← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فمنها: أنَّ الله سبحانَه نصبَ أَدلَّةً على الإثباتِ، وحثَ على النَّظرِ فيها والتأمُّلِ لها، والاستدلالِ بها، وقد ذكِرَ ذلكَ في كثير من آي كتابه العزيزِ مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] إلى قوله: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] (١) ........ وإفساد وتطلّب لأسباب ما يَعرِض في العالَم من الأحوالِ وعللِ الأحكامِ، فهذا من داخل ثم نجد من خارج مذاهب مختلفة وأقاويل متكافئة، فلا طريق لنا إلى معرفة الصَّحيح والفاسد، وتخليصِ الحقِّ من الباطلِ، وتمييزِ ما يجب اعتقادُه، أو يجوزُ ممَّا لا يجبُ أو لا يجوزُ إلاَّ النظرُ والاستدلال. ومنها: ما نجده وجميعُ العقلاء في نفوسهم عند دفع المَضارِّ واختلاف النافع، أو ترجيح أحد الطريقين على الآخر، مثل أن يدفعه العطشُ إلى قصدِ ماءٍ فِى مكانٍ بعَينه، فيجدُ في طريقِ الماء أثرَ الأسدِ، فإنَّه لايفزعُ في توقي أَحْفَز الضررينِ بأبطئهما (٢)، ودفع أَكَدِّهما بأيسرهما، إلا إلى نظره واستدلاله في استخراج الأصوب من ذلك برأيه، أو المشاورة لغيره تقوية لرأيه برأي غيره، وهذا دليلٌ على أنَّ ذلك هو الطريقُ.

стр. 2347

ومنها؛ بيانُ إفسادِ القول بالتقليد: أنَّ التقليدَ إنما هو الرُّجوعُ إلى قولِ الغيرِ، وقد ثبتَ أنَّ الاختلافَ حاصل بين مثبتٍ وناف، وموجب ومسقطٍ، ومحرمٍ ومبيحٍ، فإن قلدَ الكلَّ لم يصحَّ، فإنه لايصحّ أن يكونَ جامعاً بين الإثباتِ والنفي، والإباحةِ والحظرِ. وإن رجعَ إلى قولِ أحدهمِ، فلا وجهَ لتخصيصِ أحدِهم بالتقليدِ له والاتباع مع كون الآخر مساوياً له، فلا بدَّ من نوع ترجيحِ، وذلكَ لا يحصُلُ إلاَّ بالنَّظر الموجِبِ لترجيح قولِ أحدِهما على الآخر، والترجيحُ لايحصلُ في نفسِ من يقلِّده، بل في دليلِه وما أوجب له القولَ بذلك المذهَبِ، وهذا هو النظر الذي ندعوا إليه، ونوقِفُ عِرْفانَ الحقِّ عليه. ومنها (١): ....... والمُتنبِّىءُ يدَّعي مثل ما يدَّعي النبيُّ، ولا مفزغَ لنا إلاَّ إلى النًظر المفرِّق بين الصَّادق والكاذب في المعجِز والمخرقة، فبطلَ القولُ بالتقليدِ. ومنها: أن يقالَ: إنَّ مقالتكم هذه إذا دعوتم إليها مَنْ خالفَكم فيها بدليل ونظر، فإن دعاكم إلى مقالتِه فقال: أنا أدعوكم إلى مقالتي، ولستُ في دعائي لكم خارجاً عن معتقدِكم، بل أدعوكم إلى التقليدِ الذي هو طريقٌ لإصابةِ الحقِّ عندكم، ما الذي يكون جوابُكم؟ فلابدَّ من أحدِ أمرين: إمَّا وقوفكم وإيَّاه موقفا واحداً، أو عدولكم إلى بيانِ ما يوجبُ اتباعَه لكم دون اتباعِكم له، ولايحصلُ ذلك إلا بدليلٍ يصدر عن نظرٍ واستدلالٍ.

стр. 2348

ومنها: أنْ يقال: هل مقالتكم هذه بنَفْي النَظر لاتخلو أن تكون عن ضرورةٍ، فكنا وإيّاكم سواءً في معرفة ذلك كسائرِ الضَّرورات، أو عن نظر، فكيف وقد أبطلتم النَّظر؟ وإن كان تشهّياً وتحكُّماً، فذلك يُسوّي بينكم وبين مخالفكم في القول. فصل في شبههم فمنها: من طريقِ الظواهر: أنَّ الله سبحانه قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فلم يبقَ للرأي والنَّظرِ أثرٌ في الأحكام. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فلم يبق للرأي والنظرِ أثرٌ في الأحكام. وأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا سئلَ عنِ الشَّيءِ توقَّف إلى أن ينزل عليه الوحي، فلو كان النظر طريقاً (١) ........... ونهى عن الجدال الذي يسلكه أهلُ النَّظر فقال: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤].

стр. 2349

وقال النبىَّ ﷺ "مراءٌ في القرآنِ كفرٌ" (١) يقوله ثلاثاً. وقال: "إذا ذكِرَ القدرُ فأمسكوا" (٢). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ النبيَّ ﷺ -خرج وقومٌ يتجادلون عند حُجْرته وكأنَّ وجهَه يقطر دماً فقال: "يا قوم لاتجادلوا في القرآن، فإنَّما هلكَ الأمم قبلكم بهذا" (٣). وإذا نهى عن الجدال وهو من أثرِ النظر والبحث، دلَّ على أنَّه ليس بطريقٍ من طرقِ العلمِ، فوجب العدول إلى التقليدِ والتعويلُ عليه. فصل في الأجوبةِ عن هذه الطرق فمنها: أن يقال: قد وردَ في الكتابِ والسُّنة ما يردّ هذا، فمن ذلك: أمرُه سبحانه بالاعتبارِ بقولِه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، فأمرَ بالاعتبارِ ومدحَ على التفكرِ للاستبصارِ، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ

стр. 2350

النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الى قوله ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فهذه الآي وأمثالُها حث على النظرِ، وهو التأمُّلُ فيما ابتدعَ من صنائعه استدلالاً على إثباته والتصديق لما جاءت به رسله ممَّا وعد، وتواعد به من البعث بعد الموت، (١ فلما جاء أحدُهم النبيَّ ﷺ بعظمٍ حائلٍ، ففتَّهُ بيده وقال: يا محمد، أيُحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال له: "نعم، يبعث الله هذا ثم يُميتك ثم يُحييك تم يدخلك نار جهنم " (٢). وقال سبحانه ١): ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، وفي قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أتمُّ حجَّةٍ، وأبلغ استدلالٍ (٣)، لأنَّ مبدأ خلقِهْ الأول ترابٌ، وثانيَه ماءٌ مَهين، فإذا كانَ ابتداءُ خلقِه من نطفةٍ قذرة-، لايسوغُ له استبعادُ إعادتِه من رِمَةٍ نَخِرة. ولما قال الآخر: أتزعم أنَّ الله يُعيدنا من الأرضِ أحياءً؛ قال له: يا أعرابي: أمررتَ بالأرضِ الجُرزِ الميتةِ، وعُدتَ وهي خضراءُ حيَّة تهتزُّ بالنباتِ؛ فقال: نعم، قال: وكذلكَ النّضورُ (٤). وذلكَ عينُ المعنى الذي

стр. 2351

ضمَّنه الله فِى كتابه، فقال سبحانَه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] (١). ولما قالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، وهذا كلُّه حِجاجٌ وأجوبةٌ واقعة. فأمَّا ما تعلقوا به من الآيات، فإنَّ إتمامَ الدّين إنّما كانَ بالنُّصوصِ والظواهرِ، وما تَضمَّنَها من الأمرِ بالنظرِ والتأمُّلِ في دلائلِ العِبَر، وفي استنباطِ المعاني الضمَّنةِ في النطوقِ وتعديتها إلى المسكوتِ، والدليلُ عليه: سلوكُ أصحابِ رسولِ الله ﷺ -هذه السالكَ بما ظهر منهم عند الحوادثِ من التجاذبِ بكتابِ الله وسنةِ رسوله، وهم أفهمُ بمعانى الكتابِ منا ومنكم، كخلافهم في مسألةِ الجد مع الإخوة، ولفظة الحرام، والخنثى والمعتَق بعضه، والعَوْل، والإكسال والإنزال وغير ذلك. وأما قوله: (١ ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فإنه لم يُرَدْ به: إلى ذات الله وذاتِ رسوله، وإنما الرادُ: إلى

стр. 2352

حكمِ كتاب الله وحكمِ رسولِهِ، وحكمُ ١) الرَّسوِل، يعني سُنَّته، بدليل أنه لايوجدُ الرَّسولُ في كلِّ عصر، وإنَّما الموجودُ سنته، وهذا يعطي الرُّجوعَ إلى ما يوجب في الكتابِ والسُّنَّة، وما ليسَ فيهما فقد صُرِفنا فيه إلى الرَّأي، بدلائلِ الأخبارِ والآثارِ المرويَّةِ في ذلك، ولأنَّ ذلك راجعٌ إلى الأحكامِ الشَّرعيةِ، فأمّا العقليةُ فلها حكمها. وأمّا قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] فإنَّما رجعَ إلى أحكامِ الفقهِ، والأمرُ للعوام، وأهلُ الذِّكرِ: المجتهدون. ولأنَّ السُّؤالَ يعودُ إلى مَنْ ليس معه الآلةُ التي يتوصَّلُ بها، والعقلاءُ كلُّهم في العقلياتِ بمثابةِ المجتهدين في الشَّرعياتِ، لايَسألُ أحدٌ أحداً، ولا يقلِّدُ بعضُهم بعضاً. وأمَّا قولُ النبيِّ ﵊: "إذا ذُكِرَ القضاءُ والقدرُ فأمسكوا (٢) " يعني: عن الاحتجاج بهما على التكليف، مثل قول عمر: ففيمَ العملُ؛ أفنتَّكِل؟ فقال النبيُّ ﷺ :"بل اعملوا وسدِّدوا وقاربوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له" (٣). ونهيه عن الجدلِ في القرآن إنَّما عادَ إلى طلب المناقضةِ والمقابلة، ولهذا

стр. 2353

قال سبحانه: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وإنَّما الجدالُ الذي هو الكفرُ جِدال يتضمَّن المناقضةَ والمقابلة. فصل في شبههم من الاستدلال بغير النَّقل والسَّمع فمنها: أنَّ التقليدَ طريق لمعرفةِ الأحَكاَمِ الشرعيةِ، فجازَ أن يكونَ طريقاً لمعرفةِ الأصولِ العقليةِ. ومنها: أنّه لو كان النَّظر طريقاً، لوجب إذا تغيَّر العِلم الذي أثمره أن لايتغير العلم الحاصل عندنا (١ .................... ١) فاسد؛ لأنّه يتضمنُ إثباتَ حكمِ الغائبِ من الشَّاهدِ، وجعلَ الضروري منه أصلاً لما ليس بضروريّ، وانقطاعُ الغائب عن الشَّاهد، والضَّروري عن الاستدلالي يمنع إلحاقَ أحدِهما بالآخر، وأخذَ حكمِ أحدِهما من الآخرِ. ومنها: أنَّ النًظرَ لو كانَ معتَبراً صحيحاً، وطريقاً موصِلاً، لوجبَ أن يتحصَّلَ للكل ويشتركَ فيه جميع العقلاءِ، بدليل المعاييرِ في الكيلِ والوزنِ والذرع والأعداد، فلما لم يَجْتَمِعْ على كونهِ طريقاً ولا معياراً جميعُ العقلاءِ، بَطَل كلُّ مذهبٍ صدرَ عنه، وصار كالحزرِ والتبخيتِ. ومنها: أنَّ القولَ بالنَّظرِ يفضي إلى أنَّ الإنسانَ لاينفكُّ عن فعلِ القبيح واعتقادِ الجهلِ، إنه قبلَ أن ينظر قد يعتقدُ المذهبَ الفاسدَ والشَّكَّ،

стр. 2354

وذلك لاينفكّ منه كلّ عاقلٍ قبل نظرِه، فلا ينفكّ من ذلك إلاّ بما ذكرناه من اعتقادِه بعلمِ الضرورةِ أو تقليدِ مَنْ حصلَ الثقة بقولِه وخبرِه. فصل في الأجوبة عن شبههم أمَّا قياسُهم أُصولَ الدينِ على فروعِه، فهذا نظر منهم، ومن العجبِ استدلالُهم بضربٍ من النَّظرَ على فسادِ النَّظرِ، فإن رَضُوا بالنَّظرِ طريقاً لإفسادِ النَّظرِ، فقد ناقضوا أصلَهم، وأبطلوا مقالتهم، لأنه (١) باطل، لأنَّ مسائلَ الفروع طريقها الظنّ، وإذا قلَّدَ العاميُّ عالماً بطرقِ الاجتهادِ، عدلاً مأموناً جَمَعَ (٢) بين الصِّناعةِ والديانةِ، غلبَ على الظَنِّ إصابة الحكم، فأمَّا أصول الدينِ فإنَّ طريقَها العلمُ القطعيّ، ولهذا يُفسَّقُ ويبدَّع الخالفُ في الأصول دون الفروع. جواب آخر: أن العلم بالفقه لا يحصل للعموم، (٣ ............. ٣) التغير الحاصل، والاختلاف الواقع، فإنه لا يمنع كونَ النَّظر صحيحاً وطريقاً للعلمِ، كما أنَّكم رضيتم هذه الطرَّيقة النَّظريَّة لإفسادِ الَنَّظر، وإنْ وصفتم النَّظر بما وصفتم من سرعة التَّغيير، ووقوع ألاختلاف. وقد أفسدتم أصلكم الذي أصَّلتموه من أنَّ النَّظرَ ليس بطريق، وعدتم تُفسدونَ

стр. 2355

ذلك الأصلَ بتعويلكم على النّظرِ، على أنَّه لاعبرةَ بتقلّبِ أهل المذاهب ولا بمقامهم، فكم من ثابت مقيمٍ على باطل، قال الله تعالى إخباراً عن قومٍ أنهم قالوا: ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وكم من قومٍ رجعوا عن طريقِ الحقِّ إلى الباطلِ، فهذا وأمثالُه لاعبرةَ به، وإنما المعوَّلُ على الأدلَّةِ دونَ اعتقاداتِ الرِّجال، وإنما بَنَوْا هذا على تعويلهم على التقليدِ، والأُنسِ بالغير، والوحشةِ من الوحدةِ في الاعتقادِ، والعاقلُ مَنْ لم توحِشْه الوحدةُ، ولم تؤنِسه الكثرةُ، بل ثقَتُهُ بالدليلِ، وضعفه بعدمِ الدليل. وأمَّا منعُهم من أخذِ حكمِ الغائبِ من الشَّاهدِ، وجعلِ الضَّروري من العلومِ أصلاً للاستدلالي، فإنه مجرَّدُ تحجُّرٍ وتحيُّزٍ بغيرِ دليل، ولأنَّ هذا عينُ النظرِ وحقيقتُه، فكيف (١) يمنعونَ النًظرَ بضربٍ من النًظر؟ ولأنَّ الأدلةَ أبداً تكون حاضرةً شاهدةً، والمدلولات غائبةً، إذ لو كانا شاهدين لم يكن أحدُهما بأوْلى من الآخر، فالغيمُ المُسِفُّ (٢) دلالةٌ (٣ على أنه يكون منه مطر ٣)، وبُدُوُّ العشبِ وابتلالُ الأرض دلالة على غيث كان قد نزل، وتَصاعدُ الدخان دالٌ على أن شيئاً يحترق، وعلى هذا حكم الأدلةِ، فبناء الدار دالٌ على تَقَدَّم وجود بانٍ، وإحكامُها دالٌّ على

стр. 2356

أن (١) بانيها كان حكيماً، ولو كان ما ذكروه صحيحاً لوجبَ أن لايصحَّ الحساب، فإنَّ (٢) العملَ منه إنَّما هو حملُ خفي غامضٍ على جلي واضحٍ، ولما صحَّ ذلك بطَلَ ما استدلوا به على بطلان النَّظر. وأمَّا قولُهم: لو كان صحيحاً لاشتركَ في معرفتِه الكلّ، كالمعاييرِ وسائرِ المقاديرِ من العدد والكيلِ والوزن والمساحةِ، فلا فرقَ بينهما عندنا، فإنَّه إذا كان محقِّقاً فِى الحساب قلَّ أن يُخطئَ المقدارَ مع صحَّةِ الاعتبارِ، وكذلكَ في النَّظرِ والاستدلال. وإن قصَّرَ في الاعتبارِ أخطأ في الموضعين وإن تفاوتا في الرُّتبة، كان أحدُهما أسرعَ حصولاً وأسهلَ طريقاً. وأمَّا دعواهم: بأدتَّ القولَ بالنَّظرِ لاينفكُّ معه الإنسان من فعل القبيح، فليست دعوى صحيحةً؛ لأنَّ ذلك إنما يصيرُ قبيحاً بعد التكليفِ لإصابةِ الحقِّ ونفي الجهل، وذلك إنَّما يكون بعد النَّظرِ، فأمَّا الطالبُ الباحثُ فإنَّه لايقبحُ منه شكٌّ ولا ارتيابٌ حالَ نظرِه إلى أن يعلم، فإذا علمَ، قبُحَ منه الشَكُ والجهلُ. وجوابٌ جامعٌ عن جميع طرقِهم: أنَّ جميعَ ما ذكروه من أخطارِ النَّظرِ فالتقليدُ فيه أخطر، لأنَّا على غيرِ ثقةٍ من قول الغير، فكم من داعيةٍ يدعو إلى باطل، وكم من مستتبعِ لغيرِه على غير بيّنةٍ مما يدعو إليه؟ وكم من مذهبٍ يُظهِرُ ضدَّ ما يعتقده اتقاءَ مخافةِ سلطانٍ، أو عوامَّ، أو ميلاً إلى

стр. 2357

دولةٍ، ومَنْ عرف السَّبرَ كان إلى نظر نفسه أميل، وبه أوثق من الأخبارِ، لما قد تضمنته من الدَّواهي، والانسانُ لايكذب نفسه، ولايألوها نصحاً، وهو من قول غيره على شكِّ أو حُسن ظنٍّ، ومن نَظرَ نفسه عنى تحقيقٍ وقطعٍ. فصل يجوز التعبُّد بالقياس في الشَّرعياتِ عقلاً وشرعاً (١). نصَّ عليه أحمدُ فقال: لا يستغى أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإمام يَردُ عليه الأمرُ - يعني به حدوثَ الحادثةِ- أن يجمعَ لها النْاسَ، ويَقيسَ، ويشبِّه، كما كتب عمرُ إلى شُريح (٢). وكلامُ أحمدَ بالعملِ بالقياسِ كثير مبدَّد في المسائلِ التي نقلها عنه الدَّهماءُ من أصحابه، وجميعُ ما حكي عنه من ذمِّ الرأي إنْما أراد به مع معارضة السُّنة له، لَيجتمع قولاه، يوضِّحُ هذا قولُه في روايةِ أبي الحارث: وما نصنعُ بالرأي وفي الحديثِ غُنيةٌ عنه؟ وبهذا قالَ السَّلفُ من الصَّحابةِ والتابعين، وأنه قد وردَ السَّمعُ بذلك، وأكثر الفقهاءِ الأصوليين. وقال جميعُ الشِّيعةِ وإبراهيمُ النظام وجماعةٌ من المعتزلةِ البغداديين مثل يحيى الاسكافي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب بإحالةِ ورودِ التعبُّد به، وأنَّ الشَّرعَ قد وردَ بحظرِه ومنعهِ.

стр. 2358

وقال بنفيه من الفقهاء أيضاً داودُ بن علىّ الأصفهاني، والقاساني، والنهرباني، والمغربي ومَنْ قال بقولِهمِ. ثم إنَّ الكلَّ منهم افترقوا فرقتين، فقال مَنْ قدَّمنا ذِكرَه من المعتزلةِ البغداديين وغيرهم: إنَّه محال من جهةِ العقلِ ورودُ التعبدِ بالقياسِ في الأحكامِ. وقال داودُ وابنُه ومَنْ صار إلى قولهما: إنه قد كان جائزاً من جهةِ العقلِ ورودُ التعبُّدِ به، لكن لم يَرِدْ بذلك، بل ورد بحظرِه ومنعِه. واختلف المُحِيلون لورود التعبُّدِ به من جهةِ العقل في نسبة إحالة ذلك وعِلته، فقال بعضهم: إنما استحال ذلك لأنه لا يمكن معرفةُ الأحكامِ من جهته، لأنها مبنيَّة على الصالح التي لاتدركُ به، ولا بأمارة تؤدِّيه إلى غلبة الظن. وقال بعضُهم: إنَّما أحاله العقلُ ولم يجوِّزه؛ لأنَّ في القولِ به ما يقتضي وجوبَ الحكم بالتضادِّ الممتنع. وقال بعضُهم: إنَّما لم يَجُزْ، لأنَّه اقتصار على أدون البيانين مع القدرةِ على أعلاهما، وهو النَّصُّ، وذلك محال في صفتِه وحكمته. فالذي ينبغي أن يبدأ به الدلالة على فسادِ مقالاتِهم أوَّلاً، ثم نُتبعُ ذلك بالتقريرِ لورود السَّمع بذلك إنْ شاء الله. فصل في دلائلنا فمنها: أن نقول: إذا جازَ في العقلياتِ أن يثبت الحكمُ في الشَّيءِ

стр. 2359

لعلةٍ، وتعرفُ تلك العلَّةُ بأنها علةُ ذلك الحكمِ بدليلٍ - وهو التقسيم والمقابلة- ثمَّ يقاسُ غيرُه عليه، جازَ أن يثبتَ الحكمُ في المشرَّعياتِ في عينٍ من الأعيانِ بعلةٍ، وينصب على تلك العلَّةِ دليلٌ يدلّ عليها، ثمَّ يقاسُ غيرُه عليه مثاله من العقليات والشرَّعيات، فإذا قسَّمنا في العقليات صفاتِ الحي واستقريناها فلم نجد منها ما يصلحُ أن يعلّل به كونه حياً سوى الحياة، ولا ما يعلّل به كونه عالماً سوي العلم، جعلنا علةَ كلِّ حي لكونِه حياً الحياةَ، وعلَّةَ كلِّ عالمٍ لكونه عالماً العلمَ. وقسَّمنا صفاتِ الخمرِ، فلم نجد ما يصلحُ أن يكونَ علة تحريمها سوى الاشتداد المطربِ، فعَدَّينا الحكمَ إلى كلِّ شرابٍ فيه تلك الشِّدةُ. ومنها: أنَّه لاخلافَ بين العقلاءِ أنَّه يحسنُ ويجوزُ من صاحبِ الشَّرع أن يقول: "لايقضي القاضي غضباناً" (١) لأنَّ الغضب يضلِّل رأيه، ويُعقِم فهمه، فقيسوا على الغضبِ ما كانَ في معناه من كلِّ مضلِّل للرأي مشعِّثٍ للفهم، كالجوع المفرطِ، والعطش، والإعياء المضجر لكثرةِ عملٍ أَوجَبَت تعباً، وحَرَّمتُ عليكم الخمرَ؛ لأنَّه شرابٌ فيه شدَّةٌ مطرِبةٌ تصدُّ عن ذكرِ اللهِ، وتوقعُ العداوةَ والبغضاءَ لتضليلها العقلَ، فقيسوا عليها ما في معناها من كلِّ شرابٍ. فهذا وأمثالُه ممَّا يستبينُ به المعقلُ، ويستحسنُه العقلاءُ، وإذا كان تنقيحُه هكذا، حسُنَ أن ينصَّ على تحريمِ الخمرِ ثمَّ يأذنَ لنا في استخراج

стр. 2360

المعنى ونعدّي حكمَها إلى غيرِها من الأشربةِ، ولو كان هذا محالاً في العقل أو قبيحاً، لما حسُنَ التنصيصُ عليه. ومنها: أنَّه لمْا جازَ أن يأمر بالتوجُّهِ إلى الكعبةِ لمن عايَنَها، جازَ أن ينصبَ عليها دلالةً لمن غابت عنه، بحائلٍ مانعِ، أو بُعدٍ شاسع، ثمَّ يتعبَّدُ باستقبالِ جهتِها بالاستدلالِ بتلك الدلالةِ التي نصبَها. ومنها: أنَّ العاقلَ إذا صدقَ نظرُه واستدلالُه، أدركَ بالأمارات والأدلَّةِ الحاضرةِ المدلولاتِ الغائبةَ، فإذا رأى جداراً قد انشقَّ ومالَ، حكمَ بأنَّه سيهبط، وإذا رأى غيماً كثيراً مُسِفّاً، وهواءً رطباً، حكمَ بأنه سيُمطِر، وإذا رأى إنساناً بيدِه حديدةٌ مخضَّبةٌ بدمٍ خارجاً من بيتٍ فيه مقتولٌ، جازَ منا الحكمُ على أنَّه القاتل بهذه الأمارات، وإنْ جاز أن نخطىءَ في النَّادر. فإذا رأى الشرعَ حَكَمَ بتحريمِ العصيرِ إذا اشتدَّ، وقد كان مباحاً قبل حدوثها، ثم إذا تخلَّلَ أبيح، غلب على ظنِّه أنَّ التحريمَ تابعٌ للشِّدَّة. ومنها: أنَّ في التعبُّدِ به كبيرَ مصلحةٍ لاتحصل إلاَّ بالتعبدِ به، وهي إثابة المجتهدِ على اجتهادِه، وإعمال فكرِه، وبحثه لاستخراخ علَّةِ الحكمِ من المنصوصِ لتعدييه إلى غيرِ المنصوصِ، وذلك نوعُ تكليف باقٍ عليه، وما كان طريقاً إلى الصلحة للمكلَّف، كان وضعه مصلحةً، ولا عاقل يستقبحُ طرقَ الأصلح ولايُحيلها. فإن قيل: لو كانَ الأمرُ على ما ذكرتم، لجازَ أن يخير بينَ الحكمِ بالنَصِّ أو الرأيِ والقياسِ، فلمَّا لم يجز العملُ بالقياسِ مع وجودِ النُّصوصِ، بطلَ ما ادَّعيتموه من حصولِ الأصلح فيه، ومن كونهِ طريقاً إلى معرفةِ

стр. 2361

الأحكامِ الشَّرعية. قيل: هذا لايصحّ لوجوه: أحدها (١): ولِمَ إذا تساويا وجبَ التخييرُ بينهما؟! ولم لايكونان سواءً أو يترتب أحدهما على الآخر، ويكونُ التقديمُ والتأخير لمصلحةٍ يعلمُها، كتقديمِ عبادة على عبادةٍ، وإنْ كانتا (٢) حسنتين، لكن كانَ التقديم لاحداهما هو الأصلحَ، والتأخيرُ للأخرى هو الأصلحَ، وقد جعلَ الأبدالَ في الكفاراتِ مخيَّرةً ومرتبةً، وكانَ جميعُ المخيَّرات متساويةً في الأصلح، والمرتبات كذلك، ولم يفترقا إلا في التَّقديمِ والتأخيرِ، كما أنه قد يعلمُ أنَّ الجمعَ بين الحسنين قبيحٌ، والتخييرَ حسنٌ وليس بقبيح، كذلكَ جاز أن يعلمَ أنَّ التخييرَ بين النصِّ والرأي قبيحٌ، والترتيب بينهما حسنٌ. فصل في شبههم فمنها: أن قالوا: إذا تعبّدنا بالقياس، وغلبَ على الظنِّ تحريم بيع التفاضلِ في البُرِّ لكونه مكيلاً جِنساً، أو مطعوماً، أو قوتاً، أو مالاً، فما وجهُ الصلحةِ في تحريم ما هذه صفته متفاضلاً؟ فيقال لهم: هذا قولُ مَنْ يبعدُ عن فهمِ الكلامِ في هذا البابِ، لأنَّ

стр. 2362

المصالحٍ والألطاف في الأفعالِ التي علينا فيها تكليف، لاتكونُ مصالحَ (١) وألطافا لجنسها، ولا لوجهٍ في العقل يتميَّز وينفصل من غيره بدليل، كما نعلم انفصالَ أحكامِ الأجناسِ وحقائقها بقضيّة العقلِ، وإنَّما يكونُ الفعلُ المتعبَّدُ بتحليلِه أو تحريمِه أو إيجابِه أو الندبِ إليه مصلحةً وداعياً إلى فعل الحسن واجتنابِ القبيح، وليسَ يكونُ كذلكَ لصفةٍ هو في ذاتِه عليها. وقد يكونُ مصلحةً في وقتٍ، وغيرَ مصلحةٍ في غيرِه، وهو في الوقتينِ على جنسِه وصفتِه وذاتِه، وقد يكونُ في الوقتِ الواحدِ مصلحةً لمكلَّفٍ، ومفسدةً لغيرِه على ما هو عليه من جنسِه وذاتِه وصفتِه، ولذلك ربما تختلفُ أحكامُ الشَّرائع، وتختلفُ تكاليفُ العقلاء فيه، فيجبُ على البعضِ منه ما يسقطُ عن غيرِه، وتختلفُ أحكامُ هذه الأَشياء في زمنِ النسخ. وإذا كان كذلك، وجب أن يُقال: إنَّ جهةَ كونِ تحريمِ بيع البُرِّ متفاضلاً مصلحةً، علمُ اللهِ بأنَّنا عند تحريمِ ذلك وكفِّنا عنه نكونُ أقربَ إلى الطاعةِ، وأبعدَ عن المعصيةِ، أو يكونُ نفسُ اعتقادِنا التحريم والانكفاف لأجلِ ذلك الدليل، مصلحةً لنا من حيث إنَّا بنينا على ذلك، وحملنا المقيس عليه، ولا انفصال عن ذلك. ويقالُ لهم: إنَّكم بهذِه الطريقةِ والمطالبة ناقضون لمذهبكم في الأصلح، لأنَّكم قلتم: إنه لايعلمُ الألطافَ والمصالحَ في العباداتِ الشَّرعيةِ الاّ علاَّمُ الغيوب، وإنه لاسبيلَ لأحدٍ من الخلقِ إلى علمِ ذلك، وتقولون: إنَّه لايجوزُ

стр. 2363

أن يُطالَبَ أحد من الخلقِ بعلمِ ما لا سبيلَ إلى علمِه، ثم تطالبونا مع هذا القول بتعريفِكم وجهَ المصلحةِ في تعلُّقِ الأحكامِ بصفاتِ ما حلَّ أو حرُمَ، وهذا تعدِّ منكم ورجوعٌ عن قولِكم. ويقالُ لهم أيضاً: إنَّنا إذا علمنا أنَّ العليمَ الحكيمَ لايتعبَّدُنان إلا بما فيه المصلحةُ، قطعنا أنَّ العباداتِ كلها مصالحُ، وإن لم نعلم وجهَ المصلحةِ في كلِّ واحدةٍ من العباداتِ بعينِه، ولا يكون جهلنا بوجهِ المصلحةِ في كلِّ شيء منها مُخرجاً لنا عن العلمِ بأنه مصلحةٌ في الجملةِ، ألا ترى أنَّ الصِّحةَ والمرضَ، والقوَّةَ والضَّعفَ، والغِنى والفقرَ، وكلَّ ما يفعلُه الله سبحانَه عندكم بالعبدِ، وإن لم يعلم على وجهِ التفصيلِ كونه مصلحةً ومن أي وجه، كان ذلك مصلحةً له. والذي يكشفُ عن صحَّةِ ما قلناه، من أنه ليسَ من شرطِ المعرفةِ بكونِ الشَّيء مصلحةً أن يكونَ وجهُ المصلحةِ فيه معلوماً لنا، بدليلِ أعدادِ الركعاتِ، ومواقيتِ الصلواتِ، فكونُ الرُّكوع واحدأً، والسُّجود اثنتينِ، وتكليف الجوع والعطش في نهار الصوم، والتطيب للجمعة، والشعث للحجِّ، وتحريم العمَّةِ والخالةِ، وتحليل ابنتَيهِما، وتحريم قتل الصيد في الحَرَم والإحرام، والبُدْن في ذبح الهَدْي في الحرم والإحرام، فهذه كلُّها تكاليف فإذا قلنا لكم بأنها مصالحُ، دخلنا معكم في القول بالأصلح فيها، وإن جهلنا وجه الأصلح في كلِّ واحدٍ منها، فيَبْطُلُ ما تعلقتُم به من إبطالِ الأصلح بالجهلِ بوجهِ الأصلح، حتى إنّنا لو أوقفنا التزامَ التكليفِ على معرفةِ وجهِ كلِّ شيء منه في فعلٍ وتركٍ، وإيجابٍ وحظرٍ، لما لَزِمَنا شيء

стр. 2364

من التكليفِ، إذ لا تتحقَّقُ لنا معرفةُ ذلك، وهذا يبطلُ جميعَ التكاليف، وما أدَى إلى ذلكَ باطلٌ. على أني أقولُ: من المنكَرِ قولُ القائلِ: إن الله سبحانَه إنما تعبَّدَ العقلاءَ بالقياسِ لاستخراج جواهرِهم، وامتحانِ آرائهم، وما يعتريهم في ذلكَ من كَلِّ (١) القلوبِ بالأفكارِ، وتَهْذيبِها بالبحثِ والتدقيقِ المؤدي بها إلى الاستبصارِ واستثارةِ عِللِ الأحكام، ومقابلةِ أربابها يحزيلِ الثوابِ، وليرفَعَ الله منازلَ العلماءِ، وهل هذا إلاَّ عينُ الحكمةِ في تكليفِهم؟ كما أنه سبحانَه قسَّمَ منافعَهم الدنيوية بين كلياتٍ تولاَّها لاسبيلَ لهم إلى تحصيلِها، ولا التسبُّبِ إلى تأثير ما يحصلُ عندها، كالرياح والسَّحابِ والأمطارِ وخلقِ الحيوان لأنواع الأغراض، فجرت تلك مجرى النّصوصِ التي لاسبيلَ للعبدِ إلى تحصيلِ الأحكامِ الحاصلةِ بها والصَّادرةِ عنها، وبين جزئياتٍ وكَلَها إلى اكتسابِ خلقِه، واستخراجِها بصفاء نحائزهم (٢) وصحَّة قرائحهم، كالحرثِ والحصادِ والدِّياس، وما يحتاجودت إليه من بناء الأكنان والبيوتِ، ونساجةِ الملابسِ وعملِ الأطعمه لتقريبها من التغذيةِ والتناول، وتركيبات الأدويةِ للأمراض، والجُنُن المانعة من الأذايا، كالدروع وما يقي الحرَّ والبرد من الملابسِ، فجمعَ لهم بين النعمتينِ؛ الكبرى التي تولاها، والصُّغرى التي ألهمهم توليها، وهداهم إلى تحصيلِها بما منحهم من صحَّةِ النحائزِ. وأدوات التحصيلِ من جَودةِ القرائح، وهذا

стр. 2365

دأبُهُ ومَشِيئتُه (١) سبحانَه في جميع الحيوانِ يتولى الأجنَّةَ في ظُلَم الأحشاءِ، بتولي التغذية، وإيصال الغذاءِ، فإذا ظهروا من بطونِ الأمهاتِ، سخرَ لهم القلوبَ للتربيةِ والتغذيةِ، فإذا نهضوا وكَلَهم إلى اكتسابِهم، فما الذي يبعدُ من فعلِه في التكليف؛ كذلك يتولى النُّصوصَ فيما لايتعدى العقلُ إليه، ويَكِلُهم في استخراج المعاني بالمقاييسِ الصَّحيحةِ عن الفطَرِ السَّليمةِ لتحصيلِ الأحكامِ من الحلالِ والحرام. ومنها أن قالوا: وممَّا يدلُّ على إحالةِ التعبُّدِ بالقياسِ، أنَّه لو كانت المعاني المنتزعةُ من الأصولِ أدلةً على ثبوتِ الأحكامِ، وعللاً لها، لم يقف كونُها أدلًةً على ورودِ شيء يتصلُ بها، وحمعِ يُوقِفُ على كونِها أدلةً، كما أنَّ أدلَّة العقلِ لايقفُ كونُها أدَّلةً على شيءٍ سواها، ولا معنىً ينضمُّ إليها، ولا يدلُّ عليها. فيقال: إنها وإن كانت عللاً، فليست عللاً حقيقة ومعنىً، نفى (٢) الحقيقة عنها أنها ليست موجبةً للأحكامِ لأنفسِها وأجناسِها وما هي عليه من الصِّفاتِ من ذواتِها، وإنما تصيرُ أدئة بالوضع والتوقيف، وكذلك وقفُ كونِها على المسمَّى أو الحكمِ بالوضع أو التوقيفِ، وكذلك وقف كونها دليلاً على جعلِ السَّمع لها أدلّةً، فسقط ما قالوه. ومنها أن قالوا: ومما يدلُّ على إحالة التعدية، أنَّه لوصحَّ أن نُدرِكَ

стр. 2366

معرفةَ الحكمِ وثبوتَ المصلحةِ فيه بالقياسِ وطريق الظنِّ، لصحَّ أن نُخْبِرَ عن الغيوبِ، وما يكونُ في المستقبلِ، وأن نُصِيبَ الصِّدقَ فيه بطريقِ القياسِ، ولما لم يجز ذلك، لم يجز استبدالُ علمِ الأحكامِ والمصالح بطريقِ القياسِ. فيقال لهم: إنّ كلَّ شيءِ جعلَ عليه أمارةً أو دلالةً فليسَ من الغيوب، بل الغيبُ ما لا دليلَ عليه، وَانفردَ الله سبحانه بعلمِه، لأنّه لايقفُ علمُه على دليل، فإذا جعلَ الله سبحانَه الاسمَ والمعنى المُودَعَ في النَّصِ أمارةً على ثبوتِ الحكم، ثبتَ كونُهما دلالةً على الحكمِ، وعلى تعلّقِ المصلحةِ بتحريمِ كلِّ ما له ذلك الاسمُ والمعنى، فكذلكَ إذا جعلَ الله سبحانه لنا أمارةً على إصابةِ الصِّدقِ في جميع ما نخبر به، علمنا عند حصولها كوننا صادقين فيما نخبر به، وإذا تعبَّدنا بأن نخبرَ بذلك، عُلِمَ كونُ الصلحةِ متعلقةً في التعبُّدِ بذلك، فلو أنَّنا قدَّرنا قولَه تعالى لإنسانِ: إذا أظلَّك السَّحابُ، أو كَسَفت الشَّمسُ، فأَخبر عمَّا في بطونِ الحوَاملِ، وعن الغيوبِ المستقبَلة، فإنَّكَ لاتخبرُ إلاَّ بالحقِّ والصِّدقِ، لوجبَ أن نعلم بإظلال السَّحاب وكسوفِ الشَّمسِ حصولَ صدقِ ذلكَ الإنسانِ بجميع ما يخبرُنا به من كونِ ما في بطنِ الحاملِ ذكراً أو أنثى، وقدوم زيدٍ الغائب غُرَّةَ الشهر، ومجئ الغيث يومَ السبت، وموت عمرَ يومَ الأحد، وإذا جازَ أن يُجعَلَ إظلالُ السَّحابِ، وكسوفُ الشّمسِ، أمارةً على إطلاعِه سبحانه لبعض النَّاسِ على الغيوبِ التي لا يعلمها سواه، لم لاجاز أن يُجعَلَ بعض الأمارات لمجتهدٍ علامةً على الوقوفِ على حكمِه سبحانَه في الحادثةِ من تحليلٍ أو تحريم؟

стр. 2367

ومنها: أن قالوا: القياسُ فعل القائس، ولا يجوزُ أن يتوصلَ بفعلِه إلى معرفة المصالح. فيقال: لسنا نعرف المصلحةَ بنفس نَصبِ العلَّة، ولا بحملِ الفرع على الأصلِ الذي هو فعل القائس، وإنما نعلمُ ثبوتَ المصلحةِ في ذلكَ بتوقيفه على تعليقه الحكمَ بالعلةِ وقوله: ما وجدتموها فيه فاعلموا أنَّ حكمي فيه كذا وكذا، فنعلمُ المصلحةَ بحكمِ ما حكمَ به، وبكونِ المعنى دلالةً على ثبوتِ الحكم، وفِعْلنا إنَّما هو حملُ الفرع على الأصلِ، والله سبحانَه هو الدَّالُّ على وجوبِه، وهو سبحانَه -على أصلِهم- لا يَتعبَّدُ إلا بما فيه مصلحةٌ، فبطلَ ما قالوه. ومنها: أن قالوا: لو صحَّ أن يتعبَّدَ بالقياسِ في أحكامِ الفروع التي ترد للمصلحةِ، لجازَ أن يتعبَّدَ بإثباتِ الأصولِ وإن كانت من المصالح، فلمَّا لم يجز إثباتُ الأُصولِ به، لم يجز إثباتُ الفروع. فيقال لهم: ومَنِ الذي خبَّركم عنا. بمنع ذلك؟! بل القولُ عندنا في ذلك: أنَّه متى نصبَ لنا أدلَّةً على وجوبِ إثباتِ الحكم في الأصولِ، لآثبتنا صلاةً سادسةً، وحَجَّة ثانيةً، وصومَ شهر آخر، ولكن ليس في شىءٍ من الأصول صفةٌ جُعلَت أمارةً على إثبات أصل آخر، فلذلك امتنعنا، وما ذلكَ إلا بمثابةِ الاجتهادِ في طلبِ القِبْلةِ ثبت في حقِّ البصيرِ؛ لأنه جَعلَ له إلى معرفتها طريقاً، ولم يثبت في حقِّ الضّريرِ حيث لم يَجعلْ له إلى معرفتها طريقاً. لذلك فإنَّ المنعَ من إثباتِ أصلٍ إنَّما كان لعدمِ الطريقِ، لا لكونه أصلاً، ولو عدمنا الطريقَ في الفروع لما أثبتناها إلا بالسَّمع.

стр. 2368

ومنها: أن قالوا: لما ثبتَ أنَّ المصلحةَ في إثباتِ الأصولِ لما لم يصحَّ أنَّ تُعلمَ إلا سمعاً وتوقيفاً، لم يصحَّ أن يُعلمَ ثبوتُ الحكمِ في الفرع وكونُه مصلحةً إلا من هذا الطريق، لأنَّ ما يُعلم جليُّهُ من طريق، وجب أن يُعلَمَ خفيُّه منه، وهذا يوجب أنْ لا يثبت حكمُ الفرع، وتعلُّقُ المصلحة به إلا بالنص. فيقالُ لهم: لِمَ سلمتم أنَّ ما عُلِمَ جليُّه من طريقٍ وجب أنْ يُعلَم خفيُّهُ منه، وما الدليل على ذلك؛ وما أنتم فِى هذا إلا بمثابة مَنْ قال: إذا وجب العلمُ ببعض الموجودات ضرورةً، وجب العلمُ بكلِّ موجودٍ ضرورةً، وإذا عُلِمَ بعضُها بدليل، وجب عِلْمُ جميعها بدليل، لتساوي صفة الوجود في كلِّ موجود، وكذلك يجب إذا عُلِمَ بعض الأمور بدَرْكِ الحاسَّة، أنْ يعلمَ سائرُها من ذلك الطرَّيق. وهذا كلّه باطلٌ، لأنَّ طريقَ العلمِ بوجود الشَّيء لا يجب أن يكون طريقاً للعلم بغيره، وكذلك يجب إذا علم قبح بعضِ المقبَّحات، وحُسْن بعض المحسَّنات عقلاً، والفرائض والعبادات العملية عقلاً وضرورة، وجب أن يكون طريقاً للعلم بحُسْن سائر العبادات، وقُبْح جميع المحظورات بضرورة العقل، وهذا باطلٌ عندهم، لأنَّ منه ما يعلم ضرورةً بطريق العقل، ومنه ما لا يعلم إلا بطريق السَّمع، ولو لم يَرِدْ سمعٌ لما عُلِمَ قبحُ ذلك، ولا حُسنُه، وهذا نقض لكلامهم ظاهر. ثم يقال لهم: إننا لا نَدَّعي علمَ أحكامِ الفروع بقياسنا، وحَمْلِنا الفروعَ على الأصول، وإنما نعلم ذلك يحعل الصِّفة علامةً لنا على إثبات الحكم، فما يثبت الحكم في الفرع بالسَّمع والتوقيف، كما أثبت في

стр. 2369

الأصل بذلك، غيرَ أنَّه مسموع في الأصل، ومستدل عليه في الفرع، وهذا كما نَعلمُ بعض المعلومات العقلية بضرورة العقل وبديهته، ونَعلمُ بعضها بدليله وحجته، وكله معلوم بالعقل، فكذلك نعلم ورود الحكم من الله سبحانه في بعض الأمور سماعاً ونصاً، ونعلمه في بعضها بدليل، وكلّه معلومٌ وثابتٌ بالسَّمع؛ لأنَّ السَّمعَ جعل المعنى أمارة على الحكم، ولو لم يرد ذلك لم يكن علامة تُبْطِلُ ما قالوه كلّه. ويقال لهم أيضاً: إذا كانت العللُ العقلية تُدرَكُ صحتُها ...... والعلم بما أدّت إليه ببنائها على الأصول التي هي العلومُ الضرورية ومردودة إليها، وجب أيضاً أن لاتكونَ علومُ الحواسِّ والضَّرورات طريقاً للعلم بشيءٍ إلا ببنائها على علومٍ اخرى، وكذلك القولُ في أصول أصولها، وإذا لم تجب التسويةُ بين الفروع والأصولِ فِى هذا البابِ، لم يجب ما قالوه. وكذلكَ إذا كنا قد اتفقنا على أنَّ علومَ الضَّرورةِ متناوِلةٌ للمعلوماتِ، بأنفسِها بغيرِ واسطةٍ، وبناؤها على علومٍ سواها، وجبَ أن تكون هذه سبيلَ علومِ النظر التي هي فروعُها حتى نحصِّلَ علوماً متناوِلة للمعلوماتِ، مبتدأة من غير نظرٍ ولا بناءٍ لها على علومٍ هي أصول لها متقدمةٌ عليها، وإذا لم يجب هذا باتفاق، سقطَ قولهم: إنَّ ما به ثبت الأصلُ، هو الذي به يجب ثبوتُ الفرع. على أنَّ أصلَ الكلامِ منهم باطل؛ لأنَّ لكلِّ حقيقةٍ دركاً مخصوصاً،

стр. 2370

بحاسَّةِ السَّمع تُدركُ الأصوات، وبحاسَّة (١) البصر تُدركُ الألوان، ودركُ الطُّعومِ بالذوقِ، ودركُ الرَّوائح بالشَّمِّ، ومعلوم أنَّه لايجوز أن يقالَ: لما كأنا حاسَّة منها تدركُ محسوساً مخصوصاً، يجبُ أن تدركَ غيرَه أو يُدركَ بغيرِها. ومنها: أن قالوا: أجمعَ القائسونَ على أنَّ علةَ الحكمِ المستنبطةِ تحتاجُ إلى دليلٍ، وكونُها تحتاجُ إلى دليلٍ يمنعُ كونَها دليلاً، بل تكونُ بهذه الرتبةِ كالحكمِ، والحكمُ لمَّا افتقر إلى دليلٍ لم يكن دليلاً. فيقال: ليسَ الأمرُ على ما ذكرتُم؛ لأنَّ قولَ الرَّسول لم يثبت كونُه صدقاً إلاَّ بدلالةِ الإعجاز، ولم يكن احتياجُه إلى دليلٍ مانعاً من كونه دليلاً على الأحكام، وكذلك القرآنُ ثبت كونُه صدقاً وكلاماً لله سبحانَه بدليلِ العقل، ومع ذلكَ فهو دالّ على الأحكامِ. وحدثُ الأعراض وأصل ثبوتها إنّما كانَ بدليلٍ، ثم إنَّها في أنفسِها بعدَ ثبوتِها بالدليلِ- الذي لولاه لما ثبتَ العلمُ بوجودِها ولا بحدثها- كأنا دليلاً على حدثِ الأجسامِ، فكلُّ مستدِلِّ بهما عدا علمِ الحسِّ والضَّرورةِ، معلوم بدليلٍ، وإن كانَ دليلاً في نفسه. ومنها: أن قالوا: لابدَّ أن يجعلَ الله للمكلَّفِ طريقاً إلى معرفةِ حكمِه، والقياسُ لا يجوزُ أن يكونَ طريقاً إلى ذلك، بدليلِ أنَّه لابدَّ فيه بإجماع القائسين من علةٍ يقاسُ عليها، والعلَّةُ: صفةٌ أو حكم في الأصل، وهي

стр. 2371

محتملةٌ لتعلُّقِ الحكمِ بها، ومحتملةٌ أن لايتعلق الحكمُ بها، وأن يكونَ الحكمُ في الأصلِ غيرَ معلولٍ أصلاً، أو معلولاً عندَ الله بغيرِ ما ظنه القياسُ عليه، وما يصحُّ فيه هذا التجويزُ والاحتمالُ، لايكونُ دليلاً موصلاً إلى العلم. فيقالُ: إننا متى غلبَ على ظنِّنا أنها علةٌ للتحريمِ أو التحليلِ بالطرد والجريانِ (١)، أو بالتأثيرِ، أو المقابلةِ والتقسيمِ، وجبَ بعد غلبةِ ظننا لذلك، القطعُ على أنها علةٌ للحكم، وصارَ غلبةُ الظنِّ لكونِها علةً، علماً قاطعاً على وجوبِ تحريمِ كلِّ ما وجدت فيهِ من غيرِ شكِّ في وجوبِ ذلك، وأنه حكمُ اللهِ الذي لاحكمَ لله غيرُه، كما لو قال: إذا ظننتَ أنَّ زيداً في الدارِ، ووجدتَ الظنَّ كذلكَ من نفسِك، فقد جعلتَ ظنك لذلكَ علماً على تحريمِ الطعامِ والشرابِ قطعاً عند ظنِّك كونَ زيدٍ في الدار، بتحريمِ ما جُعِلَ ذلك عَلَماً على تحريمه من غير شك وتجويز لخلافِ ذلك، فبَطلَ ما قالوه. فهذا على قولِنا: إنَّ كلَّ مجتهد مصيب، وأمَّا إنْ قلنا: بأنَّ الحقَّ من قولِ المجتهدين في واحدٍ، فلا يمكنُ أن نقولَ: إنَّ ما غلبَ على ظنِّ المجتهدِ هو الحقيقةُ والقطعُ، وإنه حكم الله، وإنَّ ما ظنَّ المجتهدُ أنَّه علةُ الحكمِ هو العلةُ للحكم عند الله، لكنا نقولُ: إنها علةُ الحكمِ في غلبةِ الظنِ، وذلكَ كافٍ في إبطالِ ما تعلَّقوا من الترددِ، وأحكامُ الشَّرع على هذا؛ بدليلِ ما يرويه الواحدُ عن صاحبِ الشَّرع متردِّد، لكن تَرَجُّحُ خَبَرِهِ إلى جانبِ

стр. 2372

الصِّدق لعدالتِه، واجتماع شروطٍ فيه أوجبت غلبةَ الظنِّ، أوجبَ ذلك بناء الحكمِ على قولِه، حظراً كانَ، أو إباحةً، أو إيجاباً. ومنها: أنْ قالوا: لمًا كانت العلَّةُ العقليةُ لايصحُّ تقدمُها على الحكمِ، وكانَ حكمُها لو تأخَّرَ عنها أبطل كونَها علَّةً، وجبَ أن يدلَّ ذلك على فسادِ العلةِ الشَّرعيةِ، لأنَّ حكمَها متأخِّر عنها؛ لأنَّ الشِّدة تكونُ في الخمر، وإنْ لم يكن حراماً قبل الشَّرع، وفي الشَّرع أيضاً قبلَ نزولِ النسخ. فيقال: إنها ليست على الحقيقةِ، ولو كانت موجبةً، كالعقليةِ لم توجد إلاَّ موجبةً لحكمها، وحكمُها مقارنٌ لها غيرُ متأخِّرٍ عنها، وإنَّما هي بمنزلةِ الاسم الذي هو علَمٌ على المسمّى بوضع اللُّغة، كذلكَ هي عَلم على الحكمِ بوضع الشَّرع، وتَخرجُ عن أن تكونَ عَلَماً بالنَّسخ وتكون عَلَماً على الضِّدِّ، وهي بعد أن جعلت علَّةً للحكم، وعلماً عليه لا تزال تدلُّ على الحكم ما دامت مجعولةً علةً، وتكون بعد النسخ وإعدامها عن كونِها علةً كعدم العلم في إعدام كون العالمِ عالماً، وعدم الحركةِ لكون المتحرك متحركاً، فالنسخُ لها كَالإعدام للعللِ العقليةِ، وما دامت موجودةً، فهي مقتضيةٌ للحكمِ اقتضاء العللِ العقليَّةِ. ومنها: أن قالوا: لو كانَ من صفاتِ المحرم والمحلّلِ ما هو علةٌ توجب الجمع بينَه وبين ما لم يذكر في ذلكَ الحكمِ، لوجبَ أن يوجَبَ الجمعُ بينهما في جميع الأحكامِ. فيقال: ما أبعدَ هذا! لأنَّ العلةَ العقليةَ توصاُ الجمعَ بين ما وجدت

стр. 2373

فيهِ فِى الحكم، ولا توجبُ الجمعَ بينهما فِى جميع الأحكامِ، لأنها ليست علَّةً لجميعها، وكذلكَ العلةُ الشَّرعيةُ، وكذلكَ جريانُ الاسمِ المعلقِ به الحكمُ على الشيئين يوجبُ الجمعَ بينهما، ولا يقتضي الجمعَ بينهما في جميع الأحكامِ، فسقط ما قالوه. ومنها: أن قالوا: لو جازَ أن تُجعَلَ بعضُ صفاتِ الأصلِ علة، لم يكن بأن تكونَ علّةً للحكم بأَوْلَى من غيرِها من الصِّفات، وهذا يوجبُ تكافؤَ الأدلّةِ، أو أن تكونَ جميعُ صفاتِ الأصلِ علةً للحكمِ، وذلكَ باطلٌ. فيقال: ليسَ صفةُ الأصلٍ علةً من حيثُ كونُها صفةً، لكن لأجلِ جعلِ الشَّرع لها علةً وعلامة على الحكمِ بطريقِ الاستدلالِ عليها، كما تصيرُ علَّةً له بالنصِّ على أنَّها علة لا لكونِها صفةً، ولا يوجبُ ذلكَ جعلَ صفاتِ الأصلِ كلها علةً، وكما يصيرُ الاسمُ علامةً على الحكم، ولا يجوزُ أن يقال: ليس بعضُ أسماءِ الشَّىءِ بأن يُجعَلَ علةً على تحريمه، بأَوْلَى من بعضٍ إذا كان السَّمع قد جعله عَلَماً على تحريمه، وإذا ثبت هذا فسد ما قالوه. ومنها: أن قالوا: إنَّ في الحكمِ بالقياسِ إيجابَ إثباتِ الخبرِ عن الله ورسوله- ﵊ بقياس، وهذا باطل، لأن الخبرَ عنهما وعن غيرهما لايصح أبداً ثبوته بقياس، والقائل بموجب القياس يتوسَّعُ في خبره عن الله بأنه قد حرَّمَ النبيذَ حيثُ حرَّمَ الخمر، وحرَّم التفاضل فِى الأرز حيث حرَّم التفاضلَ فِى البُرِّ، وهذا تجرُّؤٌ على الله سبحانه.

стр. 2374

فيقال لهم: لسنا نخبرُ عن تحريمِ النَّبيذِ بالقياسِ، بل نخبر بذلك عن إخبار الله لنا بذلك، إذ قامت الدِّلالةُ عندنا على ثبوتِ القياسِ وأنَّه سبحانَه قد تعبَّدَنا به، وجعلَ العلَّةَ التي يستدلُّ عليها هو طريق العلم بصحتها، وغلبة الظن لكونها علة وعلامة، على أنه إذا وجدت فيه فحكمُه كذا وكذا، فكنا حينئذٍ مُخبِرين بإخبارِ الله بتحريمِ الفرع بالخبرِ الذي حرمَ به الأصل، وصارَ ذلك بمثابةِ أن يقول لنا: إذا ظننتم أنَّ زيداً في الدارِ، فاعلموا أنني قد حرمت عليكم الطّعامَ والشَّرابَ والكلامَ، فإننا مع هذا القولِ إذا غلبَ على ظنِّنا كونه في الدارِ، علمنا قطعاً أنَّ الله تعالى قد أخبرنا بتحريمِ ذلك، وكذلك لو قال: إذا علمنا كونَ زيدٍ في الدَّارِ، فاعلموا أنَّ خالداً في المسجدِ، وجبَ متى علمنا أنَّ زيداً في الدارِ أن نعلمَ أنَّ خالداً في المسجد، وكنا مُخبِرين بذلكِ عن إخبارِ الله سبحانه لنا، لا بقياسٍ، ولا بكونِ زيدٍ في الدار. وكذلكَ لو قال النبيُّ ﷺ : إذا تركتُ يدي على رأسي، أو تقلَّدتُ سيفي، فاعلموا أنَّ الله قد حرَّم عليكم كذا وكذا، كان ما نَشْهَدُهُ من تركِ يده على رأسه، أو تَقَلّدِهِ لسيفه، علامةً على أنَّ الله سبحانه قد أخبره بتحريمِ ذلك الذي أشارَ إليه، فنكونُ مُخبِرين بخبره عن اللهِ، لا بتلكَ الأمَارة. وجوابٌ آخر: وهو فيما تعلَّقوا به من هذه الشُّبهات لنفي القياس، إنما هي شُبُهاتٌ لا يجوز أن يكون مثلُها نافياً للقياس، ولا دلالة على نفيه، وفي إبطالِ القياس بمثْل هذا ينقلب عليكم ما ذكرتم، فيقال لكم: إنكم

стр. 2375

تخبرون بذلك عن الله، ولا يجوز الخبر عن الله سبحانه بما هذا سبيله، ولايقطع بمثله على نفي القياس، فنحن فيما أخبرنا عن الله على الوجه الذي ذكرنا بالتحريم أسعد منكم فيما تخبرونَ بهِ عن الله في نفي القياسِ، لأننا نستندُ بذلكَ إلى أماراتِ الرسولِ- ﷺ -وإجماع أصحابهِ بعده، وأنتم مخبرونَ بالمنع من ذلك من غير مستندٍ. ومنها: أن قالوا: إنَّ في إجازةِ القياسِ وتصحيحهِ إيجابَ تكافؤ الأدلةِ، وأن يكونَ حاكماً بالشَّيءِ وضدِّه، ومحرماً لما أحله، وذلكَ محالٌ. وإنما وجب هذا لأنه لا صفةَ يدَّعي بعضُ القائسين أنها (١) علةٌ للتحريمِ، إلا ويجوزُ لغيره أن ينصبَ علّةً تقابلها موجبةً للتحليل، فلا يكونُ قولُ بعضِهم أَوْلى من قولِ بعضٍ، ولاعلةُ أحدهمِ بأن يكونَ الحكمُ متعلِّقاً بها أَوْلى من علّةِ غيرِه، وهذا هو القول بتكافؤ الأدَّلةِ والأحكامِ المتضادَّة، وذلكَ غيرُ جائز على الله سبحانه في شرائعه. فيقال: لسنا نمنع تكافؤ الصِّفاتِ التي ينتزعها المختلفونَ من القائسينِ، وكونُ كلِّ صفةٍ منها دلالةً على تعلّقِ الحكمِ بها في حقِّ من غلَبَ على ظنِّه منهم أنَّ الحكمَ متعلِّق بها دون ما عداها، وأن تكونَ أحكامُ الله تعالى في الحادثةِ وتعليلُ حكمِها مختلفةً في حقوقِ المجتهدين، وفرضُه عليهم في ذلك مختلفٌ، لأن ذلك ليس بمُستبعَدٍ القولُ به، وسنوردُ في ذلكَ ما يقتضيه في موضعِه، حتى إنه إذا تساويا عندَ المجتهد تساوياً يمتنعُ معه

стр. 2376

الترجيحُ، كانَ المجتهدُ مخيَّراً كما خُيِّر المكلَّفُ في بعضِ الكفاراتِ بين ثلاثة أشياء، لمّا تساوت الأعيانُ الثلاثةُ. على أنّا لو سلمنا أنَّ الحقَّ عند الله في واحد وليس كلُّ مجتهد مصيباً، لما كان ما ذكروه دليلاً على ذلك، لأنَّهم توسَّعوا في الدعوى حيث قالوا: لا علَّةَ لبعض القائسين تدلُّ على التحريمِ، إلاَّ ويجوزُ لغيرِه أن ينصبَ علةً موجبةً للتحليل، لأنَّ هذا قولُ من ظَنَّ أنَّ العلل لكلِّ أحدٍ نصبُها بالتشهي، أو أنَّ الله سبحانه لم يجعل لعلَّةِ الحكمِ أمارة تمتازُ بها وتترجح على ما يشتبه على آحاد المجتهدين ويتوهَّمه علَّةً لحكمٍ يضاد ذلك الحكمَ، وليسَ الأمرُ على ما ظنَّه، بل العلَّةُ التي توجبُ حكماً من تحليلٍ أو تحريم لايجعلُ الله سبحانَه لها ما يُضادُّ حكمَها ممَّا يصحُّ به التعليل. وما ذلكَ إلاَّ بمثابةِ اختلافِهم في الحكمِ، وتعلق كلِّ واحدٍ. مما يدعيه نصاً لله أو ظاهراً، وإن كانَ النَّصُّ من الله سبحانه لا يقعُ على حكمين مختلفين إلاّ وأحدُهما رافعٌ للآخرِ ناسخ له. وهذا أصلٌ لنا، وأنَ الله سبحانه لا يجعلُ الأماراتِ على الحكمينِ المختلفينِ متساويةً، ولا بدَّ أن ينصبَ على علَّةِ الحكمِ دلالةً لا ينصبُها على علةٍ أُخرى، فتمتازُ بنصبِ تلكَ الأدلةِ عن توهُّمِ الأُخرى علَّة للحكمِ المضادِّ لحكمِ العلًةِ التي نصبَ عليها الدلالةَ. ومنها: أن قالوا: قدِ اتفقَ العلماءُ على أنَّ اعتمادَ المعصيةِ، وإصابةَ المحظورِ قبيحٌ، وأنَّ الإقدامَ على ما لا يؤمنُ معه مواقعة المحظورِ قبيحٌ أيضاً، حتى إنَّ أكلَ الميتةِ ومباشرةَ الأجنبيةِ قبيحان، والاجتهادَ في مواقعتهما،

стр. 2377

والتحري مع اختلاطهما بالمساليخ المذكاةِ، وبالمملوكاتِ من الاماءِ والزَّوجاتِ، قبيح، وهذه سبيل القائسينَ في الدِّماءِ والفروجِ؛ فإنهم لايأمنونَ مواقعةَ المحظورِ بتجويزِهم الخطأ على القائس، ومحال أن يَتعبَّدَ اللهُ سبحانه بما لا تؤمَنُ معه مواقعةُ الخطأ، كما أنه محالٌ أن يتعبدهم بطريق يُقطَع فيه بمواقعة المحظورِ والخطأ. فيقالُ: إنَّ اللهَ سبحانَه قد بنى الاجتهادَ في الأحكامِ الشَّرعيةِ على أماراتٍ ظنِّيَّةٍ غيرِ قطعيةٍ، ولا مأمونٍ معها إصابةُ الخطأ، فمن ذلك الرجوع إلى خبر الواحد وشهادةِ الشاهدين في الدماء، والفُروج والأَموال والعقود، واللعان بين الزوجين، والتحالفِ بين المتبايعين المختلفين، والاجتهادِ في القِبلةِ عند الاشتباه، والبناء على الأصلِ في الشكوكِ العارضةِ كالشكِّ في الحدث، والشك في إيقاع الثلاثِ وما دونها، أو في أصل الطَّلاق والعتاق. وفي بناء الحكمِ على الأَصلِ تجويزٌ لمباشرةِ الفروج مع عدم الإذن، ونفيهِ الإباحةَ وبقاء الملك؛ لأنَّ البقاءَ على حكمِ الأصلِ لا يوجبُ العلمَ بشىءٍ من ذلكَ، لجوازِ أن تكونَ البيِّنةُ زوراً عند الله، ومع كونِ الشَّرع قد قطعَ على أنَّ أحد المتلاعنين كاذبٌ عند الله، ومع ذلك فقد بنى على هذا التجويزِ إباحةَ الدِّماءِ والأموالِ والفروج، وفسخَ العقودِ، ونقلَ الأملاكِ، لاسيَّما على قولِ مَنْ قال: إنَّ حكمَ الحاكمِ يحيلُ الحظرَ إباحةً، والإباحةَ حظراً، وما منعَ بالعفو عن الخطأ أن (١) ضمَّ إليه أجراً، فقال: "إذا اجتهدَ الحاكم فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ

стр. 2378

فله أجر" (١)، وفارقَ المنعَ من الاجتهادِ في أعيانِ الفروج والمساليخ التي فيها مباح ومحظور، لأنَّ هناكَ عيناً قطعنا على حظرِها، وعيناً اختلطت بها، وفي مسائلِ الاجتهادِ ما قطعنا على عينٍ محظورة، فنحن بالدلائلِ والأماراتِ نستخرجُ حكمَ الله سبحانه. ومنها: قولهم: لوكانَ القياسُ الشَّرعيُّ صحيحاً يجوزُ التَّعبُّد به، وهو لايثبتُ إلاَّ بعدَ ثبوتِ القياسِ العقلي، وهو أصله المردودُ قياس الشَّرع إليه، لوجب أن يجريَ مجرى عللِه المقيسِ عليها، فيجري القياسُ العقليُّ عليه، وقد ثبت أنَّ العلَّةَ العقلية إذا أوجبت حكماً، وجدت مثلها ونظيرها موجباً لذلك الحكم، وقد اتفقَ القائمون على أنَّه قد يكون مثلُ علةِ الحكمِ في الشيء غيرَ علة لثبوته في غيره، فوجب لذلك القضاءُ بفَسادها، وبطلانُ القياس عليها. فيقال لهم: إننا لا نثبتُ القياسَ الشَّرعيَّ لثبوتِ القياسِ العقلي، ولا نعلم أنَّ العلَّةَ لتحريمِ الشيءِ وتحليلِه علةٌ لذلك بقَضِيَّةِ العقلِ بضرورتِه ودليل فيه، وإنَّما نصَحِّحُ القياسَ الشَّرعي وموجبه بالتوقيف على وجوبِه، ونعلمُ علةَ الأصل علَّةً بحكمةٍ يجعلُها سبحانه لنا عَلَماً على الحكم، ولولا ذلكَ لم يعلم كونُها علةً بما يعلما به كونُ عللِ العقلِ عللاً لأحكامها، وإذا كانَ ذلك كذلك، بطلَ ما بنيتم عليه أكثرَ شبهكم في هذا الباب، فكلامُكم في كثيرٍ منها إنَّما يتوجَّه على القائلين بوجوبِ القياسِ الشَّرعي من جهةِ العقل، فهذا فاسد عندنا بما نبيِّنه بعدُ إن شاء الله.

стр. 2379

على أنَّ ما قلتموه لا يجوزُ بعد ورودِ الشَّرع، والتعبدِ بالقياسِ، وجعلِ الصِّفة علةً للحكم وعلامة على ثبوتِه؛ لأنَّ تجويزَ وجودِها في بعضِ الأعيانِ مع عدمِ الحكمِ نقضٌ لها، سواءٌ كانت منصوصاً عليها أو مستنبطةً مستثارةً، فهو كلامٌ باطلٌ، وإن كانَ كلاماً على مجيزي تخصيصِ العللِ الشَّرعيةِ مع ثبوتِ القياسِ والتعبدِ به، وذلكَ غيرُ جائزٍ على ما نبيِّنه فيما بعدُ إن شاء الله. فإن قيل: لا بدَّ لكم من القول بذلكَ، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحالُه ﷺ وحالُ سائِر المؤمنين متساويةٌ، وقال ﵊ في أُضحِيَّة أبي بُرْدة: "تُجزِئُك ولا تجزئ أحداً بعدك" (١) وجميعُ المكلفين متساوون، ولا معنى يختصّ به النبي ﷺ ولا أبو بردة يوجب إفرادَهما عن جماعة المكلفين المتساوينَ حُكماً. قيل: ليسَ الأمرُ على ما ذكرتم، لأنَّ هذين الحكمين ليسا معلولين، ولا يدلُّ على تعليلهما دليلٌ، وما نقولُ: إنَّ جميعَ أحكامِ الشَّرع معلولةٌ، بل الأكثرُ منها غير معللة، وهذان الحكمان من جملة ما لم يُعلل، ولا عرفنا له علَّةً دلَّ عليها بعضُ الأدلّةِ على العللِ الموجبةِ للتسوية بين النبي ﵊ وبين غيرِه من ألامَّةِ في استباحة الموهوبةِ، ولا بينَ أبي بردةَ وبين غيرِه في الأضحية، وإذا كان كذلك سقطَ ما قالوه.

стр. 2380

على أنه يجوزُ أن تكونَ العلةُ الكرامةَ التي خُصَّ بها، وخَصَّ أبا بردة لأجلِ أنه حَرَصَ على الطَّاعةِ فبادرَ بما كان عنده ثم لم يحل فَسومِحَ كرامة له خاصة. ومنها: أنَّ عللَ الأحكامِ فاسدةٌ لخروجها عن سُنَنِ العللِ العقليةِ، لأنَّ منها ما لا يثبتُ الحكمُ عندكم إلاَّ بمجموع أوصافٍ ينضمُّ بعضُها إلى بعضٍ، وكلٌّ منها على حدته لا يُثبِت الحكم، فالعلل ما استقلت بإيجاب أحكامها، كالحركةِ استقلت بإيجاب حكمها، وهو كون ما قامت به من الأجسام متحرِّكٌ، وكذلكَ السَّوادُ والحياةُ لكونِ المحلِّ حياً. فيقال: قد تكرَّر منَّا القولُ بأنَّها ليست موجبةً، وإنَّما هي أمارةٌ وعلامةٌ على الحكمِ، والأماراتُ والدلائلُ قد تكونُ في كشف ما كانت أمارةً عليه متعاضدةً، كالغيمِ تتعاضدُ أماراتُه من الكثافةِ، والدنوِّ والامتدادِ، وسقوط الجدار بانشقاقه وانتثاره، وكون الأمير في داره بفتح الباب ووقوف البوَّاب وضَجَّة الغِلمانِ إلى ما شاكَلَ ذلك، فهي من هذا القَبيلِ لا من قبيل العللِ الموجبةِ، وقد أَطَلْنا في هذا القول. على أنَّ بعضَ المتكلِّمين من القائلين بالقياس لإثبات الأحكام قد أجاب عن هذا بأن قال: وقد ضربنا في إثبات القياس مثلاً وهو غرق السّفينة، بأنه معلل باعتماد الأثقال فيها، وإذا تعاضد حجر بعد حجر، وقفيز بعد قفيز، فهذا ما أغرقها، إنما حدث غرقُها باجتماع تلك الأثقال إذ لم يكنِ الواحد من الحجارة والقفزان محصِّلاً حكمَ العلة، وهو غرقُ السَّفينة، فمَنْ قال: إنَّ الغَرَقَ حصلَ بالجميع، جعل العلَّة مجموعَ أشياءَ

стр. 2381

وأهلُ الأصول في ذلك على المذهبين، وسنبيِّن ذلك في باب العلل إنْ شاء الله. ومنها: أن قالوا: إنَّ أحكامَ الشَّرع لم تَرِدْ على بناءِ القياسِ العقلي المجمَع على صحَّته، ولا قياسُ الأحكامِ الشَّرعية واردٌ بما توجبه قضية العقل، وعلى تقدير ما فيه من الأحكام، لأنَّ قضيةَ القياس العقلي توجبُ أنَّ كلَّ شيئيْن متماثليْن متساويين فحكمُهما متماثل متفق غير مختلِف، لأنَّ الأحكامَ تَتْبَعُ عللَها، فلا توجب الحركةُ انتقالَ الجسمِ ولُبْثه، ولا السوادُ سوادَ الجسم وكونه أبيضَ، بل السَّواد يوجب كون ما قام به من الأجسام كونه أسود، والبياض يوجب كونه أبيضَ، جئنا إلى عللكم وجدنا أنَّ الشَّرعَ قد وَرَدَ بالتسوية بين حكم المختلف في الصِّفة والمعنى، وبالمخالفة بين حكم المتفقين، بيان ذلك الحيضُ، والنفاسُ، والمنيُّ، والبول، والغائطُ، والمَذي، كلُّها خوارجُ من محل واحدٍ، والحكمُ مختلف في الغُسل وتحريمِ الوطء وإبطالِ الصَّوم، وأباح النظرَ إلى وجه الحُرَّة وهو مجمعُ المحاسنِ، وحرَّم النظر إلى شعرها، وسوَّى بين قتل الصَّيد عمداً وخطأً في إيجابِ الضَّمانِ، وهما مختلفان في الغايةِ، وسوَّى في إيجابِ القتل بين الرِّدَّةِ والزِّنى والقتل، وسوَّى في إيجاب الكفارة بين قتلِ النفسِ والوطءِ في رمضانَ وبين الطهار، وهي أمورٌ مختلفةٌ جداً، ومعلوم أنَّ هذا يبطل الاعتبارَ بالأمثال وتقريبِ بعضها إلى بعض في كلِّ الأحكام، فإنَّ غايةَ ما يمكن المجتهد أن يوجب للمتشابهين اللذين جمع بينهما اجتهاده، حكماً وجده لأحدهما فعدَّاه إلى الشبيه مثلاً، وقد بانَ من وضع الشَّرع أنَّ التساوي لا يوجب حكماً للمتساويين، فلا وجه للعمل بالقياس في

стр. 2382

إثباتِ الأحكام الشَّرعية، ويوضح هذا كون الشدَّة في زمانِ لا توجب تَحريماً ولا مأثماً ولا حدّاً مع كونها تفسد العقل عند التغيرَ بشدة، وفي زمان آخر حرِّمت، وفي عصير العنب كفرت المعتقِد، وفسَّقت الشارب وفي عصير التمر لم توجب ذلك، بخلاف علل العقل التي لا تختلف بمحل ولا زمان. فيقال لهم؛ أمَّا قولكم: إن قياسَ الشَّرع ورد بخلاف حكمِ العقل .... (١) وبناء أحكامه وقياساته فهو إطلاق، باطل، لأنَّه يوهم أنَّه مُحالات العقول، وأنه قد علم بضرورة العقل أو دليله استحالةُ ورود التعبد به. وهذا باطلٌ، وفيه وقعَ الخلافُ، وبالدلالة عليه طولبتم، بل لم يرد السَّمعُ فيه من التعبد به إلاَّ بما يجوز بالعقل ولا يحيله، ولو سلَّمنا أنَّه بما يحيله العقلُ لأجَّلنا ورودَ التعبُّدِ به، ولقطعنا على بطلانِ ثبوته من أَبَى بأنه من اللهِ ، فهذا جواب. وأمَّا قولكم: إنَه قد جمع كثيراً من الأحكام بين المختلفين، وفرَّق، فيها بين المِثلين في الصِّفة، فإنَّه كلامٌ مُطرًّح، لأنَّنا قد بيَّنا فيما سلف أنَّ الصِّفَة التي تكون علةً للحكم، وعلامةَ عليه، لم تكن علَّةً لكونها صفةً نفسية، أو معنويةً، أو صورةً وبُنْية وهيئة، أو حكماً شرعياً في الأصل، وإنَّما يجب أن تكون علَّةً إذا دلَّ الدليلُ على تعلُّقِ الحكمِ بها وكونها أمارةً لوجوبه ودلالة عليها، فإذا ثبت كونُها علًةً مع التعبُّد بالقياس، وجب تعلُّقُ الحكمِ

стр. 2383

بها في كلِّ ما وجدت فيه، وإنِ اختلفَ ذلك في أحكامٍ وصفات أخر، ولو ورد النصُّ بمثل هذا لوجب باتفاقٍ القولُ به والقضاءُ بصحَّته، وأنَّه غيرُ خارج عن قضيةِ العقلِ، لأنه لو قال: حُرِّمت الخمرُ لشدَّتها وصدها عن ذِكْر الله، فأَلْحِقُوا بها كلَّ ما سواها في هذه الصِّفة، لوجبَ إلحاقُ النبيذِ وكلِّ مسكرٍ شديدٍ بها، وإنِ اختلفت أجناسها وهيئاتها (١)، وكذلك لو قال: قد ضربت التكليفَ على العاقل لكونه عاقلاً، لدخل في ذلك الطويلُ والقصيرُ، والأنثى والذكر، والصَّحيحُ والسقيمُ. وهذا هو الذي تقتضيه قضيَّةُ العقل، وقضيةُ علله، لأنَّ الجسمين متى اشتركا في وجودِ الحياة بهما وجب القضاءُ على تساوي حالهما وكونهما حيَّينِ، وإن كان أحدهما قاضياً والآخر تاجراً، أو أحدهما عالماً والاَخر جاهلاً، وإذا اجتمع الجسم والعَرَض في الوجود عن عدم قُضِي لهما بالحدوث، وإن اختلفا من كلِّ وجهٍ، وفيما عدا هذه الصِّفة. وأمثال هذا يكثر ويطول فيمَنْ يقضي بافتراق حكمي الشيئين فيما يوجب افتراقهما، وباجتماعهما فيما يوجب مساواة حكمهما، فبطل بذلك ما قالوه. فإن قيل: فقد يشبه الفرع أصلين متضادَّي الحكمين، أحدهما: حلال، والآخر: حرام، ويُشاركُ كل واحد منهما فِى صفة من الصِّفات يقتضي عند المجتهد الحكمُ فيه بحُكْمِهما جميعاً، فما الذي تَصنعون في ذلك؛ قيل: يكون عندنا مخيَّراً في الحكم بأيِّهما شاء، على ما نبينه من بعدُ إن شاء الله.

стр. 2384

فأمَّا الجواب عن تفصيل ما ذكروه من التفرقة بين المتفق في الصِّفة، والتسوية بين المختلف فيها،- فإنَّه بُعْدٌ منهم، لأنَّنا لانعر علَّة شيء ممَّا ذكروه، ولا ندَّعى لكلِّ حكمٍ علةً، فما نعرف أنَّ العلًةَ في وجوبِ الغُسل من المنيِّ لا يختص كونه خارجاً من مخرج واحد حتى يوجبه من البول بخروجه من مخرجهما، بل لا نعرف لذلك علَّةً فلم يجبِ القياسُ عليه، ولا نعرف علَّةَ التفرقةِ بين النظر إلى وجهِ الحرَّةِ وشعرها، حتى نحمل أحدهما على الآخر، فأمَّا إيجاب الكفارة في القتلِ والظِّهار والحنث في اليمين، وأمثال ذلك من إيجاب القتلِ بالقتل والرِّدَّة والزِّنى والإحصانِ، فليس بقادحِ في القياسِ؛ لأنَّ كلَّ شيء من هذه العاني والأفعال المختلفة علًةٌ لثبوتِ الحكم، نعني بذلك أنَّها علَمٌ على وجوبه، وليس يمتنع أن يجعل الله سبحانه على (١) وجوب الكفّارات علامات مختلفة، ولذلك صحَّ القولُ بالعلتين على ما نذكره من بعدُ إنْ شاء الله. وإنَّما يمتنع اجتماع الأشياء المختلفةِ الأجناسِ في إيجاب حكمٍ عقلي لأجل أنَّ موجبه من العلل يوجب حُكمَه وما هو عليه من الصِّفة في ذاته، وإنْ كان الله سبحانه خلقه وجعله موجباً للحكم، كما أنَّه قد جعل الشِّدَّة علامةً على تحريم الخمر، وكلاهما مجعولان من قِبَلِه تعالى على هذا الوجه، وهذا واضحٌ في فساد ما تعلَّقوا به. وهذه الجُمَلُ التي ذكرناها عن مُحِيلِي التَّعبُّد بالقياس لأجل جهل العباد بالمصالح، وفساد العلل الشَّرعية وإحالة كونها علامةً على الأحكام، كافيةٌ ومنبِّهةٌ على كل ما يعتلّون به

стр. 2385

من جنس ما ذكرنا، ومما لعلنا لم نذكره، وبالله التوفيق. فصل في الكلام على مَنْ أحال التعبُّدَ به لأجل أنه يوجبُ على المكلفين الأحكامَ المتضادة قال هؤلاء: إنما وجب إحالةُ التعبُّد به، لأجل أنه يؤدّي إلى ما لا يصحُّ دخولُه تحت التكليف من إلزام الأحكامِ المتضادَّة، وما ليس في الوُسع والطاقة. قالوا: وبيانُ ذلك: أنَّه قد يتردَّدُ الفرعُ بين أصلين أحدُهما محلَّلٌ، والآخر محرَّم، ويُشبِهُهما، فيوجب شبهُه بالمحلل عند المجتهد كونه حلالاً، ويوجب شبهُه بالمحرَّم كونه حراماً، فيوجب أن يكون حلالاً حراماً. فيقال: إنَّ هذا باطلٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ أكثر القائسين يَمنَعُ من ذلك، ويزعم أنَّه لا بدَّ من ترجيح شَبَهه بأحدِهما، ونحن وكلُّ مَنْ يقول: إنَّ الحقَّ في جهةٍ، وليس كلُّ مجتهدٍ مصيباً على هذا المذهب، وأنَّ الله سبحانه لم يجعل شبهه إلا بأصلٍ واحدٍ: إمَّا حلالاً وإمَّا حراماً، وأمر بالحاقه بذلك الأصل، فلا يجوز أن يُدَّعى أنْه يشبه الأصلين المختلفين أو المتضادين شبهاً واحداً، ومتى عَرَضَ ذلك للمجتهدِ، وَجَبَ عليه أن يجتهدَ في الترجيح، فإنه سيقعُ عليه ويصادفُه، ويَهجُم به الاجتهادُ في النظر على لحوقه بأحدهما، وربَّما قضى بعضُ المجتهدين فلم يعطِ الاجتهادَ حقه، فيَتهم حينئذٍ نفسَه، ويتوفف ولايُقدِم فيه بقضيةٍ ولا فتيا، حتى إنهم اختلفوا، أعني في هذا القبيل في أنَّه يقلِّد غيره، وبما يخصُّه من حكم
следующие страницы →