارنةِ في أحد هذه المعانى، لما حسُنَ السُّؤالُ، بل كانَ يختصُّ بالمعنى. فصلٌ يجْمع شبههم فمنها: أَنَّ الصَّاحبَ لا يقعُ في عُرفِ القومِ وعادتِهم إلا على الملازمِ

стр. 2138

المكاثرِ، فصاحب المتاع هو المالكُ، وأصحابُ القريةِ مُلازموها، [و] أصحابُ الكهفِ والرَّقيم [ملازموه]، وأصحابُ الجنَّةِ ملازموها ومالكوها، وأصحابُ الرَّسِّ الملازمونَ لَهُ، ويقالُ: أصحابُ أبي حنيفةَ وأصحابُ الشَّافعيِّ لِمَنْ نَقَلَ عنهما العلمَ وعُرِفَ بِهِما (١)، فأمَّا جيرانُه، ومَنْ صلَّى خلْفَهُ، أو عامَلَهُ، فلا (٢) يُسمَّى صاحباً له على الإطلاقِ، وإنَّما يكونُ على التقييدِ، يقالُ: صَاحَبَهُ في السَّفرِ، وفي السَّفينةِ. ولهذا لا يقال: أصحابُ الحديثِ، إلاَّ لأهلِهِ، والمكاثرينَ لدراسَتِهِ وقراءَتِهِ، والآخذينَ لهُ عنْ أهلِهِ، والنَّاقلينَ لَهُ إلى سامعِيْهِ. فصيغةُ الصُّحبةِ موضوعةٌ لهذا دونَ ما سواهُ، فلا ينبغي أَنْ يقع اسمُ صحبةِ رسولِ اللهِ ﷺ إلاَّ على الحقيقةِ العهودةِ المستعملةِ بينَ النَّاسِ، وعلى ما يعهدُهُ أهلُ اللغةِ. قالوا: والذي يوضِّحُ هذا أَنَّهُ يحسُنُ النفيُ لاسمِ الصُّحبةِ عمَّنْ لم يلازمْهُ، فنقولُ: فلانٌ لم يصحبِ النبي ﷺ ، لكنْ وفَدَ عليه، لكنْ جاءه في رسالةٍ، لكن سايره في الغَزاةِ الفلانيةِ. ويقولُ القائلُ: لم أصحبْ أبا حنيفةَ، لكنْ رأيتُهُ وكنتُ ممَّنْ صلَّى خلْفَهُ، وعاملتُهُ لكنْ ما صحبْتُه. فعُلمَ أَنَّ الصَّاحاب لا يقعُ إلاَّ على اللازمِ أو النَّاقلِ العلمَ عنْهُ. والجوابُ: أَنَّ الوفودَ التي كانتْ تَرِدُ عليه من المسلمينَ كانَ يُطلَقُ عليهم اسمُ الصُّحبةِ، ولو كانوا كفَّاراً لم يقعْ عليهم الاسمُ، لأنهم غيرُ

стр. 2139

تابعينَ لَهُ، ولا مصدِّقينَ بهِ، وأمَّا غيرُهُ مِنَ العلماءِ فإنَّ مَنْ صحبَهُ في طريقٍ أوِ استفتاه في مسألةٍ لا يُسمَّى صاحباً على الإطلاقِ؛ لأنَّ العُرفَ ألأ يقعَ الاسمُ إلا بنوع دلالةٍ. ولسْنَا نمنعُ أَنَّ للصحبةِ غايةً تنتهي إليها من القربِ والملازمةِ، لكنَّ طلبَ الأقصى لوقوع الاسمِ لا معنى لَهُ، كما لا يُطلَبُ في الاسمِ رفيقٌ. على أَنَّ ما ذكرتُموهُ حجةٌ عليكم؛ لأَنَّ مَنْ رأى أبا حنيفةَ واتبَعَ مذهبَهُ صاحبٌ لَهُ، وإنْ [لم] يكنْ فقيهاً مبرّزاً، وكذلك أكبرُ رتبةِ الصحبةِ اتِّباعُ النبيِّ ﷺ في مِلَّتِهِ، وبما دعا إليه، وطَلَبُ الأَقصى لا وجهَ لَهُ. فصلٌ قالَ أصحابُنا: فإنْ قالَ مَنْ عاصرَ النبيَّ ﵊: أنا صحابىّ، قُبِلَ منه، كما لو قالَ غيرُهُ: هذا صحابيٌّ؛ لأنَّ قولَه الظاهرُ صدقُه فيه، فهو كقول غيرِهِ فيه. فإنْ قيلَ: قولُ الغير لا يُتهمُ فيه، وقولُهُ لنفسِهِ إثباتُ رتبةٍ، فهو متهمٌ فيها، كما نقولُ في الشَّهادةِ: يشهدُ لغيرِهِ، ولا يشهدُ لنفسِهِ، ولا لمن يجري مَجْرى نفسِه، كولَدِهِ. قيلَ: باطلٌ، [وهو] كخبرٍ يتضمَّنُ نفعاً لراويهِ، فإنه يقبلُ ولا يردُّ، كما لو تَضمَّنَ إيجابَ حقٍّ عليه. فصلٌ إِذا قالَ الصَّحابيُّ أوِ التابعيُّ: كانوا يفعلونَ كذا، حُمِلَ على الجماعةِ

стр. 2140

دونَ واحدٍ منهم، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ، وذلك مثلُ قول عائشةَ: كانوا لا يقطعودنَ فِى الشَّيءِ التَّافهِ (١)، وقولِ إبراهيمَ النَّخَعيًّ: كانوا يحذفون التكبير حَذفاً، فيكونُ هذا حكايةً عن جماعتِهم، لا سيَّما وظاهرُ الأمرِ فيه: أنهم أخرجوه مخرجَ الحُجَّةِ والإسنادِ إلى قولِهم، والحجةُ إنَّما تكونُ راجعةً إلى ما أجمعوا عليه دونَ ما قاله الواحدُ منهم؛ ولأَنَّ في إسقاطِ الباقينَ إهمالاً لهم، وليس في الصَّحابةِ مَنْ يُهمَلُ أمرُه إلى حدٍّ لا يُذكرُ، ويُذكَرُ غيرُه. فصلٌ في شبهةِ بعض مَنْ خالف في ذلك قالَ: لو كانَ هذا عبارةً عن جماعتِهم لما سَاغَ الاجتهادُ في ذلكَ، ولمَّا سَوَّغْتُم الاجتهادَ، دلَّ على أنَّ القولَ عادَ إلى بعضِهم. والجوابُ: إنما سوَّغْنا الاجتهادَ، لأنَّ الطريقَ ظنيٌّ وليسَ بقاطعِ، فهو كخبرِ الواحدِ عن المعصوم ﷺ لا يوجبُ قطعاً لأجلِ الطرَّيقِ، لا لأنَّ قولَ النبيَّ ﷺ يَسُوغ في خلافِهِ الاجتهادُ. فصلٌ إذا قالَ الصَّحابيُّ: قالَ رسولُ اللهِ كذا وكذا، حُكِمَ بأَنه سَمعَ ذلكَ

стр. 2141

من رسولِ اللهِ ﷺ ، ويصيرُ كقولِهِ: سمعتُ ذلكَ من رسولِ اللهِ، أو كقولِهِ: حدَّثني رسولُ اللهِ ﷺ . وحكيَ عن أبي بكرٍ بن الطيبِ الأشعريِّ: أَنَّه لا يحكم بأنه سمع ذلكَ منه، بل يجوزُ أنْ يكونَ بينهما واسطةٌ (١). فصلٌ في الدلالةِ على ما ذهبْنا إليه إنَّ الظاهرَ من قولِهِ: قالَ، أنَّه سمعهُ منه ومن قولِهِ، كقولِهِ: قامَ رسولُ الله، ودخلَ رسولُ اللهِ، وتزوَّجُ رسولُ اللهِ، وباعَ رسولُ اللهِ، فإنَّهُ يكونُ الظَّاهرُ أَنهُ رأى ذلكَ منهُ، كذلكَ قولُهُ: قالَ، الظاهرُ أَنَّهُ سمع ذلكَ منه. فصلٌ في شبههم قالوا: قد يَقْطعُ القَوْلَ لِثِقَتِهِ إلى الواسطةِ فيما بينَه وبينَ رسولِ اللهِ، إمَّا لكثرةِ عددٍ، أو لعدالةِ الراوي وورعِهِ، ولهذا قلتم في المرسل: إذا قالَ الرَّاوي: قالَ رسولُ اللهِ (٢).

стр. 2142

والجوابُ: أَنه (١) بتركِ الواسطةِ يُوهمُ بل يعطي أَنَّه سمعهُ، فلا يجوزُ أن يظنَّ بالراوي أَنْ يأتيَ بلفظٍ يوهمُ، ويتركَ اللًفظَ الذي يزيلُ الوهمَ. فصلٌ إذا روى جماعةٌ من الثِّقاتِ حديثاً، وانفردَ أَحدُهم بزيادةٍ لا تُخالفُ المزيدَ عليهِ، مثل إنِ اتَّفقوا على أنَّ النبي ﷺ دخلَ البيتَ، وانفردَ أَحدُهم بزيادةٍ فقالَ: دخلَ البيتَ وصلَّى، وكذلكَ لو أَرسَلوُه كلّهم وأسندَهُ واحد، وكذلكَ لو أَوقفوه كلّهم على صحابي ورفَعَهُ واحدٌ إلى النبي- ﷺ ، كانَ المسنِدُ والرافع والراوي للزيادةِ مقدَّماً، وكانَ [يَجِبُ] (٢) الأخذُ بزيادتِهِ وإِسناده ورفعه. نصَّ عليه أحمد في عدَّةِ مواضعَ، فقالَ: الزَّائدُ أولى، والمثُبِتُ يشهد على النبيِّ بالإثباتِ فهو أوكد. وبهدْا قالَ جماعة [الفقهاء] (١) والمتكلمين. وذهبَ جماعةٌ منْ أصحابِ الحديثِ إلى أَنَّ التفرِّدَ بالروايةِ عنِ الجماعةِ مردود، وأبداً يقولونَ في الردِّ: تفرَّدَ بِهِ فلان، وعن أحمدَ مثلهُ، فيكون في المسألةِ روايتانِ، لأَنَّة قالَ في الحجَّاج بنِ أَرْطاةَ: هوَ مِنَ الحفَّاظِ، قالوا له: فَلِمَ هو عندَ النَّاسِ ليسَ بذأكَ؟ قالَ: لأَنَّ في حدييهِ زيادةً على حديث النَّاس [ما]، يكادُ له حديثٌ إلاَّ فيه زيادةٌ.

стр. 2143

فصلٌ في دلاِئِلنا على الروايةِ الأولى فمنها: أنَّ جماعةً لو رَوَوْا أَحاديثَ في حكمٍ منَ الأحكامِ، واتَّفقُوا على نَقْلِها، وانفردَ واحد بروايةِ حديثٍ يَتَضَمَّنُ حكماً زائداً على الأحكامِ التي اجتمعوا على نقلِها، عملنا بالخبر الذي رواه الواحد، كذلك الزيادة في الخبر الذي أجمعوا على نقله دونَ الزيادةِ، إنَّ الذي أوْجبَ الثقةَ بِهِ في الخبرِ الذي انفردَ بروايتهِ، هُوَ المعْنَى الذي أَوْجَبَ العملَ بقولِهِ في هذه الزيادةِ: وهي عدالتُهُ وحفظُهُ للحديثِ. ومنها: أَن الشَّهادةَ نوعُ خبرٍ، وهي آكدُ منْ حيثُ اعتبارُ العدد فيها، والعدالةِ الباطنةِ في بعضِها، والذكورةِ والحريةِ، ثُمَّ إنَّ ألفَ عدْلٍ لو شَهِدُوا بأنَّ لَهُ عليه ألفاً، وشهدَ شاهدانِ بألفينِ، حُكِمَ بالزيادةِ، كذلكَ [في الخبرِ مثلُه] (١). ومنها: أَنَّ السَّامع للزِّيادةِ يجوزُ أنْ ينْساها بعدَ أَنْ حَفِظَها، أو يَذهَلَ عن حفظ الزيادة فلم تَنضَبِطْ لَهُ، فأَمَّا أَنْ يَتَخَيَّلَ لَه زيادةً ويرويَها، هذا ممَّا لا يُظنُّ بالعدلِ الثقةِ، بلْ ما شَكَّ فيهِ يسكُتُ عنهُ، فلمَّا أقدمَ على روايَتها دلَّ على أَنَّهُ ضبطَها وتَحَقَّقَها. ومنها: أَنَّ الصَّحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- لم ينكِرُوا الشُّذوذَ المرويةَ في القراءاتِ، فنُقِلَ ما انفردَ بهِ ابنُ مسعودٍ وأُبيٌّ، مَعَ كونِ القرآنِ احمَدَ من السُّننِ.

стр. 2144

فصلٌ في الأسئلةِ لهم على أدلتنا فمنها: أَنَّ أحمدَ صاحب مقالتِكم لمْ يأخذْ بالزِّيادةِ، فإنَّه روى عنِ النبي ﷺ :"مَنْ أعْتَقَ شِخصاً لَهُ من عبدٍ، قُوِّم عليه نصيبُ شريكِهِ ثم يعتق" (١)، وانفردَ ابنُ أبي عروبةَ فروى: "مَنْ أَعْتَقَ شركاً له في عَبْدٍ اسْتسْعيَ العبدُ غيرَ مشقوقٍ عليه" (٢). فقالَ أحمدُ: حديثُ الاستسعاءِ يرويه ابنُ أبي عروبةَ، فأمَّا هشام وشعبة فلم يذكروه، ولا أَذْهب إلى الاستسعاء (٣). وأَمَّا اَلشَّهادةُ، فيجوزُ أَنْ يكونَ أَقرَّ بألفٍ بمحضرٍ من جماعة شهود، وأَقَرَّ بألفَيْنِ في مجلسٍ آخرَ فيه شاهدانِ. وأَمَّا الخبرُ المنفردُ، فمنفصلٌ عن روايةِ الجماعةِ، وأَمَّا الزِّيادةُ في الخبرِ الواحدِ الذي اتفقتِ الجماعةُ على روايتِهِ من غير زيادةٍ وانفردَ الواحدُ بروايةِ الزيادةِ، فيَبعُدُ أَنْ تكونَ الزِّيادةُ مسموعةً، ولهذا رجِّحَ بالكثرةِ على خبرِ الواحدِ.

стр. 2145

فصلٌ في الأجوبةِ عنِ الأسئلةِ أمَّا قولُ أحمدَ في زيادةِ الاستسعاءِ، فليست من قِبَلِ المَزيد عليه، بلْ هي مخالفةٌ له، وهذا ليس ممَّا وقعَ الخلافُ فيهِ في هذا الفصلِ، فقدَّم ورجَّح روايةَ غير ابنِ أبي عَرُوبةَ بكثرةِ الرُّواةِ، وعَدَلَ عن روايةِ الاستسعاءِ لانفرادِ ابنِ أبي عروبةَ بها، ونحنُ في زيادةٍ لا تخالفُ المزيدَ فيهِ، ويحتملُ أَنْ يكونَ قالَهُ على تلكَ الرِّوايةِ الأخرى، فيكونُ مذهباً آخرَ، والمذاهبُ لا يُحَاجُّ بعضُها بعضاً. وأمَّا ما اعتذَروا بهِ في الشَّهادةِ من تجويزِ أَنْ يكونَ الإِقرارُ بأَلفينِ في مجلسٍ آخرَ فموجودٌ في الزِّيادةِ، وأنْ يكونَ النبي ﷺ أَعادَ الخبرَ في موطنٍ آخرَ، فزادَ تلكَ الزِّيادة، فسَمِعَها الواحدُ، فرواها. وأمَّا اعتذارُهم في الخبرِ الذي انفردَ بِهِ، وأنه لم يَشهَدْ ما شَهِدَه الجماعةُ، والزيادةُ في الخبرِ الذي سمعوه مَعَهُ بخلافِ ذلكَ، ليسَ بعذرٍ صحيعِ، لأَنَّ التخصصَ بالحفظِ غيرُ مُنكَرٍ في الوجودِ، وكما يجوزُ الانفرادُ بسماع الخبرِ من أصلِهِ، يجوزُ أَنْ ينفردَ بحفظِ الزِّيادةِ دونَ الجماعةِ، أَلاَ تَرى أَنه يجوزُ أنْ ينفردَ بالحفظِ لأجلِ الحديثِ وإنْ شاركَهُ غيرُهُ في السَّماع، فكذلكَ الزِّيادةُ. فصلٌ في حميع شُبَههم فمنها: أَنَّ الذي نَقَلَهُ الجماعةُ متحققٌ، والأصلُ نفيُ الزِّيادةِ، فلا يُتركُ

стр. 2146

التحققُ والأصلُ الذي يَعضُدُ روايتَهم لخبرِ الواحدِ. ومنها: أَنَّ الثِّقةَ بالجماعةِ أوفى، والظاهرُ أَنَّ الأمرَ ينضبطُ للجماعةِ ولا ينضبطُ للواحدِ، فلا يجوزُ تركُ ما روته الجماعةُ، والأخذُ بالزِّيادةِ عليه بروايةِ واحدٍ لعلَّهُ سها أو أخْطَأَ فتحمَّلَ الزيادةَ. ومنها: أَنَّ الواحدَ إذا زادَ فقد خَالَفَ أهلَ الصِّناعةِ، فأُلْغِيَ قولُه، كما لو اجتمَعَ المقوِّمُونَ على قِيْمةِ مُتلَفٍ، وخالَفَهم واحدٌ بزيادةٍ في القيمةِ [فلا يُؤخذ] بتقويْمِهِ. ومنها: أَنَّ بعضَ الرُّواةِ قدْ يسمعُ الحديثَ فيفسِّرُهُ ويتأَوَّلُهُ، فَسُمِعَ عنه التأويلُ والتفسيرُ فرُوِيَ عنْهُ معَ التفسيرِ فيصيرُ زيادةً، وهذا قَدْ وُجِدَ مثلهُ، فإنَّ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ رَوَيَا عن النبي ﷺ : "يُغْسَلُ الإناءُ من وُلوغ الكلبِ سَبْعاً" (١) قالَ ابنُ عباسٍ وأبو هريرةَ: والهرِّ (٢). وروى ابنُ عباسٍ: "أنَّ النبي- ﷺ نهى عن بيع الطعام قبلَ أَن يُستَوفى (٣) قالَ ابنُ عباسٍ: ولا أحسبُ غير الطعامِ إلاّ كالطَّعامِ. فأدرجه بعضن الرُّواةِ في كلامِ النبي ﷺ . وكذلكَ ما رُوِيَ عَنِ النبيِّ ﷺ : "فإذا زادتِ الإبلُ على مئةٍ

стр. 2147

وعشرينَ استُؤْنِفَتِ الفريضةُ" (١) فَظنَّ الراوي أَنَّ الاستئنافَ إعادةُ الفرض الأولِ في المئةِ الأولى، فقالَ: في كلِّ خمسٍ شاة، فادرجَ في كلامِ النبي ﷺ ، فإذا كانَ كذلكَ، وَجَبَ التوقّفُ في الزِّيادةِ، وعمِلَ. بما رواه الجماعة. فصلٌ في الأجوبةِ عن شُبَههم فَأَمَّا تعلّقُهم بالأَصْلِ والكثرةِ، فنحنُ أبداً ننقلُ عَن الأصلِ الثَّابتِ بدليلِ العقلِ بخبرِ الواحد المظنون، اعتماداً على أنَّ وجوب العمل به مقطوع، ولأنه قد ينفرد الواحدُ بالقربِ منْهُ في مجلس فيَسمَع (٢) ما لم يسمعْهُ مَنْ بَعُدَ عنه، ويحتملُ أَنْ يَنْفَرِدَ بجَودةِ الحِفْظِ، ويحتملُ أَنْ يكونَ شُغْل عَرَضَ لجماعةٍ بداخلٍ دَخَلَ، أو مُسلِّمٍ سَلمَ وهذا الواحدُ ناصتٌ مصغ لم يلتفتْ إلى الشُّغلِ الذي شغلهم. هذا كلّه مِنَ الممكنِ، وقد يستوونَ في السَّماع والحفظِ، ثُمَّ ينفردُ الواحدُ باستدامةِ الحفظِ، ولايستديمُ الباقونَ حفظَ أصلِ الخبرِ فضلاً عَنِ الزِّيادةِ.

стр. 2148

وأَمَّا تعلّقُهم بأَنه خَالَفَ أهلَ الصِّناعةِ، فلأ يجوز أَنْ يُطلَقَ على الحفظ والرِّوايةِ بأنَّها صناعةٌ يُقَدَّمُ الحاذقُ فيها (١) على غيرِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ المستَهدِف لحفظِ الأحاديث ونقلِها لا يُقدَّمُ إمساكه وعدم علمِهِ بحديثٍ رواه واحدٌ ليسَ من أهلِ الصناعةِ، بلْ يجبُ على الحافظِ المستهدِفِ لهذا العلمِ أنْ يعملَ بروايةِ الثِّقةِ فيما يرويهِ لَهُ، وإنْ لمْ يكنْ حافظاً للحديثِ، ولا مكثراً لرواييهِ، وفارقَ التقويمَ، فإنَّهُ نوعُ موازنةٍ، وإذا اتفقَ المقوِّمونَ في رؤيةِ العينِ المقوَّمةِ، وإدراكِها بصفاتِها، والإحاطةِ. بمعانِيْها الخاصَّةِ التي توازيها الأَثمانُ، غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّ العددَ الأكثرَ هم المصيبونَ في القيمةِ، وأنَّ المكثرَ للقيمةِ تخيَّل زيادةَ قيمةٍ لِمَا خُيِّلَ إِليهِ منْ جَودةٍ أو صفةٍ أَعطاها ظنُّهُ من التقويمِ ما لا تُساوي. فأَمَّا الزيادةُ في مسألتِنا، فإنَّها لفظٌ مسموعٌ وقولٌ مدرَكٌ، فلا يدخلُ التخيُّلُ والاشتباهُ في الإِثباتِ، فأمَّا الذُّهولُ عنْ أصلِ الحفظِ، والنسيانُ بعدَ الحفظِ، فمجوَّزٌ على الجماعةِ. وأما قولهم: إنَّ الراويَ قد يفسِّر تفسيراً يزيد به في لفظ الخبر، فيظنُّ السَّامع أنَّها من جملةِ الخبرِ، فليس بكلامٍ لازمٍ؛ لأنَّه وإنْ جاز ذلكَ، إلاَّ أنَّ الظَّاهرَ أنَّه لا يُدرِجُ في كلامِ النبيِّ ﷺ ما ليس منه، ولو عَوَّلْنا على مثلِ هذا، لكان الشَّكُّ واقعاً في جميع الأَخبارِ، فالذي أَجْمعوا عليه يكون زيادات فسَّرها روأتُها، فظنَّ السَّامعونَ لها أَنها منْ أَصْلِ الحديثِ، وليست كذلك.

стр. 2149

وأمَّا المنفردُ بزيادة قِيمةٍ على جماعةِ المقوِّمين، فالتقويم ظنٌّ واجتهادٌ، وآنئذٍ الخطأُ في جانب الواحد، وهو عن الاثنينِ أبعدُ، فأمَّا البيِّنةُ، فلا يغلطُ الإنسانُ، فيروي ما لم يسمع، وما لم يشهد. فصل إذا سمع خبراً فأرادَ أنْ يرويَ بعضَه ويتركَ بعضَه ، ففيه تفصيلٌ: فإنْ كانَ يتضمَّن أحكاماً يتعلَّقُ بعضها ببعضٍ، لم يجزْ أَنْ يفصلَ ويقطعَ البعضَ عن البعضِ ويرويَه، مثل قولِهِ: "نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيع الطعامِ" (١)، ويقطعُة عنْ تمامِهِ وغايتهِ وهو قولُه: "حتى يَحُوزَهُ التّجارُ إلى رِحالِهم"، فيتغيَّرُ الحكمُ بروايةِ بعضِهِ. وأمَّا ما يكون فيهِ حُكمانِ لا تعلُّقَ لأحدهما بالآخرِ، مثلُ قولِهِ: "لا جلبَ ولا جنبَ" (٢)، فيروي ذلكَ في السِّياقِ ويحذفُ قولَهُ: "ولا شغارَ" فجائزٌ، وكذلكَ: "جَرحُ العَجماءِ جُبَارٌ، والرجلُ جُبَارٌ" (٣) ولا يروي "وفي الرِّكازِ الخُمس"؛ لأَنَّ كلَّ حكمٍ مِنْ هذهِ مستقلّ بنفسِهِ، فيصيرُ كُلُّ حكمٍ. بمثابةِ الخبرِ القائِمِ بنفسِهِ معَ خبرٍ آخر، لا يلزمُهُ أنْ يروي الخبرينِ، كذلكَ الحُكْمان (٤) في الخبرِ الواحدِ.

стр. 2150

وقد سئِلَ صاحبُنا أحمدُ- ﵁ عَنِ الرَّجلِ يحتاجُ إلى الكلمةِ منَ الخبرِ فقالَ: أرجو أنْ لا يكونَ عليهِ شيءٌ إذا اقتصرَ لطولِ الخبرِ. وقدْ ذكرَ أصحابُه عنه أنَّهُ كانَ يُخرِّجُ منَ الأحاديثِ بقَدْرِ حاجتِهِ ويتركُ الباقي (١). وذكرَ الأثرمُ فِى كتابِ "العللِ": أَنَّ أبا عبدِ اللهِ ذُكِّرَ بحديثِ طَلْقِ بنِ علي في المسكرِ الذي ذكرَ فيه: "ولا يشربه رجلٌ ابتغاءَ [لَذَّة] سكرٍ" (٢) فقالَ: ربَّما تركْتُ هذهِ الكلمةَ، وهي "ابتغاءَ لذةِ سكرٍ"، مخافةَ أن يتأوَّلوها على غيرِ تأويلِها. وقالَ أَحمدُ: لا نَرى بأساً باختصار الأحاديثِ. فوجهُ المنع من روايةِ البعضِ فيما يتعلقُ بعضُه ببعضٍ، أَنَّ فيه تغييراً لحُكمٍ حتى إنْ كانَ شرطاً، أو غايةً، أو استثناءً، بقطْعِهِ عنْ شرطِهِ وغايتهِ، بطلَ المقصودُ بِهِ، حتى إِذا رَوى: "نهى رسولُ اللهِ ﷺ عنْ بيع الثمرِ" (٣) وتَرَكَ "حتى يُزْهِيَ"، و"نهى عن بيع الطعام" وترك "حتى يَحُوزَهُ التُّجارُ إلى رِحالِهم"، غَيَّرَ حكمَ اللهِ في بيع الثمارِ، وبيع الطَّعامِ، وحكمُه سبحانَه

стр. 2151

النهيُ عن بيعِهما قبلَ الغايتينِ المذكورتينِ فيهما. ووجهُ جواز روايةِ البعضِ، إذا كانَ بعضُ الحديثِ حكماً مستقلاً: أنها روايةُ حكمٍ مستقلِّ بنفسِهِ، فلا تقفُ روايتُه على ضَمِّ روايةِ حكمٍ آخرَ إليه، كما لو كانَ الحكمانِ في خبرينِ. ووجهُ استحبابِ روايةِ الحديث كلِّهِ أَنَّ النيَّ ﷺ قالَ: "نَضَّرَ الله امرأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعَاها، فأَدَّاها كما سَمِعَها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أَفقَهُ منه" (١). فصلٌ في تراجيع الألفاظِ إذا تقابَلَتْ، ولم يمكنِ الجمعُ، وَجَبَ ترجيحُ ما يظهرُ فيهِ التأكيدُ، إمَّا في الإسنادِ أوِ المتن (٢). فأمّا ترجيحُ إلإِسنادِ، فمن عشرةِ أوجهٍ وفي الحادي عشر روايتان، وأمّاَ ترجيح المتن، فالوجه جوازه من وجوه يأتي ذكرُها في فصل يجيء بعدَ هذا الفصلِ إنْ شاء الله. فأمَّا أوَّلُ وجوهِ الترجيح في الإسنادِ: فكثرةُ العددِ، نَصَّ عليهِ أحمدُ، فقالَ في فسخ الحجِّ إلى العمرةِ أوذُكِرَ له، حديثُ بلالِ بنِ الحارثِ: "لنا خاصةً" (٣): إلا أَنَّ أحدَ عشرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يروونَ

стр. 2152

[الفَسْخَ] (١)، أينَ يقعُ بلالُ بنُ الحارثِ منهم؟ وبِهِ قالَ أصحابُ الشافعيِّ. واختلفَ أصحابُ أبي حنيفةَ (٢)، فذهبَ الجُرْجانيُّ، وأبو سفيانَ السَّرخسيُّ إلى أنهُ يُرجَّحُ بكثرةِ الروأةِ، وحكى أبو سفيانَ عن الكَرْخيِّ أَنَّه لا يرجح بذلكَ. فصلٌ فى جمع أدلَّتنا فمنها: ما رويَ عن النبيِّ ﷺ أَنَّهُ لمَّا قالَ لهُ ذو اليدينِ: أَقصرَتِ الصلاةُ أمْ نَسِيتَ (٣)؟ لم يرجعْ إلى قولِهِ حتَّى أخْبَرَهُ بذلكَ أبو بكرٍ وعمرُ، ولمَّا روى المغيرةُ لأبي بكرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ أطعمَ الجدَّةَ السًّدسَ (٤)، طلبَ الزِّيادةَ، فشهدَ بذلكَ محمدُ بنُ مَسلَمةَ فقَضَى به، وهذا يدلُّ على أنَّ

стр. 2153

الخبرَ يقوى إسنادُهُ بزيادةِ العددِ ويرجَّحُ بذلكَ. ومنها: أَنَّ الجماعةَ أضبط وآكدُ حفظاً، فإنَّ الواحدَ لو نَسيَ ذكَّره الآخرُ، والظَّاهرُ أَنَّ ثقةَ النَّفْسِ إلى قولٍ تَضافَرَ على نقلِهِ جماعةٌ، أَوْفى من ثقتِها إلى الواحدِ المجوَّزِ عليه الخطأُ والنِّسيانُ، وقد أشارَ سبحانَهُ إلى ذلك بقوله: ﴿فرجلٌ وامرأتانِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فكانَ خبرُ الجماعةِ آكدَ لكونِهِ أقربَ إلى الحفظِ والضَّبطِ، وأبعدَ منَ الغلطِ والسَّهوِ. ومنها: أنَّ للأعلمِ الأتقنِ زيادةً، فالجماعةُ أحقُّ؛ لأنَّ لهم عدةَ أراءٍ وعقولٍ تضبطُ وتحفظُ. ومنها: أنَّ الله سبحانَه جعلَ الحدَّ الواجبَ بالزِّنى مِنْ أَكبرِ الحدودِ وآكدها، وجعلَ الشَّهادةَ عليه أكثرَ عدداً من كلِّ شهادةٍ، فدلَّ على أَنَّ كثرةَ العددِ تقوِّي في النًفسِ صحَّةَ الأخبارِ، وتؤكِّد الثِّقةَ بها. ومنها: أَنَّ كثرةَ وجوِه الشَّبَهِ تؤكِّدُ القياسَ، كذلكَ الأخبارُ إذا كثرت رواتُها غلبَ على الظنِّ [صِحَّتُها]. فصل في شُبُهات المخالفِ فمنها: أَنَّ خبرَ الواحدِ وخَبر آحادٍ عندَهُ سواءٌ في موجَبِهما، وهو الظَّنُّ، وإذا كانَ الحاصلُ بهما واحداً، وهو الظنُّ، فلا وجهَ لترجيح أحدِ المتساويينِ على الآخرِ.

стр. 2154

والدليلُ على ذلكَ من أصولِ الشَّريعةِ الشَّهادةُ بالأحكامِ، فالحقوقُ والأفعالُ التي تترتبُ عليها الغراماتُ والعقوباتُ، فإنَّه لو أقامَ أحدُ المتداعيين شاهدَيْنِ، وأقامَ الآخرُ. بما يدَّعيهِ أربعةً لم يرجح، والعِلًةُ في ذلكَ ما ذكرَ من تساوِيْهما في الموجَبِ، وهو غلبةُ الظنِّ، كذلكَ هاهنا ولا فرقَ، إذ كلُّ واحدٍ منهما خبرٌ يَنْبَني عليهِ حكمٌ شرعيٌّ. ومنها: أَنًا أجمعْنا على أَنَّ الحادثةَ إذا اختلفَ في حكمِها أهل الاجتهادِ، فأَفتى قومٌ بإباحةٍ، وقومٌ بحظرٍ أو إيجابٍ وإسقاطٍ، فكانَ عددُ المُفتِينَ بأحدِ الحكمينِ أكثرَ عدداً، لم يترجَّح الحكمُ بالعددِ، كذلكَ في بابِ الأخبارِ ولا فرقَ. فصلٌ في أجوبتنا عن شُبَههم فأَمَّا الأوَّلُ، وأنَّها تَساوَتْ في الظَّنِّ فلَعَمْري، لكنَّ غلبةَ الظنِّ بقول الأكثرينَ وروايتهم آكدُ في النَّفسِ، وأوقَرُ في القلبِ؛ ولهذا تُحدِثُ الكثرةُ ما لا يكون معَ القِلة، وهو أنَّها تنتهي إلى العلمِ القَطْعيِّ إذا صدرتْ في خبرِ التواترِ، وتمتازُ علَى ما يحصلُ بالآحادِ، وكذلكَ الواحدُ معَ الجماعةِ يستويانِ في رتبةِ الظنِّ في الأصلِ، لكنَّ الكثرةَ تُحدِث في النَّفسِ ما لا يجدُهُ الإنسانُ في خبرِ الواحدِ، ولهذا أثرت شهادةُ الأربع ما لم تؤثرْ شهادةُ الاثنينِ، فهذا يرجِّحُ القياسَ على القياسِ بكثرةِ الأشباهِ، وأَلْحَقَ الشيء بنظيرِه إذْ أشبَهه منْ وجهٍ، فإنْ ألحقهُ قائسٌ آخرُ بأصلٍ آخرَ مِنْ وجوهٍ كثيرةٍ وأشباهٍ عدةٍ، ترجَّحَ بها على القياسِ الذي أشبهَ الأصلَ الآخرَ من وجهٍ واحدٍ.

стр. 2155

وإنَّما لم تترجَّحِ الشَّهادةُ بكثرةِ العددِ، فقدْ كملَ فيما كثرةُ العددِ بقبولِ الأربع في حدِّ الزِّنى ورد ما دونهم، وما ذلكَ إلا إعطاءٌ للعددِ منزلةً (١) ورتبة لم يعطَها ما دونَه، على أَنَّ الشَّهادةَ تخالفُ الأخبارَ، ولهذا لا يُقدَّمُ فيها الأعلمُ، ولا الملابسُ للقصَّةِ، ولا الأقربُ إلى المشهود بِهِ من الحالِ. والخبر يُقدَّم [فيه] رواية الأعلمِ والأقربِ، كروايةِ عائشةَ في أحوالِ رسولِ اللهِ في بيتِهِ، وروايةِ حَمَلِ بنِ مالكٍ في أمر عمودِ الفُسطاط لما كانَ بالقصةِ خبيراً (٢)، وإلى ما شاكلَ ذلكَ من الحفظِ والضَّبطِ والفقهِ، فجازَ أنْ يرجّحَ بالعددِ؛ لأَنه أقربُ إلى الضَّبطِ، وأبعدُ من الغلطِ والسَّهوِ. وأمَّا إسقاطُ التَّرجّحَ بالعددِ في بابِ الفتيا والاجتهادِ، فإنَّ قَبولَ المقلِّدينَ قولَ المجتهدينَ ليسَ بمعلومٍ، ولا هُوَ إلاّ محضُ التقليدِ، والمخبرُ يُؤَثرُ خبرُه ظناً لمنْ أخبَرَهُ، وكلما كَثُرَ عددُ المخبِرِينَ قَوِيَ الأثرُ في النَّفس، وبعد عن التُّهمةِ والشَّكِّ، وإنَّما يتحدّدُ العلمُ بالعددِ الذينَ يحصلُ بهم التواتُرُ، [و] قَدْ مضى التَّرجيحُ بالعددِ. فصلٌ في الترجيح بكونِ أحدِ الراويينِ أتقنَ ؛ مثل أنْ يكونَ أحدُ الراويين

стр. 2156

مالكاً أو سفيانَ، والراوِي للحديث الآخرِ المقابلِ زائدةَ أوعبدَ العزيز بن أبي حازم، فإنَّ حديث مالكٍ وسفيانَ مقدَّمانِ على حديثِ زائدةَ (١) وعبدِ العزيزِ (٢)، قالَ أحمدُ: المُتَثبتُونَ في الحديثِ أربعة: سعيدٌ وسفيانُ وزائدةُ وزهير (٣). وقالَ أيضاً: المشهورُ بالروايةِ أَولَى، ووجهُ ذلكَ أَن الأتقنَ والأحفظَ، النفسُ إلى روايَتهِ أسكنُ، والظنُّ بصحَّتِها أغلَبُ؛ لأَنَّهُ يكونُ عن السَّهوِ والشّبْهةِ أبعدَ.

стр. 2157

فصل فإنْ [كان] أحدُ الراويينِ مباشراً لما رواهُ، كانَ مقدَّماً مرجَّحاً على روايةِ غير المباشرِ، وذلكَ مثلُ روايةِ أبي رافع: أَنَّ النبيَّ ﷺ نكحَ ميمونةَ وهوَ حلالٌ (١)، فإنّهُ أَولى من روايةِ ابنِ عباسٍ: أَنَّهُ نكحَها وهوَ حرامٌ (٢)، لأَنَّ أَبا رافع كانَ السَّفيرَ بينَهما، والقابلَ لنكاحِها لرسولِ اللهِ ﷺ ، فهوَ بذلكَ أَخبرُ مِمَّنْ لم يلابسِ الأمرَ ولَمْ يباشِرْهُ. فصلٌ فإنْ كانَ أحدُ الراويينِ صاحبَ القصَّةِ، كما رَوَتْ ميمونةُ: "تزوَّجَنيْ رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ حلالانِ" (٣)، فإنَّه تُقدَّمُ روايتُها على روايةِ ابنِ عباسٍ؛ لأَنها أعرفُ بِعَقْدِهِ وَحَالِهِ حينَ عَقَدَ مِنْ غيرِها، لاهتمامِها بِهِ ومراعاتِها لحالِهِ ووقتِهِ. وخالفَ في ذلكَ الجُرْجانىُّ منْ أصحابِ أبي حنيفةَ، وقالَ: قدْ يكونُ غيرُ المُلابسِ أعرفَ بحالِ رسولِ اللهِ وأقربَ. وهذا بعيدٌ مِنَ القولِ؛ لأنَّ البعدَ منَ القصَّةِ يُبعدُ عن فهمِها وفهمِ حال مُلابِسِها في غالبِ الأحوال، فلا عبرةَ بما يَندُرُ.

стр. 2158

فصلٌ فإنْ كانَ موضعُهُ أقربَ إلى النبيَّ ﷺ ، فيكونُ أسمعَ لكلامِهِ ممن بَعُد عنه، فإنَّه تُرجَّحُ روايتُه على (١) روايةِ مَنْ بَعُدَ، مثل ما رُوِيَ في إحرامِ النَّبيِّ ﷺ ، وروى قومٌ أَنَّهُ قَرَنَ (٢)، وروى ابنُ عمرَ أَنَّه أفردَ، ثمَّ ذكرَ أَنَّهُ كانَ تحتَ ناقته حينَ لبَّى ﷺ ، وأَنَّهُ سَمِعَ إحرامَهُ بالإفرادِ (٣)، فكانَ ذلكَ مقدِّماً ومرجِّحاً لروايتهِ على روايةِ مَنْ لم يكنْ مثلَهُ، وعلى حالِهِ مِنَ القُربِ. فصلٌ فإنْ كان أحدُ الراوينِ من كبارِ الصَّحابةِ، والآخرُ من صغارِهم، فإنَّ الكبارَ أقربُ إلى النبيِّ ﷺ ، فإنَّهُ كانَ يقولُ: "لِيَلِيَني منكم أُولو الأحلامِ والنّهى" (٤). فصلٌ وإنْ كانَ أحدُهما سَمِعَ مِنْ غيرِ حجابٍ، والآخرُ سَمِعَ مِنْ وراءِ حجابٍ، فإنَّ الذي سمِعَ منْ غيرِ حجاب أَوْلى ممَّنْ سمع من وراءِ حجاب،

стр. 2159

وذلكَ مثلُ حديثِ عروةَ بنِ الزبيرِ والقاسمِ بنِ محمدٍ عَنْ عائشةَ ﵂: أَنَّ بَرِيرةَ أُعتقتْ، وكانَ زوجُها عَبْداً (١). فيقدمُ على حديثِ أَسْودَ عن عاثشةَ: أَنَّ زوجَها كان حُرًّا (٢)، لأَنَّهما سَمِعَا مِنْها مِنْ غَيرِ حجابٍ، لأَنَّها خالةُ عروةَ و [عَمَّة] القاسمِ، ومَنْ يسمعُ مِنْ غيرِ حجابٍ يشهدُ معَ النّطقِ الإشارةَ الدالةَ على المرادِ به. فصلٌ وإنْ كانَ أحدُهما يروي عن كتابٍ، والآخر عنْ غير كتابٍ، فالراوي عَنْ غيرِ كتابٍ مقدَّم ومُرجَّح (٣)، وظاهرُ كلامِ صاحِبِنا أَنَّهما سواءٌ، فوجهُ قول صاحِبنا: إنَّ كتابَ رسولِ اللهِ كنُطْقِهِ؛ لأَنهُ جعلَ كتابَهُ بلاغاً قضى به حقَّ البلَاغ الذي أُمِرَ بهِ بقولِهِ: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقَدْ جَعَلَ أحمدُ الكتابَ الواردَ إلا جهَينة (٤) يَنْهاهُمْ عَنِ استعمالِ جلودِ الميتةِ بعدَ الدباغ كقولِهِ (٥)، وحَكَمَ بنسْخ ألفاظِهِ في الدباغ بالكتابِ.

стр. 2160

ووجهُ مَنْ قدَّمَ الألفاظ ورجَّحَها -وهو الجرجانيُّ الحنفيّ- أنَّ كتابَ القاضي إلى القاضي لا يعمل عملَ الشَّهادةِ باللَّفظِ في العقوباتِ، والألفاط تعمل لأَنَّ التغييرَ يتطرَّقُ على إلخَطِّ كالتزويرِ (١)، والألفاظُ لا يتطرق عليها ذلكَ. فصل فإنْ كانت إِحدى الرِّوايتينِ مضطربةَ الألفاظِ والأخرى غيرَ مضطربةٍ، فغيرُ المضطرَبِ أَوْلى؛ لأَنَّه يدلُّ على ضبطٍ وحفظٍ وثباتٍ في القلبِ على ما نَطَقَ بِهِ اللِّسانُ. واضطرابُ اللَّفظِ يدلُّ على اضطرابٍ في الحفظِ، ومثال ذلكَ كثيرٌ في الأخبارِ. فصل فإنْ كانت روايةُ أحدِها قد اخَتلَفتْ والأُخرى ما اختَلَفَتْ، فالتي لَمْ تختلفْ مقدَّمةٌ، ومِنَ الناسِ مَنْ قَالَ: ما اتَفَقا فيه يتساويانِ فيما اتفقا فيهِ، ويسقطُ ما اخْتَلَفا فيهِ. ومِنْهم مَنْ قَالَ: تتعارضُ الرِّوايتانِ وتسقطُ، ويعملُ بروايةٍ لم تختلفْ. وجهُ تقديمِ التي لم تختلفْ: أَنَّها دالةٌ على الضَّبطِ حسبَ ما قُلْنَا في التي لم تضطربْ.

стр. 2161

فصلٌ فإنْ كانَ أحدُهما مُسنَداً والآخرُ مرسَلاً، فالمُسندُ أَولى ، وقالَ الجرجانيُّ: المرسَلُ أَولى. وجهُ تقديمِ المسنَدِ: أَنَّ المرسَلَ مختلفٌ في كونهِ حجةً، ولا مستَدَلَّ على عدالةِ راويهِ (١) العَدْلِ الذي أَرْسَلَهُ، والسنَدُ معلومٌ عدالةُ رواتِهِ بِنفوسِهم، واعْتَلَّ الجرجانيُّ بأَنَّ المرسَلَ شَهِدَ راويهِ بقولِ رسول اللهِ ﷺ شهادةَ قاطعِ، فقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فكانَ هذا أشدَّ ثقةً وآكدَ ممَّنْ عَزَاهُ إلى راويه تفويضاً إِليه، وتعويلاً عليه فِى حكاية القولِ عَنِ الرَّسولِ ﷺ . فصل فأمَّا إنْ كانَ أحدُ الراويين ممَّنْ تقدَّمَ إسلامُه، والآخرُ ممَّنْ تأَخَّرَ إسلامُه، فإنَّهُ لا تُقدَّمُ روايةُ متقدِّم الإسلامِ، وذهبَ بعضُ الشَّافعية إلى تقديم روايةِ المتقدم إسلامُهُ. مثلُ خبرِ قيسِ بنِ طلقٍ معَ خبرِ أبي هريرَة في الوضوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ (٢).

стр. 2162

والدلالةُ على أَنَّه لا يرجحُ بذلكَ أَنَّ سماعَ الكافرِ مِنَ النَّبيِّ ﷺ لا يمنع روايتَهُ حالَ إسلامِهِ، فلا وجه لترجيح رِوايةِ المتقدِّمِ إسلامُهُ. فصلٌ في الترجيحِ في متنِ الحديثِ (١) وذلكَ مِنْ وجوهٍ: أحدُها: أَنْ يكونَ أحدُ الحديثينِ قَدْ جَمَعَ بينَ النُّطقِ ودليلِهِ، كما قَدَّمْنا مِنْ قولِ النبيِّ ﷺ : "الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرفتِ الرُّقُ، فلا شفعةَ" (٢) فهذا آكدُ وأَقضى في البيانِ، لأَنَّه جمع بينَ إثباتِهَا في المشاع ونفيِها في المقسومِ، فهوَ آكدُ من خبرٍ يتضمَّنُ إِثباتَها في المشاع ويسكتُ فيهِ عَنِ المقسومِ. فصلٌ والاَخر: أنْ يكونَ أحدُهما قَوْلاً، والآخرُ فِعْلاً، فالقولُ أبلغُ في

стр. 2163

البيانِ؛ لأَنَّ لَهُ صيغةً، ولا صيغةَ للفعلِ. فصلٌ والآخرُ: أن يكون أحدُهما قَوْلاً وفعلاً، والآخر قولاً، فيكون اجتماعهما أَوْلى. فصلٌ والآخرُ: أَنْ يكونَ أحدُهما لم يدخلْهُ التخصيصُ، والآخرُ دخلَهُ التخصيصُ، فيكونُ ما لَمْ يدخلْهُ التخصيصُ أَولى لأَنهُ أَقْوَى؛ لأَنَّ دُخُولَ التخصيصِ تضعيفٌ للْفظِ، ولهذا ذَهَبَ بعضُ النّاسِ إلى اُنَّهُ يصيرُ مجازاً. فصلٌ والآخرُ: أَنْ يكونَ قَدْ قُضِيَ بأحدِهِما على الآخَرِ في موضعِ، واختَلَفا في غيرِهِ، فيكونُ الذي قُضِيَ بهِ أَوْلى؛ لأَن القَضاء يدعم بحكمِهِ فيقوى بالعملِ. فصلٌ والآخرُ: أَنْ يكونَ أحدُهما مُطلَقاً والآخرُ وارداً على سببٍ، فإنَّهُ يُقصَر على سببهِ ويقدَّمُ المطلقُ عليه؛ لأن الوارد على سبب قَدْ ظهرتْ فيه أمارةُ التخصيص، فيكونُ أولى بإلحاقِ التخصيص بهِ.

стр. 2164

مثالُه: قول النبيِّ ﷺ : "مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه" (١)، فإنّه تقدَّم منه النَّهيُ عن قتلِ النِّساءِ، لأنَّ النهيَ واردٌ في الحربية، والأمر بالقتل قائمٌ في حقِّ التاركينَ للأديانِ. فصلٌ والآخرُ: أنْ يكونَ قَصَدَ بهِ بيانَ الحكمِ المختلفِ فيهِ فيكون أَولى، كما قدَّمنا قولَهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] على قولِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] في تحريم الجمع بينَ الأختينِ في الوطءِ. مملكِ اليمينِ، لأنَّ قولَهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قصد به الزَّوجَ دونَ بيانِ الحكمِ. فصل والآخرُ: أَنْ يكونَ أحدُ المعنيينِ أظهرَ في الاستعمالِ، كما ذَكَرْنا في الحُمْرَةِ وأَنها أَظْهَر في الشَّفَقِ (٢). فصلٌ الآخر: أَنْ يكونَ أحد التأويلينِ موافقاً لَفْظَة مِنْ غيرِ إضمارٍ، كما قُلْنَا في قولِهِ ﷺ للمُرتَهِن: "ذهبَ حقّكَ" (٣) يعني مِنَ الوثيقةِ دونَ الدَّيْنِ،

стр. 2165

ولم نحملْهُ على الدَّين؛ لأن حملَهُ على الدينِ يحتاج إلى إضمارٍ، وهو إذا كانَ بقدر قيمةِ الرَّهنِ. فصل الآخرُ: أَنْ لا يكونَ أحدهما يوجبُ تخطئةَ النبيِّ ﷺ في الباطنِ، والآخرُ يتضمَّنُ إصابتَة في الظاهرِ وتخطئَتَهُ [في الباطن]، فالأولُ مقدَّمٌ ومرجَّحٌ؛ لأَنَّهُ تبعيدٌ له عن الخطأ، وهو الأَليقُ به وبحالِهِ ﷺ . كما وَرَدَ في ضمان عليٍّ- ﵁ دينَ الميتِ، وقوله: هما عليَّ (١)، وأنه ابتداء ضمانٍ، وأَنَّ النبيَّ امتنعَ مِنَ الصَّلاةِ، [وكان] وقت الامتناع مصيباً فِى امتناعِهِ، فكانَ مقدماً على حملِهِ على الإخبارِ عن ضمانٍ سابقٍ يكشفُ عن أنَّه كانَ امتنعَ من الصَّلاةِ في غَيرِ موضِعِهِ باطناً. فصل الاَخرُ: أَنْ يكونَ أحدُهما إثباتاً والآخر نفياً، فيكون الإثباتُ أولى، كما قدَّمنا روايةَ بلالٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ دخل البيت وصلَّى (٢)، على رواية اُسامة وأنَّه لم يصلِّ (٣)، لأنَّ المثبت معه زيادةُ علم وإفادة ليست عند

стр. 2166

النَّافي، فهو كَمَنْ يروي والآخر لم يروِ، وابن عمر يقولُ: لم يقنتِ النبيُّ ﷺ (١)، وغيره يقول: قنت (٢)، وروى أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يخَضِب ولم يأنِ أنْ يخضبَ (٣)، وغيره يقول: قد خَضَب (٤)، فالذي يشهد على النبي ليس كمَنْ لم يَشهَدْ. فصل والآخرُ: أَنْ يكونَ أحدُهما زائداً، كما قدمنا روايةَ الصَّاعِ على روايةِ مَنْ روى نصفَ صاعٍ، وروايةَ مَنْ روى خبر التكبيرِ سبعاً (٥) في صلاةِ العيدِ على غيره أنَّه كبَّر أربعاً (٦). فصلٌ الآخرُ: أَنْ يكونَ أحدهما متأخراً والآخر متقدِّماً؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قالَ:

стр. 2167

كُنَّا نَأنخُذُ مِنْ أَمْرِ النبيِّ ﷺ بالأحدت فالأحدثِ (١)، وإِنَّما كانَ كذلكَ لأنَّ الآخِرَ هُوَ الذي يَنسَخ دونَ الأولِ. فصل الآخرُ: أَنْ يكونَ أحدُهما يوجبُ احتياطاً للفرضِ وتبرئةَ الذمةِ، والآخرُ يوجبُ نفيَ الاحتياطِ، فالموجبُ للاحتياطِ مرجَّحٌ، لأنَّهُ يوجَبُ لأكبرِ المقاصدِ. فصلٌ الآخرُ: أنْ يكونَ أحدُهما حاظراً والآخرُ مبيحاً، فالحاظر مقدَّمٌ ومرجَّحٌ، أشارَ إليه أحمدُ في الأَخْذِ بالذي هو أهنأ وأهدى؛ وبِهِ قالَ الكرخيُّ والرازيُّ مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ، وذهبَ عيسى بنُ أبانَ إلى أنَّهما سواءٌ ويسقطان، ويرجعُ إلى حكمِ الأصلِ، لأنَّ في الحظرِ احتياطاً، لأنَّ تركَ المباح لا مأثمَ فيهِ، وفي ملابسةِ المحظورِ مأثمٌ، ولأَنهُ إذا اجتمعَ في العينِ الواحدةِ حظرٌ وإباحةٌ، قُدِّمَ الحظرُ، بدليلِ المتولِّدِ عن ما يؤكلُ وما لا يؤكلُ، وإذا اختلطَ المباحُ بالمحظورِ غلبَ الحظرُ. فصل في شبهة المخالف منها (٢): أنَّ تحرج المباح كإباحة المحظور في باب الاعتقاد، فإنَّ كلَّ

стр. 2168

واحدٍ منهما يوجبُ كفرَ المعتقِدِ لما استقرَّ في الشَّرعِ خلافه، فلا وجهَ لتقديمِ أحدِهما ولا ترجيحِهِ. ومنها: أَنَّ الشَّيءَ الواحدَ يستحيلُ أَنْ يكونَ محظوراً على الواحدِ في وقتٍ، مباحاً له في ذلكَ الوقتِ، كما يستحيلُ اجتماعُ الضِّدَّينِ في المحلِّ الواحدِ، ولو شَهدَ شاهدانِ بأَنَّ فلاناً قَتلَ زيداً بمكَّةَ يومَ النحرِ، وشهِدَ آخرانِ أنَّه قتل عَمْراً ذلك اليومَ ببغدادَ، فإنَّ الشَّهادتينِ تسقطانِ لاستحالةِ اجتماع القتلينِ من الواحدِ في ذلك اليومِ، كذلكَ إذا رَوَى الواحدُ خَبَراً يعطي إباحةَ عين، وروى الآخرُ خَبَراً يقتضي تحريمَ تلكَ العينِ، وَجَبَ سقوطُهما. ومنها: أَنَّه لو أخبر واحدٌ بنجاسةِ الماءِ، وأَخْبَرَ آخَرُ بطهارةِ ذلكَ الماءِ، لم يُجْعَلْ لأحدِهما مَزِيَّة على الآخرِ، بل يسقطانِ ويبقى الماءُ على أصلِ الطَّهارةِ، كذلكَ هاهنا. فصلٌ في الأجوبة عن شبهاته أَمَّا ما عوَّل عليه مِنَ ألاستواءِ في الاعتقادِ، فإنَّ ذلكَ بعد ثبوتِ التَّحريمِ في المحظورِ، والإباحةِ في المباح، ولَعَمْري إنهما بعدَ الثّبوتِ صارَ كلُّ واحدٍ منهما شرعاً للهِ سبحانه، فإذا اعتقَدَهُ على خلافِ ما هُوَ بهِ كفر. فأمَّا عِنْدَ التقابلِ فلا يستويانِ؛ لأَنَّ الحاظرَ والمبيحَ منَ الألفاظِ عندَ

стр. 2169

التقابلِ كالمحظورِ والمباح عندَ الاختلاطِ، ولو اختلطتِ الأَعيانُ، بعضها مباحٌ وبعضُها محظورٌ، غلبَ التجنبُ على الإقدامِ والحظر على الإباحةِ؛ ولأَنَّ الحظرَ إذا كانَ مشروطاً، والمباحُ مشروطاً، فوجِدَ بعضُ شروطِ الإباحةِ، لم تحصل الإباحةُ، ولو حصلَتْ بعض شروطِ الحظر كَفَى في تحصيلِهِ، كالبيع يحرمُ ويبطُلُ بشرط، ولا يباح ويصحُّ إلا بجميع شروط الصحة، والطّهارة تبطل بأحدِ أسباب إبطالها، ولا تصحُّ إلاَّ بكمالِ شروطِها، والجمعة كذلك. وأَمَّا قولُهُ: يستحيلُ اجتماعُ الحظرِ والإباحةِ كما يستحيل اجتماعُ الضِّدَّين، واستشهادُهُ بالشَّهادةِ، فَلَعمري إنَّه كذلك، لكن ليس يَقِف التقديم للحظرِ على اجتماعِهما، لكنَّ التجويزَ للحظر يوجبُ الحظرَ، ويكفي فيه مجرَّدُ التجويزِ، لأنَّ الحظرَ كالاحتراز والاحتياطِ، والتجويزُ كافٍ في وجوبه، أعني: وجوبَ الاحتراز، والإباحةُ إقدامٌ، ولا يكفي في الإقدامِ تجويزُ السَّلامةِ من الاستضرار بالتبعة أو غيرها من الضَّررِ، والشَّهادة إنما كانت على حقيقةِ فعلٍ لا يمكنُ وقوعه على الوجه الذي ذكرته، بل يستحيل، وهاهنا إخبارٌ عن إيجابِ تجنّبٍ، وإخبارٌ عن إيجابِ إقدامٍ وتجويزه، وتجويز الضَّرر في الإقدام يوجبُ الإحجامَ، كما وَجَبَ في العقلِ منَ التحرُّزِ من الضَّمانِ، وبما وَجَبَ في الشَّرع وفرق بينَهما، بدليل أنَّه لَوِ اشتبهَ علينا مَنْ هو القاتلُ، لم يثبتِ القاتلُ، فكيفَ إذا كانت الشَّهادةُ. بمستحيلٍ، فأمَّا في الأعيان والأحكام، فإنّها إذا اشتبهت محظورُها بمباحِها غُلِّبَ الحظرُ.

стр. 2170

وأَمَّا تعلّقهم بإخبارِ اثنينِ، أحدُهما بطهارةِ الماء، والآخرُ بنجاسَتِهِ، فإنْ كانَتْ بسببٍ يوجبُ النَّجاسةَ، غَلَبَ خبر النجاسةِ وحكمنا بنجاستِهِ، وإنْ لَمْ يخبِرْ بالسببِ بل قالَ: هو نَجس، فذلكَ غيرُ مسموعِ أَصْلاً، لجوازِ أنْ يكونَ نَجِساً عندَهُ، إمَّا لجهله إنْ كانَ عامِّيّاً، أو كانَ عالِماً والنَّاسُ مختلفونَ في النجاسةِ، فعلى كلا الأمرينِ لا يُقبلُ مِنْ غيرِ بيانِ السَّببِ، لا مِنَ العالمِ ولا العامِّي، ويبقى الماء على طهارةِ أصلِهِ لا يقدحُ فيه الخبر بالنَّجاسةِ، ولا يؤكدُ طهارتَه خبرُ مَنْ أخبرَ بالطَّهارةِ، فلم يتحققْ لك حُجَّة مِنْ هذهِ الصّورةِ. فصلٌ فإنْ تعارضَ خبرانِ في الحدِّ، فإنَّهُ لا يقدَّم المسقِط للحدِّ، بل الموجِب لَهُ، فإنَّ صاحبَنا أَخَذَ بحديثِ عبادة في اجتماع الجلدِ والرَّجمِ (١)، ولم يقدِّم عليه حديثَ ماعزٍ (٢) وأُنَيس (٣) في إسقاطِ الجلدِ. ولأصحابِ الشَّافعي وجهانِ: أحدهما يقدَّم حديث إسقاطِ الحدِّ.

стр. 2171

لنا: أنَّ روايةَ إيجابه إثبات له، وإثباتُ التشريع مقدَّم على النَّفي، والأَصل الإسقاطُ، فلا يجوزُ أن يَيْقَى على الأصلِ مع وجودِ خبرِ العدل الناقلِ عَنِ الأصلِ، وكما لوْ قامتِ البيِّنةُ بإثباتِ سببِ الحدِّ، وشهدت أخرى بنَفيه. فصل وتَعلق المخالف في ذلك بقول النبي ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ بالشُّبهات، وادرَؤوا ما استطعْتمْ" (١). والجواب: أنَّ خبرَ الواحدِ العدلِ عن النبيَّ ﷺ ليس بشبهةٍ؛ بدليلِ أنَّه ينتقلُ بِهِ عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ، والذِّمم لا تُشغَل بالشمبهاتِ. فصلٌ فإنْ كانَ أَحَدُ الخبرينِ يثبتُ نقصاً لصحابىٍّ (٢) كخبرِ القهقهةِ (٣)، والآخرُ لا يُثبتُ نقصاً (٤)، فَنَفْيُ النقصِ مقدَّمٌ؛ لأنه إذا أَوجَبَ نقصاً

стр. 2172

وقَدْحاً، قابَلَتْهُ مِدحةُ اللهِ سبحانَه لهم بالعدالةِ وأنَّهم خيرُ أمةٍ أُخرجت (١). فصل فإنْ كانَ مَعَ أحدِهما قرينةٌ تَدلُّ على الحكمِ، فإنه يترجَّحُ بها، مِثَالُه (٢). فصلٌ فإنْ كانَ أحدُهما يجمعُ بَيْنَ الحكمينِ، والآخرُ يُسقِطُ أحدَهما، فالجامع يقدَّمُ، لأَنَّهُ لا يُسْقطُ حكمًا مِنْ أحكامِ الشرع. فصول التراجيح التي تعودُ إلي غيرِ الإسنادِ والمتن، لكن تعود إلا غيرِهما فصلٌ من ذلك: أن يكونَ أحد الخبرينِ مُوافِقاً لظاهرِ القرآنِ أو السُّنةِ، فيقدَّمُ، مثلُ حديثِ التغليسِ (٣) يرجَّحُ على خبرِ الإسفار (٤)، لوافقَتِهِ لظاهر

стр. 2173

القرآنِ، مثلُ قولِىِ: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقولِ النبيِّ ﷺ : "أوَّلُ الوقتِ رضوانُ اللهِ" (١)، وقولِهِمْ: أَيُّ الأعمالِ أفضلُ؛ فقالَ ﷺ : "الصَّلاةُ لأَوَّلِ وقتها" (٢). ومثلُ قوله: "لا نكاحَ إلاَّ بولي" (٣) مرجّحٌ على خَبَرِهمْ: "لَيْسَ للوليِّ معَ الثيب أمر" (٤) بحديث عائشةَ عن النبىَّ ﷺ :"أيما امرأةٍ نكحت نفسَها بغيرِ إذن وليِّها، فنكاحُها باطلٌ" (٥)، لأَنَّ ظاهرَ القرآن والسُّنَّةِ حجةٌ في أنفسهما، فأوْلى أن يرجَّح بهما الخبرُ. فصلٌ فإنْ كانَ مَعَ أحدِهما ظاهرُ القرآن، ومَعَ أحدِهما ظاهرُ سنةٍ اخْرى، فايهما أَولى؟ ظاهرُ كلامِ أحمدَ: أَنَّ الحديثينِ إذا تعاضَدَا كانا مقدَّمَيْنِ على حديثٍ مَعَهُ ظاهرُ القرآنِ، وهذا يَنْبَنِي على أَصلٍ اختَلفَ مذهبُه فيهِ، وهوَ إذا

стр. 2174

تَقابل لفظُ السُّنَّةِ ونطقُ القرآنِ آُيهما أَوْلى؟ فيه خلافٌ عَنه، فرُوِيَ أَنَّ السُّنَّةَ مقدَّمةٌ، لأَنَّها تَبْيينُ القرآنِ وتفسيرُهُ، والثَّاني: نُطقُ القرآنِ أَوْلى، لأنَّه مقطوعٌ بطريقِهِ (١). فصلٌ فإنْ كانَتْ ألفاط أحدِ الخبريْنِ مختلفةً، والآخرُ ألفاظُهُ غير مختلفةٍ، بَيِّنٌ، لفظُه واحدٌ، فيحتمل أَنْ يكونَ غيرُ المختلفِ مقدَّماً ومرجحاً (٢)؛ لأَنَّه يدلُّ على ضبطِ رواتِهِ لعدمِ الاختلافِ فيهِ، ويحتملُ أَنْ لا يرجحَ؛ لأَنهُ يجوزُ أنْ يكونَ اختلافُ الألفاظِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَهُ في مواضعَ مختلفةٍ بَيْدَ أنَّه لا يختلفُ والمعنى، ويحتملُ أَنْ يكونَ رواهُ بعضُهم بالمعنى والآخرُ باللَّفظِ، فاختلفتْ ألفاظُهُ مِنْ هذا الوجهِ، وذلكَ مثلُ خبرِ التقديرِ للماءِ في حملِ النَّجاسةِ. فصلٌ فإنْ كانَ أحدُهما موافقاً للقياسِ، والآخرُ يخالف القياسَ، فالموافقُ للقياسِ أَولى، وذلكَ مثلُ قولهِ ﵊: "ليسَ على المسلمِ في عبدِهِ ولا في فرسِهِ صدقةٌ" (٣)، فيُقدَّمُ على حديث غُورك السَّعدي (٤)،

стр. 2175

وموافقتُه القياسَ لخبرِ نفىِ الصَّدقةِ في الخيلِ، وهوَ أَنَّ ما لا تجبُ الزكاةُ في ذكورِهِ لا تَجبُ في ذكورِهِ وإِناثِهِ، كالبغالِ والحميرِ وسائرِ الحيواناتِ غيرِ الأنعامِ، ولا تَجبُ الزكاةُ فيه من جنسِهِ. فصلٌ فإنْ كانَ مع أحدِهِما حديثٌ مرسلٌ، فإنهُ يقدَّمُ على ما لَيْسَ معه حديثٌ آخرُ مرسلٌ ولا غيرُهُ؛ لأنَّ المرسلَ معَ المسندِ يقويه؛ لأنَّهُ جاءَ مِنْ طريقَيْنِ. فصل فإنْ كانَ أحدُهما عَمِلَ بِهِ الأئمةُ الأربعةُ [فيُقدَّم ويُرجَّح]، كما رَوَيْنا في تَكْبيراتِ العيدينِ سبْعاً وخَمْساً، وقدَّمنَاهُ على روايةِ مَنْ روى أَرْبَعاً كأربع الجنائزِ؛ لأنه عَمِلَ بِهِ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، وقدْ نَصَّ أحمدُ على هذا في عِدَّةِ مواضع في حديثِ الوضوءِ ممَّا مست النَّارُ (١)، وروي أَنَّهُ أنتهَس عَظْماً، وصلى ولم يتوضأ (٢)، نَظَر إلى أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ
следующие страницы →