دونَهم في الرتبةِ لأجْلِ مساواتِه لهم في الاجتهاد (١)، كغيرِ الأئمةِ مع الأئمة، وغيرِ الأهلِ والقرابةِ معَ الأهلِ، وغيرِ الزوجاتِ معَ الزوجاتِ.
فصلٌ
إذا قالَ بعضُ الصَّحابةِ قولاً، فظهرَ للباقينَ وسكتوا عن مخالفتِه والإنكارِ عليهِ، كانَ إجماعاً، هذا ظاهر كلامِ أحمدَ، وبه قالَ الأكثرونَ مِن أصحابِ أبي حنيفةَ (٢) فيما حكاهُ أبو سفيانَ السَّرخسيُّ والجُرْجانيُّ، وهو قولُ الأكثرينَ من أصحابِ الشّافعيِّ (٣).
وبعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ يقولُ: إنّه حجةٌ إلاّ أنّه لا يكونُ إجماعاً، حكاهُ الجرجانيُّ، ومِن أصحابِ الشّافعيِّ مَن قالَ: يكونُ حجَّةً مقطوعاً بها، ولا يكونُ إجماعاً؛ لأنَّ الشّافعيَّ قالَ: لا يُنسبُ إلى ساكتٍ قولٌ.
وقالَ قومٌ مِن المتكلمينَ (٤): لا يكونُ حجَّةً، وحكيَ ذلك عن قومٍ مِن المعتزلةِ (٥) والأشعريةِ (٦)، وحكيَ ذلك عن داود (٧).
стр. 2277
فصِلٌ
في أدلِتنا
فمنها: أنّ الصّحابيَّ إذا قال قولاً، (١ وانتشر في الصَّحابة ١) فسكتوا عن إنكاره، فلا يخلو من خمسة أحكام:
[الأول]: أن كانوا ما اجتهدوا.
الثاني: أنْ يكونوا قد اجتهدوا وما أدَّاهم ذلك إلى قولِ شيءٍ يجبُ عليهم اعتقادُهُ.
الثّالثُ: أنْ يكونوا اجتهدوا وأدَّاهمُ اجتهادُهم إلى خلاف القولِ (٢) الذي ظَهَرَ.
الرابعُ: أنْ يكونَ أدّاهم اجتهادُهم إلى وِفاقِه.
الخامسُ: أنْ كانوا في تَقِيَّةٍ.
فلا يجوزُ أن يكونوا لم يجتهدوا، لأنّ ذلك إهمال لحكمِ اللهِ فيما حدثَ، وذلك لا يليقُ بمنصبِهم، فإنّه غايةُ ما يوجب ذمَّ المجتهدينَ مِن أهلِ التديُّنِ، وما هوَ إلاّ بمثابةِ دخولِ وقتِ صلاةٍ فيهملوا الشُّروعَ في تحصيلِ شروطِ أدائِها.
ولا يجوزُ أنْ يكونوا اجتهدوا فلم يذهبْ بهم الاجتهادُ إلى حكمٍ
стр. 2278
أصلاً، فبعيدٌ أيْضاً؛ لأنَّ على حكمِ اللهِ في كلِّ حادثةٍ دلائلَ وأماراتٍ، ولكلِّ ذي قريحة وطلب إعمالُ النظرِ (١) والبحث إلى أن يَهجُمَ به نظرُه على إثبات، أو نفى تحريمٍ، أو حظرِ إيجابٍ، أو إسقاطٍ، فأمَّا أَنْ لا يهجمَ به على حكمٍ، فهوُ. بمثابةِ القولِ بأنَّ الصَّحيحَ البصيرَ يجوزُ أنْ يحدِّقَ ويحقِّقَ التأملَ نحوَ ما تصحُّ رؤيتُه، ولا يدركُ شيئَاَ ولا يراهُ، ولوْ جازَ ذلكَ على كلِّ واحدٍ على الانفرادِ لجازَ على جماعتِهم، فيفضي إلى خلوِّ العصرِ عنْ حكمِ اللهِ في الحادثةِ.
ولا يجوزُ أنْ تكونَ التقية مَنَعَتْهم، لأَنَه يفضي إلى سوءِ ظنِّ في السَّاكتِ والمفتي، أمّا المفتي فإنّه لا يخافُ ويتقي، إلاّ أنْ يكونَ على حالٍ يأبى النُّصِحَ والإصغاءَ إلى الحقِّ، ويستكبرُ عنِ المشاورةِ، ويتعجرفُ بالأذيةِ على مَن فتحَ لَه باباً إلى الإصابةِ، والساكتُ المفتي حابى في دينِ اللهِ، وقصَّرَ في البيانِ معَ كونِه وارثَ النُّبوةِ، والبلاغُ على النبيِّ واجبٌ، والعلماءُ ورثتُه، فبيانُ دليلِ اللهِ على (٢ العلماء واجبٌ أيضاً ٢)، على أنّا إذا تأمَّلْنا السِّيرةَ وجدْنا بعضاً من أصحابه ﷺ لا يَستنكِف عن سؤالِ بعضِهم، ووَجَدْناهم (٢ في خلافهم لو نظرَ أحدهم ٢) فلاح له دليلٌ أسرع النَّاس رداً على من تنكَّب [طريق] (٣) الحقِّ، والشريعةُ مملوءةٌ مِن ذلكَ بما نُقلَ عنهم في مسألة الجَدِّ، والحَرَام، والإكسال والإنزال، والعَوْل، ودِيَة
стр. 2279
الجنين وغير ذلك، على أنّا متى عملنا على التقيَّةِ لم يبقَ لنا ثقةٌ بقولِ مِن
أقوالِهم، ولا فتوى مِن فتاويهم، وبهذا ردَدْنا على الشِّيعةِ قولَهم في التَقيَّةِ التي ادَّعَوها في حقِّ أهلِ البيتِ في مبايعتِهم لأبي بكرٍ وعمرَ وعثمان، وقبول أحكامِهم، والعملِ بأوامرِهم، فإنّها تسدُّ علينا بابَ الثقةِ بجميع ما حكيً عنهم؛ ولأَنَّ ذلكَ يؤدي إلى جوازِ إجماعِهم على الخطأِ، القائل والسّامع، إذ كانَ القائلُ مخوفاً، والسامع محابياً، فمتى يظهرُ الحقُّ بينَ هؤلاءِ معَ تجويزِ ذلكَ؟! وإذا بطلتْ هذهِ الأقسام، لم يبقَ إلاّ أنّهم سكتوا وِفاقاً.
فصلٌ
في سؤالهم
قالوا: قدْ أخللْتم بأقسامٍ منها (١): الذي يمنعُ الحكمَ بوفاقِهم، وهو أن يكونوا أمسكوا للارتياءِ والنًظرِ، ومعلومٌ مراتب النَّاسِ فِى ذلك، فقسم: يبادرُ فيصيبُ، وبعضُهم يبادرُ فيخطئ، وبعضُهم يتوقفُ في النظرِ فيبطئ.
وقسم ثان: أنْ يكونَ المفتي إماماً فيقولُ ذلك، إمّا حَكَماً، فلا سبيلَ إلى الاعراضِ علىً حكمِه فيما يسوغ، أو يفتي فيحتشمُ ويخافُ المعترض مِن أنْ يكونَ افتئاتاً عليهِ، كما رويَ فيما قيلَ عن عمرَ: هبتُه، وكانَ امرأً مَهِيباً (٢).
وقسمٌ ثالثٌ: أنْ يكونَ السّامعُ يعتقدُ أنّ الحقَّ في جهاتٍ، وأنّ كلَّ
стр. 2280
مجتهدٍ مصيبٌ.
فصلٌ
في الجوابِ عمّا وجَّهوُه مِن سؤالهم
أمّا الارتياءُ، فلا يجوزُ أنْ يمتدَّ ويتطاولَ إلا انقراضِ عصرِ الصَّحابةِ، فإنّ مَن بلغَ إلي هذا الحدِّ مِن إبطاءِ الاجتهادِ كانَ حكمُه حكمَ الوافقِ (١ إذ أنّ ١) مهلةَ النظرِ معلومة عندَ المجتهدينَ.
وأمّا محاباةُ الإمامِ فكانوا يعتقدونَه غِشًّا، ويعدُّونَ الكلامَ نصحاً لا افتئاتاً، مِن ذلك قولُ عليِّ في الدِّيةِ التي أوجَبَها في حقِّ عمرَ في التي أنفذَ إليها فأجهضتْ (٢). وقولُ معاذٍ لعمرَ لمّا همَّ يحلدِ الحاملِ: إنْ جعلَ الله لك على ظهرِها سبيلاً، فما جَعَلَ لك على ما في بطنِها سبيلاً. وقولُه: لولا معاذٌ هلكَ عمرُ (٣).
وقولُه في حقِّ الحجر الأسودِ وتقبيلِه: إنّك لحجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ (٤). وقولُ علي: إنّ الله حينَ [أخذ] العهدَ على بني آدمَ، جعلَه في هذا الحجرِ، ولهذا يُقالُ: ايمانٌ بكَ، ووفاءٌ بعهدِكَ. (٥ [فقال له عمر:] ٥) لا
стр. 2281
عِشْتُ بأرضٍ لستَ بها يا أبا الحسنِ (١).
وقول عَبيدةَ السَّلْمانيِّ لعلي- ﵁ لمّا ذكرَ أنّه قدْ تجدَّدَ لَه رأي في بيع امَّهاتِ الأولادِ: رآيكَ معَ الجماعةِ أحبُّ إلينا مِن رأيِك وحدَكَ (٢).
فالقوم لم يكونوا قاطعينَ على الأحكامِ، بلْ ظانينَ بأدلةٍ مظنونة، فلا وجهَ لإكثارِ الرَّدِّ عليهم، والتلويح بِما يقع لغيرِهم مِن دليلٍ عساهُ يعزُبُ عنهم. نعم، وقدْ كانَ يمكنُ إخراجُ القولِ على وجهٍ لا يحصلُ به الافتئاتُ.
ولا يجوزُ أنْ يمَنعَهم القولُ بأنّ كلَّ مجتهدٍ مصيب؛ لأنّ هذهِ مقالة لم تكنْ في زمنِ الصَّحابةِ، وإنّما هو قول حادث، على أنّ مَن ذهبَ إليهِ لا يسكتُ عنْ بيان دلالةٍ، فإنّ من لَه مذهبٌ وسمعَ خلافَهُ، لا يتأتى مِنه السّكوتُ، لا سيِّما مِمَّنْ يُثبِتُ الأشبهَ عند اللهِ سبحانَه.
فصل
في شبهِهم
فمنها: قولُهم: إنّ سكوتَ الباقينَ يجوزُ أنْ يكونَ لأنّهم في مهلةِ النظرِ، ويجوز أنْ يكونَ لاعتقادِهم إصابةَ كلِّ مجتهدٍ، لكونِ الحقِّ عندَهم لا تَتَّحِدُ جهته، ويحتمل أنْ يكونَ تَقيَّةً لبعضِ الولاةِ، أو حشمةً لَه كما
стр. 2282
قالَ ابنُ عباسٍ في عَوْلِ الفريضةِ: أولُ مَن أعالَ الفرائضَ عمرُ بنُ الخطابِ، وايمُ اللهِ لو قَدَّمَ مَن قَدَّمَه الله وأخَّرَ مَن أخرَه الله ما عالتْ فريضةٌ، فقال له ابنُ أوسٍ: فما مَنَعَكَ أنْ تشيرَ بهذا الرَّأيِ على عمرَ، فقالَ: هِبْتُه، وكانَ امرأً مهيباً (١). وإذا تردَّدَ السُّكوتُ بينَ هذهِ الوجوهِ، لم يَجُزْ صرفُه إلى الموافقةِ وقصرُه على الرِّضا.
فصلٌ
في الجوابِ عمّا ذكروهُ
أنّ مهلةَ النظرِ لا تمتدُّ بالمجتهدِ مِن حينِ حدوثِ الواقعةِ إلى آخرِ العصرِ لمعنيينِ:
أحدُهما: أنّ المجتهدَ قدْ جمعَ شروطَ الاجتهادِ، ومنها الفهمُ، والعلمُ، وسرعةُ الإدراكِ لمعاني الكتابِ والسُّنَّةِ والاستنباطُ منهما.
والثاني: أنّ الأدلَّةَ واضحةٌ، فمَن نظرَ فيها بإنصافٍ لم يلبثْ أنْ يهجمَ بِه النظرُ على حقيقةِ الحكمِ المطلوبِ.
وأمّا احتمالُ أنْ يكونوا اعتقدوا أنّ الحقَّ في جهاتٍ، فإنّه لم يكنْ ذلك في عصرِ الصَّحابةِ، لكنْ هذه مقالةٌ مُحدَثَةٌ، ولو كانَ ذلك فيهم، لظهرِ كما ظهرَ خلافُهم في كلِّ حادثةٍ اختلفوا (٢) فيها.
стр. 2283
وأمّا الاتقاءُ، فلا وجهَ لَه؛ لأنّ التَّطاولَ على الذاكرِ لدليلٍ أو شبهةٍ والإنكارَ عليهِ لم يكنْ، بل كانَ الصغيرُ ينبسطُ على الكبيرِ في المذاكرةِ والشورى، ولا كانَ فيهم مَن يستجيز الكَتْمَ لِما يعلمه في دينِ اللهِ، وقدْ قدَّمْنا طَرَفاً مِن ذلك، كتجرُّؤِ عَبِيدةَ السَّلمانيِّ على علي- ﵁ في خلافتِه، وقولِ الحارثِ بنِ حوطٍ لعليِّ وهو على المنبرِ: أتظن أنّا نظنُّ أنّ طلحةَ والزبيرَ كانا على باطل؛ قال: يا حارِ، إنّه ملبوسٌ عليكَ، إنّ الحقَّ لا يُعرفُ بالرِّجالِ، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه (١). وكيفَ يُظنُّ منهم كتمُ العلمِ معَ الوعيدِ الصَّادرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ :"مَن كَتَمَ علماً نافعاً، ألجمَه الله بلجامٍ مِن نارٍ" (٢)، ولأنّ هذا القولَ يسدُّ علينا بابَ الثِّقةِ بأقوالِهم، فإنَّ السكتَ على مثلِ هذا على سبيل الاتقاءِ والهيبةِ، يجوزُ عليهمُ الموافقةَ بالقولِ لأجلِ الاتقاءِ والهيبةِ، وتجويزِ التقِيُّة، فعدمْنا الثقةَ بجميع قضاياهم ورواياتِهم، وذلك باطل- أعني عدمَ الثِّقةِ بِهم- فما أدَّى إليهِ باطلٌ.
فصل
ولا فرفَ بينَ أنْ يكونَ القولُ فتيا أو حكماً. وقال ابنُ أبي هريرةَ (٣) مِن أصحابِ الشّافعيِّ: إنْ كانَ حكماً لم يكنْ إجماعاً، وإنْ كانَ فتيا كانَ
стр. 2284
إجماعاً (١).
فصل
في حجَّتِنا
إنّ قولَ الحاكمِ: حكمتُ بكذا، قولٌ صدرَ عنِ اجتهادٍ، فكانَ تركُ مخالفتِه أو السكوت عنه، موافقةً لَه، دليله فتوى المفتي.
فصلٌ
في شبهةِ المخالفِ
أنّ الحاضرَ مجالسَ الحكَّامِ يحضُرُ على بصيرةٍ مِن خلافِهم في الأحكامِ، ولا ينكِرُ، لأنّ الإنكارَ افتئاتٌ عليهم، ولأنَّ حكمَهم يقطعُ الخلافَ، ويسقط الاعتراضَ، بخلافِ المفتي، فإنّه لا تلزِم فتواه ولا تقطع الاجتهادَ.
فيقالُ: إنّ مِن عادةِ الحكّامِ المشاورةَ لذوي الاجتهادِ في الأحكامِ، والأئمةُ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ تُعترَضُ أحكامُهم، حتى إنّ امرأةً قالَتْ لعمرَ بنِ الخطابِ لما نهى عن المغالاة في صَدُقات النساءِ: أيعطينا الله ويمنعُنا عمرُ، والله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقالَ عمرُ: امرأةٌ خاصَمَتْ عمرَ فخصمَتْهُ (٢). وعليٌّ ﵁ يقولُ لعمرَ في جنينِ التي أجهضت لما أفتاه عثمان وعبدُ الرحمنِ
стр. 2285
بأنْ لا ضمانَ عليهِ: أرى عليكَ الدِّيةَ، فقالَ: أقسمت عليكَ لا تَقمْ حتّى تقسمَها على قومِكَ بني عَدِي (١). فمتى كانَ اعتراضُ المجتهدينَ افتئاتاً؟! ومتى كرهَه أحد مِن السَّلفِ في حكمٍ أو قضيةٍ أو فتوى؟ فإِمَّا أنْ يُجعلَ السكوتُ فيهما وفاقاً، أو لا يُجعلَ السكوتُ عنهما جميعاً وفاقاً، فأمّا الفصلُ بينَهما، فلا وجهَ لَه.
فصلٌ
اختلفتِ الروايةُ عن صاحبِنا في قولِ الصَّحابيِّ في مسائلِ الاجتهادِ والحوادثِ: هل هو حجةٌ؟ على روايتينِ:
أصحُّهما عندِي: ليسَ بحجَّةٍ، والقياسُ مقدَّمٌ عليهِ (٢)، وهو مذهبُ الدَّهماء مِن الأصوليينَ المعتزلةِ والأشعريةِ، وبعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ، وهو الكَرخىُّ ومَن تابَعَه، والقول الجديدُ للشّافعيِّ: إذا لم ينتشرْ قولُ الصَّحابي.
والرِّوايةُ الأخرى: أنّه حجةٌ مقدَّم على القياسِ، وهذه الرِّوايةُ موافقة لإسحاقَ، ومالكِ بنِ أنسٍ، ولجماعةٍ مِن أصحابِ أبى حنيفةَ، البَرْذعىِّ والرازيِّ، والقولُ القديمُ للشّافعىِّ.
ولا خلافَ أنّ قولَ بعضِهم على بعضٍ ليسَ بحجَّةٍ، سواء كانَ أعلمَ أو كانَ مماثلاً، إماماً كانَ أو حاكماً أو مفتياً.
стр. 2286
فصل
في أدلَّتنا
فمنها: أن الله سبحانَه أحالَنا عندَ وقوع الاختلافِ إلى كتابه، وسنَّةِ نبيهِ ﷺ ، فقالَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأمر بالاستنباطِ والاعتبارِ فقالَ: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، فإذا ثبتَ أن المرجعَ أدلَّة الشَّرع التي بها يستدلُّ أصحابُ رسولِ اللهِ، كما أن إليها مرجعَ كلِّ مجتهدٍ، لم يكنْ لتقديمِ قولِهم وجه معَ اتفاقِهم وإيَّانا على الرُّجوع إلى هذهِ الأدلةِ، فكيفَ نتركُ الدليلَ ونرجعُ إلى قولِ بعضِ المستدلينَ؟ وما الذي يوجبُ تقديمَ مستدلِّ على مستدل؟
ومنها: أن نقولَ: إن القياسَ عَلَمٌ على الحكمِ، ودليلٌ مِن أدلًةِ الشَّرع، فلا يُقدَّمُ عليهِ قولُ مَن يجوزُ عليهِ الخطا، كخبرِ الواحدِ.
ومنها: أن هذا قول صادر عنِ اجتهادِ مَن يجوزُ عليهِ الخطا، ويُقرّ على (١) الخطأ، فكان القياسُ مقدَّماً عليهِ، أو نقولُ: فلم يقدَّم على القياسِ، كقولِ التّابعيِّ وآحادِ المجتهدينَ في كلِّ عصرٍ.
ومنها: أن الصَّحابيَّ والتابعيَّ شخصانِ مِن أهلِ الاجتهادِ، أو نقولُ: اتَّفَقا في الاجتهادِ، فلا يجوزُ لأحدِهما تقليدُ الآخرِ، كالصحابيَّينِ والتابعيَّينِ.
стр. 2287
ومنها: أنَّ القياسَ يخصُّ به عموم القرآن، ويُصرفُ به عن ظاهرِه، فلا يُقدَّمُ عليهِ قولُ الصّحابيِّ، كالخبرِ.
ومنها: أنّه لو كانَ قولُه حجَّةً، لكانَ يدعو التّابعيَّ إلى اتباعِه، كالخبرِ عن رسول اللهِ ﷺ لمّا كانَ حجَّةً دعا إلى اتباعِه.
ومنها: أنَّ التابعيَّ المجتهدَ إذا دعاهُ الصَّحابيُّ إلى متابعتِه فطالبَه بالدليلِ، كانَ على الصَّحابيِّ إقامتُه، فلوْ كانَ قولُه حجَّةً بدلالةٍ أَوجَبتْ كونَ قوله حجّةً لمَا ملكَ أحدٌ أنْ يُطالبَه بالحجَّة على الحكمِ، كالنبيَّ ﷺ والمجمِعينَ مِن علماءِ الأمةِ، لمّا كانَ قولُهم حجَّةً لم يَلزمْهم بيانُ الدلالةِ على الحكمِ إذا طولِبوا بها.
ومنها: أنّه لوْ كانَ حجَّةً لكانتْ حجج اللهِ متقابلةً، فإنّهم اختلفوا في عدةِ حوادثَ كلفظةِ الحرامِ (١)، وفيها ستَّة مذاهبَ، وليس فيهِ حجَّتانِ متقابلتانِ بلْ حجةٌ واحدةٌ، والباقي شبهةٌ، فلا يفزعُ المجتهدُ معَ هذا الحالِ إلاّ إلى الرَّأي، والذي يفزعُ إليهِ هو الحجَّةُ دونَ أقوالِهم.
فصلٌ
فى شبههم
فمنها: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل
стр. 2288
عمران: ١١٠]، وإذا كانَ ما تأمرونَ بِه معروفاً بنصِّ القرآنِ وَجَبَ قَبُوله والمصيرُ إليهِ، لأنه إذا كانَ الأمر بالمعروفِ واجباً فقبوله أَوْلَى.
ومنها: قولُ النَّبيِّ ﷺ : "أصحابي كالنّجومِ، بأيِّهمُ اقتديتم اهتديتم" (١)، وقولُه: "أقتدوا باللّذَينِ مِن بعدِي أبي بكرٍ وعمرَ" (٢)، ولا يجوزُ أنْ يكونَ راجعاً إلى العامَّة، لأنَّه يسقط ميزةَ التخصيصِ، فلمْ يبقَ إلاّ أنه عادَ إلى فقهاءِ التّابعينَ وجميع أهلِ الاجتهادِ ممَّن ليس مِن أصحابِه.
ومنها: أنَّ الصّحابيَّ إن قالَ قولاً، وأفتى بِه عن توقيفٍ، فهو حجةٌ مقدَّمّ على القياسِ، وإنْ كانَ عنِ اجتهادٍ فاجتهادُه مقدَّمٌ على اجتهادِنا، لأنَّه شاهَدَ التنزيلَ، وعرفَ دلائلَ الأحوالِ، وخَبَرَ التأويلَ، ووقفَ مِن مرادِ النبيِّ ﷺ [على] ما لا يقف عليهِ التّابعيّ، فكانَ التّايعي معه. بمثابةِ العامِّيِّ معَ المجتهدِ.
ومنها: أن قالوا: كلُّ مَن كانَ قولُه حجَّةً إذا وافقه، أو كانَ معَه قياسٌ صحيحٌ، كانَ قولُه حجَّةً وإنْ لم يكن معَه قياسٌ، كالنبيِّ ﷺ .
ومنها: أنّه صحابيٌّ، فكانَ قولُه مُقدَّماً على قولِ التابعيِّ المجتهدِ، كما لو كانَ معَه قياسٌ ضعيفٌ.
ومنها: مَن كانَ قولُه حجَّةً إذا أنتشرَ، كانَ قوله حجَّةً وإنْ لم ينتشرْ، كالنبيِّ ﷺ ، ورُبَّما قالوا: كلّ مَن لوِ انتشرَ قولُه أوجبَ العلمَ، قُدِّمَ قولُه
стр. 2289
على القياس كالأصلِ.
ومنها: أنْ قالوا: القياسُ وقولُ الصَّحابىِّ جنسانِ، يترَك أقواهما للأَقوى الآخرِ، فَيتركُ أضعفُهما للأضعفِ الآخرِ، ثُمّ الخبرُ لو عارضَه أقوى القياسينِ لا ينقضه، ولو عارض قولَ الصَّحابيِّ أقوى القياسينِ قُدِّمَ القياس عليهِ، فإذا عارضه أضعفهما قدِّمَ عليهِ.
فصلٌ
في الأجوبةِ عنْ شُبههم
أمّا الأمَّةُ فإنّ الله شهدَ لهم. بما شهدَ مِن الخَيرِ والأَمرِ بالمعروفِ، وهذا إشارةٌ إلى جماعتِهم، ونحن قائلون بوجوبِ اتباع ما أجمعوا عليهِ وكونِه حجَّةً يجب المصير إليها، ووجوبِ ما يجمعون على الأمرِ به.
وأمّا قولُه ﷺ : "أصحابى كالنّجومِ"، "واقتدوا باللذينِ مِن بعدِي"، فنحنُ قائلونَ به، وهو أنّ الاقتداء بهم في حقِّ العامةِ التقليد، وفي حقِّ العلماءِ القضاءُ باجتهادِهم في كل حادثةٍ حسَبَ ما كانوا عليهِ مِن العملِ في الحوادثِ، وهو إعطاء الاجتهادِ حقه مِن الفرع إلى القياسِ فيما لا كتابَ فيهِ ولا سنة، ولو حملناه على العامَّةِ بدلائلِنا لم يكنْ بذلك بأس، فإنّ الاقتداءَ تقليداً إنما يؤمر بِه العوامُّ دونَ أهلِ الاجتهادِ.
وأمّا قولهم: إنه عن توقيفٍ، فلا وجهَ لَه، لأنَّه لو كانَ توقيفاً لروَوْة، فإنه مِن العلمِ النافع، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ :"مَن كَتَمَ علماً نافعاً ألجمة الله
стр. 2290
بلجامٍ مِن نارٍ" (١)، ولأنَّ الكتْمَ التوقيف، وإظهارُ الفتوى يوهم أنّه رأى فيحمل النّاسَ على الاجتهادِ معَ وجودِ النصِّ، وهذا إفسادٌ لتراتيبِ أدلَّةِ الاجتهادِ، فلا يحلُّ للصَّحابيِّ فعلُ ما يؤذي، فصارَ الظاهرُ أنه أفتى من غيرِ توقيف.
وأمّا تعلُّقُهم بفضيلةِ الصُّحبةِ، ومشاهدةِ التنزيلِ، وقوةِ الاجتهادِ، فذلك لا وجه له؛ لأنّه قد يكون الصحابيُّ دونَ غيره في الاجتهاد والفقه، وإلى هذا أشارَ النبيُّ ﷺ حيث قالَ: "ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَن هو أفقهُ منْه" (٢)، والقربُ لا يوجب القوَّةَ، بدليلِ أنَّ الأئمَّةَ والأهلَ مِن الصَّحابةِ لا يقدَّمون على مَن دونَهم في الاجتهاد، وإنْ كانَ لَهم رتبةُ استحقاقِ الإمامةِ، بفضائلَ اختصُّوا بها، وقربٍ مِن رسولِ اللهِ، وكانَ يجبُ أنْ يتأخّرَ مَن قلتْ صحبتُه في بابِ الاجتهادِ عمَّن طالتْ صحبتُه، ولمّا لم يجبْ ذلك في طبقاتِ الصُّحبةِ، كذلك لا يجبُ فيما يتعلقُ بمَن بعدَ الصَّحابةِ مِن التابعينَ.
وأمّا قياسهم على صحابيِّ معَه قياسٌ ضعيف، فلا نُسلِّمُه، فإنّه وغيرُه مِن أهلِ الاجتهادِ سواءٌ، والقياسُ مقدَّمٌ عليهِ؛ ولأنَّ الظّاهرَ أنّه إنّما صارَ إلى ذلك القياسِ، فالقياسُ مقدَّم على قياسِه الضَّعيفِ، والرِّجالُ يعتبرونَ (٣)
стр. 2291
بالأدلَّةِ، فأمّا أنْ يقوَّى القياسُ الضَّعيفُ بالرِّجالِ فلا، بدليلِ قولِ علي- ﵁: إنّ الحقَّ لا يعرفُ بالرِّجالِ (١).
وأمّا قولهم: إذا انتشرَ قوله وظهرَ أوجبَ العلمَ، فلا نسلِّم، بل لا يوجب العلمَ إلاّ موافقةُ الجماعةِ له، وإنْ سلَّمنا على ما نصرْنا في إمساكِ مَن سمع ذلك، فإنَّه إذا انتشرَ يخالفُ حكمَ ما لم ينتشرْ بدليلِ قولِ التّابعيِّ، فإنه لوِ انتشرَ أوجب العلمَ، ثمَّ لا يقدَّمُ على القياسِ مِن غيرِ انتشارٍ.
وأمّا قياسُهم لَه على الخبرِ، فإنَّه لوْ كانَ كالخبرِ لوجبَ إذا عارضَه خبرٌ أنْ يتعارضا، أو نُسِخَ أحدهما بالاَخرِ كالخبرِ إذا عارضَه خبر.
وأمّا قولُهم: إنّ قولَ الصَّحابيِّ والقياسَ جنسانِ يُتركُ أقواهما لأقوى الآخرِ، ويُتركُ أضعفُهما لأضعف الآخرِ، كالشَّبهِ والقياسِ، فإنه يبطُلُ بقولِ التّابعيِّ معَ القياسِ، فإن أقواهما يتركُ لأقوى الآخرِ، وأضعفَهما لايتركُ لأضعفِ الآخر، ثُمَّ الخبرُ لو عارضَه أقوى القياسينِ لأسقطَه الخبرُ، ولو عارضَ قولَ الصَّحابيِّ أقوى القياسينِ قُدِّمَ القياسُ عليهِ، فإذا عارضَه أضعفُهما قُدِّمَ عليهِ.
فصل
إذا قالَ الصَّحابىُّ قولاً يخالفُ القياسَ ، فإنّه لا يكونُ ذلك توقيفاً، وبهذا قالَ أصحابُ الشّافعيِّ (٢).
стр. 2292
وذكرَ شيخُنا في كتابِ "العدَّة" (١): أنَّه يكونُ لَه حكمُ التوقيف والسُّنَّةِ، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ (٢).
ومثالُ ذلك: قول عمرَ: في عينِ الدّابةِ ربع قيمتِها (٣)، وقوله فيمَن فَقَأَ عَيْنَ (٤) نفسِه خطأً: تحملُه عاقلتُه (٥).
وقولُ ابنِ عباسٍ فيمَن نَذَرَ ذبحَ ولَدِه: يذبحُ شاةً (٦). وما شاكلَ ذلكَ.
فصل
في الدلائل على أنَّه لا يكونُ توقيفاً
فمنها: أنّ هذا سوءُ ظنٍّ بأصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ومعَ مِدْحةِ اللهِ لَهم لا يجوزُ أنْ نُلْحِقَ بِهم ما يوجب الوعيدَ، مهما أمكنَنا حَمْلُ أحوالِهم وأفعالِهم على السَّلامةِ، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ :"مَن كتَمَ علماً نافعاً، ألجمَه الله بلِجام مِن نارٍ" (٧)، ولا علمَ أنفعُ مِن حديثٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ
стр. 2293
رويَ في وقتِ الحاجةِ إليهِ، وحدوثِ الواقعةِ، والصحابةُ تتكلمُ فيها بآرائِها: هلْ للجدَّةِ أمِّ الأمِّ شيءٌ مِن الميراثِ؟ فهذا يقولُ: لا شيءَ لَها، لأنّ أبا الأُمِّ لا شيءَ لَه، فأمُّها كذلك، بخلافِ أبِ الأبِ، وهذا يقولُ: أُنثى تدلي بالأمِّ فورثت السُّدسَ كبنتِ الأمِّ، وهم في ذلك [سواء] (١)، وهذا (٢) يقولُ: لها السّدسُ، ولا يذكرُ سبباً، ويكونُ معَه عنِ النبيَّ ﷺ أنَّه أطعمَها السُّدُسَ، فلا يرويهِ، ويتركُهم عادلينَ عنِ الحقِّ؟! ما بهذا وَصَفَهم الله سبحانَه، نعم، ويترُكُهم مستدلِّينَ بطريقٍ، لا يكونُ الاستدلالُ بِه إلاّ بعدَ أنْ تُعدمَ السُّنَّةُ.
ومنها: أنّ الصَّحابيَّ غيرُ معصومٍ عنِ الخطأِ والزللِ، وإذا قال ما يخالفُ القياسَ، تردَّدَ قولُه بينَ أنَّه أخطأَ أو (٣) تعلقَ بشبهةٍ ضعيفةٍ، ويحتملُ أنَّه كانَ توقيفاً فلا تثبتُ السُّنةُ بالشَّكِّ.
ومنها: أنَّه لو ثبتَ بقولِهِ المخالفِ للقياس (٤) سُنةٌ لثبتَ بقولِ التابعيِّ، ولمَّا لم يَثبُتْ بقولِ التابعيِّ المخالفِ للقياسِ سُنة كذلكَ الصَّحابيُّ.
ومنها: أنَّه لوْ كانَ قولُهُ المخالفُ للقياسِ سنَّةً، لكانَ إذا عارضَهُ خبرٌ يَرِدُ عَنِ النبيِّ ﷺ بحكمٍ يخالف حكمَه أن يَتعارَضا، ولمَّا قدَّمَ الخبرَ بطلَ أَنْ
стр. 2294
يكونَ له منزلةُ التوقيفِ.
فصل
في شبهةِ المخالفينَ
قالوا: الظَاهرُ مِنَ الصَّحابيِّ معَ كونِهِ عارفاً بطرقِ الاجتهادِ والثِّقةِ بهِ في معرفةِ القياسِ، أَنهُ لم يعدلْ عَنِ القياسِ الصَّحيح إلاَّ لتوقيفٍ عَرَفَهُ في الحادثةِ عَنِ النبيِّ ﷺ .
فيقالُ: هذا ظاهرٌ لا يُسلمُ، بلِ الظاهرُ غيرُهُ، وهو أَننا نقرِّرُ أنْه معَ حسنِ الظنِّ بهِ وثقتهِ، لا يجوزُ أَنْ يكتمَ روايةً هاديةً عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ إلى الحقِّ، كاشفةً لحكم الله في حادثة أبهمَ أمرُها، ويقول قولاً لايَشهدُ له القياسُ، فيُحدِث بذلك جَلَلَينِ عظيمين، أحدهما: كَتْم العِلم النافع مع كون النبي ﷺ قد حَث على حِفْظِ صيغةِ كلامِهِ، خوفاً مِنْ خَفَاءِ الفقهِ فيها، وإلى ذلكَ أشارَ بقولِهِ: "فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هوَ أفقهُ منْهُ" (١)، وهذا في الأَداءِ كما سُمِعَ وهوَ وَصْفٌ، فقد نبَّه على أصلِ الرِّواية لاتضيع فيضيع أصلُ الفقهِ، ويفزَعُ النَّاسُ إلى آرائِهم.
الثاني: أَنَّهُ لم يقنعْهُ المدحُ على تحرِّي الصِّيغةِ حتَّى تواعَدَ على كَتْمِ العلمِ فقالَ: "مَنْ كتمَ علماً نافعاً ألجَمهُ الله بلجامٍ مِنْ نارٍ" (٢)، فمعَ هذهِ
стр. 2295
الحالِ الطاهرُ خِلافُ ما ذكرْتُم، فلمْ يَبْقَ إلا حملُهُ على ما يجوزُ عليهِ مِنْ وقوفِهِ على قياس ضعيفٍ يخطئُ فيهِ، وليْسَ هُوَ مِمَّنْ لا يُقوّ على الخطأِ إذا أخطأَ، بلْ يجوز عليهِ الخطأ، ويجوزُ إقرارُهُ على الخطأِ، فلا وجهَ لإحالةِ الحكمِ على ما لَمْ يَرْوِهِ عَن رسول اللهِ ﷺ ، ولأنَهُ لوْ جازَ ذلكَ في حقِّ الصَّحابيِّ، لجازَ في حقِّ التَّابعيِّ أيضاً؛ ولأَنهُ لو كان الظاهرُ التوقيفَ، لَمْ يقدَّمْ عليهِ خبر واحدٍ، ويكون خبر الواحدِ إذا خالفَ قاومَهُ وقابلَهُ قولُ الصَّحابيِّ إذا كانَ الظَّاهرُ أَنَّهُ توقيفٌ عَنِ النبيِّ ﷺ وجميعاً ظاهرانِ: الذي عَمِلَ به الصَّحابي، والاَخر الذي رواه الصَّحابي، ولمَّا قُدِّمَ خبرُ الواحدِ عليهِ، بطلَ تقدِيرُ الرِّوايةِ.
فصل
لا يُعدُّ اتفاقُ الخلفاءِ الأربعةِ إجماعاً بحيثُ يمنعُ الاعتداد بخلافِ غيرِهم لهم مِنَ الصَّحابةِ في إحدى الروايتينِ عن أحمدَ (١)، وهو اختيارُ الجُرجانيِّ مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ.
والرِّوايةُ الثَّانيةُ عَنْ صاحبِنا: أَنهُ لا يعتدُّ بخلافِ مَنْ خالفهم، ويُجعلُ قولُهم كالإجماع، وهو اختيارُ أبي خازمٍ (٢) مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ، رويَ
стр. 2296
عنه أَنَّهُ لم يعتدَّ بخلافِ زيدِ بنِ ثابت في توريثِ ذوي الأرحامِ، وحكمِهِ بردِّ الأموالِ التي كانت حصلتْ في بيتِ المال آَيامَ المعتضدِ وجعلِ ذوي الأرحامِ أَوْلَى من بيتِ المالِ، فقبلَ ذلكَ منه المعتضدُ، وأمر بردِّها على ذوي الأرحامِ.
فصلٌ
في الدّلالةِ على الرّوايةِ الأُولي
فمنها: ما رويَ عَن النَبيِّ ﷺ :" أصحابي كالنُّجوم، بأيِّهم اقتديتُمُ اهتديتُم" (١)، وذلك يعمُّ الخلفاءَ وغيرَهم مِمَّنْ يقعُ عليهِ اسمُ الصَّحابيِّ.
ومنها: أَنَّ غيرَ الخلفاءِ ساوى الخلفاءَ في الاجتهادِ الذي لا يزادُ بالولايةِ، بلْ قدْ يُفضَّلُ بالاجتهادِ غيرُ الوالي على الوالي، لأسيَّما إذا لم يُعتَبرْ أَن يكونَ الإمام الأفضلَ واخترْنا ولايةَ المفضولِ، على أَنَّهُم لوكانوا أفضلَ فإنَّ المجتهدَ عندَنا لا يجوزُ لَهُ تقليدُ الأَعلمِ، سواءٌ كانَ الوقتُ ضيِّقاً أو واسعاً، وقدْ دلَّلْنا على ذلكَ الأصلِ.
ومنْها: أَنَّ الإمامة رتبةٌ فلا يقدَّمُ بها ولأجلِها القولُ في بابِ الاجتهادِ، كالقربى والإمامةِ في السَّرِيَّة والرِّمالةِ والقضاءِ، وبيانُ ذلكَ أنَّ النبيَّ ﷺ لوْ أَمَّرَ أميراً على سَرِيَّةٍ، أو أرسلَهُ في رسالةٍ، أوْ ولأَهُ القضاءَ، لم يوجب ذلكَ تقديمَهُ في الاجتهادِ بعد موتِ النبيِّ ﷺ ، بلْ هوَ وغيرُهُ
стр. 2297
سواءٌ، لا سيَّما والخلافة ثَبَتتْ بعدَة بالاختيار تارةً وبالنَّصِّ أخرى، والرسالة والقضاء والإمارة ألتي كانت حالَ حياته كانت بالنصِّ منه ﷺ .
ومنْها: أَنَّ الأربعةَ يجوزُ عليهمُ الخطأ، إذْ لا دلالةَ على عصمتِهمْ، وإنَّما الإجماعُ مِنْ علماءِ العصرِ وَرَدَ فيهِ ما وَرَدَ مِنَ الدَّلائلِ، وبقي ما عدا ذلكَ على حكمِ الأصل منْ تجويزِ الخطأِ، وإذا جازَ الخطأ عليهمْ لم يُمنَعْ مِنَ الاعتدادِ بقولِ غيرِهمْ معهم، كما ذكر [من] أمر أمراءِ السَّرايا والحكام والرّسلِ الذينَ قدَّمْنا ذكرَهمْ.
فصل
في شبهة المخالف
من قول النبيِّ ﷺ :"عليكم بسنتي وسنة الخلفاءِ الرَّاشدينَ من بعدي" (١)، فكما لا يعتدّ بخلافِ سنة النبيَّ، لا يعتدُّ بخلافِ سنة الخلفاءِ.
فيقال: إنْ كانَ الاحتجاجُ بالقرينةِ فليستْ حجَّةً، إذْ لا خلافَ أنَّ سنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ مقدَّمةٌ على قولِ كلِّ قائلٍ، وأَئة لا يَسُوغُ الأخذُ بالرَّأيِ معَ السُّنةِ بخلافِ أقوالِ الخلفاءِ، على أن قوله: "الخلفاء" (٢) لم يَخُصّ به قوماً دونَ قومٍ، وأَنتمْ لا تقولونَ بعمومِهِ، فإذا أضمرْتُمْ خلفاءَ مخصوصينَ حملْناهُ على الاقتداءِ المخصوصِ، والخطابِ لقومٍ مخصوصينَ،
стр. 2298
وهمْ غيرُ المجتهدينَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، يُوضِحُ هذا أَنَّ اتباعَ الأربعةِ معَ اختلافِهمْ لا يمكنُ (١)، فلمْ يبق إلاّ ما ذكرْنا، وأَنهُ لا يُسقِطُ هذا خبرَنا، وهو قولُهُ: "أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهمُ اقتديتمُ اهتديتم" (٢)، فيتعارضانِ، وليسَ في خبرِكمْ ما يُسقِطُ خبرَنا، وفي خبرِنا زيادةٌ وهي اسمُ الصَّحابةِ.
فصلٌ
ولا يختلفُ ظاهر قولِ صاحبِنا: أَنَّ الواحدَ مِنَ الخلفاءِ يسوغُ خلافهُ، ولا يُمنعُ بقيةُ الصَّحابةِ مِنْ خلافِهِ، وبهذا قالَ جميع العلماءِ، وحكيَ عَن بعضِ الشَّافعيةِ: أَنهُ حجةٌ لا يجوزُ مخالفتُهُ، وقد أَومَأَ إليهِ صاحبُنا في قولِ ابن عباسٍ: أَنَّهُ إذا انقطعَ دمُها في الحيضةِ الثَّالثةِ فقدْ بانَتْ منه، وهوَ أصحُّ في النظر، قيلَ لَهُ: فلمَ لا تقولُ به؛ قالَ: قدْ قالَ عمرُ وعليٌّ وابن مسعود، فأنا أَتَهيَّبُ أَنْ أُخالفهم (٣).
وروى ابن منصورٍ ما هو أصرح من هذا، قالَ ابنُ منصورٍ: قلت لَه: قولُ ابنِ عباسٍ في أموالِ أهلِ الذِّمَّةِ العفوُ؟ (٤) فقالَ أحمدُ: عمرُ جعلَ
стр. 2299
عليهم ما قدْ بَلَغَكمْ. فعَدَلَ عن هولِ ابنِ عباسٍ لقولِ عمرَ (١).
فصل
في الدلالةِ على المذهبِ الأوَّل
إنَّ الواحدَ مِنَ الأئمَّةِ ليسَ بمعصومٍ، بلْ مجوَّزٌ عليَهِ الخطأُ، مقرٌّ على الخطأ، فهوَ كآحادِ المجتهدينَ، وغيره منَ الصَّحابةِ مجتهدٌ، فلا يجبُ عليهِ بلْ لا يجوزُ لَهُ تقليدُهُ كالإمامِ بعدَهُ لا يلزمُهُ العملُ بقولِهِ في الحادثةِ؛ كذلكَ بقيَّةُ المجتهدينَ، وقد دلَّ على هذا قولُ علي- رضي اللَة عنه- في أمَّهاتِ الأولادِ ما قالَ، وأَنهُ رأى بيعَهُنَّ بعدَ أَنْ كانَ رآيه ورأيُ أبي بكرٍ وعمرَ أَنْ لا يبيعهنَّ، وقولُهم لَهُ في البيعةِ: وسيرة الشَّيخينِ، فقالَ: أجتهدُ رأيي (٢)، ونَزَعَ يدَهُ.
فصل
في شبهة المخالف
من قولِ النبيِّ ﷺ :"عليكم بسنتي، وسنةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِنْ بعدِي" يعطي اتِّباعَ كلِّ واحدٍ منهمْ.
قالوا: ولأَنَّ مخالفَتَهُ افتئاتٌ عليهِ.
فيقال: أَمَّا أمرُهُ باتِّباع سنتِهم، فإنَّ المرادَ بهِ التقليدُ، فأمَّا أَنْ يكونَ
стр. 2300
الخطابُ لأهل الاجتهادِ، فلا يوضحُ هذا أَنَّ اتِّباعَ الأربعةِ لا يمكنُ معَ اختلافِهمْ في الحكمِ، واتباع واحدٍ لا يتعين معَ خلافِ الآخرِ لَهُ، ولأَنهُ يعارضُهُ قولُهُ ﷺ :"أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهمُ اقتديْتُمُ اهتديْتُمْ ".
وأمَّا دعواهم الافتئاتَ عليهِ، فلا وجهَ لَهُ؛ لأَنَّ حكمَهُ لا يُعتَرضُ عليهِ، فأمَّا بابُ الاجتهادِ فلا يتخصَّصُ به، وإذا لم يتخصَّصْ به لا يكونُ افتئاتاً، بلْ يكونُ إِيضاحاً لحجَّةِ اللهِ، كروايتِهِ حديثاً خَفِيَ على الإمامِ في حادثةٍ، وهذا يساعدُ على بيانِ حكمِ اللهِ، والمساعدةُ لا تكونُ أفتئاتاً، وكما لا تكونُ مشاورتُه إزراءً عليهِ، كذلك لا تكونُ مخالفتُهُ افتئاتاً، ولأنَهُ يقابل مراعاةَ ما ذكرتَ من الافتئات (١ التًقديمُ للأنفع من الحكمين، فإذا تقابلا ١)، كان الأكثرُ نفعاً هوَ المقدَّمَ، والنفع ببيانِ حجَّةِ اللهِ نفعٌ عامٌّ، فلا يُتركُ لتعظيمِ خاصِّ.
فصلٌ
قالَ أصحابُنا: إذا عقدَ بعضُ الأئمةِ الأربعةِ عقداً، لم يجزْ لِمَنْ بعدَهُ مِنَ الخلفاءِ نقضُهُ ولافسخُهُ (٢)، نحوُ ماعقَدَه عمرُ ﵁ مِنْ صلح بني تَغلِبَ (٣)، ومِن خراج السَّوادِ والجزيةِ (٤)، وِما جرى هذا المجرى خلافا للرَّأفضةِ؛ لأَنَّ قولَهمْ: للأئمةِ مِن أهلِ البيتِ نقْضُ ذلكَ.
стр. 2301
والدلالة عليهِ: أَنَّ ذلكَ عقْد حصلَ باجتهادِهِ فلا يملك غيرُهُ نقضَهُ كسائرِ العقودِ، ولأَنَّ في ذلكَ افتئاتاً على الأئمةِ فلا يجوزُ، كما إذا حكمَ بشيءٍ مِنَ الأحكامِ حالَ حياتِهِ، فإنهُ لا يملكُ أحد تغييرَهُ (١)، كذلكَ بعدَ موتِهِ.
وعندي أَنَّ لقائلٍ أَنْ يقولَ: إنَّ في المنع مِنْ تغييرِ أحكامِ الخليفةِ الأولِ حصراً ومنعاً (٢) للخليفةِ الذي بعدَهُ عَنِ الحكمِ باجتهادِهِ، وهذا لا يجوز؛ لأَنَّ المصالحَ تختلفُ باختلافِ الأزمنةِ، وإلي هذا أشارَ عليٌّ ﵁ حيث قالَ: أجتهدُ رأيي (٣). ولهذا جازَ لمَنْ بعدَ عمرَ الزِّيادةُ في الجزيةِ بحسَب.
وقالَ عثمانُ ما قالَ في ردِّ طريدِ رسول الله ﷺ الذي نفاهُ- وهوَ الحَكَمُ (٤)، كانَ يحكي مِشْيَةَ رسولِ اللهِ ﷺ كالتّعييب (٥) لَهُ- وما كانَ ذلك [إلاَّ] لِمَا رآه مِنَ الأصلح.
وقال علىّ: كانَ رأي في أمَّهاتِ الأولادِ ورأيُ أبي بكرٍ وعمرَ أنْ لا
стр. 2302
يُبعْنَ، وأَرى الآنَ بَيْعَهُنَّ (١). فلا يُردُّ اجتهادُ حيِّ لميتٍ.
ولأَنَّ الأصوليينَ والفقهاءَ اختلفوا في تقليدِ العاميِّ لقولِ ميتٍ مِنَ السَّلف [إن] لم يبقَ مجتهدٌ في العصر يُفتى بقولِهِ، هلْ يجوزُ أمْ لا؟ فذهبَ قومٌ إلى أَنهُ لا يجوز تقليدُ مذاهب الموتى، فكيف يُمنع الاجتهادُ في حقِّ الأحياءِ مِنَ الخلفاءِ المجتهدينَ لأجلِ الموتى؟! (٢ ولأنَّ رأي ٢) الماضي ليس بمقطوعِ على إصابتِهِ، بلْ يجوزُ عليهِ الخطأُ، وهذا الموجودُ (٣) يجوزُ أَنْ يصيبَ باجتهادِهِ الحقَّ الذي عندَ اللهِ سبحانَهُ، فلا يجوزُ أَنْ نمنعَ طريقاً يجوزُ أَنْ يوصلَنا إلى الصَّوابِ، لأجلِ قولِ قائلٍ يجوزُ أَنْ يكونَ ماتَ على الخطأِ، فهذا عَيْنُ حملِ المجتهدِ على التقليدِ ومنعه مِنَ الاجتهادِ، وتعطيل الاجتهادِ لأجلِ الاجتهادِ لا يجوزُ.
فصلٌ
إذا اختلفَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ورضيَ عنهم، على مذهبينِ، ولم يُنكِرْ بعضُهمْ على بعضٍ قولَهُ، لم يَجُزْ لمن بعدَهم مِنَ المجتهدينَ الأخذ بأحدِ المذهبين مِنْ غيرِ دليل، بلْ يجبُ أنْ يتبعَ ما يؤدِّيهِ إليهِ الدَّليلُ أيَّ القولينِ كانَ، بلْ لا يُحدِث قولاً ثالثاً، نص على هذا (٤).
стр. 2303
وقالَ بعض أصحابِ أبي حنيفةَ فيما حكاهُ السَّرخسيُّ- أعني أبا سفيانَ-: أَنهُ إذا كانَ قولاً ظهرَ وانتشرَ، ولم ينكرْهُ منكرٌ، جازَ للمجتهدِ الأخذ بِهِ، واختاره. وحكيَ عَنْ بعضِ المتكلِّمينَ: إنْ كانَ ذلكَ قبلَ وقوع الفُرقةِ بينَهمْ وانتشارِهمْ في الأمصارِ، جازَ للمجتهدِ الأخذ بِهِ مِنْ غيرِ دليلٍ، وإنْ كانَ بعدَ الانتشارِ والفرقةِ لم يجزِ الأخذُ به إلاّ أَنْ يدلَّ دليل على صحَّتِهِ (١).
فصل
في دلاِئلنا
فمنها: أَنَّ الصَّحابةَ إذا اختلفوا، فقد سوَّغوا الاجتهاد لمن خالفهم، ومَنْ خالف فإنما سوَّغوا لَهُ ذلكَ لأجلِ اجتهادِهِ واتباع الدليلِ، فلا يجوزُ لمَنْ بعدَهمْ أنْ يسوغَ له القولُ بغيرِ دليلٍ، ففي ذلكَ تقليدٌ وتعطيلٌ للاجتهادِ.
ومنْها: أنَّ هذا القائلَ قدْ منعَ الأخذَ بقولِ إحدى (٢) الطائفتينِ إذا جرى بينَ الطَّائفتينِ إنكارٌ.
فنقولُ: إنهما قولانِ للصَّحابةِ، فلا يجوزُ للمجتهدِ تقليدُ أحدِهما، كما لوْ أنكرتْ إحدى الطائفتين على الأُخرى، وأنكرتْ الأُخرى عليها،
стр. 2304
يوضح هذا أَنَّ المخالفةَ نوعٌ مِنَ الإنكارِ، لأنَّ المخالفةَ ردٌّ للقول السابق بالاجتهاد، وفي الردِّ ما في الإنكار.
ومنها: أَنَّ اعتبار الإنكار في الردِّ، وترك الإنكار في جوار الأَخْذ بالقولِ لا وجهَ له، فالمخالفةُ تَمنَعُ إِجماعَهمْ، كما أَنَّ الإنكارَ يمنعُ إجماعَهمْ، ولأَنَّ تركَ الإنكارِ إنَّما حصلَ لأَنَّ مسائل الاجتهادِ يسوغُ فيها المخالفةُ، فلا وجهَ للإنكارِ، فيصيرُ تركُ الإنكارِ لمقالةِ المخالفِ للتسويغ لا للموافقةِ.
ومنها: أَنَّ كلَّ طائفةٍ مساويةٌ للأُخرى في تجويزِ الخطأِ والإِصابةِ، فالاتباعُ لأحدِهما مِنْ غيرِ ترجيح نفسُ التقليدِ.
فنقولُ: هذا مجتهدٌ، فلا يجوزُ له التقليدُ، وتركُ الترجيح مع قُدرتِهِ عليهِ، كما لو لاحَ له دليلانِ: خبرانِ أو قياسانِ، فإِنَّه لا يتخيَّرُ بل يُرجِّحُ، كذلكَ هاهنا.
ومنها: أَنَّهُما مجتهدان، فلا يجوزُ لأحدِهما الأخذُ بقولِ الآخرِ بغيرِ دلالةٍ، كالمجتهدين مِنَ الصًّحابةِ والمجتهدين مِن أهلِ الأَعصارِ بعدَ الصَّحابةِ.
فصلٌ
في شبههم
فمنها: أَنَّهُ إذا لم يَحصُلْ منهمُ الإنكاَرُ، دلَّ على كونِهِ صواباً، لأَنَّهُ لو كانَ خطأً لم يُمسِكوا عن إنكارِهِ.
ومنها: أنَّ الصَّحابةَ رجعَ بعضُهم إلى قولِ بعضِ، مثلُ رجوع عمرَ
стр. 2305
إلى قولِ علي في التزامِ دِيَةِ جنينِ التي أَجهَضَتْ ذا بطنِها مِن فَزَعِه (١)، ومثلُ قَبول عثمانَ البيعةَ على سنة أبي بكرٍ وعمرَ (٢)، فَمَنْ بعدَهم ودونَهم أَوْلَى أنْ يَتَبعَ إحدى الطائفتينِ منهم.
فصلٌ
في الأجوبةِ عنْها
أمَّا التعلُّقُ بِأنَّهُ لم يحصلِ الإنكارُ، فلا يدلُّ على الموافقةِ حيثُ حصلتِ المخالفةُ، والتسويغُ يمنعُ الاعتراضَ، وليس يلزمُ مِنَ التسويغ التصويب، كسائرِ الفقهاءِ، بعضُهم لا يمنعُ بعضاً في عصرِنا، وأما رجوعُ بعضِهِم إلى قولِ بعضٍ، فلم يكن إلا لدليلٍ قد دلَّ على الموافقةِ، لا اتِّباعاً لأجل القائلين، ولا لمجرَّد (٣ اشتباه، ولو كان لمجرَّد اشتباه ٣) لم يَحصُل بينهم خلافٌ، كما (٣ خالفوا في كثير بما ذكرنا فيما سبق ٣).
فصلٌ
يجوزُ تركُ ما ثبتَ وجوبُهُ بالإجماع إذا تغيَّرت حالُه، وذلك مثل الاجماع على جوازِ الصَّلاةِ بالتيممِ، فإذا وُجِدَ الماءُ في أثنائِها جازَ الخروجُ منْها، بل وَجب، وبه قالَ أصحابُ أبي حنيفة خلافاً لبعضِ أصحابِ
стр. 2306
الشافعيِّ: لا يُنتقل عن الإجماع إلا بإجماع مثلِهِ (١).
فصِلٌ
في أدلتنا
فمنها: أَنَّ سلطانَ الإجماع قدْ زالَ، وذلكَ أَنَّهُ إذا تجدَّدَ وجودُ الماء، تجدَّد التسويغُ بعد أن كان الخروجُ منها لا يَسُوغ، وإذا زالَ سلطانُهُ لم يُحتَجْ إلى إجماع يزيلُهُ وقدْ زالَ.
ومنها: أَنَّ تجدد وجودِ الماءِ ليسَ هوَ حالَ الصلاةِ معَ عدمِ وجود الماءِ، فما تركْنا الأصلَ الأولَ، ولا هذا هوَ المجمعُ (٢) عليهِ.
فصل
في شبههِم
فمنها: أَنهُ لوْ جازَ تركُ المجمَع عليهِ بغيرِ الإجماع، لأدَّى ذلكَ إلى قيامِ دلالةٍ تخالفُ الاجماعَ مَعَ كونِهِ معصوماً، فلا يجوزُ ذلكَ لما فيهِ مِنْ إخراج الإجماع عن موضوعِهِ.
ومنها: أَنها دلالةٌ قطعيةٌ فلا يجوزُ تركُها بالاجتهادِ، كنصِّ القرآنِ ونصِّ السُّنةِ.
стр. 2307
فصل
في الجوابِ عنْها
أَمَّا الأولى: فإنَّ المجمعَ عليهِ بتغيرِ الحالِ خرجَ عنِ الإجماع، لأَنَّ إجماعَهم على صحَّةِ الصَّلاةِ بالتيممِ ووجوبِ المضيِّ فيها معَ عدمِ الماءِ، فلمَّا وُجدَ الماءُ عُدِمَ الإجماعُ في هذه الحادثةِ وصارَتْ كسائرِ الحوادثِ المُجتَهَدَاتِ، فكفى في حصول حكمِها دليل ليس بقطعي، وكذلكَ الجوابُ عنِ الثانيةِ، لأَنَّ الدّلالةَ إَنما كانت في المتيمِّمِ العادمِ للماءِ، فأَمَّا الواجدُ فلا.
فصل
يجوزُ إثباتُ الإجماع بخبرِ الواحدِ ، قال أبو سفيانَ مِن أصحابِ أبي حنيفةَ: قالَ بعضُ شيوخِنا: لا يجوزُ إثباتُ الإجماع بخبرِ الواحدِ، فهذا على ما يقع لي خلاف في عبارة وتحتها اتفاق، (١فَلا ضَيْرَ١)، في الاختلاف (١في العبارة؛ لأنه لا يقود إلى الاختلاف في عين المقصود، فان خبر الواحد لا يُعطي علماً ولكن يفيد ظناً ١) ونحن إذا قُلْنا: إِنَّ خبرَ الواحدِ يَثبُتُ به الإجماعُ، فلسْنا قاطِعينَ بالاجماع ولا بحصولِهِ بخبرِ الواحدِ، غير أَنا ظانِّينَ له، وإنَّما القطعُ للحُكمِ الذي يثبتُ أَنَّ الإجماعَ انعقدَ عليهِ.
والذي حكاهُ لهم أبو سفيانَ مِنَ الشُّبهةِ: أنَّ الإجماعَ دليلٌ قطعيٌّ، وخبر الواحدِ دلالة ظنية، فلا يجوزُ أنْ يثبت بخبر الواحدِ دليل قطعيّ.
стр. 2308
وهذا تَوهُّم منْهم أنّا نقولُ: إنَّ القطعَ يحصلُ لنا بخبر الواحدِ، وليسَ كذاكَ، بلْ نقولُ: إنَّ الإجماع بخبرِ الواحدِ حصلَ لنا ظَنَّا لا قطعاً، وما أجمعوا عليهِ مِنَ الحكمِ يوجب القطعَ إذا ثبتَ بطريقهِ القطعيِّ، أَلاَ ترى أَنَّ خبرَ الواحدِ يَثْبُت به قولُ النبيِّ ﷺ في سائرِ الأحكامِ، لكنْ لا نقولُ: إنَّ خبرَ الواحدِ معصوم، حيثُ كانَ مستندُهُ روايةً عَنْ معصومٍ، فخبرُ الواحدِ مظنون وأثبتْنا به قولَ المعصومِ، لكنْ ثبوتاً بحَسَبِهِ، وهوَ أَنا نظنُّ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَهُ وحَكَمَ به، فقولُ النبيِّ ﷺ في نفسِهِ قول معصومٌ، وخبر مقطوع بصدقِهِ، والطريقُ إلى إثباتِهِ خبرُ واحدٍ مظنون صدقُهُ، غيرُ مقطوع به، وعلى هذا نحنُ نعلمُ أَنَّ الإجماع قطعيّ، ومستندُهُ اجتهادُ الأُمةِ، وذلكَ رأيٌ وهوَ القياسُ، والقياسُ في نفسِهِ مظنونٌ، ونَصوغُه قياساً، فنقولُ: إنَّ الإجماع دلالةٌ قطعيةٌ، أو قول معصوم، فجازَ أنْ يكونَ طريقُ إثباتِهِ خبرَ الواحدِ، كقولِ النبيِّ ﷺ ، ولأَنَّ التّاريخَ الذي يترتبُ عليهِ النسخُ في ترتبِ نص على نصِّ يثبت بخبرِ الواحدِ، رتَّبنا على التاريخ الثابتِ بخبرِ الواحدِ النسخَ الذي هو النًصُّ القاطعُ الرافعُ للحكمِ الأوَّلِ، وإن لم يثبتِ النسخُ بخبرِ الواحدِ، فإنا نُثبت الإجماع القاطع بخبرِ الواحدِ، وكذلكَ الإحصانُ يثبت بشهادةِ رجلين، وإن لم يَجُزْ إثباتُ الزِّنى بشهادَةِ رجلينِ.
فصل
إذا حَدَثَت حادثةٌ بحضرةِ النبيِّ ﷺ [و] سكتَ عَنِ الحكمِ فيها، ولم يحكمْ فيها بشيء، قالَ أصحابُنا: يجوز أنْ نحكمَ في نظيرِها باجتهادِنا، وقالَ بعضُ المتكلمينَ: لا يجوزُ الحكمُ في نظيرِها بشيءٍ، بلْ نُمْسِكُ كما
стр. 2309
أمسكَ ﷺ
وهذا عندِي على وجهٍ: وهو أَنْ يكونَ النبيَّ ﷺ له في نظيرِها حكم يَصِحُّ استخراجُه من معنى نُطقِه، فأمَّا إذا لم يكن في قوَّةِ ألفاظِ السُّننِ، ولا في كتابِ الله سبحانَه، فلا وجهَ لرجوعِنا إلى طلبِ الحكم مع إمساكِه عنه.
نعم، ولا وجهَ لإمساكِه عن الحكمِ في وقتِ الحاجةِ، لأننا أجمعنا على وجوب (١) البيانِ في وقتِ الحاجة، فمتى لم يكن لله حكم في نِظْرِ (٢) هذه الحادثةِ، استحالت المشقةُ.
فوجه قول أصحابنا: أنَّ النبيَّ ﷺ قد يمسكُ عن بعضِ الأحكامِ ويَكِلُها إلى اجتهادِنا مع إمكانِ التنصيصِ على الحكمِ، لكن يقصدُ بذلك ما قصدَه الله سبحانَه حيثُ لم ينصَّ على سائرِ الأحكامِ، بل تركَ لنا ما نُعمِلُ فيه أفكارَنا وبحوثَنا، ونجتهدُ ليحصلَ لنا ثوابُ الاجتهادِ، فكذلكَ إمساكُه عن حكمِ الحادثةِ.
يوضِّحُ هذا: أنَّهَ لايجوزُ أن تخلوَ حادثةٌ عن حكمِ الله سبحانَه، ولا يجوزُ أن يثبت الحكمُ إلا بدليل، فإذا عُدِمَ النصُّ لم يبقَ إلا الاجتهادُ.
وللمخالف أن يقولَ: إذا كان هذا دليلَكم، فقولوا بجوازِ اجتهادِكم
стр. 2310
في عَينِ الحادثةِ التي أمسك عنها، واجعلوا حُجَّتَكم هذه لتجويزِ الاجتهادِ، وإن أمسكوا وكل الاجتهادُ إليكم في عين الحادثة، ولما لم يُوجِب (١ ذلك جوازَ الاجتهاد في عين الحادثة١) التي حدثت بحَضْرته وأمسك عنها (١ فكذلك في نظيرتها، على أنه مستلزمٌ لتأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غيرُ جائز١) عليه، ولايجوزُ أن يكونَ عَلِمَ وأمسكَ، لأنَّ هذا هو عين تركِ البيانِ والتبليغ الذي أمرَه الله به، وقال له: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وإن كانَ لعُزوبِ الحكمِ عليه، فما عَزَبَ على النبيَّ ﷺ الحكم فيه لا يُشَكُّ أنَّ الأصلحَ أو الإرادةَ بتَرْكِ بيانِه، إذ لو أرادَ الله سبحانَه بيانَه، لمَا طواه عن نبيِّهِ وأوقعه للأمَّةِ من غير طريقهِ وبيانِه.
ومعلومٌ أنَّ المجتهدَ لابدَّ له من أصلٍ يستمدُّ منه اجتهادَه، وذلكَ الأصلُ هو ما كانَ في كتابِ اللهِ أو سنَّةِ رسولهِ، فإن كان ذلكَ موجوداً، فلا يجوزُ للنبيَّ تركُه، ولايجوز عزوبُه عنه، وإن لم يكن له أصلٌ، فهو حكمٌ بالواقع والنهي، وذلكَ ليسَ بطريقٍ، فلا وجهَ للاجتهادِ في نِظْرِ ما سكتَ النبيَّ عن الحكمِ فيه.
فإن قال مَنْ نصرَ جوازَ إلاجتهادِ (٢): قد يجوز أن يقعَ لبعضِ الأُمّةِ ما
стр. 2311
لا يقعُ للنبيِّ ﷺ بعد موتِه كما كانَ في حالِ حياتِه، فإنَّ عمرَ أصابَ الرَّأيَ يوم بدرٍ، ونزلَ القرآنُ بما قال (١)، ولم يكن ذلك من رأي النبيَّ وأبي بكر، وكذلكَ لمَّا سأل عمرُ عن الكلالةِ، قال له النبيَّ ﷺ :"تُغنِيك آيةُ الصَّيف" (٢)، ووكَلَ ذلك إلى اجتهادِه.
فيقال: لسنا نمنعُ من ترك النصِّ والايماء إلى الظاهر، أو إحالةِ المجتهدِ على المنطوقِ في حكمِ المسكوتِ إذا كانَ في النّطقِ علةٌ تَصلُحُ لتعديةِ الحكم، وإنما منعنا أن يكون لله حكمٌ في حادثة، ثم إنه يَعزُب عن رسول الله ﷺ ويَتبيَّنُ لمن بعدَه (٣ .................. ٣).
стр. 2312
فصول التقليد
وحدُّ التقليد: الرُّجوعُ الي قولِ الغيرِ بغيرِ حُجَّةٍ، مأخوذٌ من تقليده بالقلادةِ وجعلِها في عُنقِه، وهو طريقُ العاميِّ مع المجتهدينَ من العلماءِ في مسائلِ الفروع التي يسوغُ الاجتهادُ فيها.
فصل
فأمّا مسائلُ الأُصولِ المتعلِّقة بالاعتقادِ في الله، فيما يجوزُ عليه وما لايجوزُ، وما يجبُ له، وما يستحيلُ عليه، وما يجب نفيه عنه، فهذا لايجوزُ التَّقليدُ فيه.
وحكيَ عن عُبيدِ الله (١) بن الحسن العنبري أنه يجوز ذلك.
وسمعتُ الشَّيخَ أبا القاسم بن التبَّان يقول: إذا عَرَف الله، وصدَّق رسله، وسكن قلبُه إلى ذلكَ واطمأنَّ به، فلا علينا من الطريقِ، تقليداً كان أو نظراً أو استدلالاً، حتى إنَّ الطريقَ الفاسد إذا أدَّاه إلى معرفةِ الله كفى، فلو قالَ: أنا أعرفُ الله سبحانَه من طريقِ أنِّي دعوتُ الله يوماً في غرضٍ لي فكان ذلكَ الغرضُ، وما دعوتُ سواه، فدلني ذلك على إثباتِه، وكذلك
стр. 2313
لو قال: قد سَكَنَت نفسي إلى جميع ما جاءت به الأنبياءُ- صلوات الله عليهم- من الوعدِ بالبعثِ وغيرِه، فقيل له: بماذا سكنت نفسُكَ إلى تصديقهم؟ فقال: لأن واحداً منهم مع ما ظهر على أيديهم من الأفعالِ الإلهية، لم يدَّع الإلهيةَ كعيسى أو موسى، وقد ادَّعاها من لم يَبلُغْ مَبلَغَهم، كفِرعونَ بمجرَّدِ القدرةِ على المالِ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١]؛ فإنّ إيمانَه مقبولٌ، ودليلَه على ذلك مدخولٌ.
فصِل
في أدلتنا
فمنها: أنَّ الله سبحانَه ذمَّ التقليدَ في كتابه بمثل قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٣] ....... (١).
(٢ ومنها: أن في تقليد المقلّد ٢) رجوع إلى خبرِه، وخبرُه يتردَّدُ بين الصِّدقِ والكذبِ، فلا يجوز تركُ دلالةٍ قاطعةٍ لقولٍ يتردَّدُ بين شك وظن.
فصل
في شبههم
فمنها: أنّه لما كانَ التقليدُ طريقا لمسائِل الفروع، كذلكَ جازَ أن
стр. 2314
يكونَ طريقاً لمسائِل الأصولِ؛ من حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتعلق بالتكليف من جهةِ اللهِ سبحانه، وكما كلَّفَنا اعتقادَ الأحكامِ فقَلَّدْنا، كذلكَ إذا كلَّفَنا اعتقادَ الأصولِ قفدنا العلماءَ بها.
ومنها: أنَّ الغرضَ سكونُ القلبِ إلى المعتَقَد، فلا علينا من الطريقِ، وهذه شبهة الشَّيخ أبي القاسمِ بن التبَّان.
ومنها: أنَّ أدلةَ الأصولِ بها من الغموضِ ما لا يكادُ يقفُ عليه العوامُّ وأكثرُ العقلاءِ، فإذا جازَ التقليدُ في الفروع مع (١) سهولةِ أدلتها، فلأَن يجوز التقليدُ فِى الأصولِ مع (٢ الغموض والخَفاءِ٢) المستمرِّ، أَوْلى.
فصل
فى الأجوبة عنها
أمَّا الفروع، فإنَّ طرقَها الكتابُ والسنّهُ والإجماعُ والاستنباطُ، وذلكَ بحرٌ عظيم لو كُلِّفَ العوامّ سلوكَه لانقطعوا عن أشغالِ الدنيا، فجعلْنا ذلكَ إلى أهلِ الاجتهادِ [وهم] آحاد بَذَلوا نفوسَهم لذلك، وأسقطناه عن العوام، لما ذكرنا من المشقةِ الفادحةِ.
فأمّا الأصولُ، فإنَّ أداتَها العمَولُ، والناس مشتركونَ فيها، فلا يشقُّ عليهم النظر والاستدلال على ما تؤدي إليه من المعتقداتِ، فصار العامة
стр. 2315
و (١ الخاصة متساوين في طريق الوصول إليها، وهو النظر، وإنما أوجبه الله تعالى على المكلف ليُثابَ عليه ١)، ولو كان المقصودُ المجرفةَ بغير طريقِ النّظرِ لخصَّ الله بها أنبياءَه- صلواتُ الله عليهم-الهاماً، لكنّه ينزِّهُهم عن تفويت مراتب النظرِ والاستدلالِ، وإعمال جواهرِهم في اعتقاداتهم، ألم تسمعْه يقولُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦] فدرَّجَ الرسلَ في مقاماتِ النَّظرِ ليحصلَ ثوابُه بذلك، ولو كانَ بالإلهام لسقطَ ثوابُ النًظرِ والاجتهادِ في تحصيلِ الاعتقادِ، فبطل دعواه أن الغرضَ المعرفةُ فقط، بل الطرَّيقُ أكبرُ التعبدين، إذ هو رأسُ العملِ في تحصيلِ العلمِ.
قالوا: فقد بيَّنَ الله سبحانه أنه خص بعضَ أنبيائه بالاعتقادِ به من غيرِ نظرٍ ولا استدلالٍ، وما ذلكَ مسقطاً حكمَ اعتقادِه لإعدام طريقِ الاعتقادِ من الاجتهادِ، فقال في حقِّ عيسى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠] وقال في حقِّ يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢]، فبطلَ اعتبارُ النْظرِ واشتراطُه، وبانَ أنَّه بالالهامِ كافٍ، فكذلكَ سكونُ النفسِ إلى المعتَقدِ بطريقِ التقليد كافٍ.
فيقالُ: الجوابُ عنه من وجوهٍ:
أحدها: أنَّ ذلكَ مُنطَقٌ ومُجرىً على لسانِه الكلامُ، لا أنَّه صدرَ عن