← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

له إعلامُه بمذهب غيرهِ، إن كان أهلاً للتَّوسعَة عليه وأهلاً للرُّخْصة، حتى إنْ ضاقَ عليه مذهبُه، سألَ غيرَه، فكان عامِلًا بالتقليد؛ لئلَّا يرتكبَ مخالفةَ مذهب هذا المفتي من غير تقليدٍ لآخرَ مِن أهل الاجتهادِ، فيكونَ في ذلكَ آثماً؛ فلذلك استَحْبَبْناله أن يجَنِّبَه التَّعرُّضَ بالِإثم. وإن كان الحكمُ الذي أفْتى به إجماعاً لا يسوغُ الخلاف فيه، أَعلَمه ذلك، وكان إعلامُه واجباً وجوبَ فروضِ الكفاياتِ، إن كان في البلد غيرُه، وإن كان وحيداً لا مُفْتِيَ غيرُه، تعَيَّنَ عليه إعلامُه، كما تتعيَّنُ سائرُ فروضِ الكفاياتِ في حَقِّ الواحدِ. فصل والذي هو أهلٌ للرخصة: الطالبُ للحق أو بالحق، أو الطالبُ للتخلُّص مِنَ الربا أو الزَنا، فيدله إلى مذهب مَنْ يرى التَحَيلَ للخَلاص من الرِّبا، والخُلْعَ لعدم وقوعِ الطَلاقِ، وماَ شاكلَ ذلك (١). فصل وإذا جاءَتْ إلى المجتهدِ مسألةٌ، فعَزَبَ عنه الجوابُ، واحتاجَ إلى مُهْلَة للنَّظَر، فإن كان معه في المِصْرِ غيرُه، كان له رَدها، وإن كان قد تعَينَتْ عليه؛ بأن كان وحيداً في المِصْر، وَجَبَ عليه النَّظَرُ، ولم

стр. 317

يَجُزْ له إهمالُ الجوابِ، كسائر فروضِ الكفاياتِ (١). فصل وإذا تَردَّدَ أمرُ الحادثةِ بينَ أصلَيْنِ، وجبَ عليه التَّرجيحُ، فإلى أيِّهما مالَتْ بحُكم الشَّبَهِ والأحكامِ، وجبَ عليه إلحاقُ الحادثَة به، وذلك مثلُ: أن جاءَتْه مسألةٌ تردَّدُ بيْنَ اليَمينِ بالله والظهارِ، أو تتردَّدُ بين إيجاب كفَّارةٍ أو نَفْيِ إيجابِها، وكان شَبَهُها بما يوجِبُ الكفَّارةَ أكثر، أَلْحَقَهَا به، وأوجبَ المنَارةَ. فصل وإن كان جوابُها عنده حاضراً؛ بأن حَضَرَه الدَّليلُ وكان وحيداً، تَعيَّنَ عليه الجوابُ، وإن كان معه غيرُه، جازَ له الامتناعُ (٢)؛ وذاك لأن الصَّحابةَ -رضوانُ اللهِ عليهم- كانوا يتدافعون الفُتْيا، ولو كان الجوابُ متعيِّناً، لمَا جازَ لهم ذلك، ألا تَرَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا كان واحداً فيما كان عليه مِن إيجاب البيانِ عليه والتَّبليغِ، لم يَجُزْ له تأخير الجوابِ عن السؤال، ولا البياَنِ عن الحاجة بإجماعٍ، وعن الخطاب عندَ قومٍ. فصل فإن كان معه في المِصْر مَن لا يَصْلُح للفتيا، لكنَّه يُفْتِي ويعْرَفُ بذلك بَيْنَ العوامِّ، لم يَحِلَّ للمجتهد الامتناعُ مِن الجواب اعتماداً عليه

стр. 318

لمعنَيْينِ: أحدُهما: أنَ وجودَ ذلك كلا وجودٍ، وهو وحيدٌ في المَعْنى، إذ ذلك ليس مِن أهل الفَرْضِ، فهو كمن تركَ صلاةَ الجِنَازةِ لامرأةٍ أو ذمِّيٍّ معه في القرية، أو تركَ النَّهْيَ عن المنكَر، لوجود مجنونٍ أو طفلٍ معه في القرية، فإنه لا يَحِل له ذلك لمَّا كان على حُكم الوَحْدَةِ، إذ ليس معه مِن أهل الفَرْضِ والخطابِ أحَدٌ، كذلك ها هنا. والمعنى الثاني: أنه إذا تَرَكَ الجوابَ إظهاراً للاعتماد على مَنْ ليس مِن أهل الفُتيا، صارَ كالِإحالةِ بالفُتيا على مَنْ ليس مِن أهلها، فهو كما لو دَل العامِّىَّ على غير فقيهٍ مجتهدٍ، فإنه لا يجوزُ له ذلك، كذلك ما يجري مَجْرى الدَّلالةِ عليه.

стр. 319

فصل في صِفَة المُسْتفتِي وهو مَن عُدِمَ في حقِّه ما قدَّمْناه من المعرفة بطرق الاجتهادِ (١)، أو قَصَرَ عنها تقصيراً يخرجه عن أن يجوزَ ان يستفتى في حكم الحادثةِ، فذاك العامِّيُّ بعينه، وفرْضه فيما يبتلى به من النَّوازل الدَينيَّةِ والحوادثِ الحُكْميَّةِ سؤال المجتهدِ الذي وصَفْناه فيما قَبْل، فهذا هو المستفتِي، وسؤالُه للمجتهد هو الاستفتاءُ. ولا عِبْرَة بقول (٢) من زَعَم أن على العامِّيِّ العلمَ بدليلٍ يرشِده إلى حكْم الحادثِة (٣)؛ لأن ذلك يقطعه عن مصالحهِ، ولا يَتأَتى منه ولا له دَرْك البغْيَةِ؛ لكون ذلك يحتاج إلى تقدُّمِ معرفةِ أصولِ الفقهِ على ما قدَّمْنا، وأَنَّى ذلك للعامِّيِّ. فصل فإن كان عالماً بطرق الاجتهادِ، لكنَّه فاسق، فهل يجوز له أن

стр. 320

يأخذَ باجتهاد نفسِه، أم يرجعَ إلى مجتهد غيرهِ (١)؟ يحتملُ أن لا يُقَلدَ؛ ولهذا قلنا: إن الإِجماعَ ينعقدُ بغيره، ولا يَنْخَرِمُ بمخالفته، فألزمونا أخْذَه في الأحكام برأي نفسِه، وأنه لا يجوزُ مخالفةُ رأيه في حقِّ نفسِه برأي الجماعةِ، فسلَّمْناه، ولهذا نقول في القِبْلة: لاَ يَرْجِعُ إليه غيرُه، ولا يرجعُ إلى قول غيرهِ، إذا كان فاسقاً. فصل وحكمُ العامِّيِّ في جميع الأحْكام الشَّرعيَّةِ حكمُ العالمِ فيما لا يجدُ عليه دليلاً قطعياً كنصِّ كتابٍ أو سُنَةٍ متواترةٍ، فإنه يجوزُ له الأخْذُ بخَبَر الواحدِ المظنونِ في نفسه، المظنونِ به الحكمُ الذي وَرَدَ به، كذلك العاميُ لَمَّا لم يكنْ له طريقٌ إلى معرفة الحكم، صارَ فَرْضُه الرجوعَ إلى قول المفتي العالمِ العَدْلِ، الذي يَغْلِبُ على الظَّنِّ صدقُه، وإصابتُه فيما أَفْتى به. فإن قيل: العالمُ يرجعُ إلى دليل قطعيٍّ يُوجبُ عنده الأخذَ بأخبار الآحادِ، والقياسِ، وغير ذلك من الأدلةِ المظنونةِ، والعامى لا علمَ عندَه قطعي في تقليده للعالم. قيل: لا فَرْقَ بينهما، فإن العاميَ قد ثبتَ عنده من طريق مقطوعٍ به أنه مأمورٌ بالرجوع فيما يَنُوبُه إلى عالم بالحكم، والأخذِ بفتواه، وهو إجماعُ الصَّحابةِ على سماع الأسئلةِ من البادِيَة ومَنْ لا فقهَ له والجواب لهم عمَّا سأَلُوا، ولا أحدَ منهم امتنعَ من ذلك، وهذا طريقُ علمٍ لا ظَن، إذ لم يكنْ جميعُ الصحابةِ فقهاءَ.

стр. 321

فصل و لا يَتَعيَّنُ الاستفتاءُ لواحد -وهو ما يذهبُ إليه الرافِضَة (١) من الإِمام المعصومِ، المودِع للعلوم، المغني عن غيره في باب الأحكامِ- لوجوه: أحَدها (٢): أنَّا لا نعلمُ إماماً معصوماً، ومَنْ نَحَوْا إليه بالإِمامةِ والعِصْمَةِ، فقد قَطَعُوا ما بيننا وبينه بقولهم: إنه كان في ذُلِّ التَّقيَّةِ المانعةِ من كَشْف الحَقِّ على الحقيقة. وهذا يُفضي إلى أن لا يُعْرَفَ له مذهبٌ، ولا يُتَعَرَّفَ منه حكمٌ، فالإِحالةُ على ما هذا سبيلُه مَنْع لنا من الرجوعِ إلى من وجَدْنا من العلماء، وسد لباب علمِ المعصومِ، فكنا عادِمِينَ لأحكام الشَرعِ؛ إذ كان علماؤنا غيرَ واقعينَ على الحقِّ، وعلمُ المعصومِ محجوبٌ عنا بالتَّقِيَّة. وهذا مستوفىً في باب الإِمامةِ في أصول الدَّياناتِ، وليس هذا مكانَه.

стр. 322

فصل في بيان فسادِ هذه المقالةِ، بحَسَب الكتابِ. إنه قولٌ يؤدي إلى الطَّعن فيهم وفي جميع الصَّحابةِ، أما الطَّعنُ فيهم؛ فإنهم لَمَّا أرادوا الإِمامةَ، قد بَرَزُوا في مقابلة كُل مكافح لهم في معنىً من المعاني، والصَّوْلُ أكبرُ من القول، ولم يَرْشَحُوا بما ذهبوا إليه إلى من تابعَهم على قتال من قاتَلَهم، ولا كاتَبُوا بما عَلِمُوه من الأحكام مما خُولِفُوا فيه مَنْ ناصَبَهم، وهذا بعينه دليلُنا على إعجاز القرآنِ، والردُ على من زعمَ أن القومَ قَدَرُوا، لكنْ أهْمَلُوا أمرَ المعارضةِ لقلِّة اكتراثِهم. فقلنا: مُحالٌ أن نتحدَّاهم بالأسهل عليهم، وهو القولُ الذي يحصلُ به التَّكذيبُ، فيعدِلُوا إلى الأصعب، وهو الصَوْلُ الذي ليس فيه ما يَدُلُّ على الكذب، كذلك ها هنا لا يجوزُ أن يَعْدِلُوا -هؤلاء- عن القول لِمَا عَرَفُوه، والعدولُ عنه إلى الحِرابِ والقتالِ. فصل ويلزمُ العامِّيَّ: أن يعرفَ حالَ المفتي فيما لا غَناءَ عنه، فإذا سألَ عنه فوجدَه من أهل الفتيا، جازَ أن يستفتيَه (١)، وقد سبقَتْ صفاتُ العالِمِ المستفتَى، فأغنى عن الِإعادة. ولا يجوزُ له أن يستفتيَ من شاءَ، هذا مذهبُ أحمدَ ﵁، وجمهورالعلماءِ من الفقهاء والأصوليين.

стр. 323

وحُكِيَ ان قوماً أجازوا أن يستفتيَ غيرَه من غير تعَرُّفٍ لحاله في العلم والأمانةِ، كما يجوزُ أن يأخذَ بالقول من غير مسألةٍ عن الدَليل والحجَّةِ فيما أَفتاه به. وهذا اعتلالٌ باطلٌ؛ لأن إجماعَ الأمَّةِ على خلافه؛ لأنهم كانوا لا يُجيزون للإِنسان أن يستفتيَ كُلَّ واحدٍ، ومن ليس من أهل العلم بهذا الشَأنِ، بل كان منهم من كان "يُلْزِمُ العامِّيَّ الاجتهادَ والمسألةَ في الأعلم منهم والأعدلِ والأفضلِ، [و] إذا (١) لزمه اجتهاده عند المسالةِ إلى أن منهم من هو أعلمُ وأورعُ وأفضل، لَزِمَه الأخذ بقوله دون الأخذِ بقول من قَصَرَ عنه، ومنهم من كان يعلمُ عدالَة الراوي، ثم يُحَلِّفُه مع عدالتِه، وهو على بن أبي طالب (٢) -كرَّمَ اللهُ وجهه-. ومعلوم أنَ تقليدَ العالِمِ للراوي كتقليدِ العاميِّ للفقيه في الاستفتاءِ، وأيضاً فإنَ المستفتَى، إذا لم يتقدمْ البحثُ عن حاله جازَ أن يكونَ كالمستفتِي في الجَهْل بالحكمِ المسؤولِ عنه، فلا يفيد سؤالُه فائدةً، لانَّهما سواء، فلا وجهَ لتقديمِ أحدِهما بأن يكونَ متبوعاً، ومُستفتىً على الآخر، كما لا يلزمُ استفتاءُ العالِم عالماً لتساويهما،

стр. 324

كذلك لا يجوزُ استفتاءُ الجاهلِ جاهلاً لتساويهما. فإن قيل: أليس قد اسْقِطَ عن العاميِّ النَظَرُ في أدلة الأحكامِ؛ كذلك وجبَ أن يُسقَطَ عنه النَظرُ في أعيان المفتِين، ولا فرقَ بين الدليلِ والمسؤولِ في كون كل واحدٍ منهما مرشِداً. قيل: إنَ في تكليف العاميِّ النَظرَ في أدلَةِ الأحْكام تعطيلاً للمصالح، وتكليفَ ما يَضُرُّ تكليفُه بالعالَم؛ لوقوف المَعايشِ وَتعطِل الأعمالِ، وقد بَيَّنَا قَدْرَ ما يحتاجُ إليه المجتهدُ من العلوم، وكفى بذلك شغلَاً عن أن يبقى معه مُسْكة لتحصيل رزقٍ أو نَفَقَةِ عيال، وليس كذلك البحثُ والسؤالُ عن حالِ المستفتَى، فإنَه أمرٌ قريبٌ سهل لا يتعذَّرُ ولا يتطاوَلُ زمانُه. فلهذه المصلحةِ جعلَ الله تعلمَ العلمِ فريضةَ كفايةٍ، ولم يجعلْه فريضةَ أعيانٍ. وأيضاً، فإن كلَّ مَنْ لَزِمَهُ الرجوعُ إلى قول غيرِه، أو كلَّ من وجبَ عليه الرُّجوعُ إلى قولِ غيرِه، وجَبَ أن يعرفَه؛ بدليل أنَ النَبى ﷺ لمَا وجبَ الرجوعُ إلى قوله، وجبَ أن نعرفَه، وكذلك الأئمَّةُ والحكامُ لَما وجبَ الرجوعُ إلى قولهم، وجبَ معرفتُهم، كذلك وجبَ على العاميِّ معرفةُ المجتهدين وأئمةِ الحَلِّ والعَقْدِ (١). فإن قيل: أفليس يكفيه أن يُخبِرَه عن العلماء الواحدُ والاثنان ومَنْ لا يقعُ العلمُ بخبرِهم، ولا يعتبرُ من يقعُ العلمُ بخبرهِم وهو عددُ

стр. 325

التَّواترِ (١)، كذلك لا يعتبرُ من يُحقَقُ وُيقْطَعُ بأنه من أهل الاجتهادِ، بل يكفي أنْ يكونَ غيرَ عالمٍ وغير معلومٍ حالُه. قيل: الأَوْلى في الخبرِ أن يُعلِمَنا مَنْ له علم بذلك، وهم علماءُ البلدِ العدولُ، على أنَ اعتبار العدالةِ والعلمِ يجوزُ أن يُعتبرَ في المستفتَى وإن لم يُعتبرْ في المخبِرِ عن فتواه؛ بدليلِ المُقَوِّمَينِ في المُقَوَّماتِ يُرجَعُ إليهما (٢)، ويجبُ أن يكونا في اعتبار الثقةِ بقولهما عالِمين بالأسعارِ والأسواقِ، ولا يُعتَبرُ في الخبر عنهما ذلك، كذلك جازَ أن يكونَ المخبِرُ عن المفتى ليس بعالمٍ، ولكن يُعتبرُ العلمُ في المستفتَى. فصل فإِذا عَرفَ حالَ جماعةٍ في المِصْرِ فوجدَهم علماءَ عدولًا، فهل يلزمُه الاجتهادُ في الأعلم، أو يكونُ مخيًراً بين الجماعةِ؟ ذهبَ صاحبنا (٣) إلى أنه ينبغي له أن يجتهدَ فيقلِّدَ الأعلمَ والأورعَ، ووافقَه جماعة، وذهبَ قوم إلىْ تخييرِه، فأيُّهم شاءَ قَلَّدَه، وأَخَذَ بقولِه.

стр. 326

والدَلالةُ لمن ذهبَ إلى وجوب ذلك: أن العلماءَ للعامَّةِ في باب الرًّجوعِ إليهم كالأدلَّة بالِإضافةِ إلىَ العلماء، ثم المجتهد يجبُ عليه أن يُرجِّحَ الدَلالَةَ، ويذهبَ إلى الحكمِ الذي رجحَتْ دَلالَتُه، كذلك ها هنا يجبُ على العاميِّ أن يُرَجِّحَ من يرجعُ إلى قولِه، وكذلك ترجيحُ الخبرِ على الخبر للعمل بالأرجح بوجوه التَراجيح واجبٌ ليعملَ بأرجحِها. ووجهُ مَنْ [لا يرى] (١) الوجوبَ: أن الذي يَحْصُلُ به رُكْنُ الاستفتاءِ، ويتحقَقُ به المقصودُ، إنَما هو الاجتهادُ الكاملُ وقد وُجدَ، والعدالةُ للثِّقة وقد وُجدَتْ (٢) فأمَّا الأفضلُ والأعلمُ والأورعُ فيُعَطى منزلتَه، وهو الأوْلى والاستحبابُ، فأمَّا الإِيجابُ فلا، بدليل الشَّهادةِ، فإنَه لا تُقَدمُ فيها دعوى من شَهِدَتْ له البينةُ الفاصلةُ، بالوَرَع وشدَّةِ التَّحرِّي. وبدليل أن السلفَ الصالحَ لم يتركوا المفضولَ، ولا منعوا من استفتائِه؛ لوجود الأفضلِ، ولأن الفُتْيا والحكمَ مبنية على السهولةِ؛ ولذلك شهدَ للمخطىءِ بالأجر، وجعلَ للمصيب أَجْرَيْنِ (٣).

стр. 327

ولأنَّ غايةَ ما في هذا نوعُ احتياطٍ، وليس كل احتياطٍ واجباً، كما لم يجبْ الأخذ بالأشق، كالأخذِا بتحريم من افتى بالمَنْع، كذلك لا يلزمُ التَعويلُ على الأعلمِ والأورع؛ لأنَه الأحوطُ، إنما يُعطَى رتبتَه من الأوْلى والاستحبابِ. فصل واعْلَمْ أنني لَمَّا قَدَّمتُ هذه الجملةَ من العقودِ والحدودِ وتمهيدِ الأصولِ، ومَيزْتها عن مسائل الخلافِ، رأيت أن أُشْفِعَها بذكر حدودِ الجَدَلِ، وعقودِه، وشروطِه، وآدابه، ولوازمِه؛ فإنه من أدواتِ الاجتهادِ، وأُؤخِّرَ مسائلَ الخلاف؛ فيه إَلحاقاً لكلِّ شيءٍ بشكلِه، وضَم كل شيءٍ إلى مثله، فجمعت بذلك بين قواعدِ هذين العلْمين -أصولِ الفقهِ والجدلِ- واخَرْتُ مسائلَ الخلافِ فيهما، فإن الأصولَ بالأصول أشْبهُ، وإليها أقربُ، والخلاف بالخلافِ أشبهُ، والله الموفَقُ لما فيه سهولةُ الحفظِ للمنتهي، وسرعةُ الفهمِ والتلقُّفِ للمبتدي، وهو حَسْبي، ونِعْمَ الوكيلُ.

стр. 328

فصول صناعةِ الجَدَلِ وحَقيقتِهِ، وشُروطِه، وآدابه، وعُقودِه، وأدواتِه، والغرضِ به على طريقة الأصوليين -وسنعقبهُ إنَ شاءَ الله بمُفْرَدٍ (١) على طريقة الفقهاءِ-، وبيانِ المُضِيِّ في سننِه والخروجِ عنه، وكيفيَّةِ السؤالِ والجواب، وبيانِ الحُجةِ والبرهانِ، والحَجْرِ فيه والتفويضِ، والانتقالِ والَانقطاع والتخليطِ، وإلى كم ينتهي جوازُ السؤالِ بـ "لِمَ" ويحسنُ، ومتى ينقطعُ وَيقْبُحُ، ومراتب الحُجَّةِ، والفَرْقِ بينها وبين الشُبهةِ، والفرقِ بين الحُجةِ والذَلالةِ، والَإِلزام والانفصالِ، وبيانِ أنواعِ الحجةِ وتنوُّعِها بتنوُع المذهب، ومصادرةِ اَلحجةِ بالصناعةِ، والفرقِ بين طريقةِ الحجَّةِ في جَدَلنا، وبَين الحجَّةِ في المنطقِ، وبيانِ الإلزام بوسائطَ وسِياقةٍ (٢)، وبيانِ قسمةِ الالزام، والفرقِ بين البرهانِ والإِلزَام، وبيانِ الأصلِ والفرع، وبيانِ قِفةِ الأَصولِ وكثرةِ الفروعِ، والعِلَّةِ واَلمعلولِ، والفرقِ بين الدَلالةِ والعلَّةِ، وإيجابِ الحكمِ بالعلَّةِ، والعلَّةِ المسماةِ بالمتولّدةِ،

стр. 329

وإجراءِ العلَّةِ في المعلول، نقلِ العلَّةِ إلى الكُلِّيةِ، وتحديدِ العلَّةِ، والعلَّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ، والمعارضةِ وأنواعِها وأقسامِها، والقياسِ وأقسامِه، والوجوه التي منها يكونُ القياسُ، والقسمةِ وأنواعِها، والانقطاع وأنواعهِ بالشُّبهةِ والمكابرةِ والشَّغَبِ والمناقضةِ، والانتقالِ هل هو انقطاع في الجُملة أو بعضُه ليس بانقطاع؟ ووصايا علماءِ الجدلِ. فصل في حَدِّ الجدلِ المتحقِّقِ وحده: نقْلُ الخَصْمِ من مذهبٍ إلى مذهبٍ، وقيل: من مذهبٍ إلى غيرهِ بطريقِ الحجَّةِ (١). فصل قال بعضُ أهل العلمِ: والغَرَضُ به إصابةُ الحق بطريقه. فاعترضَه حنبليٌّ فقال: ذاك هو النَظرُ (٢)؛ لأن غَرَضَ النَّاظرِ إصابةُ الحقِّ بطريقهِ، لكنَّ الغرضَ بالجدل من المُنْصِفِ: نقلُ المخالفِ عن الباطل إلى الحقِّ، وعن الخطإ إلى الإِصابةِ، وما سوى هذا فليس بغرض صحيحٍ، مثلُ بيانِ غلبةِ الخصمِ وصناعةِ المجادِلِ.

стр. 330

فصل في بيانِ الجَدَلِ وهو سؤالُ السائلِ. وحَدُّ السؤالِ هو: الطَّلبُ للإِخبارِ بأداتِه في الإِفهامِ. فصل والسؤالُ والاستعلامُ والاستخبارُ والاستفهامُ نظائرُ، إلا أن الاستخبارَ: هو الطلبُ للخبر، والاستعلامَ: الطلبُ للعلم، والاستفهامَ: الطلبُ للفَهْمِ. فصل و أدواتُ السُّؤال عشرةٌ (١): هل، والألِفُ، وأم، وما، ومن، وأيّ، وكيف، وكم، وأين، ومتى. وقد يُستفهمُ بأنَّي، وهي ترجعُ إلى معنى كيفَ، قال سُبحانه: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أوقال،: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، والمعنى في الأول: مِن أينَ لكِ؟ وفي الثاني: كيفَ يُحيي؟ وأما "لم" فمُركَبةٌ، أصلُها "ما" دخلتْ عليها اللَّامُ، وكذلك ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، أصلُها "ما" دخلتْ عليها "عن" وأُدغِمَتْ.

стр. 331

فصل وجميعُ الأدواتِ التي ذكرناها مختلِفٌ معناها، فيأتي الجوابُ فيها بحَسَبِ ما توجبُه صورتُها، فإذا قال السائلُ: هل أتاكَ زيدٌ؟ فجوابُه: نعم أو لا، فإن قال: أتاكَ زيد أم لا؟ لم يكنْ جوابُه كالأولِ، لكنْ جوابُه أن يقولَ: أتاني زيدٌ، أو يقولَ: لا. وكذلك إن قالَ: أزيدٌ أتاكَ أم عمرو أم (١) بكرٌ؟ فجوابُه أن يقولَ: أتاني، ثم يذكرُ مَنْ أتاه مِن الثلاثةِ لا غيرَ ذلك. فإن قال السَّائلُ: ما أتاك؟ فجوابُه اى شيءٍ كان مما لا يَعْقِل، كقولهِ: فرسٌ، أو طائرٌ. فإن قال السائلُ: من أتاك؟ فجوابُه مَنْ يعقل، مثلُ قولِه: أتاني زيدٌ، أو عمرٌو. فإن قال السَّائلُ: كيف: أتاك؟ فجوابُه: راكباً أو ماشياً أو ما أشبهَ ذلك من الأحْوالِ. فإن قال السائلُ: كم أتاك من القوم؟ فجوابُه عددٌ عشرةٌ، أو عشرون، وما أشبهَ ذلك من الأعداد. فإن قال السائلُ: أين أتاكَ؟ فجوابه: في منزلي، أو حانوتي، أو المسجدِ، وما شاكلَه من الأماكنِ. فإن قال السائلُ متى أتاك زيدٌ؟ فجوابه: يومَ كذا، أو سنة كذا، أو ما أشبهَ ذلك من الأوقات، فعلى هذا.

стр. 332

وإن قال السَّائلُ: لِمَ أتاكَ؟ فجوابُه بحاجة (١) كانت له، أو ما أشبهَ ذلك من الأغراضِ الباعثةِ على الأفعالِ. فصل في السُّؤالِ المختصِّ بالجدل، وخروجِ الجوابِ بحَسَبِه فإذا قال السائلُ للمسؤول: ما مذهبك في حَدَثِ العَالَم؟ أو ما مذهبُك في شُرْبِ النبيذِ؟ فهذا سؤالى من جهة الصيغةِ والمعنَى. فإن قال: أخبرني عن مذهبك في حَدَثِ العالم، أو في شُرب النَبيذِ، فهذا وإن كان معناه معنى السؤالِ من حيث كان استخباراً، لكنَ لفظَه لفظ الاستدعاءِ والأمرِ. فصل في الجواب وكل جوابِ خبر، وليس كل خبرٍ جواباً (٢)، لأنه قد يَخرج الخبرُ مخرجَ الابتداءِ، لا على وجه الجوابِ. وأصلُ الجواب في اللُّغةِ: القَطْعُ (٣)، من قولهم: هو يجوبُ البلادَ. أي: يَقْطَعُهَا، وقولُه سبحانه ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] أي: قطعُوه. وإنَّما سُمِّيَ به ما قابلَ السؤالَ؛ لأنَّه يؤدي إلى القطعِ؛ لأن

стр. 333

المجيبَ يقطعُ بمعنى الخبرِ على طريقة الإِثباتِ والنَّفيِ، فإذا قال السائل: هل أتاك زيدٌ؟ فقد علَّقَ سؤالَه بأحدِ أمرين: إمَّا نَعَمْ، وإمًا لا، فنعمْ للإثبات، ولا للنفي، فالقاطعُ المجيبُ إمَّا بنعمْ؛ فيقطعُ بأنه قد أتاه، أو لا؛ فيقطع على أنه لم يأتِه. فصل وينبغي للسائلِ أن ينظرَ الى المعنى المطلوب في السؤالِ، فإن عَدَلَ المجيب لم يَرْضَ منه إلا بالرجوع إلى جوابَ ما سألَه عنه، فإنَّ كثيراً ممنْ لا يضبط الجدلَ، ولا يَدَ لهَ فيه يُسأل عن شيءٍ، فيجيبُ عن غيرِه، وهو يظنُّ أنه قد أجابَ، ويقْنَعُ منه السائل؛ إذ كان السائل أقصرَ منه علماً بتحديد الجواب. مثالُ ذلك: أن يقولَ السائلُ: هل يحرمُ النبيذ؟ فيقولُ المجيبُ: قد حَرَّمَه قومٌ من العلماء. هذا عند أهلِ الجَدل ليس بجوابٍ عمَّا سألَ عنه وللسائل أن يُضايقَه في ذلك بأن يقولَ: لم اسالْكَ عن هذا، ولا بأنَ من سُؤالي إيَّاك جهلي بأن قوماً حرَّموه، ولا سألتُك عن مذهب الناس فيه، بل سألتُك أحرامٌ هو؟ فجوابي أن تقولَ: حرامٌ، أو ليسَ بحرامٍ، أو لا أعلم. فإذا ضايقه ألجأه إلى الجواب، أو بانَ جهلُه بتحقيق الجواب، وليس له أن يُجيبَ بالتعريض لمن سألَه بالِإفصاح، فإذا سألَ السائل بالإِفصاح لم يقنعْ بالجواب إلا بإفصاحٍ. فصل في اعتبارِ مطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ اعلمْ أن مطابقةَ الجوابِ للسؤال هو كونه على ما اقتضاه من غير

стр. 334

تغييبرفي لفظِه ولا في معناه. مثالُ ذلك: أن يقولَ السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فيقول: نعم، أو لا، أو يقول: يحرمُ، أو لا يحرمُ. فأمَّا إن قالَ جوابَ قولِ السائلِ: أيحرمُ المطبوخُ؟: أنا احرِّمُ كل مُسكرٍ. فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه زائد في اللفظ والمعنى. فإنْ قال السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فقال المجيبُ: أحرمُ مطبوخَ التَّمرِ، فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه ناقصٌ عن السؤال. فإن قال السائلُ: أيحرمُ المطبوخُ؟ فقال المجيبُ في جواز الاجتهادِ: فيه نظر، فلم يأتِ بجواب مطابقٍ؛ لأنه معدولٌ عن المطلوب في السؤال. وإنَّما ضرَبْنا لك الأمثلةَ؛ لأن قوماً يجيبون مثلها، ويَعْتَدُونَها أجوبةً (١). فصل في تحديدِ السؤالِ والجوابِ ووصفِهما اعلم أن السؤالَ أربعةُ أضربٍ (٢)، ويجمعُ الكل: ما هو الحدُّ؟ وهو أنه استخبارٌ، وكل سؤال استخَبارٌ، وكل سائلٍ مُستخبِرٌ. والجواب أربعةُ أضربٍ، ويجمعُها كلَها: أنها إجابةُ إخبارٍ، وكلُّ مجيبٍ مُخبِرٌ، وقد يدخلُ فيَ الإِخبارِ ما ليس بجواب، وهو ما يُبتدأُ به

стр. 335

من الخبر من غير مسألةٍ، وليس يدخلُ في الاستخبارِ ما ليس بسؤال. فأولُ ضروبِ السؤالِ الأربعةِ: المسألةُ عن ماهيَّةِ المذهبِ. والثاني: المسألةُ عن ماهيةِ برهانِه أو دليلِه؛ لأنك تقولُ أولًا: ما تقولُ في كذا وكذا؟ أو ما مذهبك في كذا وكذا؟ فإذا ذكرَ لك حكماً بعينِه أو شيئاً بعينه، قلتَ له: ما بُرهانُك عليه؟ أو ما دليلُك عليه؟ وهذان الضربانِ استفهامانِ مجرَّدانِ (١) لا يشوبُهما طعنٌ في مذهبِ المجيبِ، ولا يتبيَّنُ عند ذكرِهما فسادُ عقدٍ، ولكن عند ذكرِ الضَّربين الآخرَين؛ لأن الإِفسادَ والمطاعن فيهما تقعُ، وعند ذكرهما تُشرعُ وتُذكرُ. والأولُ منهما- وهو ثالثُ الضروبِ من الأسئلة الأربعةِ-: المطالبةُ بوجه دَلالةِ البرهانِ على المذهب. والثاني: أَخْذُ المجيبِ بإجراءِ العِلَّة في معلولها (٢). وسنصوِّرُ كل ذلك صورةً تُنبئُ عن حقيقته إن شاءَ الله (٣). فصل في إقامة الدَّلالةِ على صحَّة هذا الترتيبِ إنك لا تسألُ عن برهان شيىءٍ مذهباً كان أو غيرَ مذهبٍ حتى تسألَ

стр. 336

عن أصل ذلك الشيءِ، ولا تطالبُ بوجه دَلالتهِ إلا بعد معرفةِ ماهيَّتِه والمسألةِ عنها. فأمَّا أخذُ المجيب بطَرْدِ علَّتِه في معلولاتها، فالدليلُ على أنه بعد المطالبةِ بوجه دَلالةِ الَبرهان: أنك (١) لا تصلُ إليه إلا بعد تسليمِ ما ادَّعاه المجيبُ من دلالة البرهانِ على قوله؛ لأنه تفريعٌ للمذهب والعلة، والتفريعُ لا يقعُ إلا بعد تسليم المفرَّع عليه؛ وذلك أنك لا تأخُذ خصمَك بتفريعِ قولٍ، ولا بتفريعٍ عليه إلَا بعد تسليمِ المفرِّعِ لهما، ولو لم تَسَلَمْهُما، لمنَعْتَه ما ادَّعاه من دلالتهما عليه فيهما، وسألتَه البينةَ على صحةِ ما ادَّعاه من دَلالتهما، وهذا يدلُك على أنك إذا أخذتَ خصماً بإجراءِ عِلَلِه في معلولاتها قبل مطالبتِه بوجه دلالتِها على صحَّةِ مذهبهِ، فقد سلمت له ما ادَّعاه من دلالتها عليه، وأخذتَه بإلحاق نظيرهِ المشارِكِ له فيها به، والتسليمُ إذا لم يَقَعْ بحُجَّةٍ فإنما يقِعُ بترك مسألةٍ لازمةٍ يجاوزُ بها إلى ما بعدها: إمَّا لمساهلةٍ في النَظرِ (٢)، وإما بضَرْبٍ من التَّدبيرِ على الخصم، وإما للعجز والجهلِ. ويدلُ على ذلك أيضاً: أنه يطالبُ بتفريع علًةِ المذهب من يعتقدهُ، إذا كان قد خُولِفَ في نظيره. ويدلُّ عليه أيضاً: أنك تقولُ للمجيب: قد سَلَّمْتُ لك أن علَّتَك توجبُ صحةَ هذا المذهبِ، ولكنها أيضاً توجبُ صحةَ ما آخذُكَ بإلحاقه

стр. 337

به من حيث أُوجبُ صِحَّتَه؛ فاجمَعْهما في التَّصحيحِ أو في الإِفساد، وإلا فَافْرُقْ بينَهما، مثلَ قولِك في المعلوفةِ: إن لها مؤنةً لا تحتملُ معها المساواةَ (١)، فيقالُ لك: فاطردِ العلَّةَ في كلِّ مال تحتاجُ تنميته إلى مُؤنةٍ، كمال التجارةِ والزَرعِ المسْقى بالكُلَفِ. فإن قال قائل: كيف لم تُلحِقِ الضَرْبَ الثالثَ بالضَّربين الأولَين وتجعلْه استفهاماً مجرَّداً؛ إذ كان المطالبُ بالدَليل على المذهب كالمطالب بوجه دَلالتِه عليه؟ قلنا له: لِمَا وصفنا قبلُ، وهو أن أبوابَ الإِفسادِ، ووجوهَ الكسرِ لا تنفتحُ، ولا يرومُها السائلُ إلا بالضَرب الثالث وما بعده، وإنما قَدَّمَ الضَّربين الأَوَلَيْنِ لحاجتِه إلى معرفة ما يريد كسرَه قبل رَوْمِ كسرِه والقصدِ إليه. ووجهٌ آخر: وهو أنك لا تقولُ: هلَّا قلت: كذا وكذا، أو لِمَ لم تَقُلْ: كذا وكذا؟ إلا وأنت في الضَرْب الثالثِ، وفي الضَّربِ الرابعِ، وبهذا الجنس من السؤال يَقصِدُ السَائلُ إلى كسر المذهب، فأمَّا الأوَّلان فهما المَسالةُ عن الماهية، لتعرفَ الماهيةَ، ثم تقصدُ إلىَ الطعن فيها، وهما كقولك: ما في يديك؟ ومن رأيتَ من القوم؟ وما قال لك فلان؟ وهذا كلّه استفهام مُجرَّدٌ، فإذا تحقَقَ السؤال عن الماهيَّة، انْبَنى عليه الاستفهامُ عن الحجَّةِ، فإذا شرَعَ المسؤولُ في بيان الحجةِ جاءَ سؤال الكسرِ عليها، لأنك لا تقولُ: لِمَ لم تعتقدْ كذا وكذا؟ ولِمَ لم تستدلَّ بكذا؟ وأنت متعرِّفٌ لماهيَّة المذهبِ والبرهانِ.

стр. 338

ووجهٌ آخرُ: وهو أن السائلَ إنما يبتدىءُ في الكسرِ بعد ابتداءِ المجيبِ في بناء مذهبهِ، وابتداءِ المجيب لذلك الِإخبارِ عن دليله، والذي يقعُ بعد خبره عن ذلك من سؤالَ السائلِ الضربُ الثالثُ. فصل آخر في تحديد سؤالِ الجدلِ، وأقسامِه وإنما اعتبرنا لسؤال الجدلِ ما اعتبرناه، لأن سؤالَ الاستفادةِ والاسترشادِ لا يعتبرُ له شرط من الشروط المذكورة لسؤال الجدلِ. اعلم أن سؤالَ الجدلِ: هو الذي يُقصدُ به نقلُ الخصم عن مذهبه بطريق المُحاجَّةِ، وبيانِ أن الجوابَ فيه تابعٌ للسؤال إلا أن على المجيب إذا كان السؤالُ مضطرباً أن يعملَ في تقويمه حياطةً لجوابِهِ؛ إذ كان السؤالُ المضطربُ لا يمكن أن يطابقَه جوابٌ مستقيمٌ. فصل وسؤالُ الجدلِ على خمسة أقسامٍ (١): سؤالٌ عن المذهب، وسؤالٌ عن الدليل، وسؤالٌ عن وجه الدليلِ، وسؤالٌ عن تصحيح الدَّعوى في الدليل، وسؤال عن الِإلزام. مثالُه: أن يقولَ السائلُ: ما مذهبُك في التجسيم؟ فهو سؤال عن ماهيَّة المذهب في التجسيم، وكذلك أن يقولَ: هل لك مذهبٌ في التجسيم؟ -والآنِيَّةُ (٢) قبل الماهيةِ؛ لأن الآنِيةَ المذهبُ- فيقول

стр. 339

السائلُ: هل لك مذهب في التجسيم؟ فإذا قال: نَعَمْ، قال: ما هو؟ فجاء السؤالُ عن ماهيَّة المذهب بعد السؤال عن آنِيَّة المذهب، وكان ذلك في المرتبة الأولى من سؤَالات الجدلِ. فإذا قال المسؤول: مذهبي أن الصانعَ جسمٌ، فقال السائلُ: ما الدليلُ على أن القديمَ جسمق؟ فقال المجيبُ: فعلُه. فهذا جوابٌ مُحدَّدٌ، وإن كان باطلاً، فإن قال السائلُ: ما وجهُ دلالةِ فعلِه على أنه جسم؟ فقال المجيبُ: إنه لا يُعْقَل في الشاهدِ فاعلٌ إلا جسم، فجوابُه محدَّدٌ، لكنَّه لا يدل على ما قال. وإنما يحتاجُ السائل إلى المطالبة بوجهِ الدَّلالةِ إذا كان المجيبُ قد ذكرَ دليلَه من وجهٍ لا يقتضي الحكمَ، إذ كان الشيءُ الواحدُ قد يُشارُ إليه من جهتين: إحداهما (١) تقتضي الحكمَ، والأخرى لا تقتضيه، كقولك: العالَمُ دليل على الباري. فليس في هذا بيان من أيِّ وجهٍ دَلَّ، فإذا كان من جهة أنه فعلَ، أو من جهة أنه حكمَ، أبانَ الوجهَ الذي منه دَلَّ. فإن قال السائلُ: وما برهانُك على أنه لا يُعقلُ في الشاهد فاعلٌ إلا جسماً؟ ساغَ له ذلك؛ لأنه على دعوى لا يقتضيها العقلُ، فإن قال المجيبُ: إن كلَّ فاعلٍ في الشاهد جسمٌ، فقد أتى بجوابٍ صادقٍ في

стр. 340

نفسِه، لكنه كاذب في شهادته، لأن كلَّ فاعلٍ في الشاهد جسمٌ، إلا أنه لا يشهدُ بأن الباريَ جسمٌ. فإن قال السائلُ: إذا كان الباري جسماً؛ لأن كل فاعل في الشاهد جسمٌ، فما الانفصالُ من أن الباريَ مؤلًفٌ؛ لأن كلَّ فاعلٍ في الشاهد مؤلَّفٌ؟ كان هذا من السائل إلزاماً صحيحاً على دلالةٍ تقتضي نظيرَ الحكمِ الذي قال به الخصمُ بمثل ما تقتضي الحكمَ الذي ذهبَ إليه سواءً. فإن قال السائلُ: إذا كان الجسمُ في الشاهد مُحْدَثاً؛ لأن فيه سِمَةَ الحَدَث، فما الانفصالُ من أن كلَّ جسمٍ مُحْدَث؛ لأن فيه سِمَةَ الحَدَثِ؟ فهذا إلزامٌ صحيحٌ للموحِّد أن يبتدىءَ به المجسِّمَ، فيُلْزِمَه على قوله بالتًجسيم، وهو إلزام بدَلالةٍ تقتضي مثلَ الحكمِ الذي قال به الخصمُ، وربما قيل في مثل هذا: إنه إلزامٌ بعلَّةٍ يرادُ به إلزامٌ بدلالةٍ؛ لأن الدلالةَ تسمىَّ عِلَّةً. فإن قال السائلُ: إذا كان الجسمُ فى الشاهد مُحْدَثاً؛ لأنه جسمٌ، فما الانفصالُ من أن كلَّ جسمٍ محدَث؟ كان هذا إلزاماً بعلَّةٍ على الصًحة، لأن الحكمَ والجالبَ للحكم في كلا الشِّقَّين واحدٌ، وإنما أخذَ المجيبُ بإجراء العلَّةِ حين نُقِلَتْ إلى الكليَّةِ، وإجراءُ العلَّة لازمٌ لكل معتلٍّ، وإلا كان مناقضاً. فإن قال السائلُ: إذا زعمتَ أن بعض الأجسام قديمٌ، فما الانفصالُ من أن جميعَ الاجسامِ قديمة؟ كان هذا إلزاماً بالمعارضة (١)

стр. 341

وكذلك إن قال: إذا كانت الأعراضُ تدل على حَدَثِ بعضِ الأجسامِ، فما الانفصال من أنها تدل على حَدَثِ جميعها؟ وكذلك إن قال: إذا كانت الدَلالةُ تختصُّ بعضَ الأجسامِ، فما الانفصالُ من أنها تختصُّ الجمادَ دون الحيوان؟ فإن قال السائلُ: إذا كان الباري واحداً، ولم يصح أن يكونَ الجسمُ واحداً، فما الانفصالُ من أن الباري لا يصحُ أن يكون جسماً، كما لم يصح أن يكون أكثرَ من واحدٍ؟ كان هذا إلزاماً بإعطاء المعنى في الجملة؛ لأن الخصمَ يُعطي أنه واحدٌ على الحقيقة. فإن قال السائلَ: إذا كان الجسمُ لابد له من مجسِّم كما أن الحادثَ لا بدَّ له من مُحْدِثٍ، فما الانفصالُ مِن أن مَن لا يصحُّ أن يكونَ له مُجسِّمٌ، فليس بجسم؟ كان هذا الإِلزامُ يَقْضِيه العقلُ في الجسم بمجسِّم كما يقضي فرب الحادثِ المُحْدِث. فصل وكل سؤالِ جَدَلٍ فإنه على خلافٍ في المذهب؛ لأنه لا يصحُّ جَدَلٌ مع الموافقةِ في المذهب،، إلا أن يتكلم الخصمان على طريق المباحثةِ، فيُقَدرا الخلافَ لتصِخَ المطالبةُ، وُيتمكنَ من الزيادة. وليس على المسؤولِ أن يُجيبَ السائلَ عن كل ما يسألُه عنه، وإنما عليه أن يُجيبَه فيما بينه وبينه فيه خِلاف، لتظهرَ حُجتُه فيه، وسلامتُه من المطاعن عليه، وإلا خَرَجَ عن حدِّ السؤالِ الجَدَليِّ. وسَبيلُ الجَدَلِ في الفقه والنَحو وغيرِهما من الصنائع كسبيل الجَدَلِ في صنعة الكلامِ في أنه لا يكونُ إلا بعد ظهورِ الخلافِ،

стр. 342

إلا أن كل صناعةٍ تُرَدُّ إلى مُصادَرَةٍ -أعني بالمصادرةِ: التبليغَ بها إلى صَدْرِ المعنى بنوع ظَن أو غَلَبَةِ ظَنٍّ-، وصنعةُ الكلامِ تُرَدُ إلى ضرورةٍ، أو ما يَجْرِي مَجْرى الضرورةِ في أنه يُعلمُ بأدْنى فِكْرةٍ. فصل و سؤالُ الجدَلِ على ضربين: محدَّدٌ، ومعبرٌ عن التحديدِ ، والتَحديدُ يكونُ في اللَّفظِ والمعنى، وكذلك التًعبيرُ. فإن قال السائلُ: هل الجزءُ يتجَزَّأُ إلى ما لا نهايةَ له، أم الحدوثُ يَدُل على نهايتِه؟ كان السؤالُ غيرَ محددٍ؛ لأنه خرجَ مَخْرَجَ الخَلْطِ بين سؤالين: فأحدهما: هل الجزءُ يتجزا إلى ما لا نهايةَ له؟ وهذا سؤالٌ قائمٌ بنفسه، وهل الحدوثُ يدل على نهايته؟ سؤال آخرُ قائمٌ بنفسه، وقد جعلَهما على صيغة سؤالٍ واحدٍ، فهو كمن قال في مسائل الفقهِ: هل الخَلُّ يُزيلُ النًجاسةَ؟ أم كونُه لا يَقْوى على رفع الحَدَثِ مانعاً من إزالته لحكم النًجَسِ؟ فهذان سؤالان. فإن قال السائلُ: ما مذهبكُ في الجزءِ؛ فقال المجيبُ: إنه لا يتجزاُ؛ بدلالةِ أن ما فيه من الاجتماعِ يَصِح أن يَنْتَفِيَ. كان هذا الجوابُ غيرَ محدَّدٍ؛ لأنه سؤالٌ عن فُتْيا المذهب، والجوابُ عنه وعن دَلالةِ المذهب جوابٌ (١) على صيغةٍ واحدة؛ إذ كاَن على قَضِيةٍ واحدة، وإنما تحديدُهَ أن يقولَ في الجواب عنه: إنه لا يتجَزأُ. أو يقولَ: إنه يتجزَأُ. فأمَّا أن يُدْخِلَ في الِإخبارِ عن الفُتْيا الِإخبارَ عن الاستدلال، فليس بجواب مُحَقَّقٍ، كما لا يَخْلِطُ السؤالَ عن المذهب بالسؤال عن

стр. 343

دليلِ المذهبِ. فإن قال المجيبُ: إنه لا يتجزَّأُ، والدليلُ على ذلك: أنه يصحُ أن ينتفيَ ما فيه من التَأليفِ والاجتماعِ، كان قد أتى بجواب محدَّدٍ، إلا أنه أتْبَعَه بإخبارٍ عما لم يُسأل عنه، لا أنه خلَطَه به، والإِتباعُ بجوابِ ما لم يُسألْ عنه كالخلط بما لم يُسألْ عنه، ثم إنه أتى بما ليس فيه شُبْهةٌ، ولو قال: الدليلُ على ذلك: أنه لا يَصِح أن ينتفيَ كلُّ ما فيه من الاجتماع، لكان قد أتى بشبهةٍ، ولكنْ جاءَ بما لم يُسْأَلْ عنه. فإن قال السائلُ: ما مذهبُك في الجزء؟ فقال المجيبُ: الجزءُ لا يتجزَّأُ، فلم يأتِ بجوابٍ محدَّدٍ مِن قِبَلِ أنه لم يأتِ بما يَصلح أن يكونَ محمولًا على المَذهب بحملٍ ما؛ إذ كان لا يصحّ: مذهبي الجزءُ لا يتجزأُ، ويصح: مذهبى أنَ الجزءَ لا يَتجزَأُ. فإن قال السائلُ: ما مذهبك في الجزء؛ فقال المجيبُ: قد ثبتَ أن الجزءَ لا يتجزَّأُ. فلم يأتِ لي بجواب محدَّدٍ؛ لأن جوابَ ما، إنما هو بالجِنْسِ وما جَرَى مَجْرى الجنسِ من الصِّفات، فلو قال بدلَ قد ثبتَ: ثابتٌ. لكان محدَّداً؛ لان ثابتاً من الصفات التي تقومُ مَقَامَ الجنسَ. فإن قال السائلُ: ما الدليل على أن الجسمَ ينتهي إلى جزءٍ لا يتجزَّأُ؟ فقال المجيبُ: التألف الذي فيه. فجوابُه محدَّدٌ؛ لأن في التأليفِ اقتضاءً بصحَةِ الحكمِ، ولو كان قال: عَرَضٌ فيه، لم يكن جوابُه محدَّداً؛ لأنه ليس في حلولِ عَرَضٍ فيه ما يقتضي تناهيه، وأنه لا يتجزَّأُ أبداً.

стр. 344

فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على أن الجزء [لا] (١) يتجزَّأُ أبداً، فقال المجيبُ: إن الدوائرَ المعقولةَ لا تَصِحُ على القول بالجزء. لكان جوابُه محدَّداً؛ لأنه على شبهةٍ، وكلُّ جواب محدَّدٍ في: ما الدليلُ على كذا؟ فإنه لا يخلو من أن يكونَ على حجَّةٍ أو شبهةٍ؛ لأن السائلَ إنما يطلبُ الأمرينِ ليقعَ الكلامُ عليه، ولو قال: بعضُ الأشكال لا تصحُّ على القول بالجزءِ. لم يكنْ محدداً؛ لأنه لا حُجَّةَ فيه ولا شبهةَ. فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على أن الجسمَ ينتهي إلى جزءٍ لا يتجزَّأُ؟ فقال المجيبُ: إن التَّأليفَ الذي فيه يصحُ أن ينتفيَ بضِدِّه من الافتراق، ولأن القادرَ على إيجاده قادرٌ على نفيه؛ إذ هو مُحدَثٌ، وكل محدَثٍ، فلا بُدَّ له من محدِثٍ. كان جوابُه غيرَ محدَّدٍ من قِبَلِ أنَه قد لَف عِدَةَ مراتبَ في مَرْتَبَةٍ واحدةٍ، ولو قال: إن التأليفَ الذي فيه يصحُّ أن ينتفيَ بضِدِّه من الافتراقِ. لكانَ جوابُه محدَّداً؛ لأنه إذا ثبتَ هذا المعنى ثبتَ الحكمُ، ولو نَقَصْتَ منه لأخْلَلْتَ به. فصل آخَرُ في تحقيقِ الجوابِ وتحديدهِ يَقْوى به العملُ والعلمُ فأوَّلُ ضروبِ الجوابِ: الإِخبارُ عن ماهية المذهب، ثم الإِخبارُ عن ماهيَّةِ بُرْهانِه، ثم وجهُ دَلالةِ البرهانِ عليه، ثم إجَراءُ العِلةِ في المعلول، وحياطتُه من الزِّيادةِ فيه والنقصانِ منه، لئلَّا يُلحقَ به ما ليس منه، وُيخرجَ عنه ما هو منه.

стр. 345

والحجةُ في ترتيب الجواب، كالحجة في ترتيب السؤالِ (١)؛ لأن كُل ضَرْبٍ من ضروبِه مقابل لضربٍ من ضروب السؤالِ (٢). فصل واعلمْ أنه إذا اجتمعَ اثنان قد عَرَفَ كل واحدٍ منهما مذهبَ صاحبهِ وهما على خلافٍ في المذهب، أغناهما علمُهما عن ضَرْبٍ من ضروب السؤالِ، وهو السؤالُ عن ماهِيةِ المذهبِ (٣). قلت: وقد يجري في حكم الاجتهادِ أن لا يَسْقُطَ السؤالُ لجواز تَغَيُرٍ يَطْرأُ على المذهب إلذي عُرِفَ به، فيزولُ ما عَرَفَه، وذلك يُعدم الثقةَ بالبقاء على المذهب، فلا غَناءَ إذاً عن السؤال. فإن عَمِلْنا على قول من أَسقطَ السؤالَ عن ماهية المذهب لسابقِ معرفتِه، بَقِيَ السؤال عن ماهية دليلِه، فإذا قال السائلُ للَمعروف بالتَجسيم: ما ماهيَّةُ برهانِك، على إثبات القديمِ جسماً؟ فقال المجسمُ: الدليلُ على ذلك: أنا أجمَعْنا على أنًا لا نعقلُ في الشاهد فاعلًا إلا جسماً، وقد اتَفَقنا على أن اللهَ فاعلٌ، فوجبَ أن يكونَ جسماً. وجبَ على السائل أن يقولَ له: ومن أيَ وجهٍ وجبَ أن يكونَ جسماً، إذا كنا لم نعقلْ في الشاهد فاعلًا إلا جسماً؟ وما في قولك: لم نعقلْ فاعلًا إلا جسماً، مما يوجبُ أن يكونَ القديمُ جسماً إذا كان فاعلًا.

стр. 346

والدليلُ على أنَ له أنْ يسألَ عن هذا: أنه قد يَعْرِفُ اللهَ تعالى فاعلًا وأنه لا فاعلَ في الشاهد إلا جسمٌ مَنْ لا يعلمُ أن اللهَ جسمٌ، فلو كانت هذه المعرفةُ مُغنيةً في العِلْم بأنه جسمٌ، لم تقَعْ إلا معه، وإذا لم تَقَعْ معه، فلا بُد من أن يَعرفَ كيفيةَ إيجابها له، ومتى ارتفعتْ المعرفةُ، ساغَتِ المسألةُ. وجوابُ هذا على أصل الجِسميِّ واضحُ الترتيب، وإن لم يكنْ صحيحاً، وترتيبُه أن يقولَ السائلُ: لمَّا كان اللهُ تعالى مُثْبَتاً بالعقل دونَ غيرِه، وكان الواجبُ فيما بيننا ألا نُثْبِتَ بالعقل إلا معقولًا، كما لا نثبتُ بالسَّمْعِ إلا مسموعاً، وكما لا نثبتُ بالبَصَرِ إلا مُبْصَراً، وكان وجودُ الفعلِ مما ليس بجسم في الشاهد غيرَ معقولٍ، وجبَ أن يكونَ جسماً لدخوله في قسم المعقولاتِ، وإلا فقد بَطَلَ أن يكونَ معقولًا، وكان تثبيتُه غيرَ معقولٍ، وهذا ما يدعيه الملحدون. وإنما صار هذا جواب تلك المسالةِ؛ لأنه خبرٌ عن كيفيةِ ما اعتلَّ به الجسْميُّ، فظنَ أنه برهانُ ذلك، وعلى السائل إذا ورَدَ عليه هذا الجوابُ أن يَطْعنَ فيه بغير تسليمٍ، فهو أَولى كما وصفنا، فإن أرادَ أخْذَ المجيب بطَرْدِ علَّتِه، قَدَّمَ على ذلك مقدمةً تُحررُ السؤالَ، فقال للمجيب (١): ألَيس إذا كان مثبَتاً بالعقول لم يَجُزْ أن يُعتقدَ فيه ما ليس بمعقولٍ؟ فإن قال المجيبُ: لا. نقَضَ علتَه، وكان للسائل أن يقولَ له: فلِمَ زعمتَ أنه جسمٌ لموضع المعقولِ، وأنت توجبُ إخراجَه من المعقول؟ أرأيتَ إن كان تثبيتُ المعقولِ واجباً لأنه معقولٌ، أليس يجبُ أن يكونَ كل معقولٍ واجبَ التثبيتَ إذ هو معقولٌ؟ فإن قال: بلى. قال له: فهلَّا قلتَ: هو

стр. 347

مؤلَّفٌ؛ لأنك لم تَعْقِلْ جسماً ولا فاعلًا إلا مؤلفاً. فصل واعلم أن المطالبةَ بطَرْدِ (١) العلَّةِ لا تكونُ طعناً في الجواب عن كيفيةِ البرهانِ إلا أن تكونَ مُضْطَرَّةً للمجيب عند مرورِه مع علَّتِه إلى نقضِه، وليس تكونُ مضطرةً إلى، ذلك إلا إذا ألزمته قولًا لا ملاءمة بينه وبين جوابِه في المَبْدأ، فيرجعُ عن جوابه خوفاً من ذلك القولِ وضَنّاً بمذهبه في تركه، وإنما تكون، كذلك إذا ألزمته نقضَ الحِسِّ الذي ينتقضُ بانتقاضِه كل جوابِ وكلُّ حقيقةٍ، أو إلجاؤه إلى نقضه قبل أن يبلغَ إلى علوم الحِسِّ، فلمَ يجد بُدَّاً من تَرْكِ كلِّ ما يعتقدُه، والإِقدام على كلِّ ما يكرهُه من النَّقْضِ. مثالُ تمسُّكِه بمذهبه المفضي به إلى الخروج عن مذهبه: أن يُقالَ له: إذا كان الغائب جسماً وهو قديمٌ، فما تُنكرُ أن يكونَ مؤلَّفاً وهو قديمٌ؟ فيستمرُّ على الِإصرارِ على المذهب ضِنَّةً به، فيقول: لا أنكرُ ذلك، فيقالُ: فقد نَفَيْتَ الحَدثَ عن الأجسام، وقلتَ بقول أهلِ الدَّهْرِ، فأوجبَ ذلك عليك غَناءَ الأجسامِ عن صانعٍ؛ لأن القديمَ لا يحتاجُ إلى صانعٍ. واعلم أنك إذا سلكْتَ هذا، وعلمْتَ أن السؤالَ والجوابَ لا يخرجان عن هذه الأقسامِ، ولا يَتوجَّهان إلا على هذه الوجوهِ، فلا تلتمسْها من غيرها، واصرفْ فكرَك في طلبها، فإنك إذا عرفت المَطْلَبَ

стр. 348

اجتمعَ لك ذهنُك، وقَل تعبُك، وظَفِرْتَ ببُغْيَتِك، وسهُلَتْ عليك المسالكُ والجواباتُ، وانثالَت عليك انثيالًا من هذه الجهةِ، فأغنَتْك عن التَحفّظ لكلام غيرِك، ووقع لك باستخراجك ما سبقَك إليه غيرُك؛ لأن القرائحَ واحدةٌ، والمعْدنَ واحدٌ، وإنما يُضَلِّلُ أكثرَ الرجالِ التركُ والِإهمالُ، وقلَّ أن يَضِل متأمِّلٌ متدبِّرٌ (١) ناظرٌ متفكِّرٌ. فصل في بيان الانتقالِ عن السؤال اعلم أن الانتقالَ عن السؤال هو: الخروجُ عما يُوجبُه أَوَّلُه من ملازمةِ السَّنَنِ فيه، وكذلك الانتقالُ عن الجواب. مثال ذلك: قولُ السائلِ: ما الدليلُ على حَدَثِ الأجسام؟ فقالَ المجيبُ: الأعراضُ. فقالَ السائلُ: وما حَد الأعراضِ؟ فهذاَ انتقالٌ عن السؤال الأولِ -وهو السؤالُ عن حَدَث الأجسامِ- إلى سؤالٍ ثانٍ -وهو السؤالُ عن حَدَ الأعراضِ-، كانتقاله بقوله: وهل تبقى الأعراضُ؟ إذ كان هذا خروجاً عن سنَنِ السؤالِ الأولِ، وسؤالًا عن مذهبٍ آخرَ لا يُخِلُّ الخلافُ فيه بوجهِ الاستدلالِ على الحَدَثِ. فإن أجابَ المسؤولُ عن هذا السؤالِ، كان خارجاً أيضاً مع السائلِ، ومثالُه من الفقه: أن يقولَ السائلُ للمسؤول: ما مذهبُكَ في الخمر، هل هو مالٌ لأهل الذِّمَّةِ؟ فيقولُ المجيب: هو مالٌ لهم. فيقول السائلُ: وما حَدُّ المالِ؟ فهذا انتقالى، فإن حد المالِ سؤالٌ مُستأنَفٌ، فإن شَرَعَ المجيبُ في جواب بيانِ المالِ فقد خرجَ مع السائلِ أيضاً.

стр. 349

وهذا كثيرٌ مما يَتِمُّ بين المخِلِّين بآداب الجدلِ؛ لحرصهم على بيان معرفتِهم بما سُئِلُوا عنه، وما يَنبغي بيانُ المعرفةِ بجواب المسألةِ الثانيةِ بترك قانونِ الجدلِ في المسألة الأولى الذي هما فيه. وذلك إذا خرجِ المسؤولُ من دليلٍ إلى دليلٍ آخَرَ قبل التَّمام للأول، كان انتقالَا منه، وإن- خرجَ بعد التَّمامِ، فليس بانتقالٍ في حكم الجدلِ. واعلم أنه إذا دخلَ السائلُ دخولَ ملزِم بعد تَحقُقِ الخلافِ بينه وبين المسؤولِ فلا يجوزُ له أن يَخْرُجَ عن سنَنِ الإِلزام إلى أن ينتهيَ إلى تحقيق أنه لازمٌ، فكلما حاول، الخصمُ أن يهربَ منه، ردَّه إليه. فصل في تقاسيم الانتقالِ والانتقالُ على أربعة أقسام: انتقالٌ من مذهب إلى مذهبٍ، وانتقالٌ من عِلةٍ إلى عِلَّةٍ، وانتقالٌ من إلزامٍ إلى إلزامٍ، وانتقالٌ كل من تسليمٍ إلى ممانَعةٍ ومنازَعةٍ. والأصولُ التي يَبْني عليها المجيبُ لا تخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكونَ أصلَاً مشهوراً؛ فإق المجيبَ لا يتكلمُ في فرعه إلا بعد التسليمِ له، أو لا يكون كذلك، فإن كان كذلك، فنازعَ السائلَ فيه كانت منازعتُه انتقالًا؛ لأنه نازعَ فيما يجبُ تسليمُه، فكأنه قد سلَّمه، ثم نازعَ فيه، وإن لم يكن الأصلُ كذلك كان للسائل أن ينازعَ فيه. فإن قال السائلُ: ما الدليلُ على صِحةِ الاجتهادِ؟ فقال المجيبُ:

стр. 350

إجماعُ الصحابةِ على الرضا بالاختلاف في الفُتْيا. فإن قال السائلُ: وما الدليلُ على أن إجماعَهم حقٌّ؟ فقال المجيب: شهادةُ القرآنِ لهم بالتعديلِ، فقال السائلُ: وما الدليلُ على أن القرآنَ صحيحٌ؟ فقد انتقلَ أسوأَ انتقال؛ لأنه معلومٌ أنه لا يُتَكَلمُ في الاجتهاد إلا بعد التسليم بصحَّة القرآن. فهذا انتقالٌ من مذهب مشهورٍ إلى مذهب. والانتقالُ من علَّةٍ إلى علَّةٍ: مثلُ أن يَستدِلَّ بعلةٍ، فلا يُمْكِنُه إجراؤها، فينتقلُ إلى غيرها. والانتقالُ من إلزامٍ إلى إلزامٍ: مثل أن يُلْزِمَ مسألةً على مذهبه تَدُلُّ على فساد دليلِه أو مذهبه، فلاَ يُسَلمُها، فينتقلُ إلى إلزام غير تلك المسألةِ. والانتقالُ من تسليم إلى ممانعة: مثلُ أن يُسلم له حكماً، فإذا ضاقَ عليه التسليمُ، عادَ يَمنعُ ما سَلمَه، فهذا كُلُّه انتقالٌ يصيرُ به منقطعاً بحكم الجدلِ. فصل في إسقاط السؤالِ اعلمْ أن الرفعَ للسؤال إنما يقعُ بالبيان أنه يتساوى فيه الخصمان، وإذا تساوى فيه الخصمان، لم يكنْ على أحدهما دون الآخَرِ، ولا أحدُهما بالجواب عنه أَحق من الآخر. ويحصلُ إسقاطُ السؤالِ بالتسوية بين الحكمين في أنه إن صَحَّ أحدُهما صَحَ الآخرُ، وإن فسدَ أحدُهما فسدَ الآخرُ، من غير بيانٍ لصحته، أو إفسادِه، وكذلك يسقطُ بالتسوية بين العِلتين.

стр. 351

بيانُ ذلك: سؤالُ السائلِ الرافضيِّ بأن يقولَ: إذا كان قوله لأبي بكرٍ: ﴿لا تَحْزَن﴾ [التوبة: ٤] لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجُزْ للرسول أن ينهاه عن طاعةٍ، لم يَبْقَ إلا أن حُزْنَه كان معصيةً لا مَحالَةَ، فقال له السُنِّيُّ: إذا كان قوله لموسى: ﴿لا تَخَفْ﴾ [هـ: ٦٨، والنمل: ١٠]، لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجزْ أن ينهاه الله عن طاعةٍ، فخَوْفه معصيةٌ لا مَحالةَ، فقد سَوَّى بين الأمرين، ولم يجبْ عنه هل هو معصيةٌ أم لا؟ وإنما تَضَمَّنَ التسويةَ التي تُسقِط المسَألةَ عنه؛ إذ كانت على خصمه مثلَها عليه. فاعرفْ هذه الطريقةَ في الجدلِ، فإنها طريقةٌ حسنةٌ تُلجِىءُ المبْطِلَ إلى مثل جواب المحِقِّ، وإذا خِفْتَ أن يلتبسَ الأمر على بعض من حضَرَ، فلا بأسَ أَن تجيبَ بعد البيانِ لإِسقاطِ السؤالِ. فصل في المطالبة بـ "لِمَ" وهو من فصول السؤالِ، وبيانِ ما يَحْسن أن يطالَبَ فيه بـ"لِمَ"، وإلى ماذا ينتهي، و [ما] (١) لا يَحْسُن بعده "لِمَ". اعلم -وفَّقَك الله أنه يحسن إلى أن يبلغَ إلى حدٍّ يقتضي فيه المقدِّمة للحكم، وأن يقتضيَها العقل، وسواءٌ كان ذلك على حُجَّةٍ، أو على شبْهَةٍ في أنه تَسقطُ المطالبة بـ "لِمَ"، وتصير المطالبة بالانفصال من الإِلزام.

стр. 352

فإذا قال السائلُ: لِمَ كان الذمُّ لا يُستحق إلا على فعل أوكسب؟ فقال المجيبُ: لأن الذمَّ لا يستحقُّه إلا مسيءٌ. لم يَحْسُنْ بالسائل أن يقولَ: ولِمَ كان الذمُّ لا يَستحقُه إلا مسىءٌ؟ لأن هذا مما لا يُخالَفُ فيه في قضايا الشرائعِ والعقولِ، ولكنْ له أن يقولَ: ولِمَ إذا كان الذمُّ لا يقتضيه إلا مسيء، لا يُستحق إلا على كسب أو فعل؟ فإن قال المجيبُ: لأنه لو لم يَستحقه المسيءُ على فعلٍ، لم يَصِرْ (١) مستحِقاً له بعد أن لم يكنْ مستحِقاً، بل كان يجبُ أن يبقى على ماكان من حكم الأصلِ، وهو نَفْيُ استحقاقِ الذَّمِّ. فليس للسائل أن يقولَ: ولِمَ إذا لم يَتغيرْ أمر، وجبَ أن يكونَ على ما كان؟ لأن الذي يقتضيه العقلُ في الأصل البراءةَ من كلِّ عقوبةٍ، والذمُّ نوعُ عقوبةٍ يقابَلُ بها المسيءُ. ومثالُه من مسائل الفقهِ: أن يقولَ السائلُ الحنفي للمسؤول الشافعى أو الحنبليِّ- في إحدى الروايتين-: لِمَ وجبتِ المماثلةُ في القِصاص (٢)؛ فيقولُ: لأنه مقابلةٌ ومكافأةٌ ومجازاةٌ، فيقولُ الحنفى: ولِمَ

стр. 353

إذا كانت مقابلةٌ، وجبَ أن تكونَ على وجه المماثلةِ؟ فيقولُ الشافعيُّ: لأن الله تعالى قال: ﴿فعَاقِبُوا بمثْلِ ما عُوقِبْتُم به﴾ [لنحل: ١٢] و ﴿جَزاءُ سَيئةٍ سيئةٌ مِثْلُها﴾ [لشورى: ٤]، فلا يَحْسُنُ بالحنفيِّ أن يقولَ: ولِمَ إذا قال الله سبحانه ذلك، وجَبَ اعتبارُه؟ بل يكونُ عدولُه عن قوله: ولِمَ؟ إلى قوله: إن المماثلةَ ها هنا هي أخذُ النَّفْسِ بالنَّفْسِ والطَّرَفِ بالطَّرَفِ دون كيفيةِ الجِراحِ، ونَصْرِفه عن ظاهرِه بدَلالةٍ نذكرُها. فصل وفي الجملة: إن الذي تنتهي إليه "لِمَ": هو أن يبلغَ المسؤولُ بالجواب عن المطالبة إلى غاية الثِّقةِ بالمعلومات القَطْعيَّاتِ في أصول الدِّينِ، وإلى شهادة الكتابِ أو السُّنَةِ، أو شهادةِ الأصول في مسائل الفقهِ المظنوناتِ. وتنقطعُ المطالبةُ بـ "لِمَ"، إذا انتهى المسؤولُ إلى قَضيَّةِ العقلِ أو الشرعِ المؤثوق بها التي يصيرُ قولُ السائلِ بعدها: "لِمَ" كالعَنَتِ والإِعناتِ (١) للمسؤول، أو إلى إجماعٍ منهما على كون ما عُلَقَ الحكمُ

стр. 354

عليه سبباً. فصل وليس عليه أن يَضْطَر الخصمَ إلى العلم، وإنما الواجبُ عليه أن يُورِدَ عليه ما يقتضي عقلُه صِحَّتَه، فإذا تأَمَّله، علم إن كان حُجَّةً، ولم يَعْلَمْ إن كان شبهةً، وعلامةُ ذلك: الثِّقةُ التي يجدُها العاقلُ عند الفكرةِ، والشبهةُ لا توجدُ بها الثقةُ. وأكثرُ المطالبةِ بـ "لِمَ" ليُفتحَ وجهُ المطالبةِ بالإِلزام، وأخذِ المجيبِ بإجراءِ الاعتلالِ، وقد يَتِمُّ الغرضُ فيها بالتَّعجيزِ عن إقامة البرهانِ، وهو إذا وقَعَتِ المطالبةُ بـ "لِمَ" إلى أن تنتهي إلى دعوى عَرِيَّةٍ عن الشُّبهةِ. وعجزُ السائلِ: أن لا يَنْزِعَ (١) عن "لِمَ" مع تبليغ المسؤولِ به إلى الثِّقةِ.

стр. 355

فصل في بيان الاحتجاجِ في المختلَفِ فيه، وسلوكِ المراتب الواجب سلوكُها . اعلمْ -وفَقَك اللهُ- أن للعلوم مراتبَ وقعتْ مواقعَها لأعيانها، فلا يَسُوغُ لك (١) تغييرُها. فمنها: ما هو أصلٌ وليس بفَرْعٍ، نحوُ علمِ الحِسِّ الذي إليه الانتهاءُ، وهو الغايةُ في إسناد المقدِّماتِ إليه للبناءِ عليه، والاستخراجِ منه، فإن العلمَ الاستدلا إنما يُسْنَدُ إلى الضروريِّ، والضروريُّ موضعُ الاتفاقِ، وما يزالُ المختلَفُ فيه مردوداً (٢) إلى المتَفَقِ عليه، فعلم الحِسِّ أصلٌ لا يكونُ فَرْعاً لغيره؛ لأنه لم يُبْنَ على غيره وليس قبلَه شيءٌ. ومنها: ما هو أصلٌ وفَرْعٌ، نحو العلمِ بالمحدَثِ، وكل شيءٍ يَثبتُ عليه غيرُه فهوأصل لمايَثبتُ عليه، وكل شيءٍ بُني على غيره فهوفَرْعٌ له، وليس يمكن أن يقعَ الفرعُ موقعَ أصلِه، ولا يجوز أن ينتقلَ الأصلُ إلى موضعِ فرعِه حتى يكونَ العلمُ بأنَ الشيءَ محدَث قبل العلمِ بأنه
следующие страницы →