جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وذلك هم الصّحابةُ وغيرُهم، فلا يخرجُ علماءُ كل عصرٍ عنِ العموم إلا بدليلٍ صالح لتخصيصِ العمومِ.
ومنها: الأحاديثُ المرويَّة عنِ النبيِّ ﷺ في مسألةِ الإجماع التي احتجَجْنا بها على إبراهيمَ النطام: "أمتي لاتجتمعُ على ضلالةٍ" (١)، "عليكم بالسّواد الأعظمِ " (٢)، "إيّاكم والشّذوذَ" (٣)، "من فارقَ الجماعةَ ولو قِيدَ شبرٍ فقدْ خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِنْ عُنقِه" (٤)، ولا يجوزُ قَصْرُ هذا على أصحابه- ﷺ ؛ لأنّ جميعَ خطابِ القرآنِ والسّنّةِ بلاغٌ، وقد قالَ الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
ومنها: أنّ العصرَ الثانيَ والثّالثَ ومَن بعدَهم يشتركون في خطابِ الآيِ والأخبارِ، وٍ كلُّ ما كانَ حجةً على الأوائلِ مِن كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولِه كانَ حجّة على مَن بَعْدَهم (٥) كذلك الإجماعُ لمّا كانَ حجَّةً على العصرِ الأول كان حجة على الثاني.
стр. 2207
ومنها: أنّ العلّة التي لأجلها كانَ إجماعُ الصحابةِ حجَّةً معصومةً، أنَّ بالأمَّةِ حاجةً إلى ذلكَ بعدَ نبيِّها ﷺ ، إذْ لا نبيَّ بعدَهُ، وهذا في الأواخرِ موجودٌ كما في الأوائلِ، بلِ الأواخرُ أحوجُ إلى حجّةٍ معصومةٍ.
ومنها: أنَّ آحادَ العُلماءِ في بابِ جواز تقليدِ العامّةِ لهم، والتسويغ لاجتهادِهم في الحوادثِ، كآحادِ الصحابةِ رضوانُ الله عليهم، ولم يختصَّ آحادهم بالتسويغ في الاجتهادِ وجوازِ التقليدِ، كذلكَ جماعتُهم يجبُ أنْ يُساووا جماعةَ الصحابةِ في عصمةِ (١) اتفاقهم عن الخطأِ، لئلاْ يخلوَ عصرٌ مِن حجّةٍ معصومةٍ، كما لم يخل عصرٌ مِنْ مجتهدٍ مُتبَع فيُرجَعُ إلى فتياهُ وحكمِهِ.
ومنها: أنّه اتفاقُ علماءِ العصرِ على حكمِ الحادثةِ، فكانَ إجماعاً كاتفاقِ الضحابةِ.
ومنها: أنّ رواية الصّحابةِ لم تختصَّ بالقَبُولِ دونَ مَن بعدَهم، فكذلك يجبُ أنْ يكون، في بابِ الاجتهادِ.
فصل
في شُبَهِ المخالفِ
فمنها: قولُه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وهذه صفاتُ الصّحابةِ، فكانَ
стр. 2208
الخِطالب مصروفاً إليهم، والعصمة موقوفةٌ علي إحماعِهم، إذْ لا طريقَ لنا إلى العصمةِ إلاً بالسمع، والسمغ إنّما وردَ فيهم، فأمَّا أهل الأعصارِ المتأخرةِ فإنّما وردتِ السّنّةُ بذمِّهم بقولِه: "ثُمَّ يَفشو الكذبُ" (١) ثمّ ذكرَ الفتنَ، وأنّ الرّجلَ يصبحُ مؤمناً، ويمسي كافراَ، وأنّ ألواحدَ منهم يحلف على ما لا يعلمُ، ويشهدُ قبلَ أنْ يستَشهدَ، وأنّ النّاسَ يكونونَ ذئاباً (٢)، إلى أمثال ذلك (٣ بما ينافي ما ذُكِرَ ٣) من صفتِهم بالعِصْمة (٤).
ومنها: أنّ (٥ المعوّلَ عليه هو قول ٥) الصادق المؤيدِ بالمعجِزِ، لكنْ وردتِ السّنّةُ بقولِه ﷺ :"أصحابي كالنجومِ بِأيِّهمُ اقتديتُم اهتديتم" (٦)، "عليكم بسُنتي وسُنّةِ الخلفاء الرَّاشدينَ مِنْ بعدي" (٤)، فرجعنا إلى أقوالِهم لأجلِ السُّنّةِ، وبقيَ مَنْ عداهم على حكمِ الأصلِ.
ومنها: أنّ فقهاءَ الأعصارِ لا يمكنُ حصرُهم ولا العلمُ باتفاقِهم لتباعدِ الأقطارِ، وما لا يمكن تحصيلُه لا يكونُ حجةً مِن حجج الشّرع، بخلافِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم، لأنهم كانوا محصورينَ معلومينَ.
стр. 2209
فصل
في الأجوبةِ عَن شبهةِ المخالفِ
فأمّا دعواهم أنّ الآيةَ خطابٌ للصحابةِ فغيرُ صحيحةٍ، بل الخطابُ لسائرِ الأمّةِ وأهلِ جميع الأعصارِ مِن المسلمينَ مِمَّن تشتمل عليهم الصفاتُ المذكورةُ، كالخطابِ مِن اللهِ سبحانَه بالعباداتِ، يوضحُ هذا أنّه لو كانَ مَقصوراً على أهلِ العصرِ الذي نزلتْ فيهِ، لكانَ مقصوراً على المبلّغ وقتَ نزولِها، فلمّا عمّت مَن كانَ بالغاً ومن بلغَ بعدَ نزولِها بزمانٍ، علِمَ أنّها شاملَةٌ عامّةٌ غيرُ مقصورةٍ على مَن نزلتْ في عصرِهِ (١).
وأمّا دعواهم أن المِدحةَ بالعصمةِ تختصّ الصحابةَ، فلا (٢) وجهَ لها معَ كونِ ما مُدِحت الصحابةُ لأجلِه موجوداً في آحادٍ مِن أهلِ الاجتهادِ في كلِّ عصرٍ، لا يُخلي الله منهم عصراً مِن الأعصارِ، وقد وردتِ المدحةُ فيهم خاصةً بقولِه: "واشَوْقاهُ إلى إخواني"، فقال أصحابُه: ألسْنا إخوانَك؛ فقال: "أنتم أصحابي، وإخواني قومٌ يأتونَ مِن بعدي يؤمنونَ بي ولم يرونِي" (٣)، وقالَ فيهم فِى متونِ الأحاديثِ والمسُّننِ: "الذينَ
стр. 2210
يَصلُحونَ إذا فسَدَ النَّاسُ" (١).
وأمّا قولُهم: إنّ فقهاءَ الأعصارِ لم يمكنْ ضبطُهم، فهذ! قولُ مَن إذا تصوّرَ ذلك بحصرِهم وقلّة عددِهم كانَ قولُهم حجةً، وهذا لا يختلفُ باختلافِ الأعصارِ، وإنّما هذا بحسبِ الكثرةِ والقلّةِ.
فصل
إذا خالفَ الواحدُ والاثنانِ حكماً اتفقَ عليهِ الجماعةُ، لم يُعَدَّ ذلكَ إجماعاً في أصحِّ الروايتينِ، وهوَ قولُ الجماعةِ، وفيه روايةٌ أُخرى: يكونُ إجماعاً، ولا يؤثرُ خلافُ الواحدِ والاثنينِ، وإلى هذا المذهب ذهب محمدُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ (٢) صاحبُ "التاريخ"، وحُكيَ عن أبي بكرٍ الرازيِّ (٣) أيضاً، حكاهُ أبو سفيانَ.
стр. 2211
وقال أبو عبد الله الجُرْجانيُّ (١): إنْ سوَّغتِ الجماعةُ الاجتهادَ في مذهبِ ذلكَ الواحدِ كانَ خلافُه معتدّاً به، مثل خلافِ ابنِ عباسٍ في العَوْل، وإن أنكرت الجماعة على الواحد لم يُعتدَّ بخلافه، مثل قول ابن عباس في المتعةِ والصَّرفِ (٢).
فصل
يجع أدلَّتنا للرّوايةِ الأولى
بأنه (٣) لا ينعقدُ الإجماعُ معَ خِلافهَما.
فمنها: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، ومع الخلاف فالتنازعُ حاصل، فوجبَ أنْ يُردَّ إلى اللهِ سبحانَهُ، وهو الرجوعُ إلى كتابِه وسُنّةِ رسولِهِ دونَ قولِ أحدِ المتنازعينِ.
ومنها: أنّه فد جرى ذلك في عصرِ الصحابةِ، فعمِلوا بما ذكرنا دونَ ما ذهبَ إليهِ ابنُ جريرٍ، فمِن ذلك ما رُويَ: أنّ الصحابةَ خالفوا أبا بكرٍ في قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ وناظروهُ وحاجُّوهُ بالسُّنةِ، وأجابَهم عن ذلك (٤)، ولا أحدَ منهم قالَ: إنّ اتفاقَنا حجّة مانعة لكَ مِن المخالفةِ لنا، فصارَ ذلك
стр. 2212
إجماعاً منهم على قولِنا، وكذلك ابنُ عباسٍ وابنُ مسعودٍ انفردا عَنْ جميع الصحابةِ بمسائلَ معروفةٍ، ولم يمنعوا مِن الخوضِ في الخلافِ، ولا قيلَ لهما: قدْ حجَّكم الإجماع، فأمسِكوا عنِ المخالفةِ.
ومنها: أنّه لو ثبَتَ هذا المذهبُ عدِمنا الثِّقةَ بالإحماع؛ لأنَّ كلّ واحدٍ مِن المجتهدينَ إذا عَلمَ أنّه لا يعوَّلُ على قولِه في الإجماع ولا يختلُّ بخلافِه، صانَ نفسَهُ عَنْ إسقاطِه؛ لأنّه فاسدٌ، وتحريرُ هذا يُسْقِطُ الثّقةَ بالموافقةِ.
ومنها: أنّه إنّما أثبتْنا العصمةَ والقطعَ بقولِ الجماعةِ لأجلِ أنّ الشّرعَ نَطَقَ بذلكَ، فقالَ: "أمّتي لا تجتمعُ على خطأٍ"، ورُويَ: "على ضلالةٍ"، فإذا لمِ يكنْ لنا إجماعٌ بلْ كانَ الخلافُ واقعاً، بقينا على الأصلِ وأنْ لا عصمة.
ومنها: أنّه لو قلَّ أهلُ الاجتهادِ فلمْ يبقَ إلاّ الواحدُ والاثنانِ، لوباءِ عَرَضَ، أو لِفِتنةٍ استوعبتْهم -والعياذُ باللهِ- كما قلَّ القرّاءُ في قتالِ أهلَ الرِّدَّةِ بكثرةِ مَنْ قُتلَ مِن قُرّاءِ السلمينَ، كان مَن بقيَ مِن المجتهدينَ مستقلاً بالإحماع، ولم ينخرمِ الإجماع لعدَمِ الكثرةِ، وإذا كانَ هذا العدد القليلُ يصلُحُ لإثباتِ أصلِ الإجماع المقطوع بهِ، فأَوْلى أنْ يصلُحَ لفلِّ الإجماع واختلالِه. بمخالفتِه.
ومنها: أنّا لا نأمَنُ أنْ يكونَ الحقُّ في البلدِ ومع العددِ اليسير، كما كشفتِ الحالُ عَنْ إصابةِ أبي بكرٍ فيما توحَّدَ بهِ مِن الرّأيِ بذمِّ الرِّدَّةِ، حيثُ صارَ الكلُّ إلى قولِهِ، وكما كشفَ الوحيُ عنْ إصابةِ عمرَ في
стр. 2213
الأسرى يوم بدرٍ (١)، وإذا كانَ كذلك فلا يؤمنُ أنْ يكونَ الحقُّ معَ المخالفينَ للحكمِ الذي اتفقَ عليهِ الأكثرونَ، فلا يجوزُ مع هذا الاعتدادُ بقولِ الأكثرينَ إجماعاً مع هذه الحالِ وهذا التجويزِ.
ومنها: أنّه قولٌ بالتحكُّمِ لم يتفقْ عليه فقهاءُ العصرِ، فلا يُقطعُ به، كما لو كانَ المختلفون في العددِ سواءً.
ومنها: أنّ الواحدَ والاثنينِ عددٌ لا وجهَ لتخصيصِه بتركِ الإحفالِ بهِ دونَ أنْ يكونَ الأربعةُ والخمسةُ كذلك (٢)، فلما كانَ الأربعةُ والخمسةُ بالإضافةِ إلى الكثرةِ يُعبَأُ بهم، ولا تُهملُ فتواهم، ولا ينعقدُ إجماعُ الأكثرينَ دونَهم، كذلك الواحدُ والاثنانِ، ولهذا جازت فتواهم، وسُوِّغ اجتهادهم، ولم يجزْ لهم تقليدُ مَن خالفَهم.
فصل
يجمعُ شُبَه المخالفِ في الرِّوايةِ (٣) لنا
فمنها: قولُ النّبيّ ﷺ :"عليكم بالسوادِ الأعظمِ" (٤)، "عليكم
стр. 2214
بالجماعةِ" (٢)، "يدُ الله على الجماعةِ" (١)، وقولُه: "اثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ" (٢)، "إيّاكم والشذوذَ" (٣)، والواحدُ، والاثنان بالإضافةِ إلى الجماعةِ شُذوذ، وقد نهانا عنِ الأخذِ بقولِهم.
ومنها: أنّا أجمعنا على تقديمِ الخبرِ المتواترِ وألغيْنا خبرَ الواحدِ والعددِ اليسيرِ، فكذلك فِى بابِ الاجتهادِ، وما ذلك إلاّ لأنّ الخطأَ يبعُدُ عَنِ الجماعةِ، ويقرُبُ مِنَ الآحادِ.
ومنها: أنّ الأخبارَ تُرجّحُ بكثرةِ عددِ الرّواةِ، فيجبُ (٤) أنْ يقدّمَ فِى بابِ الرّأيِ الأكثرُ، ويُسقَط حكمُ الأقلِّ.
ومنها: أنّ خلافةَ أبي بكرٍ لما اجتمعَ عليها الأكثرونَ، وشذ مَن شذَّ مِن الأنصارِ وأهلِ البيتِ، لم يعوِّل الصحابةُ على خلافِهم لأجلِ القِلةِ والشّذوذِ، وبنوا أمر الخلافةِ على الكثرةِ والغالبِ، وكذلك لمّا خالف ابنُ عباسٍ الجماعةَ فِى المتعةِ (٥) وبيع الدرهمِ بالدرهمينِ (٦)، أنكر عليه ابنُ الزبيرِ
стр. 2215
المتعةَ، وأنكرت الجماعةُ ربا الفَضْل، وإنّما كانَ ذلكَ لوَحدتِه في المذهبِ.
ومنها: أنّه لمّا جاز أنْ يكونَ في الجماعة المتفقينَ مَن يخالفُ، ويُسِرُّ الخلافَ، ولم يمنع ذلك انعقادَ الإجماع، كذلك إذا أظهرَ الواحدُ والاثنانِ الخلافَ يجبُ أنْ لا يمنعَ انعقادَهُ.
فصلٌ
في جميع الأجوبةِ عَنْ شُبَههم
فأمّا الخبرُ (١ في مَدْح ا) الجماعةِ والحثِّ علىَ اتباعِها، فإنّ المراد بهِ الإجماعُ الذي لا يشذّ عنهُ أحدٌ مِن أهلِهِ، ولهذا لو كانَ المجتهدُ واحداً أو اثنينِ، كانَ الحثّ على اتباعهما واتباعُه داخلاً تحتَ هذا الخبرِ.
ومَن شذّ، إنما المراد به مَنْ عَدَلَ لا باجتهادٍ، وإنّما شذّ عناداً ومخالفةً، لا بدلالةٍ، بدليلِ أنّه مأمور بالاجتهادِ، فمحال أنْ يُذَمَّ على ما أمِرَ بهِ، أو يؤمرَ بتقليدِ غيْرِهِ مع تلوح الدليلِ لهُ في الحكمِ الذي صارَ إليهِ.
وأمّا قولُهم: "اثنانِ فما فوقَهما جاعةٌ" (٢) فإنّما الرادُ بهِ جماعة الصلاةِ، وأمّا تقديمُ خبرِ التواترِ وإسقاطُ خبرِ الواحدِ إذا تقابلا، فلأنّ خبرَ التواترِ يوجبُ العلمَ القطعيّ، ولا يجوزُ عليه الكذبُ، وخبرُ الواحدِ
стр. 2216
والآحادِ لا يُقطَع بصدقِهِ، ويجوزُ عليهِ الكذبُ، فأمّا في مسألتِنا، فإنَّ كل واحدٍ مِن الفريقينِ يجوزُ عليهِ الخطأُ، ولا يقطع بصوابِه، ولأنّ الأخبارَ تُقدّمُ وتُرجح بكثرةِ العددِ، ولا يرجح إلاجتهادُ بكثرةِ العددِ، بل ببلوغ الحدِّ المعصومِ، والمعصومُ هو: ما لايختلفُ علماء العصرِ فيهِ، ولا عصمةَ مع الخلافِ، كما لا قطعَ بصدقِ الرّواةِ مع عدمِ التواترِ.
وأما قولُهم: الأَخبارُ تُرجح بالأعداد، كذلكَ ها هنا نرجِّحُ الأكثرينَ مِنَ المجتهدينَ على الواحدِ والاتنينِ، فليسَ ممَّا نحنُ فيهِ بشيءٍ؛ لأَنَّ أقوالَ المجتهدينَ لا ترجَّحُ بكثرةِ العددِ، فما (١) تعلَّقوا بِه مِن التَّرجيح ليسَ. بمؤثر في مسألتِنا.
فأمَّا خلافَةُ أبي بكرٍ، فإنها انعقدت بمن بايَعَ منهم، وليسَ مِن شرطها الإجماعُ، ثم إنَّ إجماعَهم لوْ كانَ مشروطاً كانَ من شرطِهِ حضورُهمِ، ولأوفَوْها حالةً واحدةً ومجلساً واحداً، وقدْ دخلَ النَّاس في بيعته أرسالاَ، وجاءَ أهلُ البيتِ راضينَ (٢ ببَيعَتِه، مُقبلين ٢) على مبادَرَتِه معتذرينَ عَنْ تخلفِهم بشُغلِهم. بمصابِهم برسولِ اللهِ ﷺ ، فاعتذرَ كلّ منهم إلى صاحبِه، وأجمعتِ الأمة عليهِ. وأمّا الأنصارُ فكانت لهم جولة قبلَ سماع ما رُويَ لهم مِن قولِ النبيِّ- ﷺ : "الأئمةُ من قريشٍ" (٣)، [ثم] زالَ خلافُ الأنصارِ
стр. 2217
ورضيَ سعدٌ، ومَن تخلفَ عن بيعتِه تخلفصَ عناداً، أو تَقِيَّةً، أو لارتيابِ، أو لشبهةٍ عَرَصَت لَه إلى أنْ زالتْ.
وأمّا ابنُ عباسٍ فإنّهم لم ينكروا عليهِ اجتهادَه باجتهادِهم، وإنما رَوَوْا له الأخبارَ المرويَّةَ في رِبا الفضلِ، ولم يكن عندَه إلا ما رُويَ في ربا النَّسيئةِ، وكذلكَ رووا لَه نسخَ المتعةِ والرواياتِ التي تضمَّنتْ نسخها، فلزِمَهُ الرُّجوعُ إلى السُّنةِ، فأمَّا الاجتهادُ فلا، على أنَّ الإنكار الذي كان يجري بينهم لا يدلُّ على لزوم المذهب الذي دعا كلٌّ منهم إليه، فإنَّ مسائلَ الاجتهادِ كان كلٌّ منهم ينطق بحجَّتِهِ، ويجعلُ الإنكارَ لمخالفةِ الحجةِ، فهذا يقولُ: ألا يتقي الله زيدٌ؟ ايجعلُ ابنَ الابنِ ابناً، ولا يجعلُ أبا الأبِ أباً؟ (١) وهذا يقولُ: مَن شاءَ باهلني باهلته، والذي أحصى رملَ عالجٍ عدداً، ما جعلَ الله في الفريضةِ نصفاً ونصفاً وثلثاً (٢)، وإلى أمثالِ ذلكَ.
وأمّا دعواهم جواز إسرار الخلاف في حقِّ بعضِ المتفقينَ، فلا نُسَلِّمُهُ، لأَنَّ تجويزَ ذلكَ يمنع الثقة، ويزيلُ القطعَ والعصمةَ، وما ذلكَ إلابمثابةِ تجويزِ إسرارِ النبيِّ ﷺ لبعض ما أُوحيَ إليهِ وشُرِعَ له.
فصل
انقراضُ العصر معتبر لصِحَّة الإجماع واستقراره ، فإذا تراجعَ بعض
стр. 2218
الصَّحابةِ أو جميعهم عن حكمٍ تقدَّمَ إجماعُهم عليهِ، انحلَّ الإحماع، (١ولو أدركَ ١) بعضُ التابعينَ عصرَ الصَّحابةِ وهو مِن أهلِ الاجتهادِ، اعتُدَّ بخلافِهِ، ذكرَهُ أحمدُ.
واعتدَّ بخلافِ عليِّ ﵁ في بيع أُمهاتِ الأولادِ بعدَ اتَفاقِهم على منع بيعِهنَّ (٢)، وحدِّ عمرَ الشَّاربَ ثمانينَ بعدَ أن ضربَ أبو بكرٍ أَربعينَ، وضَرَبَ عليٌّ في خلافةِ عثمانَ أربعين (٣)، فاعتدَّ بخلافِ مَن خالف بعدَ الاتِّفاقِ.
وإليهِ ذهبَ بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ (٤).
وذهبَ المتكلمونَ مِنَ المعتزلة، والأشعريةِ، وأصحابِ أبي حنيفة فيما حكاهُ أبو سفيانَ، وبعض أصحاب الشافعي إلى أن انقراض العصر ليس بشرطٍ (٥).
стр. 2219
وقد ذهب بعض إصحابِ الشافعيِّ (١) إلى تفصيلٍ فقالوا: إن كان القول منهم مطلقاً، لم يُعتَبَر انقراضُ العصر، وإن كان مقيداً، فإن قالوا: هذا قولنا، ونحنُ نجوِّزُ أَنْ يكونَ الحقّ غيرَ ما ذكرْنا، وإنِ اتَّضحَ الحق في غيرِهِ صِرْنا اليهِ، لم يكنْ إجماعاً (٢).
وقيلَ: إنَّ التفصيلَ في الوجهِ الثَّالثِ: إنْ كانَ قولاً من الجميع، لم يعتَبرْ فيهِ انقراض العصرِ، [و] إنْ كانَ قولاً مِن البعضِ وسكوتاً مِن الباقينَ، يُشترطُ فيه انقراضُ العصرِ.
وفائدةُ الخلافِ: أنَّ مَن قالَ باشتراطِ انقراضِ العصرِ، يجعلُ (٣) رجوعَهم أو رجوعَ بعضِهم مزيلاً رافعاً للاجماع، ويكونُ التسويغُ بحالهِ، ومَن قالَ: لا يكونُ شرطاً، يقولُ: إنَّ إجماعَهم التقدمَ يُحَجّ به كلُّ راجع، فلا يُلتفتُ إلى خلافِهِ.
فصل
في جمع أدلِننا
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ
стр. 2220
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوجه الدَّلالةِ أَنَّه جَعَلَهم شهداءَ على غيرِهم، فأمَّا على أنفسِهم فلا، وأنتم تجعلونَهم حجَّةً على أنفسِهم.
ومنها: ما احتجَّ بهِ صاحبُنا مِنْ أقوالِ الصَّحابةِ، فمنها: ما رُوِيَ عن على أنَّه قالَ: كان رأيَ مَعَ رأيِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ: أنْ لا تباعَ أمَّهاتُ الأَولادِ، وأرى الآنَ أَن يُبَعْنَ، فقالَ له عَبيدةُ السَّلْمانيُّ: رآيك معَ الجماعةِ أحبُّ إِلينا مِنْ رأيِكَ وحدَكَ (١).
وإظهارُ علي للخلاف بعدَ الاتفات يكفي، فكيفَ وقدْ أقرَّهُ الجماعةُ، وغايةُ ما نطقَ بِهِ عَبيدةُ ترجيحاً لأحدِ الاجتهادينِ وهو الأَوَّلُ. وروى عطاء عَنِ ابنِ عباس أنَّه قالَ: واللهِ ما هيَ إلاَّ بمنزلةِ بعيرِكَ وشاتِكَ (٢).
وكانَ عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ يبيحُ بيعَ أمَّهاتِ الأَولادِ (٣).
ومنها: أنّه قولُ معصومٍ، أو قولُ مَنْ جعل الشَّرعُ قولَه حجَّةً، فلم يستقرَّ إلاَّ بموتِهِ، كالنبيِّ ﷺ .
ومنها: أنَّ ما ذهبَ إليهِ المخالفُ يجعل قولَ الإنسانِ عَنِ اجتهادِهِ مانعاً لَهُ عِن اجتهادِهِ، وهذا فاسدٌ؛ لأَنَّ الرأيَ أبداً عندَ المراجعةِ والتحيّر وتكرارِ النَّظرِ يكونُ أصحَّ، ولهذا قالَ الله سبحانَهُ: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا
стр. 2221
﴿الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] فجعلوا باديَ الرَّأيِ مطعناً، فلا يجوزُ أَنْ يُجعل اَلرَّأيُ الأوَّلُ محكماً على الرأيِ الثاني ومانعاً منْهُ، سيَّما مِن شخْص واحدٍ، ولا سيَّما وأدلةُ الاجتهادِ ظنٌّ صادِرٌ عنْ أمارةٍ، فإذا بان له أنَّ الأولَ خطأٌ، زالَ ما كانَ يظنّهُ دليلاً، [وِ]، ليس بدليل لكنه شبهةٌ حصرته (١) عن صحَّةِ التأملِ، وصارَ كرجلٍ بانتْ له القِبلةُ بأمارةٍ صحَّتْ عندَهُ، بعدَ أَنْ كانَ عندَهُ أَنَّ القِبلةَ إلى جهةٍ غيرِها بأمارةٍ بانَ له فسادُها، وكذلك الوحيدُ في الاجتهاد يرجِعُ إلى اجتهادِهِ الثَّاني، حتى إنَّهُ لوْ حكمَ في حادثةٍ، وبانَ له في مثلِها خلافُ الأَوَّلِ، صارَ إليهِ، تعويلاً على ثاني اجتهاديهِ دونَ أوَّلِهما.
ومنها: لأصحابِ الوجهِ الثالثِ، وهو التفصيلُ، أَنَّ المجتهدَ قَد يسكتُ، لأَنهُ في رَوِيَّةِ النظرِ، فلا يُقطعُ عليهِ. بموافقةٍ حتى يمضيَ زمانُ اجتهادِهِ بوفاتِهِ.
فصل
في الأسئلةِ على أدلَّتنا
فمنها: أَنَّ الآيةَ تقتضي أَنْ يكونوا شهداءَ على الناسِ، وليسَ فيها نفيُ شهادتِهم على أنفسهم، بلْ رُبَّما كانَ إثباتُ شهادتِهم على غيرِهم تنبيهاً على قَبولِ قولِهم على أَنفسِهم، فإنَّ الإقرارَ يُقبلُ على مَنْ لا تُقبلُ شهادتُهُ على غيرِهِ، وهمْ غيرُ العدولِ، ولأنَّ ذلكَ عائد إلى يومِ القيامةِ.
стр. 2222
ومنها: أَنَّ قولَ علي يعطي اتفاقَهُ معَ عمر فقطْ، وهذا قولُ اثنينِ اتَفقا يرجعُ أحدُهما إلي رأيٍ خالف بِهِ الرأيَ الذي وافَقَ بِهِ، وليسَ هذا بإجماع ولا مِمَّا نحنُ فيهِ بشيءٍ.
ومنها: قولُهم: إنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما كانَ قولُه الثَّاني هو المعمولَ بِهِ وعليهِ، ولم يستقرَّ قولُهُ إلاَّ بموتِهِ ﷺ ؛ لأَنَّ النسخَ مِنَ اللهِ سبحانَهُ مُتَرَقب، والنَّسخ إنَّما هو بقول غيره لا بقول نفسه، وبقول مَنْ لا يقولُ: إنَّ الأَوَّلَ خطأ، وإنَّما يقول: إنَّ الأول صوابٌ ومصلحةٌ إلى الآنَ، والآنَ قَدْ كانتِ المصلحةُ إزالةَ ذلكَ الحكمِا الأَولِ، وها هنا يفضي إلى تخطئةِ الاجتهادِ في الحكمِ الأَولِ، ولا يجوزُ تخطئةُ الجماعةِ، ولو جُوِّزَ تخطئَتُهم لا حصلتِ الثِّقةُ بإجماعِهم.
ومنها: سؤالُ مَنْ قالَ بالتفصيلِ مِنْ أصحابِ الشَّافعي: أنَّ الظَّاهرَ مِن سكوتِهِ موافقتُهُ، وفي سكوتِهِ نوعُ احتمالٍ، فإذا قالَ بعدَ ذلكَ كانَ القولُ الأولُ صريحاً يقضي على الظَّاهرِ، فأمَّا إذا وافقَ قولاً فَلَمْ يبقَ احتمالٌ، فكانَ إجماعاً قطعياً لا يجوزُ أَنْ يؤثرَ فيه خلافٌ.
فصل
في الأجوبةِ عَنْ أسئلئهم
فأمَّا قولُهم على الاَيةِ: ليْسَ فيها أَنَّهم ليسوا حجَّةً على أنفسِهم، ففيها ذلكَ، لأَنهُ غايَرَ بينَ أنفسِهم وبينَ غيرِهم، فجعلَهم شهداءَ على النَّاسِ وجعلَ الرَّسولَ عليهم شهيداً، فأفادَ ذلكَ أَنَّ الشَّهيدَ عليهمُ الرَّسولُ
стр. 2223
خاصَّةً دونَ أنفسِهم، كما أنهمْ شهداءُ على النَّاسِ دونَ الرَّسولِ ﷺ واعتبار عدالتهم يدل غلي ان شهادتهم على غيرهم، فأمَّا قولهم علي أنفسِهم، فلا (١) يشترطُ له العدالة كإقرارِهم.
وأمَّا قولُ علي ﵁، فإنَّ اعتراضَ عَبيدة عليهِ يعطي أنَّهُ كانَ رايهُ معَ الجماعةِ، وقدْ روِيَ: أجمع رأيي ورأيُ الجَماعةِ أَنً أمهاتِ الأولادِ لا يُبَعْنَ (٢)، فإذا كانَ قولُهُ: رآيكَ مَعَ الجماعة، عُلِمَ أنه كانَ إجماعاً، فلم يبقَ إلاَّ ذكرُ علي لعمرَ وحدَهُ، فكانَ ذلكَ لأنَّهُ الإمامُ، فاستغنى بذِكْرِهِ عن ذِكْر مَنْ تابَعَهُ؛ لأَنَّهُ الإمامُ المتَّبَعُ، ولو كان عمرُ وحدَهُ لم يكنْ لترجيحِهِ عليهِ معنىً؛ لأَنَّ قولَ عمرَ ليسَ بمقدَّمٍ على قولِ علي في الاجتهادَ ولا الرِّوايةِ، ولا نوع مِنَ الأَنواع، لا سيَّما بعدَ موتِ عمرَ وحياةِ علي وولايتهِ.
وأَمَّا اعتذارُهم عَنِ النبيِّ ﷺ ، بإنَّه يرجع إلى النَّسخ ويتوقَعُه مِنْ جهةِ اللهِ؛ فإنْ كانَ يتوقعُ النَّسخَ، فالمجتهدُ أيضاً تَعرِضُ لَهُ دَلالة شرعية بعدَ أَنْ كانَ على شبهةٍ، وليسَ بمعصوم في نفسِهِ ما دامَ حياً، فهوَ مِنْ أهلِ النَّظرِ يتلقّى ما يأتي مِن قِبَلِ الله تعالى، فإنهُ مِنْ وجوهِ الاستدلالِ، وما بينَهما فرقٌ أكثرُ من [أنَّ] الدلالةَ الناسخةَ قطعيةٌ، والدلالةَ العارضةَ للمجتهدِ ظنِّيَّةٌ، وحالتُهُ الثَّانيةُ إنْ لم تترجَّحْ على رأيِهِ الأوَّلِ بالبادرةِ،
стр. 2224
فليسَ تنقصُ عنه، فلا إجماعَ مع انخرامِ اتِّفاقِهم. بما عَرَضَ مِن اختلافهم.
وأمَّا سؤالُ أصحابِ الشَّافعيِّ على التفصيلِ، فليس بصحيح؛ لأنَّ قولَهم بعدَ السُّكوتِ وبعدَ التلوُّمِ فإنَّما قضيَ بِه، لأنهُ رأي صدرَ عنِ اجتهادٍ، فإنْ ترجَّحَ بالقولِ على الإمساكِ، فقدْ ترجحَ الثَّاني على الأَوَّلِ بطولِ التأمُّلِ ومراجعةِ الرأيِ، وما زالَ العقلاءُ يبنونَ على الرأيِ المتأخِّرِ المختَمِرِ لِمَا يحصلُ فيهِ مِنْ طولِ المُهلةِ، وكلُّ رأيٍ فَطيرِ وإنْ كانَ من جماعة، فالمختمرُ أَوْلى، وإن كالت مِن دونِهم عدداً. ولا رَأينا قولاً كان حجَّةً على قائِلِهِ، معَ كونِهِ صادراً عن رأيِهِ، يَحجُزُه عَنِ العملِ برأيِهِ الثَّاني.
فإن قيلَ: بلْ قدْ يمنعُ الأوَّلُ العملَ بالثاني فيما طريقُهُ الاجتهادُ، ويكون قولُ الواحدِ الأوَّلِ مانعاً مِن نفوذِ قولِه الثَّاني، بدليلِ أنَّ الحاكمَ إذا حكمَ في حادثةٍ باجتهادِهِ ثُمَّ بانَ لَهُ باجتهادِه، الثًاني أنَّ (١) الحكمَ الأَولَ خطأ، فإنَّه لا ينقضُ الحكمَ، ولا يمنعُ نفوذَهُ تجَويزُ حدوثِ اجتهادٍ مِنَ الحاكمِ بعدَ الأَولِ.
قيلَ: الحكمُ هوَ الحجَّةُ عليكم، لأنَّ (٢ مَن حَكَم ٢) في قضيةٍ بحكم لشخصينِ تحاكما إليهِ ثُم جاءا يتحاكمان عنده في تلك القضية، وجب أن يقضيَ فيها باجتهادِهِ الثاني، حتَّى إذا كانَ قد تَغيَّرَ اجتهادُه حكمَ في
стр. 2225
القضيّةِ الثّانيةِ باجتهادِهِ الثّاني، وإن كانا في الصُّورة سواءً، وإنَّما لم نَنقضِ القضيَّة بعينها، لاننا لو نقضْنا اجتهادَه باجتهادِ غيره ممن هو أَعلم منه، لكانت (١) الأحكام لا تَستِقرُّ، وليس كذلك ها هنا، فإن توقيتَ الاجماع بانقِرَاضِ العصر لا يُخِلُّ بالإجماع.
نعم، ولنا مندوحةٌ عن القَطْع في الحادثة؛ لأن الحُكْم فيها قد يَحصُل بالاجتهاد المُسوَّغ، ولا تَقِف الأحكام على الإجماع، فأمَّا الحكمُ فلا بُدَّ لكل حادثةٍ من حكم نافد، ومتى لم يكن كذلك اختَفتِ الأحكام، ووَقَفَت الحوادثُ.
فصل
في شبههم
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، وهذا عامٌّ في العصر وبعد انقِراضِه، وفيمن خالَفَهم من بعدِهم، ومن خالفهم من جُملَتِهم.
ومنها: قول النبي ﷺ :"امَّتي لاتجتمعُ على الخطأ، ولا تجتمعُ على ضَلالةٍ" (٢).
ومنها: أنه قولُ معصومٍ فكان حُجَّةً موجودةً من غير مُهلةٍ ولا تَراخٍ،
стр. 2226
قالوا: فلم يَقِفْ على انِقراضِ عصرٍ، كالنبي ﷺ .
ومنها: أن قولكم يُفضِي إلى أن تَزُولَ خَصِيصةُ الإجماع، فإنَّ خَصِيصَته وسُلْطانه هو أنه لا يجوزُ عليه الخطأُ، فإذا قلتُم بأنهم إذا رَجَعُوا بانَ خطؤُهم، فلا ثِقةَ إلى قولهم، إذ قد أَجمَعُوا على رأيٍ واحدٍ فبانَ أنهم كانوا فيه على خطأ، ومثلُ هذا لا يجوز كالنبيِّ ﷺ ، فإنه لا يجوز أن يقولَ قولاً، أو يَحكُمَ بحكمٍ شرعي (١ويقعُ خطأً، بل ١) لا يَقَعُ إلا صواباً، فإن جاء نَسخُ ذلك من قِبَلِ الله سبحانه، كان (٢ حكمُه الأولُ ٢) صواباً، والثاني صواباً أيضاً.
ومنها: أنه اتفاقُ فقهاءِ العصرٍ على حُكْم الحادثة، فكان حُجَّةً مقطوعاً بها، أو فكان حُجَّةً معصومة كما لو انقَرَضَ العصرُ.
ومنها: أن ما ذهبتُم إليه يُفضي إلى أن لا يَستقِرَّ لنا إجماع، والإجماع دليلٌ من أدلةِ الشرع نائب عن النبوَّة، فكلُّ قولِ ومذهب يُؤَدِّي إلى تعطيلِه باطلٌ في نفسه، قالوا: ووجه دَعْوانا عليكمَ عدمَ استقرارِه: أن العصر لا يَنقرِضُ حتى يَتجدَّدَ قومٌ من أهل العصر الثاني، وهم من أهل الاجتهاد، وكذلك العصرُ الثالث، وعلى هذا فيتسلسلُ الخِلافُ، ولا يستقرُّ إجماع.
ومنها: أن من كان قولُه حُجَّةً لم يَقِفْ كونُه حجةً على موته، كالنبيِّ ﷺ .
стр. 2227
فصل
في الأجوبة عن شبههم
أما الآية فلا حُجَّةَ فيها؛ لأن مع المخالفة يكون السبيلُ سبيلَ بعض المؤمنين، والاَية تقتضي اتِّبَاع غيرِ سبيل المؤمنين أَجمعَ.
فإن قيل: فإذا كان مُقتَضَى الآية كلَّ المؤمنين، فالوعيدٌ لا يتَأتى، ولا يبقى مَن ينصرفُ إليه.
قيل: بل يَبقَى من ينصرفُ إليه؛ غيرُ المجتهدين، أو من يتحرَّفُ عن إجماع المجتهدين وهو مجتهدٌ، لكن يَترُكُ ذلك مُحاباةً أو عصبيةً أو تقليداً، وأَدْواءُ الأهواءِ كثيرةٌ، وأحقُّ ماصُرِفَ الوعيدُ إليها دونَ انصرافِه إلى الاجتهادِ.
وأما قولُ النبي ﷺ :"امَّتي لا تَجتَمعُ على الخطأ، ولا تجتمعُ على ضَلاَلةٍ" (١)، فنحن قائلونَ به، وإذا اجتَمَعَت ومهما كان فيهم مُخالِف، فما اجَتَمَعت، لكنها اختَلَفَت.
وأما تعلّقهم بقول النبيَّ ﷺ فغيرُ حُجَّةٍ من وجهٍ، و [هو] أن الحكم لا يستقرُّ إلا بعد انقطاع الوحي بموت ﷺ ، وعَدَمِ تَرقُّب النسخ، وإنما وَجْهُ أن يكون حجة من غير مُهلةٍ: لأن ما يَصدُر عنه لا يَصدُر عما يجوزُ عليه الرجوعُ، ولا تحصل إصابةُ الحق فيه بالتأمُّل والفكر، لكن بالوَحْي
стр. 2228
عن الله سبحانه، فما يُبادِرُ به حقّ، وما يَتعقبه من النسخ فإنما يكون للمُستَقبَل، ولا يُعتَرض على الأول بالإبطال والتخطئة، بخلاف مسألتِنا، فإنه يَصدرُ عن رأي واجتهادٍ، وقد يَضِل الرأيُ في الأول وَيَتضحُ في الثاني لإدْمان الفِكْر والبحث، والنبيُّ لا يقول: الأولُ خطأٌ، وهذا المجتهدُ يقول: الرأي الأولُ خطأ، وكان التعلّقُ (١) فيه بشُبْهةٍ، والآن قد وَضَحَ الدليلُ، وبانَتِ الحُجَّة، فالردُّ لرأيه الثاني مع صِدْق اجتهاده كرَدِّ خبر النبي ﷺ بما وَرَدَ إليه من النَّسْخ مع صِدْق خبره، فكما لا يجوزُ ذلك لا يجوزُ هذا.
وأما قولهم: بأن ما ذهبتُم إليه يُفْضي إلى أن لا يتَحقًقَ إجماعٌ لتَسَلسُل الخِلاف، ولحُوقِ خلاف المجتهدين في عَصْرٍ بالعصر الذي قبلَه، فإن هذا يَنبَنِي على أصلٍ: وهو أن التابعيَّ إذا عاصَرَ الصحابةَ وهو من أهل الاجتهادِ، هل يُعتَدُّ بخِلافِه (٢)؟ ففيه روايتانِ عن صاحبِنِا، فإن قلنا: لا يكون مُعتَدًّا بخلافِهِ. لم يُفْضِ إلى ما أَلْزَمُونا من التسلسسل، بل يَنقَطِعُ عصرُ الضابعين عن عصر الصحابة.
والثاني: يُعتَدُّ به، فعلى هذا يصيرُ التابعيُّ المجتهد كآحاد الصحابةِ، فإذاكان مُجمِعاً معهم على قولِ، كان كإجْماع الصحابة، لا يَجُوزُ لمن تَجدَّدَ من التابعين في العصرَ الثاني خلافُ إجماعهم؛ لأنه ما عاصَرَ الصحابةَ وإنما عاصَرَ من عاصرهم، وإنما يَسُوغُ الخلافُ لمن عاصرهم،
стр. 2229
فأمَّا من عاصرَ من عاصَرَهم فلا يجوز، وحصولُ الشخص من أهل الاجتهادِ ليس بأمرٍ يَتجدَّدُ فَيتَسلسلُ ويتلاحقُ، لأن (١) ذلك في الثمار إذا بَدَا الصلاحُ بها تلاحَقَتْ، فأمَّا أن يلحقَ التابعيُّ بالصحابي، وتابعيُّ التابعي بالتابعيِّ فبعيد حصولُه، وما يَبعُدُ ويَندُرُ حصولُه لا يُوقِفُ حصولَ الاجماع ولا يَتعذَّر به.
وأما قولهم: إنَّ هذا يُفضي إلى زَوَال خَصيصةِ الإجماع: وهي العِصْمة ونَفْيُ الخطأ عنهم، فإذا جَوَّزتُم رجوعِ جماعتهم عما كانوا اتفَقُوا عليه من الرَّاي، لم يَبْقَ لأجماعهم عِصْمةٌ، ألا ترَى أنَّ النبيَّ ﷺ لما خُصَّ بالعِصْمة لم يرجع عن قول قاله، ولا يجوزُ عليه تخطئةُ حكمٍ حَكَمَ به، فهذا أجودُ ماتعلقوا به وأَشكلُه.
فيقال: إنَّ الاجماع عندنا مشروطٌ، فإذا لم يُوجَدْ شَرطُه لا يكون إجماعاً، فلا يكون تخطئةً لما ضَمِنَ الشرعُ عِصمتَه، والشرط بقاءُ اعتقادِهم مع اجتهادهم إلى حينِ وفاتِهم، لأنَّ الرأي مختلف جداً، لا سيَّما إذا كان عليه أَمَارات تختلفُ، فما دامَ المجتهدُ باقياً، والأَماراتُ لائحةً، وأدواتُ الاجتهاد صالحةً (٢)، فالاعتدادُ بها واقع، وتخصيصُ (٣) عَيْن الرأي لا وجهَ له، على أنه ليس صَرْفُ الصِّيانة عن الخطأ والضلال [عن] الرأي الأول
стр. 2230
وإجماعهم المبتدأ بأَوْلَى من صرفِه عن الثاني، بل الثاني هو المتخمِّرُ الذي تَحقَّقَ بطول المُهْلةِ، وجَوْدة التأمُّل، والمتحقِّقُ أبداً هو الثاني دون البادِئ.
وأمَّا قياسُهم المجرَّد وقولُهم: اتفاقُ فقهاء العصر أَشبه ما بعدَ انقِراضِه، فليس تَعلّقُك باتفاقهم الأَوَّل بأَوْلَى من تَعلُّقِنا باتفاقهم الثاني، فنقول: اتفق علماء العصرِ على حكمِ الحادثةِ فكان التعويلُ عليهِ، أو فكان حجّةً معصومةً، أَو حجّةً مقطوعاً بها كالاتفاق الأول (٣ قد وُقِفَ عليه وبَقي مدةً١)، ثم بان للثاني رأي حَتْم بعد التخمير وطولِ البحثِ والجِدِّ والتشميرِ.
وأمّا قياسُهم على النبيَّ- ﷺ فقد سَبَقَ الكلامُ عليهِ.
فصلٌ
إذا اختلفتِ الصحابةُ على قولينِ، ثُمَّ أجمعَ التَّابعون على أَحدِ قوليِ الصّحابةِ، لمْ يرتفع الخلافُ، وساغَ لكلِّ مجتهدٍ الذّهابُ إلى القولِ الآخرِ ، نصَّ عليه أحمد، وبهذا قالَ أبو الحسنِ الأشعريُّ.
وقالَ أصحابُ أبي حنيفةَ (٢) فيما حكاهُ أبو سفيان، والمعتزلةُ (٣): يرتفعُ الخلافُ، فلا يجوزُ الرّجوعُ إلى القولِ الآخرِ. وإنّما قالوا هذا، إذا كان إجماعُ التابعينَ على أحدِ القولينِ بعدَ انقراضِ أهلِ القولِ الآخرِ.
стр. 2231
واختلفَ أصحابُ الشَّافعىّ (١) على وجهينِ: أحدُهما كمذهبنا، وعليه الأكثرونَ منهم، والآخر كمذهبِ مَن حكينا خلافَهُ.
فصل
في أدلّتنا
فمنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يفرّق بينَ وجودِ إِجماع التّابعين وعدمِه.
ومنها: ما رويَ عنِ النبيِّ ﷺ :" أصحابي كالنجومِ، بأيهمُ اقتديتُم اهتديتم" (٢)، ولم يفرّق بين أنْ يُجمِعَ التّابعونَ بعدَ ذلكَ، أو لم يُجمِعُوا.
ومنها: أنَّ اختلافَ الصّحابةِ في المسألةِ على قولينِ إجماعٌ منهم على تسويغ الاجتهادِ، وجوازِ تقليدِ كلِّ واحدٍ منَ الفريقينِ وإقرارِه عليهِ، وإذا ثَبَتَ إجماعُهم على التسويغ، فهو إجماعٌ منهم على حكمٍ شرعي، فلمْ يُعتدَّ بإحماع التّابعينَ، كما لو أجمعوا على حكمٍ واحدٍ مِنْ تحريمٍ أو إباحةٍ، فأجمعَ التّابعونَ على خلافِه، فإنّه لا يُعْتدُّ بإجماعِهم.
ومنها: أنّه لا خلافَ أنّ الإجماعَ إذا حصلَ واستقرَّ، لم يَجُز أنْ يتغيّرَ بالاختلافِ، كذلك إذا حصلَ الاختلافُ واستقرُّ وجبَ أنْ لا يتغيّرَ
стр. 2232
الإجماعُ بالاختلافِ (١كي لا ١) يؤدي إلى إبطالِ الإجماع، والمستقرّ مِنْ إجماع الصحابةِ هوَ تجويزُ تقليدِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقينِ وتسويغ قولِه، فلا يجوزُ أنْ يزولَ هذا المستقرُّ بإجماع التّابعينَ.
ومنها: أنّ كلَّ واحدٍ مِن الفريقينِ كالحيِّ الباقي في كلِّ عصرٍ، ولهذا تُحفظُ أقوالهم بعدَهم ويحتجُّ بها، وإذا كانوا بمنزلةِ الأحياءِ وجبَ أنْ لا يعتدَّ بالإجماع مع خلافِهم.
ومنها: أنّ هذا الحكمَ كان يسوغُ فيهِ الاجتهادُ، ولا يجوزُ نقضُ الحكمِ على مَن حَكَمَ بِه بخلافِ الإجماع، وهذا نسخ بعدَ انقطاع الوحي، وذلكَ لا يجوزُ.
ومنها: أنّه اختلافٌ حصَلَ مِن الصحابةِ فلا يزولُ بإجماع التّابعينَ، كما لوِ اختَلَفت الصحابةُ على قولينِ وأجمعَ التّابعونَ على قولٍ ثالثٍ.
ومنها: أنّه لوْ كانَ إجماعُ التّابعينَ على أحدِ القولينِ مُسقِطاً لِما تقدَّمَ مِن الخلافِ، لَوَجبَ أنْ يُنقَضَ كلُّ حكمٍ حُكِمَ بِه في عهدِ الصّحابةِ بخلافه؛ لأنّه مقطوعٌ ببطلانِه، كما إذا حَكَمَ الحاكِمُ ثُمَّ بانَ لهُ فيما حَكَمَ بِه إجماعٌ أو نصٌّ يخالفُ ما حَكَمَ بِه، فإنّه ينقضُ حكمه، فلما لم ينقض ها هنا عُلمَ بطلانُ كونِه إجماعاً، فإنْ قالوا بذلكَ وارتكبوهُ فقدْ أَبطلُوا، وذلكَ أنّ الصحابةَ أجمعوا على صحّةِ ذلك وبقَّوهُ، وكلّ حكمٍ اجتمعتِ الصّحابةُ عليهِ لم يَجُزْ للتّابعينَ الإجماعُ على خلافِه كسائرِ الأحكامِ.
стр. 2233
ومنها: أنّ هذا القولَ يفضي إلى أن الصّحابةَ قدْ ذهبَ عنهم، وخفيَ ما في هذا الحكمِ الذي أجمعَ عليهِ التّابعونَ مِن الحكمِ القطعيِّ، وهذا عينُ الخطأِ والضلال عنِ الحقِّ الذي نفاهُ النبيَّ ﷺ عَنْ عُلماءِ أمَّتِه، ولا سيَّما أصحابُه، وما أَفضى إلى الباطلِ باطل.
ومنها: أنّ ما ذهبَ إليه المخالفُ يؤدِّي إلى أنْ يكونَ إجماعُ الصّحابةِ على تسويغ الخلافِ مشروطاً بعدمِ دليلٍ قاطعِ يجوز وجودُه، ويُترقّبُ كونُه [ناسخاً] (١)، وهذا يقطعُ عَنِ الثقةِ بإجماعِهم، ويُخرِجُه عن كونِه مقطوعاً به.
ومنها: أن إجماعَ [الصّحابة] (٢) أعلى وأقوى مِن إجماع غيرِهم عند التأمُّلِ، وذلك أنّ آحادَهم حجّة عند كثيرٍ مِن الأصوليينَ، وليسَ لغيرِهم مِن المجتهدينَ هذه الرّتبةُ.
ومنها: أن النّاسَ اختلفوا في إجماع غيرِهم ولم يختلفوا في إجماعِهم، سِوى مَن شذَّ ممَّنْ لا يُعَوَّلُ على خلافِه، وإذا ثَبَتَ هذا فقدْ حصَلَ إجماعُهم على تسويغ كلِّ ذاهبٍ ذهبَ إلى أحدِ المذهبينِ، فإذا جاءَ إجماعُ التّابعينَ، وهو أضعفُ على ما قرّرنا، فأزالَ التسويغَ وجعلَ أحدَ المذهبينِ مقطوعاً على خطئِه، كانَ إجماعُهم الأدنى الأضعفُ مُزيلاً لإجماع الصّحابةِ، وهذا لا يجوزُ، كما لا يجوزُ أنْ يقضيَ الظاهرُ على النصِّ.
стр. 2234
فصلٌ
في جمع الأسئلةِ على أدلَّتنا
فمنها: أنْ قالوا: قدْ عوَّلتم على إجماعِهم على تسويغ الاجتهادِ حيثُ انقسموا على مذهبينِ، وليسَ يمتنعُ أن يتفقوا على تسويغ الاجتهادِ اتفاقاً مشروطاً بأنْ لا يظهرَ إجماعٌ، فإذا ظهرَ إجماعٌ سقطَ ذلكَ الاتفاقُ، كما أنّهم اتفقوا على أنّ فرضَ العادمِ للماءِ التيممُ ما لم يجدِ الماءَ، فإذا وجدَ الماءَ زال حكمُ ذلكَ الإجماع.
ومنها: أنْ قالوا: لو كانوا كالأحياءِ لوجَبَ أن لا ينعقدَ الإجماع بعدَ موتِهم في شيءِ مِن الحوادثِ، لأنَّه لا تعرفُ فيه أقوالُهم، ولوجبَ أنْ يجوزَ تقليدُهم كَما يجوزُ تقليدُ الأحياءِ.
فصل
في الأجوبةِ عنْ أسئلتهمِ
فأمّا قولُهم: إنّه يجوزُ أنْ يكونَ اتفاقاً مشروطاً كاتفاقِهم على جوازِ الصّلاةِ بالتيممِ، فهذا غيرُ صحيحِ، لأنّ القومَ سوّغوا بإجماعِهم الاجتهادَ في تلكَ الحادثةِ على الإطلاقِ، ودعوى أشتراطِ معنى الإجماع دعوى بغيرِ دليلٍ، وإنّما هي (١زيادة من ١)، أنفسكم وفارَقَ اتفاقَهم على جواز الصّلاةِ
стр. 2235
بالتيممِ، فإنّها مشروطةٌ نطقاً بقولِه: "الترابُ كافيك ما لمْ تجدِ الماءَ" (١)، والإجماعُ فيمَنْ لم يجد الماء، فليس مكان الإجماع مكان الخلاف، فالإجماع على مَن لم يجد الماء، والخلاف فيمَن وَجَدَه، وهنا إجماعُهم حصلَ على تسويغ الخلافِ في الحادثةِ على الإطلاقِ.
وأمّا قولُهم: ليسوا كالأحياءِ، بدليلِ ما ذكروهُ مِن جوازِ حدوثِ خلافٍ في حوادثَ، فإنّما هم كالأحياءِ عندنا فيما أفتَوا فيهِ، فأمّا فيما لم يفْتوا فيهِ وحَدَثَ بعدَهم [فلا]، وهذا كما نقولُ: إنّهم إذا أجمعوا على قولِ واحدٍ، ثُمّ ماتوا، عُمِلَ بأقوالِهم بعدَ الموتِ، فوجبَ المصيرُ إليهِ كما لو كَانوا أحياءً فأفتوا بذلك ثُمّ لم يُجعلوا كالأحياءِ فيما يحدث بعدَهم (٢) مِن الحوادثِ، فكذلكَ ما اختَلفُو افيهِ مثله.
فصل
في شُبَهِ المخالفينَ
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ومنها: ما رويَ عنِ النبيَّ ﷺ أنّه قال: "أمتي لا تجتمعُ على خطأٍ،
стр. 2236
وعلى ضلالةٍ" (١)، وهذا إجماعُ أهلِ العصرِ، فدخلَ تحت الآية والخبرِ حسبَ دخولِ إجماع الصّحابة.
ومنها: أنّه اتفاقُ علماءِ العصرِ على حكمِ الحادثةِ، فكانَ إجماعُهم حجّةً مقطوعاً بها، كما لو لم يتقدّمْها خلاف.
ومنهاة أنّه إجماعٌ تعقَّبَ خلافاً فأسقطَ حكمَ الخلافِ، كما لو اختلفتِ الصّحابةُ على قولينِ ثُمّ أجمعوا على أحدِهما.
ومنها: أنّ الإجماع حجّةٌ، والاختلافَ ليسَ بحجّةٍ، فلا يتركُ ما هو حجّةٌ لما ليسَ حجةً كالكتابِ والسُّنَّةِ.
ومنها: أنّ كلّ حكمٍ لا يجوز لعامَّة عصرِ التابعين العملُ بِه، لم يَجُزْ لِمَن بعدَهم العملُ به، كالنّسوغ مِن أحكامِ الشّرع.
ومنها: أنّه إذا تعارضَ خبرانِ سمّ اتّفقَ أهلُ العصرِ على تركِ أحدهما والقولِ بالآخرِ، سقطَ المتروكُ منهما، كذلك ها هنا في القولينِ إذا تركَ جماعة علماء العصرِ أحدَهما وعملوا بالآخرِ.
ومنها: أَنّ إجماعَهم معنىً يُسقطُ الخلافَ ويرفعُه فيما بعدُ، فَرَفَعَهُ فيما تقدَّمَه كالسّنًةِ.
فصلٌ
في أجوبتنا عنْ شُبههم
أمّا الآيةُ، فلنا منها مثلُ ما لهم، ونحنُ بها أسعدُ، والصّحابةُ إلى
стр. 2237
حكمِها أسبقُ، وهم بِه أليقُ؛ لأنّ الصّحابةَ أحقُّ بالحثِّ على اتباعِهم، والوعيدِ على اتباع غيرِ سبيلهم، لأنّ لهم مزيّةَ السَّبقِ إلى التصديقِ والاتباع والاجتهادِ، وقدْ أجمعوا على حكمٍ هو التسويغُ، فلا وجهَ لاتِّباع سبيلٍ هو غير سبيلِهم، وهوَ رفعُ التسويغ الذي أجمعوا عليهِ.
وأمّا قوله ﷺ :"أمتي لا تجتمع على ضلالةٍ، ولا على خطأ"، فينفي الخطأَ عنِ الصّحابةِ فيما أجمعوا عليهِ مِن تسويغ الاجتهادِ.
وأمّا قولُهم: إنّه اتفاقُ علماءِ العصرِ على حكمِ الحادثةِ، فقدْ سبَقَه اتفاقُ علماءِ العصرِ الأشرفِ، والقرنِ الأفضلِ على تسويغ المجتهدِ في حكمِ الحادثةِ، ولا يجوزُ اعتبارُ إجماع تقدَّمَه إجماع قبلَه بإجماع لم يتقدَّمْه إجماع قبلَه، ألا ترى أنّ الاختلافَ فيما لم يتقدَّمْه إجماع على حكمٍ واحدٍ، جائزٌ سائغٌ، والاختلافَ فيما تقدَّمه إجماع لا يجوزُ إحداث قولٍ آخرَ، ويُعتَبر المعنى بقولهم: إجماعٌ تقدَّمه خلاف لا يدفع المعصوم، وهو أنّه إجماع تقدّمهُ إجماع في الحقيقةِ، وهو إجماعُهم على التسويغ (١ لإجماع لم يَتَقدَّمه ١) اختلاف رأساً، فإنّه اتفاقٌ لا يفضِي إلى مخالفةِ اتفاقٍ قبلَه، وها هنا بخلافِه.
وأمّا قياسُهم على إجماع الصّحابةِ على أحدِ قولينِ اختلفوا فيهما؛ فلأنّ من شرطِ الإجماع انقراضُ العصرِ، وهم ما داموا أحياءً في مهلةِ النظرِ، والإجماعُ منهم ما استقرَّ؛ لأنّهم كانوا في طلبِ الدليلِ، فلا يُجعَلُ
стр. 2238
قولُهم الأوّلُ مانعاً مِنْ قولِهم الثّاني معَ تخمُّرِ الرأيِ، وتحقيقُه على ما قدّمْنا وبيَّنا.
وأمّا قولُهم: إنّ الإجماع حجّة، والاختلافَ ليسَ بحجّةٍ، فلا نسلِّم أنّ الإجماع بعدَ الخلافِ حجّةٌ، وإنّما يكونُ حجّةً إذا لم يتقدّمْه خلافٌ، وليسَ يمتنعُ أنْ يكونَ حجّةً بشروطٍ: بأنْ لا يعارضَه ما هو أقوى منهُ كالقياسِ معَ نصِّ القرآن أوِ السُّنةِ، ولأنّكم إنْ راعيْتُم فيهِ إحماعَ التّابعينَ، كانتْ مراعاتُنا لإجماع الصّحابةِ على التسويغ أَوْلى؛ لأنه إجماعٌ مِن الصّحابةِ، ثُمَّ إنّه سابقٌ فلا يعتدُّ بإجماع يزِيلُه، ولو كانا سواءً لكفى، لأنّه مُوقِفٌ دليلَهم؛ إذْ ليسَ مراعاةُ إجماعٍ بأَوْلى مِن مراعاةِ إجماعٍ آخرَ.
وأمّا دعواهم: أنّه لا يجوزُ لعامَّةِ التَّابعينَ العملُ بأحدِ قوليِ (١) الصحابة، فلا نسلِّمُ، بلْ يجوزُ العملُ به في عصرِ التّابعينَ.
وأمّا قياسُهم على الخبرينِ إذا تعارضَا، واتَّفقَ أهلُ العصرِ على هِجْرانِ أحدِهما والعملِ بالآخرِ، فإنّما أسقطْنا المتروكَ؛ لأنّه لم يذهبْ إليهِ أحدٌ فكانَ ظاهرُ ذلكَ أنّه منسوخٌ، وليسَ كذلكَ القولانِ ها هنا؛ لأنّه قدْ عملَ بِه فريقٌ مِن الصّحابةِ، فلا يجوزُ إسقاطُ عملِهم، فوِزَانُه أنْ لا يكون بهذا المذهبِ عاملٌ، ولا به قائلٌ، ووزانُ مسألتِنا مِن الخبرينِ أنْ يكونَ قد رَوى أحدَهما بعضُ الصحابةِ وردَّه بعضُهم، فلا يؤثرُ إجماعُ التّابعينَ على هِجرانِه وتركِه.
стр. 2239
مسألةٌ: إذا اختلف الصّحابةُ على قولينِ لم يَجُز لِمَن بعدَهم إحداثُ قولٍ ثالثٍ ، نصَّ عليهِ أحمدُ. وبه قالتِ الجماعةُ، خلافاً لبعضِ الرّافضةِ وبعض الحنفيةِ (١): يجوزُ إحداثُ مذهبٍ ثالثٍ.
فصل
في أدلتنا
منها: أن اختلافَهم على قولينِ اتفاقٌ منهم على إبطالِ قولٍ ثالثٍ، وذلك حكمٌ أجمعوا عليهِ، فلا يجوزُ إحداثُ غيرِه لِمَن بعدَهم، كاتفاقِهم على قولٍ واحدٍ، فإنّه لا يجوزُ للتّابعينَ إحداثُ ثانٍ، كذلك ها هنا.
ومنها: أنّه لو جَوَّزْنا إحداثَ مذهبٍ ثالثٍ لجوّزْنا عليهم الخطأَ في اقتصارِهم على مذهبينِ، كما أنّهم إذا أجمعوا على قولٍ واحدٍ، وجوَّزنا إحداثَ مذهبٍ ثانٍ، كانَ تجويزاً للخطأِ عليهم في ذلك اقتصارُهم على القولِ الواحدِ.
يُوضحُ هذا: أنّ الناس اتفقوا على حصرِ المذاهبِ، فكما أنّ حصرَهم مَنَعَ مِن الزِّيادةِ عليهِ، فكانَ اجتماعُهم هنا على المنع مِن إحداثِ مذهبٍ ثالثٍ.
فصلٌ
في شبهِ المخاِلفِ
فمنها: أن قالوا: طريقُ هذا الوجودُ، وقدْ وُجِدَ ذلكَ في التّابعينَ، فمِن
стр. 2240
ذلك ما رويَ مِن خلافِ الصّحابةِ في زوج وأبوينِ وزوجةٍ وأبوينِ، فقالَ ابنُ عباسٍ وحدَه: للأمِّ ثلث الأصلِ بعدَ نصفِ الزّوج وربع الزّوجةِ، وقال الباقونَ مِن الصّحابةِ: للأمِّ ثلث الباقي بعدَ نصفِ الزّوج وربع الزوجة (١)، ثمّ جاء التّابعونَ فأحدثُوا قولاً ثالثاً، فقالَ بقولِ ابنِ عباس في زوجةٍ وأبوينِ بعض التّابعينَ وهو ابنُ سِيرِينَ، وبقولِ الباقينَ في زوجِ وأبوينِ بعض التّابعينَ، فلمْ يُنكِرْ عليهم مُنكِرٌ.
وكذلك اختلفتِ الصّحابة في لفظةِ الحرامِ (٢) على ستةِ مذاهبَ، فأحدثَ مسروق قولاً سابعاً فقالَ: لا يتعلَّقُ بها حكم. وقال (٣): ما أُبالي حَرَّمتُها أو قَصْعةً منْ ثريدٍ (٤). فأقرُّوهُ على هذا ولم يُنكِروا عليه.
ومنها: أنَّ اختلافَهما على قولينِ جوّزَ تسويغَ الاجتهادِ، وإحداث ثالثٍ قولٌ صدرَ عن الاجتهادِ، فصارَ. بمثابةِ ما قبلَ استقرارِ الخلافِ.
ومنها: أنْ قالوا: أَجمَعْنا على أنّ الصّحابةَ لو انقرضَ عصرُهم، وماتوا عَن دليلينِ في مسألةٍ لا ثالثَ لهما، جازَ للتّابعينَ أنْ يُحدِثوا دليلاً ثالثاً، كذلكَ إحداثُ قولٍ ثالثٍ ولا فَرْقَ، وهذا صحيح، لأنّه إذا جازَ أنْ يُبيَّنَ بإحداثِ دليلٍ ثالثٍ خفاء الدَّليلِ الثّالثِ عنهم وعثور التابعينَ به، كذلك
стр. 2241
جازَ أنْ يَخْفَى عليهم مذهب ثالث يعثرُ عليهِ التابعونَ.
فصلٌ،
في الأجوبةِ عنْ شُبَهم
فأمّا دعواهم وجودَ ذلك مِن بعضِ التابعينَ، وإقرار الباقينَ عليهِ، فلا يمكنُ تحصيلُ ذلك، وأنّهم عرفوا وأقرّوا، ثمّ نحنُ لا نقرُّه على ذلك، بل يكونُ محجوجاً بإجماع الصّحابةِ، ولا يُقبلُ منه هذا القولُ؛ ولأنّ ابنَ سيرينَ عاصرَ الصّحابةَ، والتّابعيُّ إذا عاصرَ الصّحابةَ وهو مِن أهل الاجتهادِ [فهو من أهل الإجماع] (١) لا سيَّما معَ قولِنا باشتراطِ (٢) انقراضِ العصرِ لانعقادِ الإجماع.
وأمّا قولُهم: إنّ اختلافَهم على مذهبينِ إجماع منهم على تسويغ الاجتهادِ، فَلَعَمْري إنّ اختلافَهم على قولينِ تسويغ للاجتهادِ في طلبِ الحقً مِن أحدِهما، فأمّا مِن غيرِهما فليسَ ذلكَ في اختلافِهم، وهذا كما لو أجمعوا في حادثةٍ على إبطالِ حكمٍ فيها، فينقطعُ الاجتهاد في ذلك الحكمِ، ثُمّ لا يمنعُ ذلك مِن الاجتهادِ فيها في غيرِ ما أحمعوا على إبطالِه، كذلكَ ها هنا، ويفارقُ هذا إذا لم يستقرًا لخلافُ؛ لأنَّ الإجماع قبلَ الاستقرار لا يمنعُ مِن الخلافِ، وبعدَ الاستقرارِ يمنعُ، كذلك الاختلافُ بمثلِهِ.
стр. 2242
وأمّا قياسُهم قولاً ثالثاً على إحداثِ دليلٍ ثالث، فليسَ بصحيح؛ لأنّ إجماعَهم على دليلٍ واحدٍ لا يمنعُ غيرَهم مِن استخراج دليلٍ آخرَ، وإجماعُهم على مذهبٍ واحدٍ وحكمٍ واحدٍ يمنعُ مِن إحداثِ مذهبٍ ثانٍ، ولأنّ إحداثَ دليلٍ ثالثٍ يؤيِّد الحكمَ الذي أجمعتْ عليه الصّحابةُ ويؤكِّدُه، وإحداثُ قولٍ ثالثٍ يخالفُ ما أجمعوا عليهِ، فافترقَا.
فصل
يجوزُ أنْ ينعقدَ الإجماع عنِ القياسِ ، وقالَ ابنُ جَريرٍ (١)، والشِّيعةُ، وداودُ، وكلُّ مَن نفى القياسَ: لاينعقد الإجماع عنِ القياسِ، إلاّ أنّ نفاةَ القياسِ لم يسندوا الأجماع إليهِ؛ لأنه ليسَ بحجّة عندَهم، وأمّا ابنُ جريرٍ فإنّه لم يُنبِّه على هذا.
فصل
في دلائِلنا
فمنها: مِن طريقِ الوجودِ وأنّ ذلكَ قد وُجدَ؛ لأنّ الصّحابةَ أجمعتْ على خلافةِ أبي بكرٍ الصِّدّيقِ من طريقِ الاجتهادِ والرأيِ، وأخذِ إمامةٍ وتقديمِ مرتبةٍ مِن إمامةٍ وتقديمٍ في رتبةٍ، فقالتْ جماعة منهم: رَضِيَهُ رسول اللهِ لديننا، وقالَ بعضُهم: نَظرنا فإذا الصّلاةُ عمادُ ديينا، فرضينا لدنيانا مَن رضِيَهُ رسولُ اللهِ لديننا (٢)، ومنهم مَن أستدلَّ بقولِه: "إنْ تُوَلُّوا أبا
стр. 2243
بكرٍ تجدوهُ قويّاً في أمر اللهِ، ضعيفاً فِى بدنِه" (١)، ومنهم مِن رضِيَهُ فعَقَد (٢) له.
ومِن هذا القبيلِ أيضاً وهو الوجودُ: أن المسلمينَ أقرُّوا خالدَ بنَ الوليدِ في مؤتةَ بموضعِ كانوا فيه باجتهادِهم (٣)، فصوّبَ [النبي ﷺ ] ذلك وأقرَّهم عليهِ.
(٤ وكذلك اتفقوا ٤) على قتالِ مانعي الزّكاةِ مِن طريقِ الاجتهادِ، واختلفتْ آراؤُهُمْ فيهِ قياساً على الصلاةِ، فقال أبو بكرٍ (٥): واللهِ لا فرقتُ بينَ ما جمعَ الله قالَ الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] وأجمعوا على تحريمِ شحمِ الخنزيرِ قياساً على لحمِه، وأجمعوا على تقويمِ عتقِ الأَمَةِ في عتقِ الشريكِ قياساً على العبدِ، وأجمعوا على إراقةِ الشَّيْرَج (٦) والدبسِ السلسِ والخلِّ قياساً على السَّمْنِ إذا ماتت فيه فأرةٌ، وعلى
стр. 2244
أخذِها وما حولَها مِن جامدِ هذه المائعاتِ قياساً على جامدِ السَّمنِ.
ومنها: لا مِن طريقِ الوجودِ، لكن مِن طريقِ جوازِ ذلك: أنّ القياسَ على الأحكامِ الشّرعيةِ أو أمارةٍ دالَّةٍ على الأحكام، فجازَ اجتماعُ المجتهدينَ على الحكمِ استدلالاً بها وتعويلاً عليها، أو نقولُ: فجازَ انعقاد الإجماع بجهتِه كالكتابِ والسُّنَّةِ.
فصلٌ
في الأسئلةِ على أدلَّتنا
فمنها: أنْ قالوا: إنّ الصّحابةَ عَوَّلوا على النصوصِ فيما ظَهَرَ لنا وفيمالم يَظهَرْ لعلّ نصاً وقعَ إليهم.
فمما (١) ظهرَ: قولُهم لأبي بكرٍ: قالَ النبيُّ ﷺ : "أُمرت أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتّى يقولوا: لا إلهَ إلاّ الله، فإذا قالوها عصَموا مِني دماءَهم وأموالَهم" (٢) قالَ لهم أبو بكرٍ: أليسَ قدْ قالَ: "إلاَّ بحقِّها" والزّكاةُ مِن حقِّها، وقولُه: قالَ الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، وقال الآخرونَ: آُيكم يَطِيب نفساً أنْ يتقدَّمَ قدمينِ قدَّمَهما رسولُ اللهِ (٣).
وهذا استدلالى بقولِه ﷺ وفعلِه، وأمّا بقيَّةُ ما ذكرتُم فيجوزُ (١ أن يكونوا
стр. 2245
قد ١) ذهبوا فيه إلى نصوصٍ أيضاً.
ومنها: أنْ قالوا: إنّ قياسَكم إثباتُ إجماع بالقياسِ، وفيهِ خولفتُم، على أنّ الأصلَ الذي قسْتُم عليهِ، وهو الكتابُ والسُّنةُ، طريقُهما السّمْعُ، ويجوز أنْ يتَّفقَ الكلُّ في سماعِه والاستجابةِ له، فأمّا القياسُ فطريقُه الرأيُ، والرأي أبداً يختلف ويبعُدُ أنْ يتفقَ عليه الجماعةُ.
فصل
في الأجوبةِ
أمّا قولهم: الخلافُ في الاحتجاج بالقياسِ فكيفَ استدللْتُم به، فهذا غيرُ ممتنع، لأنّ الدّليلَ لا يُترَك لأجلِ المخالفةِ فيهِ، كما لم يمتنع مِن الاستدلالِ بأدلّةِ العقولِ على السوفسطائيةِ ونفاةِ الحقائقِ، ومِن الاستدلالِ بدليلِ الخطابِ على مَن أنكرَه، وبالإعجازِ على مَن أنكرَ النبوّاتِ.
وأمّا قولُهم: إنّ الكتابَ والسُّنةَ طريقُهما (٢) السّمعُ، والقياسَ طريقُه الرأيُ إلاّ أنّ على معانيه أماراتٍ تدلُّ عليهِ، وما كانَ عليهِ أمارات ظاهرةٌ يصيرُ في جوازِ الاتفاقِ عليهِ كالسّمع، بدليلِ القِبلةِ طريقُها الرأيُ والاجتهادُ ثُمّ جازَ اتفاقُ الجميع عليها.
وأمّا قولُهم: احتجوا بالنّصوصِ، فقد أجابَ بغيرِ النّصِّ وما أنكروه؛