جازَ أنْ يَخْفَى عليهم مذهب ثالث يعثرُ عليهِ التابعونَ.
فصلٌ،
في الأجوبةِ عنْ شُبَهم
فأمّا دعواهم وجودَ ذلك مِن بعضِ التابعينَ، وإقرار الباقينَ عليهِ، فلا يمكنُ تحصيلُ ذلك، وأنّهم عرفوا وأقرّوا، ثمّ نحنُ لا نقرُّه على ذلك، بل يكونُ محجوجاً بإجماع الصّحابةِ، ولا يُقبلُ منه هذا القولُ؛ ولأنّ ابنَ سيرينَ عاصرَ الصّحابةَ، والتّابعيُّ إذا عاصرَ الصّحابةَ وهو مِن أهل الاجتهادِ [فهو من أهل الإجماع] (١) لا سيَّما معَ قولِنا باشتراطِ (٢) انقراضِ العصرِ لانعقادِ الإجماع.
وأمّا قولُهم: إنّ اختلافَهم على مذهبينِ إجماع منهم على تسويغ الاجتهادِ، فَلَعَمْري إنّ اختلافَهم على قولينِ تسويغ للاجتهادِ في طلبِ الحقً مِن أحدِهما، فأمّا مِن غيرِهما فليسَ ذلكَ في اختلافِهم، وهذا كما لو أجمعوا في حادثةٍ على إبطالِ حكمٍ فيها، فينقطعُ الاجتهاد في ذلك الحكمِ، ثُمّ لا يمنعُ ذلك مِن الاجتهادِ فيها في غيرِ ما أحمعوا على إبطالِه، كذلكَ ها هنا، ويفارقُ هذا إذا لم يستقرًا لخلافُ؛ لأنَّ الإجماع قبلَ الاستقرار لا يمنعُ مِن الخلافِ، وبعدَ الاستقرارِ يمنعُ، كذلك الاختلافُ بمثلِهِ.
стр. 2242
وأمّا قياسُهم قولاً ثالثاً على إحداثِ دليلٍ ثالث، فليسَ بصحيح؛ لأنّ إجماعَهم على دليلٍ واحدٍ لا يمنعُ غيرَهم مِن استخراج دليلٍ آخرَ، وإجماعُهم على مذهبٍ واحدٍ وحكمٍ واحدٍ يمنعُ مِن إحداثِ مذهبٍ ثانٍ، ولأنّ إحداثَ دليلٍ ثالثٍ يؤيِّد الحكمَ الذي أجمعتْ عليه الصّحابةُ ويؤكِّدُه، وإحداثُ قولٍ ثالثٍ يخالفُ ما أجمعوا عليهِ، فافترقَا.
فصل
يجوزُ أنْ ينعقدَ الإجماع عنِ القياسِ ، وقالَ ابنُ جَريرٍ (١)، والشِّيعةُ، وداودُ، وكلُّ مَن نفى القياسَ: لاينعقد الإجماع عنِ القياسِ، إلاّ أنّ نفاةَ القياسِ لم يسندوا الأجماع إليهِ؛ لأنه ليسَ بحجّة عندَهم، وأمّا ابنُ جريرٍ فإنّه لم يُنبِّه على هذا.
فصل
في دلائِلنا
فمنها: مِن طريقِ الوجودِ وأنّ ذلكَ قد وُجدَ؛ لأنّ الصّحابةَ أجمعتْ على خلافةِ أبي بكرٍ الصِّدّيقِ من طريقِ الاجتهادِ والرأيِ، وأخذِ إمامةٍ وتقديمِ مرتبةٍ مِن إمامةٍ وتقديمٍ في رتبةٍ، فقالتْ جماعة منهم: رَضِيَهُ رسول اللهِ لديننا، وقالَ بعضُهم: نَظرنا فإذا الصّلاةُ عمادُ ديينا، فرضينا لدنيانا مَن رضِيَهُ رسولُ اللهِ لديننا (٢)، ومنهم مَن أستدلَّ بقولِه: "إنْ تُوَلُّوا أبا
стр. 2243
بكرٍ تجدوهُ قويّاً في أمر اللهِ، ضعيفاً فِى بدنِه" (١)، ومنهم مِن رضِيَهُ فعَقَد (٢) له.
ومِن هذا القبيلِ أيضاً وهو الوجودُ: أن المسلمينَ أقرُّوا خالدَ بنَ الوليدِ في مؤتةَ بموضعِ كانوا فيه باجتهادِهم (٣)، فصوّبَ [النبي ﷺ ] ذلك وأقرَّهم عليهِ.
(٤ وكذلك اتفقوا ٤) على قتالِ مانعي الزّكاةِ مِن طريقِ الاجتهادِ، واختلفتْ آراؤُهُمْ فيهِ قياساً على الصلاةِ، فقال أبو بكرٍ (٥): واللهِ لا فرقتُ بينَ ما جمعَ الله قالَ الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] وأجمعوا على تحريمِ شحمِ الخنزيرِ قياساً على لحمِه، وأجمعوا على تقويمِ عتقِ الأَمَةِ في عتقِ الشريكِ قياساً على العبدِ، وأجمعوا على إراقةِ الشَّيْرَج (٦) والدبسِ السلسِ والخلِّ قياساً على السَّمْنِ إذا ماتت فيه فأرةٌ، وعلى
стр. 2244
أخذِها وما حولَها مِن جامدِ هذه المائعاتِ قياساً على جامدِ السَّمنِ.
ومنها: لا مِن طريقِ الوجودِ، لكن مِن طريقِ جوازِ ذلك: أنّ القياسَ على الأحكامِ الشّرعيةِ أو أمارةٍ دالَّةٍ على الأحكام، فجازَ اجتماعُ المجتهدينَ على الحكمِ استدلالاً بها وتعويلاً عليها، أو نقولُ: فجازَ انعقاد الإجماع بجهتِه كالكتابِ والسُّنَّةِ.
فصلٌ
في الأسئلةِ على أدلَّتنا
فمنها: أنْ قالوا: إنّ الصّحابةَ عَوَّلوا على النصوصِ فيما ظَهَرَ لنا وفيمالم يَظهَرْ لعلّ نصاً وقعَ إليهم.
فمما (١) ظهرَ: قولُهم لأبي بكرٍ: قالَ النبيُّ ﷺ : "أُمرت أنْ أُقاتلَ النّاسَ حتّى يقولوا: لا إلهَ إلاّ الله، فإذا قالوها عصَموا مِني دماءَهم وأموالَهم" (٢) قالَ لهم أبو بكرٍ: أليسَ قدْ قالَ: "إلاَّ بحقِّها" والزّكاةُ مِن حقِّها، وقولُه: قالَ الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]، وقال الآخرونَ: آُيكم يَطِيب نفساً أنْ يتقدَّمَ قدمينِ قدَّمَهما رسولُ اللهِ (٣).
وهذا استدلالى بقولِه ﷺ وفعلِه، وأمّا بقيَّةُ ما ذكرتُم فيجوزُ (١ أن يكونوا
стр. 2245
قد ١) ذهبوا فيه إلى نصوصٍ أيضاً.
ومنها: أنْ قالوا: إنّ قياسَكم إثباتُ إجماع بالقياسِ، وفيهِ خولفتُم، على أنّ الأصلَ الذي قسْتُم عليهِ، وهو الكتابُ والسُّنةُ، طريقُهما السّمْعُ، ويجوز أنْ يتَّفقَ الكلُّ في سماعِه والاستجابةِ له، فأمّا القياسُ فطريقُه الرأيُ، والرأي أبداً يختلف ويبعُدُ أنْ يتفقَ عليه الجماعةُ.
فصل
في الأجوبةِ
أمّا قولهم: الخلافُ في الاحتجاج بالقياسِ فكيفَ استدللْتُم به، فهذا غيرُ ممتنع، لأنّ الدّليلَ لا يُترَك لأجلِ المخالفةِ فيهِ، كما لم يمتنع مِن الاستدلالِ بأدلّةِ العقولِ على السوفسطائيةِ ونفاةِ الحقائقِ، ومِن الاستدلالِ بدليلِ الخطابِ على مَن أنكرَه، وبالإعجازِ على مَن أنكرَ النبوّاتِ.
وأمّا قولُهم: إنّ الكتابَ والسُّنةَ طريقُهما (٢) السّمعُ، والقياسَ طريقُه الرأيُ إلاّ أنّ على معانيه أماراتٍ تدلُّ عليهِ، وما كانَ عليهِ أمارات ظاهرةٌ يصيرُ في جوازِ الاتفاقِ عليهِ كالسّمع، بدليلِ القِبلةِ طريقُها الرأيُ والاجتهادُ ثُمّ جازَ اتفاقُ الجميع عليها.
وأمّا قولُهم: احتجوا بالنّصوصِ، فقد أجابَ بغيرِ النّصِّ وما أنكروه؛
стр. 2246
وهو قولُه: لا أُفرِّقُ بينَ ما جمعَ الله، وقولُهم: نظرْنا فإذا الصّلاة عماد ديننا فرضِينا لدنيانا مَن رضِيَهُ رسولُ اللهِ لديننا، والصّلاةُ مَقِيسٌ عليها الإمامةُ وهي (١) غيرها.
وأما قولُهم: يجوزُ أنْ يكونَ معَ الصّحابةِ نصٌّ، فلا يجوزُ أنْ يكونَ ذلك؛ لأنّه لو كانَ معهم نصٌّ لما احتجُّوا بالقياسِ، لأنّ العاقلَ لا يترك الدليلَ الأقوى ويَعدِلُ عنه إلى ما دونَه، ولا كانَ بحيثُ يخفى على غيرِهم.
فصل
في شُبههم
فمنها: أنّ الاتفاق غيرُ حاصلٍ على القياسِ، لأنّه ليسَ مِن عصرٍ إلاّ وفيهِ قوم من نُفاةِ القياسِ، فلا يُتَصوَّر اجتماعٌ ينعقدُ مِن طريقِ القياسِ معَ اختلافهم فيهِ.
ومنها: أنّ القياسَ طريقُه الظّنُّ، واختلاف النّاسِ في الظّنونِ يمنعُ اتِّفاقَهم على مُقتضى الظنِّ، وذلكَ. بمثابةِ الأمزجةِ لمّا اختلفت تعذَّرَ إجماعُ الكلِّ على حبِّ الحموضةِ أو الحلاوهِ بحيثُ لا يختلفونَ.
ومنها: أنْ قالوا: طريقُ القياسِ غامضٌ، ومسالِكُه دقيقةٌ، والنّاسُ على غايةِ الاختلاف في مداركِ الظّنونِ، فلا يكادُ يتحصَّلُ اتفاقُهم على مُقْتضاهُ.
стр. 2247
ومنها: في إسنادِ الإجماع: وهو دلالةٌ قطعيَّةٌ، إلى القياسِ: وهو أمارةٌ ظنيَّةٌ ضَعيفةٌ، خروجٌ عن سَمْتِ وضْع الأصولِ شرعاً وعقلاً، ويشهدُ لضعفِ القياسِ: أنَّ مخالف القياسِ لا يُفَسَّقُ ولا يُبدَّعُ، ومَن خالفَ الإجماعَ فسِّقَ وبُدِّعَ، فلا يجوزُ أنْ يستندَ ما هذهِ حالُه في القُوَّةِ إلى ما تلكَ حالُه في الضعفِ، بل دأبُ الأصولِ استنادُ الأضعف إلى الأقوى، كاستنادِ الإجماع إلى قولِ الصَّادقِ: "أمتي لا تجتمعُ على ضلالةٍ"، وإلى كتابِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]،، ويستند قولُ الرَّسولِ إلى دلالةِ المعجِزِ الدالِّ على صدقِه، وتستندُ دلالةُ المعجزِ إلى ما دلَّ العقلُ عليهِ مِن إثباتِ صانع حكيمٍ لا يؤيد كذاباً بالعجِز، فأمّا أنْ يوجدَ في الأصولِ دلالةٌ قطعيةٌ تستندُ إلى أمارةٍ ظنِّيةٍ [فلا] (١).
ومنها أنْ قالوا: الإجماع أصلٌ، والقياسُ فرع، والاجماعُ معصوم عنِ الخطأِ، والقياسُ عُرضةُ الخطأِ، ولهذا قُدِّمَ عليه خبرُ الواحدِ المجوَّزُ عليهِ الكذبُ، فلا يجوزُ أنْ يستندَ الأصلُ إلى الفرع، والمعصومُ إلى المجوَّزِ عليه الخطَأُ.
ومنها: أنّ القياسَ لا يُقطَعُ على إصابتِه، ولا يقطعُ على تخطئةِ مخالفِهِ، ولهذا يكونُ بدخولِه في الرأيِ عُرْضةً للرجوع (٢) والنزوع عمّا ذهبَ إليهِ بالرأيِ والقياسِ، والإجماعُ لمجبُ أنْ يكونَ قطعياً، فكيفَ يستندُ ما لا
стр. 2248
نزوع عنهُ إلى ما يتردَّدُ بينَ المقامِ عليهِ والنزوع عنه؟!
فصل
في الأجوبةِ عنْ شُبههم
فأمّا قولُهم: إنّ الاتفاقَ غيرُ حاصلٍ علىَ القياسِ، وأنّه ما مِن عصرٍ إلاّ وفيهِ نفاةٌ له، فلا (١) نسلِّمُه، بل لم يكنْ في عصرِ الصّحابةِ منكِرٌ له، ولا نافٍ للاستِدْلالِ به، وإنّما حدثَ ذلك فيمن لا يُعتَدُّ بخلافِه؛ إذ لا يُعملُ (٢) بخلافِ مَن خالفَ بعدَ إجماع الصّحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم.
على أنّ هذا باطلٌ عليهم بخبرِ الواحدِ، فإنّ أخبارَ الآحادِ لا اتفاقَ على قَبولِها، ومعَ ذلكَ فقد أجازوا إسنادَ الإجماع إلى أخبارِ الآحادِ.
وأمّا قولُهم: إنّ القياسَ طريقُه الظّنُّ، ولا يتفقُ النّاسُ في الآراءِ والظّنونِ كما لا يتفقونَ في الأمزجةِ والشهواتِ والميلِ، فغيرُ صحيح، لأنّ الأماراتِ على الحكمِ إذا وَضَحَتْ، والآراءَ إذا اتفقتْ على طلبِ إصابةِ الحكمِ عندَ اللهِ مع عدمِ الميلِ والهوى والتقليدِ، لم يَبعدِ اتفاق العقلاءِ المنصفينَ على جهةٍ، كجهة القِبْلة إذا اتفقوا على طلبها بأماراتها ودلائلها، لم يَتعَذَّر اتفاقهم على جهة بأنّها هي القِبلةُ، على أنّ هذا باطلٌ بخبرِ الواحدِ، فإنّ عدالته غيرُ معلومةٍ، لكنّها مظنونةٌ. بما يصحبها مِن أماراتَ
стр. 2249
عدالتِه وأسبابِ تزكيته، والنّاس مختلفونَ أيضاً في أسبابِ التزكيةِ والأفعالِ القادحةِ في المخبرِ، ولم يمنَعْ ذلك عندَهم بناءَ الإجماع على خبرِه، وحصولَ الاتفاقِ على الحكمِ الذي جاءَ بِه، على أنّه إذا جازَ اتفاقُ العددِ الكثيرِ والجمِّ الغفيرِ على شبهة مثل (١) اليهودُ والنصارى- وهما أُمَّتانِ عظيمتانِ- يستند اعتقادُهم لشُبْهةٍ ظاهرةِ العَوَارِ، فلا وجهَ لاستبعاد اجتماع العدد الكثيرِ، واتفاقِ أهلِ الإجماع على أمارةٍ، ومعلومٌ ما بينَ الأمارةِ والشبهةِ، وفارَقَ ما ذكروه مِن مثلِ الطِّباع والأمزجةِ، فإنّ الطّباعَ مع اختلافِها في أصلِ الخلقةِ مطلقةٌ لا معيقَ لها عن الاختلافِ، ولا داعيَ لها إلى الاتّفاقِ.
فأمّا فِى مسألتنا، فإنّ الأمارةَ الظاهرةَ تدعو إلى مدلولِها، وذلك وجهٌ للاجتماع والاتفاقِ، فيصيرُ كاتِّفاقِهم على جهةِ القِبلةِ وحضورِ الأعيادِ والجُمَع، لما كانَ هناكَ داعٍ -وهو الأمارةُ الدّالةُ- جمعت العددَ الكثيرَ.
وأمّا قولُهم: إنّ طريقَ القياسِ غامضٌ، ومسالكُه دقيقةٌ، فلا يكادُ يتفقُ النّاسُ على مقتضاهُ، فغيرُ صحيح، لأنّ أهلَ الإجماع هم أهلُ اجتهادٍ، ومعلومٌ ما نعتبرُه في أهلِ الاجتهادِ مِن العقلِ والدّينِ، ثُمّ الفهمِ والبحثِ، وبناءِ الأدلّةِ بعضِها على بعضٍ، وإلحاق الشيءِ بنظيرِه، فلا يكاد يشتبِهُ الأمرُ مع هذه الصفاتِ على أنْ يُلقى الَحكمُ مِن جهةِ السَّمع، فمعَ كونِ السَّمع مختلفاً بينَ تخليصِ المجازاتِ عنِ الحقائقِ والفحاوى، ودلائلِ
стр. 2250
الخطابِ، وتقابلِ الألفاظِ في الظّاهرِ مع اتّفاقِها في المعنى وغريبِ الألفاظِ والمقدَّراتِ المحذوفةِ، وغيرِ ذلك مِن الاشتباهِ يختلف فيهِ أهلُ الاجتهادِ غايةَ الاختلافِ، ولم يَمنَعْ ذلكَ مِن إسنادِ الإجماع إليها وبنائِه عليها.
وأمّا استبعادهم إسنادَ الإجماع: وهو دليلٌ قطعيٌّ، إلى القياسِ: وهو ظنيٌّ، فلا وجهَ لهذا الاستبعاد، لأنّ خبرَ الواحدِ غيرُ مقطوع بصدقِ راويهِ، وغايةُ ما يوجبُ الظنَّ، ومع ذلك يستندُ إليهِ الإجماعُ المقطوعُ بِه وينعقدُ عليهِ، على أنّا قائلونَ. بموجبِ الدليلِ، فإن الأمَّةَ إذا اتفقتْ على حكمٍ بقياسٍ، اتّفقوا على ثبوتِ الحكمِ به، سبقَ إجماعُهم على الحكم إجماعَهم على دليلِ الحكمِ وهو القياسُ، فلا يكونُ القياسُ الذي اتفقوا عليهِ ظنياً، ولا بأسَ بتقديمِ هذا الجوابِ قبلَ المناقضة لهم بخبرِ الواحدِ، وكونُه في الابتداءِ مُجوَّزاً عليه الخطأُ، لا يمنعُ مِن انتهائه إلى القطع، كآحادِ الرُّواة في المتواترِ يجوزُ على آحادِهم الخطأُ، وينتهي خبرُهم عند تكاملِ العددِ المعتبرِ إلى القطع، فصارَ القياسُ الذي اتّفقَ عليه المجتهدودنَ، كتعللِ صاحب الشّريعة بقياسٍ (١) عن رأيٍ معصومٍ.
وأمّا كونُ القياسِ فرعاً، فهوَ فرعٌ لغيرِ الإجماع، لكنّه فرعٌ للكتابِ والسنةِ، وكونُه فرعاً إذا أتّفقَ على كونِه أمارةً دالةً على الحكمِ، قَويَ بالاتفاقِ على كونه أمارةً دالَّةً، فأُعطيَ حكمَ القطع، وبَطَلَ النّظرُ إليهِ بعينِ أنّه فرعٌ، فلا تبقى الاسميةُ فارغةً توهمُ الضعف، على أنّ كونَه فرعاً
стр. 2251
ليسَ بأكثر مِن أنّه ضُعِّفَ بكونِه مبنياً على غيرِه، وهذا لا يمنعُ إسنادَ الإجماع إليهِ كخبرِ الواحدِ دلالةٌ ظنِّيةٌ، فجُوِّزَ على راويها الكذبُ، ولم يمنعْ كونها ضعيفةً أن يستندَ الاجماع إليها.
وأمّا قولهم: القياسُ منزوع عنه وغيرُ مقطوع به، فقد تقدَّم أنه ليس فِى هذا القياس المجمع على كونِه أمارةً للحكمِ المتفًقِ عليه، فإنه زالَ عن كونِه متردداً، وإنما ذلك القياسُ في الأصلِ، فهوَ كخبرِ الواحدِ مظنون في كلِّ خبرٍ على انفرادِهِ، فإذا انتهتْ آحاده إلى عددِ التواترِ، خرجَ عن الظنِّ إلى القطع، على أنّه يَبطُلُ بخَبَر الواحدِ، فإنّه قد يَنزِع عنهُ الراوي ويردّه المرويُّ له لنوع مان وعارضٍ، أو غامض تأويلٍ يصرفُ إليه دليل، ولا يمنعُ ذلك بناءَ الإجماع عليه وردَّه إليهِ.
فصل
لا اعتبارَ بقولِ العامّةِ في الإجماع، ولا اعتدادَ بخلافِهم، هذا مقتضى الدليلِ عندي، وذكرَ شيخُنا (١) أنّه مذهبُ أحمدَ ﵁ وذكرَ عنه ما ليسَ بمأخذٍ للمذهبِ؛ لأنه قال: رويَ عن أحمدَ أنه قال في روايةِ ابنِ القاسمِ، وذُكرَ له عن شريح وابنِ سيرينَ، فقال: هؤلاءِ لا يكونون حجّة على مَنْ كانَ مِثلَهم (٢) مِن التّابعينَ، كيفَ مَن قبلَهم مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ؟!
стр. 2252
وهذا لا يعطي ما نريده في هذهِ المسألةِ؛ لأن ابنَ سيرينَ وشريحاً مجتهدان يُعتدُّ بإجماعِهم معَ أمثالِهم مِن التَّابعينَ، بلا خلافٍ على المذهبِ أنّه معتدٌّ بإجماعِهم وخلافِهم مع التّابعينَ، ومَن عاصرَ منهم الصّحابةَ، فالصحيحُ أنّه يُعتدُّ بخلافِهم، فلم يبقَ لقولِ أحمدَ في مسألتِنا عملٌ ولا أثرٌ، لم يبقَ إلاّ ما صرّحَ بِه مِنْ نفي الحجّة، ولَعَمْري إن قولَ التّابعي ليسَ بحجّةٍ في عصرِ الصّحابةِ على الصحابةِ، ولا حجّةً على مَن بعدهم، فنَفْيُ الحجّة عَنِ التّابعينَ، لا (١) يعطي نفيَ الاعتدادِ بقولِ العامة لا تصريحاً ولا تنبيهاً، فإذا لم يعط مذهباً كانَ المُعَوَّلُ (٢) على الدليلِ، وبه قال الفقهاءُ خلافاً لبعض الأصوليينَ كأبي بكر بن الطيَب الأَشعَرِي.
فصِل
في أدلتنا
فمنها: أن العامِّيَّ لا اجتهادَ له، فنقولُ: ليسَ مِن أهلِ الاجتهادِ، ولا يُعتدُّ بخِلافه، كما لا تُعتبرُ موافقتُه في إجماع المجتهدينَ، كالصبيان.
ومنها: أن العامَّةَ حقُّهم التقليدُ لغيرِهم، وليسَ لهم رُتبةُ الفُتيا ولا رجوع غيرِهم إليهم، فلا يعتدُّ بوِفاقِهم للعلماءِ ولا بخلافِهم، كالمجانين والأطفالِ والفُسَّاقِ.
стр. 2253
ومنها: أنّ الفسَّاقَ مِن العلماءِ المجتهدينَ لا يُعتدُّ بخلافِهم، معَ كونِهم مِن أهلِ الصناعةِ، لأجلِ التُّهمةِ في الدينِ، والعوامُّ العدولُ أوْلَى أن لا يعتدَّ بقولِهم لتحقُّقِنا أنّهم لا معرفةَ لهم بالحجّةِ مِن الشبهة، ولا بتراتيبِ الأدلةِ بعضِها على بعضٍ.
ومنها: أنّ في الاعتدادِ بقولِهم تعطيلٌ لأقوالِ أهلِ العلمِ، وإيقاف لحجّةِ الشّرع على قولِ أربابِ المِهنِ والصَّنائع الزَّرِيَّةِ، المصروفةِ فهومُهم إلى ما نَدَبوا إليهِ نفوسَهم مِن الأعمالِ، ولا يَشَمُّونَ رائحةَ العلمِ بحالٍ، فالمشاورةُ لهم في الآراءِ الدينيَّةِ والاجتهاداتِ الاعتقاديةِ استخفافٌ بحرمةِ أحكامِ الشَّرع، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ كلَّ قومٍ يُرجَعُ إليهم فيما يعانونَه ويَخبرُونَه، ولذلك يُرجعُ إلى أهل الصَّنائع في صنائعِهم، وإلى أهلِ الأسواقِ في تقويمِ السلع بحَسَبِ تجارتِهم فيها وخُبْرِهم بأسواقِها، ولا يخلطُ أهلُ صناعةٍ بغيرِ أهلِها في الاعتدادِ بقولِهم فيها، فلا يرجعُ إلى أهلِ تجارةٍ في أعيانِ في تقويمِ ما لاخُبرَ لهم بِه ولا ممارسةَ، ولايُرضى إلاّ بالخُبْرِ العدولِ، ليجمَعَ بينَ الخبرةِ والثِّقةِ، فلا وجهَ لإهمالِ أحكامِ الشَّرع باتفاقِ قولِ الخبراءِ العلماءِ بها على قولِ مَن لا خبرةَ له بها.
فصل
في شُبههم
فمنها: قولُ النبيِّ في: "أمتي لا تَجتمعُ على الخطأِ، ولا تجتمعُ على
стр. 2254
ضلالةٍ" (١)، والعامةُ ممَّن يقعُ عليهمُ اسمُ الأمةِ، فلا يُخرجونَ عن عمومِها إلا بدلالةٍ.
ومنها: أن العامّيَّ مكلّف، وهو مِن أهلِ النَّظرِ والاستدلالِ في الأصولِ، بحيث لا يجوزُ لهم التقليدُ فيها، ويأثمونَ بالخطأِ ويثابونَ على الإصابةِ، ويُبَدَّعون إذا اعتقدوا البدعَ، فلا وجه لإخراجِهم مِن الإجماع، ولا لإهمالِ خلافِهم في الأحكامِ.
ومنها: أنّ صاحبَكم أوجبَ عليهم الاجتهادَ في أعيان العلماء حتى اتّفقوا مع أهلِ العلمِ، فأهلُ العلمِ يجتهدونَ في الأحكامِ، والعوامُّ يجتهدونَ في أعيانِ العلماءِ، وذلك نوعُ ترجيح، واستدلال بدلائِلَ توجبُ تقديمَ أحدِهم في ألاتباع (٢) دونَ الآخرِ.
فصلٌ
في أجوبتنا عن شُبههم
أمّا الخبرُ، فإنّه خاصٌّ في أهلِ العلمِ، ودلائلنا صارفةٌ لَهُ عنِ العمومِ، كما أخرجت الصبيانَ والمجانينَ والفُسَّاقَ حيثُ لم يكونوا أهلاً، والعوامُّ ليسوا أهلاً لذلكَ، وإنَّما لم يكُنِ العاميُّ أهلاً؛ لأنه إذا قالَ قولاً كانَ حازراً وخارصاً، لا عَنْ تحقيقٍ، ولا يستندُ قولُهُ إلى دليلٍ، فلا يؤنسُ إلى
стр. 2255
قولِه لعدمِ الصناعةِ، كما لا يؤنسُ إلى الفاسق لعدمِ الثِّقةِ بالديانةِ، فالعمومُ مخصوصٌ بهذهِ الدلالةِ وما سبقَ مِن أدلتِنا.
وأمَّا قولُك: إنَّه مكلًفٌ، وله نطقٌ في الأُصولِ، فالفاسقُ مكلفٌ عاقلٌ له نظرٌ في الأصولِ، ولا يكونُ بِعلمهِ مِن أهلِ الفُتيا، ولا يُعْتدُّ باجتهادِه، ولأنَّ الأصولَ أداتُها العقلُ، والعقلُ موجودٌ بكمالِه في حقِّ العامَّةِ، ولا أداةَ للعلمِ الأصولَ سوى العقلِ، وأداةُ هذهِ العلومِ عللٌ مستنبطةٌ، وأدلَّةٌ مرتبةٌ بينّ خاصٍّ وعامٍّ، ومجملٍ ومفسَّر، ومطلق ومقيَّدٍ، ودليلِ خطابٍ، وفحوى خطابٍ، وظاهرٍ، وعمومٍ، واستصحابِ حالٍ.
والقياسُ مراتبُ، وأدواتُ الاجتهادِ كثيرةٌ متنوِّعةٌ لا يُهتَدى إليها إلا بعدَ التعليمِ والتفهيمِ، ومعاناتِها على وجهِ الإدمانِ فيها، والعاميُّ ليسَ مِنْ ذلكَ ولا إليهِ.
وأمَّا اجتهادُهم في أعيانِ العلماءِ، فإئما يعودُ إلى الأَفعالِ، فيتبعونَ الأورعَ والأَنسكَ ومَنْ شاعَ عنْهُ بأنَّهُ الأعلمُ، فأمَّا أَنْ يجتهدوا في طرقِ العلمِ وأدلتِه، فلا، وترجيحُ الأَشخاصِ ليسَ مِن بابِ الاجتهادِ والذي نحنُ فيهِ بشيء.
فصل
ولا يُعتدُّ بخلافِ علماء الأصول، وهم المتكلِّمون، ولا أصحابِ الحديثِ، والنحو، واللُّغة، والحساب، والهندسة، حتى يكونوا من أهل العلم بأصول الفقه وفروعه، قال أحمدُ: لايجوز الاختيار إلاَّ لرجلٍ عالمٍ بالكتاب والسُّنَّة ممَّن إذا وَرَدَ عليه أمرٌ نظرَ فيه الأمورَ وشبَّهها بالكتاب والسُّنًةِ
стр. 2256
وذهبَ قوم من المتكلمين إلى أنَّه لا يتمُّ الإجماعُ إلا بالموافقة (١ من جميع أهل العلم ١).
فصِل
في أدلّتنا
فمنها: أنَّ هؤلاء عامَّةٌ في الفقه؛ لأنهم غيرُ عالين بطرقِ الاجتهاد، فلا يُعتدُّ بخلافهم كالعاميِّ.
ومنها: أنّا أجمعْنا على أنّ كلَّ علم مِن هذه العلومِ لا يُرجَعُ عندَ اعتراضِ الشُّبهةِ فيه والاختلافِ إلى غيرِ أهلِه، ولايُعتدُّ بقولِ فقيهٍ لا معرفةَ له باللّغةِ والحسابِ والنّحوِ في شيءٍ مِن ذلكَ، وكذلك أهلُ التقويمِ للسِّلع يرجعُ في تقويمِ كلِّ شيءٍ عندَ التغريمِ إلى أهلِ الخبرةِ بالبَزِّ، وإلى تقويمِ الأَقْواتِ إلى التّجارِ فيها، والخبراءِ بقِيمتِها، وإلى أمثالِ ذلكَ، فلا وجهَ لإدخالِ أربابِ العلومِ في علمِ الفقهِ، وكما لا يُرجعُ إلى الفقهاءِ في علومِ غيرهم على ما بيَّنا.
ومنها: أَنَّ المخالفَ في هذهِ المسألةِ جعلَ رضا أهلِ العلم بغيرِ الفقهِ وسكوتَهم، أو قولَهم: لا نجدُ عندَنا ما يخالفُ ما أجمع عليهِ الفقهاءُ، يكفي (٢) ذلكَ في الاعتدادِ به إجماعاً مِن غيرِ إبداءِ دليلٍ، ولا تعلّقٍ بأمارةٍ،
стр. 2257
وهذا ليسَ بمقامِ المجتهدينَ؛ لأَنَّ المجتهدَ لا يُقنعُ مِنهُ إلاَّ بأنْ يفتيَ بذلكَ، ويشيرَ إلى دليلِه فيهِ، فأمّا إنْ قالَ: لا أُخالفُ، ولا عندِي دليل للموافقةِ، فإنه لا يُقنعُ مِن الفقيهِ عندَهم بِمثلِ هذا، ويقنعُ مِن المتكلمينَ بمثل ذلكَ، فدلَّ على أنّهم كالعوامِّ.
فصل
في شبههم
فمنها: قولُه تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، وهؤلاءِ مِن جملةِ المؤمنينَ فيلحق الوعيدُ بمُخالفِهم. بعمومِ الآيةِ.
ومنها: قولُه ﷺ : "أمتي لا تجتمعُ علي ضلالةٍ"، فَشَرطَ لنفي الضلالةِ إجماع أمتِه، فلا نحكمُ بنفي الضلالةِ معَ تخلّفِ هؤلاءِ العلماءِ، وهم مِنْ ساداتِ الأمَّةِ وخيارِهم.
ومنها: أنَّ لهم معرفةً بالأدلةِ والأماراتِ، ومراتبُ الأدلةِ صناعتُهم، ومعرفةُ ما بينَ الحجَّةِ والشُّبهةِ، وفي معرفةِ ذلكَ أُحوِجَ (١) المجتهدونَ إلى رأيِهم، واستخراج الصحيح مِن الفاسدِ، فلا يجوزُ أنْ يُجعَلَ قولُهم لغواً، ولذلكَ مَن عَرَفَ أصولَ الفرائضِ، ولم يعرفْ فروعَها، كانَ مِن أهلِ الفرائض معتدّاً بقولِه، كذلك مَن عرفَ أصولَ الدينِ والفقهِ ولم يعرفِ الفروعَ.
стр. 2258
فصل
في الأجوبَةِ عنْ شبههم
أمّا الاَيةُ، فإنَّها ترجعُ إلى المؤمنينَ مِن علماَءِ الفروع، وهمُ الفقهاءُ، والدلالةُ على تخصيصِها ما ذكرْناهُ مِن الأدلّةِ.
وأمّا قولُه ﷺ :"أمتي لا تجتمعُ على الخطأِ، ولا على ضلالةٍ"، فيَعُمُّ الأمَّةَ، لكن نحملُه على أهلِ الاجتهاد، وهمُ الفقهاءُ، وتخصيصاتُهم بأدلَّتِنا.
وأمّا قولُهم: إنَّ لهم نظراً، واجتهاداً، ومعرفةً بالأدلّةِ، وبناء الأدلَّةِ بعضِها على بعضٍ، فهو صحيحٌ، لكنْ في أصولِ الدينِ، وهي الكلاَمُ على الجوهرِ والعَرَضِ والاستطاعةِ وبناءِ العرضِ ومَثارِه، فأَمّا الفروعُ التي نحنُ فيها، التي مستندُها الأشباهُ، والسُّنَنُ، والمعاني من الآي، وتراجيح أدلَّة الحلالِ والحرامِ وهذا القبيل، فلا معرفةَ لهم بها، بل هم فيها بمنزلةِ العوامِّ، يوضحُ هذا، ويبيِّنُه: أنَّ الفُتيا لا تجوزُ أنْ تصرفَ إلى آحادِهم، فإذا لم يكنْ آحادُهم مِن أهل الاجتهادِ والأستنباطِ، لم تكنْ جملتُهم مِن أهلِ الإجماع، بخلافِ الفقهاءِ، فإنَّ آحادَهم يُرجعُ إليهِ في الفتوى، فَعُوِّلَ على جماعتِهم في الإجماع، وهؤلاءِ لما لم يُعَوَّل على آحادِهم في أَصلِ الفُتيا، لم يُعوَّلْ عليهم في الإجماع.
فصل
إجماعُ أهلِ المدينةِ ليسَ بحجَّةٍ ، بل هم وغيرُهم سواء، فمتى اتفقوا على حكمٍ، ثُمَّ خالفَهم غيرُهم، لم يعد معَ مخالفةِ ذلكَ المجتهدِ إجماعاً،
أصحابَه أينَ كانوا، وحيثُ كانوا.
ومنها: أنَّ ما ذهبَ إليهِ المخالفُ يؤدِّي إلى مُحال، وهو أنْ يكونَ قولُهم حجَّةً ما داموا بالمدينةِ، فإذا خرجوا منها، لم يكنْ قولُهم حجَّةً، وهذا منْ أبعدِ الأقوالِ (١)، أنْ يكونَ الشَّخصُ بمكانِه، لا بعلمِه، ولا اجتهادِه، ولو جازَ ذلك، لجازَ أنْ يصيرَ قولُ العاميِّ حجَّةً، إذا صارَ فيها، أو كانَ فيها.
ومنها: أنْ يقالَ: لا يخلو أنْ تكونَ الفضيلةُ الموجبةُ لكونِ أقوالِهم حجَّةً، راجعةً إلى البقاع، أو إلى فضائلِ الرجالِ لأجلِ ما اكتسبوهُ مِن العلومِ، أولهما؛ فإنْ كانَ لأجلِ البقعةِ، فلا وجهَ لذلكَ؛ لأنَّ العامَّةَ ومَنْ لا اجتهادَ له هو في البقعةِ، ولم يُجعلْ قولُهم حجَّةً، وإنْ كانَ لأجلِ الفضلِ، فأصحابُ رسولِ اللهِ كابنِ مسعودٍ وثلاثِ مئةٍ مِن الصَّحابةِ ونيِّفٍ انتقلوا إلى العراقِ، وما كانَ مَن بقيَ بالمدينةِ بأكثَرَ مِنهم علماً، ولا أوفى فضلاً، فلا وجهَ لإِسقاطِ حكمِ خلافِهم، وإخراج قولِهم عن الحجَّة، وجعلِ مَن أقامَ بالمدينةِ حجَّةً عليهم، معَ التَّساوي في أدواتِ الاجتهادِ.
فصل
في شبههم
فمنها: ما رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: "إنَّ المدينةَ تنفي خبثَها، كما
стр. 2261
ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ" (١)، والخطأ مِن الخبثِ، فكانَ منفياً عنها.
وقولُه ﵊: "إنَّ الإسلامَ يَأرِزُ إلى المدينةِ، كما تَأرزُ الحيَة إلى جحرِها" (٢).
وقوله ﵊: "لا يُكايدُ أحدٌ أهلَ المدينةِ إلا انماعَ كما ينماعُ الملحُ في الماءِ" (٣).
ومنها: أنْ قالُوا: المدينةُ مُهَاجَرُ النبيِّ ﷺ ، وموضعُ قبرهِ ﷺ ، ومهبط الوحى، ومستقرُّ الإسلامِ، ومجمعُ الصَّحابةِ، فلا يجوزُ أنْ يخرجَ الحقُّ عنْ قولِ أهلِها.
ومنها: أنّ روايةَ أهلِ المدينةِ مقدَّمةٌ على روايةِ غيرِهم.
ومنها: أنّ أهلَ المدينةِ شاهدوا التنزيلَ، وحمعوا التأويلَ، فكانَ إجماعُهم حجَّةً لا يخرجُ الحقُّ عنْها، ويستقلُّ أهلُها به دونَ غيرِهم.
فصلٌ
في الأجوبةِ عن شبههم
أمّا السُّننُ الواردةُ بفضلِها وحفظِها، فإنهُ رَاجعٌ إلى كونِ النبيِّ ﷺ
стр. 2262
بها، فكانت محفوظةً بِه ﷺ ، وبكونِها دارَ الهجرةِ، وموطنَ الصَّحابةِ بعدَهُ ﷺ ، وذلك لا يمنعُ مِن كونِ بمجموع منْ فيها وفي غيرِها [عُلَماء] (١) تخصيصاً للمزية التي ذكرْناها.
ولأَنَّ مكةَ ممدوحةٌ بكونِها قبلةً للخلقِ، وموضعَ المناسكِ، ومولد رسولِ اللهِ ﷺ ، ومبعثهُ، ومولدَ إسماعيلَ، ومنزلَ إبراهيمَ، ولم يدلَّ ذلكَ على أنَّ قولَ أهلِها حجةٌ، بل الاعتبارُ بعلمِ العلماءِ، واجتهادِ المجتهدينَ، سواء كانوا فيها، أو في غيرِها، والذي يوضحُ هذا، وأنَّه عادَ إلى الخصوصينَ مِن أهلِها لخصائصِهم مِن العلمِ، لا لها، ولا لعصمتِها: أنَّ الله سبحانَه اُخبَرَ عن كون المنافقينَ مِن أهلِها، فدلَّ ذلكَ على اُن الحفظَ والعصمةَ والتبجيلَ، عادَ إلى ساكنٍ أو نازلي مخصوصٍ بالعلمِ، والعملِ بِه.
وأمّا قولُهم: إن المدينةَ مجمعُ الصَّحابةِ، ومهبطُ الوحي، وبها قبرُ النبيِّ ﷺ ، فلعمري لكنْ لو جَمَعتِ المجتهدينَ مِن الأُمَّةِ (٢)، لتخصَّصتْ، لكنها جمعت قوماً، وفارقَها قومٌ، على ما حفظوهُ مِن النقلِ، وفقهوهُ مِن المعاني، فلا يجوزُ أن يخرجوا عَنِ اتفاقِ أهلِ الاجتهادِ، واعتبارهم في الوفاق، والاعتداد بخلافهم في الخلافِ، فإنَّ الذي حَظُوا (٣) به فيها لم يزايلهم، ولم ينسلخ عنهم، ولو زال عنهم العلمُ بنسيانٍ أو ذهول معَ مقامِهم بها، لم
стр. 2263
يُعتبرْ وفاقُهم، ولا اعتُدَّ بخلافِهم.
وأمّا تعلّقُهم بتقديمِ روايتهم على روايةِ غيرِهم، فدعوى لا دليلَ عليها، ولا علَّةَ تجمعُ بينَ الرِّوايةِ والدرايةِ، على أنّ الأخبارَ قدْ ترجحُ. بما لا يترجَّح به الاجتهادُ؛ بدليلِ أنّ روايةَ الجماعةِ ترجَّحُ على روايةِ الواحدِ، ولا توجِبُ ترجيحَ قولِ جماعةٍ مِن المجتهدينَ على قولِ الواحدِ، على أنّهم لمّا قَرُبوا مِن الحوادثِ التي جرتْ وسمعوا الأجوبةَ، كانوا أحقَّ بالنقلِ؛ لأنّهم أقربُ إلى الحفظِ والضبطِ، وطريقُ الأخبارِ السماعُ للحفظِ، والقربُ يؤكِّدُه، فقُدِّموا فيهِ؛ لأَنّهم الحُفظُ، فأمّا الاجتهادُ فإنّ طريقَه النظرُ، والبحثُ بالقلبِ، والاستدلالُ على الحكمِ، وذلكَ لا يختلفُ بالبعدِ والقربِ.
فصل
لا يكفي في انعقادِ الإجماع اتفاقُ أهلِ البيتِ معَ خلافِ غيرِهم ، خلافاً للإماميةِ: هو حجةٌ بنفسِه.
فصِّلٌ
في أدلتِنا
فمنها: قولُه تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] الآية وذلكَ يعمُّ كافّةَ أهلِ الاجتهادِ مِن أقاربِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، فلا وجهَ لتخصيصٍ.
ومنها: قولُ النبيِّ ﷺ : "أمتي لا تجتمعُ على ضلالةٍ" وروي: "لا
стр. 2264
تجتمعُ على خطأٍ"، وذلك يعمُّ ولا يخصُّ أهلَ البيتِ. وما رويَ عنِ النبيِّ ﷺ أنّه قال: "أصحابي كالنُّجومِ بأيِّهم اقتديتُمُ اهتديتُم"، وهذا يدلُّ على أنّ الاقتداءَ بغيرِ أهلِ البيتِ مِن الصَّحابةِ، كالاقتداءِ بأهلِ البيتِ مِن ألاهتداء.
ومنها: أنّ أهلَ البيتِ لا يتخصَّصونَ بأكثَرَ مِن القرابةِ والنسبِ، وذلك لا وَقْعَ له في الاجتهادِ، إنّما يحصُلُ الاجتهادُ بأدواتِه وهو العلمُ، فأمّا الشَّرفُ والنَّسبُ فلا أثَرَ لَه في الاجتهادِ في الأحكامِ واستخراج عللها، ونصب الأدلةِ عليها، فإنْ حصلتِ الإشارةُ في ذلك، وأجمعوا على المخالفةِ لوقوفهم على التنزيلِ وأفعال رسولِ الله ﷺ وأقوالِه، فذلك لا يختصُّ بهم، بل زوجاتُه وأصحابه سواء على اختلاف أحوالِهم مَعَه، فالزوجاتُ في بيته ﷺ ، والأصحابُ في مجالسِه وأسفارِه، قدْ كانوا يتحفًظونَ مِن أقوالِه، ويَلحَظونَ مِن أفعالِه ما قدْ يَفُوت بعضَ أهلِ بيتِه، فلا وجهَ لإخراج مَن ساواهم عن الاعتدادِ بوِفاقِه لهم وخلافِه.
ومنها: أنّ أحدَ طرقِ هذا الوجودُ، وقد كانَ عليٌّ ﵁ خولفَ في عدّةِ مسائلَ، خالَفَه عليها الصَّحابةُ، فلمْ يُحفَظ عنه أنّه قالَ لواحدٍ منهم: إنّ قولي حجةٌ عليكم.
فصل
في الشُّبهِ التي تعلَّقُوا بِها
فمنها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
стр. 2265
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ومِن الرِّجسِ الضَّلالُ والخطأ، فإذا أخبرَ الله تعالى بذهابِه عنهم، كانوا مخصوصينَ بالعصمةِ عنِ الخطأِ. قالوا: وأهلُ البيتِ: عليٌّ، وفاطمة، والحسنُ والحسينُ، بدليلِ ما رويَ أنها لمَّا نزلت أدارَ النبيَّ ﷺ الكساءَ على هؤلاءِ، وقال: "هؤلاءِ أهل بيتي" (١).
ومنها: قولُ النبيِّ ﷺ : "إنِّي تاركٌ فيكمُ الثَّقلينِ، فإنْ تمسَّكتُم بهما لم تضلُّوا: كتابَ اللهِ وعِتْرتي" (٢)، وإذا خصَّ التمسكَ بهما، لم تقفِ الحجَّةُ على غيرِهما، ولا يشترط لها غيرُهما.
ومنها: أنّ أهلَ البيتِ اختصّوا بأنّهم أهل بيتِ الرِّسالةِ، ومَعدِن النّبوةِ، واختصوا بالعصمةِ.
فصل
فى الأجوبةِ عنْ شُبَهِهم
أمّا قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فإنّه عائدٌ إلى زوجاتِه، فإنَّه قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ونسق الكلام في خطابينِ إلى قولِه: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
стр. 2266
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] محالٌ أنْ (١ يقصدَ غيَرهنَّ ١) بعدَ قولِه: "يا عائشةُ بنتَ أبي بكرٍ، ويازينبُ، ويا صفيَّةُ بنتَ حُيَيِّ بنِ أخطبَ، ويا فلانةُ وفلانةُ، إنَّما يريدُ الله ليذهبَ عنكمُ الرِّجسَ، يا عليُّ ويا حسنُ ويا حسينُ" (٢)، فلم يَبْقَ إلاَّ عَودُ الخطابِ بأهلِ البيتِ إليهنَّ.
فإنْ قيل: فإنْ تعلَّقتُم بخطابِ التأنيثِ في قولِه: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، تعلَّقنا عليكم بقوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ ولو أرادَ الزَّوجاتِ لقالَ: عنكنَّ.
قيلَ: الجوابُ عن هذا، وقولهم: إنّ النبيَّ ﷺ أدارَ الكساءَ على علي وفاطمةَ وولديهما وقالَ: "هؤلاءِ أهلُ بيتي": أنَّنا لسْنا نُخرِجُ مَن ذكرْتم عَن أهلِ البيتِ، والجمعُ إذا اشتملَ على ذكورٍ وإناثٍ غلبَ جمعُ التذكيرِ، وإنَّما نقولُ: إنَّ نساءَ النبيِّ ﷺ يدخلْنَ ولا يجوزُ خروجُهنَّ، معَ كون أوَّلِ الخطابِ لهنَّ فأفردَهنَّ في الأَولِ بالخطابِ، كما كلفَهنَّ وتواعدَهنًّ على المخالفةِ، ثمَّ لما خاطبَهنَّ بأهلِ البيتِ، أدخل معهنَّ غيرَهُنَّ مِن الذكورِ، وجاءَ بخطابِ التذكيرِ، ولا وجهَ لإخراج النساء مِن أهلِ البيتِ،
стр. 2267
كما قالَ سبحانَه في حقِّ زوجةِ إبراهيمَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧١ - ٧٣] فعادَ ذلكَ إلى إبراهيمَ وإليها وجميع مَن حَوَاهُ بيتُ إبراهيمَ مِن ذكرٍ وانثى.
والرجسُ فِى الآيةِ التي تعلقوا بها لا يجوزُ أنْ يعودَ إلى الخطأِ في الاجتهادِ، لأنّه قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، فدلَّ على أنه أراد دفع (١ التهمة عنهنَّ ١)، وامتداد العيون بالنظر إليهنَّ، فأمَّا الاجتهادُ فلمْ يجرِ لَه ذكر، فلا يجوزُ أنْ نَعْدِلَ عَن رجس شهدَ لَه نطقُ الآيةِ ونَرُدَّهُ إلى خطأٍ في اجتهادٍ لم يَجْرِ له ذِكر في الآيةِ؛ ولأَنَّ ما تعلَّقُوا به مِن التفسيرِ فخبرُ واحدٍ، وعندَهم لا يُحتجُّ به، فكيفَ وهوَ مخالفٌ لظَاهرِ القرآنِ؟!.
وأمّا قولُه ﷺ : "إنِّي تارك فيكمُ الثَّقلينِ" (٢) إلى أخر الخبرِ، فإنّه مِن أخبارِ الآحادِ، وهو عندَهم ليسَ بحجَّةٍ، وعندنا هوَ حجَّة، لكنْ قدْ روىَ "كتابُ اللهِ وسُنَّتي" (٣)، ولو كانَ ما ذكرْتُم لما ضرَّنا فيما قصدناهُ؛ لأنّه يجوز أنْ يعودَ إلى الرِّوايةِ عنه، وروايتُهم حجَّة، وخصَّهم بذلك، لأنهم (٤)
стр. 2268
أخبرُ. بما قالَ وفعلَ.
ويحتمل أنّه أرادَ بِه إذا وافقَ قولُهم الصَّحابةَ، وخصَّهم بالذكر تبجيلاً، كما قال: "أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهمُ اقتديْتُمُ اهتديْتُم" (١) ولمْ يُخرِجْ ذلك أهلَ بيتِه ﵈، وكما قالَ: "اقتدوا باللَّذَينِ مِن بعدِي أبي بكرٍ وعمر" (٢)، "عليكم بسُنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن بعدِي" (٣) ولم يمنعْ ذلكَ دخولَ غيرِهم معَهم في الاعتدادِ بإجماعِهم، ويصرفُ ظاهرُ اللفظِ إلا هذا التأويلِ بِما تقدَّمَ مِن الدليلِ.
وأمّا ما ذكروه من التخصص به، وقربهم منه ﷺ ، فإنَّ ذلك أمرٌ لم ينفردوا بِه، بلْ لزوجاتِه فيما يشاهَدُ منه ﷺ مِن الأفعالِ البَيْتيَّة (٤) التي تتعلَّقُ عليها الأحكامُ كغُسْلِه مِن الجنابةِ، ووضوئِه، ولبسِه، وأكلِه، وشربه، وصلاة النَّفْل بالليل، وما يجتنِبُه مِن المتعةِ في حالِ حيضِهِنَّ، وما يُقدِمُ عليهِ، كلُّ ذلك (٥ هنَّ فيه أعلمُ من بقيَّةِ أهلِه ٥) ... وإذا لم يتخصص أهلُ بيته بذلكَ، فلا وجهَ لتخصيصِهم بالإجماع دونَ مَن شاركَهم في
стр. 2269
طرق الإجماع سيَّما الاجتهادُ، وجَوْدةُ النظرِ، والاستدلالُ بالرأيِ (١) لا يقفُ على القريبِ، أَلا ترى أنّ معاذَ بنَ جبلٍ لما بَعُدَ عنه إلى اليمنِ قالَ: أجتهدُ رأيى، فكانَ رآيه مَعَ بُعدِه كالرأيِ ممَّن قَرُبَ منْه ﷺ ، وليسَ فيما ذكروهُ بحِدَتِه مِن القربِ ما يوجب العصمةَ، وإنما غايةُ ما تحصلُ به العصمةُ اتفاق أهلِ الاجتهادِ على حكمِ الحادثةِ، وليسَ في القربِ ما يُقَوِّي الاجتهادَ إلى الحدِّ الذي ينفي الخطأَ، وفي إجماع أهلِ العلمِ ما ينفي، كما أنَّ جماعةً يحصلُ بخبرِهم المتواترِ (٢) [ما] يوجبُ العلم (٣)، ولا يوجبُ العلم روايةُ جماعةٍ دونَهم لهم (٤) تخصُّص بما رووه وقُربٌ ممن رووا عنْه.
فصل
في التًابعيِّ إذا أدركَ عصرَ الصَّحابةِ وهو من أهلِ الاجتهادِ، فيه روايتانِ: إحداهما: لا يعتدُّ بخلافِه، نصرَها شيخُنا في "العدَّة" (٥)، والثانيةُ؛ يعتدُّ بخلافِه، وهي الأصحُّ عندِي.
وبالثانية قالَ المتكلمونَ وأكثرُ أصحابِ أبي حنيفةَ (٦)، وأصحاب
стр. 2270
الشافعيِّ (١)، إلاّ أنّ أصحابَ أبي حنيفةَ (٢) قالوا: إنْ كانَ مِن أهلِ الاجتهادِ عندَ حدوثِ الحادثةِ، كانَ معتدّاً بِخلافِه، وإنْ لم يكنْ مجتهداً في ذلك الوقتِ، لكنَّهُ صارَ مجتهداً قبلَ انقراضِ العصرِ، فأظهرَ الخلافَ، لم يُعتَدَّ بخلافِه، خلافاً على ما حكاهُ أبو سفيانَ، وأصحابُ الشافعيِّ يجعلونَ خلافَهُ معتدّاً بِه إذا صارَ مجتهداً قبلَ انقراضِ عصرِ الصَّحابةِ.
فصلٌ
في أدلَتنا على نصرة الثَّانية
فمنها: أنَّ الصحابةَ سوَّغتْ للتابعينَ الذينَ أدركوهم الاجتهادَ معَهم فيما حدَثَ في عصرِهم مِن الحوادثِ، كسعيدِ بنِ المسيّبِ، وشريح القاضي، والحسنِ البصريِّ، ومسروق، وأبي وائلِ، والشعبيِّ، وغيرِ هم، بدليلِ أنَّ عمرَ وعلياً- ﵄ ولَّيا شريحاً القضاءَ، ولم يعترضا أحكامَهُ بالنسخ مَعَ إظهارِهِ الخلافَ عليهما في كثيرٍ مِن المسائلِ، وكتبَ عمرُ ﵁ إليهِ: فإن لم تَجِدْ في السُّنَّةِ فاجتهدْ رأيَكَ (٣)، ولم يأمرْهُ بالرُّجوع إليهِ ولا الحكمِ بقولِه، وخاصمَ عليٌّ ﵁ إلى شريحِ ورضيَ بحكمِه حينَ حكمَ عليهِ بخلافِ رأيِه (٤).
стр. 2271
ورويَ عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ أنه قالَ: تذاكرتُ أنا وابن عباسٍ وأبو هريرةَ في عدَّةِ الحاملِ المتوفى عنها زوجُها، فقالَ ابن عباسٍ: أبْعدُ الأجلينِ. وقلتُ أنا: عدَّتُها أنْ تضعَ حملَها، وقالَ أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي. فسوَّغَ ابن عباسٍ لأبي سلمةَ أن يخالِفَه ومعهُ أبو هريرة (١).
ذكر إبراهيمُ عن (٢) مسروقٍ أنّه قالَ: كان ابن عباسٍ إذا قدِمَ عليهِ أصحابُ عبدِ اللهِ صنعَ لهم طعاماً ودعاهم، قالَ: فصنع لنا مرةً طعاماً فجعلَ يسألُ ويفتي، فكانَ يخالفُنا، فما يمنعُنا أنْ نردَّ عليهِ إلاَّ أنَّا على طعامِهِ.
وسُئلَ ابن عمرَ عن فريضةٍ، فقالَ: سَلُوا سعيدَ بنَ جبيرٍ، فإنَّه أَعلمُ بها مني (٣). وسُئِلَ الحسينُ بنُ علي عن مسألةٍ فقالَ: سلوا مولانا الحسنَ (٤)، يعني البصريَّ.
وإذا ثبتَ أنَّها قد سَوَّغتْ للتابعينَ ذلك، لم يَجُحزْ تركُ الاعتدادِ بأقوالِهم، وِفاقاً لصحَّةِ الإجماع، واعتداداً بخلافِهم لمنع الإجماع وأنخرامِه.
ومنها: أنّ معَه آلةَ الاجتهادِ في وقتِ حدوثِ الناَّزلةِ، فكانَ معتدّاً
стр. 2272
بخلافِه أوْ بقولِه، فوقفَ انعقادُ الإجماع على وفاقِه كالصَّحابيِّ.
ومنها: أنّ الاعتبارَ بالاجتهادِ لا بالصُّحبةِ، والدليلُ عليهِ: أنَّه لوْ كانَ صحابي عامياً في عصر التَّابعينَ، لجازَ لَه تقليدُ فقهائِهمُ المجتهدينَ، ولم يعتدَّ بِقول الصَّحابيِّ لعدمِ الاجتهادِ، وإذا كان الاعتبارُ بِه، بطلَ قولُ مَن أخرجه مِن جملةِ المعتبرينَ في انعقادِ الإجماع.
ومنها: أنّه لو كانَ انحطاطُ التابعيِّ عن رُتبةِ الصَّحابةِ يسقِطُ الاعتدادَ بخلافِه، لكانَ انحطاطُ بعضِ الصَّحابةِ عن الخلافةِ، وعن كونِه مِن المهاجرينَ الأولينَ والبدريينَ يمنع، لأنَّه قد صرَّح القرآنُ بتفضيلِهم بقولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] كما قال النبيُّ ﷺ : "خيارُكم القرنُ الذينَ بُعِثتُ فيهم ثُم الذينَ يَلُونَهم ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم" (١)، ولما لم يَخرج الأدنى عن اعتبارِ وِفاقِه للأعلى والاعتدادِ بخلافِه من أصحابِ رسولِ الله، كذلكَ التابعونَ.
فصلٌ
في أسئلةِ المخالفِ
فمنها: قولهم على الدليلِ الأوَّلِ: لعلَّهم إنَّما سوَّغوا اجتهادَهم فيما
стр. 2273
اختلفو! فيهِ ولم يُجمِعوا عليهِ، وفد رويَ عن أبي هريرةَ ما يدلُ على ذلكَ وهو قولُه: أنا معَ ابنِ أخي، يعني أبا سلمةَ.
ومنها: أنْ قالوا: لا يمتنعُ أنْ يكونَ لَه الاجتهادُ ويكونُ متعبّداً بغيرِه، كما كانَ مجتهداً ويتعبّدُ بخبرِ الواحدِ.
ومنها: أنَّ الصّحابةَ مُيِّزوا بصحبةِ رسولِ اللهِ ﷺ .
فصلٌ
في الأجوبةِ عنِ الأسئلةِ
أمّا قولُهم: إنَّ التسويغَ للتابعينَ كانَ فيما اختلفت فيه الصّحابةُ، فكلُّ من اعتُدَّ بقولِه في الخلافِ لم يكنْ معَ مخالفتِه اعتدادٌ بالوفاق، بل لا يعدُّ وفاقُ مَن عداهُ وفاقاً.
وأمّا قولهم: إنَّ الاعتدادَ بقولِهم لا يمنعُ التعبُّدَ بغيرِ قولِهم، كالخبرِ، فغلطٌ؛ لأنَّ الخبرَ دليل متَّبعٌ وسنةٌ هي أصل، فيسقِطُ حكم الرأيِ، ورأي الرجال يتقابلُ.
وأمّا المزيَّةُ بالصحبةِ، فلا وجهَ لتقديمِ الشَّخصِ بها في بابِ الاجتهادِ، كالمزيّةِ بالقرابةِ على الصحبةِ، والخلافةِ على الرَّعايا.
فصلٌ
في شبههم -أعني مَن نصر الرواية الأخرى-
فمنها: قولُ النبيِّ ﷺ : "اقتدُوا باللّذينِ مِن بعدِي أبي بكرٍ
стр. 2274
وعمرَ" (١)، وقولُه: "عليكم بسنتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدين مِن بعدِي عَضوا عليها بالنَواجذِ" (٢).
ومنها: أنّ قول الصَّحابيِّ حجةٌ على قولكم وقول أبي حنيفة, مقدم على القياس, وعلى قول الشافعي, ومن كان قوله حجة لم يجز لأهل عصره مختلفة, كالنبي ﷺ .
ومنها: أنّ علياً- كرَّمَ الله وجهَه- نقض على شريعِ حكمَه في ابنَي عم، أحدُهما أخ لأُمِّ، لمّا جَعَلَ المالَ كلَّه للأخ مِنهما (٣). ورويَ عن عائشةَ- ﵂ أنَّها قالت لأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ: مثلُكَ مثلُ الفروج يسمعُ الديكةَ تصيحُ، فصاحَ بصياحِها (٤). وهذا إنكارٌ عليه الدخولَ معَ الصَّحابةِ في الاجتهادِ.
ومنها: أَنّ الصّحابيَّ له مزيَّةُ الصُّحبةِ، وشهودُ التنزيلِ، وسماع التأويلِ، وزادَ بالاجتهادَ.
فصلٌ
في الأجوبةِ عَن شبههم
أمّا قولُ النبيَّ ﷺ :"اقتدوا بِهم" فأَمرُه بَالاقتداءِ يرجع إلى المقلِّدين
стр. 2275
دونَ المجتهدين، بدليلِ أنَّه إنَّما خاطبَ أهلَ عصرِه، ولا يجوز أنْ يأمرَ مجتهداً أنْ يقتديَ بهم، ويتركَ اجتهادَهُ، لأنَّ ذلكَ مِن التقليدِ الذي نهى عنه وأمرَ بالاجتهادِ، ومعلومٌ بأنَّ هذه الأخبارَ لم تَمنَعْ خلافَ غيرِ الخلفاءِ مِن أصحابِه ﷺ مطلقاً، كذلكَ لا تمنعُ المجتهدَ مِن التابعينَ مِن خلافِهم.
وأمَّا قولُهم: إنّ قولَ الصّحابيِّ حجةٌ، فلنا فيهِ روايتانِ، كهذهِ المسألةِ ولا فرق.
وأمّا نقضُ علي على شريح حكمَه، فليسَ على ظاهرِه، بلْ يجوزُ أن يكونَ يقضي. بمعنى رَدَّه بالاستدلالِ، كما يُقالُ: نقضَ فلانٌ كتابَ فلانٍ، بمعنى ردَّه عليهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ معَ علي- ﵇ نصٌّ واجبٌ نَقَضَ حكمَه، أوْ لأَنَّه الإمامُ فرأى ذلكَ مصلحةً، كما أنَّ عمرَ- ﵁ نهى زيدَ بنَ ثابتٍ أنْ يفتيَ بالماءِ مِن الماءِ بعدَ ما أنفذَ إلى عائشةَ فسألَها، فروتْ لَه أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يغتسلُ. وإنَّ فعله لا يقضي على قوله، بل يجوز أن يكون اغتسل تنظفاً، أو تطوُّعاً، أو لانتقال المَنِيِّ، ومعَ زيدٍ حديثُ: "الماءُ مِن الماءِ" (١)، ومعَ عائشةَ: أنَّ النبيَّ كانَ يغتسلُ (٢)، ومعَ تقابلِ الخبرينِ منعَ زيداً وتهدَّدَه.
وأمّا تَمَيُّزُ الصَّحابةِ بِما تميَّزُوا بِه، فلا (٣) يمنعُ الاعتدادَ بخلافِ من
стр. 2276
دونَهم في الرتبةِ لأجْلِ مساواتِه لهم في الاجتهاد (١)، كغيرِ الأئمةِ مع الأئمة، وغيرِ الأهلِ والقرابةِ معَ الأهلِ، وغيرِ الزوجاتِ معَ الزوجاتِ.
فصلٌ
إذا قالَ بعضُ الصَّحابةِ قولاً، فظهرَ للباقينَ وسكتوا عن مخالفتِه والإنكارِ عليهِ، كانَ إجماعاً، هذا ظاهر كلامِ أحمدَ، وبه قالَ الأكثرونَ مِن أصحابِ أبي حنيفةَ (٢) فيما حكاهُ أبو سفيانَ السَّرخسيُّ والجُرْجانيُّ، وهو قولُ الأكثرينَ من أصحابِ الشّافعيِّ (٣).
وبعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ يقولُ: إنّه حجةٌ إلاّ أنّه لا يكونُ إجماعاً، حكاهُ الجرجانيُّ، ومِن أصحابِ الشّافعيِّ مَن قالَ: يكونُ حجَّةً مقطوعاً بها، ولا يكونُ إجماعاً؛ لأنَّ الشّافعيَّ قالَ: لا يُنسبُ إلى ساكتٍ قولٌ.
وقالَ قومٌ مِن المتكلمينَ (٤): لا يكونُ حجَّةً، وحكيَ ذلك عن قومٍ مِن المعتزلةِ (٥) والأشعريةِ (٦)، وحكيَ ذلك عن داود (٧).
стр. 2277
فصِلٌ
في أدلِتنا
فمنها: أنّ الصّحابيَّ إذا قال قولاً، (١ وانتشر في الصَّحابة ١) فسكتوا عن إنكاره، فلا يخلو من خمسة أحكام:
[الأول]: أن كانوا ما اجتهدوا.
الثاني: أنْ يكونوا قد اجتهدوا وما أدَّاهم ذلك إلى قولِ شيءٍ يجبُ عليهم اعتقادُهُ.
الثّالثُ: أنْ يكونوا اجتهدوا وأدَّاهمُ اجتهادُهم إلى خلاف القولِ (٢) الذي ظَهَرَ.
الرابعُ: أنْ يكونَ أدّاهم اجتهادُهم إلى وِفاقِه.
الخامسُ: أنْ كانوا في تَقِيَّةٍ.
فلا يجوزُ أن يكونوا لم يجتهدوا، لأنّ ذلك إهمال لحكمِ اللهِ فيما حدثَ، وذلك لا يليقُ بمنصبِهم، فإنّه غايةُ ما يوجب ذمَّ المجتهدينَ مِن أهلِ التديُّنِ، وما هوَ إلاّ بمثابةِ دخولِ وقتِ صلاةٍ فيهملوا الشُّروعَ في تحصيلِ شروطِ أدائِها.
ولا يجوزُ أنْ يكونوا اجتهدوا فلم يذهبْ بهم الاجتهادُ إلى حكمٍ
стр. 2278
أصلاً، فبعيدٌ أيْضاً؛ لأنَّ على حكمِ اللهِ في كلِّ حادثةٍ دلائلَ وأماراتٍ، ولكلِّ ذي قريحة وطلب إعمالُ النظرِ (١) والبحث إلى أن يَهجُمَ به نظرُه على إثبات، أو نفى تحريمٍ، أو حظرِ إيجابٍ، أو إسقاطٍ، فأمَّا أَنْ لا يهجمَ به على حكمٍ، فهوُ. بمثابةِ القولِ بأنَّ الصَّحيحَ البصيرَ يجوزُ أنْ يحدِّقَ ويحقِّقَ التأملَ نحوَ ما تصحُّ رؤيتُه، ولا يدركُ شيئَاَ ولا يراهُ، ولوْ جازَ ذلكَ على كلِّ واحدٍ على الانفرادِ لجازَ على جماعتِهم، فيفضي إلى خلوِّ العصرِ عنْ حكمِ اللهِ في الحادثةِ.
ولا يجوزُ أنْ تكونَ التقية مَنَعَتْهم، لأَنَه يفضي إلى سوءِ ظنِّ في السَّاكتِ والمفتي، أمّا المفتي فإنّه لا يخافُ ويتقي، إلاّ أنْ يكونَ على حالٍ يأبى النُّصِحَ والإصغاءَ إلى الحقِّ، ويستكبرُ عنِ المشاورةِ، ويتعجرفُ بالأذيةِ على مَن فتحَ لَه باباً إلى الإصابةِ، والساكتُ المفتي حابى في دينِ اللهِ، وقصَّرَ في البيانِ معَ كونِه وارثَ النُّبوةِ، والبلاغُ على النبيِّ واجبٌ، والعلماءُ ورثتُه، فبيانُ دليلِ اللهِ على (٢ العلماء واجبٌ أيضاً ٢)، على أنّا إذا تأمَّلْنا السِّيرةَ وجدْنا بعضاً من أصحابه ﷺ لا يَستنكِف عن سؤالِ بعضِهم، ووَجَدْناهم (٢ في خلافهم لو نظرَ أحدهم ٢) فلاح له دليلٌ أسرع النَّاس رداً على من تنكَّب [طريق] (٣) الحقِّ، والشريعةُ مملوءةٌ مِن ذلكَ بما نُقلَ عنهم في مسألة الجَدِّ، والحَرَام، والإكسال والإنزال، والعَوْل، ودِيَة
стр. 2279
الجنين وغير ذلك، على أنّا متى عملنا على التقيَّةِ لم يبقَ لنا ثقةٌ بقولِ مِن
أقوالِهم، ولا فتوى مِن فتاويهم، وبهذا ردَدْنا على الشِّيعةِ قولَهم في التَقيَّةِ التي ادَّعَوها في حقِّ أهلِ البيتِ في مبايعتِهم لأبي بكرٍ وعمرَ وعثمان، وقبول أحكامِهم، والعملِ بأوامرِهم، فإنّها تسدُّ علينا بابَ الثقةِ بجميع ما حكيً عنهم؛ ولأَنَّ ذلكَ يؤدي إلى جوازِ إجماعِهم على الخطأِ، القائل والسّامع، إذ كانَ القائلُ مخوفاً، والسامع محابياً، فمتى يظهرُ الحقُّ بينَ هؤلاءِ معَ تجويزِ ذلكَ؟! وإذا بطلتْ هذهِ الأقسام، لم يبقَ إلاّ أنّهم سكتوا وِفاقاً.
فصلٌ
في سؤالهم
قالوا: قدْ أخللْتم بأقسامٍ منها (١): الذي يمنعُ الحكمَ بوفاقِهم، وهو أن يكونوا أمسكوا للارتياءِ والنًظرِ، ومعلومٌ مراتب النَّاسِ فِى ذلك، فقسم: يبادرُ فيصيبُ، وبعضُهم يبادرُ فيخطئ، وبعضُهم يتوقفُ في النظرِ فيبطئ.
وقسم ثان: أنْ يكونَ المفتي إماماً فيقولُ ذلك، إمّا حَكَماً، فلا سبيلَ إلى الاعراضِ علىً حكمِه فيما يسوغ، أو يفتي فيحتشمُ ويخافُ المعترض مِن أنْ يكونَ افتئاتاً عليهِ، كما رويَ فيما قيلَ عن عمرَ: هبتُه، وكانَ امرأً مَهِيباً (٢).
وقسمٌ ثالثٌ: أنْ يكونَ السّامعُ يعتقدُ أنّ الحقَّ في جهاتٍ، وأنّ كلَّ
стр. 2280
مجتهدٍ مصيبٌ.
فصلٌ
في الجوابِ عمّا وجَّهوُه مِن سؤالهم
أمّا الارتياءُ، فلا يجوزُ أنْ يمتدَّ ويتطاولَ إلا انقراضِ عصرِ الصَّحابةِ، فإنّ مَن بلغَ إلي هذا الحدِّ مِن إبطاءِ الاجتهادِ كانَ حكمُه حكمَ الوافقِ (١ إذ أنّ ١) مهلةَ النظرِ معلومة عندَ المجتهدينَ.
وأمّا محاباةُ الإمامِ فكانوا يعتقدونَه غِشًّا، ويعدُّونَ الكلامَ نصحاً لا افتئاتاً، مِن ذلك قولُ عليِّ في الدِّيةِ التي أوجَبَها في حقِّ عمرَ في التي أنفذَ إليها فأجهضتْ (٢). وقولُ معاذٍ لعمرَ لمّا همَّ يحلدِ الحاملِ: إنْ جعلَ الله لك على ظهرِها سبيلاً، فما جَعَلَ لك على ما في بطنِها سبيلاً. وقولُه: لولا معاذٌ هلكَ عمرُ (٣).
وقولُه في حقِّ الحجر الأسودِ وتقبيلِه: إنّك لحجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ (٤). وقولُ علي: إنّ الله حينَ [أخذ] العهدَ على بني آدمَ، جعلَه في هذا الحجرِ، ولهذا يُقالُ: ايمانٌ بكَ، ووفاءٌ بعهدِكَ. (٥ [فقال له عمر:] ٥) لا