← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بيانُ ذلك: سؤالُ السائلِ الرافضيِّ بأن يقولَ: إذا كان قوله لأبي بكرٍ: ﴿لا تَحْزَن﴾ [التوبة: ٤] لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجُزْ للرسول أن ينهاه عن طاعةٍ، لم يَبْقَ إلا أن حُزْنَه كان معصيةً لا مَحالَةَ، فقال له السُنِّيُّ: إذا كان قوله لموسى: ﴿لا تَخَفْ﴾ [هـ: ٦٨، والنمل: ١٠]، لا يخلو من أن يكونَ طاعةً أو معصيةً، ولم يَجزْ أن ينهاه الله عن طاعةٍ، فخَوْفه معصيةٌ لا مَحالةَ، فقد سَوَّى بين الأمرين، ولم يجبْ عنه هل هو معصيةٌ أم لا؟ وإنما تَضَمَّنَ التسويةَ التي تُسقِط المسَألةَ عنه؛ إذ كانت على خصمه مثلَها عليه. فاعرفْ هذه الطريقةَ في الجدلِ، فإنها طريقةٌ حسنةٌ تُلجِىءُ المبْطِلَ إلى مثل جواب المحِقِّ، وإذا خِفْتَ أن يلتبسَ الأمر على بعض من حضَرَ، فلا بأسَ أَن تجيبَ بعد البيانِ لإِسقاطِ السؤالِ. فصل في المطالبة بـ "لِمَ" وهو من فصول السؤالِ، وبيانِ ما يَحْسن أن يطالَبَ فيه بـ"لِمَ"، وإلى ماذا ينتهي، و [ما] (١) لا يَحْسُن بعده "لِمَ". اعلم -وفَّقَك الله أنه يحسن إلى أن يبلغَ إلى حدٍّ يقتضي فيه المقدِّمة للحكم، وأن يقتضيَها العقل، وسواءٌ كان ذلك على حُجَّةٍ، أو على شبْهَةٍ في أنه تَسقطُ المطالبة بـ "لِمَ"، وتصير المطالبة بالانفصال من الإِلزام.

стр. 352

فإذا قال السائلُ: لِمَ كان الذمُّ لا يُستحق إلا على فعل أوكسب؟ فقال المجيبُ: لأن الذمَّ لا يستحقُّه إلا مسيءٌ. لم يَحْسُنْ بالسائل أن يقولَ: ولِمَ كان الذمُّ لا يَستحقُه إلا مسىءٌ؟ لأن هذا مما لا يُخالَفُ فيه في قضايا الشرائعِ والعقولِ، ولكنْ له أن يقولَ: ولِمَ إذا كان الذمُّ لا يقتضيه إلا مسيء، لا يُستحق إلا على كسب أو فعل؟ فإن قال المجيبُ: لأنه لو لم يَستحقه المسيءُ على فعلٍ، لم يَصِرْ (١) مستحِقاً له بعد أن لم يكنْ مستحِقاً، بل كان يجبُ أن يبقى على ماكان من حكم الأصلِ، وهو نَفْيُ استحقاقِ الذَّمِّ. فليس للسائل أن يقولَ: ولِمَ إذا لم يَتغيرْ أمر، وجبَ أن يكونَ على ما كان؟ لأن الذي يقتضيه العقلُ في الأصل البراءةَ من كلِّ عقوبةٍ، والذمُّ نوعُ عقوبةٍ يقابَلُ بها المسيءُ. ومثالُه من مسائل الفقهِ: أن يقولَ السائلُ الحنفي للمسؤول الشافعى أو الحنبليِّ- في إحدى الروايتين-: لِمَ وجبتِ المماثلةُ في القِصاص (٢)؛ فيقولُ: لأنه مقابلةٌ ومكافأةٌ ومجازاةٌ، فيقولُ الحنفى: ولِمَ

стр. 353

إذا كانت مقابلةٌ، وجبَ أن تكونَ على وجه المماثلةِ؟ فيقولُ الشافعيُّ: لأن الله تعالى قال: ﴿فعَاقِبُوا بمثْلِ ما عُوقِبْتُم به﴾ [لنحل: ١٢] و ﴿جَزاءُ سَيئةٍ سيئةٌ مِثْلُها﴾ [لشورى: ٤]، فلا يَحْسُنُ بالحنفيِّ أن يقولَ: ولِمَ إذا قال الله سبحانه ذلك، وجَبَ اعتبارُه؟ بل يكونُ عدولُه عن قوله: ولِمَ؟ إلى قوله: إن المماثلةَ ها هنا هي أخذُ النَّفْسِ بالنَّفْسِ والطَّرَفِ بالطَّرَفِ دون كيفيةِ الجِراحِ، ونَصْرِفه عن ظاهرِه بدَلالةٍ نذكرُها. فصل وفي الجملة: إن الذي تنتهي إليه "لِمَ": هو أن يبلغَ المسؤولُ بالجواب عن المطالبة إلى غاية الثِّقةِ بالمعلومات القَطْعيَّاتِ في أصول الدِّينِ، وإلى شهادة الكتابِ أو السُّنَةِ، أو شهادةِ الأصول في مسائل الفقهِ المظنوناتِ. وتنقطعُ المطالبةُ بـ "لِمَ"، إذا انتهى المسؤولُ إلى قَضيَّةِ العقلِ أو الشرعِ المؤثوق بها التي يصيرُ قولُ السائلِ بعدها: "لِمَ" كالعَنَتِ والإِعناتِ (١) للمسؤول، أو إلى إجماعٍ منهما على كون ما عُلَقَ الحكمُ

стр. 354

عليه سبباً. فصل وليس عليه أن يَضْطَر الخصمَ إلى العلم، وإنما الواجبُ عليه أن يُورِدَ عليه ما يقتضي عقلُه صِحَّتَه، فإذا تأَمَّله، علم إن كان حُجَّةً، ولم يَعْلَمْ إن كان شبهةً، وعلامةُ ذلك: الثِّقةُ التي يجدُها العاقلُ عند الفكرةِ، والشبهةُ لا توجدُ بها الثقةُ. وأكثرُ المطالبةِ بـ "لِمَ" ليُفتحَ وجهُ المطالبةِ بالإِلزام، وأخذِ المجيبِ بإجراءِ الاعتلالِ، وقد يَتِمُّ الغرضُ فيها بالتَّعجيزِ عن إقامة البرهانِ، وهو إذا وقَعَتِ المطالبةُ بـ "لِمَ" إلى أن تنتهي إلى دعوى عَرِيَّةٍ عن الشُّبهةِ. وعجزُ السائلِ: أن لا يَنْزِعَ (١) عن "لِمَ" مع تبليغ المسؤولِ به إلى الثِّقةِ.

стр. 355

فصل في بيان الاحتجاجِ في المختلَفِ فيه، وسلوكِ المراتب الواجب سلوكُها . اعلمْ -وفَقَك اللهُ- أن للعلوم مراتبَ وقعتْ مواقعَها لأعيانها، فلا يَسُوغُ لك (١) تغييرُها. فمنها: ما هو أصلٌ وليس بفَرْعٍ، نحوُ علمِ الحِسِّ الذي إليه الانتهاءُ، وهو الغايةُ في إسناد المقدِّماتِ إليه للبناءِ عليه، والاستخراجِ منه، فإن العلمَ الاستدلا إنما يُسْنَدُ إلى الضروريِّ، والضروريُّ موضعُ الاتفاقِ، وما يزالُ المختلَفُ فيه مردوداً (٢) إلى المتَفَقِ عليه، فعلم الحِسِّ أصلٌ لا يكونُ فَرْعاً لغيره؛ لأنه لم يُبْنَ على غيره وليس قبلَه شيءٌ. ومنها: ما هو أصلٌ وفَرْعٌ، نحو العلمِ بالمحدَثِ، وكل شيءٍ يَثبتُ عليه غيرُه فهوأصل لمايَثبتُ عليه، وكل شيءٍ بُني على غيره فهوفَرْعٌ له، وليس يمكن أن يقعَ الفرعُ موقعَ أصلِه، ولا يجوز أن ينتقلَ الأصلُ إلى موضعِ فرعِه حتى يكونَ العلمُ بأنَ الشيءَ محدَث قبل العلمِ بأنه

стр. 356

حادثٌ، وأصلًا له؛ حيث كان حدوثُ الشيءِ محسوساً لوجداننا له بعد أن لم يَكنْ، ويحتاج في العلم بأن له محدِثاً إلى نوعِ تَأَملٍ ينتهي به إلى العلمِ بمحدِثه، فنعلمه محدَثاً بعد ما علمناه حادِثاً، فهذا ترتيبٌ لايمكن وقوع العلمِ إلاعليه. ولا يمكن أيضاً أن يكونَ العلمُ بأنه حادثٌ قبل العلمِ بأنه موجودٌ، ولو جازَ هذا، لجاز أن يكونَ علمُ الاستدلالِ قبل علومِ الحِسَ، وأصلًا لها. وكذلك في الظُّنون في مسائل الفروعِ؛ فإنه لا يجوزُ أن يسبقَ إلى ظَنِّنا تحريمُ التفاضلِ في الأَرُزِّ، ولا تحريم النَّبيذِ قبل أن نعلمَ تحريمَ الخمرِ، وقبل أن يَغلِبَ على ظنِّنا تحريم التفاضلِ في البُرِّ والشَّعيرِ، إذ كان تحريم النَّبيذِ مبنياً على تحريم الخمرِ، وتحريمُ التفاضلِ في الأرُزَ مبنياً على تحريم التفاضلِ في البُرِّ. فصل وإذا كان أصلُك في استدلالِك هو فرعاً (١) من علوم الاستدلالِ فلا تبعِدْ سؤالَ سائلك أن يكونَ إنكاراً؛ لأن المختلَفَ فيه لا يَبعد إنكارُه، كما لم يَبعُدْ ذلك في الفرع لكونه مختلَفاً فيه، فأبداً لا تَسْتَبْعِد (٢) السؤالَ عن الأصل إذا كان فرعاً من علوم الاستدلالِ، بخلاف ما أصله الضروريّاتُ؛ فإنه لا يَسوغ السؤالُ لموضع الاتفاقِ على الضَّروريّاتِ، وبخلاف ما إذا كان الأصلُ في الاستدلال في المسائل الفقهيَّةِ مجمَعاً

стр. 357

عليه، أو منصوصاً عليه، فإنه يصيرُ في قُبْحِ السؤال عنه بمنزلة قُبْح السؤالِ عن الضَّروريات في مسائل الأصولِ. ولا يجوزُ لك أن تدلَّ على المختلَف فيه بالمختلَف فيه؛ لأن الذي أحوجَ أحدَهما إلى الدليل -أعني مسألةَ الفرع- هو الاختلافُ، وإلا فقد كان الاتفاق مغنياً عن الدَّلالةِ، وهذا بعينه قائمٌ في الآخَرِ المستدَلِّ به، فكيف يُستدَلُّ به؟ ولو استغنى بعضُ المختلَفِ فيه عن الدَّلالةِ لاستعنى جميعُه عن الدَّلالةِ، كما أنه لو احتاجَ بعض المتَّفَقِ عليه إلى دَلَالةٍ لاحتاجَ جميعُه إلى دَلالَةٍ. فصل ومن المختلَف فيه ما يكونُ حقَاً، ولا يخرجُه الخلافُ فيه عن جواز البناءِ عليه، والِإسنادِ إليه، ولا يمنعُه كونُه لم يقعْ بحِسٍّ أن يُبْنى عليه، وذلك أن خروجَه عن الحِسَ لم يُبطِلْه، وإذا لم يُبطلْه، كان صحيحاً مع وجودِ الخلافِ فيه، فكم من صحيحٍ اختُلِفَ فيه، لاختلاف الناسِ في إدراكِ الصِّحَّةِ والفسادِ، وإذا كان صحيحاً، فالصَّحيحُ لا يُؤدِّي إلا إلى، الصِّحَّةِ ولا يثمرُ إلا الصَّحيحَ. فإذا كان له وجهُ دلالَةٍ كانت صحيحةً، وذلك مثلُ رجوعِنا في الأصول إلى المحسوساتِ، وإن خالفَ فيها السُّوفسطائيَّة (١)، ولم يمنعْنا خلافُهم إيّانا من تعلقِنا بها، وبنائِنا عليها، وإسنادِنا إليها، ومثلُ خلافِ من خالفنا فرب امَّهاتِ الأولادِ في نفي جوازِ بَيْعِهنَّ (٢)، لا يمنعُنا ذلك

стр. 358

أن نقيسَ على أُمِّ الولدِ غيرَها، ولا يمنعُنا الخلافُ في المُتْعةِ أن نقيسَ عليه نكاحَ المُحَللِ (١). فصل ومن علوم الحسِّ ما بعضُها أقوى من بعضٍ، كالمشاهدةِ آكَدُ من اللَّمْسِ، والاستماعُ للفهم آكدُ من الإِشارة، وليس يجبُ لذلك أن

стр. 359

يكونَ البناءُ على القويِّ دون غيرِه، ولكنَ الوجهَ أن يكونَ البناءُ على متَفَقٍ عليه، ولا يُطلَبُ بعد الاتفاقِ غايةٌ. فصل ومن مانعَ أصلاً وناكرَه، فشرعَ في الدَّلالة عليه بطريق الاستدلالِ الذي يُسْلَكُ مثلُه في الفرع، فأبى ذلك طلباً للإِسناد إلى أصلٍ لا يَحتاجُ إلى دَلالةٍ، فقد ظلم وخرجَ عن قانون الجدلِ إلى الإِعناتِ، وكان في هذا بمثابة من قال: أوْصِلُوني إلى آخِرِ المسافةِ من غير أن تَسْلُكُوا بي في وَسطِها أو تَمُرُّوا بي على أَوَّلِها. فيقال لمن سلكَ هذا: يا هذا، إنَّا لا نَدَعي أنَا وصلنا إلى معرفة ما سألتَ عنه، ولا إلى معرفةِ الأصلِ الذي أسنَدْنا إليه وناكَرْتنا فيه إلا بهذا الطريقِ، فإن أردتَ معرفتَه من الوجه الذي منه عرفناه، عَرَّفْناكَه وعَلِمْتَه، وإن أبَيْتَ ذلك، فلسنا نَقْدِرُ على غيرِه. وكان أيضاً بمثابة من قال: لو كان اللَّوْنُ حقاً لوصلتُم إلى معرفته من غير طريق البصرِ، وهذا واضحُ الفسادِ، ولا بُدَّ من إحكام هذه الأمورِ، وإلا وقعَ في التَّخليطِ.

стр. 360

فصول الحُجةِ والشُّبْهَةِ فصل في جوامع العلمِ بالحُجةِ اعلم أن الحجَّةَ: مقدَمةٌ صادقةٌ، لها شهادةٌ على الحقيقة (١). وإنما قلنا: لها شهادةٌ على الحقيقة؛ لأن من المقدِّماتِ ما له شهادة على التَخَيُّل دون الحقيقةِ، وهي الشُّبهةُ (٢). ومعنى قولنا: مقدِّمةٌ: كلُّ ما إذا قُدَمَ فكان أوَّلاً ظهر منه ثان، كائناً ما كان، وهي التي يسمِّيها الفقهاءُ وصفاً، فكما يكونُ القياسُ ذا وصفٍ ووصفين وثلاثةِ أوصافٍ، تكونُ الحجةُ ذاتَ مقدمةٍ ومقدمتين وثلاثِ

стр. 361

مقدِّمات، إلى أن تنتهيَ إلى نتيجةٍ صادقةٍ، والحكمُ في قياس الفقهاءِ، هي النتيجةُ في الأصول بلغةِ الأصوليِّين. ولا تخلو شهادةُ الحجةِ من أن تُعلمَ بأول وَهْلةٍ أو بأدنى فِكْرَةٍ، ولا تخلو الحجَّةُ من أن تظهرَ شهادتُها عند الإِشارةِ إليها، أو لا تظهرَ، فإن لم تظهرْ عند الِإشارةِ إليها، فإنَّما ذلك لأنه أُشيرَ إليها من وجهٍ لا يتعلَقُ بالحكم، مثال ذلك: قول القائل: كلُّ جسمٍ فهو جوهرٌ، فالجسمُ لا يشهد من وجهِ أنه جوهرٌ على أَن له صانعاً، ويشهدُ من وجهِ أنه كان بعد أن لم يكنْ على أن له صانعاً، فقد بأن أنه يُذكرُ من وجهٍ ولا تكونُ له شهادةٌ، وُيذكرُ من وجهٍ آخر فتظهرُ له شهادة. بيانُ صحةِ ذلك: أنك إذا قلتَ: إذا كان الجسم بعد أن لم يكنْ، فلا بُدَّ له من مكوِّنٍ. فهذا شهادةٌ، ولو قلت: إذا كان الجسمُ جوهراً، فلا بُدَّ له من مكوِّن. لم يكن هذا شهادةً، ولا له صحةُ الشهادةِ. وكذلك تقولُ: إذا كان محكَماً متقَناً، فلا بدَّ له من عالمٍ أحكمَه وأتقنَه. ولا يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدوماً بعد أن لم يكنْ معدوماً، فلا بُدَّ له من عالمٍ أعدمَه. ولكن الذي يصحُّ أن تقولَ: إذا كان معدوماً بعد أن لم يكن معدوماً، فلا بُد من معدِمٍ أعدَمه وجعلَه معدوماً. ويَحسُنُ أن تقولَ: الجسم دالٌّ على الصانعَ المدبِّر. نعني من الوجوهِ التي بَيَّنَّا. والمثالُ من مسائل الفروعِ: إذا قلتَ: النَبيذُ محرَّمٌ من حيث إنَّه مائعٌ أو مشروبٌ، فهذا لا يصحُ؛ لأن كونَه مائعاً ومشروباً لا يشهدُ بالتحريم، فإذا قلتَ: النَّبيذُ أو الخمر يشهدُ بالتحريم من حيث كونه

стр. 362

مشتدَّاً أو مسكراً. كان قولاً صحيحاً وشهادةً صحيحةً. وهذا بعينه الذي يُسَمِّيهِ الفقهاءُ: التأثيرَ وعدَمَ التأثيرِ، فالذي له شهادةٌ بلغة الأصوليين هو الذي له تأثيرٌ بلغة الفقهاءِ، والذي لا شهادةَ له هو الذي يقول الفقهاءُ: لا تأثيرَ له، ويقولُ الخراسانِيُّونَ: لا إخالةَ (١) له. فصل وكل حُجَّةٍ فهي بمنزلة الناطقةِ بأن الحكمَ حقٌّ أو باطلٌ من حيثُ يجد العاقل معنى النُّطقِ في نفسِه عند خُطورِ المعنى على قلبه، والاعتمادُ على معنى النُطقِ لا على النُّطقِ، وإنما يجد العاقل كأَنَّ مخاطِباً يخاطبُه بأن المذهبَ صحيحٌ أو فاسدٌ؛ للاعتماد على ما يجدُه من معنى الخِطابِ، لا على نفْسِ الخِطابِ. والحجَّةُ والدَّلالةُ والآيةُ والعلامةُ نظائرُ، وكذلك الدَّليل والبرهانُ، ينوبُ بعضُها مَنابَ بعضٍ في أكثر المواضعِ. والأصلُ في الدَّالُ إنما هو المظهِرُ للدَّلالةِ، وكذلك الدَّليلُ على مذهب المتكلِّمين، وهو عندنا: المرشِدُ إلى المطلوب -وهو المدلولُ-. وإنما سُمِّيَتِ الدَّلالةُ دليلاً من حيث إنَّها كالناطقة في الحكم بالصِّحَّةِ أو بالفسادِ.

стр. 363

وكلُ حُجَّةٍ فهي بيانٌ يشهدُ بمعنى حكمٍ من الأحكامِ. فصل ولا يخلو البيانُ الذي هو حجَّةٌ من خمسةِ أقسامٍ: لفظٍ، وحَظ، وعَقْدٍ، وإشارةٍ، وحالةٍ. وكلُّ ذلك إنما يكون حجَّةً إذا كان حقاً في نفسه وشهادتِه، وإذا كان في أحدهِما دون الآخرِ فهو شبهةٌ. ودلالة اللَّفظ والحظ التي تكون حجَّةً: إنما هو في القضايا التي تشهد بمعنى قَضِيَّةٍ أخرى، وذلك مثل قولِك: زيد مسيءٌ، وكل مسيءٍ فهو مستحِقٌّ للذَّمِّ، فزيدٌ مستحِق للذَّمِّ، وكذلك لو قلتَ: زيدٌ ظالمٌ أو جَائِرٌ، وكذلك لو قلتَ: الأجسام لم تَسبِقِ الأعراضَ، وكلُ ما لم يَسبِقِ الأعراضَ حادثٌ، فالأجسامُ حادثةٌ. فهذا بيانٌ من جهة اللَّفظِ والحظ. فأمَّا البيان [من جهة العقد] (١): فلو اعتقدتَ معنى المقدِّمةِ التي ذكرت لك، لظهرَ منها معنى الحكمِ، وإن لم يكن هناك قولٌ. وأما البيانُ من جهة الإِشارةِ: فهو كالإِشارةِ إلى ما فيه الدَّلالة إذا كنتَ طالباً لها، فأشيرَ لك إليها، وهذا غايةٌ في المثال. وأما الحالُ: فدَلالتها تظهر بأن يكونَ عليها الشيئُ ثم يزولَ، أو لا يكونَ عليها ثم يصيرَ، كخروج الجسمِ من حال إلى حال تنقلبُ الأعراضُ عليه في علم الأصولِ، وكخروج العينِ من حكمٍ إلى حكمٍ

стр. 364

في الفروع، مثالُه: خروجُ الطِّفْلَةِ بالبلوغ إلى حَيزِ التَكليفِ والرشْدِ، فيستدلُّ بتلكَ الحال على تغير حالِ الوَليِّ من رُتْبَةِ الإِجبارِ إلى رتبةِ الاستئذانِ لها في نكاحها، وخروجُ العبدِ بالتَكاتب من حال تملُّكِ سيِّدهِ لأُرُوشِ (١) جناياته وأكسابه إلى حالٍ صار هو المالكَ لها، أو [خروج الخمر بالتخلُّلِ من عدم اَلماليةِ إلى المالية] (٢)، فمنعَ ذلك من خروجِ العصيرِ عن الماليةِ بحدوث الشَدةِ، وخروجِ العبد عن الماليَّة بالحُريةِ. وكلُّ حجة تجبُ من جهة الحِسِّ فهي من باب الحالِ، لأن كلَّ حِسٍّ حالٌ. فصل وكلُّ حُجةٍ فلها تحديدٌ، ولها تعبير عن التَّحديدِ، ولايُخرجُها عن معنى الحجَّةِ كونُها ليست محدَّدةً؛ لأنها إذا ظهرَ صدقُها في نفسها، وأنها شاهدةٌ على الحقيقة لحكمها، فلم يُخِل بها أن تُذكرَ مع غيرِها، ولا أن يُحذفَ من لفظها، أو تُغيرَ عن ترتيبها بعد أن تؤديَ ما ذكرنا فيها. وإن كنا نعلمُ أن تحديدَها إلى أن تَخْلُصَ على حقيقتها أبينُ لها

стр. 365

وأحسنُ لصورتها، لكنا لا نَبْخَسُ حفظَ المعنى حقَه من إيجاب حكمِها به. فصل وكل حُجةٍ فهي أصلٌ تشهدُ بالحكم، فإذا ظهرَ الحكمُ ولم يظهرِ الأصلُ، طُلِبَ ليُبْنى عليه ويُرَدَّ إليه، وإذا ظهرَ الأصل من الوجه الذي يَتعلَّقُ بالحكم، ظهرَ الحكمُ. فصل وكل حجه فإنه يَصحُّ أن يُدل عليها بالقضية، وكلُّ قضيةٍ فإنها لا تخلو من أن يكونَ لها شهادةٌ، أو لا يكونَ لها شهادةٌ، فإن كان لها شهادةٌ، فهي لا تخلو من أن تكونَ حجةً أو شبهة، وإن لم يكنْ لها شهادةٌ خرجتْ منهما جميعاً، ولم يُتكلَّمْ عليها إلا على طريق الشَّغْبِ (١) في المناظرة؛ لأن ما خلا منهما، فإنما هو محضُ الشَّغْبُ؛ إذ ليس يدنو عن الشبهة إلا الشَّغْبُ، كما لا يعلو عليه إلا الحجةُ، ولا معنى للاشتغال به في الجدْل. فإن الكلامَ في هذا الشأنِ إنما يُعول فيه على الحجة لتظهرَ، والشبهةِ لتَبْطلَ، وما عدا هذا فهَذَرٌ يقطعُ الوقتَ، ويوجبُ السَّخائمَ، وهو الذي، رفِعَتْ بشؤمِه ليلةُ القَدْرِ (٢)، وإليه انصرفَ نهيُ النبي ﷺ ،

стр. 366

عن قيل وقال (١)، وقوله: "مِراءٌ في القرآن كفْر" (٢)، والشَّغْب لا يَتَموه به مذهبٌ. فصل وأصلُ الحجَّةِ في اللُّغة: القصد، من قولهم: حَجَّ يحُجُّ؛ إذا قصدَ، ومنه: حَجَّ البيتَ؛ إذا قصدَه، فكأن الحجَّةَ أُخذت من المَحَجَّةِ، وهي الاستقامةُ في الطريق المؤدي إلى البغية. وقد يقال للشُّبهة: حجةٌ داحِضَةٌ، ولا يجوز أن تطلقَ حتى يتبينَ أن المعنى فيه الاستعارةُ، مثلُ استعارتِهم البشارَةَ في الِإخبار عن السوء استعارةً، وإن كان الأصلُ الِإخبارَ بالخَير الذي يَسُرُّ، قال الله سبحانه: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، وقال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، والتوبه: ٣٤]. فصل وكل ما تَطَرَّقَ عليه الاختلافُ مما ليس بأَولٍ (٣) في العقل، فليس

стр. 367

لنا سبيل إلى، علمه إلا بحُجَّةٍ؛ من قِبَلِ أن المدعيَ له والمنكرَفيه سواءٌ إلا أن يكونَ مع أحدِهما حُجَّةٌ، فيَثْبُتَ مذهبَه دون الآخَرِ، وليس يجوزُ أن يَثْبُتا جميعاً؛ لأن أحدَهما يقول: هو حق. والآخَرُ يقول: هو باطلٌ. لا اجتماعَ لهما في حكم واحدٍ، ولا حقيقةٍ واحدةٍ، وكذلك إذا قال أحدُهما: هو صدقٌ. وقال الآخرُ: هو كذبٌ. إذ لا اجتماعَ لهما في خبر واحدٍ، وسواءٌ كان ذلك في علم الدِّين، أو غيرِه من العلوم. فصل ولا يخلو الحكمُ الذي يظهرُ من الأصل على طريقة الحُجَّةِ من أن يكونَ فى معنى قضيةٍ واحدةٍ أو أكثرَ، فالحكمُ الذي يظهرُ من معنى القضيةِ الواحدةِ، كقولك: كلُّ مؤمنِ موحِّدٌ، أو ليس بمجسم. فالحكِمُ الذي يظهرُ من معنى هذه القضيةِ: أن بعضَ الموحِّدين مؤمن، وبعض من ليس بمجسِّمٍ مؤمنٌ، وكذلك قولك: كل إنسان جَوْهَر. فالذي يظهرُ من هذه القضيَّةِ: أن بعضَ الجواهرِ إنسانٌ. وأما الحكمُ الذي لا يظهرُ إلا من أكثرَ من قضيةٍ، فكقولك (١: كلُّ شهيدٍ مؤمن، وكلُّ مؤمنٍ موحِّد ١). فيظهرُ من هاتين القضيتين: كلُّ

стр. 368

شهيدٍ فهو موحِّدٌ. فصل وإذا أوردَ الخصمُ ما يقتضي صِحَةَ الحكمِ، وكان على طريقة الحُجَّةِ، لم يكن لخصمه أن يطالبَه بما الدَّليل على صِحَّتِه؟ ولكن له أن يطالبَه بما الدليلُ؟ من جهاتٍ ثلاثٍ: إحداها (١): بما الدَّليلُ على صحَّة المقدِّمَةِ؟ بلغة الأصوليِّين، وهي عبارة عن الوصفِ في لغة الفقهاءِ، حتى يَردَّه إلى بديهةٍ، أو لعلمٍ بأدنى فكرةٍ، أو لاقتضاءِ (٢) ضرورةٍ، أو إلى موافقةٍ، وتسليمِ جدلٍ يقوم مقامَ الموافقةِ في البناء عليه والرَّدِّ إليه في الأصول، أو إلى ظاهرٍ من جهة الكتاب، أو السُنَّةِ، أو إجماع الكافَّةِ، أو شهادةِ الأصولِ، أو اتفاقٍ بين المَتجادلَيْنِ في مسائل الفرَوعِ. والثانية (٣): أن يطالبَه بما الدَّليلُ على صحَّةِ الدَّعوى من المقدِّمة؟ -وهو المُسمَّى عند الفقهاءِ: تأثيرَ الوصفِ-، إذ كانت مقدِّمةً قد تَضَمنَت دعوىً أو دعاويَ، وله أن يطالبَه بأيِّها شاءَ قبل صاحبِه بلا ترتيب يَتعينُ عليه، وليس له أن يطالبَه بالدًعوَييْنِ في حالةٍ واحدةٍ؛ من قِبَل أنه إذا كان مطالِباً عن مسألتين في حالةٍ واحدةٍ، لم يكن ذلك إلا على انتقالً.

стр. 369

الثالثة (١): أن يطالبَه بما الدَّليلُ على صحَّةِ شهادةِ المقدمةِ، إذا كان الخصمُ قد أوردَها من وجهٍ لا تظهرُ منه الشهادةُ. وله أن يَعْدِلَ عن المطالبة بماهيَّةِ (٢) الدَّلالةِ، ويأخذَه بالتَّفريع على الأصل الذي ذَكَرَه في مذهبهِ أو حجَّتِه، فيَلْزَمُه على ذلك الأصَلِ ما لا بُدَّ منْ أن يتفرع عنه ليَتبَّينَ فسادُ الأصلِ من جهة الفرع، فإن الصحيحَ لا يتفرعُ عنه الفاسدُ، كما أن الفاسدَ لا يُنْتجُ الصحَيحَ. ولا يخلو ما يُورِدُه الخصمُ من أن يكونَ يقتضي صحَّةَ ما يدَّعيه، أو لا يقتضي، فإن كان لا يقتضيه، كان لك أن تطالبَه بوجه دلالتِه عليه، حتى يأتيَ بالوجه الذي منه تُتخيلُ الشهادةُ بالحكم، وإن كان ما أوردَه يقتضي صحَّةَ ما يدَّعي، لم يكن لك أن تسألَه عن وجه الدَلالةِ؛ لأنه قد ظهرَ، وإنما لك أن تسألَه من وجهٍ آخرَ على الرسْمِ الذي بَيَّنَا. فصل وكل برهانٍ أصل، فرعُه نتيجتُه، وهي المقالةُ والمذهبُ الذي يصحُّ به، ويظهرُ منه، فكل مقالةٍ ومذهبٍ فرع بالإِضافة إلى البرهان الذي هو الأصلُ. فصل وكلُّ حجةٍ فالطَّريقُ إلى استخراجِها: تحصيلُ القضايا التي لها

стр. 370

شهادةٌ -وقولُ الأصوليين: شهادةٌ، هو معنى قولِ الفقهاءِ: لها تأثيرٌ- ثم تمييزُ (١) ما توجدُ معه الثِّقةُ والسلامةُ من المناقضة مما ليس كذلك، فكلُّ قضيَّةٍ من استخراجِ الحجةِ، وكل حجه، فإن معناها قد يمكنُ أن تَختلِفَ الصُورةُ الدالةُ عليه: فمرَّةً تكونُ في صورةِ الخبرِ-وهو الذي عليه المعتمَدُ-، ومرَّةً تكونُ في صورةِ الاستخبارِ، ومرَّةً تكونُ في صورةِ الأمرِ، ومرَّةً تكونً في صورةِ النهي، وكل ذلك يحْصُلُ به في النَّفسِ معنىً يشهدً بمعنىً آخَرَ، ولذلك سُمِّيَت شهادةُ القضيَّةِ شهادةً، لِما يَحصُلُ في النَّفسِ من المعنى الشاهدِ بمعنىً آخرَ. ولربما كانت الشهادةُ بالإِفصاحِ، وربما كانت بالتَّعريضِ في الكلام، أو في الحال، وكل معنىً كان في حصولِ العلمِ بمعلومٍ آخَر، فَهو دالٌّ عليه، إلا أن ذلك على ضربين: أحدهما: ما يستحيلُ حصولُ العلمِ بالأوَّلِ فيه دون الثاني، والآخرُ: لا يستحيلُ. فالذي يستحيلُ إلا بحصول الثاني هو أوضحُ وأجْلَى، والذي لا يستحيلُ أغمضُ وأخفى؛ وذلك لأنه قد تعترضُ فيه شبهةٌ، فيُعلمُ الأولُ، ولا يُعلمُ الثاني دون حلِّ تلك الشُّبهةِ. ويقال: إذا كان لا يصحُ حصولُ العلمِ بأحد المعنيين دون الآخرِ، فكيف صارَ الأولُ هو الدَّالَّ على الثاني دون أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما دالّاً على الآخر؟ فالجوابُ عن ذلك: لأن الأولَ هو الذي يَشهدُ بالثاني، وهو الذي يَشهدُ العقلُ بأنه لا يجوزُ أن يَصحَّ إلا ولا بُدَّ من أن يَصحَ الثاني،

стр. 371

وليس كذلك سبيلُ الثاني؛ لأن العقلَ لا يَشهدُ له بأنه إذا صَحَّ صَحَّ الأولُ، كما شَهِدَ الأولُ بأنه إذا صَحَّ صَحَّ الثاني، فمن هناك كان المعنى الأولُ هو الدالَّ على الثاني، ولم يَجبْ أن يكونَ الثاني دَالاً على الأولِ، ولكن الثاني يَلْزَمُ من الأولِ من حيثُ كان دَالاً عليه. مثالُ ذلك: إذا صَحَّ أن زيداً قد كفَر، صَحَّ أنه مستحِقٌ للعقوبةِ، أو نقولُ: الذَّمِّ، وليس إذا صَحَّ أنه يستحقٌّ الذَّمَّ، صَحَّ أنه قد كفرَ؛ لأنه قد يستحقُّ الذَّمَّ بالفِسْقِ الذي لا يَكفرُ به. فصل في الفرق بين الحجةِ والشُبْهةِ اعلم أن الفرقَ بينهما: أن مع الحجةِ الثقةَ بالمقدَمةِ في نفسِها وشهادتِها، وليس كذلك الشُبهةُ؛ إذ (١) كانت الثِّقةُ إنما هي بإحداهما دون الأخرى، أو تخيُّل الثقة فيهما من غير حقيقة، ولو لم يكن هناك ثقةٌ أصلاً ولا تخيلُ ثقةٍ، لم يكن حجةٌ ولا شبهةٌ. وكلُّ ما يُتكلم عليه في الجدلِ، فلا يخلو من حجةٍ أو شبهةٍ أو شَغْبٍ، ومن أحبَّ سلوكَ طريقةِ أهلِ العلم، فإنما يتكلمُ على حجةٍ أو شبهةٍ، فأمَّا الشَغْبُ فإنما هو تخليط أهلِ الجدلِ، وهو ما أوْهَمَ الكلامَ على حجة أو شبهة، ولم يكُ في نفسه حجةً ولا شبهةً. والشبهة: ما تُخُيِّلَ به المذهبُ في صورةِ الحقيقةِ، وليس كذلك؛ لأن المقدَّمةَ إن كانت صادقة، فشهادتُها بالمذهب على الحقيقةِ، وكلُّ

стр. 372

مقدمةٍ تقتضي المذهبَ فإنها لا تخلو من أن تكونً حجةً أو شبهةً، وكلُّ اقتضاءٍ يسلمُ من المناقضةِ فهوعلى حجةٍ؛ من قِبَلِ أنه لو سَلِمَ من المناقضةِ وهو شبهةٌ، لم يكن سبيلٌ إلى حلِّ تلك الشبهةِ، وليس الأمر كذلك؛ إذ كل شبهةٍ فلأهلِ الاستدلالِ سبيلٌ إلى حَلِّها؛ إذ لو لمِ يكن لهم سبيلٌ إلى حلِّها؛ لكان المبطِلُ والمحق يقفان فيها مَوْقِفاً واحداً، ولأن الذي يدلُّ على نقيضِ ما يدعو إليه من المذهب يَقدحُ فيها، وُيؤثِّرُ في حَلِّها؛ من حيثُ لا بُد من أن يكونَ إذا صحَّ الَمذهبُ فسدَ نقيضُه، وإذا فسَدَ صَحَّ نقيضه، وهذا مطَرِدٌ في كلِّ مذهبٍ. والشُبهةُ: مقدِّمةٌ لها شهادةٌ بالتخيلِ لها في نفسها أو شهادتِها دون الحقيقةِ (١)، وهي في المثال شخصٌ يُشبهُ زيداً، أو صورةٌ تُشبهُ صورةً، أو صورةٌ تُنكَّرُ بغيرِها، مثلُ ما شُبهَ علىَ اليهود عيسى، فقالَ سبحانه: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقال: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، حتى قالت بعد التَنْكيرِ: ﴿كَأنَّه هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، وذلك أنها إن كانت كاذبةً في نفسها، فإنما تُتَخيَّلُ صحتُها بما يوجدُ من الاقتضاءِ فيها الذي لا توجدُ معه الثقةُ، لا قبلَ التَّأملِ ولا بعدَه، وإن كانت صادقةً في نفسها، فالتخيُّلُ إنما هو في شهادتها، مثلُ (٢) ما شُبِّهَ على موسى أن عِصيَّ السَّحَرَةِ تسعى. فصل وكلُّ حجةٍ فلا تخلو إذا وَردَت على النَفس من أن تظهرَ أنها

стр. 373

حجةٌ، أو لا تظهرَ، فإن كان لا تظهرُ، لم تَخْلُ الآفةُ في ذلك من ثلاثة أوجهٍ: إمَّا لأنها مغيرةٌ عن الحَدِّ الذي ينبغي أن تكونَ عليه. وإما لاعتراضِ شبهةٍ عليها تدعو إلى فسادِها. وإما لأنها لم تُتَأَمَلْ حقيقةَ التأملِ كما يجبُ فيها. فعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ مدارُ الآمةِ في الحجةِ التي تُوهِمُ أنها شبهةٌ. فصل في الفَرْقِ بين الحُجَّةِ والدَلالةِ الفرقُ بيهما: أن الحجةَ لا بُد من أن تشهدَ بمعنى حكمِ غيرِها، وليس كذلك الدَلالةُ؛ لأنها قد يَحضرُ معناها للنَفسِ من غيرِ شهادةٍ بمعنى حكمِ غيرِها، مثالُ ذلك: قولُك: الجسمُ محدَثٌ، يشهدُ بأن له محدِثاً، فإن قلت: الجسمُ موجودٌ، لم يَشهدْ كشهادةِ الأولِ، فالذي يشهدُ بمعنى حكمٍ آخرَ حجةٌ، والذي لا يشهدُ بمعنى حكمٍ آخَرَ كالذي بَينَا من قولنا: الجسمُ موجودٌ، دَلالةٌ ليست حجةً. وكلُّ حجةٍ فإن تأثيرَها هو تَمكُنُ المعنى في النفسِ بالشهادةِ له أنه حقٌّ، فأمَّا الدَلالةُ فليست كذلك، وإنما تأثيرُها إحضارُ المعنى للنَّفسِ، إلا أن العبارةَ بالدَلالةِ قد كَثُرَتْ حتى صارت تُوقَعُ مَوْقعَ الحجةِ، يقول القائلُ: ما الدَّلالةُ على كذا؟ ويريدُ: ما الحجةُ على كذا؟

стр. 374

وقد بَينْتُ لك الفرقَ بين معنيين تحتاجُ الى تمييزِهما، وعلم الفرقِ بينهما، وهو معنىً يُحضِرُ معنى آخَر، ولا يشهدُ أنه حق أوَ باطلٌ، فاعرف ما بَينْتُ لكَ مما تحتاجُ إلى علمِه وصحةِ تمييزِه في المعاني، ثم أَجْرِ (١) العبارةَ على العادةِ فيها، ولا تتعدَّ بها مواضعَها بما لايحسُنُ منها. ومما يُوضَحُ لك الفرقَ في الاستعمالِ: أن إشارة الهادي إلى الطريقِ دلالةٌ عليه، وليس بحجةٍ، وكذلك النَّجمُ والرِّيحُ دلالةٌ على القبلة، وتغيُّرُ (٢) الماءِ، أو تحرُكُه، أو آثارُ الماشي النَجِسِ الشَارب منه إليه، دَلالة على نجاستِه عند اشتباهِ الأواني، وليس بحجةٍ، والَاسمُ دلالةٌ على المسَمَّى وعَلَمٌ عليه، وليس بحجةٍ، والصِّفةُ مثلُ الشِّدَّةِ دلالةٌ على الموصوفِ، وليس بحجةٍ. والفرقُ بين الحجةِ والدَّلالةِ؛ كالفرق بين دَلالةِ البرهانِ وبين دَلالةِ الكلامِ، وكلُّ حجةٍ فإنها لا بُدَّ من أن تُحضِرَ معنىً، إلا أن إحضارَها إنما هو للشهادةِ بالنتيجةِ عنها، فهي تُشارِكُ الدلالةَ من جهة الإِحضارِ للمعنى، وتنفردُ بالشهادةِ لغير المعنى الذي هي دالَّةٌ عليه بمنزلة العبارةِ عنه. فكلُّ حجةٍ دَلالةٌ من حيث تُحضِرُ معنى الشهادةِ، ومن حيث هي بمنزلةِ النَّاطقةِ في النتيجةِ أنها صادقةٌ، وليس كل دَلالةٍ حجةً؛ لأنها قد تخلو من الشهادةِ بمعنىً سوى المعنى الذي تحتها بمنزلةِ العبارةِ.

стр. 375

فصل في مراتبِ الحُجَّةِ اعلم أن مراتبَ الحجةِ مواضعُ المقدِّماتِ بلغة الأُصوليين، وهي أوصافُ العلَّةِ بلغة الفقهاءِ، على السياقَةِ من الأول إلى الثاني، ومن الثانى إلى الثالثِ، ومن الثالثِ إلى الرابعِ، ثم على ذلك إلى آخر مقدَمةٍ. ولك أن تسوقَ المقدِّماتِ على طريقتين: من أولِها إلى آخرِها، ومن آخرِها إلى أولها، وسأضربُ لك مثلًا تتصوَّرُ به هذا المعنى إن شاء الله. مثالُ السِّياقةِ من الآخِرِ إلى الأول: أن تقولَ: الاجتهادُ مبنيٌّ على الِإجماعِ، والِإجماعُ مبني على القرآن، والقرآنُ مبنيٌّ على الرِّسالةِ، والرِّسالةُ مبنيَّةٌ على المعجزةِ، والمعجزةُ مبنيةٌ على إثبات صانعٍ لا يجوزُ عليه تأييد كاذبٍ عليه بالمعجزةِ. مثالُ السياقة من الأولِ إلى الآخِرِ: الرِّسالةُ مردودةٌ إلى المعجزةِ، والقرآنُ مردودٌ إلى الرسالةِ، والإِجماعُ مردودٌ إلى القرآنِ، والاجتهادُ مردودٌ إلى الإِجماعَ. مثالُ السِّياقةِ في المقدِّماتِ التي هي قضايا: إذا صَحَّ الإِجماعُ صَحَّ الاجتهادُ، وإذا صحَ القرآنُ صحَ الإِجماعُ، وإذا صَحَتِ الرِّسالةُ صَحَّ القرآنُ، وإذا صَحَّتِ المعجزةُ صَحَّتِ الرِّسالةُ، وقد صَحَّتِ المعجزةُ، فيَلزمُ من ذلك بالسِّياقةِ أنه قد. صحَّ الاجتهادُ، وهذا من باب ما يَلزمُ بالوسائطِ.

стр. 376

مثالٌ في مسائل الفروع: إذا صحَ أن التَوبةَ ماحيةٌ للذَّنب، مُعيدةٌ للتَّائب إلى حكمِ الأصلِ، صحَ أن التائبَ من القَذْفِ عَدْلٌ عَائدٌ إلى حكمَ الأصلِ، وإذا صحَ أنه عدلٌ عائدٌ إلى ما كان عليه من الأصل، صحَّ أنه مقبول الشهادةِ، وزالَ حكمُ الرد، وقطِعَ التَّأبيدُ المذكورُ في الآيةِ (١) عن عمومِه وإرسالِه بهذا الدليلِ الموجب لتغليب ظن المجتهدِ عَوْدَ القاذفِ بالتوبةِ إلى ما كان عليه من الأصَلِ. فصل في الحُجةِ من جهة الضَّرورةِ والاكتسابِ اعلم أن الحجةَ من جهةِ الضرورةِ لا تخلو من أن تكونَ في المقدمة، أو في الشَهادةِ، أو فيهما. فالضرورةُ في المقدمةِ: كعلمِكَ بأن الجسمَ متحركٌ بعد أن لم يكن متحركاً، فلهذه المقدمةِ شهادةٌ إلا أنها ليست ضرورةً، ولكنَها تجبُ بأدنى فكرةٍ ما لم تعترض شبهة، وهي إذا كان الجسمُ متحركاً بعد أن لم يكن متحركاً، فلا بُد من حادثٍ لأجله كان متحركاً بعد أن [لم] (٢) يكنْ متحركاً، فهذه الشَهادةُ تُعلمُ باكتسابٍ، والمقدَمةُ تُعلمُ باضطرارٍ.

стр. 377

وأما الضَّرورةُ في الشَّهادةِ دون المقدمةِ: كعلمِكَ بأن الجسمَ لم يَسبِقِ الحادثَ، فهذه المقدمة تُعلمُ باكتسابٍ، وتعلمُ شهادتُها باضطرارٍ، وهي إذا كان لم يَخْلُ من الحادثِ، فهو حادث باضطرارٍ، وعلى هذين القسمين مدارُ علمِ الاكتسابِ. وأما إذا كانت المقدَمةُ والشَهادةُ جميعاً ضرورةً، وقَعَتِ النَتيجةُ ضرورةً، وذلك في الأعدادِ والمقاديرِ، مثالُ ذلك: هذان عددان متساويان، أو خَطَّان متساويان، زِدْتَ عليهما متساوياً، وكلُّ عددين متساويين أو خَطَّينِ متساويين زِدْتَ عليهما متساوياً، فهما بعد الزِّيادة متساويان، فهذان العددان المشارُ إليهما بعد الزِّيادةِ عليهما متساويان. فصل في الحُجةِ من جهةِ المتَفَقِ عليه والمختلَفِ فيه اعلم أنا الحجةَ من جهة المختلَفِ فيه لا تخلو من أن تكونَ في الأصل، أو في الفرع، أو فيهما، وكلُّ ذلك يجوزُ الاحتجاجُ به إذا كان فيه تقريبٌ من المتَّفَقِ عليه، أو ما يجبُ الاتفاقُ عليه مما هو أَوَّلٌ في العقل؛ لأنه لو وقِف على المتفقِ عليه؛ لعُطِّلت أدلَّةُ الشَّرعِ والعقلِ لأجل المعاندة في الخلافِ. فصل في تعليقِ الحُجَّةِ بالمذهبِ اعلم أن تعليقَ الحجةِ بالمذهب هو شهادتُها له بالنَّفس أو بوسيطةٍ، ولا يخلو التعلقُ من أن يكَونَ على الإِيجاب أو عَلى الاقتضاءِ، والاقتضاءُ يرجعُ إلى الإِيجابِ بعد التأملِ للمقدِّمةِ والسَّلامةِ

стр. 378

من الشبهةِ. وتعلقُ الحجةِ بالمذهب كتعلقِ الأصلِ بالفرع؛ من جهة أنه يَنشأُ عنها كما ينشأ الفرعُ عن الَأصلِ، إلا أن تعلقَ الَأصلِ بالفرع أعمُّ من تعلقِ الحجةِ بالمذهبِ، وهما في تَنَشُؤ الثاني عن الأولِ سواءٌ. فشهادةُ المعجزةِ للنُبوةِ بالنفس، وشهادتُها للاجتهادِ بوسائطَ قد قدمنا ذِكْرَها (١) في الشواهد، وذلك لَأن بصحةِ المعجزةِ تَصِحُ النبوَّةُ، وبصحة النبوَّةِ يصحُ الكتابُ، وبصحةِ الكتاب يصحُ الإِجماعُ، وبصحةِ الِإجماعِ يصحُ الاجتهادُ. والمعجزُة أيضاً مردودةٌ إلى مقدِّمةٍ قبلها، وهي وجوبُ كونِ الباري على صفةٍ لا يُؤيِّدُ معها كذّاباً بالمعجِزِ، ثم لا تزالُ المقدَماتُ تَتَرقّى مرتبةً بعد مرتبةٍ إلى الأوائلِ في العقل، وإذا عُلِّقَتِ (٢) المرتبةً الأولى من الحجةِ بالمرتبةِ الأخيرةِ التي هي المذهبُ من غير بيانٍ عن الوسائطِ، قَبُحَ ذلك، وأنْكَره علمُ الاستدلالِ، فلا يجوزُ أن يقالَ بوجوبِ صحةِ الاجتهادِ دون أن يتبيَّنَ ذلك من جهةِ الوسائطِ التي بينه وبينه. فصل في أنواعَ الحُجةِ اعلم أن الحجةَ قد تتنوعُ بتنوع المذهب، وليس كلما تنوَّعتِ

стр. 379

الحجةُ فإنما هو لتنوُّع المذهب، لأَنه قد تكَونُ حجةٌ واحدةٌ على مذهبين مختلفين غيرِ متناقَضين، وقَد تكونُ حُجَّتان على مذهبِ واحدٍ. مثالُ ذلك: كالحجةِ على أن محمداً ﷺ صادقٌ في كلًّ ما أتَى به، هو الححةُ على أنه وَليُّ اللهِ؛ لأن المعجزةَ دَلتْ على ذلك؛ من حيثُ دلت على تعظيمِه، وتفخيمِ شأنِه، وإبانةِ الله له بذلك عن غيره. وقد تقوم الحجةُ وتُبينُ على نفي التشبيهِ من طريق العقلِ، وقد يَبِينُ ذلك من طريق السَمعِ. فأمَّا الحجةُ على التَوحيدِ، فهي غيرُ الحجةِ على نفي الجَبْرِ (١) والتَشْبيهِ (٢)؛ لأنه قد يصلُ الِإنسان إلى علمِ التَّوحيدِ بالحجةِ المُنْبئَةِ عن ذلك والبَيِّنةِ عليه وهو لا يعلم نفيَ الجَبْرِ والتَشبيهِ، بل يعتقدُ أنه واحدٌ

стр. 380

يشبه أو واحدٌ يُجبرُ، فيعلمُ أحدَ الشَّيئين، ويَجهلُ الأخرَ. وكلُّ نوعٍ من أنواعِ الحجةِ يخالِفُ الآخرَ، فإنه لا يجوزُ أن يُناقِضَه وإن خالَفه، كما أن العلومَ تختلفُ ولا تتناقضُ، وكذلك الحججُ تختلفُ ولا تتناقضُ، وكذلك أنواعُ المذاهب التي تظهرُ عن الحجةِ. وفي الجملةِ: إن الحجةَ تَنَوَّعُ بتعليقِها بالمذهبِ؛ لأنه إذا قيل: ما الحجةُ على صحةِ الاجتهادِ؛ اقتضى غيرَ ما يقتضي: ما الحجةُ على صحةِ الإِجماعِ؟ وإذا قيل في النبيِّ: ما الحجةُ على النبوَّةِ؟ اقتضى ما يقتضي: ما الحجةُ على أنه وليُّ اللهِ؟ وهو ما يُرَدُّ إليه من شبهادةِ المعجزةِ التي جعلَها اللهُ تعالى عَلَماً ودَلالةً. فصل في مُصادَرَةِ الحُجَّةِ في الصِّناعةِ اعلم أن مُصادرَةَ الحجَّةِ في الصناعة هي المقدِّماتُ التي تُوجدُ مسلَّمةً من الخصم ليُبنى عليها ما بعدها، وكلُّ صناعةٍ فإنها لا تخلو من ذلك إلا صناعةَ الكلام، فإن مصادراتِها تُسلِّمُ الأوائلَ في العقل ليُبنى عليه ما بعده، وهذا يدُلُّ على ثبوتِ صناعةِ الكلام على كلِّ صناعةٍ، فللهندسةِ مصادرةٌ تُؤخذُ من صناعةٍ من فوقِها، وكذلك لعلم الفقهِ مصادرةٌ تُؤخذُ من صنعةٍ فوقَها، وكذلك علمُ النَحْوِ وغيرُه من سائرِ العلومِ على ما بَيَّنَّا، فالمصادرةُ إذاً تُسلمُ ما يُبنى عليه ما بعده.

стр. 381

فصل في الفرقِ بين طريقةِ الحُجةِ في الجَدَلِ والمنْطِقِ اعلم أن الفرقَ بينهما: أن طريقةَ المنطق في الحجةِ على تحديد المعنى واللفظِ، وليس كذلك طريقةُ الجدلِ؛ لأنه قد يُستعملُ في العبارةِ عن الحجةِ المجازُ، وُيجرى على عادةِ أهلها في الاتَساعِ والِإيجازِ. والطَّريقتان وإن اختلفتا في ذلك فإنهما تؤدِّيان إلى غَرَض واحدٍ، إلَّا أن إحداهما (١) على تحديد الطَّريقةِ، وأخرى على تغييرِها، وكلاهما موصِلٌ إلى البُغيةِ، ومظهرٌ للنَّتيجةِ، وإنما الاعتمادُ على تحقيقِ المعنى في النَّفسِ، وإن اختلفَ ما يُتوصَّلُ به من الطرقِ. وطريقةُ الجدَلِ قد يجري فيها التَّحديدُ، ويجري فيها التَّغيير، فهي أوسعُ من طريقةِ المنطقِ من هذا الوجهِ، وطريقةُ المنطقِ أضيقُ؛ إذ كان لا يُسلَكُ إليها إلا من وجهٍ واحدٍ، والمثل في ذلك كمن قصدَ بلداً، فوجدَ طرقاً متشعِّبةً مشتبِهةً تُوصِلُ إليه أيضاً، فالذي على سَنَنٍ واحدٍ أوضحُ لمن لم يَرْتَضْ بالطًّرقِ المؤدِّيةِ، فأمَّا المُرْتاضُ فيتقاربُ ذلك عنده فى الإِيضاحِ. وقد يستعملُ العالمُ ذلك لِإفهام العامِّيِّ؛ إذ كانت العامَّةُ لم تَألَفْ طريقَ التحديدِ، فهو وإن كان علىَ السَّنَنِ، فإنه صعبُ المَسْلَكِ عند من لم يَألَفْ تلك الطَّريقةَ، ولا جَرَتْ بها عادتُه.

стр. 382

فصول الكلامِ في بيانِ العِلَّة- والمعلولِ- العقليةِ والشَّرعيةِ فصل في جوامعِ العلمِ بالعِلَّةِ فحدُّ العِلَّةِ: أنها الموجبةُ لحكمِها، أو للحكمِ، أو للمعلولِ. وزادتِ المعتزلة فقالت: الموجبة بوجودِها لصحةِ معنى الحكمِ بعد أن كان لا يصحُّ؛ بناءً على أصلهم، وأن الواجباتِ غير معلولةٍ، بل يُستغنى بوجوبِها عن عِلَةٍ. بيانُ ذلك بالمثال: أن الحركةَ أوجَبَت بوجودِها صحَّة معنى الحكم بأن الجوهرَ متحرِّكٌ بعد أن كان لا يصحُّ، ولَمَا كان الِإيجابُ قد يكونُ بوجودِ الموجبِ نفسِه، وقد يكون بوجودِ شيءٍ سواه، كالفاعلِ على الموجب بفعلِه لأمر، قلنا: إنها الموجِبةُ بوجودِها؛ لنَفْرُقَ بين المعْنَيْينِ. فأمَّا المعلولُ: فهو موجَب العلَةِ. وقالت المعتزلةُ: هو المتغيرُ بالعلَّةِ عما كان عليه؛ من جهةِ حدوثِه، أو تقديرِ حدوثِه، أو حدوثِ معنىً فيه أو في بعضهِ، ومن هناك سمِّيَ المرض: عِلَّةً، ومَن حَل به المرضُ فغيرة عن الصَحةِ والاعتدالِ: معلولاً، وذلك أن الحكمَ يكونُ معلولَاً بالعلَّةِ، من جهةِ

стр. 383

أنه يصحُّ أن يوجدَ حقَّاً بعد أن كان لا يصحُّ، وكذلك الحمدُ والذمُّ والثوابُ والعقابُ، يصحُّ أن يوجدَ كلُّ واحدٍ منهما مستحقاً -عند من قال باستحقاقِه-؛ من أجلِ علَّةٍ كان صارَ بها على ذلك. وأما المتحرِّكُ فمعلول بالحركةِ من أجل حدوثِها فيه، والعالِمُ معلولٌ كونَه عالمِاً بالعلمِ واجباً كان أو جائزاً. والمعتزلةُ تقولُ: إن كونَ العالِمِ في الشَاهدِ معلولٌ بالعلم؛ لكونِه عَلِمَ مع جوازِ أن لا يعلمَ، فاحتاجَ إلى معنىً يكونُ به عالماً، وفي الغائب علِمَ مع وجوب أن يَعلمَ، فلم يفتقرْ إلى معنىً يكونُ به عالماً، كماَ أنه لَمَّا وُجِدَ الَحادثُ مع جوازِ أن لا يَحدثَ، افتقرَ إلى محدِثٍ يُحدِثُه، والقديمُ سبحانه لما وُجِدَ مع وجوبِ أن يُوجدَ، لم يَحْتَجْ إلى معنىً يُخصِّصُه بالوجودِ. وأهلُ السُّنةِ يُعلِّلون الواجباتِ بعللٍ واجبةٍ، ويقولون: إن الموجِبَ لكونِ العالم عالماً هو العلمُ، فلو كانت الذاتُ موجبةً كونَها عالمةً، لكانت علماً؛ لأن الموجِبَ لكونِ العالِم عالماً إنما هو العلمُ، ولو جازَ أن يكونَ في الغائب ذاتٌ توجبُ كونَ العالمِ عالماً وليست عِلماً، لكان في الغائب مَا يوجبُ كونَ المتحرِّكِ متحرِّكاً وليس بحركةٍ، والكلامُ في ذلكَ على الاستقصاءِ لا يليقُ بهذا الكتابِ. وأما العالِمُ الذي صارَ عالماً بعد أن لم يكنْ عالماً، وجدَ نفسَه على خلافِ ما كان عليه، فمعلولٌ بالعلمِ الذي وُجِدَ له بإجماعَ أهلِ السنةِ وأهلِ الاعتزالِ، إلا أنه معلول بما وُجِدَ في بعضه؛ لأن العلمَ في مَحَلٍّ منه.

стр. 384

وكذلك الرائي بعد أن لم يكنْ رائياً في أنه معلولٌ بوجودِ الرؤيةِ له في بعضِه، ومحل الرؤيةِ معلولٌ بما حَلَّ فيه. فأمَّا القادرُ الذي صار قادراً بعد أن لم يكنْ قادراً، فمعلولٌ بوجود القُدْرَةِ بإجماعِ الأصوليين، وعند أهلِ السنةِ لا يُقيدون ذلك بالذي قَدَر بعد أن لم يكنْ، بل كلُّ قادرٍ فكونُه قادراً معلولٌ (١) بالقُدرةِ، على ما بَيَّنَا في العلمِ. وأهل السنةِ لا يَخُصُّون العلةَ بتغيرِ المعلول عما كان عليه، بل المحدثُ عندهم بهذه الصِّفةِ، والقديمُ سبحانه يُعَلِّلون كوَنه قادراً بقدرة قديمةٍ، وإن كان معلولُ العلةِ ليس بكائنٍ بعد أن لم يكنْ. وكلُّ علةٍ حادثة فهي تُغَيِّرُ المعلولَ عما كان عليه، ولذلك قيل للدَّلالةِ التي في الفقه: علة؛ لأنها تُغيِّرُ معنى الحكمِ عما كان عليه، لأنها اظهرَتْهُ بعد أن لم يكنْ ظاهراً؛ ولذلك لم يَجُزْ أن يكونَ المعدومُ الذي لم يُوجَدْ علَّةً، لأنه لم يكُ شيئاً قبل وجودِه فيُطلَقَ عليه التغييرُ بوجودِه، بل وجودُه هو هو على مذهبِ أهلِ السنةِ، إذ ليس الوجودُ صفةً، ولا يَسبقُ له شبيهٌ (٢) قبل وجودِه. والعلةُ والمعلولُ من باب المتضايفات (٣)، فلا يثبتُ للمعنى حقيقةُ

стр. 385

علَّةٍ إلا بالمعلولِ، فكما أن المعلولَ لا بُد له من علَّةٍ، فلا بُدَّ للعلَّةِ من معلولٍ وفى استحقاقِ اسمِ العلَّةِ. وقولُ الفقهاءِ: إن علَّةَ الحكمِ مجعولةٌ، والعلَّةَ العقليَّةَ موجِبةٌ بنفسها لا بِجعْلِ جاعلٍ، كلامٌ فيه نوعٌ من السهوِ، فإن العلَّتين مجعولةٌ مفعولةٌ، وذلك أن الذي أوجدَ الحركةَ في المحلِّ هو الذي جعلَه متحركاً بها، والذي أوجدَ الحياةَ في المحل هو الذي جعلَه حياً بها، كما أن الذي وضعَ الشَدَّةَ، وجعلَها في المحلِّ، هو الذي جعلَه محرماً، وموجباً للحد بشُرْبِه بها ولأجلِها. فالعللُ كلُها مجعولةٌ، ومعلولاتُها مفعولةٌ في الحقيقة ومجعولةٌ، ولا شيءَ أوجدَ شيئاً، ولا جدَّدَه سوى اللهِ سبحانه. وبهذا (١) يتحقَّقُ التوحيدُ في الفعل والِإيجادِ، وإنما نضيفُ المعلولَ إلى العلَّةِ حكماً وذاتاً إضافةَ ما يكونُ عند الشيءِ لا عنه، خِلافاً لأهل الطَّبعِ والتَّوليد، القائلين بإضافةِ الخَلْقِ إلى الفاعلين. فأمَّا القدرةُ فليست بعلةٍ للفعل؛ لأنها مُصَحِّحَةٌ، فكانت إلى الشرطِ أقربَ منها إلى العلَّةِ الموجبة، والقدرُة لا توجبُ المقدورَ، بخلاف العلَّةِ التي توجبُ المعلولَ. فإن قيل: ليس يَتحقَقُ عندكم الفرقُ بين العلَّةِ والشرطِ والقدرةِ؛ إذ كان اللهُ سبحانه هو الموجِدَ للمقدورِ والمعلولِ والعلَّةِ والقدرةِ، وأصلكم على، هذا في الري والشِّبَعِ، وأنهما يوجَدان عَقيبَ الأكلِ والشربِ بفعل الله، لا عن الماءِ والطعامِ، ولا متولدين عنهما، وكذلك

стр. 386

العلمُ يحصلُ عَقيبَ النَظَرِ والاستدلالِ، فبِمَ تَفْصِلون بين العلَّةِ (١) والقدرة والشرطِ؟ وكلُّ حادثٍ إنما يحدثُ عن اللهِ سبحانه فِعْلاً وخَلْقاً عند هذه الأشياءِ، لا عنها ولا بها ولا عن تأثيرِها، وإنما يتحقَقُ الفرقُ على مذهب مَن جعلَ العلَّةَ موجبةً ومولِّدةً ومثمِرةً، وجعلَ الشَرطَ مهيئاً ومصحِّحاً، كالسكين صالحةٌ للقَطع متهيِّئةٌ له، لا موجبةٌ لحصولِه، فيقعُ حينئذٍ الفرقُ، فمن يجعلُها قدرةٌ يُخرجُها عن كونِها عِلَّةً (٢)؛ لكونها مصحِّحةً لا موجبةً، ومن جعلَها علَّةً أخرجَها عن كونها قدرةً لكون العلَّةِ موجبةً. قيل: نَفْصِلُ بما أجراه اللهُ سبحانه من العادةِ، وأن المعلولَ يكونُ عَقيبَ العلَّةِ لا محالةَ، كتحرك الجسمِ عند وجودِ الحركةِ. والمشروطُ قد يوجدُ بوجودِ الشَرطِ وقد لا يوجدُ، والمقدورُ قد يوجدُ عند وجودِ القدرةِ المحدثةِ مصاحباً لها لا محالةَ -على قولِ من يَجعل الاستطاعةَ مع الفعلِ-، ويتأخر عنها لا محالةَ لا بزمانٍ ولا بما يتقدَّرُ بقَدْرِ الزمانِ، وهو مقدورٌ قَدَّرَه القديمُ جَلَّتْ عظمتُه. ونفصلُ الشرطَ عن العلَّةِ بأن الشرطَ في مطَرِدِ العادةِ مصحِّحٌ كحدِّ السكين للقطعِ، واعتمادُها عند هبوطِها على المَحَل بثِقَلِها هو العلَّةُ الموجِبة القطعَ. وفي عللِ الشرعِ: الزِّنا علة العقوبةِ، والإِحصانُ شرطُها، واللهُ

стр. 387

سبحانه الواضعُ حكمَ العلَّةِ والشَرطِ، ولم يمنعْ كوُنه هو القاضيَ بهما والحاكمَ باعتبارهما الفصلَ بينهما بما يصلحُ للفصلِ. وأصلُ العلَّةِ في اللغةِ مأخوذٌ من علَّةُ المريض، وهو تغبرُه عما كان عليه حيث كان صحيحاً، فالتغيُّرُ عن حال الصحةِ هو الأصلُ في اللغة، ونُقِلَ إلى التغيُّرِ الذي يوجبُ صحةَ معنى الحكم كائناً ما كان الحكمُ، إذا كان ما لو لم تُوجَدِ العلَّةُ لم يصحَّ، وكلُّ ما صحَّ أن يُوصَفَ بعد أن كان لا يصحُّ أن يوصفَ بها، فإنَّ ذلك لعلةٍ أوجبت ذلك له بعد أن لم يكنْ له. فصل والمدلولُ عليه على ضربين: معلولٍ، ومدلولٍ عليه غيرِ معلولٍ. بيانُ ذلك: أن الحركةَ إذا كانت فلا بُد لها من فاعلٍ، فهي دَلالةٌ عليه وهو مدلوُلها، والفاعلُ لها ليس بمعلولٍ لها من حيثُ فعلُها، بل مدلولٌ بها عليه، وهي دالَّةٌ إذا كانت على الأمرين جميعاً وإن كان أحدهما معلولًا والآخرُ ليس بمعلولٍ، وهي علَّةُ كونِ المتحرِّكِ متحرِّكاً، وكونُه متحرِّكاً معلولُها. فصل في إيجابِ الحكمِ بالعلَّةِ ، وصحَّةِ معناه بها بعد أن كان لا يصحُّ وذلك أنه إذا وُجِدَتِ الحركةُ في المحل، صَحَّ معنى الحكم بأنه متحرِّكٌ بعد أن كان لا يصحُّ، إذ قبل أن توجدَ الحركةُ في المحل لا يصحُّ معنى الحكمِ بذلك، وليس بداخلٍ تحت التمكُنِ إن صحَّ

стр. 388

الحكمُ بأن المحل متحركٌ ولَمَا تُوجدِ الحركةُ، بل ذلك ممتنعٌ لاستحالتِه وتناقضِ القولِ فيه. وكلُّ علةٍ محدَثةٍ فالحكمُ بها معلول على الوجهِ الذي ذكرنا؛ لأنه لا علةَ محدَثةٌ إلا ويصح بها حكمٌ بعد أن كان لا يصحُّ، وليس كلُّ حكم فإنه لا يَصِحُّ إلا بعلَّةٍ؛ لأن الحكمَ بأن القديمَ لم يزلْ ليس بمحدَثٍ كائنٍ بعد أن لم يكنْ لم يصحَّ بعلةٍ؛ لأنه ليس مما يصحُّ بعد أن لم يكنْ يصحُّ. فأما الحكمُ بأن الجواهرَ مقدورةٌ فإنه مما يصحُّ بعلةٍ؛ لأنه لم يكنْ ظاهراً للنَفسِ صحتُه، فصارَ ظاهراً بعد أن لم يكنْ ظاهراً. والعلةُ في مثل هذا إنما هي دَلالةٌ بها يظهرُ صحَةُ معنى الحكمِ، فكلُّ ماظهرَ للنفسِ صحتُه بعدأن كان لا يظهرُ للنفسِ صحتُه، فلا بُدَّ له من علَّةٍ إذا كان مما يخطُرُ على البال، ويحضُر النفسَ فلا تَتبينُ صحتَه دون شيءٍ آخر. فصل في إجراءِ العلَّةِ في المعلولِ اعلم أن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: هو الإيجابُ لكل معلولٍ بها، مثلُ ما وجبَ للواحدِ من المعلولِ بها، وعَبَّرَ عن ذلك آخرون بأن قالوا: يجبُ إذا حُكِمَ لشيءٍ أوعلى شيءٍ بحكمٍ من أجلِ علةٍ فيه أن يُحْكَمَ لكل ما فيه تلك العلَّةُ بمثل ذلك الحكمِ، وإن اختلفَتْ أحكامُهما وعللهُما من وجوهٍ أخَرَ؛ لأن اختلافَهما من حيثُ اختلفا لا يمنعُهما من الاتفاقِ في العلَّةِ التي لها ومن أجلها حُكِمَ لأحدِهما بذلك

стр. 389

الحكمِ، وذلك كرجلٍ نفى بقاءَ الحركةِ، فقيل له: لِمَ نَفَيْتَه عنها؟ فقال: لوجودِها، فهذا يلزمُه نفيُ البقاءِ عن الجسم؛ لأنه أيضاً موجود. فلو قال: الجسمُ يتحركُ، ويسكنُ وُيحِسُّ، والحركةُ لا يجوزُ شيءٌ من هذا عليها. قيل له: جميعُ ما ذكرتَ ووصفتَ به الجسمَ لا يمنعُ الوجودَ الذي عَللْتَ به في نفي البقاءِ، وإذا لم تَنْفِ الوجودَ -وهو علَّةُ عدم البقاءِ على ما ذكرتَ-، وجبَ أن لا ينتفيَ المعلولُ مع وجودِ علتِه لِماَ ذكرتَه من الأوصافِ التي اختصَّ بها الجسمُ. ويقال له: ولِمَ جعلتَ الأوصافَ التي ذكرتَها للجسم وفي الجسمِ مانعةً من المعلولِ؟ وهي مما لم تُزِلِ العلَّةَ ولم تُعِدمْها، وهي الوجودُ. ومثالٌ آخرُ لإِجراءِ العلَّةِ في المعلولِ: وهو أنَا متى علَّلنا كونَ القَارِ (١) أسودَ لقيام السوادِ به، وجبَ أن يكونَ ذلك جارياً في كلُّ محلٍّ فيه سوادٌ من سَبَج (٢) وثوبٍ وحيوانٍ؛ إذ كانت العلةُ لا تخِلٌّ بمعلولها، كما أن المعلولَ لا يكونُ دون علتِه. وقد قيل: إن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: الإِلحاقُ بالمذهب كلُّ ما يلزم عليه، وهذا لا يصحُّ؛ لأن هذا يُفضي إلى أن يَطَرِدَ المذهبُ لتصحَ العلةُ، وإنما تُؤخذُ المذاهبُ من العلل، فأمَّا أن تؤخَذ صحةُ العللِ من المذاهب فلا.

стр. 390

مثالُ ذلك من الفروع: أن يقولَ: النَبيذُ حرامٌ لأنه مسكرٌ، وكلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ كالخمر، فيقال له: فالبَنْجُ (١) والأفْيُونُ (٢) وهذه المُخدراتُ كثيرُها يُزيلُ العقلَ، وُيذهلُ إذهالَ السُّكرِ، فيقول: فأنا أطردُ المذهبَ فيها، فيصيرُ تقديرُ كلامِه: فأنا لا أنقضُ عِلَّتي، ولا أمنعُ إجراءَها في معلولاتها، ولذلك أصيرُ إلى القول بتحريمِ قليلِ البَنْجِ والأفْيونِ، فاطردُ المذهبَ لتَنْحرِسَ العلَّةُ، فهذا مما يقبحُ في علم الجدلِ حيث كان تصحيحاً للدَّليلِ بالمذهب، والمذاهبُ تؤخذُ من الأدلةِ، فأمَّا أن تؤخذَ الأدلةُ أو تُصحَّح من المذاهب فكلاَّ. وهذا يكثرُ من الفقهاء، اللهم إلا أن يكونَ المذهبُ علةً، مثلُ أن يكونَ المذهبُ: كلُ مسكرٍ حرامٌ، أو يكونَ صاحبُ المذهب وضعَ أن كلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، فلَعَمْري إنه إذا ما الزِمَ عليه المسكراتُ من الأدويةِ يقول: لا يلزمني، فإن المذهبَ خارجٌ مخْرَجَ التعليلِ، وموضوعٌ وضَعْ التعليلِ. فإن قال: أما الجسمُ فإنه باقٍ من طريق الضَرورةِ؛ فلذلك لم أقلْ بعدمِه، والأفْيُون وهذه الأدويةُ مباح استعمالُها بالإِجماع (٣)، فكيف يمكنني أن أقولَ بتحريمها؟ فهذا عُذْرِي في نفي إجراءِ علتيَ في هذه؛
следующие страницы →