لا يقعُ للنبيِّ ﷺ بعد موتِه كما كانَ في حالِ حياتِه، فإنَّ عمرَ أصابَ الرَّأيَ يوم بدرٍ، ونزلَ القرآنُ بما قال (١)، ولم يكن ذلك من رأي النبيَّ وأبي بكر، وكذلكَ لمَّا سأل عمرُ عن الكلالةِ، قال له النبيَّ ﷺ :"تُغنِيك آيةُ الصَّيف" (٢)، ووكَلَ ذلك إلى اجتهادِه.
فيقال: لسنا نمنعُ من ترك النصِّ والايماء إلى الظاهر، أو إحالةِ المجتهدِ على المنطوقِ في حكمِ المسكوتِ إذا كانَ في النّطقِ علةٌ تَصلُحُ لتعديةِ الحكم، وإنما منعنا أن يكون لله حكمٌ في حادثة، ثم إنه يَعزُب عن رسول الله ﷺ ويَتبيَّنُ لمن بعدَه (٣ .................. ٣).
стр. 2312
فصول التقليد
وحدُّ التقليد: الرُّجوعُ الي قولِ الغيرِ بغيرِ حُجَّةٍ، مأخوذٌ من تقليده بالقلادةِ وجعلِها في عُنقِه، وهو طريقُ العاميِّ مع المجتهدينَ من العلماءِ في مسائلِ الفروع التي يسوغُ الاجتهادُ فيها.
فصل
فأمّا مسائلُ الأُصولِ المتعلِّقة بالاعتقادِ في الله، فيما يجوزُ عليه وما لايجوزُ، وما يجبُ له، وما يستحيلُ عليه، وما يجب نفيه عنه، فهذا لايجوزُ التَّقليدُ فيه.
وحكيَ عن عُبيدِ الله (١) بن الحسن العنبري أنه يجوز ذلك.
وسمعتُ الشَّيخَ أبا القاسم بن التبَّان يقول: إذا عَرَف الله، وصدَّق رسله، وسكن قلبُه إلى ذلكَ واطمأنَّ به، فلا علينا من الطريقِ، تقليداً كان أو نظراً أو استدلالاً، حتى إنَّ الطريقَ الفاسد إذا أدَّاه إلى معرفةِ الله كفى، فلو قالَ: أنا أعرفُ الله سبحانَه من طريقِ أنِّي دعوتُ الله يوماً في غرضٍ لي فكان ذلكَ الغرضُ، وما دعوتُ سواه، فدلني ذلك على إثباتِه، وكذلك
стр. 2313
لو قال: قد سَكَنَت نفسي إلى جميع ما جاءت به الأنبياءُ- صلوات الله عليهم- من الوعدِ بالبعثِ وغيرِه، فقيل له: بماذا سكنت نفسُكَ إلى تصديقهم؟ فقال: لأن واحداً منهم مع ما ظهر على أيديهم من الأفعالِ الإلهية، لم يدَّع الإلهيةَ كعيسى أو موسى، وقد ادَّعاها من لم يَبلُغْ مَبلَغَهم، كفِرعونَ بمجرَّدِ القدرةِ على المالِ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١]؛ فإنّ إيمانَه مقبولٌ، ودليلَه على ذلك مدخولٌ.
فصِل
في أدلتنا
فمنها: أنَّ الله سبحانَه ذمَّ التقليدَ في كتابه بمثل قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٣] ....... (١).
(٢ ومنها: أن في تقليد المقلّد ٢) رجوع إلى خبرِه، وخبرُه يتردَّدُ بين الصِّدقِ والكذبِ، فلا يجوز تركُ دلالةٍ قاطعةٍ لقولٍ يتردَّدُ بين شك وظن.
فصل
في شبههم
فمنها: أنّه لما كانَ التقليدُ طريقا لمسائِل الفروع، كذلكَ جازَ أن
стр. 2314
يكونَ طريقاً لمسائِل الأصولِ؛ من حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يتعلق بالتكليف من جهةِ اللهِ سبحانه، وكما كلَّفَنا اعتقادَ الأحكامِ فقَلَّدْنا، كذلكَ إذا كلَّفَنا اعتقادَ الأصولِ قفدنا العلماءَ بها.
ومنها: أنَّ الغرضَ سكونُ القلبِ إلى المعتَقَد، فلا علينا من الطريقِ، وهذه شبهة الشَّيخ أبي القاسمِ بن التبَّان.
ومنها: أنَّ أدلةَ الأصولِ بها من الغموضِ ما لا يكادُ يقفُ عليه العوامُّ وأكثرُ العقلاءِ، فإذا جازَ التقليدُ في الفروع مع (١) سهولةِ أدلتها، فلأَن يجوز التقليدُ فِى الأصولِ مع (٢ الغموض والخَفاءِ٢) المستمرِّ، أَوْلى.
فصل
فى الأجوبة عنها
أمَّا الفروع، فإنَّ طرقَها الكتابُ والسنّهُ والإجماعُ والاستنباطُ، وذلكَ بحرٌ عظيم لو كُلِّفَ العوامّ سلوكَه لانقطعوا عن أشغالِ الدنيا، فجعلْنا ذلكَ إلى أهلِ الاجتهادِ [وهم] آحاد بَذَلوا نفوسَهم لذلك، وأسقطناه عن العوام، لما ذكرنا من المشقةِ الفادحةِ.
فأمّا الأصولُ، فإنَّ أداتَها العمَولُ، والناس مشتركونَ فيها، فلا يشقُّ عليهم النظر والاستدلال على ما تؤدي إليه من المعتقداتِ، فصار العامة
стр. 2315
و (١ الخاصة متساوين في طريق الوصول إليها، وهو النظر، وإنما أوجبه الله تعالى على المكلف ليُثابَ عليه ١)، ولو كان المقصودُ المجرفةَ بغير طريقِ النّظرِ لخصَّ الله بها أنبياءَه- صلواتُ الله عليهم-الهاماً، لكنّه ينزِّهُهم عن تفويت مراتب النظرِ والاستدلالِ، وإعمال جواهرِهم في اعتقاداتهم، ألم تسمعْه يقولُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٦] فدرَّجَ الرسلَ في مقاماتِ النَّظرِ ليحصلَ ثوابُه بذلك، ولو كانَ بالإلهام لسقطَ ثوابُ النًظرِ والاجتهادِ في تحصيلِ الاعتقادِ، فبطل دعواه أن الغرضَ المعرفةُ فقط، بل الطرَّيقُ أكبرُ التعبدين، إذ هو رأسُ العملِ في تحصيلِ العلمِ.
قالوا: فقد بيَّنَ الله سبحانه أنه خص بعضَ أنبيائه بالاعتقادِ به من غيرِ نظرٍ ولا استدلالٍ، وما ذلكَ مسقطاً حكمَ اعتقادِه لإعدام طريقِ الاعتقادِ من الاجتهادِ، فقال في حقِّ عيسى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ [مريم: ٣٠] وقال في حقِّ يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢]، فبطلَ اعتبارُ النْظرِ واشتراطُه، وبانَ أنَّه بالالهامِ كافٍ، فكذلكَ سكونُ النفسِ إلى المعتَقدِ بطريقِ التقليد كافٍ.
فيقالُ: الجوابُ عنه من وجوهٍ:
أحدها: أنَّ ذلكَ مُنطَقٌ ومُجرىً على لسانِه الكلامُ، لا أنَّه صدرَ عن
стр. 2316
فهمٍ وقصدٍ، بل على طريقِ الإعجازِ أو الكرامةِ لأمِّهِ لتبرئتها مما رُمِيَت به من الزِّنى، كمن نطق من الأطفالِ المرويِّ نطقُهم في بني إسرائيل كجُرَيج لما اتُّهم بالزنى فنطقَ الحملُ بأنَّه ابنُ راعي غنم (١)، ولما اتهم موسى الكليم بالزِّنى (٢)، فنطق الحملُ. بما نطق، وإلى أمثال ذلك، على أنه .......
(٣ الثاني: أن قوله: ﴿آتاني الكتاب﴾ إخبارٌ عن مستقبل حاله، كقول القائل ليوسف ﵇: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ ٣) [يوسف: ٣٦]، يعني: عصيراً يؤول إلى الخمر، وتقولُ العربُ في الولودِ: يهنيك الفارس، يوضّح هذا قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، ومعلومٌ أنه لم يكلَّف في تلك الحال صلاةً، فلم يبقَ إلا أنه أخبرَ عن مستقبَلِ حالِه.
وجوابٌ ثالث: لو كانَ ذلكَ في حقِّ عيسى، لكانَ مخصوصاً به وإطْلاعاً له في تلكَ الحالِ ذلك القدرَ، فيكونُ كما أُطلِعَ نبيُّنا ﷺ ليلةَ المعراج، فخرجَ بذلكَ عن حيِّزِ التكليفِ للإيمان به بطريقِ الاستدلالِ، إذ ثبتَ أنه يقظةً لامناماً، وهو الصَّحيحُ عندَنا، ولا يبقى تكليفُه بأن يؤمنَ بأنَّ في السَّماءِ ملائكةً مسبِّحين، ولا أنَّ للهِ جنَّةً وناراً مخلوقتين؛ لأنَّ عِيانَه ﷺ أبطلَ حكمَ التكليفِ له في ذلك، وصارَ في حقه بعد تلكَ الليلةِ كالسَّماءِ ونجومِها، والأرضِ وجبالِها، لا يدخلُ إثباتُها تحتَ تكليفِه،
стр. 2317
كذلكَ تلكَ اللحظة التي تكلمَ فيها عيسى، إنْ كانت عن شيءٍ وَقَرَ في صدرِه من اعتقادٍ قبلَ أوانِ الاعتقادِ، كما نطقَ لسانُه قبل أوانِ النّطقِ، كانَ بذلك مخصوصاً، وذلك لايُسقطُ طرقَ المعارفِ في حقِّ بقيَّةِ المكلفين.
قالوا: أليسَ الله سبحانَه لما استخرجَ ذريَّةَ آدمَ من ظهرِه وأشهدَهم على أنفسِهم وأخذَ عليهم الميثاقَ، كانَ بغيرِ نظرٍ ولا استدلالٍ، لكن بمجردِ الاستنطاقِ والإلهامِ، وجعلَه حجَّةً حيث قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]؟
فيقال: إنَّ الإخراج هو بالتناسل، والإشهادَ بعد تكاملِ العقل للنظرِ والاستدلال ......... (١ كما خلقَ لنا الحيوان لنَنْتفعَ ١) بِلبنهِ وسِخالِه ولحمانِه، فهو بينَ مركوب ومحلوب، وحابسٍ وحارس، ومترنِّم ومترسِّل، كلُّ ذلكَ دليلٌ على صانعِه وخالقِه، وآيات (٢) من القرآن تدلُّ على أنه إنما أرادَ بالإشهاد ما أشرنا إليه، من ذلك قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِ جَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ [النبأ: ١٢ - ١٦]، ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ
وجبَ عليه أن يحدثَ لها اجتهاداً ثانياً، ولا يفتي. مما أفتى أوَّلاً، فيكونُ مقلِّداً لنفسه، كما إذا اجتهدَ في القِبلةِ فأدَّاه اجتهادُه إلى حهةٍ ثم حضرت صلاةٌ اخرى، فإنه يُحدِثُ لها اجتهاداً ثانياً إذا كانت القبلةُ على الخفاءِ، ولايستقبلُ الجهةَ الأولى لأنَّ الاجتهادَ قد يتغيرُ، فلا يُؤمَن أن يكونَ الحقُّ فيما يتجدَّدُ من الحكمِ باجتهادِه الثاني، وفارَق أدلةَ السَّمع، فإنّها لا تتغيَّرُ إلاّ بنسخٍ ورفعٍ، وذلكَ قد امتنع.
فصل
ولا يجوزُ للعالمِ تقليدُ عالمٍ، سواءٌ كان مثلَه أو أفضلَ منه، وسواءٌ كانَ الوقتُ يضيقُ عن الاجتهادِ أو يتسعُ، حاكماَّ كَان أو لم يكن حاكماً، هذا ظاهرُ كلامِ أحمدَ (١)، وبهذا قال إسحاقُ والشافعي (٢).
وقالَ أبو حنيفةَ ومحمدُ بنُ الحسنِ: يجوزُ له تقليدُ العالم (٣).
وحكيَ عن محمد اُنه قيَّدَ ذلك بأن يكون أعلمَ منه، ولايجوز تقليدُ مثله.
وذهب ابنُ سُرَيج إلى جوازِ ذلك في ضيقِ الزَّمان.
فصل
في أَدلتَّنا
فمنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
стр. 2320
[النساء: ٥٩]، والمرادُ به كتابُ اللهِ وسنَّةُ رسولِه، والتقليا للعالمِ ليس واحداً منهما.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ولا علمَ للمقلِّد فيما أفتى به العالمُ.
ومنها: "اجتهدوا فكلّ مُيسَّر لما خُلِقَ له" (١) ولم يفصِّل بين الأعلم وغيره، والعالم وغيره، وعند ضيق الوقت وسَعَتِه.
ومنها: أنَّ معه (٢ آلةً يتوصَّل بها إلى الطلوب، فوجب أن لايجوز له التقليدُ فيه ٢).
(٣ ....... ٣) بالتقليد يُفضي إلى إبطالِه، لأنَّه إذا جازَ التَّقليدُ للغيرِ في حكمٍ من الأحكامِ، جازَ تقليدُ من يفتي بضدِّ ذلك الحكمِ، وذلكَ يبطلُ ذلكَ الحكمَ.
فصل
في الأسئلة
فمنها: أنَّهم قالوا: إنَّ تقليدَ العالم حكمٌ من أحكامِ اللهِ بطريقِ
стр. 2321
الاجتهادِ منه، ولهذا كان ردّ العاميِّ إليه وتقليدُه له لايمنعُ من كونِه تابعاً للآية.
ومنها: أنَّ قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، هذا قد قَفَا ما له به علمٌ، وهو ما أدَّاه إليهِ الاجتهادُ.
ومنها قولُهم: لايمتنُع أن يكونَ معه آلةٌ يتوصَّل بها إلى المطلوبِ، ثمَّ يجوزُ تركُه إلى غيرِه، ألا ترى أنَّ من يمكنُه أن يسمَع الحكمَ من رسولِ الله ﷺ ، يجوز له تركُ السَّماع منه والعدولُ إلى سماع خبرِ المخبِرِ عنه.
فصل
في الأجوبةِ عن الأسئلة
فأمّا قولُهم: إنه على حكمِ اللهِ بتقليدِ العالم، فليس بصحيح، لأنه إذا تركَ ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ أو ظاهرُ السُّنةِ وقلدَ غيرَه، فقد تركَ حكمَ الله ولم يعمل به.
وأما قوله: التقليد للعالم قَفْو للعِلم، فليس بصحيح، لأنَّ العالمَ المقلد لا يعلمُ صحَّةَ ما أفتى به مَن قلده.
وأمّا قولُهم: يجوزُ أن يتركَ ما يتوصَّل له ويعدلَ إلى غيرِه (١)، كما جازَ الأخذُ باجتهادٍ والنبىُّ حيٌّ، وقبولُ خبرِ غيرِه عنه مع القدرة على خبرٍ منه ناطق، فأمَّا ما ذكروه من أنه تركُ قولِ النبيَّ ﷺ ، فليسَ ذلكَ تركاً له إلى
стр. 2322
غيره، انما هو تركُ الطريق إلى طريق غيره، كأن يلوحَ له دليل في المسألةِ يقتضي حكماً، فيتركه (أويسلك طريق دليلٍ آخر يقتضي ذلك الحكم ١).
(٢ ............... ٢) كالعقلياتِ، ولايُلزمُ عليه العامِّي حيث لم يقلِّد مثلَه، ويقلدُ العالمَ؛ لأنَّ العامِّي لا يساوي العالِمَ، ولمَّا ساواهُ في العقلِ الذي هو أداةُ النظرِ والاستدلالِ في الأُصولِ لا جرمَ لم يقلدْه.
فإن قيل: الفروعُ طريقُها الظنُّ، والأعلمُ يغلبُ على الظنِّ إصابتُه للحقِّ، فجازَ لمن هو دونَه تقليدُه، ويصيرُ مَن دونه كالعاميِّ بالإضافةِ إلى العالمِ.
قيل: العالِمُ وإن كان دونَ طبقةِ الأعلمِ، لكنه على يَقِينٍ من نظرِه واجتهادِه، وعلمٍ وإحاطةٍ من ظنِّه، وعلى حُسنٍ من غيرِه الأعلم وظنه لا على إحاطةٍ ولا يقينٍ، ولاخلافَ بيننا أنَّه يجوزُ تركُ اجتهادِ غيره، والتعويلُ على اجتهادِ نفسِه، وإن كان الغيرُ أعلمَ، وإذا جازَ له تركُ اجتهادِ الأعلمِ لاجتهادِ نفسه، وجازَ للعاميِّ اجتهادُه وتركُ اجتهادِ الأعلم، علمنا أنَّ تقليدَه لا يجوز.
فصل
في شبهاتِ من لم يفصّل بل أطلق الجواز
فمنها: قوله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
стр. 2323
[النحل: ٤٣]، وهذا قبلَ أن يجتَهد لايعلم حكمَ الحادثةِ، فجازَ أن يسألَ بظاهرِ الآيةِ.
ومنها: قوله تعالى؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٩] ولم يفصل بينَ العالِمِ وغيرِه.
ومنها: أنَّ الصَّحابة رجعت إلى تقليدِ بعضِهم لبعض، وإن كانوا كلُّهم علماءَ، وقال عبد الرحمن، لما بايعَ علياً وعثمان، بدأ فعرض على [علىِّ] (١) سيرةَ الشَّيخين، وعرضَ على عثمانَ ذلك وبايعه عليه، وعثمان دخل على ذلك، وذلك بمحضر من جِلةِ الصَّحابةِ فصار كالإجماع.
وروي عن عمرَ أنَّه قال: إنِّي رأيت في الجدِّ رأياً فاتبعوني (٢)، فهذه دعوةٌ منه إلى التقليد، إذ لو لم يكن جائزاً لما دعا إليه.
وروي: [أنَّ أمرأة ذكِرت عند عمر بالفاحشة، فوجَّهْ إليها فأَجهَضت ذا بطنها من الفزع، فاستشار الصَّحابة، فقال عثمان وعبد الرحمن: إنك مؤدِّبٌ، ولا شيء عليك، وعليٌّ ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشَّاك، عليك الدية، فقال عمر: عَزَمتُ عليك لتقسمنَّها على قومك] (٣).
стр. 2324
ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ يفتي. مما يُنزِّلُ الله عليه من القرآنِ، وبما يدلّ عليه الاجتهادُ، وللعالِم طريقٌ إلى معرفةِ ذلكَ من طريقِ الاجتهادِ، ويجوز له تركُ اجتهادِه والعملُ. بما سمعَه من النبيَّ ﷺ ، كذلكَ ها هنا مثلُه.
ومنها: أنه إذا جازَ تقليدُ الأُمَّةِ فيما أفتوا به، وإنْ لم يُعلم الطريقُ الذي أفتَوا به، فكذلكَ تقليدُ آحادِها من العلماءِ.
ومنها: أنه لو كانَ التَّقليدُ لايجوزُ لجوازِ الخطأ عليه، لوجبَ أن لا يجوزَ الرُّجوعُ إلى خبرِ الواحدِ لجوازِ الخطأ على ناقلِه.
ومنها: أنَّ الاجتهادَ من فروضِ الكفاياتِ كالجهاد، ثم يجوزُ الاتكالُ ممَّن له آلةُ الجهادِ وتكاملت فيه شروطُه لقيامِ آخرين به، كذلكَ في الاجتهادِ.
فصل
في شبهات أصحاب أبي حنيفة
فمنها: قصَّةُ الشُّورى، وأنَّ عبدَ الرحمن دعا علياً إلى تقليدِ أبي بكرٍ وعمرَ رضى الله عنهما.
ومنها: أنَّ اجتهادَ الأعلمِ له مزيةٌ بكثرةِ علمِه، وحُسنِ معرفتِه بطريقِ الاجتهادِ، واجتهادُ مَنْ دونَه له مزيَّةٌ من وجهٍ آخر؛ وهو أنه على ثقةٍ وإحاطةٍ من جهةِ الدَّليلِ وما يقتضي الحكمَ، وليسَ على ثقةٍ من اجتهادِ الأعلم، فتساويا، فيخيَّر بينهما.
стр. 2325
فصل
في الأجوبة عن شبهاتهم
أمَّا قولُه سبحانَه: ﴿فاسآلوا أهلَ الذِّكْر﴾ فإنما انصرفَ إلى العامَّةِ؛ يشهد لذلك شيئانِ:
أحدهما: أنَّه أمرَ بالسّؤال، والعالِمُ لايجبُ عليه السُّؤالُ، بل له العملُ باجتهادِه والفتيا (١ التي أفتى بها، والذي يجب عليه السؤال هو العامي.
الثاني: أنه أَمرَ بسؤال أهل الذكر، وهذا يقتضي أن يكون الخاطب بالسؤال غير أهل الذكر، فيجب أن تكون الآية خاصةً في العامّة، فلم يكن فيها حُجة ١).
وأمَّا قولُ عبدِ الرَّحمنِ لعلي وعثمانَ: في سنة الشَّيخين، فإنما قصدَ بذلك في حراسةِ الأمَّةِ، وسياسةِ الرَّعيَّةِ، وكفِّ النُفوسِ عن مالِ السلمين، والزَّهادةِ والقنوع باليسيرِ، والتحنُّنِ على الرَّعيةِ، والإشفاقِ، فأبى عليٌّ ذلكَ لعلمه بأنه لا يمكنُ ذلكَ لأمورٍ تجدَّدت، وشروطٍ عُدِمت، ودخلَ عثمانُ على ذلكَ وما أطاق.
والذي يدلُّ على أنَّ المرادَ به ذلك، أنَّ اتباعَهما في المجتهَداتِ وأحكامِ الحوادثِ، لايمكنُ، لاختلافِهما في أحكامٍ كثيرةٍ، فهذا كانَ يرى التسويةَ في العطاءِ، وهذا بعده كان يرى المفاضلةَ في العطاءِ، ومختلفان لا يمكن اتباعُهما.
стр. 2326
على أنَّ ظاهرَ اللفظِ يقتضي أن تكونَ سنّتُهما العملَ بالنُّصوصِ والطواهِر، والاجتهادَ فيما لانصَّ فيه ولاظاهرَ من كتابٍ ولا سنة.
وأمَّا قولُ عمر في الجدِّ: "اتبعوني" فإنّما أرادَ اتباعَه في الدَّليلِ، كما يدعو بعضنا بعضاً إلى ما نعتقده من المذهبِ والدليلِ، دونَ التَّقليد، ولأنَّ عليّاً خالفهم فِى ذلك، لأنه قال: أجتهدُ رأي جُهدي وطاقتي.
وأمَّا قولهم: يسوغُ فيه الاجتهادُ فأشبهَ تقليدَ العامي، فلا (١) يصحُّ؛ لأنَّ العاميَّ لاطريقَ له إلى إصابةِ حكمِ الحادثةِ؛ لأنه ليس معه آلةُ الاجتهادِ الموصلِ إليه، فلذلكَ كان فرضُهُ التقليدَ، ولهذا يجبُ عليه السُّؤالُ، ولا يجبُ على العالِمِ السُّؤالُ، بل له الاجتهادُ، والعاميُّ لايصحُّ تقليدُ غيرِه له بخلافِ العالم، فلو كان العالمُ مثلَه لوجبَ عليه التقليدُ.
وأمَّا تعلُّقهم بترك اجتهادِه وتعويلِه على العملِ بما سمعه من النبي ﷺ كذلك في مسألتنا، فبعيدٌ؛ لأنَّه (٢ لو كان. ممنزلة ما سمعه من النبي- ﷺ لوجب أن لا يجوز له تركه بالاجتهاد، كما لا يجوز له ترك قول النبي ﷺ ، ولأنَّ ٢) قولَ النبيَّ ﷺ حجةٌ مقطوعٌ بصحَّتِها؛ لأنه إنْ كانَ عن (٣) وحي فهو مقطوعٌ بصحَّتِه، وإن كان عن اجتهادِه، فاجتهادُه معصومٌ، لأنَّه لايُقرّ على الخطأ، بخلافِ ما يقضي به العالمُ، فإنَّه غيرُ مقطوع
стр. 2327
بصحَّتِه، فلم يجُز للعالِم تركُ اجتهادِه الذي يثقُ إليه والرجوعُ إلى مَنْ يجوزُ عليه الخطأ، ولايثقُ إلى إصابتِه الحقَّ في اجتهادِه.
وأمَّا قولُهم: إذا جازَ تقليدُ الأمَّة جازَ تقليدُ الواحدِ. فهذا بعيد جداً؛ لأنَّ الأمَّةَ معصومة لاتجتمعُ على خطأ ولاضلالةٍ، بدلائلَ قد سبقت فِى بابِ الإجماع، ولهذا يجبُ تقليدُ الأمَّةِ، ولايجوزُ العملُ باجتهادِه مع إجماع الأمَّةِ، والواحدُ من العلماءِ يجوزُ عليه الخطأ، ويجوزُ الاجتهادُ في حكمِ الحادثةِ، والعدولُ عن حكمِه.
وأمَّا قولُهم: لمًا جازَ الرُّجوعُ إلى خبرِ الواحدِ مع تجويز الخطأ، كذلكَ جازَ الرُّجوعُ إلى العالِم مع تجويزِ الخطأ. فغيرُ لازم؛ لأنَّ خبرَ الواحدِ إذا ظهرَ من غيرِ نكيرٍ، فهو بمنزلةِ قولِ الواحدِ من الصَّحابةِ إذا انتشر من غير خلافٍ عند قوم، وهو عندنا حجةٌ لايجوزُ الاجتهادُ معها، وأعنا على أنَّ الاجتهادَ من العالمِ مع وجودِ عالمٍ يجوزُ، فبانَ الفرقُ بينهما.
فوِزان ما ذُكرَ من الخبرِ. بمسألتِنا، أن يتعارضَ خبران، فلا يكونُ أحدُهما أولى من الآخرِ فِى المصيرِ إليه والعملِ به.
ولأنا لو أوجبنا عليه البحثَ عن الرُّواةِ وجهةِ سماعِهِ حتى يساويَ الراويَ فِى طريقِه، لأدَّى إلى المشقةِ العظيمةِ، وربما تعذرَ ذلك عليه بتعذر الطريقِ بينَه وبينَ الرَّاوي عنه أو موتِه، فسقط عنه ذلك، كما (١ سقط عن العاميِّ الاجتهادُ، وليس كذلك ها هنا، فإنَّ العالمَ لامشقَّة عليه في إدراك الحادثة باجتهاده، والنظر فيها كما نظر المقلد، فلزمه الاجتهاد والنظر.
стр. 2328
وأما قولهم: الاجتهاد فرض من فروض الكفايات، كالجهاد ثم يجوز في الجهاد أن يتكل البعض على البعض، إذا حصلت الكفاية، فكذلك في الاجتهاد.
قلنا: لانسلِّم أنَّ مع الاختلاف ١) كفاية، وإنّما الكفايةُ مع الاتفاقِ، فوزانُه من الجهاد أن يضعف القيِّمُ منهم بأمرِ الحرب، فلا يجوزُ للباقين الاتكالُ عليه، بل يلزمُهم مساعدتُه وتقويته على الجهاد.
فصل
وأمَّا شبهاتُ أصحابِ أبي حنيفةَ:
فمنها: أنْ قالوا: إنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ في الشُّورى دَعَوْا علياً إلى تقليدِ أبي بكرٍ وعمرَ، ودعَوا عثمانَ إلى ذلك، وكان الداعي لهما عبدَ الرحمن، بمحضَر من أصحابِ رسول الله ﷺ على تكاثرِهم، وما كانت إجابةُ عثمان إلا لكونِه دونَهما في العلمِ.
ومنها: أنَّ الأعلمَ أقوى اجتهاداً في استخراخ حكمِ الحادثةِ، لشدَّةِ معرفتِه بطرقِ الاجتهاد، ومَنْ دونَه أضعفُ في ذلك القام، وهو على يقينٍ من ظنِّه وإفراغ وُسعِه في استخراج الحكمِ، فتوازيا وتساويا، فكانَ مخيَّراً بينَ العملِ باجتهادِه، أو تقليدِ الأعلمِ لأجلِ التَّساوي.
فأمَّا الجوابُ عن الأوَّلِ، فقد سبقَ من الوجوهِ التي قدَّمناها، وأنَّ القومَ لم يدعوا [إلا] إلى التقليدِ في (٢) السياسةِ، والتوفيرِ على النظرِ، والزهدِ
стр. 2329
والتبتلِ بحقوقِ الرعايا، وشدةِ الإشفاق، فأمّا الاجتهادُ فى الأحكامِ فلا، بدليل ما قدّمنا.
وأمّا الثاني وتعلقُهم بالمزيةِ وموازنتُها. ممزيةٍ مثلها، فباطلٌ. بمن تَقدمت صحبتُه، وكثُرت مخالطتُه لرسول الله ﷺ ، فإنّه لايُجعَلُ ذلكَ مؤثراً في جوازِ تقليدِ من دونَه فى ذلك المقام في الأحكام.
وكذلك الحال من أصحاب رسولِ الله ﷺ مع المجتهد من التابعين لايُجعَل (١) .................................... ، ....................
(٢ فصل
لايجوز التقليد للعالم، وإن ضاق الوقت.
فصل
في دلائلنا
فمنها: ما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأن المراد به كتاب الله وسنة رسوله، وكما منعناه من التقليد ٢) مع سَعَتِه، فلا يجوزُ له التقليدُ مع ضِيقِه، كالقادر على النظرِ والاستدلالِ في مسائلِ الأصول.
ومنها: أنَّ من شرطِ الفُتْيا والعملِ بالحكمِ الاجتهادَ في طلبِ الدليلِ،
стр. 2330
وما كان شرطاً لايجوزُ إسقاطُه لضيقِ الوقتِ، كالسُّؤالِ والاستفتاءِ في حقِّ العاميّ، لما كان سؤالُه للعالِم شرطاً لم يَجُزْ تركُه لضيقِ الوقت، كذلكَ الاجتهادُ في حقِّ العالم.
يوضِّحُ هذا: أنَّ شروطَ العباداتِ، كالطَّهارةِ للصَّلاةِ، واستقبالِ القِبْلة، الذي هو شبيهٌ بمسألتِنا، فإنَّه يحتاجُ إلى اجتهادٍ لايجوزُ تركُه، واستقبال أيِّ جهةٍ شاءَ، لضيقِ الوقتِ، كذلكَ الاجتهادُ لطلبِ حكمِ الحادثةِ.
فصل
في شبههم
فمنها: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهذا عامٌّ في كلِّ حالٍ إلا ما خصَّه الدليلُ.
ومنها: أنه مضطرّ إلى السُّؤالِ من جهةِ خوفِ الفَوَاتِ، والاضطرارُ يجيزُ التقليدَ، كالجهلِ في حقِّ العاميِّ لما كانَ مضطراً جازَ له التَّقليدُ، كذلك الخائفُ لفوتِ الوقتِ.
ومنها: أنَّه لا يَتَوصّلُ إلى معرفةِ حكمِ النَّازلةِ، فجازَ له التًقليدُ كالعاميَّ.
ومنها: أنَّ العالمَ يجوزُ له تقليدُ الصَّحابيِّ لمزيَّةِ الصَّحابيّ، كذلكَ ها هنا يجبُ أن يجوزَ لحاجة العالمِ، وخوفِ فوتِ تحصيلِ الحكمِ لضيقِ الوقت.
стр. 2331
فصل
في الأجوبة عنها
فأمَّا الآيةُ، فإنها متناولةٌ لمن ليسَ من أهل العلم وهو العامي، إذ لا يجوزُ أن يكونَ معناها: يا أهلَ (١ العِلْمِ اسألوا أهل العلم، وإن أهلٍ الشيء مَن هو مُتأهلٌ لذلك الشيء، لا مَن حصل له ذلك الشىء١) ولأنه قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤]، والعالِمُ يعلمُ بالبيناتِ والزبرِ.
وأمّا قولُهم: لا يتوصلُ إلى معرفةِ الحكم، فلا (٢) نسلِّم، بل قدرتُه على الاجتهادِ قدرةٌ على التوصُّلِ إلى تحصيل الحكمِ.
وأمَّا دعواهم أنَّه مضطرٌّ إلى التقليدِ، فغيرُ صحيح؛ لأنه إذا نظرَ وصدقَ الاجتهادَ، هَجَمَ به على الحكمِ، فلا ضرورةَ إلى (٣) ما تشيرُ إليه من ضيقِ الوقتِ، والوقتُ ظرفٌ، والاجتهادُ شرطٌ، فلا يسقطُ الشَّرطُ لضيقِ الظرفِ، كسائرِ العباداتِ المؤقتةِ، لا يجوزُ تركُ شروطِها لخوفِ فواتِها، ولأَن يُجعلَ الإشكالُ في الدليلِ عذراً مبيحاً للتأخيرِ، أَوُلى من أن يجعلَ عذراً لإسقاطِ الاجتهادِ والرُّجوع إلى التقليدِ، لأنَّ التأخيرَ لتحصيلِ الشَّرطِ تأخيرٌ لمقصودٍ هو قادرٌ على تحصيله، فهو كالتاخيرِ لتحصيلِ الوقوع على القِبلةِ، ورفع الحدثِ باستعمالِ الماءِ، وغسلِ السترةِ النجسةِ.
стр. 2332
وأمّا التقليدُ للصَّحابي، فلا نسلِّمه على روايةٍ، بل لا يجوزُ لمجتهدٍ أن يقلِّدَ صحابياً، ولأنَّ مَنْ جعلَه حجَّةً جعلَه كالخبرِ عن رسولِ الله ﷺ ، فقدَّمه على اجتهادِه بحكمِ تراتيب الأدلَّةِ، فأمَّا الوقتُ فلم يثبت أنه مقدَّمٌ على الاجتهاد.
وأمّا قياسُهم في جميع هذه الأدلَّةِ على العاميِّ، فغيرُ صحيح؛ لأنَّ العاميَّ متعطِّلٌ عن الاستدلالِ والاجتهاد، فلم يبق له طريقٌ إلاَّ التقليدُ، والعالمُ غيرُ متعطِّلٍ بذلك جوازُ العمل باجتهادِه في حقِّ نفسِه وفي تقليدِ العاميِّ له.
فصل
لا يتخيَّر العامِّي بين المُفتِين (١ فيقلد من شاءَ منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين الأدين والأورع، ومَن يُشارُ إليه أنه الأعلم، ذكره أحمد، وهو قول ١) ابن سُرَيج والقفال من أصحاب الشافعي، وجماعة من الفقهاء والأصوليين.
فصل
في أدلتنا
فمنها:
(٢ ......... ٢) للحكم بخبره، والاجتهادُ في الأرجع منه، كالدَّليلِ في
стр. 2333
حقِّ المجتهدِ، ولاشكَّ أنَّ النفسَ إلى الأعلمِ والأورع أسكنُ، وبه أوثقُ، وما هو إلا كتخيُّر الدليلِ الأدل على الحكم في حقِّ العالمِ المجتهد.
ومنها: أنَّ طريق هذه الأحكامِ الطنُّ، والطنُّ في تقليدِ الأَعلَم والأَدْيَنِ أقوى، فوجب أن يكونَ المصيرُ إليه أَوْلَى.
فإن قيل: لو كانَ هذا واجباً، لوجبَ أن يتعلمَ الفقهَ ليكونَ مجتهداً في الحكمِ، فإنَّ ألاجتهادَ أقوى،
قيل: إذا سُمْنَاهُ تَعلّمَ الفقهِ كان على النّاسِ غاية المشقةِ ووقفت المعايشُ، فأمَّا إذا سُمْناه تَخيّرَ العالمِ الذي يقلده، فلا مشقةَ عليه.
فصل
في شبههِم
فمنها: قولُه تعالى: ﴿فاسألوا أهلَ الذِّكرِ إنْ كنتم لاتعلمون﴾ [النحل: ٤٣]، ولم يفصِّل بينَ الأعلمِ والأورع وغيره.
ومنها: أنَّ مَنْ كان له أن يقلّدَه إذا كان منفرداً عن غيرِه، جازَ له تقليدُه وإن من معه غيرُه، كالمساوي في الطبقةِ في العلمِ والورع.
ومنها: أننا إنَّما جوَّزنا للعاميِّ التقليدَ، لما في تكليفِ التعلمِ للفقهِ على الأعيانِ من المشفةِ، وهذا موجود في تكليفِ العاميِّ الاجتهادَ في أعيان المُفتِين، لأنه لايمكنُه الترجيحُ له إلاَ بعدَ الخبرةِ بما يرجَّحُ فيه، ومن لا معرفةَ
стр. 2334
له بالعلمِ أصلاً، كيف يعرفُ طبقاتِ أَهْلِهِ والفاضلَ فيه من المفضول؟!
فصل
في الأجوبةِ عنها
فمنها: أنَّ الآيةَ أفادت أصلَ السُّؤالِ، وما ذكرناه من الأدلَّةِ أفادَ اختيارَ المسؤولِ، فلا حجة لهم فيها (١ ......................
وأما دعواهم أن الاجتهاد في أعيان المفتين فيه مشقة على العامي، فلا نوجبه، كما لم نوجب عليه الاجتهاد في مسائل العلم.
فنقول: نحن لم نوجب عليه الاجتهاد هناك ١) لأنَّه يحتاجُ إلى أدواتٍ لا تتحصَّلُ إلا على طِوال الأوقاتِ، واستيعابِ الأعمار، بخلافِ ترجيح ما بين رجلينِ، فهو بترجيح ما بين خبرين أشبهُ، وذلك أنَّه إذا شاعَ في النَّاسِ: أنَّ فلاناً أعلمُ وأورعُ، ووَجَدَ أهلَ الصِّناعةِ يقدِّمونَه ويعظمونه، علمَ بذلك أنَّه أرجحُ، وكفى بذلك طريقاً للمعرفةِ بالأرجح والأورع.
فصل
في الأفعال والأقوال قبل ورود الشَّرع ما حكمها ؟
فالذي يقتضيه أصلُ صاحبنا: أنَّ مالم يَرِدْ السَّمعُ فيه بحظرٍ ولا إباحةٍ، لايوصف بحظر ولا إباحة، إذ ليسَ قبلَ ورودِ الشَّرع على أصلِه محسِّنٌ ولا مقبِّحٌ، والعقلُ عندَه غيرُ مبيح ولاحاظرٍ، ويحسِّنُ ولا يقبح.
стр. 2335
والأليقُ بمذهبِه أن يقالَ: لانعلمُ ما الحكمُ.
وقد أخذَ شيخُنا -رحمهُ الله تعالى- من كلامِه في مسائِل الفروع روايتين: إحداهما: الحظر، والثانية: الإباحة (١).
وهذا إنَّما يصحُّ مع القولِ بنفي تحسينِ العقلِ وتقبيحِه، وإباحتِه وحظرِه، [و] أنَّ السَّمعَ لما وَرَدَ بحظرِ أفعالٍ في أعيان، وإباحةِ أفعالٍ في أعيان، وبانَ لنا بأنَّ لهذه الأعيان مالكاً بدليلِ العقل، وأنه أباحَ ما أباحَ، وحظرَ ما حظرَ: إمّا لمصلحةٍ أوَ نفى مفسدةٍ، أو لتحكّمٍ ومطلقِ إرادةٍ ابتلاءً وامتحاناً، رجعنا إلى مقتضى الشَّرع فيما سكتَ عنه من إباحةٍ أو حظرٍ حسب ما نذكره من الأدةِ المستنبطةِ من السَّمع، أو ما ثبتَ بدليلِ العقل، فهذا معناه مع تعطيلِ العملِ عن إباحةٍ أو حظرٍ، واختلفَ العلماءُ في هذا على مذاهب، فذهب المعتزلةُ البغداديون والاماميَّةُ وابن أبي هريرة (٢ من أصحاب الشَّافعي إلى أيها على الحظر.
وقال البصريون من المعتزلة الجبَّائي وابنه: إنها على الإباحة، وبه قال أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه السرخسيُّ ٢).
وذهب إلى "القول بالإباحة أيضاً جماعةٌ من أصحاب الشَّافعي كابن (٣)
стр. 2336
سُريج والمرُّودي (١) وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ، واختاره أبو الحسنِ التميمي من أصحابِنا.
وذهبت الأشعريةُ إلى أنَّها على الوقفِ، ولا يقالُ فيها بإباحةٍ ولا حظرٍ إلى أن يَرِدَ السَّمعُ بأحدِهما. وهو قولُ بعضِ أصحابنا، وهو أيضاً مذهبُ جماعةٍ من أصحابِ الشَّافعيِّ: الصَّيرفيِّ وأبي علي الطَّبري.
والقائلُ بالوقفِ إلى القائلِ بالحظرِ أقربُ منه إلى القائل بالإباحةِ؛ لأنه يحتجُّ عن الفتوى بالإقدام كما يحتجُّ الحاظر، والمبيحُ يفتي بالتناول.
وقد صوَّرَ قوم هذه المسألةَ في شخصٍ ولِدَ في جزيرةِ البحرِ، أو منقطع من الأرضِ لم يصل إليه السَّمعُ بإباحةٍ ولا حظرٍ، وظَفِرَ بأعيان تمتدُّ يدُه إليها بالتناولِ لحاجاتِه، كفواكه وحشائش: هل يُباحُ له تناولُهًا أو يَحرمُ عليه؟
والذي نحقِّقُهُ من المذهبِ أنَّ الحظرَ هو المنعُ، ولامانعَ عند جماعةِ العلماءِ إلاّ عقل أو سمع، فالفعل الممنوعُ منه في العقلِ ما كانَ فاعلُه مُسيئاً مستحقاً للذَّم، والمنعُ السَّمعي ما استحقَّ عليه الإثم والعقوبةَ.
فإذا كانَ مذهبُ صاحبِنا أنَّ العقلَ لايوجبُ ولا يحظُرُ، وأنَّ عبَّادَ
стр. 2337
الأوثانِ والأصنامِ لايعاقبونَ على شيءٍ مما اعتقدوه، ولا على شيّء من الأفعالِ، وأن لاعذابَ ولا عقوبةَ قبل السَّمع، فلا وجهَ للقولِ بإباحةٍ قبلَ السَّمع ولا حظرٍ، فهذا أصل لاينبغي أن يُغفَلَ لأنه من أصولِ الدينِ، فلا يسقط حكمُه بمذهبِ أصولِ الفقه، فلا يبقى لكلام الرَّجلِ في مسائلِ الفروع بحظرٍ أو إباحةِ حكمٌ يخالفُ أصله في أصول الديانات، وإذا ساغَ لشيخنا -رضى الله عنه- أن يأخذ له أصلاً هو حظرٌ أو إباحةٌ من نهيه تارة فيما لم يرد فيه سمع كقطع السدر، وتارة في إباحة كتجويزه قطع النخل، فلِمَ لا يأخذ من كلامه الذي لا يُحصَى: لا أدري ما هذا، ما سمعت فيه شيئاً، أنا أجبن عن أن أقول بكذا، فيؤخذ منه أحد مذهبين: إمَّا الوقف أو الامساك عن الفتوى رأساً. وأن يقال فيما لم يرد فيه سمع: لا مذهب له إلا (١) الإمساك، فافهم هذا الأصل، فإنه يستمرُّ على قولِه في المتشابه من الآياتِ وظواهرِ الأخبار، وأنها لا تُفسَّرُ ولا تُؤَوَّل، فلا وجهَ للقطع بالقولِ بالإباحةِ أو الحظرِ مع عدمِ السَّمع وعدم قضيَّة العقل.
стр. 2338
فصل
في الدلائل على نفي القولِ بالإباحةِ والحظرِ
فمنها: أنَّ الإباحةَ إطلاق، والحظرَ منعٌ، وهو من بابِ الأفعالِ التي لاتقع إلاَّ من فاعلٍ، فلابدَّ للمنع من مانعٍ، ولابدَّ للإطلاقِ من مطلِقٍ، وذلكَ الحاظرُ والمبيحُ، [و] المانع [و] المطلق، ليسَ يعدو أحدَ سببين:
جمعٌ من قِبَل الله تعالى، أو عقل، فإذا كانت العقولُ عاطلةً عن قضيتي الحظرِ والإباحةِ، وكان السَّمعُ لايَرِدُ، فلا وجهَ للقولِ بواحدٍ من الحكمينِ مع عدمِ الدلالتينِ والطريقين، إذ لا مذهبَ بغير طريقٍ، فلا جوابَ لهذه المسألةِ على التحقيقِ إلا قول المسؤول (١): لا أعلم ما كان الحكمُ قبل الشرع، إذ لاطريقَ لي إلى العلمِ بالحكمِ.
ومنها: أنَّ هذه الأعيانَ قد بانَ بدلائلِ العقول أيها ملك للصَّانع القديمِ الذي ثبتَ وجودُه سبحانه وإيجاده للأعيان، وليس للعقل تحكم ولا حكم على ملكه سبحانه، والسَّمعُ بإذنِه في تناولِها والانتفاع بها لم يرد، فلا وجهَ لإباحتِها، فبطلَ بهذه الدلالةِ مذهبُ الإباحةِ.
ومنها: أنَّ المنعَ والحظرَ بطريقِ العقلِ لو كان ثابتاً، لما جازَ أن يَرِدَ السَّمعُ بإباحتِها؛ لاتفاقِ العلماءِ على أنه لايجوزُ أن يردَ السَّمع إلا بمجوَّزاتِ العقولِ، فأمَّا ورودُه. بما يخالفُها فلا، وفي هذِه الدلالةِ ما يبطلُ به
стр. 2339
القولُ بإباحتِها، لأنها لوكانت الإباحة بالعقل (١ ......... ١) على القول بالحظرِ أو الإباحةِ، التناولُ لها والانتفاعُ بها متقابلين تقابلاً لايظهرُ فيه ترجيح لبعضِ الأقوال على بعض، ولا يبقى سوى الاحجامِ عنها والكف والإمساك عن الفتيا فيها، وهو (٢) الوقفُ حينِ الكشفِ بطريقِ السَّمع.
والدلالةُ على تقابلِ الأدلةِ: أنَّ القائلَ بالحظرِ إنْ تعلقَ بأنَّ هذه الأعيانَ ملك لله سبحانه، وما أذنَ في تناولها والانتفاع بها، فهي كأملاك الآدميين، قابَلَه أنها وإن كانت ملكَه، فنحنُ مماليكُه وعبيده، [و] في تركِ الانتفاع إتلاف لنا، ونَزيدُ عليها بالحرمةِ، وإذا تقابلَ الأمرُ بين إتلافِها وتلفِنا بتركِ تناولِها، كان تلفُها مع حفظِ نفوسِنا أَوْلَى.
وقابلَ ذلك أيضاً أنَّ أملاكَ الآدميين وَرَدَ السَّمعُ بحظرِها، وها هنا لم يَرِدْ بحظرها، فالتعويلُ في تحريمِ أموالِ الآدميينِ على الحظرِ السَّمعي، دون كونِها ملكاً لهم.
يبيِّن صحَّةَ هذا، وأنَّ المنعَ ليسَ لأجلِهم ولا لعدمِ إذنِهم بل للسَّمع: أنَّ الشَّرع لما أذنَ في أكلِ طعامِ الغيرِ عند الضَّرورةِ، واتقاء البرد ببنيانه، وإشعال حطبه، خوفاً على نفسِ غيرِ المالِك؛ أبيحَ مع ملكَه وعدم إذنِه، لإذنِ الشَّرع، وكذلك أبيحَ الاستظلالُ بظلِّ جداره، والاستضاءةُ بضوءِ نارِه بغيرِ رضاه، لما أذنَ فيه الشَّرع وإِنْ سَخِطَ.
стр. 2340
ويقابلُه أيضاً أنَّ الآدميَّ يستضرُّ بالانتفاع بأملاكِه لحاجته إليها، ومشاركته لغير المالك في الحاجة، وانفراده بالتخصيص بالملك، فالله سبحانَه لاضررَ عليه في تناوُلِها، ولأنه لا حاجةَ به إليها، ولانفعَ يلحقه بها، لاستحالةِ إلحاق الضَّرر والنفع به (١ ........... ١) لاضرر بتناولها، ولا نفعَ ببقائِها وإحجامنا عن الانتفاع بها، لامتناع ذاتِه سبحانه بغنائها واستحالة الحاجة عليها، وإنما خلقها لنا بحسبِ دواعينا إليها وحاجاتِنا، فصارت في القياسِ إلينا كظلِّ الجدارِ وضوءِ النَّارِ.
ولأنَّ الحكيم لايفعلُ شيئاً إلاَّ لغرضٍ ووجهٍ من الحكمةِ يقتضي فعلَه وخلقَه، والتقسيمُ يوجبُ أن يكونَ خَلَقها لنا ولانتفاعِنا بها، لأنه لا يخلو أن يكونَ خلقَها ليَنتَفعَ بها، وذلكَ محال، أو ليضرَّ بها غيرَه، وذلك لا يليقُ بالحكيم، فلم يبقَ إلا أنّه خلقَها لنفعِنا، وهذا يكفي في الحكمِ بإباحتِها.
فتقابل من ذلك أشياءُ نُبطِلُها، منها: أنَّهم قد أخلّوا ولم يستوفوا؛ فإنَّ من الأقسامِ ماهو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ: وهو أنَّ أفعالَ البارئ لا تُعللُ ولايضافُ إليه غَرَضٌ، وهذا يرد أصلَ تعليلِهم.
وأخلّوا في التقسيم مع ثبوتِ غرضٍ أو تعليلٍ قِسماً لم يذكروه: وهو أن يكونَ خلقَها ابتلاءً لنا.
والذي يوضِّحُ هذا وبطلانَ قولِهم: أنه لو كان ما ذكروه مانعاً من
стр. 2341
حظرها، لما جاز أن يرد السمع بحظرها، لما ذكروه، وأنه لا ينتفع بها ولا يستضر بانتفاعنا بها، وأنه خلقها لنا، فكان يجب ألا يرد سمعٌ بالمنع لهذه التعاليل التي ذكروها، فإذا جاز ان يردها حظرها مع جميع ذلك، بطل القول بإباحتها قبل ذلك.
على أنه لأهل الحظر ان يقولوا: أن لم يكن مالكها منتفعاً بها، ولا مستضراً بتناولها، فقد تكون (١ في نفسها توجب لنا ١) بتناولها مفسدة (٢) .............
للمتناول بصلاحه فيما يتناوله، وعدم كونه مضراً به مفسدة له، ونحن مع الاعيان قبل ورود السمع، كالجاهل بخواصَّ تلك العقاقير المجوَّز حصول الضرر فى تناول بعضه مع عدم العلم به.
وإذا لم يكن دليل أحد هذين المذهبين مترجحاً على الآخر لما ذكرنا، لم يبق الا الوقف الى أن يرد السمعُ بالكشف لحكمِ الله سبحانه فيها، أو بترجح دليل احدهما بما يوجب العمل به، وإسقاط المذهبِ الذى يخالفُه
فصل
فيما وجهوه على ما ذكرنا وما سنح لنا من الاعتراض
فمن ذلك قولهم: إذا كان ما قررتم من تعذر الادلة مانعاً لكم من القول بالإباحه والحظر، فهلا منعكم عن القول بالوقف. وكما أنَّ العقل
стр. 2342
لو منعَ وحظرَ، أو أباحَ وأطلقَ، لم يجز أن يردَ الشَّرعُ بخلافِه، كذلك إذا حكمَ بالحظرِ لايجوزُ أن يردَ الشَّرعُ بما يخالفُ قضيته من الحظرِ بالوقفِ، ولاقضيَّتَه بالاباحةِ إلى الوقف، فقد لزمكم من استدلالكم ما ألزمتمونا.
ومن ذلك: أن نسألكم عن أفعال وأقوالٍ مخصوصةٍ فعلها فاعل، وقالها قائلٌ قبل ورودِ السَّمع، وهي أنَّ عاقلا بالغاً نظرَ واستدلَّ فعرفَ بنظرِه واستدلالِه حدوثَ (١) العالَمِ، ووجودَ الصّانع، وأنَّه المنعمُ بالإيجادِ، وأنه الواحدُ، فهل يكون قولُه بالتثنيةِ والتثليثِ، أو بِقِدَمِ العالَم، أو سجودُه لصنم وصرفُ الشكر الصادرِ عنه إلى غير الواحد القديم الذي حكم بوحدته وإنعامه (٢ ............................ ٢) على ما قدمت.
وإن قلتَ بالإباحةِ، كان أكبرَ من ذلك لما في ذلك من كفرِ النعمِ، وصرفِ الشكرِ إلى غيرِه، ولمناقضة ما قدمت من أنْ لاطريقَ لكَ إلاً السَّمعُ، ولا سمع.
فيقال: إنَّ فرضَ السائلِ الداخلةِ تحتَ ما قرَّرنا من الأصلِ، تفريعٌ لما قد استقرَّ الخلافُ فيه، وعُلمَ من جملتِه مالا يَحسُنُ استدعاءُ الكلامِ في تفصيله، ونحن إذا قلنا بإبطالِ قضايا العقولِ في التحسينِ والتقبيح، والإباحة والحظرِ، لم نحكم في قولٍ ولا فعلٍ بحكمٍ، بل نكونُ منتظرين لما يَرِدُ به السَّمعُ، والشرع يأتي بالعجائب، ودلائلُ الإعجازِ الدَّالةُ على
стр. 2343
صدقِ الرُّسل -صلوات الله عليهم- توجبُ الإذعانَ لتحسينِ ما حسَّنه الشَّرعُ، وممَّا جاءَ به الشرعُ ممّا لم يكن يتهدَّى إليه عقل أنْ أباحَ كلمةَ الكفرِ به سبحانَه، وهو المنعمُ الأوَّلُ، لتوقية النفسِ عند الإكراه، وأوجبَ الثباتَ للموتِ في صفِّ المشركين بذلاً لها، لإعلاءِ كلمةِ التوحيدِ، فتارةً حسَّنها حيث أباحها لدفع المكروه عن النفرِ، وتارةً أسقطَ حكمَ النفوسِ لإعلائها وجعلَ النفوس دونها، وكذلك السُّجودُ للصَّنمِ، فأمَّا مع سلوكِ الوقفِ في هذا الأصلِ، فلا (١) احجِمُ عن القول بهِ فيما صوَّرتُم من القولِ والفعلِ المعنيَّين.
وأمَّا قولكم: إنه يلزمكَ في الوقفِ إذا جاء الشَّرعُ بإباحةٍ أو حظرٍ ما ألزمتنا من ورودِ السَّمع بعد القولِ بالإباحةِ والحظر، فليس على ما ذكرتم، بل غاية ما يتبيَّنُ بمجيءِ الشَّرع بالإباحةِ أو الحظرِ الكشفُ عن (٢ حكم الشَّرع ٢) بالدليل الذي كنا ذهبنا إليه في الوقف (٣)، ........... أو الحظرٍ لم يرد عليه قولُه، بل أرشدَه إلى قولٍ كان عنه واقفاً، ولإرشاده متوقعا.
والذي يوضخ هذا: أنَّ الواقِفَ لايسمّى بالمصير إلى الحكم راجعاً، بل يقالُ: إنه مستحِبّ وتابع ومرشد ومبيِّن، ولهذا يحسُنُ أن يقال لمن قال بالحظر: من أين قلت، ولم قلت؟ ولمَنْ قال بالإباحة كذلك. فلا يحسُن
стр. 2344
عند العقلاءِ عتبٌ ولألومٌ لمن توقّفَ مع إبهامِ الأمرِ وعدمِ الدليل. والذي يكشفُ ذلك: أنَّه لا يحسنُ عند العقلاءِ عيب المتوقفِ لانتظارِ الدليل، ويحسُنُ عيبُ المقدم بالقولِ أو الفعلِ أو الحكمِ مع عدمِ الدليل، فليسَ القولُ بالإباحةِ والحَظْرِ من القولِ بالوقفِ بسبيل، والله أعلم.
فصل
رأيتُ لبعضِ المحققين في الأُصولِ كلاماً حسناً في التحسينِ والتقبيح
فقال: وقد يشتبه على قوم ما توجِدُهم رقَّة طباعِهم والإشفاق (١منهم على ١) الحيوانِ فيعتقدون كلَّ مؤلم ولاذع قبيحاً، ويتغطّى عليهم وجه الحسنِ والقبح، بمعتقدِهم أنَّ كل منكرٍ في طباعِهم صدرَ عن العقل، وهذا عينُ ما ذهبت إليه (٢) البَراهمة في تقبيح ذبح الحيوان وإتعابِه في الأغراض المدخِل عليه أنواع الآلام، وبئس المحكَّمُ الطبعُ؛ فكَم ممَّا نهشُّ إليه وهو مُستَقْبح، وكم من موجِعِ وهو مستحسن، لما فيه من المصالح، كما قال سبحانه: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وربَّما دقَّ الفرقُ بينَ إنكارِ الطبع وإنكارِ العقل، ويظهره إقدامُ العاقل على طلب (٣) .........
وكل حكيمٍ من خلقه قد تؤلم أفعاله وإن لم تكن قبيحةً.
стр. 2345
فصول المسائل النظرياتِ في الكلام في القياس
فصل
القياسُ والاستدلالُ المستنبطانِ بالعقولِ طريق لاثبات الأحكامِ العقليةِ ، نصّ عليه أحمدُ (١) حيثُ استدلَّ فيما تكلَّمَ به على نفاةِ الصِّفاتِ، ومن أثبتَ أنَّ الله نورٌ، وأنه في كلِّ مكان، وضربَ المقاييسَ حتى قال: فما بالُ البيتِ المظلمِ مع كونِ اللهِ نوراً وهو في كلِّ مكان؟!
وذكرَ أيضاً أنَّ الله محيطٌ بجميع خلقهِ، وليس في شيء من خلقه، وضربَ لذلك مثلاً: رجلاً في يدِه قدح من قارور صافٍ وفيه شيءٌ صافٍ، فإنَّ بصرَه يحيطُ فيه من غيرِ أن يكونَ فيه. وهذا مذهبُ سائرِ الفقهاءِ والأصوليين والمحقِّقين (٢).
وذهب قوم من أصحاب الحديث وأهل الظًاهر إلى أنَّ حججَ العقولِ باطلةٌ، والنظرَ حرامٌ، والطريق إنَّما هو التقليد، أو ما يُعلمُ ضرورةً بطريق الحِسَ.
فصل
في الدَّلائل على إثباتِ النظرِ طريقاً، وإفسادِ القولِ بالتقليدِ في المعقولاتِ.
стр. 2346
فمنها: أنَّ الله سبحانَه نصبَ أَدلَّةً على الإثباتِ، وحثَ على النَّظرِ فيها والتأمُّلِ لها، والاستدلالِ بها، وقد ذكِرَ ذلكَ في كثير من آي كتابه العزيزِ مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] إلى قوله: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] (١) ........ وإفساد وتطلّب لأسباب ما يَعرِض في العالَم من الأحوالِ وعللِ الأحكامِ، فهذا من داخل ثم نجد من خارج مذاهب مختلفة وأقاويل متكافئة، فلا طريق لنا إلى معرفة الصَّحيح والفاسد، وتخليصِ الحقِّ من الباطلِ، وتمييزِ ما يجب اعتقادُه، أو يجوزُ ممَّا لا يجبُ أو لا يجوزُ إلاَّ النظرُ والاستدلال.
ومنها: ما نجده وجميعُ العقلاء في نفوسهم عند دفع المَضارِّ واختلاف النافع، أو ترجيح أحد الطريقين على الآخر، مثل أن يدفعه العطشُ إلى قصدِ ماءٍ فِى مكانٍ بعَينه، فيجدُ في طريقِ الماء أثرَ الأسدِ، فإنَّه لايفزعُ في توقي أَحْفَز الضررينِ بأبطئهما (٢)، ودفع أَكَدِّهما بأيسرهما، إلا إلى نظره واستدلاله في استخراج الأصوب من ذلك برأيه، أو المشاورة لغيره تقوية لرأيه برأي غيره، وهذا دليلٌ على أنَّ ذلك هو الطريقُ.
стр. 2347
ومنها؛ بيانُ إفسادِ القول بالتقليد: أنَّ التقليدَ إنما هو الرُّجوعُ إلى قولِ الغيرِ، وقد ثبتَ أنَّ الاختلافَ حاصل بين مثبتٍ وناف، وموجب ومسقطٍ، ومحرمٍ ومبيحٍ، فإن قلدَ الكلَّ لم يصحَّ، فإنه لايصحّ أن يكونَ جامعاً بين الإثباتِ والنفي، والإباحةِ والحظرِ. وإن رجعَ إلى قولِ أحدهمِ، فلا وجهَ لتخصيصِ أحدِهم بالتقليدِ له والاتباع مع كون الآخر مساوياً له، فلا بدَّ من نوع ترجيحِ، وذلكَ لا يحصُلُ إلاَّ بالنَّظر الموجِبِ لترجيح قولِ أحدِهما على الآخر، والترجيحُ لايحصلُ في نفسِ من يقلِّده، بل في دليلِه وما أوجب له القولَ بذلك المذهَبِ، وهذا هو النظر الذي ندعوا إليه، ونوقِفُ عِرْفانَ الحقِّ عليه.
ومنها (١): ....... والمُتنبِّىءُ يدَّعي مثل ما يدَّعي النبيُّ، ولا مفزغَ لنا إلاَّ إلى النًظر المفرِّق بين الصَّادق والكاذب في المعجِز والمخرقة، فبطلَ القولُ بالتقليدِ.
ومنها: أن يقالَ: إنَّ مقالتكم هذه إذا دعوتم إليها مَنْ خالفَكم فيها بدليل ونظر، فإن دعاكم إلى مقالتِه فقال: أنا أدعوكم إلى مقالتي، ولستُ في دعائي لكم خارجاً عن معتقدِكم، بل أدعوكم إلى التقليدِ الذي هو طريقٌ لإصابةِ الحقِّ عندكم، ما الذي يكون جوابُكم؟ فلابدَّ من أحدِ أمرين: إمَّا وقوفكم وإيَّاه موقفا واحداً، أو عدولكم إلى بيانِ ما يوجبُ اتباعَه لكم دون اتباعِكم له، ولايحصلُ ذلك إلا بدليلٍ يصدر عن نظرٍ واستدلالٍ.
стр. 2348
ومنها: أنْ يقال: هل مقالتكم هذه بنَفْي النَظر لاتخلو أن تكون عن ضرورةٍ، فكنا وإيّاكم سواءً في معرفة ذلك كسائرِ الضَّرورات، أو عن نظر، فكيف وقد أبطلتم النَّظر؟
وإن كان تشهّياً وتحكُّماً، فذلك يُسوّي بينكم وبين مخالفكم في القول.
فصل
في شبههم
فمنها: من طريقِ الظواهر: أنَّ الله سبحانه قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فلم يبقَ للرأي والنَّظرِ أثرٌ في الأحكام.
وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فلم يبق للرأي والنظرِ أثرٌ في الأحكام.
وأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا سئلَ عنِ الشَّيءِ توقَّف إلى أن ينزل عليه الوحي، فلو كان النظر طريقاً (١) ...........
ونهى عن الجدال الذي يسلكه أهلُ النَّظر فقال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤].
стр. 2349
وقال النبىَّ ﷺ "مراءٌ في القرآنِ كفرٌ" (١) يقوله ثلاثاً. وقال: "إذا ذكِرَ القدرُ فأمسكوا" (٢). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ -خرج وقومٌ يتجادلون عند حُجْرته وكأنَّ وجهَه يقطر دماً فقال: "يا قوم لاتجادلوا في القرآن، فإنَّما هلكَ الأمم قبلكم بهذا" (٣).
وإذا نهى عن الجدال وهو من أثرِ النظر والبحث، دلَّ على أنَّه ليس بطريقٍ من طرقِ العلمِ، فوجب العدول إلى التقليدِ والتعويلُ عليه.
فصل
في الأجوبةِ عن هذه الطرق
فمنها: أن يقال: قد وردَ في الكتابِ والسُّنة ما يردّ هذا، فمن ذلك: أمرُه سبحانه بالاعتبارِ بقولِه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، فأمرَ بالاعتبارِ ومدحَ على التفكرِ للاستبصارِ، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
стр. 2350
النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الى قوله ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فهذه الآي وأمثالُها حث على النظرِ، وهو التأمُّلُ فيما ابتدعَ من صنائعه استدلالاً على إثباته والتصديق لما جاءت به رسله ممَّا وعد، وتواعد به من البعث بعد الموت، (١ فلما جاء أحدُهم النبيَّ ﷺ بعظمٍ حائلٍ، ففتَّهُ بيده وقال: يا محمد، أيُحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال له: "نعم، يبعث الله هذا ثم يُميتك ثم يُحييك تم يدخلك نار جهنم " (٢). وقال سبحانه ١):
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، وفي قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أتمُّ حجَّةٍ، وأبلغ استدلالٍ (٣)، لأنَّ مبدأ خلقِهْ الأول ترابٌ، وثانيَه ماءٌ مَهين، فإذا كانَ ابتداءُ خلقِه من نطفةٍ قذرة-، لايسوغُ له استبعادُ إعادتِه من رِمَةٍ نَخِرة.
ولما قال الآخر: أتزعم أنَّ الله يُعيدنا من الأرضِ أحياءً؛ قال له: يا أعرابي: أمررتَ بالأرضِ الجُرزِ الميتةِ، وعُدتَ وهي خضراءُ حيَّة تهتزُّ بالنباتِ؛ فقال: نعم، قال: وكذلكَ النّضورُ (٤). وذلكَ عينُ المعنى الذي