← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وأهلُ الأصول في ذلك على المذهبين، وسنبيِّن ذلك في باب العلل إنْ شاء الله. ومنها: أن قالوا: إنَّ أحكامَ الشَّرع لم تَرِدْ على بناءِ القياسِ العقلي المجمَع على صحَّته، ولا قياسُ الأحكامِ الشَّرعية واردٌ بما توجبه قضية العقل، وعلى تقدير ما فيه من الأحكام، لأنَّ قضيةَ القياس العقلي توجبُ أنَّ كلَّ شيئيْن متماثليْن متساويين فحكمُهما متماثل متفق غير مختلِف، لأنَّ الأحكامَ تَتْبَعُ عللَها، فلا توجب الحركةُ انتقالَ الجسمِ ولُبْثه، ولا السوادُ سوادَ الجسم وكونه أبيضَ، بل السَّواد يوجب كون ما قام به من الأجسام كونه أسود، والبياض يوجب كونه أبيضَ، جئنا إلى عللكم وجدنا أنَّ الشَّرعَ قد وَرَدَ بالتسوية بين حكم المختلف في الصِّفة والمعنى، وبالمخالفة بين حكم المتفقين، بيان ذلك الحيضُ، والنفاسُ، والمنيُّ، والبول، والغائطُ، والمَذي، كلُّها خوارجُ من محل واحدٍ، والحكمُ مختلف في الغُسل وتحريمِ الوطء وإبطالِ الصَّوم، وأباح النظرَ إلى وجه الحُرَّة وهو مجمعُ المحاسنِ، وحرَّم النظر إلى شعرها، وسوَّى بين قتل الصَّيد عمداً وخطأً في إيجابِ الضَّمانِ، وهما مختلفان في الغايةِ، وسوَّى في إيجابِ القتل بين الرِّدَّةِ والزِّنى والقتل، وسوَّى في إيجاب الكفارة بين قتلِ النفسِ والوطءِ في رمضانَ وبين الطهار، وهي أمورٌ مختلفةٌ جداً، ومعلوم أنَّ هذا يبطل الاعتبارَ بالأمثال وتقريبِ بعضها إلى بعض في كلِّ الأحكام، فإنَّ غايةَ ما يمكن المجتهد أن يوجب للمتشابهين اللذين جمع بينهما اجتهاده، حكماً وجده لأحدهما فعدَّاه إلى الشبيه مثلاً، وقد بانَ من وضع الشَّرع أنَّ التساوي لا يوجب حكماً للمتساويين، فلا وجه للعمل بالقياس في

стр. 2382

إثباتِ الأحكام الشَّرعية، ويوضح هذا كون الشدَّة في زمانِ لا توجب تَحريماً ولا مأثماً ولا حدّاً مع كونها تفسد العقل عند التغيرَ بشدة، وفي زمان آخر حرِّمت، وفي عصير العنب كفرت المعتقِد، وفسَّقت الشارب وفي عصير التمر لم توجب ذلك، بخلاف علل العقل التي لا تختلف بمحل ولا زمان. فيقال لهم؛ أمَّا قولكم: إن قياسَ الشَّرع ورد بخلاف حكمِ العقل .... (١) وبناء أحكامه وقياساته فهو إطلاق، باطل، لأنَّه يوهم أنَّه مُحالات العقول، وأنه قد علم بضرورة العقل أو دليله استحالةُ ورود التعبد به. وهذا باطلٌ، وفيه وقعَ الخلافُ، وبالدلالة عليه طولبتم، بل لم يرد السَّمعُ فيه من التعبد به إلاَّ بما يجوز بالعقل ولا يحيله، ولو سلَّمنا أنَّه بما يحيله العقلُ لأجَّلنا ورودَ التعبُّدِ به، ولقطعنا على بطلانِ ثبوته من أَبَى بأنه من اللهِ ، فهذا جواب. وأمَّا قولكم: إنَه قد جمع كثيراً من الأحكام بين المختلفين، وفرَّق، فيها بين المِثلين في الصِّفة، فإنَّه كلامٌ مُطرًّح، لأنَّنا قد بيَّنا فيما سلف أنَّ الصِّفَة التي تكون علةً للحكم، وعلامةَ عليه، لم تكن علَّةً لكونها صفةً نفسية، أو معنويةً، أو صورةً وبُنْية وهيئة، أو حكماً شرعياً في الأصل، وإنَّما يجب أن تكون علَّةً إذا دلَّ الدليلُ على تعلُّقِ الحكمِ بها وكونها أمارةً لوجوبه ودلالة عليها، فإذا ثبت كونُها علًةً مع التعبُّد بالقياس، وجب تعلُّقُ الحكمِ

стр. 2383

بها في كلِّ ما وجدت فيه، وإنِ اختلفَ ذلك في أحكامٍ وصفات أخر، ولو ورد النصُّ بمثل هذا لوجب باتفاقٍ القولُ به والقضاءُ بصحَّته، وأنَّه غيرُ خارج عن قضيةِ العقلِ، لأنه لو قال: حُرِّمت الخمرُ لشدَّتها وصدها عن ذِكْر الله، فأَلْحِقُوا بها كلَّ ما سواها في هذه الصِّفة، لوجبَ إلحاقُ النبيذِ وكلِّ مسكرٍ شديدٍ بها، وإنِ اختلفت أجناسها وهيئاتها (١)، وكذلك لو قال: قد ضربت التكليفَ على العاقل لكونه عاقلاً، لدخل في ذلك الطويلُ والقصيرُ، والأنثى والذكر، والصَّحيحُ والسقيمُ. وهذا هو الذي تقتضيه قضيَّةُ العقل، وقضيةُ علله، لأنَّ الجسمين متى اشتركا في وجودِ الحياة بهما وجب القضاءُ على تساوي حالهما وكونهما حيَّينِ، وإن كان أحدهما قاضياً والآخر تاجراً، أو أحدهما عالماً والاَخر جاهلاً، وإذا اجتمع الجسم والعَرَض في الوجود عن عدم قُضِي لهما بالحدوث، وإن اختلفا من كلِّ وجهٍ، وفيما عدا هذه الصِّفة. وأمثال هذا يكثر ويطول فيمَنْ يقضي بافتراق حكمي الشيئين فيما يوجب افتراقهما، وباجتماعهما فيما يوجب مساواة حكمهما، فبطل بذلك ما قالوه. فإن قيل: فقد يشبه الفرع أصلين متضادَّي الحكمين، أحدهما: حلال، والآخر: حرام، ويُشاركُ كل واحد منهما فِى صفة من الصِّفات يقتضي عند المجتهد الحكمُ فيه بحُكْمِهما جميعاً، فما الذي تَصنعون في ذلك؛ قيل: يكون عندنا مخيَّراً في الحكم بأيِّهما شاء، على ما نبينه من بعدُ إن شاء الله.

стр. 2384

فأمَّا الجواب عن تفصيل ما ذكروه من التفرقة بين المتفق في الصِّفة، والتسوية بين المختلف فيها،- فإنَّه بُعْدٌ منهم، لأنَّنا لانعر علَّة شيء ممَّا ذكروه، ولا ندَّعى لكلِّ حكمٍ علةً، فما نعرف أنَّ العلًةَ في وجوبِ الغُسل من المنيِّ لا يختص كونه خارجاً من مخرج واحد حتى يوجبه من البول بخروجه من مخرجهما، بل لا نعرف لذلك علَّةً فلم يجبِ القياسُ عليه، ولا نعرف علَّةَ التفرقةِ بين النظر إلى وجهِ الحرَّةِ وشعرها، حتى نحمل أحدهما على الآخر، فأمَّا إيجاب الكفارة في القتلِ والظِّهار والحنث في اليمين، وأمثال ذلك من إيجاب القتلِ بالقتل والرِّدَّة والزِّنى والإحصانِ، فليس بقادحِ في القياسِ؛ لأنَّ كلَّ شيء من هذه العاني والأفعال المختلفة علًةٌ لثبوتِ الحكم، نعني بذلك أنَّها علَمٌ على وجوبه، وليس يمتنع أن يجعل الله سبحانه على (١) وجوب الكفّارات علامات مختلفة، ولذلك صحَّ القولُ بالعلتين على ما نذكره من بعدُ إنْ شاء الله. وإنَّما يمتنع اجتماع الأشياء المختلفةِ الأجناسِ في إيجاب حكمٍ عقلي لأجل أنَّ موجبه من العلل يوجب حُكمَه وما هو عليه من الصِّفة في ذاته، وإنْ كان الله سبحانه خلقه وجعله موجباً للحكم، كما أنَّه قد جعل الشِّدَّة علامةً على تحريم الخمر، وكلاهما مجعولان من قِبَلِه تعالى على هذا الوجه، وهذا واضحٌ في فساد ما تعلَّقوا به. وهذه الجُمَلُ التي ذكرناها عن مُحِيلِي التَّعبُّد بالقياس لأجل جهل العباد بالمصالح، وفساد العلل الشَّرعية وإحالة كونها علامةً على الأحكام، كافيةٌ ومنبِّهةٌ على كل ما يعتلّون به

стр. 2385

من جنس ما ذكرنا، ومما لعلنا لم نذكره، وبالله التوفيق. فصل في الكلام على مَنْ أحال التعبُّدَ به لأجل أنه يوجبُ على المكلفين الأحكامَ المتضادة قال هؤلاء: إنما وجب إحالةُ التعبُّد به، لأجل أنه يؤدّي إلى ما لا يصحُّ دخولُه تحت التكليف من إلزام الأحكامِ المتضادَّة، وما ليس في الوُسع والطاقة. قالوا: وبيانُ ذلك: أنَّه قد يتردَّدُ الفرعُ بين أصلين أحدُهما محلَّلٌ، والآخر محرَّم، ويُشبِهُهما، فيوجب شبهُه بالمحلل عند المجتهد كونه حلالاً، ويوجب شبهُه بالمحرَّم كونه حراماً، فيوجب أن يكون حلالاً حراماً. فيقال: إنَّ هذا باطلٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ أكثر القائسين يَمنَعُ من ذلك، ويزعم أنَّه لا بدَّ من ترجيح شَبَهه بأحدِهما، ونحن وكلُّ مَنْ يقول: إنَّ الحقَّ في جهةٍ، وليس كلُّ مجتهدٍ مصيباً على هذا المذهب، وأنَّ الله سبحانه لم يجعل شبهه إلا بأصلٍ واحدٍ: إمَّا حلالاً وإمَّا حراماً، وأمر بالحاقه بذلك الأصل، فلا يجوز أن يُدَّعى أنْه يشبه الأصلين المختلفين أو المتضادين شبهاً واحداً، ومتى عَرَضَ ذلك للمجتهدِ، وَجَبَ عليه أن يجتهدَ في الترجيح، فإنه سيقعُ عليه ويصادفُه، ويَهجُم به الاجتهادُ في النظر على لحوقه بأحدهما، وربَّما قضى بعضُ المجتهدين فلم يعطِ الاجتهادَ حقه، فيَتهم حينئذٍ نفسَه، ويتوفف ولايُقدِم فيه بقضيةٍ ولا فتيا، حتى إنهم اختلفوا، أعني في هذا القبيل في أنَّه يقلِّد غيره، وبما يخصُّه من حكم

стр. 2386

الحادثة، أو يكون وقت فرض تعبُّده غَلَبَةَ ظنِّه لقوةِ أحدهما على ما نذكره في كتاب التقليد من بعدُ. وهذا جوابٌ يُبطِلُ ما أصَّلوه من إلزام التضادِّ. جوابٌ آخر: مع التسليم أن التقاوُمَ والموازنةَ على المساواة قد يَقَعُ في مثلِ هذا ويجده المجتهدُ من نفسه أحياناً، فحكمُ اللهِ حينئذٍ تخييرُ المجتهدِ في ذلك بين إلحاقه بأيِّ الأصلين شاءَ، كما يتخيَّر في الكفَّاراتِ بين الأعيان، وتعليقُ الحكم على الواحد المنكَّر مثل قوله للمكلَّف: اقتل مشركاً، أو أعتِقْ عبداً، فيَتَخيَّرُ في قتل أيِّ المشركين شاء، وعِتْق أيِّ العبيد شاء، وهذا لايجيءُ إلا على القول بأنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، وكذلك العاميُّ يقلِّدُ أيَّ العلماء شاء. فصل في القول في مُحيل التَّعبُّدِ به لأجل استحالةِ تَعبُّدِه بالحكم بغالب اَلظنّ مع اَلقدْرة على النصّ وما يُوصِلُ إلى العلمِ فزَعَمُوا أنَّ ذلك لايجوزُ؛ لاستحالَة اقتصارِه بالمُكلَّف على أَدْوَنِ الطريقين والدليلين: وهو القياسُ، مَعَ القدرةِ على أعلاهما: وهو النَّصُّ، وما يَجْرِي مَجْراهُ مما لايَحْتمِلُ إلا معنى واحداً. فأوَّلُ ما يقالُ لهم: ولِمَ زَعَمْتُم أنَّ ذلك محال في صفتِه سبحانه؟ وما دَليلكُم عليه مَعَ الخلافِ الواقع فيه؟ فإن قالوا: لأَنَّ الحُكْمَ بالعِلْمِ اليقينِ أَصلحُ في تدبيرِ الخَلْقِ من إِحالتِهم

стр. 2387

فيه على غالبِ الظنِّ. قيل: ولِمَ زَعَمْتُم أَنَّه لايجوزُ أن يفعلَ بالخلقِ في أَمرِ الدنيا والدينِ إِلا ما هو أَصلحُ الأمورِ لهم؟ وليس هذا من كلامِ الفقهاءِ في شيءٍ. ويقالُ لهم على سبيلِ ما ادَّعَوْه: ومِن أين عَلِمْتُم أنه لابُدَّ أن يكونَ العملُ بموجِبِ النّصوصِ أَصلحَ في تدبيرِ المكلَّفينَ مِن إِحالتِهم في كثيرٍ منها على موجبِ الرَّايِ وغالبِ الظنِّ؟ وما أَنْكَرتم من أنَّه قد عَلِمَ سبحانه أنُّ رَدَّهم فيَ كثيرٍ من ذلك إلى الاجتهادِ وغالبِ الرايِ أَصلح لهم، وأنه لو نَصَّ لهم على كُلِّ حكمٍ بعَينه بم لنَفَرُوا عن طاعتِه، وكان ذلك لُطْفاً في فسادِهم، وأَنَّ في تخفيفِ مِحْنَتِهم وتسهيلِ الأَمرِ عليهم في الرُّجوع إلى الرَّايِ لطفاً في المصلحة، وأَنّه عندَه أَقربُ إلى الوافقةِ والطاعةِ، فلا تجِدُونَ إلى دَفْع ذلك طريقاً. ويقالُ لهم أَيضاً: أَتَزْعُمُونَ أَنَّ غالبَ الرَّايِ والظنِّ بيانٌ للحكم، وعَلَمٌ على وجوبِه، ومصلحةٌ في التكليفِ، وإن كان التعبُّدُ بالرُّجوع إلى مُوجِبِ النصِّ أَبْينَ وأَصلحَ، أَم تَزْعُمُونَ أنَّ غالبَ الظنِّ ليس ببيان للحكمِ، ولا العملَ بموجِبِه مصلحةٌ في الدِّينِ أَصلاً؟ فإِن قيل: بل (١) هو بيانٌ ومصلحةٌ، وإِن كان دون البيان بالنَّصِّ والاسْتِصلاح به؛ فقد أَقَرُّوا بأَنَّ الأَعلى والأَدنى في مَرْتبةِ البيانِ والاستصلاح قد اسْتَوَيا، وهذا إِقرارٌ بعَيْنِ ما أَنْكَرُوه علينا، وتَعلقُوا به.

стр. 2388

ويقالُ لهم أيضاً: إِنَّ الله سبحانه قد رَدَّ نبيَّه ﷺ في كثيرٍ من الأَحكام وأَصحابَ نبيِّه ﷺ إلى طريق الظنونِ بأخبارِ الآحادِ والآراءِ، والاسْتِثارةِ المُصدرةِ للرأيِ، معَ قُدْرتِه على بيانِ جميع ذلك بالنُصوصِ غيرِ المُحتمِلةِ؛ بل بالمُوجِبةِ للقَطْع، فلِمَ مَنَعْتم إِثباتَ الأَحكام إِلا من طريق النُّصوصِ دونَ الأَدِلةِ المُوجِبةِ للظُّنونِ؛ ومعلومٌ أنّه فَسَحَ لنا في العملِ بقولِ الشُّهودِ في الدِّماءِ والأَموالِ والعُقودِ، وهي ظنونٌ، ورَجَّح بالتصَرُّفاتِ والأَيدي واللَّوْث (١)، وكلُّ ذلك أَمارات ظَنِّيَّةٌ لا أَدلَّةٌ قَطعيَّةٌ، وكذلك أَمرُ القِبْلةِ ومواقيتِ الصلواتِ فِى أَيام الغُيومِ وخَفاءِ الأَظِلةِ والأَفْياءِ المُستدَلِّ بها، وَكَلَنا فيه إلى الأَماراتِ، ثم إِنَه قَدَّرَ بعضَ العقوباتِ -وهي الحدودُ- بالنُّصوصِ القاطعة، ثم وَكَلَ إِلينا التعازيرَ للعَبيدِ والزَّوجاتِ عند النُّشُوزِ (٢)، وما دونَ الحُدودِ من عُقوباتٍ، وَكَلَها إلى آراءِ الأَئِمَّةِ، وتلك ظنونٌ متجاذبةٌ، فأَينَ مطالَبتُكم بالقطعيَّاتِ في الأَحكام معَ هذه الأَوضاع الشَّرعيةِ التي لامَحِيصَ لكم عن التَّفَصِّي (٣) عن القولِ فيها بغَلَبَةِ الظنِّ دونَ القطع. فصل مفرد لبيانِ وُرود السَّع بذلك بعدَ فراغِنا من بيان أنَّه طريقٌ فنقولُ وبالله التوفيقُ: إِنَّ النُّقو الصَّحيحةَ عن النبيِّ ﷺ وعن أصحابِه- رضوانُ الله

стр. 2389

عليهم- مُطبقة على استعمالِه في الأَحكام، فالأخْذُ به، والتعويلُ عليه فيما لانَصَّ فيه أَمر مقطوع به. فمِن ذلك: قولُ النبيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عن القُبْلَةِ في حقِّ الصَّائمِ: "أَرَأَيْتَ لو تَمَضْمَضْتَ؟ " (١) فانظر إلى استثارةِ المَعْنى؛ أَنَّ القُبْلةَ الْتِذاذٌ يَحصُلُ بالفَمِ؛ هو مَبْدا الاستثارة للشَّهوةِ التي تَنْتَهي إلى غايةِ الوَطَرِ، وهو الجِماعُ، فكذلك وصولُ الماءِ إلى محل لايحصلُ به الرِّيُّ، وإنَّما يحصلُ به الإحساسُ ببرودةِ الماء الذي هو مَبْدأ ينتهي إلى غايةِ الوَطرِ، وهو الرِّيُّ. وقولُه ﷺ للَّتي سَأَلَتْه عن إِدراك فريضةِ الحجِّ أَباها وهو شيخٌ كبيرٌ لا يَسْتمسِكُ، والحَجِّ عنه: "أَرَأَيْتِ لو كان على أَبيكِ دين؟ " (٢) فهذا في الإِلحاقِ والتًعْدِيَةِ، وتَشْبيهِ الشيءِ بنَظِيرِه، وإفاضةِ حُكْمِه عليه. وإنما استثارَ العانيَ مثل قولِه: "إنما أَنْسَى لأَسُنَّ" (٣) إنما يأتيني (٤) النسيان لأسنَّ التلافي والجبران، "إِنما نَهَيْتُكم عنِ ادِّخارِ لحومِ الأَضاحي لأَجل الدَّافةِ" (٥)، وقال في القُبورِ: "كنت نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ، أَلا فزُورُوها؛ فإنها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرةَ" (٦) "إِذا اسْتَيْقَظَ أَحدُكم مِن نومِه، فلا

стр. 2390

يَغْمِسْ يدَهُ في الإِناءِ، حتى يَغْسِلَها ثلاثاً، فإِن أَحدَكم لا يَدرِي أين (١) تَطُوفُ يَدُه" (٢)، وقال في الصَّيدِ: "فإن وَقَعَ في الماءِ، فلا تَأكُلْ، لعلَّ الماءَ أَعانَ على قَتْلِه" (٣)، "الهِرُّ ليست بنَجِسٍ، إنَّها مِنَ الطوَّافِينَ عليكم والطوَّافاتِ" (٤)، وقال في الجَمْع بين الأُخْتَينِ، والمرأَةِ وبنتِ أُختِها: "فإِنَّكم إذا فَعَلْتم ذلك، قَطَعْتم أَرْحامَكم" (٥)، وسُئِلَ عن ضَاَّلةِ الغَنَمِ، فقال: "هي لكَ، أَو لأَخيكَ، أَو للذِّئْبِ" تقديرُه: فخُذْها؛ لِئَلاَّ تكونَ للذئْبِ، فتَهْلِكَ على رَبِّها وعليك، وقال لَمَّا سُئِلَ [عن] ضَالَّةِ الإِبِلِ: "ما لكَ ولها، معها حِذاؤُها وسِقاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتَأكُلُ الشَجَرَ، فدَعْها حتى يَأنتِيَها ربُّها" (٦)، فأَبانَ بذلك عن عِلةِ الفَرْقِ بينها وبين الغَنَمِ؛ لامتناعِها على الذئابِ، واستقلالِها بتحصيلِ العَلَفِ مِن أَعالي الشَّجرِ إن عَدِمَتْ عُشْباً، وتحصيلِ الماءِ العميقِ بطولِ أَعناقِها المُشبَّهةِ بالسقاءِ، وقوله: "أَقِيلُوا ذوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم" (٧)، "تجاوزوا عن ذَنْبِ السَّخِيِّ" (٨)، "إِنَّه شَهِدَ بَدْراً، وما يُدْرِيكَ

стр. 2391

أَنَّ الله اطلعَ إِلى أَهلِ بَدْرٍ، فقال: اعْمَلوا ما شئْتم، فقد غَفَرْتُ لكم" (١) فنبَّهَ على تأثيرِ مكارمِ الأَخلاقِ وفضائلِ الأَعمال فني إِسقاطِ المؤاخذةِ والمقابلةِ على نَوادرِ الإِساءاتِ وبَوادرِ الخَطايا. ولو تُتُبِّعَ دْلك مِنَ الشَّرع لَطالَ به الكتاب وفيما ذَكرْنا كِفايةٌ للمُنصِفِ، ونَذْكرُ ما جاءَ عن الصَّحابةِ رضوان الله عليهم في ذلك. فصل فِيما جاءَ في استعمال القياس عن أَصحابِ رسول اللهِ، وفزَعِهم إليه عندَ اختلاَفِهم في اَلحوادثِ التي عَرَضَتَ في عصرِهم فيما لم يَردْ فيه سَمع؛ إذ لوكان سَمع، لما وَقع الاختلافُ بينهم فَمِنْ ذلكَ: اختلافهم في لَفْظَةِ الحَرامِ، وتوريث الجَدِّ مع الإخْوَةِ. فبعضهم قاسَ لَفْظةَ الحرامِ على لَفْظةِ الظِّهارِ، وبعضُهم شَبَّهَها باليَمينِ، وبعضهم جَعَلَها طَلاقاً ثلاثاً، وبعضُهم جَعَلَها طَلْقةً بائنةً، وبعضُهم جَعَلَها طَلْقةً رَجْعِيَّةً، وبعضُهم أَوْجَبَ بها كَفارةَ اليَمينَ، ولم يَحْكُمْ بها يميناً (٢). وبعضُهم جَعَلَ الجَدَّ كالأَبِ في إسقاطِ الإِخوةِ والأخواتِ، وبعضُهم

стр. 2392

جَعَلَه كأَحدِ الإِخوةِ، ومَيَّزَهُ عندَ المُزاحمةِ بتوفيرِ السُّدُسِ، وبعضُهم قاسَهُم به، مالم تُنْقِصْه المُقاسمةُ من ثُلُثِ الأَصلِ أو ثُلُثِ الباقي بحَسَبِ المكانِ (١). ومِن ذلك: اختلافُهم في قَدْرِ حَدِّ الشَّاربِ، وقولُ عليّ كَرَّمَ الله وجهَه: ارَاهُ إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرى، فحُدُّوه حدَّ المُفترِي (٢). ومِن ذلك: مُشاورةُ عمرَ ﵁ في التي أَنْفَذَ إليها، ففَزِعَتْ، فأَجْهَضَتْ ذا بَطْنِها، وقولُ عثمانَ وعبدِ الرحمن: إِنَّما أَنت مُؤَدِّبُ، لا نَرى عليك شيئاً، وقولُ علي: أَرى عليك الدِّيَة (٣). ومِن ذلك: اختلافُهم في الإِكسالِ والإِنزالِ، وقولُ علي ﵁: تُراني أَرْجُمُه بالحِجارةِ، ولا أُوجِبُ عليه الاغتسالَ بصاعٍ مِن ماءٍ؟! (٤) ومن ذلك: قولُ ابنِ عباس في مسأَلةِ الجَدِّ: أَلا يَتَّقي الله زيدٌ! يجعلُ ابنَ الابنِ ابناً، ولا يَجْعَلُ أَبَ الأَبِ أباً! (٥) وقولُه في العَوْل: مَن شاءَ باهَلَني، باهَلْتُه، والذي أَحصى رَمْلَ عالجٍ عَدَداً، ما جَعَلَ اللهَ في الفريضةِ نِصْفاً ونِصْفاً وثُلُثاً، ذهبَ المالُ بنِصْفَيه،

стр. 2393

فاُينَ موضعُ الثلُثِ؟ (١) ومِن ذلك: قولُ ابنِ مسعود في بَرْوَعَ بنت واشِقٍ: أَفولُ فيها برَايى؛ فإن يَكُنْ صواباً، فمِنَ الله، وإن يَكُنْ خطأً، فمنِّى ومِنَ الشَّيطانِ (٢). ومِن ذلك: قولُ عمرَ في صَدُقاتِ النِّساءِ: فإِنها لو كانت مَكْرُمةً أَو تَقْوى عندَ اللهِ، لكان أَسْبَقَكم إليها رسولُ الله، فلما قالت له امرأَةٌ: لِمَ تَمْنَعنا ما أَعطانا الله؟ قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، [فقال]: امرأةٌ قالت، فأَصابت. ورُوِيَ: كلُّ أَحدٍ أَفْقهُ مِن عمرَ حتى امرأَة! (٣). ومِنْ ذلك: قولُ أبي بكر الصِّدِّيق- ﵁ في الكَلالَةِ: أَقولُ فيها برايي، فإن يكُنْ صواباً، فمِنَ الله، وإِن يكُنْ خطأً، فمِني ومِنَ الشَّيطانِ، واللهَ ورسولُه منه بَرِيئانِ، الكَلالَةُ، ما عدا الوالِدَ والولَدَ (٤). ومِن ذلك: أنَّه كان مِن رَايِه رضوانُ الله عليه التسوِيَةُ بينَ الناسِ في العطاءِ، حتى قال له عمرُ: أَتَجْعَلُ مَنْ هاجَرَ إلى الله ورسولِه، وتَرَكَ ديارَه وأَمْوالَه، كمَنْ دَخَلَ في الإِسلام كُرْهاً؟! فقال أَبوبكر: إِنهم إِنما أَسْلَمُوا

стр. 2394

وهاجرُوا إِلى الله، فأُجورُهم على الله، وإِنما هذه الدُّنيا مَتاعٌ (١) وكأَنَّ أَبابكر- ﵁ لم يُحِب أن يَجْعَلَ مِنَ العَطاءِ ثمناً للإِيمانِ والهِجْرَةِ وفضائل الأَعمالِ، ووَكَلَ ذلك إلى دَيّانٍ يَسْمُو فِى العطاءِ، ثم لَمَّا صارَ (٢) كُرْسِيُّ الخِلافةِ إلى عمرَ ﵁، فاضَلَ في العطاءِ، وعَلِمَ أَن الله سبحانه قد جَعَلَ الآخِرةَ دارَ الجَزاءِ، وعَجَّلَ في هذه أَصْلَ العطاءِ، بُلْغَةً وإعانةً على ما هم بصَدَدِه مِن نَدْبِ نفوسِهم لِمَا نَدَبُوها، فلَمَّا لم يَمْنَعْ ذلك أَصْلَ العطاءِ- وإِن لم يَكُنْ ثمناً لكن بلاغاً- كذلك الزِّيادة، فكُلٌّ منهما ذَهَبَ إلى وَجْهٍ مِن وجوهِ الرَّأيِ، والمعنى الواضح. ومِن ذلك: أَنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ اشْتَهَرَ عنه أَنَّه وَرَّثَ الجَدَّةَ أمَّ الأُمِّ، ولم يوَرِّثِ الجَدَّةَ أمَّ الأَبِ، فقال له أَنصاريٌّ: لقد ورَّثْتَ امرأَةً مِن ميِّتٍ، لو كانت هي المَيتةَ لم يَرِثْها- يعني: أُمَّ الأمِّ، فإِنَّه ابنُ بِنْتِها- وتَرَكْتَ امرأَةً لو كانت هي الميَتَةَ، وَرِثَ جميعَ ما تَرَكَتْ- يعني: أَن الأَبَ ابنُها-، فلَمَّا سَمِعَ ذلك، أَشْرَكَ بينهما في السُّدُسِ (٣). وهذا أَخْذٌ منهم بالرَّايِ، وتعويلٌ على المعاني المستنبَطةِ المعقولةِ. ومِن ذلك: ما أَجْمَعوا عليه مِنَ الرَّأيِ والاجْتهادِ، وكان المبتدِئ به عمر بن الخطَّابِ ﵁، الذي لم يَزَلْ رأيه موافقاً لِمَا يَنْزِلُ مِن وَحْي الله إِلى نبيِّه في عِدَّةِ قضايا ومواطنَ: [وهو] ما رَآهُ وأَشارَ به من

стр. 2395

تَسطيرِ القرآن في المصاحفِ حِفظاً له عنِ الشّذوذِ، لَمَّا رَأَى القَتْلَ قد اسْتَحَرَّ (١) بقُرَّاء القرآن في قتالِ أَهلِ اليَمامَةِ، وقولُه لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وقولُ أبى بكرٍ: لا أَفْعَلُ، وكيف أَفْعَلُ ما لم يَفْعَلْهُ رسولُ اللهِ؟! وإِحضارُه زَيْدَ بنَ ثابتٍ، وكَراهَةُ زيدٍ ما كَرِهَه أَبو بكر مِن جَمْعِه، وقولُ زيدٍ (٢): فلو كَلفُوني يومَئذ نَقْلَ جبالِ تِهامَةَ، لكان أَهْونَ عليَّ مِن ذلك، ثم شَرَحَ الله صَدْرَ أبي بكر وزيدٍ والجماعةِ إلى راي عُمَرَ (٣)، واتفَقُوا على تَوْريثِ العَمَلِ به. وكان في ذلك أكثرُ المصالح، حيثُ حُفِظَ القرآنُ من الزِّيادةِ والنّقصانِ مِن أَهْلِ الاِلْحادِ، ومعلومٌ أَنه لم يَكُنْ نُفورُهم عن رَايِ عُمرَ إِلا لعَدَمِ النقلِ والسَّمع، ثم اتفَقُوا على مَحْضِ الرَّايِ ومُجرَّدِه. ومن ذلك: ما رَآهُ عثمانُ ﵁ مِن جَمْع الكُلِّ على صَحِيفةِ أَبي بكر ومُصحَفهِ، وأَخْذِه مِن حَفْصَةَ، وضَمانِه لها رَدَّهُ عليها حتى سَمَحَتْ به، وأَخْذِه لجميع المصاحفِ الى كان فيها تَقديم وتَأنخير، وتَأويل وتَفسير، وتَبديل وتَغيير، إِلى غيرِ ذلك من التخليطِ والتَّحريفِ، على قَدْرِ حِفْظِ كاتِبِهِ، وتَحريقِ ذلك، ومُوافقةُ الكُلِّ له على ذلك (٤)، حتى إِنَّه لَمَّا قيلَ فِى فِتْنَتِه: حَرَّاقُ المصاحفِ، قال عليّ رَدّاً على مَنْ عابَهُ:

стр. 2396

واللهِ ما حَرَّقَها إلاَّ عن رَأي من جماعتِنا أَصحاب محمدٍ (١). فكان ذلك مِن فضائلِ عثمانَ ﵁. وإنَّما جَعَل الله سبحانه الرَّايَ طريقاً، وإن كان قادراً على إِنزالِ نُصوصٍ كاشفةٍ لأَحكامِ شريعتِه، ليُظْهِرَ فضائِلَهم التي أَوْدَعَها، وجَواهِرَهم التي مَنَحَها، كما أَبانَ عَمَّا أَوْدَعَه فيهم مِن تَلَقِّي أَثقالِ التكليفِ بحُسْنِ الاستجابةِ ببَذْلِ النُّفوسِ والأَموالِ، وفِراقِ الأَهلِ والأوطانِ، وقَطْع الأَرحامِ فيه، كذلك أَبانَ عن فَضْلِهم في الاجتهادِ والرَّايِ. ومِن ذلك: أَنَّهم ما تَحَرَّجُوا أَنْ ضَرَبُوا لأَحكامِ اللهِ الأَمثالَ، فقالوا في الجَدِّ ما قالوا مِنَ التشْبيهِ بشَجَرَةٍ تَشَعَّثَتْ (٢) أغصانُها، وبنَهْرٍ انْخَلَجَ منه خُلْجانٌ (٣)، وهذا كُلُّه ثِقَةٌ منهم بأَنَّ الرَّايَ طريقٌ من طُرُقِ الأً حكامِ. ومِن ذلك: ما كاتبَ به عمرُ رضى الله عنه في العُشورِ، ونَهْيُه للولاةِ بالعراقِ عن أَخْذِ الخُمورِ، فقال: وَلّوهم بيعَها، وخُذُوا العُشْرَ مِن أَثْمانِها (٤)، وهذا مِن أَفقهِ الفِقْهِ، ومعناه أَخذَه مِن قولِ النبيِّ ﵊ في هَدِيَّةِ بَرِيرةَ ما كانَ تُصدِّقَ به عليها- وكانت الصَّدقةُ تَحْرُمُ

стр. 2397

عليه كتحريمِ الخَمْرِ علينا والرِّبا-، فقال: "هو لها صدقةٌ، ولنا هَديَّةٌ" (١). فأَخَذَ مِن تَغيُّرِ الحكْمِ بالانْتقالِ، تَغيُّرَ حكم أَثمانِ الخمورِ عن أَعيانِها، ونَهَى أَصحابَ رسولِ الله عن قَبْضِها وبيعها، ووَكَلَ ذلك إِلى مَنْ يَعْتَقِدُها مالاً. ومِن ذلك: تَلَوُّمُهم على الصِّدِّيقِ وتَحرُّجُهم مِن قتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، واحْتِجاجُهم بقولِ النبيِّ ﷺ :"امِرْتُ أَن اقاتِلَ النَّاَسَ، حتى يَقُولوا: لا إلهَ إِلا الله، فإِذا قالوها، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأَموالَهم " (٢) وأَجابَهم بالرِّوايةِ، وهو قولُه: أَليس قد قال: "إِلاَّ بحَقِّها"؛! أَوَليستِ الزَّكاةُ مِن حقِّها، والرَّاي بِقوله: أَدَعُ اليومَ لهم الزَّكاةَ، وغداً الصَّلاةَ، فأَحُلُّ الإسلامَ عُرْوَةً عُرْوةً! وقولِه: كيف افَرِّقُ بين ما جَمَعَ الله، والله يقولُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؟! ثم صارَ الناسُ كلُّهم إِلى رَايِه. [و] قولُ عمرَ ﵁ يومَ السَّقِيفَةِ لأَبي عُبيدةَ: امدُدْ يَدَكَ أبايِعْكَ، وقولُ أبي عُبيدةَ له: ما كان لك في الإِسلام فَهَّةٌ (٣) غيرها، تقولُ هذا وأَبو بكر [فينا]! ومُقاوَلتُهم واحتجاجُ كل منهم، هذا يقولُ: مِنا أَمير، ومنكم أَميرٌ، فيقولُ الآخرُ: سَيْفان في غِمْدٍ لا يَجْتمعان أَبداً، فهذا يقولُ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ (٤) أَوْصَانا فيَكم، فقال: "اوصِيكَم بالأنصارِ

стр. 2398

خيراً" وهذا يَدُلُّ على ذَوِي الحِجَا منكم: أَنَّ الأَمْرَ فينا دونَكم؛ إذ لو كان فيكم، لأَوْصاكُم بنا (١). وهذا كُله نَظر واستنباط عندَ عَدَمِ النصِّ. ومِن ذلك: تَصرُّفُ أَبي بكرٍ في الخِلافةِ برَايه، ونصُّه على عُمرَ برَايِه، ومصيرُ الكلِّ إليه، ومُوافقتُهم له، وإنْ لم يَكُن في ذلك نَصّ مِنَ القرآنِ يُتْلى، ولا حديث عن رسولِ اللهِ ﷺ يُرْوى، سوى قولِ أَبي بكر عن رأيِه فيه، ونَظرَه واجتهادِه، فأَمْلى عَهْدَه الذي عَهِدَه مِن لَفْظِه على عثمانَ ﵁: هذا ما عَهِدَ عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ آخِرَ عهدِه بالدُّنيا وقتاً يُسِلمُ فيه الكافِرُ، ويَبَرُّ فيه الفاجِرُ، فأُغْمِيَ عليه، ثم أَفاقَ، فقالَ له: مَنْ كَتَبْتَ؟ قال: عُمَرَ بنَ الخطَّابِ، فقال: أَصَبْتَ ما في نَفْسِي، ولو كَتَبْتَ نفسَك، لكُنْتَ لها مَوضِعاً، ولم يَعْتَرِضْ عليه أَحدٌ فيما رَآهُ (٢). ولَمَّا اعْتَرَضَ عليه اثنانِ، سَمِعَا ما قال فيهما مِن عَدَمِ صَلاحيَّتهما للخِلافةِ، فقال لِطَلْحَةَ لَمَّا قال له: ماذا تقولُ لربِّكَ وقد وَليْتَ علينا فَظّاً غَليظاً؟ فأَغْلَظَ له في القولِ، ثم قال: أَقولُ له: وَلَّيْتُ عليهم خيرَ أهلِكَ (٣). وكان مِمّا قال في ذلك: إني مُستخلِفٌ عليكم عمرَ بنَ الخطَّابِ، فإن

стр. 2399

يَعْدِلْ فذاك ظَنِّي فيه، وإِنْ لم يَفْعَلْ فأَنا منه بريء، والخيرَ أَرَدْتُ (١). ومِمّا قال في ذلك: إِنَّ هذا الأَمْرَ لا يَصْلُحُ إِلاَّ للقَوِيِّ في غير عنْفٍ، اللطيفِ- وروي: الليَنِ- مِن عْير ضَعْف، ومَن صِفَتُه كذا وكذا، وأَطالَ في صفةِ الإمامِ، ثم قال: لا أَعْلَم إلا عُمرَ بنَ الخطابِ، فشاوِرُوا وانطروا في أَمرِكم (٢). وهذ كُلُّه تصريحٌ بالرايِ بعد الارْتياءِ والنظَرِ والاجتهادِ، إذ لم يَكُنْ لهم في ذلك سمعٌ ولا نصٌّ. ومِن ذلك: اختيارُ عُمرَ ﵁ السِّتةَ مِن بينِ أَصحابِ رسولِ اللهِ، وجعلُ الإِمامةِ شورى في النَّفَرِ الذينَ نَصَّ عليهم واقْتَطَعُهم برأيِه (٣). ومن ذلك: ما اشْتَهَرَ عنه فيما عَهِدَهُ إلى أبى موسى رضى الله عنهما: اعْرِفِ الأَشباهَ والأَمثالَ، ثم قِسِ الأُمورَ برايِكَ، ولا يَمْنَعُكَ قضاءٌ قَضَيْتَه بالأَمسِ، راجَعْتَ فيه عَقْلَك، وهُدِيتَ فيه لرُشدِكَ، أَن تَرْجِعَ إلى الحق، فإِنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ مِنَ التَّمادي (٤). فكان يَعْمَلُ بالقياسِ والتمثيلِ، ويَأمُرُ حكامَه بالعملِ بذلك، ولو تُتُبِّعَ ذلك مِن أَقوالِه وأَحوالِه

стр. 2400

وأَحكامِه في أَعيان المسائلِ، لَكَثُرَ. ومِن ذلك: قولُ عثمانَ لعُمَر ﵄ في بعضِ القضايا: إن نَتَّبِعْ رَأيَك أسَدُّ، وإِلى نَتَّبِعْ رَايَ مَن قَبْلَك، فنِعمِ ذو الرايِ كان. وهذا إخبارٌ منه بجوازِ القولِ بالرايِ، ويُومِىءُ أَيضاَ إِلى القولِ إِلى تصويبِ الرَّأيَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، ولو كان فيه دليلٌ قاطعٌ على أَحدِهما، لم يجز تصويبهما (١ولا على ١) باقي الأُمَّةِ إِقراره على تصويبِ قولينِ أَحدُهما خطأٌ مقطوعٌ به. ومِن ذلك: ما رُويَ عن علي وعثمانَ ﵄ أَنَّهما قالا في الجَمْع بين الأختَيْنِ بملْكِ اليَمينِ: أَحَلَّتْهما آيةٌ وحرمتهما آية (٢)، ويَعْنِيان بذلك قولَه تعالى: ﴿أَو ما مَلَكَتْ أَيمانُكم﴾ [النساء:٣]، وقولَه: ﴿واحِلًّ لكُمْ ما وراءَ ذلكُم﴾ [النساء: ٢٤]، ولا بُدَّ أَن يكون لهما في ذلك قولٌ، ولو كان معهما دليلٌ آخَرُ يَقْطَعُ (٣) بوجوبِ الحكمِ بموجِب إِحدى الآيتيْنِ، لم يَجُزْ أَن يقولا: إِدى التحليلَ والتحريمَ في ذلك يَتَعارَضُ، وعندَهما في نَفْي التعارضِ دليلٌ قاطع، فلا يَصِيرُ معتقدُ التعارضِ في ذلك إِلاَّ إلى ما يُوجِبُ غالبَ الظَّنِّ والرَّايِ. ومن ذلك: قضايا عليِّ بنِ أبي طالبٍ كرَّم الله وجهَه، وكان أَكثرَهم

стр. 2401

أَخْذاً بالرَّايِ: فرُوِي أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان يَشُكُّ في قَوَدِ القتيلِ الذي اشْتَرَكَ في قَتْلِه سَبْعَةٌ، فقال له عليّ: يا أَميرَ المُؤْمنينَ، أَرَأَيت لو أَنَّ نَفَراً اشْتَركُوا في سَرِقةٍ، أَلَسْتَ قاطِعَهم؟ قال: نعم، قال: فذلك (١). يعى بقولِه: "فذلك" أَنه مِثْلُه، وهذا قياسٌ وتمثيلٌ. وقال في قَضِيَّةٍ: أَقضي فيها برأيى، فإنْ وافقَ قضاءَ رسولِ الله، وإلا فقَضائِي فَسْلٌ (٢) رَذْلٌ (٣). وقال في أمِّ الولدِ: كنتُ أَرى أَن لا يُبَعْنَ، والآن رَأيى أَن يُبَعْنَ، حتى قال له عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ: رَايك مَعَ الجماعةِ أَحبُّ إِلينا من رأيِك وَحْدَك (٤). وقال في المَرْأةِ التي أَجْهَضَتْ بإنْفاذِ عمرَ إليها: أَمّا المَأثَمُ، فأَرجو أن يكونَ عنكَ زائِلاً، وأَرَى عليك الدّيَةَ، فقال: عَزَمْتُ عليك أَلاّ تَبْرَحَ حتى تَضْرِبَها على قومِك بني عَدِي. يعنى: قَوْمِي (٥). وقال في قتالِ أَهلِ البَصْرةِ وصِفِّينَ ونهْرَوانَ ما دَلَّ على أنَّه برَايه لابسَمْعٍ، وحَلَفَ أَنه ما عَهِدَ إِليه رسولُ اللهِ ﷺ في ذلك عَهْداً، قالَ: إنما هو برايٍ رَأَيْناه، فقال له السَّائلُ: ما بالُنا إِنِ ابْتُلِينا بِقتالٍ غداً؟ قال:

стр. 2402

مَنْ أَرادَ الله بذلك نَفَعَه (١). فقد بانَ بهذه الجملةِ الكافيةِ أَنَّ الصَّحابةَ رضوان الله عليهم مَثَّلُوا الأَحكامَ بغيرِها، وشَبَّهُوها بنَظائرِها، ورَدُّوها إِليها، وذلك مَحْضُ القِياسِ. فقد جَمَعْنا بينَ دلائِلنا على جوازِ التًعبُّدِ به عَقْلاً وشَرْعاً، وبينَ العملِ به إجماعا. فصل في اعتراضاتِهم على ذلك فمِن ذلك: أنَّ هذه كُلها أَخبارُ آحادٍ، وغايةُ ما تُعْطي الظنَّ، ونحن في إِثباتِ أَصلٍ لا نَقْنَعُ في إِثباتِه إلاَّ بأَدِلَّةٍ قَطعِيَّةٍ. ومنها: أَنَّ جميعَها مردودٌ بما رَوَىُ عنِ النبيَّ ﷺ : أنَّه قال: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي فِرَقاً، فأَعظمُهم فِتْنةً الذين يَقِيسُون الأُمورَ بالرَّايِ" (٢). ورَوَى أَبو هريرةَ عنِ النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "تَعْمَلُ هذه الأُمَّةُ بُرْهَةً بكتابِ اللهِ، وبُرْهَة بسُنَّةِ رسولِ الله، وبُرْهَة بالرَّايِ، فإذا فَعَلُوا ذلك، ضَلُّوا وأَضَلُّوا" (٣) وهذا نصٌّ في الذمِّ على العملِ بالقياسِ.

стр. 2403

ومنها: ما رُوِيَ عن أَبي بكرٍ الصِّدِّيقِ أَنه لما سُئِلَ عن الكَلالَةِ، قال: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلّني، وايُّ سَماءٍ تُظِلّني، إذا قلتُ في كتابِ الله برأيي (١)؟ ورُوِيَ عن علي أنَّه قال: لو كان الدِّينُ بالقِياسِ -وزوِيَ: بالرأي-، لكان باطنُ الخُفِّ أَوْلَى بالمسح من ظاهرِه (٢). ورُوي عن عمرَ أنه قال: إِيَّاكم وأَصحابَ الرَّأي؛ فإنْهم أَعداءُ الدِّينِ، أَعْيَتْهُمُ الأَحاديث أَن يَحْفَظُوها، فقالوا (٣) بالرايِ، فضَلّوا وأَضَلُّوا. وقال: إِيَّاكم والمُكايِلَةَ، فسُئِلَ، فقال: المُقايَسَةُ. وعن شُرَيح قال: كَتَبَ إِليَّ عمر، وكنت يومَئِذٍ مِن قِبَلِه: اقْضِ بما في كتابِ الله، فإِن جاءَك ما ليس في كتابِ اللهِ، فاقْضِ بما في سُنةِ رسولِ اللهِ، (٤ فإن جاءَكَ ما ليس في سُنَّةِ رسولِ الله، فاقْضِ بما أَجْمَعَ عليه أهلُ العلم، فإنْ لم تجد فلا عليك ألاَّ تقضي (٥). وعن ابنِ مسعودٍ قال: إِنْكم إِنْ عَمِلْتُم في دينِكم بالقِياسِ، أَحْلَلْتم كثيراً ٤) مما حَرَّم الله، وحَرَّمْتم كثيراً مما حَللَ الله (٦).

стр. 2404

وعنِ ابن عباسٍ: إن الله تعالى قال لنَبيِّهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يَقلْ: بما رَأَيت (١)، ولو جُعِلَ لِأَحَدٍ أَن يَحكُمَ برايِه، لجُعِلَ ذلك لرسولِ الله. وقال: إيَّاكم والمَقاييسَ، فإنما عُبِدَتِ الشمسُ والقمرُ بالمقاييسِ (٢). وعن ابنِ عمرَ: السُّنَّةُ ما سنه رسولُ اللهِ، فلا تَجْعَلِ الرايَ سُنَّةً (٣). فقَابَلُوا بهذا ما ذَكَرْناه عن الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهم. ومنها: قولُ الرَّافِضةِ منهم: وأَنَّى (٤) الثِّقةُ إلى أقوالِ مَن رَوَيْتم عنهم، وقد كَتَمُوا نصَّ رسولِ الله ﷺ على علي ﵁، وتَأَلبُوا على أهلِ بييه، وغَصَبُوهمُ الخِلافةَ، ومَنَعُوا فاطمةَ بنت رسولِ اللهِ إِرْثَها المنصوصَ عليه في كتاب الله بروايةٍ انفردَ بها الواحد، إلى مثل ذلك من أفعالهم المانعة من أن يكون عملهم بالرأي شرعاً، بل ابْتِداعاً منهم، وأَشْنَعوا في ذلك بما ذكروه في الإِمامةِ من أُصول الدِّينِ، وليس هذا موضِعَه، لكن ما ذَكَرْناه كافٍ في البلوغ بما رامُوه مِنَ الطعْنِ الذي لايَقدَح ولا يُؤَترُ. والذي يُشِيرُ إلى ذلك مِن طريقِ الشَّاهدِ لما ذَكَرْناه: أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 2405

قال: "لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَ مَنْ قَبْلَكم، فتَستحِلُّوا محارمَ اللهِ بأَدنى الحِيَلِ، إِنَّ الله إذا حَرَّمَ شيثاً حَرَّمَ ثَمَنَه" (١). وأمَرَ الصَّحابةَ بالمُتْعَةِ، وأَمَرَهم بفَسْخ الحجِّ إِلى العُمرةِ طلباً لفَضْلِ الثمتُّع وتأَسفاً عليه، فقال: "لو استَقبَلْتُ مِن أَمري ما استَدْبَرْتُ، ما سُقت الهَدْيَ، ولجعَلْتُها عُمرةً" لَمَّا قالوا له: أَمَرْتَنا بالفسخ ولم تَفْسَخْ (٢). وهذا عمرُ بنُ الخطابِ فَعَلَ ما خَالَفَ الخَبَريْنِ، فكَتَبَ إلى عامِله (٣ يَنْهاه عن أَخذِ الخمورِ، وقال: وَلُّوهُم ٣) بَيْعَها، وخُذُوا العُشْرَ (٤ من أَثمانِها (٥). وخَطَبَ ﵁ الناسَ، فقال: إن الله رَخصَ لنبيِّه ما شاءَ، وإن نبيَّ اللهِ قد مضى لسَبيلِه، فأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمرةَ كما أَمَرَكم الله (٦). فها هو قد خالف الخَبرَيْنِ ولم يُعوِّلْ ٤) عليهما، ومَنٍ كانت مُخالَفتُه للسّنَنِ كذا، كيف يُوثَق إلى عملِه بالقياسِ، ويُجعَل حُجَّة في الشَّرْع؟

стр. 2406

وأَبو بكر تَنَدَّمَ عندَ الموتِ على أَشياءَ عَدَّدَها، وقال فيما فَعَلَه: وَدِدْتُ أَني لم أَفْعَلْه، ولو كان الرايُ طريقاً للعملِ به، لَمَا تَنَدَّم على ما فَعَلَه به، كما لم يَتَنَدَّمْ على ما عَمِل فيه بكتابِ اللهِ وسُنَةِ رسوله. وقد ذَكَرَ الجاحظُ في (١) كتابِ "الفُتْيا" عن أَبى إِسحاقَ النًظَّامِ مِن ذَمِّ أَصحابِ رسولِ الله ﷺ ، لِمَا حَكَيْنا عنهم من العملِ بالرَّايِ، وتَهَجَّمَ بتَسْخيفِ آرائِهم، ما دَلَّ به على فسادِ عَقْدِه، وسُخْفِ رايه وعَقْلِه، ولم أَحْكِه تَحرُّجاً وتَورُّعاً، ولو كان فيه نوعُ شُبْهةٍ، لحَكَيْتُهَ لأَتَكلمَ عليه، لكني رَأَيْتُه فارغاً مِن حُجَّةٍ وشُبْهةٍ، دالاّ على دَخَلٍ كان في قلبِه، استرْوَحَ به إِلى ذِكرِهم رضوان الله عليهم. فصل في الأَجوبةِ عما تَعَلَّقُوا به مِن شُبَهِهِم فأمَّا قولُهم: إِئها أَخبارُ آحادٍ، فإِنَّ اشتِهارَ ذلك عنهم تَوَاتر، وإن كانت آحادُ القضايا آحاداً في النقلِ، فصارَ كشجاعةِ علي، وسَخاءِ حاتمٍ، وفَصاحةِ قُسٍّ، وفَهاهَةِ باقِلٍ، وبُخلِ مادِرٍ، تَواتَرَ في الجملةِ، وإن كانت جُزئِيَّاتُ أحوالِهم وأَقوالِهم آحاداً، على أَنَّ اصولَ الفِقْهِ لايُطلَبُ لها القَطعِيَّاتُ مِنَ الأَدِئةِ إِذ كأنا إِلى إِثباتِ الأَحكامِ أَقْربَ، وعن أصولِ (٢ الدِّينِ أَبْعدَ، ولهذا لا نُفسِّقُ المُخالِفَ فيها، ولا نُبدِّعُه ...... ٢) فنُقابِلُه بما

стр. 2407

رُويناهُ: مِن أنه مَدَحَ معاذاً، حيثُ قال: أَجتهدُ رَايى (١)، وْقوله: "إِذا اجْتَهَدَ الحاكمُ فأَصابَ، فله أَجرانِ، وإذا اجْتهدَ فأَخطأَ، فله أَجر" (٢)، وقوله: "أَرَأيْتَ لو تَمَضمَضْتَ؟ " (٣)، "أَرَأَيْتِ لو كان على أَبيكِ دَيْن؟ " (٤)، وما رويناهُ عن جماعةِ الصَّحابةِ وآحادِهم، ولا بُدَّ مِنَ الجمع بينَ هذين، فلم يَبْقَ للجَمْع وَجْه، إلَّا أَنَّ أَخبارَنا عادَتْ إِلى إِثارةِ المعاني مِنَ الظواهِرِ والنُّصوصِ لمسائلِ الفُروع، وذَمُّ الرَّايِ وأَهلِه في أَخبارِهم رَجَعَ إلى مَنْ تَرَكَ السُّنَنَ لأَجل الرَّاى؛ ومَن تَرَكَ السَّمعَ للرأيِ مُستحِقّ لِلذمِّ والوَعيدِ، وذلك مِثلُ تَعاطِي اِّلمُعترِضينَ من المُلحِدينَ على قوانينِ الشَّرع، وقولُهم: المَرْاًةُ ضِلْع أَعْوَجُ، والرَّجلُ مُكتسِب، فلِمَ فُضِّلَ عليها في المِيراثِ؟ والبَوْلُ والغائِطُ نَجِسانِ بإجماع، وهما أَخْبس وأكثرُ مِن المَنِيِّ، والمَنِيُّ مُختلَف في طهارتِه، فما بالُهَ يُغسَلُ لخروجه جميعُ البَدَنِ، ويُقْتَنَعُ في الطهارةِ عن الأَخبس بغَسْلِ أَعضاءٍ أَرْبع؟ وما باَلُ الشَّرع يُوجِبُ غَسْلَ الوجهِ واليَديْنِ ومسحَ الراسِ وغَسْلَ الرِّجلَيْنِ مِن خروج الغائطِ والبَوْلِ، ولا يُوجِبُ غسلَ مَخْرَجِهما؟ فهذا وأمثالُه، إذا قاله قائل، واعْتَرَضَ بأمثالِه معترِضٌ قَصْدَ الإزراءِ على الشَّرع، فذاك مارِقٌ مِنَ الدِّين، مُستحِقٌّ الوعيدَ

стр. 2408

بإِجماع المسلمينَ، فأَمَّا الآراءُ التي هي إِلحاق (١. . . . . . . . . .١) وقد تَوأتَرَتِ الأَخبارُ بها عن رسولِ الله ﷺ وأَصحابِه. وأَما ما تَعاطَتْه الرَّافضةُ الجُهّالُ، وحكاه أَبوعثمانَ الجاحظ عن أَبي إِسحاقَ النَّظَّامِ مِنَ الطَّعْنِ في أَصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فقولٌ لا يَتَعَدَّى قائِلَه، دَالٌّ على فسادِ العَقْدِ، وعدم العَقْلِ؛ فإنَّ الله سبحانَه مَدَحَهم بالعدالةِ، فقال: ﴿وكذلك جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وبالرَّافَةِ والرَّحمةِ على أَمثالِهم، والشِّدَّةِ والغِلْظَةِ على الكفَّارِ، وأَثنى عليهم، فالقادحُ فيهم مردودٌ قَولُه في نَحْرِه، ثم يقالُ له: إنَّ هذه المقالةَ عائدةٌ بإبطالِ النّقولِ عن الرَّسولِ، مُعدِمةٌ للثِّقةِ بالنّصوصِ، لأَنَّ القومَ إذا كانوا بصِفَةِ الاستعلاءِ بالظّلْمِ والاستبدادِ بالرأيِ، وكان أهلُ البَيْتِ على التَّقِيَّةِ والكَتْمِ والمُظاهرةِ بالموافقةِ، لم يَبقَ مِنَ الشَّرع على زعمِكم إلاَّ اعتقاداتٌ مكتومةٌ عندَ أَربابِها، تَتلَجْلجُ في الصُّدورِ تموتُ بموت مُعتقدِيها، ولا يعملُ النَّاسُ إلاَّ بما سَمِعوا وشَهِدوا دونَ ما غابَ عنهم، وإذا بَطَلَ النَّقلُ بفسادِ النَّقَلَةِ وكَتْمِ الحَفَظَةِ، تَبِعَ المُعِلَّ للرايِ في الإِبطالِ، فلا سَمْعَ ولا رَأيَ، وما أَفْضى إلى هذا التَّعطيلِ فعاطلٌ في نفسِه. على أننا لو نَزَلْنا في ذلك على الأَشَدِّ، وأَنَّ القومَ ما خَلَوْا من هَفَواتٍ وزَلاَّتٍ، فقد كان منهم في عصرِ رسول الله ﷺ مَنْ أَقْدَمَ على قَذْفِ مَنْ عَظُمَتْ حُرْمةُ قَذفِه كمِسْطَحٍ، ومَن كاتبَ بأخبارِ رسولِ الله ﷺ للمشركين كحاطبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ، ومَن آذى النبيَّ ﷺ بما لا يجوزُ له مِنَ

стр. 2409

القولِ والأَذى، والنبىُّ ﷺ يقولُ: "إِنه شَهِدَ بَدْراً، وما يُدرِيكَ أَنَّ الله اطلَعَ إِلى أَهلِ بَدْرٍ، فقال اعْمَلوا ما شِئْتم، فقد غَفَرْتُ لكم" (١) أما يقولُ ذلك مع الإِقْرارِ (٢)، فلا يَضرُّهم قَدحُ القادح، والظاهِر أنَّه لايكون ذلك على هذا الوجهِ، فلا يَبْقى إِلأ أَنَّ الله يُوَفِّقُهم للاستغفارِ ليُحَققَ المِدْحَةَ لهم. فصل إِذا وَرَدَ النَّصّ على حكمٍ شرعي معللاً، وَجَبَ الحكمُ في غير المَنْصوصِ عليه، إذا وجدَت فيه العِلَّةُ المذكورةُ في النصِّ ، سواءً وَرَدَ النصَّ بذلك قبلَ ثُبوتِ حكمِ القياسِ أو بعدَ ثبوتِه، مثل قولِه: حَرَّمْتُ الخَلَّ لحُموضتِه، وأَبَحْتُ السّكَّرَ لحَلاوتِه. أَشارَ إليه صاحبنا أحمدُ بن حنبلٍ، فقال: لا يجوزُ بيعُ رَطبٍ بيابسٍ إذا كانت الثمَرَةُ واحدةً، واسْتَدَل بنهي النبيِّ ﷺ عن بيع الرّطبِ بالتمرِ (٣). وبهذا قال إِبراهيمُ النَّظامُ والقَاسَانيُّ والنهْرُبِينيّ مِن نفاةِ القياسِ. قال أبو سفيانَ: وإليه كان يشيرُ شيخُنا- يعني: ابد بكر الرازيَّ- في

стр. 2410

احتجاجه بقولِ النبيِّ: "إنما هو دَمُ عِرقٍ، فتَوضَّئِي لكلِّ صلاةٍ" (١) في إيجابِ الَوُضوءِ من الرّعافِ ونحوهِ، وصارَ بمثابةِ قولِه ﷺ : الوُضوءُ مِن كلِّ دَمِ عِرْقٍ. وحَكَاهُ عن الكَرْخِيِّ أيضاً، ولم يُفرِّقْ بين ورُودِ النَّصِّ بذلك قبلَ ثبوتِ حكمِ القياسِ وبعدَه. قال أَبو سفيانَ: وذهبَ بعضُ شُيوخِنا: إلى أَنَّه لا يجبُ أَن يُحكَمَ بما وُجِدَتْ فيه تلكَ العِلَّةُ بحكمِ المنصوصِ عليه قبلَ ثبوتِ حكمِ القياسِ. واختارَ هذا التفصيلَ أَبو سفيانَ، وهو قولُ جعفرِ بنِ حَرْبٍ (٢). واختلفَ أَصحابُ الشافعيِّ: فمنهم مَنْ قال كقولِنا. ومنهم من قال: لايَجِبُ الحكمُ بذلك بما وُجِدَت فيه تلك العِلَّةُ إلاً أنْ يقومَ الدَّليلُ بذلك. وهو قولُ البَصْرِيِّ (٣)، وهو اختيارُ الإِسْفَرايينيِّ (٤) وهذه المقالةُ تُبْنى على العِلَّةِ الواقفةِ على مَحَلِّها، كالثَّمِنيَّةِ في الذًّ هبِ والفِضَّةِ.

стр. 2411

فصِل في أَدِلتنا فمنها: أَنَّ التحريمَ لو كان حكماً لأَجلِ السّكَّرِ وحلاوتِه المختَصَّةِ به، لَمَا كان لقولِه: لأَنه حُلْوٌ، فائدةٌ؛ لأَنَّ الحلاوةَ وصف للسُّكَّرِ لا تُفارِقُه، وكان يكفي قولُه: لا تأكلِ السُّكرَ، والحكيمُ إذا عَلقَ حكماً على مَحَل أَو عَينٍ من الأعيان ذاتِ أَوصاف غيرِ مفارقةٍ لها، كَفاه ذكرُ المَحَل والعَيْنِ، فإذا ذكرَ الصِّفةَ وعَللَ بها، لم يَخْلُ ذكرُه لها من فائدةٍ، ولا فائدةَ بالتعليلِ بالحَلاوةِ إلا التَّعدِيةَ (١) إلى كلِّ حُلْوٍ من سُكَّرٍ وغيرِه؛ إِذ لو كان المَحلُّ أَحدَ وَصْفي العلَّةِ، وكان معناه: لا تَأكُلِ السُّكَّرَ؛ لأنَّ حلاوتَه علَّةُ التحريمِ دونَ حلاوةِ غيرِه، لكان في ذكره كِفايةٌ، لأنَّه يَستَتْبِعُ حلاوتَه المُختصَّةَ به، وكان ذكرُ الحلاوةِ لايُفِيدُ إلاًّ ما أَفادَه النَّصّ. فإن قِيلَ: بل أَفادَ ذكرُ العلَّةِ أَنَّ الحكمَ مُعفلٌ لا بحكمٍ، ولو أَطلق تحريمَ السُّكرِ، لكان تحريمُه بحكمٍ لا مُعللاً، فقد أَفادَ بيانَ التعليلِ بعد أَنْ لم يكُنْ ذلك مُستفاداً بمجرد النَّصِّ، وقد قال الله تعالى: انَّ لَهُ ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: ٧٨] وكان ذلك الحكمُ مقصوراً على بِنْيامِينَ، ولم يَتعَدَّ ذلك إلى الجماعةِ وإِن كانوا أَبناءَ ذلك الشَّيخ الذي بِنْيامِينُ ابنُه، وكذلك يجوزُ أَن تكونَ حلاوةُ السُّكَّرِ خاصَّةً تجلب الحُكم دونَ حَلاوةِ التَّمرِ. قيل: هذا خلافُ الظَّاهِرِ في التعاليلِ كلِّها؛ فإنَّ المعقولَ مِنَ العِلةِ

стр. 2412

اسْتِقلالُها دونَ مَحلِّها، وعقلاءُ العربِ ما نَطَقوا بعلةٍ إِلاَّ وطَرَدُوها في غير المَحَلِّ الذي أَضافُوها إِليه، فإذا قالوا: اضرِبْ هذا العبدَ الأَسْودَ الطَّويلَ؛ لأنَّه يُسِيءُ، اقْتَطَعُوا ذِكْرَ السّوادِ والطّولِ عن التعليلِ بالإِساءَةِ؛ لبيانِ أَنَّ الضَّربَ لإِساءَتِه، فكان ذكرُ السَّوادِ والطولِ للتعريفِ بالإساءة، فيُعقلُ مِن كلامِهم أَنَّ الإِساءَةَ إذا وُجِدَتْ من أَبيضَ قصير، أَوْجَبَت ضَرْبَه بحكمِ التعليلِ، وإِنِ انْعدَمَتْ صِفَتا التَّعريف. فإن قيل: عِلَلُ الشَّرع أَماراتٌ كالأَسماء على المُسمَّياتِ، فلا يَبعُدُ أَنها محلّها إِلاَّ بِدَلالةٍ، وذلك أَنَّه يجوزُ أَن تكَونَ المفسدة في حلاوةِ السُّكَّرِ خاصَّةً، ولا تكونُ المفسدةُ في غيرِه من حلاوةِ تَمْرٍ أو عَسَلٍ، أَلا تَرى أَنَّه قد وَرَدَ بتحريمِ المَيْتَةِ؛ فكان الموتُ علةَ تحريمِ الشَّاةِ والبعيرِ والبقرةِ، ولم يَكُنْ علةً لتحريمِ السَّمكِ والجرادِ، ودم العُروقِ حُرِّم، ودمُ الكَبِدِ لم يُحرَّمْ، فلا يجوزُ والحالةُ هذه أَن يُعدَّى الحكمُ عن محلِّه إِلا بِدَلالةٍ تُوجِبُ التَّعدِيةَ؛ لأَنّنا لا نَأمنُ أَن تكونَ التعديةُ مَفسدةً. قيل: لو أَرادَ ذلك لنصَّ على تحريمِ السُّكَّرِ؛ لأَنَّ السُّكَّرَ جامعُ لذاتٍ في جسمٍ مخصوصٍ بالحلاوةِ، فكانت حلاوتُه تابعةً، فلما أَفْرَد التعليلَ بذكرِه الحلاوةَ، أَوْجَبَ ذلك إِعمالَ التعليلِ، كما أَوْجَبَ إعمالُ ذكرِ المَيْتَةِ تحريمَ كُلِّ مَيْتٍ سوى ما استَثْناهُ النَّصُّ، وما ذَكَرْتُ من المَيْتةِ فهو الحُجَّةُ؛ لأنَّه لَمَّا حَرَّمَها عَمَّ كلَّ مَيْتَةِ إِلى اُن تَأتِ دلالةُ التخصيص. ولو كان ما ذَكَرُوه صحيحاً، لكانت الثِّقةُ غيرَ حاصلةٍ بالقياسِ؛ لأنَّنا لا نَأنمَنُ أَن يكونَ جمعُنا بينَ النصوصِ والمسكوتِ بما يُعللُ به المنصوصُ

стр. 2413

مَفسدةً من الطريقِ الذي ذكرَه في تحريمِ الشَّرْع بعضَ الميتاتِ وإِباحتِه بعضَها، ولَمَّا لم يُوجب ذلك مَنْعَنا من القياسِ، كذلك لا يُوجِبُ منعنا ههنا من التعديةِ بذكَرِ العلةِ، وعدم الجمودِ على المحلِّ المنصوصِ عليه بحلاوتِه المُختصَّةِ به؛ إِذ لو كان ذكرُ العِلةِ في محل يُعطي أن يكونَ المَحلُّ أَحد وَصْفَيها، وأنَّها غيرُ مُفارقةٍ له، لما ساغَ لنا القياسُ، لأَنَّ الشِّدَّةَ في عصيرِ العِنَبِ، ودمَ العِرْقِ في الفَرْج، وملكَ البُضْع تحت العبدِ، والرِّقَّ في الأَمَةِ، يُوجب نصفَ الحدِّ، والعفوَ عما دون الدِّرهمِ من الدَّمِ في المحلِّ المخصوصِ به، ومتى سَلَكْنا هذا، امْتَنَعَ تعليقُ حكمِ علةٍ في محل على وجودِها في محل آخرَ؛ لفوات أَحدِ وَصْفيها؛ إِذِ العلةُ لاتعملُ إِلأ بكمالِها. فصل في شبههم فمنها: أَنَّ العلةَ لو كانت تُوجب الَتعديةَ، لوَجَبَ إِذا قال: حرَّمْتُ عليكُم السُّكَّرَ لحلاوتِه، أن لا يَحْسُنَ قولُه بعدَ ذلك: وأَبَحْتُ العسَلَ، بل يكونُ مُناقِضاً، أَلا تَرى أَنَّ ما ظَهَرَتْ فيه التعديةُ بِدَلالةِ العقلِ، مثلُ قولِه: اضْرِبْ زيداً لَأنه مُسيءٌ، ولا تَضرِبْ عَمراً، وكان عَمرٌ ومسيئاَّ أً يضاً، لَعُدَّ مُناقِضاً، وكذلك لو قال: لاتُطْعِمْ وَلَدي أَو عَبدي الشُّوِنيزَ (١)؛ لأَنه حارٌّ، وأَطْعِمْه العسَلَ والعصافيرَ.

стр. 2414

ومنها: أَنَّ تعليلَ الشَّرع يَخْتَصُّ بزمانٍ دونَ زمانٍ، فإِذا جازَ أَن تكون الشِّدَّةُ علةً لتحريمٍ عصيرِ العِنَبِ في بعض شريعتِنا، حلالاً في شرع مَن قَبْلَنا وشَطر مِن شريعتِنا، وبمَحَلِّ دونَ محلِّ، فيكونُ الموتُ في السَّلاحفِ مُحرِّماً لها، والموتُ في السَّمكِ والجرادِ غيرَ مُحرِّمٍ لها، لم نَأمَنْ أن تكونَ الشِّدَّةُ مُختصَّةً بعصيرِ العنبِ دونَ غيرِه، كما اخْتصَّت بزمان دونَ زمانٍ، فلا يُقْدَمُ على التَّعديةِ إِلاَّ بِدَلالةٍ. ومنها: أَن قالوا: إِنَّ هذه الأَوصافَ، مثلُ: الشِّدَّةِ في العَصيرِ، والحلاوةِ في السُّكَّرِ، والموتِ في الحيوانِ، إِنَّما جُعِلَتْ عِلَلاً للمَنْع على سبيلِ المصلحةِ، ولذلك اخْتَصَّتْ بعصيرٍ دونَ عصيرٍ، وإذا كان كذلك، لم يَجُزْ أن نَتَعدَّى بها المَحَلَّ الذي عُرِفَتْ به؛ لأَنَّنا لا نَامَنُ أَن تكونَ المصلحةُ عَدَمَ التعديةِ، والشِّدَّة إِنّما اخْتَصَّتْ بالمحلِّ المخصوصِ كما اخْتَصَّت بالعصيرِ المخصوصِ. ومنها: أَنَّ هذهِ عِلَلَ الشَّرْع ليست مُوجِبةً بنفسِها (١) بخلافِ العَقْليَّةِ، وإنّما هي مَجعولَةٌ يحَعْلِ جاعلٍ، فإِذا قال: لا تَأكُلُوا السُّكّرَ لحلاوتِه، فقد جَعَلَ حلاوةَ السُّكرِ مَحرِّمةً له، فلا يجوزُ أَن نجعلَ نحن حلاوةَ التَّمْرِ والعسلِ علَّةً في المنع منها، لأنَّها غيرُ مجعولةٍ. ومنها: أَنه لو وَجَبَ تعديتُها، لوَجَبَ إذا قال القائلُ: عَبْدِي زيدٌ حُرٌّ؛ لأَنه أَسودُ، وله عَبِيدٌ كثيرٌ سودانٌ، أن يُعتَقُوا لِعلَّةِ السَّوادِ.

стр. 2415

فصل في جمع الأَجوبةِ عن شُبَههم فالأولى منها: قولهم: لَمّا حَسنَ أَن نقولَ: وأبَحْت العسلَ، ولم يكن مناقضاً، دَلَّ على أَنَّ الحلاوةَ ليست عِلَّةً. فيقالُ: إِذا قال في تحريمه: لانه حُلْوٌ، كان الظاهرُ تَعدِّي التحريمِ إلى كُلِّ حلْوٍ، فإِذا قال: وأَبَحْتُ العسل، كان هذا تصريحاً يَقضِي على الظاهرِ، تَبَيَّنا به أَنه ذَكَرَ الحلاوةَ، وهي أَحد وَصفَيْ علةِ الحكمِ، وأَنَّ الوصفَ الآخَرَ هو الجِنسُ- أَعني السُّكًرَ-؛ فكأَنَّه بانَ بذلك [أَن] (١) العله الجالبةَ للحكمِ حلاوةُ السُّكرِ. وليس إِذا اقْتَرَنَتْ باللًفظِ قرينةٌ، أَو دَلَّت عليه دَلالةٌ أَخْرَجَتْهُ عن ظاهرِه، ممَّا يَدلُّ على بطلانِ ظاهرِة وتعطّلِه؛ بدليلِ العموم والظاهر تُعطِّلُه القَرائِن والأَدِلًة عن شمولِه وظاهرِه، ويَجِبُ العملُ به عند إِطلاقِه. وما استشهدَ به من إِساءَةِ العبدِ، وحرارةِ الشُّونيزِ، غيرُ صحيحٍ، بل يَحْسن ولا يعَدُّ مناقضاً، بل يتبيَّن أَنَّه أَرادَ إِساءَة ذلك بعَيْيه وحرارةَ الشُّونيزِ خاصَّةً. وأَمَّا تَعلّقُهم بكون العِلَلِ الشَّرعيَّةِ تَختَصُّ بزمان دونَ زمانٍ، ومَحَل دونَ محلٍّ، فلَعَمْرِي، لكَنَّ ذلك لا يَمْنَعُ التعديةَ إلىً كُلِّ محلٍّ، مالم تَقُمْ دلالةُ التخصيصِ، كما أَنَّ لفظَ العمومِ يَتسَلًط عليه التخصيصُ بالدَّلائِلِ

стр. 2416

والقرائِنِ، ولا يَدُلُّ على أَنَّ إِطلاقَه لا يَقْتَضِي الشُّمولَ والاسْتغراق، ولأَن هذا لَمَّا لمِ يَمْنَعْ جوازَ القولِ بالقياسِ، لايَمنَعُ التَّعدِيةَ، ولوَجَبَ أَن لا تَكُون علَّةَ إِلاَّ في الزمانِ الذي جَعَلَها علَّةً فيه، فيكون مقصوراً على الزَّمانِ الذي جَعَلَه علَّةً، ولَمّا لم يَصِحَّ أن يقالَ هذا في الزمانِ، [لم يَصِحَّ] (١) أن يقالَ ذلك في الأَعيانِ. وأَمَّا تَعلّقُهم بأَنَّ التحريمَ المُعلَّقَ على العِلَلِ الشَّرعيَّةِ إنَّما هو للمصلحةِ، فهذا عندنا لا يَقِفُ التَّكليفُ عليه، ولا يُقصَرُ التَّعليل أَيضاً عليه، ولو سَلمْنا على طريقِ التَّوسِعَةِ، فإِنَّ المصلحةَ لا تحدُّ في التَّعديةِ حيث عَلَّقَها على علًةٍ تَعُمُّ كلَّ موصوفٍ بها، وكلَّ محلٍّ هي موجودةٌ فيه، ولو أَرادَ تخصيصَ العِلَّةِ بمحللِّها ووقوفها عليه، لَمَا احْتِيجَ إلى ذكرِ التعليلِ، لأَنَّ حلاوةَ السُّكَّرِ تابعةٌ له، وكذلك شِدَّةُ عصيرِ العنبِ، فلَمَّا عَلَّلَ بالحلاوةِ والشِّدَّةِ، عُلِمَ أَنَّه أَرادَ زيادةً على المحلِّ. وأَمَّا تَعلّقُهم بأَنَّها مجعولةٌ، فإِدتَّ كونَها مجعولةً لا يَمْنَعُ تَعدِّيَها، لأنَّها تَصِيرُ بعدَ جعلِها علَّةً كالمُوجِبةِ بنفسِها، على أَننا إِذا رَجَعْنا إلى التحقيقِ في الجَعْلِ، كانتِ العقليَّةُ أَيضاً مجعولةً؛ لأنّ التحرُّكَ في الجِسْمِ الذي قامَتْ به الحركةُ مجعولٌ لله تعالى، فهو الخالقُ للحركةِ، وخالق التحرُّكِ عندها، إِلاَّ أَنَّها هي المُوجِبةُ لتحرُّكِه. وأَمَّا قولُه: عَبْدِي زيدٌ حُرٌّ، لأَنه أَسودُ، أَو: أُعتِقُه، لأنه أَسودُ، إِنَّما لم

стр. 2417

يُوجِبْ عِتْقَ كُلِّ عَبْدٍ له أَسودَ بخلاف تعليلِ صاحب الشَّرع؛ لأنَّ الواحدَ منا يجوز عليه المناقضةُ، ولأَنَّ إِزالةَ الأَملاكِ لم تُوضَعْ للتعْدِيةِ، وتعاليلُ صاحبِ الشَّرع تقييد للمجتهدِينَ عن الاسْتنباطِ (١)، فلا يجوزُ تعليلُ تعطيلِه، وفي إيقافِها على المحلِّ تعطيل للتعديةِ والاستنباطِ؛ إذ لا يُفيدُ إِلا ما أَفادَهُ النصُّ. فصل يجوزُ إِثباتُ الحُدودِ والكفاراتِ بالقياسِ ، وبه قال أَصحابُ الشَّافعيِّ. وقال أَصحابُ أَبي حنيفةَ: لا يجوزُ إِثباتُها إِلا بالتوقيفِ (٢). فصِل في أَدلتِّنا فمنها: ما رُوِيَ عن معاذٍ أنَّه لَمّا بَعَثَهُ النبيُّ ﷺ وسأَله: "بِمَ تَحْكُمُ؟ " فقال: بكتابِ [الله]، قال: "فإِن لم تَجِدْ"، قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإِنْ لم تَجدْ"، قال: أَجْتَهِدُ رَأيي (٣). ولم يُفَرِّقْ، ولا فَصَّلَ له النيُّ ﷺ بين الأَحكامَ مَعَ حاجتِه إِلى البيانِ. ومنها: أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله لَمَّا اشْتَوَرُوا في حَدّ الشَّارِب للخَمْرِ،

стр. 2418

قال عليٌّ: إِنه إِذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإِذا هذى افْتَرى، حُدُّوهُ حَدَّ المُفترِي (١). فأَجْمَعَتِ الصَّحابةُ على إلحاقِه بالقاذفِ بالقياسِ والرايِ. ومنها: أَنّه حُكم ليس فيه دليل قاطعٌ، فجازَ إِثباتُه بالقياسِ كسائرِ الأَحكام. ومنها: أَنَّ القياسَ دليلٌ ثَبَتَ به الحَظر والإِباحةُ في الأَعْيانِ والعُقودِ، فتَثْبُتُ (٢) به الكَفّاراتُ والحُدودُ، كخَبَرِ الواحدِ. ومنها: أَنَّ القياسَ في معنى خبرِ الواحدِ، أَلا تَرى أَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يثبتُ بالظنِّ (٣)؛ فإِذا ثَبَتَ هذان الحكمان بخبرِ الواحدِ، جازَ أَن يَثْبُتا بما هو مِثْلُه في الرّتبةِ. ومنها: أَنَّ أَصحابَ أَبي حنيفةَ أَثْبَتُوا إيجابَ الكفّارةِ على الأكل في نهار رمضانَ قياساً على المُجامعٍ فيه، وأَوْجَبُوا الحَدَّ في المُحاربةِ على الرِّدءِ (٤) قياساً على المُباشرِ، وقياسا على استحقاق الغنيمة حيث اشترك فيه الردء والمباشر. فإِن قيل: لم نُثبِتْ أَصلَ الكفارةِ والحَدِّ بالقياسِ، لكنْ أَثبَتْنا موضعَهما، وذلك جائزٌ عندنا، وإِنَّما الذي لا يجوزُ كإيجابِ القَطْع على المُخْتلِسِ

стр. 2419

والنبّاشِ قياساً على السَّارقِ، والحدِّ على اللأئطِ قياساً على الزاني. وأَمَّا الكفارة: فلم نُوجبْها قياساً، لكن بطريقِ الأَوْلى؛ فإِنَّ مَأثمَ الأكل أَكثر من مَأثمِ الجِماع؛ لأَنًّ الثوابَ على تركِه، أو مِن حيث كانت المَشقةُ في هِجْرانِه أَوْفَى؛ قال النبيُّ ﷺ لعائشة" ثوابُك على قَدْرِ نَصَبِكِ" (١) فإِذا وَجَبَتِ الكفارة في الجماع، ففي الأَكل أَوْلى. فيقال: تفريقكم بينَ مكانِ الحدِّ وأَصلِه، وإِيجابِ الكفّار ومكانِها أَيضاً، لا يَتحققُ فَرْقاً يُبْرؤُكم مِن عُهْدَةِ جمعِنا بينهما؛ لأَن (٢) تعليلَكم في نفي إِيجابِ الحدِّ والكَفَّارةِ بالقياسِ: أَنَّ الحدودَ والكفاراتِ لا تعْرَفُ بالقياسِ؛ لأَنَّ مَقاديرَ الرَّدْع والزَّجرِ والعقوباتِ كمقادير المَأثمِ، وذلك لا يَعْلَمه إِلأ الله، وكما لا يُعلَمُ الأَصل، فالمَوضعُ والمكانُ أَيضاً يَجِبُ أَنْ لا يعلَمَ على قودِ قولِهم. والاستدلالُ بالأَوْلى لا يَتحققُ في حقِّ الرِّدْءِ مع المباشرِ، بل المباشرُ أَشدُّ تأثيراً في الجنايةِ المستوجب بها العقوبةُ إِذا كانت في قَطْع الطريقِ، وفي المَثوبةِ إِذا كَانت في الجهادِ؛ فلا أَولى إذاً. وأَمَّا دَعواكُم أَنَّ المَأثمَ في الأَكلِ آكدُ، فغيرُ صحيح، لأنَّ هَوالِجَ الطبع في باب الوِقاع والجِماع لا تَضبِطُها المروءات غالباً، وأَيسرُ أَنَفَةٍ وأَدنى تَماسُكٍ يَمنَعُ الأَكلَ والشربَ، وهذا معلوم طبعاً، وأَنَّ النَّاس لايَسْتقبِحون اللهَجَ. بمحبَّةِ الصُّوَرِ، والعِشْقَ، وإِنْشادَ الغَزَلِ والأَشْعارِ، والتظاهرَ بحُبِّ

стр. 2420

المِلاح، وقد أَخبرَ الله سبحانه عن امْرأَةِ العزيزِ: أَنَّها جَمَعَت، وأَبرَزَتْ مَن به لهِجَت، وقالت: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وما مِن عَصْرٍ من الأَعصارِ إِلاَّ وفيه شخصٌ يَشْتَهِرُ في هذا الشأنِ، ويُدوَّنُ حديثُه في الأَخبارِ والتَّواريخ، والضِّنَّةُ به والبخلُ من أَكبرِ ما يُمدَحُ به الرِّجالُ، والبِطْنَةُ والشَّرَهُ في بابِ الطعامِ مذمومة، والبخلُ به مذمومٌ، والسَّماحةُ به غايةُ الكَرَمِ، والمَدحُ عليه وبه هو الغايةُ؛ حتى جُعِلَ نسباً، فقيل: هاشمٌ، وكُرِّمَ معشرٌ فقيل: بنو هاشمٍ، وهم الغايةُ، فمكابرُ هذا خارجٌ عن سَمْت النظَرِ والجدالِ إلى التعلُّقِ بالمُباهتةِ بالمُحالِ. فصل في شُبِههم فمنها: أَنَّ الحدودَ والكفاراتِ وَجَبَتْ عُقوباتٍ ومُقابلاتٍ عن المَعاصي، فالحدودُ عقوبةٌ، وفي الكفَّارةِ شائِبةُ عقوبةٍ وشائبةُ عبادةٍ، وجميعُ ذلك لا يَعْلمُ مقدارَه إِلاَّ الله سبحانَه، بدليلِ المَأثمِ وعقابِ الآخرةِ، وأَعدادِ الرَّكَعاتِ. ومنها: أَنَّ القياسَ على شُبهةٍ؛ لأنَّه إلحاقُ فرع بأَشْبهِ الأَصليْنِ، فيبقى الأَصلُ الاَخرُ شُبهةً في نفي الإلحاق، ولا يجوزُ إيجابُ هذه العقوباتِ مع الشُّبهاتِ. ومنها: أَنَّه حقٌّ للهِ مقدَّرٌ، فلا يَثبُتُ بالقياسِ كمقاديرِ الرَّكَعاتِ، ونُصُبِ الزَّكَواتِ.
следующие страницы →