← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أكلت شيئاً كان فيه قرآن ولم يذْكَرْ (١). وأنكرَ هذا قوم من الأصوليين، ولا وَجْهَ للِإنكار إذا صحَّت الرواية بذلك؛ لأنه إن كان القول بالأصلح، فقد يكون الأصلح رفعها، كما كان في الوقت الذي تُلِيَتْ ونزَلَتْ الأصلح نزوئها وتلاوتها، وإن كان القول بمطلق المشيئةِ، فيرفع الله ما يشاء كما ينَزِّل، وقد أعْلَمَ نَبينا ليلةَ القَدْرِ، ثم أنْساهُ ورَفَعهَا (٢)، يعني رفعَ علمَ النبيِّ ﷺ بها؛ بدليَل أنه قال: "فاطلبوها"، ولو كان الرفع لعَيْنها، لَمَا أمرَ بطلبها، كذلك رفعَ عِلْمنا بالسُّورة والآية، لا أنه أعْدَمها وأزالَ ذاتَها، وما خلا إنزالُها من

стр. 282

فائدة، وهي الِإيمانُ بها حيثُ كانت مَتْلُوَّةً، والتَسليمُ لحكم اللهِ حيث رُفِعَتْ، وفي رفعها بعد الإِنزالِ نوع بَلْوىً، قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]، فيكون رفعُ ما أنزلَه ونسخ ما أحكمَه زيادةً في إيمان المؤمنِ بتسليمه الله، وفتنةً للَّذين في قلوبهم مَرَضٌ. فصل وليس من شَرْط النسخِ للحكمِ أن يكون إلى بَدَل، بل قد ينسَخُ إلى بدَل وإلى غير بدلٍ، فيكونُ النسِخ إسقاطاً ورفعاً للحكم من أصله، وذلك كنسخ تَرَبُّصِ زوجةِ المتوفَى ما زاد على الأربعة أشهرٍ وعَشْراً من الحَوْل إلى غير بدلٍ، والاقتصارِ على خَمْس رضَعاتٍ بعد عَشْرٍ، فسقوط الخمْسِ إلى غير بدلٍ. وليس لقائل أن يقولَ: أبْدَلَ الحَوْلَ ببعضه، وأبدلَ العَشْر بنصفها؛ لأن ما بَقِيَ بقيَ على ما كان، والسَّاقطُ منه خَرَجَ عمَّا كان، فلا وجهَ لتسمية ما بقيَ بدلَاً، مع كونِه على حكم أصلِه، والبدل ما قامَ مَقامَ الشَّيءِ، وسَدَّ مَسَده في الحكم الذي علِّقَ عليه، ولو جاز أن يُسَمَّى بعضُ الحولِ بدلًا؛ لَسُمَيَ ما بقيَ من الصَلاةِ المقصورةِ في السَّفَر بدلًا عن التَّامَّةِ في الأصل. فصل وما نُسِخَ إلى بدَل على خمسةِ أضْربِ: نسخُ واجبٍ إلى واجب، ونسخ واجبِ إلى مباحٍ، ونسخُ واجبِ إلىَ نَدْب، ونسخُ محظورٍ إلى مباح، ونسخُ إباحةٍ إلى حَظْر، وهي مَما قد يكونُ عقويةً.

стр. 283

فصل فأما نسخُ الواجبِ إلى الواجب ، فعلى ضَرْبَيْن (١): نسخ واجبِ معينٍ إلى مثله في الإِيجاب والتَعيين، كنسخ الاتِّجاهِ إلى بيت المقدسِ إلى الاتَجاهِ نحْوَ الكعبةِ. ونسخ واجب موسَّعٍ بالتَّخيير إلى واجب مضيقٍ بالتَعْيينِ، كالصِّيام، كان المُطِيقُ القادرُ عليه في صَدْر الإِسلامِ مخيراً بين الصِّيام والفِدْيَةِ طعام مسكينٍ مع الإِفطارِ، فقالَ سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]،، ثم نُسِخَ إلى الصَّوم حَتْماً وتعييناً من غير تخييرٍ، مع الإِقامةِ والصِّحَّةِ بقوله تعالى: ﴿فمن شَهِدَ منكم الشَهْرَ فَلْيَصُمْه﴾، وتقديرُه: شَهدَ منكم الشَّهْرَ صحيحاً مقيماً ﴿فَلْيَصُمْه﴾، بدليل قولِه: ﴿ومن كان (٢) مريضاً أو على سَفَرٍ فَعِدَةٌ من أيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والمرضُ والسَّفرُ لا يُعْدِمانِ شهادةَ الشَهْرِ، لكنْ يُعْدِمانِ صفتَيْنِ في الشَّخص: الإِقامةَ والصِّحَّةَ، فثبتَ التَّقييدُ في الإِبدالِ، وهو (٣) نوعُ توسعةٍ مع العُذْرِ، بعدَ أن كان التًخييرُ مع الصِّحةِ والإِقامةِ توسعةً مع عَدَمِ العُذْرِ. فصل وأما نسخُ الواجب إلى المُباحِ: كالصَّدقةِ عند مناجاةِ الرسول ﷺ بقوله: ﴿وإذا ناجَيْتُمَ الرًسولَ فقَدً موا بينَ يَدَيْ نجواكم صدقةً﴾

стр. 284

[المجادلة: ١٢]، فنُسِخَ ذلك الوجوبُ إلى جواز فعلِها وجواز تركِها بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) [المجادلة: ١٣]. فصل وأما نسِخُ الواجب إلى النَّدْب: كالمصابرةِ، كان في صَدْر الإِسلام واجباَ على الِإنسَان المجاهدِ أن يُصابِرَ عَشَرَةً من المشركين، فنُسخَ إلىَ اثنين وجوباً، ونُدبَ إلى مصابرة ما زاد على الاثنين (٢)، وقد تَلَونا الآيَ في ذلك في فصل نسخِ الأشدَ إلى الأخفِّ (٣). فصل وأما نسخُ الحَظْرِ إلى الِإباحة (٤): فقولُه تعالى: ﴿عَلمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتانُون أنفسَكم فتابَ عليكم وعَفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كتبَ اللهُ لكم وكُلُوا واشْرَبُوا حتى يَتَبينَ لكم الخَيْطُ الأبيضُ من الخيط الأسودِ من الفجْر﴾ [البقرة: ١٨٧]، فكان الأكلُ والمباشرةُ محظورةً إذا نامَ ثم استيقظَ، ثم نُسخَ بالاَية المَتْلُوةِ أول هذا الفصلِ. ومن السنَة قولُه ﷺ : "كنتُ (٥) نَهَيْتُكم عن زيارة القُبورِ، ألا

стр. 285

فزُوزوها، و (١) كنتُ نهيتكم عن ادِّخار لحومِ الأضاحي، ألا فادَخِروها" (٢). فصل وأما نسخ الِإباحةِ إلى الحظر: فهو كنسخ إباحةِ الشُّحُوم على اليهود لأجل ظلمِهم، بالحظْر لها عقوبةً، وكنسخ الخمرِ على أَمَته بعد إباحتِها مصلحةً، أو إرادةً مطلقةً. فصل قال بعضُ أهلِ العلمِ: وفي تقديم الأشَقَ على الأسهَلِ الأخَفِّ حِكْمَةٌ لها تأثيرٌ في التَكليف، وذلك أن النفوسَ إذا استشعرت لزومَ الأصعب، وتوَطنَتْ على التزامه، ثم جاءَ ما هو أسهلُ منه، سَهُلَ زيادةَ سهولةٍ، وهذا نجده من عاداتنا؛ فإن الظُلْمَ من السلاطينِ، والمُسْتامِينَ من الباعةِ، إذا ساموا الكثيرَ من المال والوافرَ من الأثمان، ثم جاءت المساهلة بإسقاط البعضِ، سَهُلَ الباقي، وإن كان الثمنُ الذي صارَ إليه، هو القدْرَ من الثَمن الذي هو ثمنُ المثْل، والقَدْرُ الذي صارَتِ

стр. 286

المصادرة [إليه] (١)، هو الذي اطْمَأنَّتِ النُفوس إليه بالعادة، لكنْ لو ابْتدِىءَ بالآخِرِ فكان اوَّلاً، لم يَسْهُلْ. فهذا نوعُ حِكْمَةٍ يُسَهِّل على نفوس المكلَّفين ما كان لولاه صعباً. فصل وقد جَمَعَ اللهُ سبحانه منثورَ ما ذَكَرْنا في قوله سبحانه: ﴿ما نَنْسَخْ من آية أو ننْسِهَا نَأتِ بخير منها﴾ [البقرة: ١٠٦]، يعني: خيراً لكم، وإلّاَ فالقرآن في نفسه لا يتفاضل؛ لكونه كلاماً لله سبحانه، وصفةً من صفاته التي لا تحتمِل التَّفاضلَ والتَخايرَ. وماهو خيرٌ لنايحصلُ من وجوه: أحدها: في السهولة المخفِّفَةِ عنَّا ثقَلَ التكليفِ، وذلك خيرٌ من وجهين: أحدهما: انتفاء المَشَقَةِ على النَفس، والثاني: حصول الاستجابةِ والمسارعةِ؛ فإن النفوسَ إلى الأسهل أسرعُ، وإذا أسْرَعَت الاستجابةُ، تَحَقَقَ إسقاطُ الفَرْضِ، وحصول الأجرِ. والثاني من وجوه الخيرِ: كثرةُ المشقَةِ التي يتوفَّرُ بها الثواث، قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ: "ثوابك على قَدْرِ نَصَبِك" (٢).

стр. 287

وقد يكون الخيرُ الأصلحَ الذي لا نعلمُ وجهَه. وقوله: ﴿أو مِثْلِها﴾: في السُّهولة أو الصُعوبةِ أو المَثُوبَةِ. فإن قيل: فما أفادَ التبديلُ بالمِثْل شيئاً، إذا كان المثلُ ما سَدَّ مَسَدَّ مثله. قيل: بل قد يفيدُ، إما زوالَ المَلَلِ؛ فإن النفوسَ قد تَمَلُّ، فإذا انتقلت إلى غَيْرٍ، سَهُلَ عليها التكليفُ، فإن المغايرةَ تُخَفًفُ الأفعال. وقد تكونُ مِثْلًا لها في السُهولة والأجرِ، لكنْ يحصلُ بتغيُرِها وتبديلِها بغيرها زيادةُ تعبُّدٍ، وهو التًسليمُ والتًحكُمُ لأمر اللهِ في تغيير أحكامِه، ونقل عبادة من عبادة إلى عبادة من غير تَلوُّمٍ ولا اعتراضٍ، بخلاف ما نَطَقَتْ به الآياتُ عن أهل الشًرْكِ والنًفاقِ؛ من قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقولِهم: ﴿أيُّكم زَادَتْه هذه إيماناً﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقولِه: ﴿﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فإذا حَصَلَ من المؤمنين المسارعةُ إلى طاعة اللهِ، والرًضا بتبديل الأحكام، وتغايُرِ التَكليفِ، كان لهم المضاعفةُ في الثواب، واللهُ أعلمُ.

стр. 288

فصل في المُطْلَق وهو في عبارات الفقهاءِ: ما عُلِّق الحكمُ عليه باسمه الأعَمِّ، كقوله: لا تذبحوا الحيوانَ لغير مَأْكلَةٍ، أو عُلَقَ عليه الحكمُ باسم خاصٍّ بالِإضافة إلى ما فوقه من الجِنْس، عامٍّ لما تحته من الأشخاص، كقوله: في الغنم صدقةٌ، ﴿فتحريرُ رقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، فهو مطلق عن صِفَة أو نَعْتٍ موسومٍ باسم مطلقٍ، وقوله تعالى: ﴿واستَشْهِدُوا شهيدَيْن من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فصل وهو في أصل اللغة: التَخْلِيَةُ والِإرسالُ، تقول: أطلقتُ العبدَ والطًائرَ والدَّابَّةَ من القيدِ والقفصِ والشِّكالِ (١)، واطْلَقْتُ القولَ اطْلِقُه: إذا خَلَّيْتَه وأرسلتَه من تعليق على نعت أو صفةٍ؛ فإطلاقُ القولِ من معنىً يعيقُه، كإطلاقِ العبدِ والطًائر من معنىً يعيقُه. فصل في المُقَيَّد والمقيَّد: ما غلِّقَ على اسم بنعت أو صفةٍ أو غيرِ ذلك مما يخصُه

стр. 289

على بعض الجملةِ المرسلَةِ، وهو شبيةٌ بالتّخصيصِ، وهو من نظرائه، والمطلقُ شبية بالعموم، ونظيرٌ له. ومثالُ المقيَّدِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منكم﴾ [الطلاق: ٢]،. فكان عمل التَّقييدِ بالعدالة عَمَل التَخصيصِ المخرجِ من الجملة بعضَها، فصارتِ العدالةُ مخصَّصَةً بعضَ الرِّجالِ بالشَّهادة. وكذلك قولُه: "في سائمةِ إلغنم (١) " صار مقيَّداً بالسَّوْم بعد أن كان مُطلقاً (٢) على الغنم. وقوله تعالى ﴿فتحريرُ رَقَبةٍ مؤمنةٍ﴾ [النساء:٩٢] بعد قوله: ﴿فتحريرُ رَقبةٍ﴾ تقييد بالايمتن، وهو تخصيص فى الحقيقه، فالإِطلاق مكثِّرٌ أبداً؛ لأنه أَعمُّ، والتَقييدُ مقلِّلٌ أبداً؛ لأنه أخَصُّ. فصل وأصلُ الفَحْوى في الكلام في اللُّغة: من الكشف والإِظهارِ، قالوا في أبزار (٣) القِدْرِ: فَحَا (٤)، وقالوا: فَحِّ قِدْرَك، أي: أَلقِ فيها الأبزارَ لتفوحَ رِيحُها، فكما أن الأبزارَ تُظهِرُ ريحَ القِدْرِ، كذلك الفحوى تظهرُ

стр. 290

معنى الكلام (١). فصل في لَحْنِ القول وأما لحنُ القول: هو ما فهِمَ منه بمعنىً من لفظه، قال سبحانه: ﴿ولتَعْرِفَنَهم في لَحْن القولِ﴾ [محمد: ٣٠]، وقال الشَّاعرُ: مَنْطِقٌ صائبٌ وتَلْحَنُ أحيا ....... ناً وخيرُ الحديثِ ماكان لَحْنا (٢) وقيل: لحنُ القولِ: ما دلَّ عليه وحُذِفَ واستغْنيَ عنه بدليل الكلام عليه، نحو قولِه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ -فانْبَجَسَتْ (٣) - ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، فدلَّ الكلام على أنه ضربَ الحجرَ فانفجرَتْ، ومثلُ قولِه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ١٧، ٢٠]، ففحواه: فذهبَ، فقالَ، وأراه الآيةَ الكبرى (٤).

стр. 291

ويحتملُ أن يكونَ لحنُ القولِ ما أَفْصَحَ (١) بالمعنى وكَشَفَه، من قوله ﷺ : "إِنكم لتَخْتَصِمُون إليَّ، ولعلَّ أحدَكم ألحنُ بحُجتِه من صاحبه" (٢). فصل واعلم أنه لا يجبُ نُصْرَةُ أصولِ الفقهِ على مذهب فقيهٍ، بل الواجبُ النَظَرُ في الأدلَّةِ ؛ فما أدّاه الدَّليلُ إليه، كان مذهبُه بحَسَبه، وبنى على ذلك الأصلِ، ونعوذُ بالله من اعتقاد مذهبٍ، ثم طلب تصحيحِ أصلِه، أو طلب دليلِه، وما ذلك إلا بمثابة من مضى في طريق مظلمٍ بغير ضياءٍ ثم طلبَ لذلك الطَّريقِ ضياءً يَنظرُ [إن] (٣) كان فيه بئرٌ أو سَبُعٌ أو ما شاكلَ ذلك، أو كان سليماً، والذي يجب أن يكونَ الدَّليلُ هو المرشِد إلى المذهب.

стр. 292

فصل في فَرْض أصولِ الفقهِ اعلم أن علمَ ذلك فَرْضٌ على الكفاية دونَ الأعيانِ (١)، والدَليلُ على ذلك: أن معرفةَ أحكام أفعالِ المكلفين المتوصَلِ إلى علمها بأصول الفقهِ وأدلَّةِ أحكام الفَقهِ، إنما هو على الكفاية دونَ الأعيانِ، وإنما على العاميِّ التَقليد في ذلك، والرجوعُ إلى قول العلماءِ، ولا يُعتبرُ بخلاف من يُخالِفُ في ذلك ممن زَعم أنه فرضٌ على الأعيان، وسنذكرُ ذلك في مسائل الخلافِ -إن شاء الله-، في باب التقليد ومسائلِه (٢).

стр. 293

فصل في تراتيب أصولِ الفقهِ اعلم أن أصولَ الفقهِ مرتَّبةٌ: فأوَّلُها: الخطابُ الواردُ في كتاب اللهِ وسُنًةِ رسولِه على مراتبَ نذكرُها فيما بعد، إن شاء الله. وثانيها: الكلامُ في حُكْم أفعالِ الرَّسولِ ﵊، الواقعةِ موقعَ البيانِ لمجملٍ في كتاب أو سُنَّةٍ، أو ابتداءِ إثباتِ حكمٍ بها؛ لأنها إذا وَقَعَتْ موقعَ البيانِ، صارَتْ بمنزلة الخطاب، وربما كان البيانُ بها لمنْ عَلِمَها وشاهَدَها أبلغَ منه بالقول، علىَ ما نذكرة من بعدُ، إن شاءَ الله. وثالثها: القول في الأخْبارِ، وطُرُقِها، وأقسامِها. ورابعُها: القولُ في بيان الأخبارِ المرويَّةِ عن الرَّسول ﵊، الآحادِ منها الواردةِ بشرُوطِ قَبُولِها في الأحكام، وأحكامِ المتلقَّى بالقبولِ منها، والمختلَفِ فيه. وخامسُها: الإِجماع، وكيفيَّتُه، وحكمُه. وسادسُها: القياسُ، ومعناه: المعاني المودَعةُ في كلام الرَّسولِ

стр. 294

- ﷺ التي إذا ثبتَ تَعَلُّقُ الحكمِ بها، وجبَ القياسُ على الأصولِ المودَعةِ فيها. وسابعُها: صفةُ المُفتِي والمُستفتِي، والقولُ في التًقليد. وثامنُها: القولُ في الحَظْر والإِباحةِ، وهذا يختصُّ أصلَنا؛ لأن طريقَهما السمعُ، وأما مَنْ يجعلُ طريقَهما العقلَ، لا يجعلُ الحظرَ والِإباحةَ من أحكام أصولِ الفقهِ، بل يجعلُهما من أحكام أصولِ الدِّينِ. فصل وقد دخلَ في الخطاب: الأمرُ، والنهيُ، والخصوصُ، والعمومُ، والنَاسخُ، والمنسوخُ، والمجمَلُ، والمفسَّرُ، والمطلَقُ، والمقيدُ، ولَحْنُ الخطابِ، ودليله، وفَحواه، ومراتبُ البيانِ، وسيجىءُ كلُ شيءٍ من ذلك في بابه، إن شاءَ الله. فصل والواجبُ عندنا تقديمُ الخطاب بحكم التَرتيب الواجب في أصول الفقهِ، والواجبُ تقديمُ خطاب الكتَابِ منه على خَطاب الَسُّنًةِ، وذلك أن كلَّ مَرْتَبَةٍ دونَ الخطابِ، إنما هي مودَعةٌ في الخطاب. إنما وجبَ تقديم الكتاب؛ لكونه كلامَ اللهِ تعالى، وهو المرسِلُ لصاحب السُّنَّةِ، ولأن القرآنَ دَلالةُ صِدْقِه، وآيةُ نُبُوَّتِه، ولِمَا اختص به في نفسه من الجزالة والفصاحةِ والبلاغةِ، الخارقُ للعادات، ولكونه المضمَّنَ للأمر بطاعةِ الرسولِ فيه، عَلِمْنا اتباعَ السُنَّةِ.

стр. 295

فصل وقد سَوَّى قومٌ بين مقطوعِ السنَةِ -وهو المتواتِرُ منها- وبين الكتابِ، وهم القائلون بجواز نسخِ الكتاب بالسنَةِ المتواتِرةِ، وعندنا أن للكتاب رتْبَةً على السُّنَةِ -وإن كانت متواتِرَةً- بما ذكرناه من المزايا. فصل ويلي الخطابَ في الرُّتْبَةِ: أفعال الرسولِ ﷺ الواقعةُ موقعَ البيانِ؛ لكونها بمثابة قولِه الواردِ لبيان الأحكامِ. وخبرُ الواحدِ نظنُ به أن النبىَّ ﷺ قال ما تضمَّنَه من الحكم، وخبرُ التَواترِ نَقطعُ بما تضمَنَه، ونُثبتُ بخبر التواترِ الأصولَ، ولا نُثْبت بخبر الواحدِ إلا الأحكامَ (١).

стр. 296

وقد قال بعضُ أصحابِنا: إذا تَلَقَتْه الأُمَةُ بالقَبول، صارَ كالمتواتِر في إثبات الصِّفاتِ، وليس بصحيح (١)؛ لأن التَّلَقِّيَ بالقَبول قد يقعُ لحُسْن الظن في الرَاوي، أو لعدم العلمِ بما يوجبُ رَدَه، أو لأنه غيرُ مقطوعٍ بكذبه، ولا هو مما ينافي ما يجبُ للقديم؛ لكونه محتمِلاً للتأويل وصَرْفه عن ظاهره بدليل العقلِ النَّافي لِمَا لا يليقُ بالقديم، وبالنصوص النَّافيةِ للتَشبيه، فلا يقعُ من المتلقَّى بالقَبول (٢) ما يتحصَلُ من تواتر الروايةِ؛ فلذلك ثبتَ بالتواتر القراَنُ بإجماع الصَحابةِ، وردّوا بإجماعهم ما انفردَ به ابنُ مسعودٍ، فصفاتُ اللهِ لا تَدْنُوا عن رُتْبَة القرآنِ؛ لأنه صفة لله سبحانه، فصارَ ردُّهم لخبر الواحدِ فيما طريقُه الكلامُ بإجماعِهم دَلاَلَةً على أنه لا يجوز قَبولُ خبر الواحدِ إلا في الإضافة إلى الله، فأمَّا على أن المذكورَ صفة لله فلا (٣)، وليس كلُّ مضافٍ إلى الله صفة لله (٤)؛ بدليل الرُّوح المضافةِ إليه في حَق آدمَ

стр. 297

وعيسى (١)، وكشفت أدلةُ القرآنِ وأدلةُ العقولِ على أنها مجردُ تشريفٍ بإضافة، لا أن لله صفةً يقالُ لها: الرُّوحُ ولَجَتْ آدمَ ولا عيسى، وإنَّما ذلك قولُ الحُلولِية (٢). فصل ويلي ذلك: الكلامُ في الِإجماع، لأن حجَّته تثبتُ بعدَ الرَّسولِ ﵊، وبعد استقرارِ أحكامِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولأن ثبوتَ الحُجةِ فيه؛ بنَوْعِ دَلاَلَةٍ منهما، ومردود به إليهما. فإن قيل: كيف أَخَّرْتُمُ الِإجماعَ عن الكتاب والسُنَّةِ بالِإجماع، ولا تتركونَ الِإجماعَ بهما؟ قيل: نحن لا نتركُ قولَ اللهِ وقولَ رسولِه لقول علماءِ الأُمَّةِ، لكنْ نتركُهما لِمثْلهما، فنتبين بإجماع الأُمةِ أن ذلك منسوخ، أو معدولٌ عن ظاهره؛ إذْ كان الِإجماعُ ليس بدليل في نفسه، لكنْ يصدرُ عن دليل، خلافَ من قال إنه ينعقدُ عن تَخْمِينِ الأُمَّةِ ومجرَّدِ حكمِهم، كما قالوا في تجويزِ قولِ الله سبحانه لنبيه: احْكُمْ بما تريدُ، فمهما حَكَمْتَ به، فهو حكمُنا، ولعِلْمِنا بأن الأُمَةَ لا ترفعُ حكماً باجتهادها، ولا بقياس منها. فصل ويلي ذلك: القياسُ، وإعمالُه في مواضعه، وذِكْرُ ما (٣) هو فَرْضُه،

стр. 298

وما يَتَّصِلُ من الفصول ببابه، وإنما وجبَ تأخيرُه عمَّا قَدَمْناه من الأدلةِ؛ لأجل أنه إنما ثَبَتَ كونُه أصلَاَ ودليلاً بالكتاب والسُّنَّةِ والإِجماعِ، على ما نبيِّنُه فيما بعدُ (١)، إن شاءَ الله، ولأن استعمالَه في مخالفة ما قدَّمْناهُ من الأدلةِ التي هي أصلُه محظورٌ، وإنما يصحُّ استعمالُه، إذا لم يَنْفِ ما ثبتَ به حُكْمُه. فصل ويلي ذلك: صفةُ المفتي، وإنما وجبَ تقديمُ القياسِ على هذا الأصلِ؛ لأجل أن المفتيَ إنما يصيرُ مفتياً يجوزُ الأخذُ بقوله، إذا عَرَفَ أدلَّةَ الأحكام، ومن جملتها القياسُ، فلما وجبَ أن يكونَ من جملة ما يصيرُ به مفَتياً القياسُ، وجبَ تقديمُ القياسِ؛ ليكونَ (٢) العلمُ له بالقياس حاصلاً، وبمواضع القياسِ أيضاً عالماً. فصل وإنما جَعَلْنا القوْلَ في صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقهِ؛ لأجل أن فتواه للعاميِّ دليلٌ له على وجوب الأخذِ به في حال وجوازِه في حال، فصارَتْ فتوى المجتهدِ للعاميَ كالأدلَّة التي هي النُصوصُ والظَّواهرُ والإِجماعُ والقياسُ للعالِمِ، ولما وجبَ أن تكونَ تلك من أصول الفقهِ؛ لكونها أدلَّةَ الأحكام للعلماء، كذلك فتوى (٣) المفتين وجبَ أن تكونَ من أصولِ الفقه؛ لكونها أَدلَّةَ الأحكام للعوامِّ.

стр. 299

وإنما ذَكَرْنا صفةَ المستفتي، وخَلَطْناه بأصول الفقهِ -وإن كان عامَياً مقلَداً ليس من الأدلةِ بشيء-؛ لأجل أن المفتيَ إنما يفتي عامِّياً له صفةٌ يسوغُ له التَّقليدُ للعالم إذا كان عليها، ولو لم يكُ كذلك، لَمَا جَازَ له الأخْذُ بقول غيرِه؛ فوجبَ ذِكْرُ صفتِهما وحالِهما. وإذ (١) ذكرنا صفةَ المفتي والمستفتي، فقد ذكرنا أيضاً صفةَ الحاكمِ والمحكومِ عليه، وإن كان لا يصيرُ حاكماً بكونه عالماً بالأحكام، وممَّن يجوزُ تقليدُه، وإنما يصيرُ كذلك بأن يكونَ إماماً قد عَقَدَ له أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، أو متقلِّداً للحكم من قِبَلِ إمام أو مَنِ استخلفَه الِإمامُ. فأما المحكومُ عليه فقد يكونُ عامِّياً، وقد يكونُ عالماً، والمستفتي لا يجوزُ أن يكونَ إلا عامَياً. فإن قيل: قد بَيَّنْتُمُ الوجهَ الذي لأجله جَعَلْتُم المفتي والمستفتي من أصول الفقهِ، فما وجة جعلِكم الحظرَ والِإباحةَ من أصول الفقهِ؟ قيل: لى لان العالمَ إذا فقدَ الأدلَةَ في الحادثة، وجبَ أن يقِرَّ الأمرَ فيها على حكم العقلِ، إن كان ممَّن يُثْبِتُ به حظراً وإباحةً، فإن لم يكنْ ممَّن (٢) يقولُ بذلك، وكانت الحادثةُ تتردَّدُ بين شَغْلِ ذِمَّةٍ وبين فَراغِها؛ بنى الأمرَ على فراغ الذِّمَّةِ، وإن لم يكنْ ممَّن يقولُ بإباحة ولا حظرٍ بمقتضى العقلِ، بَنَى على ما دَلَّ عليه أصلُ السَّمعِ من الحظر

стр. 300

أو الإِباحةِ، فلذلك جعلنا (١) الحظرَ والإِباحةَ من جملة أصولِ الفقهِ. فصل في صفةِ العالمِ الذي يسوغُ له الفتوى في الأحكام (٢). هو أن يكونَ على صفات عامَةٍ وخاصَةٍ: فالعامةُ: التي لا تَخْتَص، من ذلك: العقلُ، والبلوغُ، والإِسلامُ، والعَدالةُ. والصفاتُ التي تختصُّ: أن يكونَ عارفاً بالأدلَةِ ومناصبِها، وما يكونُ منها دليلًا بقضيةِ العقلِ وطريقِ الإِيجاب، وما هو متعلق بمدلوله تعلقاً لازماً، وما يدل منها بطريق المواضعَةِ من إهل اللغة، نحو تواضعِهم على دَلالاتِ الألفاظِ، وما جَعَلَه الشَرعُ دليلًا على الأحكام، ولولا ورودُه بذلك لم يكنْ دليلًا؛ لأنه بمعرفة ذلك يتمكَنُ من الوصول إلى العِلْم بأحكام الشَرعِ، وأنها مشروعةٌ من قِبَل الله الذي تعَبَّدَ خَلْقَه بماشاءَأن يَتعبدهم به. وأن يكونَ بحيثُ يصحُ له ويتأتَى منه أن يحكمَ بحكم الله في القضية، إذا كان حاكماً. فصل ولا يصلُ إلى علم ذلك إلَّا بعدَ معرفتِه بحَدَث العالَمِ، وإثباتِ

стр. 301

الصَّانعِ تعالى، وأنه على ما يجبُ كونُه عليه من صفاته الواجبةِ له، وأنه يتعبَّدُ بالشَّرائع على ألْسِنَةِ رسلِه ﵈، وأن يعرفَ كونَ الرسولِ رسولًا له تعالى بما دَلَّ على صدقه من معجزاته، ولا يصحُ له ذلك إلا بعد النَظَرِ في معجزاته، وأن يعرفَ وجهَ كونِها دلالةً على صدقه، ولا يصحُّ منه العلمُ بذلك أجمعَ حتى يكونَ عارفاً بالأدلَّةِ ونَصْبِها، ووجوبِ بناءِ النَّظرِ فيها بعضِه على بعض، وبناءِ العلوم الحاصلةِ عندَه، ومتى لم يَكْمُلْ بذلك ويتقدَّمْ علمُه، لم يصلْ إلى العلم بالله وبصدق رسلِه، وأنه تعالى متعبِّدٌ بهذه الأحكام؛ إذ كان تعبده بهذه الأحكام فرعاً على ما ذكرناه من الأصول وأدلتِهَا، ولهذه الأصولِ شروحٌ لا يصَلُ إلى معرفتها إلَّا من اطلَعَ في أصول الدِّياناتِ. فصل ثم يجبُ بعدَ ذلك أن يكونَ عارفاً باحكام الخطابِ، ومواقع الكلامِ ومواردِه، ومصادرِه، ومحتمِلِه وغيرِ محتمِلِه، ووجوهِ احتمالاتِه، وخاصَهِ وعامَّه، ومجمَله ومفسرهِ، ومحكمِه ومتشابِهِهِ، وحقيقتِه ومجازِه، ومطلَقِه ومقيده، ومَكْنِيِّه وصريحِه، وفَحْواهُ ولَحْنِه، ودليلِه، والفرقِ بين ذلك وغيرِ ذلك مما قد بَينَاه وشَرَحْناه في فصول البيانِ وأحكام الخطاب من هذا الكتاب، وإنَّما اعْتَبَرْنا ذلك في حقَه؛ لأنه بمعرفةَ ذلك يتمَكَنُ من معرفة المَرادِ بالخطابِ في الكتاب والسنَّةِ، ومَنْ قَصرَ عن ذلك، لم يَصِلْ إلى معرفته. واعلم أنه لن ينالَ عِلْمَ ذلك حتى يحفظَ من اللُّغة والنَحْو والِإعرابِ، ما يتعلقُ بمعاني الآي، والسُّننِ المتضمِّنةِ للأحكام.

стр. 302

فأمَّا إخلالُه بما زادَ على ذلك فغيرُ مُضِرٍّ به في معرفة بتَضَمُنِ الكلام، ولو أنا لم نُسَوَغْ له الفُتْيا حتى يصيرَ في علم اللغة والإِعرابِ مثلَ الخليلِ (١) والمُبَرَّدِ (٢) ومن جَرَى مَجْراهما في العلمَيْنِ، لضاقَ عليه، وشَغَلَه التَّناهي فيهما عن علم طرقِ الأحكامِ ووجوهِ الاجتهادِ. قال المحقِّقونَ من العلماء كالقاضي الإِمامِ أبي بكرٍ (٣) ومَنْ قاربَه أو شاكلَه: ولا وجهَ لقول من قال: إنه يلزمُه معرفةُ الأسماءِ الشًرعيةِ، والفرقِ بينها وبين اللُّغَوَّيةِ؛ لأنه ليس في الشَّرع اسم يخالفُ اللغوية على ما بيَّنَّاهُ من قبلُ (٤)، ونبيِّنُه إن شاء اللهُ في مسائل الخلافِ (٥). فصل ويجبُ أيضاً عند كثيرٍ من أهل العلمِ أن يكونَ حافظاً لكتاب الله جميعِه، ومحيطاً بالسننِ المتضمِّنةِ للأحْكام. وذهب المحقِّقونَ إلى أنه يَلْزَمُه أن يحفظَ من الآي ما يتعلَّقُ به

стр. 303

أحكامُ الفقهِ، وما هو ناسخٌ ومنسوخٌ، وتاريخَ ذلك، وفي ذلك كفايةٌ له عن القَصَص والمواعظِ والأمثالِ والزَّواجرِ، إذ لا يتعلَقُ بذلك حكمٌ شرعيٌّ، فإن كان في القَصص ما يتعلَّقُ به (١) حكمٌ شرعيٌّ هو شرعٌ لمن قَبْلَنا، فذلك كآي الأحكامِ النازلةِ في شريعتنا، على أصلنا: أنَ (٢) شَرْعَ من قَبْلَنا شرعٌ لنا. فصل ويجبُ أيضاً أن يكونَ عارفاً بأحكام أفعالِ النبيِّ ﵊، وما قدَّمنا ذكرَه من مراتبها (٣)، وما يجبُ اتَباعُه عليه منها، وما لا يجبُ ذلك فيه، وكيف يكونُ الفعلُ منها بياناً لحُكْم قولٍ لَزِمَ الأمَةَ أمثالُه، وما ليس منها كذلك. فصل ويجبُ كونُه عالماً بناسخ الخطاب ومنسوخِه اللذَين تتعلَّقُ بهما الأحكامُ، دونَ ما لا يتضمَّنُ من ذلكَ حكماً، ومعنى النَسخِ وطريقِ الحكمِ به، ويعرف أحكام المتعارضِ من النُصوصِ الذي لا يمكنُ بناءُ بعضِه على بعض، وما يمكنُ ذلك فيه، وهل يكونُ أخْذُ ما يمكنُ بناؤه دليلاً على الحكم، أم يجبُ إيقافُه وتعارضُه، والرجوعُ إلى غير ذلك؟

стр. 304

فصل وأن يعرفَ طُرُقَ البياناتِ، وما يجوزُ تأخيرُه منها، وما لا يجوزُ ذلك فيه. فصل وأن يكونَ عارفاً بالِإجماع وحجتِه، والخلافِ الذي يُعتد به والذي لا يُعتدُ به منه، وأين يسوغُ الاحتجاجُ بالإجماع؟ وأين لا يسوغُ التعلُّقُ فصل ويعلمَ أيضاً ما جُعِلَ في الشَّرع طريقاً إلى إثبات الحكمِ، إمَّا بجهة النَّصِّ، أو بغالب الظَّنَ بعد الاجتهادِ. فصل ويجبُ أن يكونَ عالماً عارفاً بالأخبار، ومراتبِها، وترجيحِها. فصل ويجبُ أن يكونَ عارفاً بالعِلَل، ووجهِ القياسِ، وأحكام العِلَلِ، وأين يجبُ أن تعملَ؟ وكيف يَستدِلُّ على ثبوتِ العلَّةِ المقيسِ عليها، أو على فسادها؟ فصل ويجبُ في الجملة أن يكونَ عالماً بجميع أصولِ الفقه وأدلَّةِ الأحْكامِ، وما هو أوْلى بالتَّقدُّم منها، على ما تَقَدَّمَ من ترتيبنا.

стр. 305

فصل ويجبُ مع ذلك كلِّه ان يتَقِيَ اللهَ تعالى، ويَستعمِلَ التَحرزَ فيما يُفتِي به ويحكُم -إن كان حاكماً-، وأن يعلمَ أنه مؤاخذٌ بالتَّقصير والتَساهلِ في ذلك. ومتى لم يكنْ كذلك، لم يَجُزْ للعاميِّ أن يستفتيَه ويرجعَ إلى قوله.

стр. 306

فصل فيما يجبُ أن يحفظَ من الأحاديث ظاهر كلام أحمدَ أنه يعتبرُ في صحَّة الفُتْيا حِفْظُ جملةٍ من الأحاديث، قال في رواية صالحٍ (١) في الرَّجل إذا حَمَلَ نفسَه على الفتيا: ينبغي أن يكونَ عالماً بوجوه القرآنِ، عالماً بالأسانيد الصَّحيحةِ، عالماً بالسُّنن (٢). ونقلَ عنه أبو الحارث: لا يجوزُ الاختيارُ إلا لرجل عالمٍ بالكتاب والسنة (٣).

стр. 307

وقال في رواية حَنْبَلٍ (١): ينبغي لمن افْتى أن يكونَ عالماً بقول من تقدَّمَ، وإلا فلا يًفْتي (٢). وقال في رواية يوسفَ بن موسى: أحب إليً أن يتعلَّمَ كل ما تكلم النًاسُ فيه (٣). وسألَ رجلٌ أحمدَ بن حَنْبَلٍ: إذا حفظَ الرَّجلُ مئةَ ألفِ حديثٍ يكونُ فقيهاً؟ قال: لا، قال: فمِئَتَىْ الْف حديثٍ؟ قال: لا، قلت: فثلاثَ مِئَةِ ألفِ حديثٍ؟ قال: لا، قلت: فأرْبَعَ مئةِ ألفٍ؟ قال بيده هكذا، وحَرَّكَ يدَه (٤). وقال الثِّقاتُ من أصحاب الحديثِ: إن يحيى بن مَعِين (٥) كان يحفظُ مِئَتَيْ ألفٍ، وكان عليُّ ابن المدينى (٦) يحفظً أربعَ مئةِ ألفِ

стр. 308

حديثٍ، وعثمانُ أخوه (١) مئةَ ألفٍ. وقال المخبِرونَ (٢) لأحمدَ: أجابَ عن سِتِّ مئةِ ألف. فظاهرُ كلام أحمدَ اعتبارُ هذا المِقْدارِ -أعني خَمْسَ مئةِ ألْفٍ، أو سِتَّ مئةِ ألفٍ-، حيثُ حَركَ يدَه تحريكاً يُعْطِي التردُّدَ في فتيا من يحفظُ أربعَ مئةِ ألفٍ. قال شيخُنا الِإمامُ أبو يَعْلى ابنُ الفرَاءِ (٣) -كرمَ اللهُ وجهَه-: وهذا محمولٌ على الاحتياط والتَغليظِ في الفتيا (٤).

стр. 309

وهذا من كلام شيخنا حَسَنٌ، لا يليقُ الكلامُ إلَّا به، وذلك أنَّا لو اعتبَرْنا حفظَ هذه الجملةِ، لما جازَتِ الفتيا لأحد؛ لأن هذا القَدْرَ لا يجتمعُ حفظهُ وحفظُ ما يَفْتقِر إليه الاجتهادُ من بقيَّة العلوم، وقد قدَمْنا أنه لا يفتقرُ إلى أقصى علوم اللُّغةِ والعربيَّةِ، بل ما لا بدًّ منه بمعرفة الآي والأخبار المضفَنةِ للأحكام، حتى قلنا: لا يحتاجُ أن يكونَ كالخليل والمُبَرًّد، كذلك لا يُشترطُ هنا أن يكونَ كابن المَدِينى وأحمدَ؛ لأن من بلغَ هذا الحَدَّ من الحفظ لابدَّ أن يفوتَه ما لا يسْتَغْنى عنه من الفقه، فهذا تحقيقُ كلامِ شيخِنا ﵁. وَيعْضُدُ تأويلَ شيخِنا من كلام أحمدَ ما رواه أبو موسى الوَرَّاق (١): سمعتُ أحمد بن حنبلٍ وذاكرَه دحَيْم (٢) بالأصول التي عن النبيِّ ﷺ ، قال أحمد: إن الأصولَ التي يدورُ عليها العلمُ عن النبيِّ ﷺ ينبغي أن تكونَ ألفاً أو ألفاً ومئتين (٣).

стр. 310

فهذا هو الذي تتضمَّنُه تعاليقُ الفقهاءِ في غالب الأحوالِ، وبانَ بهذه الرِّوايةِ أنه ذكرَ تلك الجملةَ احتياطاً ومبالغةً، واللهُ أعلمُ. فصل ولا يَحِلُّ لأحد أن يُفتيَ مع عَدَمِ ما ذكَرْنا أو اختلالِه، والدَّلالةُ على ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقولُه ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فاعتبرَ التَّفقُّهَ في الدين في الإِنذار، وقولُه سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وأيضاً فإن القاصرَ عن صفات الفُتْيا لا يُومَنُ أن يجيبَ بجهلٍ فيُضِلَّ، وقد ورَدَتِ السنَةُ بمثل ذلك، فقال ﷺ : ((إن اللهَ لا يرفعُ العلمَ انتزاعاً يَنْتَزعُه من صدور الرِّجالِ، لكنْ يرفعهُ بموت العلماءِ، فإذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخَذَ النَاسُ رؤوساً جُهَّالًا، فسُئِلُوا، فأَفتَوْا بغير علمٍ، فضَلُّوا وأَضَلُّوا" (١). وأيضاً ما رُوِيَ أن أميرَ المؤمنين علىَّ بن أبي طالبٍ، سمعَ أن رجلاً تكلَّمَ في الحلال والحرامِ وليس بفقيهٍ، فخرجَ، فخطبَ،

стр. 311

فقال: ذِمَّتي بما أقولُ رَهينَةٌ، وأنا به زَعيمٌ: إنَ امْرَأً صرَّحَتْ له العواقبُ عمَّا بين يَدَيْهِ من المَثُلاتِ، حَجَزَه التَّقوى عن تَقَحُّم الشُبُهاتِ، وإن شَرَّ النَّاسِ رجل قَمَشَ علماً في أوْباشٍ من النَّاسِ، فهو في قِطَع من الشُّبُهات كمِثْلِ نَسْجِ العنكبوتِ، خَباطُ عَشَواتٍ، رَكَابُ جهالاتٍ، لم يَعَضَّ على العلم بضِرْسٍ قاطعٍ فيَغْنَمَ، ولا سَكَت عمَّا لم يعلَمْ فيَسْلَمَ، فويلٌ للدِّماء والفُروجِ منه (١). ولأن الرُّجوعَ في قِيَم المتلَفاتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ لا يجوزُ، إلاَّ أن يكونَ المرجوعُ إليه من أهل الخِبْرةِ بأسعار الأسواقِ، فأوْلى في باب أحكامِ الشَّرعِ ألَّا يرجعَ إلى مَنْ لا خبرةَ له بها، أوكان مقصِّراً فيها. فصل وظاهرُ كلام أحمدَ جوازُ إرشادِ العاميِّ إلى مجتهدٍ يستفتيه، وإن كان المدلولُ عليَه والمرشَدُ إليه يخالفُ مذهبَ الدالِّ؛ فإنه سُئِلَ عن مسألة، فقال: عليك بالمدنيِّين (٢). يعني: مذهبَ مالكٍ، وقال أيضاً لبعض أصحابه: لا تَحْمِل النَّاس على مذهبك. يعني: دَعْهم يَتَرَخَّصون بمذاهَب النَّاسِ. وهذا يعطي أن مذهبَه: أن كلَّ مجتهدٍ مصيب، لأنه لو كان عنده على خطأ، لَمَا جازَ له دَلالَةُ الطالب للحقِّ على مَنْ يعتقدُ أنه على

стр. 312

غير حقٍّ، ووجهُ ذلك: أن النبيَّ ﷺ قال: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدين من بَعْدِي" (١)، مع علمه بأنهم سيختلفون، وقولُه: "وأصحابي كالنُجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتدَيْتم" (٢). ولأن الِإجماعَ انعقدَ على جواز تَوْلِيَةِ بعضِ الفقهاءِ بعضاً ولايةَ

стр. 313

الأحْكام مع العلمِ بأنهم يَقْضُونَ بما يخالفُ الحقَّ عندهم، ولو كان الإِرشادُ اَليهم غيرَ جائزٍ، لكان المنْعُ من توليتِهمُ الأحْكامَ أوْلى بالمنع؛ لأن الحكمَ يؤدِّي إلى إلزام ما ليس بحقٍّ عندَ المُوَلِّي، مثلُ الشافعىِّ يُوَلِّي الحنفيَّ والحنبليَّ فيَحْكُمان باستقرار الصَّداقِ وتكميلِه بالخَلْوةِ (١)، والحنبلي يوَلَّي الحنفى فيحكم بإيجاب الشُّفْعَةِ بالجِوار (٢)، وُيوَلِّي الشافعيَّ فيحكم بإيجاب الشفْعَةِ للذِّمِّيِّ على المسلم (٣)، وُيولِّي الحنفيَّ فيحكمُ بعقود عندَه باطلة، وبقَتْل المسلمِ بالكافر (٤). فإن قيل: كيف نرشدُه إلى ما نعتقدُه خطأً وقد قال النبيُّ ﷺ : "الدينُ النَصيحةُ" (٥)؛ وأَيُّ نصيحةٍ في إرشاد مسترشدٍ إلى مَنْ نُخَطِّئُه

стр. 314

في مذهبه؟ قيل: لسنا على قَطْع من الِإصابة منَّا، ولا الخطإ من مخالفنا، وخطأُ المجتهدِ خطأٌ لا يُسْتحَقُّ عليه عقابٌ، بل لا يخلو فيه من أجر الاجتهادِ، فهو كخطإ القِبْلَةِ، وخطإ المتَحَرِّي في المياه المشتبِهةِ نَجسِها بطاهرها؛ ولهذا المعنى اتَّفقنا على جواز تقليدِ مخالفينا ولايةَ الأَحكامِ، وتقاضَيْنا إليهم في الخصومات، وصَلَّيْنا خلفَهم. ولهم أن يقولوا: فكما لا يجوزُ أن تَدُل على قطع الخطإ، لا يجوزُ أن تَدُل على ما يغلبُ على الظَّنَ أنه خطأٌ، ألا ترى أنه كما لا يجوزُ الدَلالَةُ على طريق يُقْطع فيه على الضرر، لا يجوزُ أن يُدَل المسترشدُ على طريق يغلبُ على ظنَنا أن فيه سَبُعاً. فصل وظاهرُ كلامِ أحمدَ أن صاحبَ الحديثِ أحق بالفُتْيا من صاحب الرايِ، قال عبد الله (١): سألْتُ أبي عن رجل يريدُ أن يسألَ عن الشَيءِ من أمر دينهِ فيما يُبْتَلَى به من الأيمانِ في (٢) الطَلاق وغيرِه، وفي مِصْره من أصحاب الرَّأْي، ومن أصحاب الحديثِ لا يحفظون، ولا يعرفون

стр. 315

الحديثَ الضَّعيفَ، ولا الإِسناد القَويَّ، فلمن يسألُ: لأصحاب الرَّأيِ، أو لهؤلاء مع ما هم. عليه من قِلَّة معرفتِهم؟ قال: يسألُ أصحابَ الحديثِ، ولا يسأل أصحابَ الرأيِ، ضعيفُ الحديثِ خيرٌ من رأي أهلَ الرَّأيِ (١). وهذا عندي محمولٌ على أحد أمرَيْن؛ ليجتمعَ كلامُه ولا يتناقضَ: إمَّا على أنه عَلِمَ من أهل الحديثِ الذين ذَكَرَهم فقهاً؛ إذ لا يجوزُ لمثله (٢) أن يجيزَ تقليدَ مَن لا اجتهاد له ولا فقهَ، سوى حِفْظِ أحاديثَ يَرْويها لا يعلمُ أسانيدَها، فضلَاً عن فقه ألفاظِها ومعانِيها. أو يكون السُّؤالُ الذي أجازَه. برجعُ إلى الرِّواية، ويكون أهلُ الرأي الذين طَعَنَ فيهم أهلَ رأيٍ في رَدِّ الأحاديثِ، لا الرَّاي في فقه الأحاديثِ، واستنباط المعاني، والعلمِ بالقياس، وكيف يكونُ ذلك وهو من كبار أهلِ الراي؛ بقوله بالقياس، وعلمِه بأنه إجماعُ السلَف؟ وإنما الذَّمُ عادَ إلى ما تَردُ به الأحاديثُ كرأي المبتدِعين، والله أعلمُ. فصل ويجب أن ينظرَ المفتي إلى الحكم الذي يُفْتِي العاميَّ به: فإن كان مما يَسُوغُ خلافُه، أعْلَمَه الحكمَ في مذهبه، واستُحِبَّ

стр. 316

له إعلامُه بمذهب غيرهِ، إن كان أهلاً للتَّوسعَة عليه وأهلاً للرُّخْصة، حتى إنْ ضاقَ عليه مذهبُه، سألَ غيرَه، فكان عامِلًا بالتقليد؛ لئلَّا يرتكبَ مخالفةَ مذهب هذا المفتي من غير تقليدٍ لآخرَ مِن أهل الاجتهادِ، فيكونَ في ذلكَ آثماً؛ فلذلك استَحْبَبْناله أن يجَنِّبَه التَّعرُّضَ بالِإثم. وإن كان الحكمُ الذي أفْتى به إجماعاً لا يسوغُ الخلاف فيه، أَعلَمه ذلك، وكان إعلامُه واجباً وجوبَ فروضِ الكفاياتِ، إن كان في البلد غيرُه، وإن كان وحيداً لا مُفْتِيَ غيرُه، تعَيَّنَ عليه إعلامُه، كما تتعيَّنُ سائرُ فروضِ الكفاياتِ في حَقِّ الواحدِ. فصل والذي هو أهلٌ للرخصة: الطالبُ للحق أو بالحق، أو الطالبُ للتخلُّص مِنَ الربا أو الزَنا، فيدله إلى مذهب مَنْ يرى التَحَيلَ للخَلاص من الرِّبا، والخُلْعَ لعدم وقوعِ الطَلاقِ، وماَ شاكلَ ذلك (١). فصل وإذا جاءَتْ إلى المجتهدِ مسألةٌ، فعَزَبَ عنه الجوابُ، واحتاجَ إلى مُهْلَة للنَّظَر، فإن كان معه في المِصْرِ غيرُه، كان له رَدها، وإن كان قد تعَينَتْ عليه؛ بأن كان وحيداً في المِصْر، وَجَبَ عليه النَّظَرُ، ولم

стр. 317

يَجُزْ له إهمالُ الجوابِ، كسائر فروضِ الكفاياتِ (١). فصل وإذا تَردَّدَ أمرُ الحادثةِ بينَ أصلَيْنِ، وجبَ عليه التَّرجيحُ، فإلى أيِّهما مالَتْ بحُكم الشَّبَهِ والأحكامِ، وجبَ عليه إلحاقُ الحادثَة به، وذلك مثلُ: أن جاءَتْه مسألةٌ تردَّدُ بيْنَ اليَمينِ بالله والظهارِ، أو تتردَّدُ بين إيجاب كفَّارةٍ أو نَفْيِ إيجابِها، وكان شَبَهُها بما يوجِبُ الكفَّارةَ أكثر، أَلْحَقَهَا به، وأوجبَ المنَارةَ. فصل وإن كان جوابُها عنده حاضراً؛ بأن حَضَرَه الدَّليلُ وكان وحيداً، تَعيَّنَ عليه الجوابُ، وإن كان معه غيرُه، جازَ له الامتناعُ (٢)؛ وذاك لأن الصَّحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- كانوا يتدافعون الفُتْيا، ولو كان الجوابُ متعيِّناً، لمَا جازَ لهم ذلك، ألا تَرَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا كان واحداً فيما كان عليه مِن إيجاب البيانِ عليه والتَّبليغِ، لم يَجُزْ له تأخير الجوابِ عن السؤال، ولا البياَنِ عن الحاجة بإجماعٍ، وعن الخطاب عندَ قومٍ. فصل فإن كان معه في المِصْر مَن لا يَصْلُح للفتيا، لكنَّه يُفْتِي ويعْرَفُ بذلك بَيْنَ العوامِّ، لم يَحِلَّ للمجتهد الامتناعُ مِن الجواب اعتماداً عليه

стр. 318

لمعنَيْينِ: أحدُهما: أنَ وجودَ ذلك كلا وجودٍ، وهو وحيدٌ في المَعْنى، إذ ذلك ليس مِن أهل الفَرْضِ، فهو كمن تركَ صلاةَ الجِنَازةِ لامرأةٍ أو ذمِّيٍّ معه في القرية، أو تركَ النَّهْيَ عن المنكَر، لوجود مجنونٍ أو طفلٍ معه في القرية، فإنه لا يَحِل له ذلك لمَّا كان على حُكم الوَحْدَةِ، إذ ليس معه مِن أهل الفَرْضِ والخطابِ أحَدٌ، كذلك ها هنا. والمعنى الثاني: أنه إذا تَرَكَ الجوابَ إظهاراً للاعتماد على مَنْ ليس مِن أهل الفُتيا، صارَ كالِإحالةِ بالفُتيا على مَنْ ليس مِن أهلها، فهو كما لو دَل العامِّىَّ على غير فقيهٍ مجتهدٍ، فإنه لا يجوزُ له ذلك، كذلك ما يجري مَجْرى الدَّلالةِ عليه.

стр. 319

فصل في صِفَة المُسْتفتِي وهو مَن عُدِمَ في حقِّه ما قدَّمْناه من المعرفة بطرق الاجتهادِ (١)، أو قَصَرَ عنها تقصيراً يخرجه عن أن يجوزَ ان يستفتى في حكم الحادثةِ، فذاك العامِّيُّ بعينه، وفرْضه فيما يبتلى به من النَّوازل الدَينيَّةِ والحوادثِ الحُكْميَّةِ سؤال المجتهدِ الذي وصَفْناه فيما قَبْل، فهذا هو المستفتِي، وسؤالُه للمجتهد هو الاستفتاءُ. ولا عِبْرَة بقول (٢) من زَعَم أن على العامِّيِّ العلمَ بدليلٍ يرشِده إلى حكْم الحادثِة (٣)؛ لأن ذلك يقطعه عن مصالحهِ، ولا يَتأَتى منه ولا له دَرْك البغْيَةِ؛ لكون ذلك يحتاج إلى تقدُّمِ معرفةِ أصولِ الفقهِ على ما قدَّمْنا، وأَنَّى ذلك للعامِّيِّ. فصل فإن كان عالماً بطرق الاجتهادِ، لكنَّه فاسق، فهل يجوز له أن

стр. 320

يأخذَ باجتهاد نفسِه، أم يرجعَ إلى مجتهد غيرهِ (١)؟ يحتملُ أن لا يُقَلدَ؛ ولهذا قلنا: إن الإِجماعَ ينعقدُ بغيره، ولا يَنْخَرِمُ بمخالفته، فألزمونا أخْذَه في الأحكام برأي نفسِه، وأنه لا يجوزُ مخالفةُ رأيه في حقِّ نفسِه برأي الجماعةِ، فسلَّمْناه، ولهذا نقول في القِبْلة: لاَ يَرْجِعُ إليه غيرُه، ولا يرجعُ إلى قول غيرهِ، إذا كان فاسقاً. فصل وحكمُ العامِّيِّ في جميع الأحْكام الشَّرعيَّةِ حكمُ العالمِ فيما لا يجدُ عليه دليلاً قطعياً كنصِّ كتابٍ أو سُنَةٍ متواترةٍ، فإنه يجوزُ له الأخْذُ بخَبَر الواحدِ المظنونِ في نفسه، المظنونِ به الحكمُ الذي وَرَدَ به، كذلك العاميُ لَمَّا لم يكنْ له طريقٌ إلى معرفة الحكم، صارَ فَرْضُه الرجوعَ إلى قول المفتي العالمِ العَدْلِ، الذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ صدقُه، وإصابتُه فيما أَفْتى به. فإن قيل: العالمُ يرجعُ إلى دليل قطعيٍّ يُوجبُ عنده الأخذَ بأخبار الآحادِ، والقياسِ، وغير ذلك من الأدلةِ المظنونةِ، والعامى لا علمَ عندَه قطعي في تقليده للعالم. قيل: لا فَرْقَ بينهما، فإن العاميَ قد ثبتَ عنده من طريق مقطوعٍ به أنه مأمورٌ بالرجوع فيما يَنُوبُه إلى عالم بالحكم، والأخذِ بفتواه، وهو إجماعُ الصَّحابةِ على سماع الأسئلةِ من البادِيَة ومَنْ لا فقهَ له والجواب لهم عمَّا سأَلُوا، ولا أحدَ منهم امتنعَ من ذلك، وهذا طريقُ علمٍ لا ظَن، إذ لم يكنْ جميعُ الصحابةِ فقهاءَ.
следующие страницы →