← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

لنا: أنَّ روايةَ إيجابه إثبات له، وإثباتُ التشريع مقدَّم على النَّفي، والأَصل الإسقاطُ، فلا يجوزُ أن يَيْقَى على الأصلِ مع وجودِ خبرِ العدل الناقلِ عَنِ الأصلِ، وكما لوْ قامتِ البيِّنةُ بإثباتِ سببِ الحدِّ، وشهدت أخرى بنَفيه. فصل وتَعلق المخالف في ذلك بقول النبي ﷺ : "ادرَؤوا الحدودَ بالشُّبهات، وادرَؤوا ما استطعْتمْ" (١). والجواب: أنَّ خبرَ الواحدِ العدلِ عن النبيَّ ﷺ ليس بشبهةٍ؛ بدليلِ أنَّه ينتقلُ بِهِ عَنْ حُكْمِ الأَصْلِ، والذِّمم لا تُشغَل بالشمبهاتِ. فصلٌ فإنْ كانَ أَحَدُ الخبرينِ يثبتُ نقصاً لصحابىٍّ (٢) كخبرِ القهقهةِ (٣)، والآخرُ لا يُثبتُ نقصاً (٤)، فَنَفْيُ النقصِ مقدَّمٌ؛ لأنه إذا أَوجَبَ نقصاً

стр. 2172

وقَدْحاً، قابَلَتْهُ مِدحةُ اللهِ سبحانَه لهم بالعدالةِ وأنَّهم خيرُ أمةٍ أُخرجت (١). فصل فإنْ كانَ مَعَ أحدِهما قرينةٌ تَدلُّ على الحكمِ، فإنه يترجَّحُ بها، مِثَالُه (٢). فصلٌ فإنْ كانَ أحدُهما يجمعُ بَيْنَ الحكمينِ، والآخرُ يُسقِطُ أحدَهما، فالجامع يقدَّمُ، لأَنَّهُ لا يُسْقطُ حكمًا مِنْ أحكامِ الشرع. فصول التراجيح التي تعودُ إلي غيرِ الإسنادِ والمتن، لكن تعود إلا غيرِهما فصلٌ من ذلك: أن يكونَ أحد الخبرينِ مُوافِقاً لظاهرِ القرآنِ أو السُّنةِ، فيقدَّمُ، مثلُ حديثِ التغليسِ (٣) يرجَّحُ على خبرِ الإسفار (٤)، لوافقَتِهِ لظاهر

стр. 2173

القرآنِ، مثلُ قولِىِ: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقولِ النبيِّ ﷺ : "أوَّلُ الوقتِ رضوانُ اللهِ" (١)، وقولِهِمْ: أَيُّ الأعمالِ أفضلُ؛ فقالَ ﷺ : "الصَّلاةُ لأَوَّلِ وقتها" (٢). ومثلُ قوله: "لا نكاحَ إلاَّ بولي" (٣) مرجّحٌ على خَبَرِهمْ: "لَيْسَ للوليِّ معَ الثيب أمر" (٤) بحديث عائشةَ عن النبىَّ ﷺ :"أيما امرأةٍ نكحت نفسَها بغيرِ إذن وليِّها، فنكاحُها باطلٌ" (٥)، لأَنَّ ظاهرَ القرآن والسُّنَّةِ حجةٌ في أنفسهما، فأوْلى أن يرجَّح بهما الخبرُ. فصلٌ فإنْ كانَ مَعَ أحدِهما ظاهرُ القرآن، ومَعَ أحدِهما ظاهرُ سنةٍ اخْرى، فايهما أَولى؟ ظاهرُ كلامِ أحمدَ: أَنَّ الحديثينِ إذا تعاضَدَا كانا مقدَّمَيْنِ على حديثٍ مَعَهُ ظاهرُ القرآنِ، وهذا يَنْبَنِي على أَصلٍ اختَلفَ مذهبُه فيهِ، وهوَ إذا

стр. 2174

تَقابل لفظُ السُّنَّةِ ونطقُ القرآنِ آُيهما أَوْلى؟ فيه خلافٌ عَنه، فرُوِيَ أَنَّ السُّنَّةَ مقدَّمةٌ، لأَنَّها تَبْيينُ القرآنِ وتفسيرُهُ، والثَّاني: نُطقُ القرآنِ أَوْلى، لأنَّه مقطوعٌ بطريقِهِ (١). فصلٌ فإنْ كانَتْ ألفاط أحدِ الخبريْنِ مختلفةً، والآخرُ ألفاظُهُ غير مختلفةٍ، بَيِّنٌ، لفظُه واحدٌ، فيحتمل أَنْ يكونَ غيرُ المختلفِ مقدَّماً ومرجحاً (٢)؛ لأَنَّه يدلُّ على ضبطِ رواتِهِ لعدمِ الاختلافِ فيهِ، ويحتملُ أَنْ لا يرجحَ؛ لأَنهُ يجوزُ أنْ يكونَ اختلافُ الألفاظِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَهُ في مواضعَ مختلفةٍ بَيْدَ أنَّه لا يختلفُ والمعنى، ويحتملُ أَنْ يكونَ رواهُ بعضُهم بالمعنى والآخرُ باللَّفظِ، فاختلفتْ ألفاظُهُ مِنْ هذا الوجهِ، وذلكَ مثلُ خبرِ التقديرِ للماءِ في حملِ النَّجاسةِ. فصلٌ فإنْ كانَ أحدُهما موافقاً للقياسِ، والآخرُ يخالف القياسَ، فالموافقُ للقياسِ أَولى، وذلكَ مثلُ قولهِ ﵊: "ليسَ على المسلمِ في عبدِهِ ولا في فرسِهِ صدقةٌ" (٣)، فيُقدَّمُ على حديث غُورك السَّعدي (٤)،

стр. 2175

وموافقتُه القياسَ لخبرِ نفىِ الصَّدقةِ في الخيلِ، وهوَ أَنَّ ما لا تجبُ الزكاةُ في ذكورِهِ لا تَجبُ في ذكورِهِ وإِناثِهِ، كالبغالِ والحميرِ وسائرِ الحيواناتِ غيرِ الأنعامِ، ولا تَجبُ الزكاةُ فيه من جنسِهِ. فصلٌ فإنْ كانَ مع أحدِهِما حديثٌ مرسلٌ، فإنهُ يقدَّمُ على ما لَيْسَ معه حديثٌ آخرُ مرسلٌ ولا غيرُهُ؛ لأنَّ المرسلَ معَ المسندِ يقويه؛ لأنَّهُ جاءَ مِنْ طريقَيْنِ. فصل فإنْ كانَ أحدُهما عَمِلَ بِهِ الأئمةُ الأربعةُ [فيُقدَّم ويُرجَّح]، كما رَوَيْنا في تَكْبيراتِ العيدينِ سبْعاً وخَمْساً، وقدَّمنَاهُ على روايةِ مَنْ روى أَرْبَعاً كأربع الجنائزِ؛ لأنه عَمِلَ بِهِ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، وقدْ نَصَّ أحمدُ على هذا في عِدَّةِ مواضع في حديثِ الوضوءِ ممَّا مست النَّارُ (١)، وروي أَنَّهُ أنتهَس عَظْماً، وصلى ولم يتوضأ (٢)، نَظَر إلى أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ

стр. 2176

وعليٍّ، لم يتوضؤوا مِمَّا مَسَّتِ النّارُ، وإنَّماَ رجَّحْنا بعملِهمْ وقولِهمْ، لأَنَّ هذا أَمْرٌ طريقُهُ غلبةُ الظَنِّ، ولا شَكَّ أَنَّ الأئمةَ والخلفاءَ الذينَ بَلَغُوا مِنَ الإسلامِ المبلغَ الذي حازُوا به الفقهَ ولَمْحَ أَقْوَالِه ﷺ وأفعالِهِ، يقوى الظَّنُّ فيما تضمنَه الخبرُ مِنَ الحكمِ إذا كانوا بِهِ عاملينَ وقائلينَ، ويُرجَّحُ على حديثٍ لَمْ تَعضُدْهُ أقوالُهم وأفعالهم. فصلٌ ولا يُرجحُ أحدُهما بعملِ أهلِ المدينةِ خلافاً لأصحابِ الشَّافعيِّ في قولِهم: يُقدَّمُ ما عملَ بِهِ أهلُ المدينةِ، وذكروا ذلكَ في حديثِ الترجيع في الأَذانِ (١)، وأنَّه يُقَدَّمُ على غيرِهِ. وكذلكَ لا يُرجَّحُ أحدُ الخبرينِ على الآخرِ بعملِ أهلِ الكوفةِ، خلافاً لأصحابِ أبي حنيفةَ فيما حكاه الجُرْجَاني في "أصوله": أنَّه يقدَّم بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي حنيفة قبلَ ظهورِهِ، قالوا: لأَنَّ أُمراءَ بني مروان [غلبوا] (٢) على المدينة والكوفة، وكانَ منهم تغييرٌ للسُّنن. فصلٌ والدلالةُ على أَنَّه لا يرجَّحُ بقولِ أهلِهما: أَنَّه لا يجوزُ أنْ تكونَ المراعاة

стр. 2177

لنفع البلدِ وعينه، لم يبقَ إلاَّ أَنهم نظروا إلى مصيرِ ألصَّحابةِ إليهما، وتوفرِهم (١) فيهما، وذلكَ خطأٌ في القولِ، إصابةٌ في المعنى، فإنْ كانَ لعملِ الصَّحابةِ فليقولوا ذلكَ، فإنَّ الخبرَ الذي عملتْ بِهِ الصَّحابةُ حيتُّ كانوا مِنَ البلادِ مقدَّمٌ عندَ كلِّ عالمٍ بالحديثِ، ونقدرُ موافقَتَهم، ولو كانَ بغيرِ المدينةِ والكوفةِ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بمتابعتِهِ للحديثِ، ومعَ انتشارِ الصَّحابةِ في البلادِ لا معنى لاطراح من لم يكنْ بهذينِ البلدينِ. فصلٌ فإنِ اقترنَ بأحدِ الخبرينِ تفسيرُ الراوي بفعلِهِ أو قولِهِ، كانَ مرجَّحاً ومقدَّماً على ما لم يقترنْ بِهِ تفسيرُهُ، مثلُ ما روى جابرٌ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "أيما رجل أُعمِرَ (٢) عُمْرَى له ولِعَقِبِه، فإنها للذي (٣) يُعطَاها، لا ترجِعُ إلى الذي أَعطاها؛ لأَنَّهُ أَعطى عَطاءً وقعت فيهِ المواريث" (٤)، فَقُدِّمَ على روايةِ مَن روى: "مَنْ أُعمِرَ عُمرى فهيَ لَه ولِعَقِبِهِ يرثُها مَنْ يَرِثهُ مِنْ عَقِبِهِ" (٥)، كَما رَوى معمرٌ عنِ الزُّهريِّ عنْ أبي سلمةَ عنْ جابرِ بنِ عبدِ

стр. 2178

اللهِ أَنّهُ قالَ: "إنما العُمرى التي أجازَها رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ يقولَ: هيَ لكَ ولعَقِبِكَ، فأمّا إِذا قال: هيَ لكَ ما عِشْتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحبِهِا" (١). ومثلُ خبر التفرقِ في خيارِ المجلسِ، حَمَلَهُ على التفرفِ بالبَدَن لما رويَ عنِ ابنِ عمرَ أَنّه كانَ إِذا أَرادَ أَنْ يوجب البيعَ مشى قليلاً ثم رجع (٢)، وقال أبو بَرْزةَ: لا أُراكُما تفرقتُما (٣). وكذلكَ رجع أَحمدُ في صومِ يوم شك بالغيمِ إلى تفسيرِ ابنِ عمرَ "فاقْدُرُوْا له" (٤)، وأَنَّه كانَ يتراءَىَ الهلالَ، فإنْ كانَتِ السَّماءُ ذاتَ غيمٍ أصبحَ صائماً، وإنْ كانَت مصحيةً أصبحَ مفطراً.

стр. 2179

فصولُ الإجماع (١) وقَدْ قدَّمنا حدَّهُ ورَسْمَه في الحدودِ والعقودِ التي افتتَحْنا بها كتابنا هذا (٢). فصلٌ والإجماعُ حجةٌ ماقطوعٌ بها، فإذا اتفَقَ الفقهاءُ على حكمِ حادثةٍ، كانَتْ حجَّة معصومةً ودلالةً قطعيةً متبعةً، نصَّ عليه صاحبُنا أحمدُ بنُ حنبلٍ. ورويَ عنه ما يدلُّ على استبْعادهِ لِلإحماع فقالَ: مَنِ ادَّعى الإجماعَ فهوَ كذابٌ، لعلَّ النَّاس قَدِ اختلفُوا، هذِهِ دعوى بشْر المَريسِي والأصمِّ، ولكن يقولُ: لا نعلمُ النَاسَ اختلفُوا، أَو لم يبلغني أَنًّ الناسَ اختلفُوا. وقَالَ أَيضاً: كيفَ يجوزُ للرَّجلِ أنْ يقولَ: أَجْمَعُوا؟ إذا سمعتَهم يقولونَ: أَجْمعوا، فانهَهُمْ، لو قالَ: إني لم أعلمْ مخالفاً جازَ. وهذا منْهُ على طريقِ الورعَ، أو أنَّ الغالبَ أنَهُ لا يحيط علماً. بمقالةِ المُجْتهدينَ في الأَقطارِ معَ تباعُدِها وكثرةِ المجتهدينَ، وكيفية قولهم في الحادثةِ، وعدمُ الثقةِ ببقاءِ المفتي على فتواهُ، معَ تجويزِ أنْ يكونَ رجعَ فيما أفتى به أوَّلاً، فهذا وأمثاله أوجبَ استبعادَهُ لإطلاقِ الاجماع، وإنما تأوَّلنا هذه الرواية؛ لأَنَّه (٣) قد حُقِّقَ الإحماعُ في عدَّةِ مواضعَ، وبهذا قالَ أكثرُ

стр. 2180

الفقهاءِ والمتكلمينَ قالتِ الإماميةُ: ليس بحجَّةٍ، لكن فيه حجةٌ وهو الإمامُ المعصومُ، وإن خُولِفَ لم يُعتدَّ بخلافِ مَنْ خالفه. وقالَ إبراهيمُ النَّظَّام (١): ليس بحجةٍ، ويجوزُ اجتماعُ الأمَّةِ على الخطأ، ولا معصوم بعد موتِ النبي ﷺ . فصلٌ في أدلَّتِنا السَّمعية فمنها: قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والسَّبيلُ هاهنا هو الطرَّيقُ، ولا طريقَ يحصلُ الوعيدُ على سلوك غيره إلاَّ ما أَوْجَبَة اجتهادهم، إذْ كانَ ما أوجَبَهُ نصُّ القرآنِ، أو تواتُر السُّنَّةِ، فذاكَ سبيل اللهِ ورسولِهِ، أخصَّ به من الإضافة إليهم. والمؤمنونَ هاهنا هُمُ العلماءُ، إذ قَدْ أَجْمَعْنا على أنَّ العوامَ والجهَّال لا سبيلَ لهم يُتَّبَعُ، فلم يبقَ إلاَّ العلماءُ، وقد تواعدَ على اتِّباع غيرِ سبيلهم، فثبتَ أنَّ سبيلَهم حقٌّ متَّبعٌ ودليلٌ مرشدٌ، والمخالفُ له مستحقٌّ للعقابِ بالوعيدِ المنصوصِ في الآيةِ، إذْ ليسَ بينَ سبيلِهمْ وبَيْنَ سبيلِ غيْرِهم قسمٌ ثالثٌ، فتعيَّنَ اتباعُ سبيلِهم حيثُ حصلَ الوعيدُ على اتباع غيرِ سبيلِهِمْ.

стр. 2181

ومنها: قولهُ تَعالى؛ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: عدولاً بدليلِ قولِهِ سبحانه: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ [القلم: ٢٨]، وقال الشَّاعرُ: همُ وَسَطٌ ترضى الأنَامُ بحكمِهمْ .... إذا نَزَلَتْ إحدى الليالي بمُعظِمِ (١) فوجهُ الدلالةِ أَنهُ عَدَّلَهُمْ، وجعلَهُمْ حجَّةً على النَّاسِ في قبولِ أقوالِهم، كما جَعَلَ الرَّسولَ ﷺ حجَّةً علينا في قبولِ قولِهِ علينا. ومنها: جهةُ السُّنَّةِ: ما رويَ عنِ النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: "أُمَّتي لا تجتمع على ضلالة"، ورويَ: "لا تجتمعُ أمتي على ضلالةٍ" (٢) وروي: "على الخطأ"، ورويَ عنْهُ ﷺ : "لم يكنِ الله ليجمعَ هذه الأمة على الخطأ" (٣)، وروي عنه في:"ما رآه المسلمون حسناً فهوَ عندَ اللهِ حسنٌ، وما رآهُ السلمونَ قبيحاً فهوَ عندَ اللهِ قبيحٌ" (٤)، وقالَ ﷺ : "مَنْ فارقَ الجماعةَ

стр. 2182

قِيدَ شبرٍ، فقدْ خلعَ رِبْقةَ الإسلامِ منْ عنقِهِ" (١)، ورويَ أَنَّه نهى عنِ الشُّذوذِ، وقالَ: "مَنْ شَذَّ شَذَّ في النارِ" (٢)، وقالَ ﷺ : "عليكمْ بالسوادِ الأعظمِ" (٣). وروفيَ عنهُ ﷺ : "عليكمْ بالجماعةِ فإنَّ الذِّئب يطلبُ -ورويَ: يأكلُ- شاردة الغنمِ"، ورويَ: "يأكلُ القاصيةَ من الغنمِ" (٤)، ورويَ: "عليكم بسُنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ منْ بعديِ" (٥). فهذهِ أخبار وردتْ منْ طرقٍ كثرة كلُّها دالٌّ على وجوبِ اتِّباع العلماءِ إذا أَجْمعوا على حكمٍ منَ الأحكامِ. فصلٌ يجمع الأسئلة لهم على أدلَّتنا فمنها: ما وَجَّهُوْهُ على الآية الأُولى. قالوا: نحنُ نقولُ: بأَنَّ الوعيدَ لاحقٌ بِمَنْ شاقَقَ الرَّسولَ، ويتبعُ غيرَ سبيلِ مَنِ اتَّبَعَهُ، فالوعيدُ لَحِقَ بهما، فلا يعلمُ أنَّهُ يلحقُ. ممَنْ أفردَ اتباعَ غيرِ

стр. 2183

سبيلِ المؤمن عن مشاقَّةِ الرَّسول. ومنها: أَنَّهُ يحتملُ الوعيدُ أَد يكونَ عادَ الي مشاقَّةِ الرَّسو واتباع غيرِ سبيلِ المؤمنينَ في موافقتِهِ وترك مشاقَّتِهِ، هذا هوَ الظاهر كما إذا قالَ القائل: منْ يشاققِ الأميرَ أوِ الملكَ ويتبعْ غيرَ سبيلِ جندِهِ (١)، فعليهِ كذا، يرجعُ إِلى أَنَّ الوعيدَ لحقَ. بمشاقتِهِ وعدمِ الدُّخول فيما دخلَ فيهِ أهل طاعتِهِ، فيعودُ الكلُّ إِليهِ. والدليلُ عليهِ: أَنَّ مُشاقَّةَ الرَّسولِ على انفرادِها -ولوْ لم نكُنْ نؤمِنُ- يلحق الوعيدُ بها، فدلَّ على أَنَّ الوعيدَ رجعَ إليها خاصَّةً، وذُكِرَت مشاقَّةُ الؤمنينَ تبعاً. ومنها: أَنْ قالوا: لا حجَّةَ في الآيةِ لإثباتِ الإحماع حجَّة، لأنه شَرَطَ في الآيةِ لِلُحوقِ الوعيدِ: ﴿مِنْ بعدِ ما تبيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ [النساء: ١١٥]، والهُدى لا يتبيَّن إلاّ بدليلٍ، وفي الدليلِ حجةٌ كافيةٌ لوجوبِ الاتباع ولحوقِ الوعيدِ بالعدولِ عنهُ وتركِ الاتباع لَهُ، وإنما كانَ الوعيدُ حجَّةً لترك الإجماع إذ لَوْ لَمْ يَبِن الهُدى إلاَّ بالإجماع، فأمَّا إذا كانَ بيانُ الهُدى بغيرِ الإجماع، فلم يَبْقَ للإجماع عمل في الدلالة والحجة. ومنها: أنَّ قوله: ﴿ويَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ﴾ [النساء: ١١٥] يرجعُ إلى ما كانوا بهِ مؤمنينَ، والذي كانوا بهِ مؤمنينَ إِنَّماَ هوَ الاعتقادُ وكلمةُ الإسلامِ، ونحنُ قائلونَ بلحوقِ الوعيدِ الَذي تضمَّنَتْهُ الآيةُ. ممَنْ عَدَلَ عَنِ

стр. 2184

اتِّباع السَّبيل الذي كانوا بِهِ مؤمنينَ، وهوَ الإيمانُ. يدلُّ على ذلكَ: أَنَّهُ لَوْ قالَ: مَنْ لم يتبعْ سبيلَ أهلِ العدالةِ أوِ الخيرِ، ولَّيْنَاهُ ما تَوَلَّى، رجعَ إلى سبيلهِم في الخيرِ والعدالةِ، كذلكَ يجب رجوع الاتباع هاهُنا فيما كانوا بِهِ مؤمنينَ، لا بما آمنوا بِهِ مِنَ الفروع. ومِنْها: أَنْ قالوا: المؤمنون (١) لا معرفةَ لنا بأعيانِهم، ولا بالاعتقاداتِ التي يكونون (٢) بها ولأجلها مؤمنينَ، فلمْ يبقَ أَنْ تكونَ الحَوَالة إلاَّ على مشاقَّةِ الرَّسولِ الذي وَضَحَتْ دلالتُهُ، وبانَ برهانُهُ بالمعجزاتِ الباهرةِ. ومنها: أَنْ قالوا: إنَّ الله تعالى إنَّما أَلْحقَ الوعيدَ. بمتبع غيرِ سبيلِ المؤمنينَ، وغيرُ المؤمنينَ هُمُ الكفَّار، فكأَنَّه قالَ: مَنْ يُشاققِ الرَّسولَ ويكفُرْ، نولِّهِ ما تَوَلَّى، وليسَ فِى الآية سوى هذا نطقاً، ونحنُ قائلونَ به. ومنها: أَنَّ الوعيدَ إِنَّما أضافَهُ إلى مَنِ اتَبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ كلِّهم، وذلكَ يَعُمُّ كل مؤمنٍ إلى يومِ القيامةِ، وذلكَ لا يتحققُ حجَّةً في عصرٍ منَ الأَعصارِ، فلم تتحقَّق مِنَ الآيةِ دلالةٌ. ومنها: أَنَّة لَوْ كانَ المرادُ بالوعيدِ مخالفةَ كلِّ مَنْ هوَ مؤمنٌ حقيقةً، لعَمَّ العالِمَ والعاميَّ، فلما لَمْ يعمَّ عُلِمَ أَنَّه لم يَعُدِ الوعيدُ إلى الإجماع الذي ذهبتَ إليهِ، إذْ ليس بعضُ المؤمنينَ بحكمِ لفظِ الآيةِ أَوْلى مِنْ بعضٍ.

стр. 2185

ومنها: قولهم: إنَّ الآيةَ لا حجَّةَ علينا بها؛ لأَنَّها دليل خطابٍ، لأَنّه إنَّما واعدَ على اتباع سبيلِ غيرِ المؤمنينَ، فاستدلَلْتُمْ بِهِ على وجوبِ اتِّباع المؤمنينَ، ولا يجوزُ التعلُّقُ بدليلِ الخطابِ في مثلِ هذا الأصلِ العظيمِ، وليسَ بحجةٍ عنْدَنا. ومنها: قولُهم: إنَّ سبيلَ المؤمنينَ في الحوادثِ الاجتهادُ (١) دونَ التقليدِ، وما مِنْ علماءِ العصرِ أحدٌ صارَ إلى قول غيرِهِ، بلِ اجتهدَ فصارَ منها إلى ما أَدَّاهُ اجتهادُه إليهِ، وهذا يعطي الحجةَ مِنَ الآيةِ عليكم لا لكم. والذي يشهدُ لهذا أَنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ لمَّا قيلَ لَهُ: وسنة الشيخينِ، نَزَعَ يَدَهُ وقال: بل أجتهد رأيي (٢)، كلُّ ذلك نفوراً من التقليد الذي لا يحلّ لمجتهدٍ سلوكه. ومنها: سؤالُ الشيعة: إننا قائلون بالآية، فإنَّ مِنْ جملةِ المؤمنينَ الأئمَّة المعصومينِ، وهم الحجَّةُ (٣). ومنها: ما وجَّهوهُ على الآيةِ الأخرى: أَنَّ شهادةَ القرآنِ لهم بأَنهم عدولٌ، لا تُوجبُ أَنْ يكونَ قولُهم حجةً معصومةً، كما لا توجبُ كونَهم معصومينَ مِنَ الصَّغائرِ. ومنها: أَنَّ المرادَ بهِ شهادتُهم يومَ القيامةِ، لأَنَّ الرَّسولَ إنَّما يكونُ

стр. 2186

شْهيداً على الأمةِ يومَ القيامة، فلا يعطي هذا كونَ اتباعهِم واجباً، ولا قولَهم في الدنيا حجَّةً. ومنها: ما وجَّهوهُ على الأَخبارِ مِنَ الأسئلةِ: أَنَّ هذه أخبارُ آحادٍ لا يثبتُ بمثلِها إجماعٌ، كما لا يثبتُ بها بعثة نبي، ولا تثبتُ بها هذهِ الأصولُ. ومنها: أَنَّها مختلفةُ الأَلفاظِ. ومنها: أَنَّ معنى قولِهِ: "أُمتي لا تجتمعُ على ضلالةٍ" يعني: على كفرٍ، كما اجتمعت النَّصارى على عبادةِ عيسى، واجتمعتْ بنو إٍ سرائيلَ على عبادةِ العجلِ، بل خصَّ الله هذهِ الأمةَ بأنَّ فيها طائفةً مُحِقة، كما قالَ: "واحدةٌ ناجيةٌ من نيِّفٍ وسبعينَ فرقةً" (١). فصلٌ في الأَجوبةِ عَنِ الأسئلةِ على أدلَّتنا السَّمعيةِ أَمَّا الأوَّلُ: فحملُهم الوعيدَ على مشاقَّةِ الرَّسولِ خاصةً فغيرُ صحيح؛ لأنَّ الذَّمَّ والوعيدَ إذا عُلِّقا (٢) على شيئينِ اقتضى أَن يكون كلُّ واحدٍ منهما مشاركاً للآخرِ في الذمِّ إلى أنْ تقومَ دلالةُ التَّخصيصِ، كما إِذا

стр. 2187

انتظَم لفظُ العمومِ أشخاصاً، شَمِلَهم حكمُ العمومِ ما لم تخرِجْ دلالةُ التخصيصِ أحد الأشخاصِ، وكذلكَ إذا انتظَمَ الأمرُ أفعالاً استدْعَاها الآمرُ وجَمَعَ بَينها في استدعائِهِ، كأنتْ على حكمِ الآمرِ إيجاباً أو نَدْباً، إلاّ أَنْ تقومَ دلالةُ تخصيصِ أحدِ المستدعَياتِ مِنَ الأفعالِ بإخراجِها عن مُقْتَضَى إطلاقِ الأمرِ، ولهذا لمَّا قالَ سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] كانَ الوعيدُ لاحقاً بالجميع وبكلِّ واحدٍ من ذلكَ على الانفرادِ. وأمَّا قولُهم: يحتملُ أنْ يكونَ اتباع غيرِ سبيلِ المؤمنينَ الي مشاقَّةِ الرَّسولِ، فسبيلُ المؤمنينَ معَ النبيِّ الموافقةُ، وغيرُ سبيلِهم المشاقةُ لَهُ في تركِ اتِّباعِهِ، فليسَ بصحيح؛ لأَنَّ الظَّاهرَ أَنَّ الثانيَ غير الأوَّلِ، فحملُهُ على الأوَّلِ يُسقِطُ فائدةَ ذِكرِهِ للثاني؛ إذْ كان قولُكم: الكلُّ راجع إلى مشاقَّةِ الرَّسولِ، على أنَّ هذا تخصيصٌ بغيرِ دليل. وأمَّا قولُهمْ إنَّه شَرَطَ في لحوقِ الوعيدِ أَنْ يكونَ منْ بعدِ ما تبيَّنَ لَهُ الهُدى، والهُدى لا يتبيَّنُ إلأ بدليل، وذلكَ حجةٌ كافيةٌ قبلَ الاجماع، وحاصلَةٌ مِنْ غيرِ إجماع، فغيرُ لازمٍ؛ لأَنَّ تبيُّنَ الهُدى بدليلٍ بعدَ الوعيدِ (١) [يرجع] إلى تركِ الحكمِ الثَّابتِ بذلكَ الدليلِ، فلا يكونُ لعَودِهِ إلى اتِّباع غيرِ سبيلِ المؤمنينَ وإلى تركِ سبيلِ المؤمنينَ معنى؛ لأنَّ مَنْ تَرَكَ حكمَ

стр. 2188

الدليل لحِقَهُ الوعيدُ، سواءٌ كانَ سبيلاً لأحدٍ أو لم يكنْ، ولأَنَّه إنَّما شرط تبيُّن (١) الهُدى مشاقَّةِ اْلرّسولِ، ومشاقَّةُ الرَّسولِ لا تكونُ مُستَحَقًّا عليها الوعيدُ إلاَّ بعدَما تبيَّنَ بالدليلِ أَنَّه رسولٌ، وأَمَّا في تركِ سبيلِ المؤمنينَ واتباع سبيلِ غيرِهِم، فقدْ أطلقَ الوعيدُ، فوجَبَ أَنْ يتعلَّقَ الوعيدُ بمخالفتِهم بكلِّ حالٍ. وأمَّا قولهم: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] يرجعُ إلى ما كانوا بِهِ مؤمنينَ -وهوَ الإيمان-، فتخصيصٌ (٢) لعمومِ الاتباع بغيرِ دليلٍ، واللَّفظُ يعمُّ كلَّ سبيلٍ مِنْ مذهبٍ ودينٍ، أَلاَ تَرَى أَنه إذا قالَ: اتبعْ سبيلَ المؤمنينَ، عمَّ الأمرُ باتِّباعهم جميعَ ما ذهبوا إليهِ مِنَ السُّبلِ، وكذلكَ إذا قالَ: اتبعْ سبيلَ العلماءِ، رجعَ إلى ما كانوا بِهِ علماءَ وما لَمْ يكونوا بِهِ علماءَ؛ ولأنَّ السَّبيلَ الذيْ كانوا بهِ مؤمنينَ، قدِ استُفِيْدَ تحريمُ تركِهِ والوعيدُ عليْهِ مِمَّا استفيدَ مِنْ مشاقَّةِ الرًّسولِ؛ لأَنها بنفسِها كفرٌ. وأمَّا قولُهم: فالمؤمنونَ لا معرفةَ لنا بأعيانِهمْ، فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الإيمانَ وإنْ كانَ عَنَّا غائباً إلاَّ أَنَّ له شواهدَ علَّقَ الشَّرعُ عليها أحكامَ الإِيمانِ، بشواهدِ الأَقوالِ والأفعالِ التي عليها بنينا حكمَ العِتقِ في كفَّارةِ القتلِ والظِّهارِ، وعليها ينبني الحكمُ بتَبَعيَّةِ الأَولادِ في الإيمانِ، وغيرِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ، ولم نُكَلَّفِ العلمَ بالباطنِ إِلاَّ بهذا الطريقِ.

стр. 2189

وأما قولُهم: إنَّما أُلحِقَ الوعيدُ. بما تضمَّنهُ النّطقُ: وهو اتباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ وهمُ الكفارُ، فكأنَّهُ قالَ: [مَن] يشاققِ الرَّسولَ (١ ويكفُرْ نُوَلِّه١) ما تَوى ونُصْلِه جهنمَ، فغيرُ صحيح؛ لأنهُ لو أرادَ ذلكَ فقطْ منْ غيرِ إيجابِ اتِّباع سبيلِ المؤمنينَ، لقَنِعَ بذكرِ مشاقةِ الرَّسولِ، ففيها الكفر، والوعيدُ يكفي في ذلكَ، فلمَّا عطفَ اتباعَ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ على مشاقَّةِ الرَّسولِ، عُلِمَ أنَّه أمرٌ يستحقُّ الوعيدَ عليه (٢). وأمَّا قولُهم: إنه أضافَ الوعيدَ إلى مَنِ اتَّبعَ غيرَ سبيلٍ المؤمنينَ كلِّهم، وذلك يعمُّ كلَّ مؤمنٍ إلى يومِ القيامةِ، وذلك لا يتحققُ في عصرٍ من الأَعصارِ، فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الوعيدَ إنَّما لحق. بمخالفةِ ما يمكنُ مخالفَتُهُ، واتباع سبيلِ المؤمنينَ الذين لم (٣ يُخلَقُوا غير ممكن، وخلافهم أيضاً غير ممكنٍ لأنه لا يُعلم، فتسمية ... غير المخلوق مؤمناً لا تصحُّ ٣)، وإنْ سُمِّيَ كانَ مجازاً، فلا يتحققُ الإيمانُ إلاً في أهلِ العصرِ وهم بعضُ المؤمنينَ، فأمَّا جميعُهم فلا يدخلُ اتباعُهم تحتَ الإِمكانِ. وأما قولُهم: إنَّهُ عادَ الوعيدُ إلى اتِّباع سبيل كلِّ المؤمنينَ، وذلكَ يدخلُ فيهِ العوامُّ معَ العلماءِ، فغيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الآيةَ تقتضي أَنْ يكونَ المؤمنونَ مقسَّمينِ قسمينِ: قِسْماً تابعاً، وقسماً متبوعاً. ولو دخلَ العوامُّ

стр. 2190

معَ العلماءِ لمْ يبقَ تابعٌ ولمْ يتحقَّقْ لنا متبوعٌ أَيْضاً؛ لأنَّ التبوعَ مَنْ لَهُ تابعٌ، لأَنهُ مِن بابِ المتضايفاتِ فلا بدَّ للمتبوع مِن تابعٍ، فإذا كانَ العامِّيُّ والعالمُ متبوعَينِ فأين التَّابعُ؟ وإذا لم يكن تابعٌ فأينَ (١) حقيقَةُ المتبوع؟! وأمَّا قولُهم: إنَّ هذا استدلالٌ بدليلِ الخطابِ وليسَ بحجَّةٍ عندَنا، ولا يثبتُ بِهِ مثلُ هذا الأصلِ، فليسَ بدليلِ خطابٍ، بلِ استدلالُنا منه تحريمُ تركِ سبيلِ المؤمنينَ بإلحاقِ الوعيدِ بتركِهِ، وعندَكم لا يحرمُ أتباعُ غيرِ سبيلِهمْ، بلْ يجوزُ أَنْ يتَّبعَ ما دلَّ عليهِ اجتهادُ المجتهدِ وإنْ خالفَ سبيلَهم، ولأَنه لمَّا ذَمَّ وتواعدَ التبِعَ غيرَ سبيلِهم، لم يبقَ ما يُتبَعُ ويجبُ اتباعُهُ إلا سبيلُهم، إذْ لا سبيلَ ثالث؛ لأَنَّه لا يتحقَّقُ سبيلٌ لا هُوَ سبيلُهم ولا غيرُ سبيلِهِم. وأمَّا قولُ الإِماميةِ: إنًا قائلونَ بالآيةِ إذا كانَ فيهم الإمامُ، فليسَ بصحيحٍ؛ لأَنَّ الآيةَ تقتضي لحوقَ الوعيدِ بِمَنْ خالفَ جماعةَ المؤمنينَ، وعندَهم إذا خالفَ الكلَّ لحِقهُ الوعيدُ بمخالفةِ الإمامِ وحدَهُ، ولوْ كانَ القصدُ الإمامَ وحدَهُ لَمَا كانَ لذِكْرِ المؤمنينَ معنًى، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لمَّا. كانَ لذكرِ المؤمنينَ معنًى عَطَفَهم على الرَّسولِ في إلحاقِ الوعيدِ. بمشاقتِهِ، ولم يقْنعْ بذكر الرَّسولِ وحدَهُ، ولا بذكْرِ المؤمنينَ على حِدَتِهم، لعِلمِهِ سبحانَهُ بأَنهُ ستحدثُ حوادثُ بعدَه يحكمُ فيها المؤمنونَ، فإذا أَجْمعوا كانَ إجماعُهم بعدَهُ في إلحاقِ الوعيدِ بِمَنْ خالَفَهُ كحكمِهِ ﷺ حالَ حياتِهِ،

стр. 2191

وإلحاق الوعيد. بمشاقَّتِهِ، فلو كانَ الإمامُ هو المعمولَ بقولِهِ خاصَّةً، لما أُغفِلَ ذكرُهُ، فلمَّا دخلَ في عمومِ المؤمنينَ دلَّ على أَنَّ حكمَهُ حكمُ واحدٍ منهم، إذْ يبعد أَنْ يغْفِلَ المتبوعَ ويكرَ الأَتباعَ، أَلاَ تَراهُ كيفَ قَدَّمَ ذكرَ الرَّسولِ ﵊، فلو كانَ الإمامُ هو المعتبرَ، لَذَكَرَهُ مُمَيَّزاً ومخصوصاً، لا في جملةِ أَتباعِهِ، كَمَا لم يَقنَعْ (١) بذكرِ النّبيِّ في جملةِ عمومِ المؤمنينَ. وأمَّا قولُهم: إنَّ سبيلَ المؤمنينَ -وهم الفقهاءُ- إنَّما هوَ الاجتهادُ في الحوادثِ إِذا عَرَضَتْ، فأَمَّا التقليدُ فلا، وإذا كانَ كذلكَ كانتِ الآيةُ حجَّةً لنا، حيثُ أوجبْنا الاجتهادَ في الحادثةِ التي اتفقوا على حكمِها والقولَ بما يؤدِّي الاجتهادُ إليه، وإنْ خالف ما اتفقوا عليه، ليتحقّقَ الاتباعُ الواجبُ بالآيةِ، وأَمَّا المصيرُ إلى قولِهم معَ كونِ اجتهادِ المجتهدِ يؤدي إلى حكمٍ يخالف ما ذهبوا إليه، فليْسَ باتِّباعٍ لهم، إذْ ليسَ ذلكَ طريقَ بعضِهم معَ بعضٍ، ولا طريقَ كلِّ واحدٍ منهم. فهذا من أجودِ ما وردَ فيهِ نظرٌ، إذ (٢) لم أجدْ ما أرتضي سطرَه منَ الجوابِ. والذي توجَّه لي أنَّ الصَّحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- حيثُ تحرَّجوا البيعةَ على عليٍّ قبلَ عثمانَ، قالوا لَهُ: نبايعك على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِهِ وسيرةِ الشَّيخينِ، فقالَ: بلْ أجتهدُ رأيي (٣). فوجْهُ الدلالةِ أنَّه عَقَلَ

стр. 2192

منَ الاتباع الاقتدَاءَ بهما، والصَّحابةُ، حين (١) قالَ: بلْ أجتهدُ رأيي، لم يقلْ أحدٌ منهم: فهذا هوَ سيرتُهما، بلْ عَدَلُوا عنْهُ إلى عثمانَ، فدلَّ على أَنَّ الاجتهادَ برأيه لم يكن هُوَ الذي دَعَوْهُ إليهِ من سيرةِ الشَّيخينِ، ولي في السّؤالِ نظرٌ. وأَمَّا سؤالُهم على الآيةِ الأُخرى وأَنَّ شهادتَهُ لهمْ بالعدالةِ لا توجبُ اتباعَهم، ولا أَنَّ قولَهم (٢ حجةٌ معصومةٌ، لا يجوز عليه الخطأ، كما لا يوجب أنه لا يجوز ٢) عليهمُ الصَّغائرُ منَ الذنوبِ، فغيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ العدالةَ توجبُ الرجوعَ إلى قولِهم ونفيَ الارتيابِ فيما أَخبروا بِهِ، كما جعلَ الرَّسول ﷺ ، وإنْ لَمْ يوجِبْ ذلكَ نفيَ الصَّغائرِ عنْهُ. وأمَّا قولُهم: هذا يرجعُ إلى شهادتِهم يومَ القيامةِ، فغيرُ صحيحِ؛ لأَنَّ (٣) الله سبحانَهُ جعلَ الرَّسولَ شهيداً علينا، وجعلَنا شهداءَ على النَّاسِ، فالشَّهادتانِ عامَّتانِ، فلا وجهَ لتخصيص أحدِهما بغيرِ دليلٍ، والآية التي تختصّ بالقِيامةِ (٤) قولُهُ تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فأمَّا هذهِ فلا ذكرَ للآخرةِ فيها إلاً مِنْ طريقِ العمومِ، وعمومُها يَشمَلُ الدنيا والآخرةَ في حقِّنا، كما

стр. 2193

شَمِل في حقِّ النبيِّ ﷺ . وأمَّا ما وجَّهوهُ من الأسئلةِ على الأخبارِ، وقولهم: إنْها أخبارُ آحادٍ توجبُ الظنَّ، وإنَّ كلامَنا في أصلٍ يقتضي القطعَ، فليسَ بصحيح؛ لأَنَّ هذه الأخبارَ مُتلقّاةٌ بالقَبولِ، ومعَ كثرتِها وسلامة طرقها لا يجوزُ أَنْ تكونَ كذباً، أو هي تواترٌ منْ طريقِ المعني، فهيَ كشجاعةِ علي، وسخاءِ حاتمٍ (١)، وفصاحةِ قُس (٢)، وفَهَاهَة باقِلِ (٣)، وبُخْلِ مادِرٍ (٤)، فإنَّ ما ورد في حقِّهم من أخبار صارَ بكثرتِهِ تواتراً في الجملةِ، وإنْ كانَ آحاداً في التفصيلِ.

стр. 2194

ولأَنَّ هذا الأصلَ ليس يتخصَّصُ بأدلةِ القطع، بلْ يُستدلُّ فيهِ بظاهرِ الآى وأخبار الآحاد وإلاستدلالات الظَّنِّيَّة، ولهذا لم نبدع المخالفَ فيه، ولم نفسِّقْهُ، بخلافِ أصولِ الدِّينِ. وأمَّا قولُهم: قدِ اختلفتْ ألفاظُها، فهيَ وإنِ اختلفَتْ إلاَّ أَنَّ المعنى واحدٌ، وهو عِصْمةُ الأُمَّةِ وتبعيدُ الخطأِ عنهم، وإيجابُ اتِّباعِهم، وذمُّ المنفردِ الشَّاذِّ عن الحكمِ الذي اتًفقوا عليهِ. وأمَّا ما أفردُوهُ منَ السُؤالِ على قولِهِ: "لا تجتمعُ أمَّتي على ضلالة" (١)، وأَنهُ أرادَ بِهِ في الاعتقادِ، كما اجتمعتِ النَّصارى، بلْ في الأُصولِ، (٢ فلا يَخْلُو زمانٌ ٢) من طائفةٍ قائمةٍ بالحقِّ، مبطلة بالحجج شُبَه (٣) أهلِ الزيغ والبدع والضلالِ، كما وردَ في السنَنِ والآثارِ، كما قالَ: "لا تزالُ طائفةٌ منْ أُمتي قائمةً بالحقِّ لا يضرُّهم مُناوَأةُ مَنْ ناوَأَهُم" (٤)، فهذا تأويلٌ يعطي تخصيصَ الحديثِ، والنبيُّ ﷺ نفى عَنْهم الاجتماعَ على الباطلِ أُصولاً وفروعاً، ونفيُهُ الخطأَ والضَّلالَةَ يدلُّ على نفى ذلكَ أصلاً وفَرْعًا، فأفْرَدَ للأُصولِ نفيَ الضَّلالِ، وللفروع نفيَ الخطأِ،

стр. 2195

وورودُ الأَخبارِ التي رَوَوْها في الطائفةِ القائمةِ بالحقِّ، وورودُ الآحادِ لا يختصُّ الأُصولَ أيضاً، بلْ قيامهم بالحقِّ في الفرع والأصلِ جميعاً، ولا يضرُّهم مناوأة مَنْ خرج عن مقالتِهم، وشذَّ عنِ اجتماعِهم حيث لا يعتدُّ بقولِهِ، ولا يُبْنَى على فُتياه. فصلٌ في الدلالةِ على مذهبنا منْ غيرِ السمع أَن الله سبحانَهُ لمْ يُخلِ شريعةً مِن الشَّرائع مِنْ معصومٍ، فإذا مَضَى معصومٌ بَعَثَ نبياًّ معصوماً يُحيى ما أَمَاتَ المبطلونَ مِنْ شريعتِهِ، ويجدِّدُ أحكاما بحسْبِ العصرِ الآخرِ ومصلحةِ أهلِهِ، وأَنَّ الله سبحانَهُ لمَّا جعلَ نبينا خاتمَ الأَنبياء لم تخلُ أمتُهُ بعدَهُ مِن معصومٍ ترجعُ إليْهِ، يُؤمَنُ عليهِ الخطأ، فجعلَ اللَّه سبحانَهُ إجماعَ علماء الأُمَّةِ على الحكمِ حجة معصومةً مأموناً عليها مِنَ الخطأِ، هى خَلَفُ النبيِّ لمعصومِ، وقدْ أَشارَ النبيُّ ﷺ إلى ذلكَ حيثُ قالَ: "العلماءُ وَرَثَةُ الأَنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُخلِّفوا ديناراً ولا درهماً، وإنما خلفوا العلمَ " (١).

стр. 2196

فصلٌ فيما وجَّهوُه مِنَ الاعتراضِ عليهِ فمنها: أَنَّهُم قالوا: نحنُ قائلونَ بِهِ، وإنَّ كتابَ اللهِ باقٍ معصومٌ من التبديلِ والتًغْييرِ، فعصمته (١) التي فارق بها سائرَ الكتبِ أَغْنَتْ عَنِ المجتهدينَ وإِجماعِهم، وقد أَشارَ النبيُّ ﷺ إلى ذلِكَ بقولِهِ: "إنِّي مُخلِّفٌ فيكمُ الثَّقلينِ: كتابَ اللهِ وسنَّتي" (٢). ومنها: أَنْ قالوا: قدْ أَجْمَعْنَا على أَنَّ طلبَ العصمةِ في الحوادثِ بعدَ النبيِّ ﷺ ونصبَ جهةٍ معصومةٍ، يُزيلُ رخصةً عظيمةً، وفسحةً نافعةً، وهيَ ما أَشارَ النبيُّ- ﷺ [إليه] بقولِهِ: "أصحابي كالنّجومِ، بأيِّهِمُ اقتديْتُمُ اهتديْتُم" (٣)، وقولِهِ: "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فلَهُ أجرانِ، وإذا اجتهدَ فأخطأَ فلَهُ أجرٌ" (٤)، وهذا توسعةٌ ورخصةٌ لَهُمْ لم تكنْ في زمنِهِ ﷺ ولا كانتْ لَهُ، فلا يجوزُ أَنْ نحرصَ على أَنْ نزيلَها بأنْ نجعلَ للنبيِّ ﷺ خلفًا يمنعُها، كما يمنَعُها كونُه ﷺ .

стр. 2197

ومنها قولُ الإِماميةِ: نحنُ قائلونَ. بمُقْتَضَى الدَّليلِ بإثباتِ الإِمامِ المعصومِ، المغني إثباتُهُ عَنِ إجتهادِ المجتهدينَ، وهو الأَشْبهُ؛ لأنهُ واحدٌ [قامَ] مقام واحدٍ، وقدْ نصَّ على ذلكَ بقولِهِ: "إني مخلِّفٌ فيكم الثقلين: كتابَ اللهِ وعِتْرَتى، أهلَ بيتي" (١)، والمرادُ: الأَئمةُ. فصلٌ في الأَجوبةِ عنِ الأسئلةِ أمَّا قولُهم: كتابُ اللهِ كافٍ وهوَ معصومٌ مِنَ التبديلِ، فليس في كتابِ اللهِ ما يعطي أحكامَ الحوادثِ كلها، بدليلِ أَنهُ قد تَجَدَّدَ ما لم يوجد في كتابِ اللهِ لَهُ حكمٌ كالخُنَاثى والمُعتَقِ بعضُه، والحملِ في باب ارْث (٢) الجَدَّةِ وميراثِ الإخوةِ معَ الجدِّ، وعددِ جلدِ الشَّاربِ، وتوريثِ الغرقى والهدمى بعضِهم مِن بعض وأمَّا الاجتهادُ فإِنهُ باقٍ أبداً؛ لأنَّ القرائحَ باقية ببقاءِ أربابِها، ومتجددة بتجدُّدِ أهلِها. وأمَّا قولُهم: إنَّ النبيَّ ﷺ ذكرَ أَنَّهُ مخلِّف الثَّقلينِ، فقد أدخلَ في جملةِ سنتِهِ ما أَشَرْنا إليهِ مِنَ الإحماع فقالَ: "عليكمْ بسُنتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بعدِي" (٣)، وسنَّةُ الخُلفاءِ هيَ الإحماعُ.

стр. 2198

وأمَّا قولُهم: إنَّ طلبَ العصمةِ يزيلُ رخصةَ الاجتهادِ، فلا فائدةَ في طلبِ معصومٍ بعدَهُ ﷺ ينقطعُ مَعَهُ الاجتهادُ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يمنعْ وجودُه الاجتهادَ، بلْ أَقَرَّ على الاجتهادِ معَ وجودِهِ، بدليلِ قولِهِ لمعاذٍ: "فإنْ لم تجدْ (١)؟ " قالَ: أجتهدُ رأيي، فحمدَ الله على توفيقِهِ. ولم يوقِفِ القضايا والأحكامَ على مكاتبتِهِ وسؤالِهِ، وليسَ في إثباتِ الإجماع ما يضيّق على المكلفينَ، ولا يمنعُ اجتهادَ المجتهدينَ، لا سيَّما معَ اعتبارِنا انقراضَ العصرِ فِى حصولِ الإجماع، فإنَّهُ زمان يتعسعُ لاجتهادِ أَهلِهِ إلى حينِ انقراضِهمْ، وإنَّما نَمْنَغ الخلافَ كما مَنَعْنا اجتهادَ المخالفِ نصَّ الرَّسولِ، ولم نَمْنَعْ مِنَ الاجتهادِ فيما لم يوجدْ فيه نصٌّ مِنَ الرَّسولِ. وأمَّا قولُ الشِّيعةِ: إنَنا قائلونَ بذلكَ بإثباتِ الإمامِ المعصومِ، فأَغْنانا إثباتهُ عَنِ الإجماع؛ فإِنهُ إثباتُ معصومٍ لم تقمِ الدَّلالةُ على عصمتِهِ، والإجماعُ قدْ قامتِ الدّلالةُ [عليه] بما ذكرْنا، ولأَننا إِنَّما دَلَّلْنا على إثباتِ معصومٍ في الجملةِ على مَنْ لم يُثبتْ معصوماً من إمامٍ ولا غيرِهِ، فأمَّا الشِّيعة فإنَّ كلامَنا مَعَهم ودلالتَنا عليهم في عينِ المعصومِ، وليسَ هذا موضِعَة. فصل في جمع شُبَههم فمنها: قولُهُ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وهذا يمنعُ مِنْ أَنْ نكونَ محتاجِينَ إلى الإجماع.

стр. 2199

ومنها: قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، واقتصر على الكتابِ والسُّنةِ، وهذا يمنعُ الرَّدَّ الى الاجماع. ومنها: بما رويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لمعاذٍ لما بعثَ بِهِ إلى اليمنِ: "بمَ تحكمُ؟ " قالَ: بكتابِ اللهِ. قالَ: "فإنْ لمْ تَجد؟ " الَ: بسنَّةِ رسولِ الَلّهِ. قالَ: "فإنْ لم تجِدْ؟ " قالَ: أجتهدُ رأي، ولا آَلُو (١). ولم يذكر الإِحماعَ. ومنها: ما رويَ عَنِ النبيِّ- ﷺ أَنهُ قالَ: "لا تَرجِعُوا بعدِي كفَّاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ" (٢)، وقالَ: "لتركَبنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ القُذَّة بالقذّة" (٣)، وهذا يدلّ على جواز الضَّلالِ عليهم، وعلى سلوكِهمْ سننَ الأُممِ مِنْ قبلِهم، وإذا كانَ كذلكَ بطلَ دعوى عصمتِهم وثبوت الحجَّةِ مِنْ قولِهم. ومنها: أَنهُ شهدَ على أواخرِ هذهِ الأمةِ بأسبابِ الذمِّ فقالَ: "تُمَّ تبقى حفالةٌ، أو حثالةٌ، كحثالةِ التمرِ لا يعبأ الله بهمْ" (٤)، "ثمَّ يفشو الكذب،

стр. 2200

فيشهدُ الرجلُ قبلَ أَنْ يُستشهدَ، ويحلف قبلَ أَنْ يُستحلف" (١)، "يكون النّاس فيهِ ذئاباً" (٢)، "لا تقومُ السَّاعة إلا على شرارِ النَّاسِ" (٣)، "كيفَ بِكمْ إذا كانَ كذا، ثمَّ تَكونُ فِتَنٌ كقطع الليلِ المظلم، يصبحُ الرجلُ فيها مؤمناً ويمسي كافراً" (٤) وإلى أمثالِ ذلكَ مِنْ ذمِّ أهلِ آخرِ الزَّمانِ، وهذا ضدُّ ما تعلقتُمْ بِهِ مِنْ مدح البارئ للأمَّةِ بالعدالةِ ونفى الضَّلالةِ، وكونِهِم حجَّةً معصومةَ، فلمْ يَبْقَ إلاَّ أنْ يكونَ ذلكَ المدحُ وُالتعديل راجعاً إلى أصحابِ رسولِ اللهِ والقرون الثَّلاثةِ: الصَّحابةِ والتَّابعينَ وتابعي التابعينَ، بحكمِ الرِّوايةِ والثِّقةِ فيها، فأَمًّا الإجماعُ الذي تُشيرونَ إليهِ فَلا، وأَنْتم تجعلونَ القرنَ الأخيرَ كالأَوَّلِ في الحجَّةِ والعصمةِ في إِجماعِهم. ومنها: أَنْ قالوا: أُمة مِنَ الأممِ، فلا يكونُ إِجماعُها حجَّةً كسائرِ اللأُمَمِ. ومنها: أَنْ قالوا: لمَّا جازَ على كلِّ واحدٍ منهمُ الخطأُ والضَّلالُ، جازَ على جماعتِهم، إذْ ليس جملَتهم إلاَّ آحادَهم. ومنها: أَنَّ الأمَّةَ معَ تفرّقِها في الآفاق، وبُعدِ بعضِها عنْ بعض ما بين

стр. 2201

المغربِ والمشرقِ، تعذر تجميعُ (١) أقوالِها وتحصيلُ إجماعِها، والله سبحانَه لا يوقِفُ حكماً مِنْ أحكامِهِ على ما لا يتحصَّلُ مِنَ الأَدلةِ. ومنها: أن قالوا: ما لا يصحّ إثباتُهُ إلاَّ بالدليل، لا يُجعلُ قولُ أهلِ العصرِ حجَّةً ودليلاً لإثباتِهِ، كالتَّوحيدِ، وما يجبُ للهِ مِنَ الصِّفاتِ، ونفى ما لا يجوزُ عليه، وتجويزِ ما يجوزُ عليه. فصل يجمعُ الأجوبةَ عن شبههم فأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فهوَ كما قالَ سبحانَهُ، وليسَ في إثباتِ الاجماع ما يمنع من كونِ الكتابِ تبياناً لكلِّ شيءٍ، لأنَّ الاَيَ الذي استدْلَلْنا بِهِ على الإجماع مِنْ كتابِ الله (٢)، والاَيَ التي أثبتْنا بها القياسَ وفحوى الخطابِ وغيرَ ذلكَ مِنَ الأدلةِ؛ فما مِنْ دليلٍ إلا والقرآنُ أصلٌ لَهُ. وأما قولُهم في خبرِ معاذٍ: لم يذكرِ الإجماعَ، فلأَنَّ الإجماع لا يتحققُ شرطُهُ، فإنه لا يكونُ حجَّةً معَ وجودِ النبيِّ ﷺ ، وإنما يتحققُ بعدَ موتِهِ ﷺ [لذَلك] لم يذكُرْهُ معاذٌ، ولا انتقلَ إليه بعدَ السّنة. وأمَّا قولُهم: إنَّ النبيَّ جَوَّز على الأمةِ الضلالَ والكفرَ، فنحنُ لا نمنعُ

стр. 2202

مِنْ ذلكَ، ولا جَعْلُ الإجماع حجَّةً مانعٌ (١) مِنْ كونِ الأمَّةِ يجوزُ عليها الضَّلالُ، فيُجمعُ بين الأمريْنِ والخبرين: المِدْحة (٢) وذكرُ العدالةِ، والذمُّ على اتِّباع غيرِ طريقِهم، فالمذمُومونَ: العوامُّ، وفساق العلماءِ، وأهلُ البدع، لا يدخلونَ في أهلِ الإجماع، لأنَّ أهلَ الاجتهادِ العدولَ المتبعينَ للسُّنةِ همُ الذينَ يُعتدُّ بأقوالِهم في الاجماع، فالمدحُ عادَ إلى مَنْ كمُلتْ فيه صفات الاجتهادِ، والذمُّ عادَ إلى الفساقِ وأهلِ البدع. وكما أَنة ذَمَّ فساقَ أهلِ آخرِ الزمانِ فقدْ مدحَ خيارَهم حيثُ قال: "واشوقاه إلى إخواني"، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؛ قال: "أنتُم أَصحابي، وإخواني قومٌ يأتونَ مِنْ بعدِي" (٣)، وقال: "فهم النُّزَّاعُ من القبائل" (٤)، وقال: "فهم الهُرَّأب بدينهم من شاهقٍ إلى شاهق"، وقال: "فَهُم الذينَ يَصْلُحون إذا فَسَدَ الناس" (٥)، فما كانَ مِن الذّمِّ عادَ إلى أهلِهِ مِمَّنْ فسقَ مِنْهُم أو ابْتَدعَ، وما كانَ مِنْ مَدْحِ عادَ إلى مَنْ بَرَّ وعَدل. وأهل الإجماع إنما يكونونَ في غالِبِ الأحوالِ عدداً يسيراً، وهذا لا يضادُّ قولَه في خبرِنا:

стр. 2203

"امَّى لا تجتمِعُ على ضَلالةٍ" (١)، وهذا يعطي أنَّه قد يكونُ فيهم ضلال، فأمَّا أَنْ يُعْطيَ أنْ ليسَ فيهم هُداةٌ ولا أعلامٌ فلا. وأما قولُهِم: إنَّ هده أمَّةٌ مِن الأمَمِ فأشبَهتْ مَنْ تَقَدَّمَهُم، فيحتملُ أنْ لا نسلِّمَ، بل نقُول: إِنَّ سائرَ الامم إجماعُ عُلمائِها معصوم، وقد ذهبَ إليهِ جماعةٌ مِنَ العلماءِ مِنْهُم: أبو إِسْحاقِ الإِسْفَرايِيني مِنْ أَصْحابِ الشَّافِعِيِّ ﵄، ويحتملُ أنْ نُفَرِّقَ بينهما، بأنّ سائرَ الامم يَتَطَرَّقُ عليها النسخُ بَعْدَ نبيِّها، ويَتَجَدَّدُ نَبِيٌّ بعدَه، فلا تخلُو الأمة مِنْ معصومٍ يُزيلُ ما اختلَّ مِنَ الشّريعةِ الأولي، ويُجدِّدُ علىِ يَديهِ ما تصلُحُ به الأمَّةُ الأخرَى، وامَّتُنا هذه لا نبيَّ بعدَ نبيِّها، ولا نسخ، فلمْ يَكُ بُدٌّ مِنْ خَلَفٍ معصومٍ يحفَظُ قولَ نبيِّها، وتَجري مجرى نبيِّها فِى العِصمةِ عن الضّلالِ والخطأِ. وأما قولُهم: لمَّا جازَ الخطأ على آحادِهم جازَ على جماعتِهم، فليسَ بلازمٍ؛ لأَنَّ هذا جمعٌ بينَ ما فرَّقه الشَّرْعُ، لأَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بِاتباع الجماعةِ، ونَهى عنْ مُفارقتِها وعَن الشُّذوذِ، وذمَّ الانفرادَ، فلا يُجمعُ بينَ ما فرَّقَه الشَّرعُ. وأمَّا مِنْ طريقِ المعنى: فإِنَّ الانفرادَ يُضْعِفُ، والإجماعَ يقوِّي ويحصُلُ به التَّضافُرُ، ويتَجدَّدُ بالإحماع ما ليسَ للانفرادِ، بدليلِ أخبارِ التَّواتُرِ بالإضافةِ إلى أخْبارِ الآحادِ، وأنَّ أحَدَهُما يوجب القطعَ، والآخَرَ يوجِبُ الظنَّ، والواحدُ مِنَ الشُّهودِ لا توجِبُ شهادتُه الحقوقَ والحدودَ،

стр. 2204

وبمجموع الشهودِ يحصُلُ ثُبوتُ الأحكامِ والحدودِ. وأمَّا قولُهم: إنَّ الإجماع يتعذّرُ العلمُ بحصولِه لتفرُّقِ العلماءِ في البلادِ المتباعدةِ، فليسَ بصحيحٍ لوجوهٍ: أحدُها: أنّه لوْ كانَ هذا هو العِلَّة، لوَجَبَ إذا انحصَرُوا فكانوا في بَلَدٍ واحِدٍ، كأصحابِ النبيِّ ﷺ قبل انتشارِهم، أنْ يكونَ حجةً، فلمَّا لم يكنْ حجَّةً وإن انضبطوا، بَطَلَ التَّعلُّقُ في نفْي، الإحماع بتعذُّره (١)، لأنّه لو كانَ التَّعذُّرُ علةَ النْفي، لكانَ عدمُ التَّعذُّرِ يوجِبُ الإثباتَ. ولأَنَّ أهلَ الاجتهادِ أعلامٌ في البلادِ، وأخبارُهم سائرةٌ مشهورةٌ، ولا تكادُ تَخفى، لأَنَّ العلمَ معظَّم في النُّفوس، وبلاغ العالِمِ إلى الاجتهادِ لا يحصلُ إلاَّ في الزَّمان الطويلِ، فلا يكادُ ينطوِي ذلكَ ولا يخفى. ولأنَّنا نتكلَّمُ على حصولِهِ ونعلِّقُ الحكمَ على ثبوتِهِ، فإذا تعذَّرَ العلمُ بهِ لنوع عذرٍ، لم يخرجْ عنْ كونِهِ حجةً، كقولِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّه الحجّةُ المعصومةُ، فإذا منعَ مِنَ العلمِ بِهِ مانعٌ لم يخرجْ عنْ كونِهِ حجَّةً معصومة. وأمَّا اعتبارُهم الإجماع على الحكمِ في الحادثةِ بالتوحيدِ، فغير صحيحٍ؛ لأنَّ التوحيدَ لا يثبت عنْ أصلٍ قبلَهُ، وهذا يثبت عن أصل قبله، فهوَ كالنُّبوّةِ التي تثبتُ عنْ أصلٍ قبلَها، (٢ وهو المعجزُ الدالُّ ٢) على صحتها، فكانَ قولُ أهلِ الإجماع كقولِ النبي- ﷺ ولأنَّ التوحيدَ لا يتبعُ فيه

стр. 2205

العاميُّ العالمَ ولا يقلدُ فيهِ، وإنما يرجعُ فيهِ إلى دلالةٍ يشتركُ بها الكُلُّ وهيَ أدلةُ العقولِ، ولهذا لم يمتَزْ فيها العالمُ المجتهدُ على العاميِّ المقلِّدِ، فإذا افترقا في بابِ الآحادِ والإفرادِ، لم يجز اعتبارُ أحدِهما بالآخرِ حالَ الإجماع. مسألة: لا يختصّ الإجماعُ الذي علَّقْنا عليه العصمةَ في الحُجَّةِ بأصحابِ النبيِّ ﷺ ، بلْ إجماعُ أهلِ كلِّ عصرٍ حجَّة، وبه قالَ جماعة الفقهاءِ (١) والمتكلمينَ (٢)، وقالَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (٣): لا اعتبارَ إلا بإجماع الصحابةِ. وعن أحمدَ مِثْلُهُ، وصَرَفَ شيخُنا كلامَ أحمدَ عنْ ظاهرِهِ في الروايةِ الموافقة لداودَ بغيرِ دلالةٍ (٤). فصل في الأَدلةِ على الروايةِ الأُولي فمنها: قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، وقولُه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ

стр. 2206

جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وذلك هم الصّحابةُ وغيرُهم، فلا يخرجُ علماءُ كل عصرٍ عنِ العموم إلا بدليلٍ صالح لتخصيصِ العمومِ. ومنها: الأحاديثُ المرويَّة عنِ النبيِّ ﷺ في مسألةِ الإجماع التي احتجَجْنا بها على إبراهيمَ النطام: "أمتي لاتجتمعُ على ضلالةٍ" (١)، "عليكم بالسّواد الأعظمِ " (٢)، "إيّاكم والشّذوذَ" (٣)، "من فارقَ الجماعةَ ولو قِيدَ شبرٍ فقدْ خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنقِه" (٤)، ولا يجوزُ قَصْرُ هذا على أصحابه- ﷺ ؛ لأنّ جميعَ خطابِ القرآنِ والسّنّةِ بلاغٌ، وقد قالَ الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ومنها: أنّ العصرَ الثانيَ والثّالثَ ومَن بعدَهم يشتركون في خطابِ الآيِ والأخبارِ، وٍ كلُّ ما كانَ حجةً على الأوائلِ مِن كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولِه كانَ حجّة على مَن بَعْدَهم (٥) كذلك الإجماعُ لمّا كانَ حجَّةً على العصرِ الأول كان حجة على الثاني.

стр. 2207

ومنها: أنّ العلّة التي لأجلها كانَ إجماعُ الصحابةِ حجَّةً معصومةً، أنَّ بالأمَّةِ حاجةً إلى ذلكَ بعدَ نبيِّها ﷺ ، إذْ لا نبيَّ بعدَهُ، وهذا في الأواخرِ موجودٌ كما في الأوائلِ، بلِ الأواخرُ أحوجُ إلى حجّةٍ معصومةٍ. ومنها: أنَّ آحادَ العُلماءِ في بابِ جواز تقليدِ العامّةِ لهم، والتسويغ لاجتهادِهم في الحوادثِ، كآحادِ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم، ولم يختصَّ آحادهم بالتسويغ في الاجتهادِ وجوازِ التقليدِ، كذلكَ جماعتُهم يجبُ أنْ يُساووا جماعةَ الصحابةِ في عصمةِ (١) اتفاقهم عن الخطأِ، لئلاْ يخلوَ عصرٌ مِن حجّةٍ معصومةٍ، كما لم يخل عصرٌ مِنْ مجتهدٍ مُتبَع فيُرجَعُ إلى فتياهُ وحكمِهِ. ومنها: أنّه اتفاقُ علماءِ العصرِ على حكمِ الحادثةِ، فكانَ إجماعاً كاتفاقِ الضحابةِ. ومنها: أنّ رواية الصّحابةِ لم تختصَّ بالقَبُولِ دونَ مَن بعدَهم، فكذلك يجبُ أنْ يكون، في بابِ الاجتهادِ. فصل في شُبَهِ المخالفِ فمنها: قولُه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وهذه صفاتُ الصّحابةِ، فكانَ

стр. 2208

الخِطالب مصروفاً إليهم، والعصمة موقوفةٌ علي إحماعِهم، إذْ لا طريقَ لنا إلى العصمةِ إلاً بالسمع، والسمغ إنّما وردَ فيهم، فأمَّا أهل الأعصارِ المتأخرةِ فإنّما وردتِ السّنّةُ بذمِّهم بقولِه: "ثُمَّ يَفشو الكذبُ" (١) ثمّ ذكرَ الفتنَ، وأنّ الرّجلَ يصبحُ مؤمناً، ويمسي كافراَ، وأنّ ألواحدَ منهم يحلف على ما لا يعلمُ، ويشهدُ قبلَ أنْ يستَشهدَ، وأنّ النّاسَ يكونونَ ذئاباً (٢)، إلى أمثال ذلك (٣ بما ينافي ما ذُكِرَ ٣) من صفتِهم بالعِصْمة (٤). ومنها: أنّ (٥ المعوّلَ عليه هو قول ٥) الصادق المؤيدِ بالمعجِزِ، لكنْ وردتِ السّنّةُ بقولِه ﷺ :"أصحابي كالنجومِ بِأيِّهمُ اقتديتُم اهتديتم" (٦)، "عليكم بسُنتي وسُنّةِ الخلفاء الرَّاشدينَ مِنْ بعدي" (٤)، فرجعنا إلى أقوالِهم لأجلِ السُّنّةِ، وبقيَ مَنْ عداهم على حكمِ الأصلِ. ومنها: أنّ فقهاءَ الأعصارِ لا يمكنُ حصرُهم ولا العلمُ باتفاقِهم لتباعدِ الأقطارِ، وما لا يمكن تحصيلُه لا يكونُ حجةً مِن حجج الشّرع، بخلافِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم، لأنهم كانوا محصورينَ معلومينَ.

стр. 2209

فصل في الأجوبةِ عَن شبهةِ المخالفِ فأمّا دعواهم أنّ الآيةَ خطابٌ للصحابةِ فغيرُ صحيحةٍ، بل الخطابُ لسائرِ الأمّةِ وأهلِ جميع الأعصارِ مِن المسلمينَ مِمَّن تشتمل عليهم الصفاتُ المذكورةُ، كالخطابِ مِن اللهِ سبحانَه بالعباداتِ، يوضحُ هذا أنّه لو كانَ مَقصوراً على أهلِ العصرِ الذي نزلتْ فيهِ، لكانَ مقصوراً على المبلّغ وقتَ نزولِها، فلمّا عمّت مَن كانَ بالغاً ومن بلغَ بعدَ نزولِها بزمانٍ، علِمَ أنّها شاملَةٌ عامّةٌ غيرُ مقصورةٍ على مَن نزلتْ في عصرِهِ (١). وأمّا دعواهم أن المِدحةَ بالعصمةِ تختصّ الصحابةَ، فلا (٢) وجهَ لها معَ كونِ ما مُدِحت الصحابةُ لأجلِه موجوداً في آحادٍ مِن أهلِ الاجتهادِ في كلِّ عصرٍ، لا يُخلي الله منهم عصراً مِن الأعصارِ، وقد وردتِ المدحةُ فيهم خاصةً بقولِه: "واشَوْقاهُ إلى إخواني"، فقال أصحابُه: ألسْنا إخوانَك؛ فقال: "أنتم أصحابي، وإخواني قومٌ يأتونَ مِن بعدي يؤمنونَ بي ولم يرونِي" (٣)، وقالَ فيهم فِى متونِ الأحاديثِ والمسُّننِ: "الذينَ

стр. 2210

يَصلُحونَ إذا فسَدَ النَّاسُ" (١). وأمّا قولُهم: إنّ فقهاءَ الأعصارِ لم يمكنْ ضبطُهم، فهذ! قولُ مَن إذا تصوّرَ ذلك بحصرِهم وقلّة عددِهم كانَ قولُهم حجةً، وهذا لا يختلفُ باختلافِ الأعصارِ، وإنّما هذا بحسبِ الكثرةِ والقلّةِ. فصل إذا خالفَ الواحدُ والاثنانِ حكماً اتفقَ عليهِ الجماعةُ، لم يُعَدَّ ذلكَ إجماعاً في أصحِّ الروايتينِ، وهوَ قولُ الجماعةِ، وفيه روايةٌ أُخرى: يكونُ إجماعاً، ولا يؤثرُ خلافُ الواحدِ والاثنينِ، وإلى هذا المذهب ذهب محمدُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ (٢) صاحبُ "التاريخ"، وحُكيَ عن أبي بكرٍ الرازيِّ (٣) أيضاً، حكاهُ أبو سفيانَ.
следующие страницы →