← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بدلًا من قولنا: ما دلَّ على ارتفاع الأمرِ بالشيءِ بعدَ استقرارِه، وزوالِ النَّهي عنه بعد ثبوتِه، أو الإِباحةِ، أو الحَظْرِ؛ لأن قولنا: زوالُ الحكم، أو ارتفاع الحكمِ، يدخلُ فيه المأمور به، والمنهى عنه، والمندوب إليه، وذِكْر الأمرِ ذكرٌ للأخصِّ، فيَسْقطُ ما ليس بأمرٍ ممَّا هو فرضٌ وندبٌ وإباحةٌ وحظرٌ، فاللَّفظُ الذي لا يَسْقُط معه ولا يَخرُجُ بعض الأحكام أحسن من اللَّفظِ الذي يَخًص، فيسقِطُ ويخرِجُ ما لا بد من دخولِه، فبان أن قولَنا: الرافعُ للحكم، أوْلى من قولهم: الرافع لمأمورٍ به. وأما قولُنا: على وجهٍ لولاه لكان حكمُ الخطاب الأولِ ثابتاً؛ لأنه لو لم يكنِ الحكم ثابتاً بالخطاب الأولِ لولا ورودُ الثَاني، لكان ما ثبتَ بالثاني حكماً مبتدأً، ولم يكنْ رافعاً لحكم الخطابِ الأولِ. ويدلُّ على هذا أنه لو كان الخطاب المتضمِّنُ للحكم مفيداً لوقتٍ محدودٍ، وقد وقِّتَتِ العبادة به، ثم وردَ بعد تَقَضَي وقتهِ خطاب آخرُ مُسقِطٌ لمثل حكمِه، لم يكنْ عند أحد نسخاً لحكم الخطاب الأولِ، وذلك نحو قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا يفيد الصيامَ إلى حين دُخولِ الليلِ، ولا يفيدُ وجوبَه في الليلِ، فلو قال: إذا دخلَ الليل فلا تصُمْ في الليل، لم يكن نسخاً؛ لأنه لم يزِلْ حكماً لولا ورودُه لكان ثابتاً بحقِّ الخطابِ المتقدم، فوجبَ لذلك اشتراط ذلك في الحَدَ. وإنما قلنا: مع تراخيه عن الخطاب المتقدِّيمِ؛ لأنه لو وَرَدَ معه ومقترناً به، لم يكنْ مزيلاً لشيءٍ ثَبَتَ بالأمرِ باتفاقٍ، ولا مُنبئاً عن انقطاع عبادةٍ ثبتت به، ذلك نحو أن يقول: صُمْ إلى الليل، فإذا دخلَ

стр. 247

الليلُ فَلا تَصُمْ ولا صيامَ عليك، ليس بمزيلٍ لحكم ثبتَ بقوله: صُمْ إلى الليل، فلو أطلقَ الأمرَ بالصيام، أو دل دليل على أن المرادَ بفرض الصيام زَمَنُ الليلِ والنهارِ جميعاً، ووردَ ذلك واستقرَّ، ثم قال له: لا تصمْ فَي الليل، فقد أسْقَطْتُ ذلك عنك، كان نسخاً؛ لأنه قد أزالَ حكماً ثبتَ بالخطاب المتقدمِ مع تراخيه عنه وبَعْدَ ورودِه واستقرارِه. فهذا هو الحدُّ الذي اخترناه. وسائرُ المعتزلةِ تأبى هذا الحدً لمخالفتِه أصولَهم، فالدَلالةُ على فساد حدودِهم التي قَدمْنا ذكرَها: أننا إذا كنا قد بَينَا أن النسخَ هو الإِزالةُ؛ وجبَ أن لا يصحَّ تحديدُه إلا بما ذكرناه دونَ جميعِ ما قالوه؛ لأنه يصيرُ تحديدهُ بذلك أجنبياً من معنى النسخ، لأنه إذا قيل: حَدُه الخطابُ الدَالُ على ارتفاعِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ، أو الدالُ على انقطاعِ مدةِ العبادةِ (١)، أو الدالُ على سقوط مثلِ ما تضمَنَه الخطابُ الأولُ في المستقبلِ، وأمثالُ ذلك مما هو [في] (٢) معناه، وجبَ أن لا يكون الناسخُ رافعاً ولا مزيلاً لشيءٍ مما ثبتَ بالخطاب الأولِ؛ لأن مثلَ ما ثبتَ به غَيْرُه، ولم يثبتْ قَطُّ بخطابِ أولَ، فيزولَ بالثاني، وليسَ ما أزالَ مِثْل الشيءِ ورَفَعَه مزيلًا لنفسَ الشيءِ، ولو كان مثلُ هذا نسخاً، لكان كلُّ خطابٍ ابْتُدِىءَ به إثبات عبارةٍ نسخاً لحكم خطابٍ آخرَ، وإن لم يكنْ بينهما تنافٍ في الحكم، ولم يكن أحدُهما رافعاً لشيءٍ ثبتَ بالاَخَرِ، وإذا بطَل؛ بطلَ ما قالوه.

стр. 248

وأيضاً ممَّا يدلُّ على فساد قولِهم؛ أنهم قد قالوا: إنه ما دلَّ على زوال مثلِ حكمِ الخطاب الأوَّلِ على وجهٍ لولا ورودُه لكان ثابتاً بالخطاب الأوَّلِ، وهذا تَصريحٌ منهم بأن الناسخَ يُزيلُ ما ثبتَ بالخطاب الأولِ، ولولا ورودُ الثاني لكان ما أزالَه ثابتاً بالخطاب الأولِ، وهم كلُّهم يقولون: ما أزالَه الناسخُ ما ثبتَ قَطُّ -على قولهم- بالخطاب الأول، ولا دخلَ تحتَهُ، ولو تَضَمَّنه ودخلَ تحتَه لم يَجُزْ رفعُه وإزالتُه؛ لأنه يُوجِبُ بزعمهم جميعَ ما ادَّعَوْه من الِإحالةِ في صفةِ الله ، وهذه مناقضةٌ ظاهرةٌ، فإذا كان لا بدَّ من الثبوت على مُوجَبِ قولِهم: لولا ورودُ الناسخِ لكان الحكم ثابتاً بالخطاب المتقدِّمِ، وجبَ لا مَحالَةَ دخولُ ما رفعَه الناسخُ تحت الخطابِ المتقدِّم، ورفعُه بعد ذلك بما أزالَه ونسخَه، وهذا ما لا حيلةَ لهم في دفعه، ولا شُبْهَةَ في تناقض كلامِهم فيه. فصل فأما قولُ مَنْ قال: حدُّه: أنه الدالُّ أو المبينُ عن مُدَّةِ العبادة، أو عن زمن انقطاع العبادةِ، فإنه قولٌ ظاهرُ السقوطِ؛ لأنه يوجبُ أن يكونَ قولُه: صُمْ إلىَ الليل، فإذا دخلَ الليلُ فلا تَصُمْ، نسخاً لقوله: صمِ اللَّيلَ؛ لأنه بيانٌ عن مدَّةِ زمنِ العبادةِ وعن انقطاعِها، بل كان يجبُ أن يكونَ قولُه: صم إلى الليل، نسخاً لقوله: صم؛ لأنه قولٌ فيه إثبات العبادةِ، وبيان مدَّتِها وزمنِ انقطاعِها، وذلك باطلٌ باتِّفاقٍ، فسقطَ ما قالوه. وإن ضَمُّوا إلى ذلك أن يقولوا: الدال على مدةِ انقطاع العبادة، أو سقوطِ مثلِها، مع تَراخيه عن الحطاب المتقدِّمِ، دخل عَليهم ما

стр. 249

أَفْسَدْنا به قولَ مَنْ قَبْلَهم بعينهِ؛ لأنّ [زمنَ] (١) العبادةِ التي دل على انقطاعها الخطابُ المُتراخي، لم يدخلْ قطُّ في الخطاب (٢) الأولِ، ولا تَضَمَّنَه، فكيف يكونُ الثاني رافعاً له؟ فبطَلَ ما قالوه. والذي يدل على سقوطِ هذا الحد وإبطالِه على أصولنا: أننا نُجَوزُ نسخَ العبادةِ الواحدةِ والفعلِ الواحدِ قبل دخولِ وقتِهِ، وإن لم تكنْ إزالةُ حكمِه بياناً لسقوطِ أمثالِه، ولا بياناً لانقطاع مدةِ التَعَبُدِ به، أو التَّعبُدِ بسقوط أمثالِه، فبطلَ ما قالوه في حدِّ النسخ من كلِّ وجهٍ، وثبتَ بذلك: أن كل نسخٍ لحكمٍ في الشَّرعِ، إن كان نسخاً لفعل واحدٍ، أو بعضِ جملةٍ دخلَت تحتَ خطابٍ متقدِّمٍ، أو دليلٍ على تَكْرارِ العبادةِ، فإنه رفع لما ثبتَ بالخطابَ المتقدم قبلَ دخولِ وقتِه، وهذا واضحٌ لا إشكالَ فيه. وسنبينُ جوازَ نسخِ الشيءِ قبلَ وقتِه في مسائل الخلافِ من الكتاب (٣)، إن شاءَ الله. فصل في بيان قولِنا: نَسَخَ، على وزن: فَعَلَ (٤). أعلم أن هذا القولَ يقعُ على ناصب الدً ليلِ على رَفْعِ الحكمِ الثابتِ بالخطاب، ويقعُ أيضاً على الدليلِ الرافعِ لحكم الخطابِ

стр. 250

الأولِ، ويجري أيضاً على مُعْتَقِدِ جوازِ نسخِ الشَيء بغيرِه، وقد يقعُ ويجري أيضاً على حكم الخطاب الثاني الرافعِ لحكم الخطابِ الأولِ، فهذا جملةُ ما تستعملُ هذهَ اللفظةُ فيه. والدَّلالةُ على استعمالهم لها في ذلك اجْمَعَ: إجماعُ العلماءِ أن الله سبحانه نسخَ حكمَ آية االسيف (١)، ونسخ كذا، ونسخ كذا، بمعنى: أنه نصبَ الدليلَ على رفع الحكمِ الثابت بالخطاب المتقدمِ. ويقولون أيضاً: نسختِ الآيةُ إلسنَةَ، ونسختِ السّنَةُ الآيةَ، يريدون؛ أنها دالةٌ على زوال الحكمِ الأول. وُيقال: نُسِخَ صومُ عاشوراءَ بصوم رمضانَ، ونُسِخَتِ الوَصيةُ للوالدَيْن (٢) بالميراث (٣)، ويريدون بذلك: أنه رفعَ حكماً ثابتاً قبلَ

стр. 251

ورودِه ويقال: فلانٌ ينسخُ القرآنَ بالسنَةِ، وفُلانٌ (١) لا ينسخُ القرآنَ بالسنَّةِ. وهذا الاستعمالُ متفَقٌ على إطلاقه، وهو مجازٌ عندنا في جميع ذلك، إلا في ناصب الدَّلالةِ على رفع حكمِ الخطاب، لأنه تعالى هو الرافعُ للحكم في الحقيقة بقوله الذي نسخَ، والنَسخُ قولُه الذي به يكون ناسخاً. ومعتقِدُ نسخِ القرآنِ بالسنَةِ ليس برافعٍ لحكم القرآنِ، لكنَه مخبِرٌ عن رفع الله له بقوله على لسان رسوله ﵊. وكذلك الدليلُ الدال على رفع الحكمِ ليس برافع له على الحقيقة، وإنما يدل على رفع اللهِ له به. وكذلك الحكمُ الثاني ليس برافع للأول، وإنما الرافعُ له مَنْ رفعَ الأولَ وأبدلَه بالثاني، فدل بهذا النفيِ على أنه مجازٌ في جميع ذلك، إلا ما تحقَقَ في حقِّ اللهِ جل ثناؤه، إذ كان هو الرافعَ بإضافة النَسخ إليه، وهو مَنْ (٢) يرفعُ وُيثْبِتُ حقيقةً. والمعتقدُ للنَسخ يعلمُ برفعه وُيخْبِرُ، والرفعُ لم يحصلْ باعتقاده ولا بخَبَرهِ، يوضِّحُ ذلك: أنه لو لم يعتقدْ ولم يُفْتِ بالنسخ، لما عادَ الحكمُ ثابتاً، ولو لم ينْزِلِ الله وحياً يأمرُ بالرفع والإِزالةِ، لكان الحكمُ ثابتاً، فبانَ بذلك أنه هو الرَّافعُ (٣) للحكم حقيقةً.

стр. 252

فصل في قولنا: منسوخٌ وحقيقةُ قولِنا: منسوخٌ، إنما هو الحكمُ المرفوعُ، لأن الآيةَ وإن سُمِّيَتْ منسوخةً، فإنها غيرُ مرفوعةٍ ولا مزالةٍ، وإنما المرفوعُ حكمُها، وهي باقيةٌ من جهة كونِها كلاماً لله سبحانه، وكذلك السّنَةُ ثابتةٌ، وإنما المنسوخُ حكمُها. فإن قيل: أليسَ قد قالوا: من جملةِ المنسوخِ ما نُسِخَ رَسْمُه؟ وهذا قولُكم يعطي أنْ لا منسوخَ إلا الحكمُ دون الرسْم. قيل: إذا تامَّلَ المحقِّقُ ذلك، وجَدَ أن المنسوخَ من الرسمِ إنما نُهِيَ عن كَتْبه في المصحف، وتلاوتِه في القراءَة، وهذا حكمٌ أيضاً؛ لأن النهيَ حكمُ الله على المكلَّفين، وأما عيْنُ الآيةِ فلا تُرْفَعُ، والله أعلم. فصل يحصرُ ذلك ويجمعُ منثورَه اعلم أنه لا بُدَّ في هذا البابِ من إثبات ناسخٍ، ونسخٍ، ومنسوخٍ، ومنسوخٍ عنه: فالناسخُ: الرافعُ للحكم، وهو الله سبحانه على ما قَدَّمْنا وحَقَّقْنا. والنسخ: قولُه سبحانه الدالُّ على رفع الحكمِ، ووَحْيُه إلى نبيِّه ﷺ والمنسموخُ: هو الحكمُ المرفوعُ.

стр. 253

والمنسوخُ عنه:- هو المكلف المتعبدُ بالفعل، الذي تُزالُ العبادةُ عنه بعد ثبوتِها، والحكم في الجملة من إباحةٍ وحظرٍ وإيجابٍ ونَدْبٍ، فتجبُ معرفةُ ذلك وتحصيلُه على كل فقيهٍ. وأما الرافعُ، فقد يكونُ، وقد لا يكونُ، فليس هو ممَا لابد منه، وهو الحكمُ المنسوخُ به؛ لأنه ليس من ضرورة المنسوخِ أن يُنْسَخَ إلى شيء يَخْلُفُه، ويكونُ بدلًا عنه، بل قد ثبتَ ذلك، مثلُ: نسخِ الحَبْسِ في البيوتِ (١) بالجَلْد والتَغريب أو الرجم (٢)، وإبدالٍ التَّوَجُّهِ إلى بيت المقدسِ بالتَوَجُّه إلى البيت اَلعتيقِ (٣)، وَما رُفعَ ونُسِخَ لا إلى بدلٍ، مثلُ: رفعهِ صدقةَ النَّجْوى (٤) لا إلى صدقةٍ، وبدلٍ، بل قنوعٍ بما شرعَ من الصلاة والزكاة، ومثلُ نسخِه لسورة كانت مثلَ الأحزابِ لا نعلمُ لها بدلًا (٥).

стр. 254

فإن قيل: القرآنُ يدفعُ هذا بقوله: ﴿ما نَنْسَخْ من آيةٍ أو نُنْسِها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وما استشهدتم [به] ما خلا من بدل؛ لأنه قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وقال في قيام الليلِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا﴾ [المزمل: ٢٠]، فما ذكرَ نسخاً إلا وعَقَّبه منسوخاً به من تعبد: إما أضعفَ، أو أسهلَ، وأخْبَرَ بذلك. قيل: الإِسقاطُ رأساً خيرٌ كما أَخبَرَ، ولم يقل: نأتِ بحكم هو خيرٌ، بل الِإسقاطُ خيرٌ، والصلاةُ والزكاة ليست بدلًا عن صدقةِ النَجْوى بإجماعنا (١). فصول في شروط الناسخِ والمنسوخِ، وما ألْحِقَ به وليس منه . فأحدُ شرائطهما (٢): أن يكونا حُكمين شرعيَّين، فأما النَّاقلُ عن حكم العَقْلِ، الساقطُ بعد ثبوتِه، فلا يوصفُ بأنه ناسخ، ولذلك لم توصفِ العباداتُ الشرعيةُ من الصلوات وغيرها، والخطابُ المحرمُ (٣)

стр. 255

لمَّا لم يكنْ في العقلِ حراماً، بأنهما ناسخان لحكم العقلِ، وكذلك لا يوصفُ الموتُ المزيلُ لفَرْضِ العبادة، وكل ماجرى مَجْراه (١)، بأنه ناسخٌ لها، لمَا لم يكن المزيلُ خطاباً مزيلًا لحكم خطابِ أوَّلَ، ولأنه قد قيل للمكلَّفِ في أَصل التَعَبدِ: العبادةُ لازمةٌ لك إلىَ أن تموتَ، فصارَ لاقتران البيانِ به غيرَ ناسخٍ، وإنما نمنعُ وصفَهما بأنه ناسخٌ ومنسوخٌ، وإنْ كان بمعنى ما يوصفُ بذلك من الخطاب، لأنه ليس بخطاب أزالَ حُكْمَ خطابٍ ثابتٍ. ومن شرطهما: أن يكونَ الخطابُ النَاسخُ منفصلَاَ عن المنسوخ، ومتأخَراً عنه، لأنه إذا كان متًصِلًا به، لم يكنْ ناسخاً (٢)، ولا ما يزولُ حكمُه به منسوخاً؛ ولهذا لم يكنْ قولُه: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، نسخاً لحَظْرِ الوَطْءِ، وقولُه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، نسخاً لفَرْضِ القتالِ، وإلى أمثالِ ذلك. فصل ومن شرائطهما (٣) أيضاً: أن لا يكونَ الخطابُ المرفوعُ حكمُه مقيَّداً بوقت يقتضي زوالَ الحكمِ عند دخولِه، ولذلك لم يكنْ قولُه: ﴿أُ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ناسخاً لصيام النَّهار، ولا كانت إباحةُ الإِفطارِ يومَ الفِطْرِ وما بعده نسخاً لصيام رمضانَ، وإلى أمثالِ ذلك مما وردَ التَعَبُّدُ به مؤقَتاً بوقتٍ محدودٍ.

стр. 256

فصل ومن حَقِّهِما (١) في حكم الدِّين: أن يكونا خطابين واردين مِمَن (٢) تجبُ طاعتهُ وتلزمُ عبادتُه، وتثبتُ الأحكامُ بما يَشْرَعُه، وهو الله سبحانه. فإن قيل: فما تقولون في قول الرسولِ لأُمَّتهِ: قد أُزيلَ (٣) عنكم الحكمُ، بعد استقرارِه، هل هو نسخٌ، أم لا؟ قيل: هو نسخٌ، لكن ليس بنسخٍ من جهته، وإنما هو عبارةٌ عن رفعِ الله له، لأنه لا يُزيلُ ولا يُبَدِّلُ من تلقاءِ نفسهِ، فهو عن الله يقول، فصار قولُه لنا كقول جبريلَ له عن الله من (٤) الأحكام، وإزالةِ الأحكام، وكقول المُفْتِي مِنَا للمستفتي: قد سقطَ عنك ما كنتُ أفتيتُك به، فاعَمل بغيره، ليس بنسخ منه، وإنما هو خَبَرٌ عن حكم الله عليه بذلك عند تَغَيرِ اجتهادِ المفتي. فصل وقد يقعُ النسخُ في أوامرِ مَنْ لا تلزمُ طاعتهُ ونواهيه، إذا رَفَعَ بعضَ ذلك ببعضٍ، غيرَ أنه ليس مما يثبتُ به، ولا يزولُ حكمٌ من جهة الدَينِ.

стр. 257

فصول في بيانِ ما ليس من الشُّروط وقد تشتبهُ، فأزَلْنا الاشتباهَ بذكرِها. فمن ذلك: أنه ليس من شَرْطِ النَّاسخِ أنْ يكونَ رافعاً لمثل حكمِ المنسوخِ في المستقبل، دونَ نفسِ حكمِه الثابتِ به، لأننا قد بَينَا أن مثلَ حكمِه غيرُحكمِه، ومارفعَ غيرَ (١) حكمِ الشيءِ الثابتِ به، فليس بناسخً له. وسنذكرُ إبطالَ ما يظنُه المخالفون من المُعْتَزِلَة، وأنه لو أُزيلَ نفس الحكمِ المنسوخِ، لكان بداءً وإحالةً، بما يُوَضَحُ الحق، إن شاءَ الله (٢). فصل وليس من شرطهما أن يكونَ الناسخُ وارداً بعد تَقَضِّي وقتِ المنسوخ؛ لتَوَهُّمِ المشترط لذلك إحالةَ نسخ الشيءِ قبلَ وقتِه؛ لأن ذلك صحيحٌ جائز على ما نُبَينُه من بعد، إن شاءَ الله (٣).

стр. 258

فصل ولا يُتصورُ النسخُ على التَّحقيقِ إلا بأن يكونَ نسخاً قبل تَقَضَي وقتِه، إن كان المنسوخُ المتعبَّدُ به واحداً، أو بعضاً لجملة، على ما بَينَاه من قبلُ (١). فصل وليس من شرط المنسوخِ أن يكونَ ممَّا يصحُ أن يدخلَه الاستثناءُ والتَخصيصُ، وأن لا يكونَ فعلاً واحداً، لأنهم يبنون ذلك على إحالة نسخِ الشيء قبلَ وقتِه، وهم في ذلك مخطئون؛ لِمَا نُبَيِّنُه من الدلائل في مسائل الخلافِ، إن شاء الله (٢). فصل وليس من الشرط أن يكونَ نسخُ الشيءِ بمثلِه، مثل: سُنَّةٍ بسُنَةٍ، بل يجوزُ نسخُ المقطوع به بغير المقطوعِ به من السنَّة على ظاهر كلام أحمدَ، وأَخَذَهُ بعض أصحابنا ﵃ ممَّا قال أحمدُ ﵁ في رواية الفضل بن زياد (٣) وأبي الحارث (٤) في خَبَر

стр. 259

الواحدِ: إذا كان إسنادُه صحيصاً وجبَ العملُ به، ثم قال: أليس قِصَةُ القِبْلَةِ حين حوَلَت، أتاهم الخبرُ وهم في الصلاة، فتَحَوَلوا نحو الكعبةِ (١)؛ وخبر الخمرِ أهراقوها، ولم ينتظروا غيرَه (٢)؛. قال: فثبتَ أنه

стр. 260

قد أُخِذَ بالسَنَّةِ في نسخ الكتابِ، وإن كانت آحاداً. وهذا عندي لاتثبت منه رواية تُعْطِي نسخَ القرآن بالسَنَّة حتى يتقرَّرَ شروطُ النسخِ فيه، وليس مَعَنا أن القومَ كانوا استقبلوا بيتَ المقدسِ بقرآنٍ؛ لأنه ليس معنا قرآن نتلوه في ذلك، وإنما غايةُ ما فيه أنها كانت قبلةً بدليل قطْعٍ، وهو أمرُ الرَّسولِ لهم بذلك، واستقبالُه لها على الدَّوام، وما نعرفُ أحداً قال بأن القرآنَ يُنسَخُ حكمُه بخبر واحدٍ (١)، ولا خبَرَ التواترِ القَطْعِيَّ بخبر الواحدِ، فيصيرُ خبرُ أهلِ قُباء يحتاجُ إلى أويل يُخْرِجُه عن ظاهره، ولا في إباحة الخمرِ تلاوة. فصل والمنصوصُ عن صاحبنا أحمد ﵁ أن من شَرْطِ نسخِ القرآنِ أن يكونَ بقرآن، ولا يجوزُ بالسَنَّةِ، قال وقد سُئِلَ: هل تَنسخُ السّنَّةُ القرآنَ؟ قال: لا، لا يَنسخُ القرآنَ إلا قرآن يَجيءُ بعدَه، والسنَّة تُفَسِّرُ القرآنَ (٢).

стр. 261

وسنذكرُ ذلك مستوفىً في مسائل الخلاف (١). فصل وليس من شرطهما أن يكونا نَصَّيْنِ مقطوعاً على ثبوتهما، وموجِبَيْنِ للعِلْمِ؛ لأننا سنقيمُ الدَّليلَ على صحةِ نسخِ التَواتر بمثلِه، ونسخِ خَبَرِ الواحدِ بالمتواتر، وإن مَنَعْنا من نسخ المتواتِر بخبرِ الواحدِ. فصل وكذلك ليس من شرطهما أن يكونَ المنسوخُ حكماً قد نُقِلَ لفظُه إلينا، بل يجوزُ أن يَرِدَ النسخُ لحكم، ولا يكونُ ذلك الحكم ثبتَ بلفظ منقول إلينا، بدليل أن نسخَ القِبْلَةِ وردَ واتَفقَ الناس على أن استقبالَ بيتِ المقدس منسوخٌ بفَرْض التوجه إلى الكعبة، وقد اتَفَقَ الكُلُّ على أنه لا نص في الكتاب أوَ السنَةِ منقولٌ إلينا بلفظ وتفصيلٍ يُوجبُ التوجهَ إلى بيت المقدسِ رفعَ حكمه بقول: ﴿فوَل وجهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ولو تَتَبًعْنا كثيراً من المنسوخ لوجدنا أمثال ذلك، وإن كان حكمُه مرفوعاً. فصل ولا يمتنعُ أيضاً نسخُ الحكمِ الثابتِ باجتهاد النبى ﷺ وقياسِه -إذا قلنا: يجوز أن يَحْكُمَ باجتهاد-، وإن لم يكنْ ثابتاً بلفظ ذي صيغةٍ وصورةٍ يَجِبُ نقلُها.

стр. 262

فصل وكذلك ليس من شرطهما أن يكونا أمراً نُسِخَ بنهي، أو نهياً منسوخاً بأمر، أو حَظْراً منسوخاً بإباحة، لِمَا بَيَّنَّاهُ من قبلُ (١)؛ لأنه قد يُنْسَخُ الإِيجاب والحظرُ بالإِباحة، وينسخُ الفرضُ المُضَيًقُ من أصله، وقد يُتركُ وُيرفعُ تضييقُه بتوسعة وقتِه، أو بتوسعة التًخييرِ بينه وبين غيرِه، بحَسَبِ المشيئةِ المطلقةِ، والإِرادةِ النافذةِ، أو المصلحةِ الحكْمِيَّةِ. فصل وكذلك لا يُعتبرُ بقول من قال: يجبُ أن لا يُنسَخَ الواجبُ إلا بواجب مثلِه، بل قد يُنسخُ بواجبٍ مثلِه، وُينسخُ بالحظر، وُينسخُ بالنَّدب، وُينسخُ بالإِباحة (٢)، فيجبُ أن لا يعتبرَ في ذلك أكثرُ من أن يكونَ أحدُهما رافعاً لحكم الآخَرِ، أيً حكمَيْنِ كانا. فصل في الدَّلالةِ على ذلك وهو أنه لا يخلو: إما أن يكونَ النسخُ لمصلحةٍ، أو لمجرَّدِ مشيئةٍ مطلقةٍ من جهة مَنْ له التًصَرفُ في ملك الأعْيانِ، وكلاهما لا يَمنعُ من ذلك، ولذلك صَحَّ أن يرتفعَ الحظر إلى إيجاب وإباحةٍ ونَدْبٍ، وترتفع الإِباحةُ إلى إيجاب ونَدْبٍ، وإلى تحريم وحظرٍ، ويرتفعَ الندبُ إلى إيجاب وإلى إباحة وحظرٍ، فوجبَ أن يكونَ الاعتبارُ في ذلك بما قُلْناه فقَطْ.

стр. 263

فصل وكذلك فلا اعتبارَ بقول من قال: من شرطهما أن تكونَ أحكامُهما ثابتةً بنصِّ الخطابين وظاهرِهما دون لَحْنِهما وفحواهما، أو دليلٍ دالٍّ على تَكْرارِ العبادةِ المنسوخةِ ودوامِها، وقد يكونان (١) كذلك، ويكونان بخلاف هذه الصِّفةِ، إذا عُلِمَ ثبوت حكمِ المنسوخِ من الخطاب بأيِّ وجهٍ كان، من ظاهرٍ ونصٍّ وفحْوىً ودليلِ تكرارٍ، وأكثرُ العباداتِ المنسوخةِ لم يثبتْ دوامُ حكمِها بنصٍّ، بل بدلائلَ تدلُّ على التَّكرار. فصل وكذلك إذا ثبتَ حكمُ الناسخِ، وكان منافياً لحكم المنسوخِ، وجبَ كوُنه ناسخاً له، وإن لم يَثْبُتْ ذلك بلفظه؛ ولهذا قال الناسُ: إن آياتِ المواريثِ (٢) نَسَخَتْ آيةَ الوصيةِ للوالدَيْنِ والأقربين (٣)، وإن لم يتنافَ حكماهما من جهة اللفظ؛ لأنه كان يَصِح أن يأخذَ الوالدان بالوصيةِ والميراث جميعاً؛ ولذلك بَيَّنَ النبىُّ ﷺ : أن آيةَ المواريثِ قد نَسخَت ما قبلها بقوله ﷺ "ان اللهَ قد أعطى كُل ذي حَقٍّ حَقَه، فلا وصيةَ لوارث" (٤)، وأمثالُ هذا كثير.

стр. 264

فصل وكذلك فليس من شرطهما كونُ الناسخِ أخف من المنسوخ؛ لأنه قد يُنسخُ الشَيءُ بمثله، وبما هو أثقلُ منه، وبما هو أخف، وقد يُنسخُ إلى غير بَدَل أصلاً، على ما نَدُل عليه من بعدُ (١)، إن شاء الله؛ فلا وجهَ لقول مَنْ قال: لا يُنسخُ إلا ببدلٍ (٢). فهذه جملة كافية في الشُروط المُعْتَبَرةِ وغيرِ المعتبَرةِ. فصول في بيانِ ما يصحُ ثبوتُ حكمِه بالتًعبدِ، ويصحُّ زوالُه بالنسخ . قد أكثرَ أهل العلمِ من الفقهاءِ والمتكلمين استعمالَ القولِ: بأن النسخَ يتناولُ الأزمانَ فقَطْ دون الأعيانِ، وأن التَخصيصَ يتناولُ الأعيانَ والأزمانَ والأحوالَ، وهذا إنما يستعملُه المحصَلون لعلم هذا البابِ على سبيل التجَوُّزِ والاتَساعِ؛ لأن الأعيانَ والأزمانَ باتَفاقٍ ليست من أفعال العبادِ ومقدوراتِهم، ولا ممَّا يدخلُ تحت تكاليفِهم، وإذا كان كذلك؛ وجَبَ أن يتناولَ النسخُ على الحقيقة رفعَ فِعْل في بعض الأزمانِ دونَ رَفْعَ الزمانِ. وكذلك فإنما يدخلُ التخصيصُ في إسقاط فعل في بعض

стр. 265

الأعيانِ، وذلك نحْوُ أن يقولَ: صَلِّ أبداً دائماً. ثم يقولُ له: لا تُصَلِّ. فيكونُ النسخُ داخلًا على الفعلِ دونَ زَمَنِه. وكذلك إذا قال: اقتلوا المشركين إلا زيداً. فزيدٌ على الحقيقة ليس بمخصوص، لكنَّ المخصوصَ منعُ إيقاعِ الفعلِ فيه؛ لأن اللَفظَ يقتضي إيقاعَ الفعلِ في جميع الأزمانِ وجميعِ الأعيان، فإذا مُنعَ من إيقاعه في بعضها كان ذلك تخصيصاً للأفعال، وكذلك إذا قال: اقْتُلِ المشركَ إلا أن يكونَ معاهَداً، فكأنَّه قال: اقْتُلْه في حالِ لا عَهْدَ له، ولا تَقْتُلْه في حال العهدِ، فذلك يرجعُ إلى التخصيص لِإيقاع الفعلِ في حالٍ دونَ حال، وكونُ المشركِ حَرْبياً أو معاهَداً لا يدخلُ تحت تكليفِ المسلم، لأنهما صفتان للمشرك وفِعْلان من أفعالِه، والعبدُ لا يُكَلَّفُ فعلَ غيرِه، فيجبُ تنزيلُ هذه الإِطلاقات وحَمْلُها على ما قلناه. فصل في القول في جواز سقوطِ جميع العباداتِ عن المكلفين بالنَّسخِ (١)، واستحالةِ سقوطِ جميعها [لا] (٢) بالنسخِ. اعلم أنَا قد قَدمْنا في أوَّلِ الكتاب (٣): أنه لا حَظ لضَرُوراتِ العقولِ وأدلَّتِها في القضاء على تحسين فَعل أو تقبيحِه، أو إيجابه، أو حَظْرِه، أو إباحتِه، وأنه لا شيءَ من الأفعال له صِفة، ووجْة لكَونه في ذاته عليه، يقتضي العَقْل الحكمَ فيه ببعض هذه الأحكامِ، وإنما

стр. 266

تثبتُ للأفعال هذه الأحكامُ بالسمع فَقَطْ، وأنه لا يجبُ فَرْضٌ على أحد من جهة العقلِ، من معرفة اللهِ سبحانه إلى ما دونَ ذلك، فالتَكليفُ إذاً -لأجل ما قد بينَاه- لا يكونُ إلا سَمْعاً. وثَبَتَ من أصلنا أيضاً أنه لا يجب على الله تكليفُ خلقِه، وبَعْثُه الرُّسُلَ إليهم، سواءٌ عَلِمَ أن لهم في ذلك المصلحةَ لجميعهم، أو لبعضهم دونَ بعضٍ، أو لا مصلحةَ لأحد منهم فيه. فإذا ثَبَتَتْ هذه الجملة التي يُفارَقُ فيها القدريةُ ويخالفون؛ لم يَصْلُحْ للفقيه المعتقدِ في الأصل ضلالَتهم أن يَبْنِيَ الأمرَ في التَّكليف على ما قالوه من وجوب الاستصلاحَ للخَلْقِ أو لبعضهم على الله سبحانه، وجازَ لأجل هذا سقوطُ جميعِ العباداتِ عن جميع الخَلْق، وأن لا يبعثَ الله تعالى إلى أحد رسولاً، فيَسْقُطُ حينئذٍ عنهم فرض معرفتِه، وكلُّ ما عداها، ولا يُصِيبُ أحدٌ منهم إذ ذاك قبيحاً، ولا محرماً، ولا محظوراً، وكذلك فقد يجوزُ في حكمتِهِ سبحانه أن ينسخَ عنهم بالسمع الواردِ من جهته جميعَ ما تَعَبدهم به، وُيزيلَ فَرْضَه، وُيسقط عنهم تحريمَ كل ما حَرمَ عليهم فعلَه، وأن يجعلَ الواجبَ عليهم من ذلك محظوراً، والمحظورَ واجباً، غيرَ معرفتِه تعالى، وإيجابِ العِلْم بأنه على خِلافِ ما هو عليه من صفاته، وكذلك فلا يجوزُ تَعَبُّدُهم بَأن يعلموا أن بعضَ الأمورِ بخلاف حقيقتِه، وعلى ضِدَ صفتِه. وإنما امتنعَ نهيُه عن معرفته؛ لأنه داخل في باب تكليفِ المحالِ؛ لأنه إذا قال: اعْلَمْ أنَني قد نهيتُك عن معرفتي، وحَظَرْت عليك فِعْلَها،

стр. 267

أو ابَحْتُك فِعْلَهَا وتركَها إن شئت. وجبَ أن يكونَ في ضِمْنِ هذا الخطاب: أنِ اعْرِفْ هذا الخطابَ لي، وأنني أنا المسقِطُ لفرضِ معرفتي عَنك. وهذا نفسُه امرٌ بمعرفته؛ لأنه إذا وجبَ أن يعلمَ أن هذا الأمرَ والنَسخَ واردٌ من قِبَلِ الله، فقد وجبَ عليه أن يَعرفَه، فيصيرُ ذلك في تقدير قولِه: كُنْ عارفاً بي وغير عارف، وهذا ممتنعٌ في التكليف. وكذلك إذا قال له: اعلم أَنَّني على خلاف ما أنا عليه، أو أن بعضَ الحوادثِ على خلاف ما هو في ذاته عليه، كان تكليفاً لمَا لا يَصِحُّ فعلُه ولا تركهُ، وكذلك سبيلُ العلمِ بكلِّ مُسْتدَلٍّ عليه، معِ عَدمِ الدَّليلِ عليه على ما قد بَيَّنَّاه بن قبلُ، فأمَّا ما عدا ذلك، فإنه يجوز نَسخُ جميعِه، وتبديلُ حكمِه. وزعمتِ المعتزلةُ: أن افعال المكلَّفِ على ضربَيْنِ: أحدهما: لا يجوزُ دخولُ النَّسخِ عليه، ولا بُدَّ من ابتداء الأمرِ من الله به، أو ابتداءِ النَّهي عنه، وتبقيتِها ما دام المكلَّفُ حياً سليماً، وهو كلُّ فعلٍ له صفةٌ في العقل تقتضي كونه حَسَناً واجباً، وقبيحاً محرَّماً، لا يجوز تغييرُها، وخروجُه عنها، فالحَسَنُ الواجبُ من ذلك، نحوُ: معرفةِ الله ، ونحوُ: العدل والِإنصافِ، وشُكْرِ المنعِمِ، وأمثالِ ذلك. والقبيحُ، نحوُ: الجهل بالله، والظُّلمِ، وكُفرانِ النِّعْمَةِ، والكَذِبِ، وما يَجري مَجرى ذلك. قالوا: فهذا مما لا يجوزُ نسخُ حكمِه وتغييرُه؛ لأنه لا يتغيَّرعن صفته التي اقتضت حُسْنَه ووجوبَه، أو قبحَه وتحريمَه. وزعمت المعتزلةُ أيضاً: أن معرفة الله وإن كانت حسنةً،

стр. 268

فليس جهةُ وجوبِها كونَها حَسَنةً؛ لأن المباحَ والنًدْبَ حَسَنان، وإن لم يكونا واجبَيْنِ، وإنما جهةُ وجوبِها عندهم كونُها لُطْفاً في فعل الواجباتِ العقليًةِ إذا كانت من فعلنا، وغيرَ لُطْفٍ لو اضْطررْنا إليها. وفي الجملة فإنه ليس جهةُ وجوبِ الشيءِ كونَه حَسَناً فقَطْ، دونَ حصولِ وجهٍ زائدٍ على حُسْنِه يقتضي وجوبَه، وإن كان كونُ الفعلِ قبيحاً جهةً لوجوب تركِهِ على العالِمِ بقبحه، ووجوبِ تحريمِه على الله العالِمِ بذلك، ومن هو في حُكْمِ العالِمِ به. قالوا: فأمًا ما لا صفةَ له في العقل تقتضي كونَه حسَناً واجباً أو قبيحاً من سائر الشَرْعِياتِ، فإنه يجوزُ نسخُه، وتبديلُ حكمِه، بحَسَبِ ما يعلمُ الله سبحانه من صلاح المكلفينَ على إيجابه تارةً، وتحريمِه أخرى، أو إباحتِه، أو الندبِ إليه، وقد دعاهم هذا القولُ إلى أنَ القديمَ سبحانه محكوم عليه في تكليفه لخَلْقِه، محجورٌ عليه وحاشاه من ذلك في تصاريفِه. وبيانُ ذلك من مقالتهم: أنهم قالوا: يجب عليه إذا عَلِمَ المصلحةَ في رفع التَكليفِ أن يرفعَ التكليفَ عنهم، وإن لم يقَعْ فعله بحسَب ذلك، كان خارجاً عن نَمَطِ الحِكْمةِ وسبيلِ العدلِ إلى الجَوْر والسفَهَ -تعالى عن ذلك- وأنَه لا يجوز أن يَنهى عن شيءٍ مما أمَرَ به، إذا كانت مصلحة المكلفين متعلقةً به، ولا يأمرَ بشيءٍ يكون تركة مصلحةً لهم، فصارت أفعاله وشرائعة تحت حَجْرِ مصالحِ خَلْقِه، وهذا مستوفىً في أصول الدَينِ، وليس الإِشباع فيه لَيقاً بهذا الكتاب، وإنما نذكر شَذَراتٍ ئبْنَى عليها حكم أصولِ الفقه ليَتَحذًرَ الناظرَ في كُتبِهم من الوقوع في معتقداتهم، فأكثر الفقهاءِ لا خِبْرَةَ لهم بمثل هذا.

стр. 269

فصل في الفَرْق بين النسخِ والبَداءِ قد بَينَا فيما تقدمَ (١): أن النَسخَ: هو رفعُ ما ثبتَ حكمُه بعد استقرارِه، دونَ رَفْعِ مثلِ ما ثبتَ، ودونَ بيانِ مدَّةِ انقطاعِ العبادة، بما يُغْنِي عن الإِعادة، وذلك جائز على الله سبحانه، وصواب في حِكْمَتِه. فهذا بيانُ النَسخِ تمهيداً للفرقِ بينه وبين البَداءِ. فصل فأما البداءُ فمعناه وحقيقتُه: أنه استدراكُ علمِ ما كان خافياً مستوراً عمن بدا له العلمُ به بعدَ خَفَاء، ولذلك يقال: بدا الفَجْرُ: إذا ظَهَر، وبدا الرَّكْبُ: إذا طلعَ أوائلُه، وبَدا لي من فلانٍ ما كان مستوراً، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨]، وقولُه: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وإذا كان كذلك، وكانت دلائلُ العقول والسمعِ قد قامت ودلت على أن الله سبحانه عالم بما كان، وما يكونُ، وما لا يكونُ أنْ لوْ كان كيفَ كان يكونُ، وبعواقب الأمورِ، ومن كان كذا، ثبتَ أن البَداءَ الذى شرحناه غيرُ جائزٍ عليه سبحَانه (٢).

стр. 270

فصل ولا يَقْتَضِي النَسخُ دلالَة على استدراكِه عِلْمَ ما لم يكنْ عالماً به سبحانه، ولا دَلالَةً على البَداء في إرادته؛ لأن الدَّلالةَ التي دلت على كونه عالماً بكلِّ معلومٍ في كل حالٍ مَنَعتْ أن يكونَ نسخُه للحكم بعد ثبوتِه دلالَةً على استدراك علمِ ما لم يكن به عالِماً، وبُدُوِّ ما لم يَكُ له بادياً، وما ذلك إلا بمثَابةِ ما صدَرَ عنه من الأفعال لُطْفاً وعَسْفاً، فلا لُطْفُ فعلِه دَل على رِقَةٍ وانفعالٍ، ولا عَسْفُه وعَذابُه دلً على اشْتِطاطٍ، بل فعلٌ يتغيرُ عن ذات لا تتغيَّرُ ولا تنفعلُ، والله أعلم. فتغييرُ الحالِ يليقُ بالمكلفين وبزمانِهم، ولا يليقُ بالله سبحانه، فعادَ النًسخُ إلى تَغَيرِ حالِ الشًخص وتغيُّرِ زمانِه ومصالحِه. وإن أتُوا من قِبَلِ تَوَهُّمِهم: أنَ (١) الأمرَ يقتضي الِإرادةَ، والنَهْيَ يقتضي الكراهةَ، وإذا كرهَه بعد أن أرادَه، فقد بدا له. فليس ذلك أصلاً صحيحاً عندنا، بل لا يقتضي الأمرُ الِإرادةَ، ولا النهيُ الكراهةَ؛ لِمَا نُبيِّنُه في باب الأوامرِ ومسائلِ خلافِها (٢). فصل في بيان الفَرْقِ بين النسخِ والتًخصيصِ فيما يفترقان فيه، والجَمعِ بينهما فيما يستويان فيه قد سَبَقَ في التحديداتِ ذِكْرُ العمومِ والخصوصِ، وذكرُ النَّسخِ

стр. 271

وتحديدهُ، والنَّاسخِ والمنسوخِ، بما أغنى عن الِإعادةِ (١). فالتَخصيصُ على قول من أثْبَتَ العمومَ صيغةً موضوعةً لاستغراق الأعيانِ والأزمانِ بالحكم، لا يَحْصُلُ إلا باستثناء مُقارنٍ متَّصلٍ، أو بدليل منفصلٍ من عقل أوسمعٍ أوقياسٍ شرعيٍّ، وكل شيءٍ دَلَّ على أن المرادَ بتلك الصِّيغةِ الموضوعةِ لإِفادة العمومِ بعض ما وُضِعَتْ له، فهو التَّخصيصُ عندهم. والمحقِّقون منهم يقولون: هذه القرائنُ دلالةٌ على ما به يصيرُ الخطابُ مخصوصاً، وهي إرادة النَّاطقِ بالصِّيغة كونَها خاصَّةً، هذا هو المحقَّقُ على قول من قال: إن للعموم صيغةً. ولا يَحْسُنُ ممَّن (٢) منعَ تأخيرَ البيانِ عن وقت الخطاب أن يجعلَ النَّسخَ بياناً لوقت الحُكْمِ؛ لأن النَّاسخ لا يكون إلا متأخَرَاً عن وقت المنسوخِ عنه، ولا يجوزُ النسخُ إلا كذا، فلو كان بياناً، لَمَا اجتَمَعَ طرفا مذهبهِ، بل تناقضَ غايةَ التَّناقضِ؛ لأن النًسخَ مِن شَرْطه أن يقعَ متراخياً عن المنسوخ، والبيان من شرْطه أن لا يتأخَرَ عن الخطاب المبيِّن، بل يكونُ به مقترِناً، فقد بأنَ أن النسخَ رَفعُ ما قُصِدَ واريدَ إثبات حكمِه بالخطاب الأولِ، والتخصيص بيانُ ما أُريدَ بالخطاب مما لم يُقْصَدْ به. فصل وأما ما اتَفَقَ فيه النَسخُ والتًخصيصُ ، فيجبُ أن نقولَ: إنهما

стр. 272

تخصيصان، غيرَ أن النَسخَ تخصيصٌ يوجبُ رفعَ ما ثَبَتَ حكمُه، والتَّخصيصَ الذي ليس بنسخٍ بيانُ ما أُريدَ باللفظِ مما لم يُعَينْ به. فصل في بيان ما ينفصلُ به النسخُ من التَخصيص الذي ليس بنسخ . وذلك من وجوه (١): أحدها: أن التخصيصَ لا يَدْخُلُ في الأمر بمأمور واحدٍ، والنًسخ يكونُ نسخاً بحكم الأمرِ بمأمور واحد (٢)؛ فالفعلُ (٣) الواحدُ يُنْسَخُ بعد فَرْضِه، ولا يصحُ دخولُ التخصيصِ فيه. ومما يَنْفَصِلُ به أحدُهما عن الاَخر أيضاً: أن التًخصيصَ يخْرِجُ من الخطاب ما لم يُرَدْ به، والنًسخُ يرفعُ ما أُريدَ به إثباتُ حكمِه. ومما ينفصلُ به أيضاً: أن من سَبيل النَسخِ كونَه أبداً متراخياً متاخَراً عن المنسوخ؛ لِمَا بَيناه من قَبْلُ، والتَخصيصُ، قد يَصحُّ اتصالُه

стр. 273

بالمخصوص، ويصح تأخرُه عنه، وانفصالُه منه. ومما ينفصلُ به أيضاً: أن النسخَ لا يكونُ أبداً إلا قَوْلًا وخطاباً، والتخصيصُ يكونُ بالخطاب وسائر أدلَّةِ العَقْلِ والسمْعِ، ولا يُنْسخُ حكم بدليل عَقْلٍ. وممَّا ينفصلُ به: أن التَّخصيصَ لا يْنفي دَلالَةَ اللَّفظِ المخصوصِ على ما بَقِيَ تحته، إن كان حيقيقةً أو مجازاً، على اختلاف القائلين بالعموم في ذلك، والنسخ يُبْطِلُ دَلالةَ المنسوخِ، حتى لا يُمْكِنُ مع ورودِ النَاسخِ أن يكونَ دليلًا على ما كان يدُل عليه؛ من ثبوت الحكمِ في تلك الأزمانِ المستقبَلةِ، وهذا الفرقُ يوجبُ أن يكون الناسخ رافعاً لما ثبَتَ من حكم اللَّفظِ المتقدِّمِ لا مَحالةَ، والتخصيصُ مبِّينٌ عن أن الحكمَ ما ثبتَ في المخصوص. ومما ينفصلُ به أيضاً: أن تخصيصَ العامَ يكونُ بخبر الواحدِ، والقياسِ، والاستدلالِ غيرِ القياسِ، وطرقِ الاجتهادِ، وإن كان تخصيصاً لأصل يوجبُ العِلْمَ ويقطعُ العذْرَ، والنسخُ لأصل ما هذه سبيله لا يكونُ بقياس ولا بخبر واحدٍ، لا يجوز ولا يصح إلا بنصٍّ قاطعٍ، وإنْ نُسِخَ خبرُ الواحدِ بمثلِه من الأخبارِ.

стр. 274

فصل فيما (١) يَفْصِلُ به بينهما المخالفون، مما لا يتأتَّى على أصلنا؛ ليعرفَه الموافقُ، فيجتنبَه، وتتأكَدَ بمعرفتِه معرفةُ أصولِنا. فمن ذلك: أنَّهم قالوا: وينفصلُ التَّخصيصُ عن النَّسخ؛ فإن من سبيل التَّخصيصِ أن يكون وارداً قبلَ ورودِ المخصوصِ أو معه أو عَقِيبَه بلا فصلٍ، لمنْعِ تأخّرِ البيانِ عنده عن وقت (٢) الخطاب، والنَسخُ لا يكون إلا متأخراً عن المنسوخ، لا قبلَه ولا مَعَه ولا عَقِيبَه، وهذا أصل نُخالفُه فيه، قد سَبَقَ بيانُنا له (٣). ويكفي في الفصل بينهما عندنا أن يقالَ: النَسخُ لا بُد من كونه متأخَراً متراخياً عن المنسوخ، والبيانُ ليس كذلك، لأنه قد لا يكونُ متراخياً، بل يكون قبلَه أو مَعَه أو عقِيبَه، وقد استوفينا ذلك فيما قَبْل. ومما فَصَلُوا به أن قالوا: من بيان النَسخِ أن يتناولَ الأزمانَ فقَطْ، ومن حقِّ التَّخصيصِ أن يتناولَ الأوقاتَ والأعيانَ وأحوالَ الأعيانِ وصفاتِها وأفعالَها، وهذا ليس بصحيح؛ لما أوْضَحْناه من قَبْلُ أن النسخَ لا يتناولُ ذواتَ الأزمان، ولا ذواتَ الأعيانِ وأحوالِها وصفاتها وأفعالها، وإنما يتناولُ الأفعالَ الواقعةَ في (٤) الأوقاتِ والأعيانِ، دونَ ذواتِ الأحوالِ والصِّفاتِ، وقد سَبقَ في بيان هذا ما أغنى عن إعادته (٥).

стр. 275

فصول في بيان وجوهِ النَّسخِ اعلم أنه يجوزُ أن يَقَعَ النسخُ لُطْفاً وتخفيفاً بعدَ تشديدٍ وتغليظٍ بشهادة الكتاب العزيزِ، وهو قوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عنكم وعَلِم أنَّ فيكم ضَعْفاً فإنْ يَكُنْ منكم مئةٌ صابرةٌ يغلبوا مئتَيْنِ وإنْ يَكُنْ منكم ألفٌ يغلبوا ألفَيْن بإذن الله﴾ [الأنفا: ٦٦]، بعد قولِه: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥]، فَنَسَخَ لقاءَ الواحدِ من المسلمين للعَشَرةِ من المشركين إلى لقاء الواحِد للاثنين. وقولُه: ﴿فالآن باشِرُوهُنَّ وابتغُوا ما كَتَبَ الله لكم وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يتبيَّن لكم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيْط الأسودِ من الفَجْر﴾ [البقرة: ١٨٧]، بعد تحريمِه الأكل والجماع على من نامَ. وقولُه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، ثم نسخَه بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾، وقولُه: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ

стр. 276

أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ يعنى تطيقوه ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] فصل ويجوزُ أن يقعَ النسخُ عقوبةً ومجازاةً على جرائمَ من المكلفين، يشهدُ لذلك الكتابُ العزيزُ، وهو قولُه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. والظاهرُ من هذا اللَّفظِ الذي أخْرجَه بيانَ المقابلةِ لجرائمَ عَدَّدَها أنه حرَّمَ عليهم الطَّيِّباتِ عقوبةً على هذه المخازي المذكورةِ عنهم، المضافةِ إليهم. فصل ويَقَعُ كرامةً وطلباً لرضا المكلَّفِ وماتَطِيبُ به نفسُه، مثلُ قوله سبحانه لنبيِّنا ﷺ : ﴿قد نَرَى تَقَلُّبَ وجهِك في السَّماء فلنُوَلِّيَنَّك قِبْلةً ترضاها فوَلِّ وجهَك شَطْرَ المسجدِ الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤]، وكان يكرهُ استقبالَ قبلةِ اليهودِ، وُيحِحث استقبالَ قبلةِ إبراهيمَ، فنسخَ اللهُ سبحانه ما كرهَه بما رضيَه من القبلتَيْن كرامةً له ﷺ فصل وقد يكونُ ذلك لمصلحة مبنيَّةٍ على ما قَدَّمْنا من سهولةٍ بعد صعوبةٍ، وتخفيفِ التكليفِ؛ لكونه أقربَ إلى الاستجابة استصلاحاً للمكلَّفينَ، وقد يكونُ ابتلاءً من الله، ولا يبينُ وجهُ الأصلحِ فيه؛ إذْ له فعلُ ما شاءَ، يشهدُ لذلك قولُه: [ ]: ﴿سيقولُ

стр. 277

السُّفهاءُ من الناس ما وَلَّاهم عن قبلتِهم التي كانوا عليها﴾، فأجابَهم بقوله: ﴿قل لله المشْرقُ والمغْربُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم﴾ [البقرة: ١٤٢]، وهذا تعليلٌ بمُجَرَّدِ المَلَكةِ، وأبانَ عن الابتلاء بقوله: ﴿وما جَعَلْنا القِبلَةَ التي كنتَ، عليها إلا لنعلمَ من يَتَّبعُ الرَّسولَ ممَّن ينقلبُ على عَقِبَيْهِ وإن كانت لكبيرةً إلا على الدين هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فامتحانُ العقولِ وابتلاؤها بعضُ وجوهِ النسخِ على ما قَررْنا في هذا الفصلِ. فصل ولا يختص بالأصلح؛ لأنا قد بَينَا أنه نسخَ بتحريمٍ وتضييقٍ في مقابلة أجرامٍ عَددَها، والأصلح لُطْفٌ، وليس اللطف مما يصلحُ أن يكونَ مقابَلًا بظلم، فلما قالَ سبحانه: ﴿فبظلمٍ من الذين هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠]، عُلِمَ أنه لايُقابلُ المفسِدَ بالأصلح، وسنُشبعُ الكلامَ في نفي وجوبِه على الله سبحانه في مسائل الخلاف (١)، إن شاءَ الله. فصل والنسخُ على ثلاثة أَضْرُب: نسخُ الحكْمِ دونَ الرسمِ، ونسخُ الرَّسمِ دونَ الحكمِ، ونسخُ الرَّسم والحكمِ معاً. فالاولُ: الوصيةُ للوالدَيْن والأقربين (٢)، والاعتدادُ والتَربصُ بعد وفاةِ

стр. 278

الزَّوج حَوْلاً (١)، وهما جميعاً يُتلَيان في كتاب الله تعالى، فنُسِخَتِ الوصيَةُ بآية المواريثِ (٢)، ونُسِخَ الحولُ بالأربعة أشهر وعشراً (٣). والثَّاني: آيةُ الرَّجمِ، منسوخةُ الرَّسمِ من كتاب اللهِ، وهَمً عمرُ بكَتْبها في حاشية المصحفِ، وخافَ النَّاسَ أن ينسُبُوا إليه الزَيادةَ في المصحف، وهي: ﴿لا تَرْغَبُوا عن آبائكم فإن ذلك كُفْرٌ بكم، الشَيخُ والشَّيخةُ إذا زَنيا فارْجُمُوهما البتَّةَ نكالاً من الله واللهُ عزير حكيم﴾ (٤)،

стр. 279

وهي ثابتة الحكمِ، وهذا تعليقٌ للحكم على الغالب، وأن الشَيخيْنِ يكونان محصَنَيْن، وليس بتعليق على حقيقة السنِّ؛ لأنَ الشَيخَ والعجوزَ إذا لم يكونا تَواطَآ في نكاح صحيحٍ جُلِدا، لكن هذا ممَّا ذُكِرَ فيه السنُّ إحالةً على غالِبِ الحالِ معها. وكذلك ذِكْرُ التَتابعِ في كفَّارةِ اليمين في قراءة ابن مسعود: "ثلاثةِ أيامٍ متَتابِعاتٍ" (١)، نُسِخَ الرسم، والحكمُ- وهو التَتابع- باقٍ عندنا (٢). والثالثُ: مثل ما روي عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: كان فيما أنْزَلَ الله: عَشْر رَضَعاتٍ معلوماتٍ، فَنُسِخنَ بخَمْسٍ معدوداتٍ، فتُوُفِّيَ رسول الله ﷺ وهو مما يُقْرَا في القرآن (٣)، فكانت العَشْرُ منسوخةَ

стр. 280

الرسم إذلم نَقِفْ لها على رسم، ومنسوخةَ الحكمِ إذلم يَبْقَ بالعَشْرِ (١) عِبْرةٌ، ولا تَعَلَّقَ التحريم عليها. فصل وقد روِيَ أن سورةً كانت كسورة الأحزاب رفِعَتْ، وذكرَ فيها: "لو أن لابن آدمَ واديَيْنِ من ذهب لابتغى إليهما ثَالثاً، ولا يملأَ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويتوب الله على مَنْ تابَ" (٢)، ورويَ أن الدَّاجِنَ

стр. 281

أكلت شيئاً كان فيه قرآن ولم يذْكَرْ (١). وأنكرَ هذا قوم من الأصوليين، ولا وَجْهَ للِإنكار إذا صحَّت الرواية بذلك؛ لأنه إن كان القول بالأصلح، فقد يكون الأصلح رفعها، كما كان في الوقت الذي تُلِيَتْ ونزَلَتْ الأصلح نزوئها وتلاوتها، وإن كان القول بمطلق المشيئةِ، فيرفع الله ما يشاء كما ينَزِّل، وقد أعْلَمَ نَبينا ليلةَ القَدْرِ، ثم أنْساهُ ورَفَعهَا (٢)، يعني رفعَ علمَ النبيِّ ﷺ بها؛ بدليَل أنه قال: "فاطلبوها"، ولو كان الرفع لعَيْنها، لَمَا أمرَ بطلبها، كذلك رفعَ عِلْمنا بالسُّورة والآية، لا أنه أعْدَمها وأزالَ ذاتَها، وما خلا إنزالُها من

стр. 282

فائدة، وهي الِإيمانُ بها حيثُ كانت مَتْلُوَّةً، والتَسليمُ لحكم اللهِ حيث رُفِعَتْ، وفي رفعها بعد الإِنزالِ نوع بَلْوىً، قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]، فيكون رفعُ ما أنزلَه ونسخ ما أحكمَه زيادةً في إيمان المؤمنِ بتسليمه الله، وفتنةً للَّذين في قلوبهم مَرَضٌ. فصل وليس من شَرْط النسخِ للحكمِ أن يكون إلى بَدَل، بل قد ينسَخُ إلى بدَل وإلى غير بدلٍ، فيكونُ النسِخ إسقاطاً ورفعاً للحكم من أصله، وذلك كنسخ تَرَبُّصِ زوجةِ المتوفَى ما زاد على الأربعة أشهرٍ وعَشْراً من الحَوْل إلى غير بدلٍ، والاقتصارِ على خَمْس رضَعاتٍ بعد عَشْرٍ، فسقوط الخمْسِ إلى غير بدلٍ. وليس لقائل أن يقولَ: أبْدَلَ الحَوْلَ ببعضه، وأبدلَ العَشْر بنصفها؛ لأن ما بَقِيَ بقيَ على ما كان، والسَّاقطُ منه خَرَجَ عمَّا كان، فلا وجهَ لتسمية ما بقيَ بدلَاً، مع كونِه على حكم أصلِه، والبدل ما قامَ مَقامَ الشَّيءِ، وسَدَّ مَسَده في الحكم الذي علِّقَ عليه، ولو جاز أن يُسَمَّى بعضُ الحولِ بدلًا؛ لَسُمَيَ ما بقيَ من الصَلاةِ المقصورةِ في السَّفَر بدلًا عن التَّامَّةِ في الأصل. فصل وما نُسِخَ إلى بدَل على خمسةِ أضْربِ: نسخُ واجبٍ إلى واجب، ونسخ واجبِ إلى مباحٍ، ونسخُ واجبِ إلىَ نَدْب، ونسخُ محظورٍ إلى مباح، ونسخُ إباحةٍ إلى حَظْر، وهي مَما قد يكونُ عقويةً.

стр. 283

فصل فأما نسخُ الواجبِ إلى الواجب ، فعلى ضَرْبَيْن (١): نسخ واجبِ معينٍ إلى مثله في الإِيجاب والتَعيين، كنسخ الاتِّجاهِ إلى بيت المقدسِ إلى الاتَجاهِ نحْوَ الكعبةِ. ونسخ واجب موسَّعٍ بالتَّخيير إلى واجب مضيقٍ بالتَعْيينِ، كالصِّيام، كان المُطِيقُ القادرُ عليه في صَدْر الإِسلامِ مخيراً بين الصِّيام والفِدْيَةِ طعام مسكينٍ مع الإِفطارِ، فقالَ سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]،، ثم نُسِخَ إلى الصَّوم حَتْماً وتعييناً من غير تخييرٍ، مع الإِقامةِ والصِّحَّةِ بقوله تعالى: ﴿فمن شَهِدَ منكم الشَهْرَ فَلْيَصُمْه﴾، وتقديرُه: شَهدَ منكم الشَّهْرَ صحيحاً مقيماً ﴿فَلْيَصُمْه﴾، بدليل قولِه: ﴿ومن كان (٢) مريضاً أو على سَفَرٍ فَعِدَةٌ من أيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمرضُ والسَّفرُ لا يُعْدِمانِ شهادةَ الشَهْرِ، لكنْ يُعْدِمانِ صفتَيْنِ في الشَّخص: الإِقامةَ والصِّحَّةَ، فثبتَ التَّقييدُ في الإِبدالِ، وهو (٣) نوعُ توسعةٍ مع العُذْرِ، بعدَ أن كان التًخييرُ مع الصِّحةِ والإِقامةِ توسعةً مع عَدَمِ العُذْرِ. فصل وأما نسخُ الواجب إلى المُباحِ: كالصَّدقةِ عند مناجاةِ الرسول ﷺ بقوله: ﴿وإذا ناجَيْتُمَ الرًسولَ فقَدً موا بينَ يَدَيْ نجواكم صدقةً﴾

стр. 284

[المجادلة: ١٢]، فنُسِخَ ذلك الوجوبُ إلى جواز فعلِها وجواز تركِها بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) [المجادلة: ١٣]. فصل وأما نسِخُ الواجب إلى النَّدْب: كالمصابرةِ، كان في صَدْر الإِسلام واجباَ على الِإنسَان المجاهدِ أن يُصابِرَ عَشَرَةً من المشركين، فنُسخَ إلىَ اثنين وجوباً، ونُدبَ إلى مصابرة ما زاد على الاثنين (٢)، وقد تَلَونا الآيَ في ذلك في فصل نسخِ الأشدَ إلى الأخفِّ (٣). فصل وأما نسخُ الحَظْرِ إلى الِإباحة (٤): فقولُه تعالى: ﴿عَلمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتانُون أنفسَكم فتابَ عليكم وعَفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كتبَ اللهُ لكم وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبينَ لكم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيط الأسودِ من الفجْر﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكان الأكلُ والمباشرةُ محظورةً إذا نامَ ثم استيقظَ، ثم نُسخَ بالاَية المَتْلُوةِ أول هذا الفصلِ. ومن السنَة قولُه ﷺ : "كنتُ (٥) نَهَيْتُكم عن زيارة القُبورِ، ألا

стр. 285

فزُوزوها، و (١) كنتُ نهيتكم عن ادِّخار لحومِ الأضاحي، ألا فادَخِروها" (٢). فصل وأما نسخ الِإباحةِ إلى الحظر: فهو كنسخ إباحةِ الشُّحُوم على اليهود لأجل ظلمِهم، بالحظْر لها عقوبةً، وكنسخ الخمرِ على أَمَته بعد إباحتِها مصلحةً، أو إرادةً مطلقةً. فصل قال بعضُ أهلِ العلمِ: وفي تقديم الأشَقَ على الأسهَلِ الأخَفِّ حِكْمَةٌ لها تأثيرٌ في التَكليف، وذلك أن النفوسَ إذا استشعرت لزومَ الأصعب، وتوَطنَتْ على التزامه، ثم جاءَ ما هو أسهلُ منه، سَهُلَ زيادةَ سهولةٍ، وهذا نجده من عاداتنا؛ فإن الظُلْمَ من السلاطينِ، والمُسْتامِينَ من الباعةِ، إذا ساموا الكثيرَ من المال والوافرَ من الأثمان، ثم جاءت المساهلة بإسقاط البعضِ، سَهُلَ الباقي، وإن كان الثمنُ الذي صارَ إليه، هو القدْرَ من الثَمن الذي هو ثمنُ المثْل، والقَدْرُ الذي صارَتِ
следующие страницы →