← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

العلمُ يحصلُ عَقيبَ النَظَرِ والاستدلالِ، فبِمَ تَفْصِلون بين العلَّةِ (١) والقدرة والشرطِ؟ وكلُّ حادثٍ إنما يحدثُ عن اللهِ سبحانه فِعْلاً وخَلْقاً عند هذه الأشياءِ، لا عنها ولا بها ولا عن تأثيرِها، وإنما يتحقَقُ الفرقُ على مذهب مَن جعلَ العلَّةَ موجبةً ومولِّدةً ومثمِرةً، وجعلَ الشَرطَ مهيئاً ومصحِّحاً، كالسكين صالحةٌ للقَطع متهيِّئةٌ له، لا موجبةٌ لحصولِه، فيقعُ حينئذٍ الفرقُ، فمن يجعلُها قدرةٌ يُخرجُها عن كونِها عِلَّةً (٢)؛ لكونها مصحِّحةً لا موجبةً، ومن جعلَها علَّةً أخرجَها عن كونها قدرةً لكون العلَّةِ موجبةً. قيل: نَفْصِلُ بما أجراه اللهُ سبحانه من العادةِ، وأن المعلولَ يكونُ عَقيبَ العلَّةِ لا محالةَ، كتحرك الجسمِ عند وجودِ الحركةِ. والمشروطُ قد يوجدُ بوجودِ الشَرطِ وقد لا يوجدُ، والمقدورُ قد يوجدُ عند وجودِ القدرةِ المحدثةِ مصاحباً لها لا محالةَ -على قولِ من يَجعل الاستطاعةَ مع الفعلِ-، ويتأخر عنها لا محالةَ لا بزمانٍ ولا بما يتقدَّرُ بقَدْرِ الزمانِ، وهو مقدورٌ قَدَّرَه القديمُ جَلَّتْ عظمتُه. ونفصلُ الشرطَ عن العلَّةِ بأن الشرطَ في مطَرِدِ العادةِ مصحِّحٌ كحدِّ السكين للقطعِ، واعتمادُها عند هبوطِها على المَحَل بثِقَلِها هو العلَّةُ الموجِبة القطعَ. وفي عللِ الشرعِ: الزِّنا علة العقوبةِ، والإِحصانُ شرطُها، واللهُ

стр. 387

سبحانه الواضعُ حكمَ العلَّةِ والشَرطِ، ولم يمنعْ كوُنه هو القاضيَ بهما والحاكمَ باعتبارهما الفصلَ بينهما بما يصلحُ للفصلِ. وأصلُ العلَّةِ في اللغةِ مأخوذٌ من علَّةُ المريض، وهو تغبرُه عما كان عليه حيث كان صحيحاً، فالتغيُّرُ عن حال الصحةِ هو الأصلُ في اللغة، ونُقِلَ إلى التغيُّرِ الذي يوجبُ صحةَ معنى الحكم كائناً ما كان الحكمُ، إذا كان ما لو لم تُوجَدِ العلَّةُ لم يصحَّ، وكلُّ ما صحَّ أن يُوصَفَ بعد أن كان لا يصحُّ أن يوصفَ بها، فإنَّ ذلك لعلةٍ أوجبت ذلك له بعد أن لم يكنْ له. فصل والمدلولُ عليه على ضربين: معلولٍ، ومدلولٍ عليه غيرِ معلولٍ. بيانُ ذلك: أن الحركةَ إذا كانت فلا بُد لها من فاعلٍ، فهي دَلالةٌ عليه وهو مدلوُلها، والفاعلُ لها ليس بمعلولٍ لها من حيثُ فعلُها، بل مدلولٌ بها عليه، وهي دالَّةٌ إذا كانت على الأمرين جميعاً وإن كان أحدهما معلولًا والآخرُ ليس بمعلولٍ، وهي علَّةُ كونِ المتحرِّكِ متحرِّكاً، وكونُه متحرِّكاً معلولُها. فصل في إيجابِ الحكمِ بالعلَّةِ ، وصحَّةِ معناه بها بعد أن كان لا يصحُّ وذلك أنه إذا وُجِدَتِ الحركةُ في المحل، صَحَّ معنى الحكم بأنه متحرِّكٌ بعد أن كان لا يصحُّ، إذ قبل أن توجدَ الحركةُ في المحل لا يصحُّ معنى الحكمِ بذلك، وليس بداخلٍ تحت التمكُنِ إن صحَّ

стр. 388

الحكمُ بأن المحل متحركٌ ولَمَا تُوجدِ الحركةُ، بل ذلك ممتنعٌ لاستحالتِه وتناقضِ القولِ فيه. وكلُّ علةٍ محدَثةٍ فالحكمُ بها معلول على الوجهِ الذي ذكرنا؛ لأنه لا علةَ محدَثةٌ إلا ويصح بها حكمٌ بعد أن كان لا يصحُّ، وليس كلُّ حكم فإنه لا يَصِحُّ إلا بعلَّةٍ؛ لأن الحكمَ بأن القديمَ لم يزلْ ليس بمحدَثٍ كائنٍ بعد أن لم يكنْ لم يصحَّ بعلةٍ؛ لأنه ليس مما يصحُّ بعد أن لم يكنْ يصحُّ. فأما الحكمُ بأن الجواهرَ مقدورةٌ فإنه مما يصحُّ بعلةٍ؛ لأنه لم يكنْ ظاهراً للنَفسِ صحتُه، فصارَ ظاهراً بعد أن لم يكنْ ظاهراً. والعلةُ في مثل هذا إنما هي دَلالةٌ بها يظهرُ صحَةُ معنى الحكمِ، فكلُّ ماظهرَ للنفسِ صحتُه بعدأن كان لا يظهرُ للنفسِ صحتُه، فلا بُدَّ له من علَّةٍ إذا كان مما يخطُرُ على البال، ويحضُر النفسَ فلا تَتبينُ صحتَه دون شيءٍ آخر. فصل في إجراءِ العلَّةِ في المعلولِ اعلم أن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: هو الإيجابُ لكل معلولٍ بها، مثلُ ما وجبَ للواحدِ من المعلولِ بها، وعَبَّرَ عن ذلك آخرون بأن قالوا: يجبُ إذا حُكِمَ لشيءٍ أوعلى شيءٍ بحكمٍ من أجلِ علةٍ فيه أن يُحْكَمَ لكل ما فيه تلك العلَّةُ بمثل ذلك الحكمِ، وإن اختلفَتْ أحكامُهما وعللهُما من وجوهٍ أخَرَ؛ لأن اختلافَهما من حيثُ اختلفا لا يمنعُهما من الاتفاقِ في العلَّةِ التي لها ومن أجلها حُكِمَ لأحدِهما بذلك

стр. 389

الحكمِ، وذلك كرجلٍ نفى بقاءَ الحركةِ، فقيل له: لِمَ نَفَيْتَه عنها؟ فقال: لوجودِها، فهذا يلزمُه نفيُ البقاءِ عن الجسم؛ لأنه أيضاً موجود. فلو قال: الجسمُ يتحركُ، ويسكنُ وُيحِسُّ، والحركةُ لا يجوزُ شيءٌ من هذا عليها. قيل له: جميعُ ما ذكرتَ ووصفتَ به الجسمَ لا يمنعُ الوجودَ الذي عَللْتَ به في نفي البقاءِ، وإذا لم تَنْفِ الوجودَ -وهو علَّةُ عدم البقاءِ على ما ذكرتَ-، وجبَ أن لا ينتفيَ المعلولُ مع وجودِ علتِه لِماَ ذكرتَه من الأوصافِ التي اختصَّ بها الجسمُ. ويقال له: ولِمَ جعلتَ الأوصافَ التي ذكرتَها للجسم وفي الجسمِ مانعةً من المعلولِ؟ وهي مما لم تُزِلِ العلَّةَ ولم تُعِدمْها، وهي الوجودُ. ومثالٌ آخرُ لإِجراءِ العلَّةِ في المعلولِ: وهو أنَا متى علَّلنا كونَ القَارِ (١) أسودَ لقيام السوادِ به، وجبَ أن يكونَ ذلك جارياً في كلُّ محلٍّ فيه سوادٌ من سَبَج (٢) وثوبٍ وحيوانٍ؛ إذ كانت العلةُ لا تخِلٌّ بمعلولها، كما أن المعلولَ لا يكونُ دون علتِه. وقد قيل: إن إجراءَ العلَّةِ في المعلول: الإِلحاقُ بالمذهب كلُّ ما يلزم عليه، وهذا لا يصحُّ؛ لأن هذا يُفضي إلى أن يَطَرِدَ المذهبُ لتصحَ العلةُ، وإنما تُؤخذُ المذاهبُ من العلل، فأمَّا أن تؤخَذ صحةُ العللِ من المذاهب فلا.

стр. 390

مثالُ ذلك من الفروع: أن يقولَ: النَبيذُ حرامٌ لأنه مسكرٌ، وكلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ كالخمر، فيقال له: فالبَنْجُ (١) والأفْيُونُ (٢) وهذه المُخدراتُ كثيرُها يُزيلُ العقلَ، وُيذهلُ إذهالَ السُّكرِ، فيقول: فأنا أطردُ المذهبَ فيها، فيصيرُ تقديرُ كلامِه: فأنا لا أنقضُ عِلَّتي، ولا أمنعُ إجراءَها في معلولاتها، ولذلك أصيرُ إلى القول بتحريمِ قليلِ البَنْجِ والأفْيونِ، فاطردُ المذهبَ لتَنْحرِسَ العلَّةُ، فهذا مما يقبحُ في علم الجدلِ حيث كان تصحيحاً للدَّليلِ بالمذهب، والمذاهبُ تؤخذُ من الأدلةِ، فأمَّا أن تؤخذَ الأدلةُ أو تُصحَّح من المذاهب فكلاَّ. وهذا يكثرُ من الفقهاء، اللهم إلا أن يكونَ المذهبُ علةً، مثلُ أن يكونَ المذهبُ: كلُ مسكرٍ حرامٌ، أو يكونَ صاحبُ المذهب وضعَ أن كلُّ ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، فلَعَمْري إنه إذا ما الزِمَ عليه المسكراتُ من الأدويةِ يقول: لا يلزمني، فإن المذهبَ خارجٌ مخْرَجَ التعليلِ، وموضوعٌ وضَعْ التعليلِ. فإن قال: أما الجسمُ فإنه باقٍ من طريق الضَرورةِ؛ فلذلك لم أقلْ بعدمِه، والأفْيُون وهذه الأدويةُ مباح استعمالُها بالإِجماع (٣)، فكيف يمكنني أن أقولَ بتحريمها؟ فهذا عُذْرِي في نفي إجراءِ علتيَ في هذه؛

стр. 391

إذ ليس لي جَحْد الضرورةِ والإِجماعِ، لِما في ذلك من الفسادِ. قيل: لسنا نحن الآمرين لك بارتكاب الفسادِ، ولا ابتدأناك بذلك، وإنما أخبرناك بأن علَّتَك التي علَّلْتَ بهاَ في عدم بقاءِ الحركةِ وإنهاءِ الوجودِ كأنها آمرةٌ لك من طريق النطقِ بأن كلَّ موجودٍ لا يبقى، ولو تَصَوَّرْتَها ناطقةً لخاطَبَتْكَ به دوننا، فكأننا مع ثبوتِ هذه القاعدةِ نقول لك: إن علتك توجبُ عليك كذا وتأمرُك بكذا، فيجبُ أن تتمسَّك بطاعتِها حيثُ تمسكْتَ بها، أو اخترْ معصيَتها بتركِ التمسّكِ بها حيثُ بانَ لك فساد ما أدَّتْ بك إليه، ولولا أن الذي الزَمتك العلةُ التي تمسَّكتَ بها فاسدٌ، لَمَا كسرْتَ مذهبَك، ولو كان الباطلُ لا يلْزِمُ صاحبَه إلا صحيحاً، لم يكنْ بين الحقِّ والباطلِ فرقٌ. جوابٌ آخرُ: وهو أنه قد وجبَ عليكَ الحكمُ بفسادِها حيث أدتْ بك إلى جَحْدِ الضَّروراتِ وأوجبَتْ عليك ذلك، إذ لو كانت صحيحةً، لَمَا أوجبَتْ جحدَ الصحيحِ. ولو أن قائلًا قال: زيدٌ شجاعٌ لأنه أسود، وعمرٌو الأسود جبانٌ، بَطَلَ تعليله بالسوادِ وبانَ غَلطُه؛ حيث وُجِدَتْ علتة- وهي السَّواد- في محلٍّ لم توجِبْ له حكمَها، فإن أخذ يقول: وإنما لم يكن عمرٌو شجاعاً مع كونه أسودَ، لأنه ليس من قريشٍ. قيل: فقد بأنَ بهذا القولِ منك أنك أغفلتَ وصفاً في العلة لم تذكرْه، ولو أنك ذكرتَه أولًا، فقلتَ: زيدٌ شجاعٌ لكونه أسودَ من قريشٍ. لكان صحيحاً في صورةِ التَّعليلِ، وإن لم يكن السَّوادُ مؤثِّراً في الحقيقةِ، وإبداءُ كلِّ عُذرٍ نصبَه المعتلّ لتخصيص العلَّةِ كان هو

стр. 392

الموجِب عليه أن يجعلَه وصفاً لها، وبانَ تقصيرُه في التَعليلِ. مثال ذلك من الفقهيًاتِ: أن يقولَ في بَيْع ما لم يَرَه: مبيع مجهول الصفةِ عند العاقدِ حالَ العقدِ، فلم يصح بيعُه كما لو قال: بعتُك عبداً. فيقال له: علَّتك هذه موجودة في لُب الجَوْزِ واللَّوْزِ، وأساساتِ الحِيطانِ، وبواطنِ الصُبَرِ (١)، ولا توجبُ المعلولَ -وهو بُطلانُ البيعَ-، ولا تجري فيه. فيقول: ذلك يَشُق عِلمُه، ويفضي إلى إتلافِ الماليًةِ، فهذا وصف اعتذر به، وهو الذي أخلَّ به، ولو ذكرَه لجرَتِ العلةُ في معلولها، فقد بانَ إخلالُه وتقصيرُه، فقد وجبَ عليك إدخالُ هذا الوصفِ في تعليلك. فصل وم ما يُفسدُ التعليلَ ضمُّ وصفٍ إلى العلَّةِ ليس من العلَّة في شيء وذلك مثل قولِ القائلِ: إنما كان الجسمُ متحرِّكاً من أجل أنه مُؤلَّف ومن أجل أن فيه حركةً، فهذا الاعتلالُ فاسد، والذي يدل على فسادِه: أنا نجدُ مؤلفاً ليس بمتحرِّكٍ، ولا نجدُ ما فيه الحركةُ إلا متحرِّكاً، وهذا يوجبُ أن كونَ الجسمِ مؤلفاً لم يوجبْ له التحرُّكَ، وإنما أوجبَ له التحركَ كونُ الحركةِ فيه لا غيرُ.

стр. 393

ومما يدلُّ على فساده أيضاً: أنَا نجدُ الجسمَ موصوفاً بجميع صفاتِه وأفعالِه إلا الحركةَ، فلا شيءَ من أوصافِه أوجبَ له التحركَ إذاً، ولا نجدُ الحركةَ فيه إلا وهو متحركٌ. ومما يوضحُه أيضاً: أنًا نجدُ ضدً الحركةِ -وهو السكونُ- مع التأليفِ، ولا نجدُ السكونَ مع قيامِ الحركةِ به. ولو كان كوُنه متحركاً إنما كان معلولًا بأمرين: قيام الحركةِ والتَّأليفِ، لوجبَ أن لا يزولَ المعلولُ إلا بزوالِ الأمرين؛ لأنَ الحكمَ إذا لم يَقَعْ إلا بأمرين، لم يرتفعْ إلا بارتفاعِهما، فلما وجَدْنا أن تحركَه يزولُ بزوالِ الحركةِ فقط، علمنا أنه إنما وُجِدَ بوجودها فقط. ثم يقال لمن اعتل بمثل هذا الاعتلالِ: لِمَ اقتصرتَ على هاتين العلًتين دون أن تُضيفَ إليهما ثالثةً؛ فتاقولَ: إنما تحركَ الجسمُ لوجودِه، وتاليفهِ، وقيام الحركةِ به؟ فلا جوابَ له إلا وهَو المفسدُ لتعليله بالتأليفِ؛ لأن غايةَ ما يقولُ: إنما لم اعتَل بالوجودِ لأنه لا أثرَ للوجودِ في إثباتِ التحركِ، فكم موجودٍ لا يتحركُ، ولا شيءَ تقومُ به الحركةُ إلا وهو متحرَّكٌ. فيقال له: فكذلك التأليفُ قد ثبتَ لجسمٍ لا يتحركُ، ولا جسمَ يتحركُ إلا وفيه حركة، فصار ذكرُ التأليفِ خِلْواً من تأثيرِ المعلولِ كالوجود سواءً، هذا الذي يُسميه الفقهاءُ: عَدَم التأثيرِ والحَشْوَ. فإن قال قائل: أليس (١) إذا لم يوجدِ التحركُ عند التأليفِ، ووُجِدَ

стр. 394

عند قيامِ الحركةِ في الجسم، مما يدلُ على أن التأليفَ ليس بعلَّةٍ؟ وإلا فخَبِّرونا عن قولِكم في سفينةٍ وضعنا فيها كُرَّاً (١) فلم تَغرقْ، فوُضِعَ فيها قَفِيزٌ (٢) فغَرِقَتْ، أليس إنما غَرَّقَها الجميعُ وقد كان بعضُه فيها قبل الغرقِ؟ وهذا يدلُّ على أن الشيءَ يَحدثُ لعلَّتين، فإذا وُجِدَتْ إحداهما لم يَحدثْ. قيل: الجوابُ عن هذا من وجهين: ومتى رفعْناه وفرَّفنا بينه وبين جملتِه، جازَ لنا أن نقولَ: هو هذا، وكذا إذا قلت: الدَّراهمُ تزيدُ درهماً على عشرين، لم يكن ذلك الدِّرهمُ معلوماً بعينه إلا أن نُقَدِّرَه زائداً، فإن عدَدْتَها واستوفَيْتَ عددَها الأوَّلَ، فكان الذي يبقى هو الزائدَ، ولو كان غيرُه هو الباقيَ كان أيضاً هو الزائدَ، ولا يجوزُ من أجلِ هذا أن نقولَ: الدَّراهمُ يزيدُ عددَها درهمٌ، ولو ساغَ هذا لكانت كلُّها زائدةً على عددِها نفسِه؛ لأن كلَّ واحدٍ منها يجوزُ أن يَحُلَّ هذا المَحَلَّ، فكذا لا يقالُ في الأرطال (٣): رطلان مغرِقان (٤)، لأن التغريقَ قد يقعُ على رِطْلين واحدٍ بعد واحدٍ؛ لأن التقديرَ الأوَّلَ إذا نَقَصَ كانت الشريطةُ في نَقْصِه أن لا يُتكلَّمَ على أنه كان وقَع؛ لأن نقصَه إبطالُه الْبَتَةَ، وأنت تُقَدِّرُ الرَّطلَ الأخيرَ إذا جعلتَه

стр. 395

زائداً مبتدأً لم يَسبقِ التقديرُ إلى غيره، وإلا فلا نقصَ، وإنما الْتَفَتَ إلى الأول تقديراً آخرَ. فإن قال: أفيَخرج تقدير إيَّاه من علمي، وإن قَدرت الآخرَ هذا التقدير؟ قلنا: لا، ولكن في علمك أنك قد نقصْتَ تقديرَه، وقد كان فيه أولًا أنه هو المعروف عندك ما كنتَ مقدِّراً له زائداً. فإذا أزلتَ هذا التقديرَ لم يكَنْ كذلك، وذلك أنك لم تعلمْ علمَ حقيقةٍ أنه المغرِق دون غيرِه، وإنما علمتَ أن الزائدَ على ما تحتمله هو المغرِق لها، ولم تعلمْه عِياناً، فجعلتَ الزائدَ المعلومَ لا عِياناً معلوماً عَيْناً بالتقديرِ دون الحقيقة، وإنما كان هذا لأن فيها واحداً زائداً، وإن لم يكنْ معروفاً بعَيْنِه، وحقيقة هذا عند الله أيضاً هكذا؛ لأنه ليس في الأرطال (١) واحدٌ هو أوْلى بهذا النَّعتِ من غيره إلا بالتَّقديرِ، وما كان مثلَ هذا على هذا المنهاجِ يجر ي الكلامُ فيه، فافْصِلْ بينه وبين غيرِه مما لا يَصلُحُ فيه التقدير بأن فيه واحداً معلوماً أنه زائدٌ لا عِيانا، فإنه مستوي الأحوالِ، فليس بمبيَّن منه شيءٌ من شيءٍ، وفحالٌ أن يكونَ كله زائداً، وكلُّه لا زائداً؛ لأن في هذا إبطالَ الحسِّ. والرِّيُّ والشَبَع، والتُخَمَة، والسَّير بالدَّابَّةِ الفراسخ الكثيرةَ، والسكر بالقَدَحِ والأقداحِ، يجاب في جميعِه بهذين الجوابين، والجوابُ الأولُ أقلُّ مؤنَةً من الثاني.

стр. 396

فإن قال قائلٌ: فهذا الِإمامُ يستحِقُّ الِإمامةَ والكمالَ، ومتى زال عن الكمال جزءٌ (١) يختلفُ فيه سائره، لم يكن مستحِقاً للاسم. قلنا له: الإِمامةُ: اجتماعُ السياسة، واسمُها واقعٌ عليه، والقولُ فيه كالقولِ في العشرةِ، واسمُها واحدٌ إلا أنَ لأبعاض العشرةِ أسماءً تخصها، وليس لعبارة الإِمامةِ بعض تقعُ عليه التسميةُ، فيقال: كما لم يَجُزْ تفصيلُ كثيرٍ مما تكلموا عليه مجمَلًا، فمتى فاتَتْه خلَّةٌ من الكمال، خرجَ بفَوْتِ تلك الخَلةِ من استحقاق ما توجبه دون غيرها، فإن كانت تلك الخَلَةُ (٢) العلمَ بتدبير الحروبِ، خرجَ من استحقاق ولايةِ الحَرْب، وكان مستحِقاً للقضاءِ لمعرفته به، وعلى هذا كلَّما انحطَتْ رُتْبَةٌ (٣) بقيَ على ما دونَها، مثلُ أن يكونَ مقصِّراً في العلم والاجتهادِ وبقيَ على العَدالَة، بقيَتْ عليه رتبةُ الشَهادةِ، وعلى هذا المثالِ في سائر الخِلالِ. فإن قال: أليس لا يُوَلى القضاءَ إِلا العالمُ الوَرِعُ؟ قلنا: بلى. فإن قال: أفليس قد يكون في الناس وَرِعٌ ليس بعالمٍ، وعالمٌ ليس بورعٍ؟ قلنا: بلى.

стр. 397

قال: فهذا ما أنكَرْتُم بعينه من ارتفاع المستحَقِّ بالشيئين بارتفاع أحدِهما. قلنا: ليس يستحِق أحد على الِإمام أن يُوليَه القضاءَ، وإنما يجبُ عليه أن يُوليَ من يجمعُ العلمَ والورعَ إذا احتاج إليه وعَرفَ مقدارَه وموضعَه، وليس هذا من جنس العللِ الموجباتِ في شيءٍ؛ لأنه قد يكونُ لنا عالمٌ وَرِعٌ ولا يجبُ على الإِمام أن يُولِّيَه إذا سد مسده غيرُه. فإن قال: فالحاجةُ إليه إحدى العللِ. قلنا له: فقد يُمكِنُ في القدرة أن تكونَ الحاجةُ إليه قائمةً والإيجاب مرتفعاً، ولو كان هذا من باب الِإيجاب الذي نحن فيه للَزِمَ، وليس هذا من بابنا. يُوضَحُ الفرقَ بينهما: أنه لا يجتمعُ عند صاحب العلَّتين التأليفِ والحركةِ في جسمٍ إلا كان متحرِّكاً، وقد يجتمعُ العلمُ والورعُ والحاجةُ لِإيجاب التَوليةِ غيرُ واقعة (١)، وإنما نحن في بابِ ما لكونه يكونُ الشيءُ لا مَحالةَ، ويستحيلُ مفارقتُه له، ولسنا في بابِ ما عند كونه يختارُ المختار والفعلَ لصوابِه في التَأَنِّي والعلمِ إن شاء، وإن شاء أبى أن يختارَ، وإنما قال للناس: فلانٌ مستحِق للقضاء، على معنى أن فيه ما يَحتاج إليه القاضي، وإنما يكونُ في حدِّ من يصلحُ له بالعلم دون غيره، فاذا كان الورعُ مفرَداً من العلم، فليس صاحبُه المتكلَّمَ عليه. فإن سألَ عن الشاهديْنِ، فأمرُ الشاهدَيْنِ تعبد، ولو خَليْنا والعقلَ

стр. 398

كان الواحدُ والاثنانِ سواءً في أنهما غيرُ موجِبيَنِ للعلم، فكانت الطُّمأنينةُ تقعُ مع قولِ (١) الواحدِ كما تقعُ مع قولِ الاثنينِ، وقَدَّرَ اللهُ شهادةَ الاثنين في بعضِ المواضعِ، وهذا يدلّ على أن أمرهما تعبدٌ. ومما يَدُل على أن ما يجبُ للعلتين لا يرتفعُ إلا بارتفاعِهما: أنه إذا ارتفِعَ فإنما يرتفعُ إلى ضده من وجودٍ أو عدم أو هيئةٍ، ومتى كان محتاجاً إلى علتين، كان ضده أيضاً محتاجاً إلى علَّتين، ومتى كانت المضادَّةُ واقعةً بينهما، كانت أيضاً واقعةً بين عللهِما؛ لأن العللَ لو اجتمعَتْ لوقعتِ المعلولاتُ، وإذا كان هذا هكذا؛ لم يَجُزْ وقوعُ ضدِّه وإحدى علتَيْهِ موجودةٌ، ولو جازَ ارتفاعُه بارتفاعِ إحدى علَّتيه، جاز وجودُه بوجودِهما، ولو جازَ هذا لم يَكُنْ بين ما يقعُ لعلتيْنِ وبين ما يقعُ لعلةٍ واحدة فصلٌ. فإن سأل سائلٌ في هذا الباب عن ساجَةٍ (٢) لا ترتفعُ عن الأرض إلا برَجُليْنِ، فقال: حدثْنا إذا رامَ أحدُهما رفعَها فلم تَرتَفعْ، ثم جاءَ الثاني فارتفعت، أليس الرفعُ حينئذٍ للثاني وحدَه، كما أن التفريقَ للقَفيزِ الزائدِ وحدَه؟ وقَرَّرُوا الإِلزامَ بأن الرفعَ اعتمادٌ كما أن العومَ في الماء اعتمادٌ، وليس بينهما فرْق قادحٌ إلا أن أحدَهما إلى فوقَ والآخرَ إلى أسفلَ. يقالُ له: الفرقُ بينه وبين أثرِه في السَّفينةِ: أن الكُرَّ كان في السفينةِ وهي سليمةٌ سالمةٌ من الغرقِ، فلما جاءَ القَفيز غَرِقَتْ، فعُلِمَ

стр. 399

بهذا أن الكُرَّ فيها ليس بعلَّةٍ لغرقِها، وأن كونَ القَفيزِ فيها وهي حاملةٌ للكُرِّ هو المغرِقُ لها، كما أن الضَربةَ الخفيفةَ هي علةُ الألم إذا كان البَدَنُ عليلاً أو بدَنَ طفلٍ في المهْد، ولو كان صحيحاً كبيراً لَم تُؤلِمْه ولا مثلُها، وإحدُ الحَمْلَيْن لم يكنْ موجوداً قَط في حال عدم ارتفاع السَّاجَةِ، فيكونُ الحَمْلُ الثاني هو الذي به ارتفَعَتْ، وليسَ يوجدُ أحدُهما إن كان علَّةً له دونَ الآخَرِ، فمتى وُجِدا وُجِدَ، وإن عُدِما عُدِمَ، وليس يوجدُ (١) مع وجودِ أحدِهما، ولكنْ بوجودِهما، وبمثلِ هذا يُفْرَقُ بينه وبين (٢) الرِّيِّ والشِّبَعِ والتُخَمَةِ والسُّكرِ. فإن سألت المعتزلة عن الإِيمان فقالت: هو يَثبتُ بأشياءَ يزولُ بزوالِ بعضِها. فليس هذا هو عندنا نحن هكذا، نحن نقول: إنه لا يزولُ الِإيمان بمخالفةِ شيءٍ من الأوامرِ ولا بارتكاب مَنْهِيٍّ من المناهي على الصحيح عندي من المذاهب، بل يكونُ مؤمناً بإيمانه، وهو المعنى الذي أَشَرْتُ إليه وهو التَصديقُ ناقصٌ الشُّعَبَ بما ارتكبَ من منهيٍّ أو خالفَ من أمرٍ، ولا يُوجَدُ إلا بوجوده، وكذلك البِرُّ والتَقْوى، فأما العدالةُ فإنها خارجةٌ لكونها تسميةً لمجموعٍ، فهي كاسم العَشَرَةِ وكلِّ جملةٍ من جمل الأعدادِ، فلا عدالَة مع وجود كبيرةٍ، وإن كثُرَتِ الطاعاتُ وحصلَ اجتنابُ المنهياتِ سوى تلك الكبيرةِ، والله أعلمُ. فصل في مسائلَ تشتبهُ في هذا الباب، ويَكثرُ التخليطُ فيها بين الفقهاءِ

стр. 400

وهو ما يُبنى بعضُه على بعض من الأفعال، وما لا يُبنى عليه، بل يُلغى وُيجعلُ الحكمُ لغيره، وذلك يُشكِلُ بما ذكرناه من إشكال ما هو العِلَّةُ مما ليس هو العِلَّةَ، مثل ضعفِ كِبَبر أو مرض أو طفولةٍ، توجدُ معه جِراحة أو ضرب من جهة آدمي، وجراحبه يتعقّبُها سِرايةٌ بمرض لا يُزايلُه منذ الجراحةِ حتى يموتَ، فلا يُعلَّقُ على فعلِ اللهِ سبحانه الموجودِ قبل الجراحةِ من ضعف الطفولةِ والكِبَرِ والمرضِ، وفعلِه الموجودِ بعد الجراحة، سيَّما على قول أهل السنةِ وأنه ليس بمتولّدٍ عن الجراحةِ، فلا يُجعلُ لفعل الله سبحانه حظ من إسقاطٍ عن الجاني كما لو كان شريكُه آدمياً، بل يجعلُ كأنه انفردَ بالقتل، وتُغلَّظُ جنايتُه في المَحَلِّ الضعيف بالصِّغَرِ والكبَرِ والمرضِ، حتى إن الضربةَ التي لا يتعلَّقُ بها القَوَدُ على الضارب للكبير المشتَدِّ والصحيح (١) يتعلقُ بها القَوَدُ على الضارب للطفلِ الصغير والشيخِ الكبيرِ والمريض المدنَفِ (٢)؛ إذ كانت قتلاً لمثله في مطردِ العُرْفِ، ولم يقل: إن فعلَ الله أعانَ على قتلِه، فيصيرُ شبهة في القتل؛ إذ تَرَددَ زهوقُ النفسِ بين ما يُوجبُ بانفراده -وهو فعلُ الاَدميِّ -وبين ما لا يُوجِبُ- وهو فعلُ الله سبحانه-، ونقطعُ على أن فعلَ الآدميِّ لم يَتحققْ مزهِقاً، بل الضعفُ المستولي على النفسِ بالمرضِ والكِبَر والطُّفولةِ كان مساعداً أكبرَ مساعدةٍ. وذهب قوم إلى أن الضربَ بالعصا وإن كَثرَ عددُه لا يوجب القَوَدَ، وهذا نحوُ ما نحن فيه؛ لأنهم اعتَلوا بأن الضربةَ التي مات عَقِيبَها هي

стр. 401

التي أزهقَتْ، فإن النفس استقلَّتْ بالبقاءِ مع ما سبقَ من الجَلَداتِ والضرَباتِ السابقةِ وإن كَثُرَتْ، وما وجدناها زَهَقَتْ إلا عَقِيبَ الجَلْدةِ الأخيرةِ وهي مما لا يوجبُ القَوَدَ، وصار ما سبقَ -وإن أعقبَ ألماً وايجاعاً- بمثابة المرضِ والكِبَرِ عندهم؛ فإنه لا يوجبُ القَوَدَ أيضاً، وذاك بمثابته، وطردوا البابَ في كلُّ شيءٍ يقتلُ بثِقَلِه. وزعموا أن القياسَ في اشتراكِ الجماعةِ في إزهاق النفسِ بالجراحِ كذلك، وأنه لا يُبنى ولا يجبُ القوَدُ، وإنما صاروا فيه إلى قضيَّةِ عمرَ، وقولِه: لو تمالأَ عليه أهلُ صنعاءَ لأقَدْتُهم به (١). وقالوا أيضاً في السكْرِ الحاصلِ عقيبَ القَدَحِ العاشر: إنه هو المسكِرُ. واتفقوا على أن الجارحَ جراحةً لا تبقى النفسُ بعدها في مطَّردِ العادةِ يفرَد بإيجاب القَوَدِ وإن شاركَه غيرُه بجراحةٍ قد يعيش معها في مطَّردِ العادةِ. والمحقِّقون ممن خالفَ أهلَ الرًاي في مسألة الأقداحِ يقولون: إن السكرَ الحادثَ عند القَدَحِ العاشر ليس به ولا لأجلِه خاصَّةً، بل تكاملَ السكرُ بالعاشر، وتَناشَأ بقَدَحٍ بعد قَدَحٍ، كما يتناشأُ الشِّبَعُ بلُقمةٍ بعد لُقمةٍ، ويتناشأُ الرِّيُّ بجرعةٍ بعد جُرعةٍ، ويتناشأُ الجَبْر في

стр. 402

العُضْوِ المكسورِ أو المُوتَهنِ (١) بشدةٍ بعد شدَةٍ، ويتناشأ الغَضَبُ بكَلِمةٍ بعد كَلمةٍ، ويمتلىء الإِناءُ بَقطرةٍ بعد قطرةٍ، ويذوبُ الجسمانِ باحتكاكٍ بعد احتكاكٍ، ويحصلُ اليقينُ بتناصر دليلٍ بعد دليلٍ، ويحصلُ العلم القَطْعيُّ الضروريُّ بإخبارِ واحدٍ بعد واحد إلى حين تكاملَ العددِ. وُيبيِّنُ ذلك: أنه لا يَحسُنُ لمن شرب جَرَّةَ ماءٍ على ظَمَأٍ جُرعةً فجُرعةً أن يقولَ: أَرْوَتْني الجُرعةُ. وإن حصل الري عندها -أَعني الأخيرةَ- وَيحْسُنُ أن يقولَ: أرْوَتْني الجرَّةُ. ولا يَحسُنُ أيضاً أن يقولَ: أذابت سيفي هذه الضَّربةُ، ولا ملأت سقائي هذه المَذْقةُ (٢). وَيحسُنُ أن يقال: غَرَّقَ السفينةَ هذا القفيزُ أو هذا السَّنْدانُ (٣).

стр. 403

وقد سمعْتُ في إشكالِ السفينةِ سؤالًا من محقِّقٍ، فقال: إن الغرقَ يتناشأُ كهذه الأشياءِ، إلا أن الشِّبَعَ والرِّيَّ والسكرَ نوعُ امتلاءٍ تَتحددُ عنده هذه الخصيصةُ، والامتلاءُ لا يتحصَّلُ إلا باجزاء الجسمِ المالىءِ للوعاءِ، كما أن الغَرقَ حقيقتُه عومُ السفينةِ في الماء إلى الحَدِّ الذي يغمُرُها، ولا يَغمرُ سائرَها إلا بعد أن يستوليَ على شيءٍ فشيءٍ من ذاتها إلى أن يَستُرَها وَيغمُرَها، ولا تزالُ عند طَرْحِ قفيزٍ قفيزٍ تعوم، فيسترُ الماءُ جزءاً منها إلى أن يبقى يسيرٌ من ذاتِها مكشوفاً، فإذا طُرِحَ القفيزُ غَمَرَها الماء لعومِ ما بَقِيَ من أجزائها في ذلك الماءِ. فقال له محقِّقٌ: إن عومَ أجزائها مع تمكُنِها من السَّيرِ بما فيها لا يُسمَّى غرقاً، ولا يُسمَّى بعضَ الغرقِ، وُيسمى المنتشِي بالخمر والساكن النَفْس بالتَمَراتِ واللقَمِ شبعاناً بعضَ الشَبَعِ وسكراناً بعضَ السكر؛ ولهذا فسَّروا قولَه [تعالى]: ﴿لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وانْتُم سُكارَى حَتَى تَعْلَموا ما تَقُولُون﴾ [النساء: ٤٣] بالمخلِّطِ في كلامه بمبادِىء سُكرِه؛ لأن الخِطابَ لمن تحقَّقَ زوالُ عقلِه لا يَتحقَّقُ، فلم يَبْقَ إلا سكراناً بقيَ عليه مسْكَةٌ من عقلِه يبقى معها التكليف والخطابُ (١). ولو كان العومُ مع السَّيرِ وحصولِ الغرضِ باستقلال السفينةِ غرقاً أو بعضَ غرق، لسُمِّيَ السابحُ: غَرِقاً؛ لانستار بعضِ جسدهِ بالماء، وهذا لا يجوزُ في كلِّ اسم وقَعَ على جُمْلةٍ وُضِعَ لها، إذا كانت الجملة لا تتبعَّضُ، بخلاف الجُمَلِ من الأعداد كعشَرَةٍ ومِئَةٍ، يقال في الخمسة: نصفها، وفي الثلاثة: بعضُها، ولا يقالُ في السفينة العائم

стр. 404

بعضُها في الماء الثقيلةِ بوِقْرِها: غريقةً بعضَ الغرقِ، بل لا يقعُ اسمُ الغرقِ إلا على غَمْرِ الماء وعبورِه عليها. فهذه جملة تكشفُ لك عن دقائقِ أغراضِ العلماءِ، ويَمنعُ فهمُك لها من أن يخدَعك خادعٌ في هذا النوعِ بزَخْرفةِ كلامٍ فارغٍ، فيَخلِطَ عليك الشيءَ بما ليس فيه، مثل أن يُوهِمَك ماليس بعلةٍ علَّةً، أو ينفيَ التَعليلَ في موضعِه، أو يجعلَ وصْفاً لعلًةٍ علَّةً، أو شَرْطاً لعلةٍ علَّةً، أو يُعلِّلَ بأوصافٍ ويَخلِطَها بحشوٍ. فصل فيما يُمكنُ نقلُه من العللِ إلى الكُلً ويلزمُ، وما يمكنُ نقلُه إلى كُلٍّ على صفةٍ دون الكلِّ على الإِطلاقِ فنقلُ العلَّةِ إلى الكليَّةِ: هوجعلُ العلَّةِ عامةً بكلَ، ثم بناءُ ما وجبَ بهاعليها. مثالُ ذلك قولُك: إنما وجبَ متحرِّكٌ لحركةٍ موجودةٍ، فكل حركةٍ موجودةٍ فواجب بها متحرِّكٌ. ولو قال: إنما وجبَ متحركٌ لأجلِ الحركةِ، للَزِمَ منه: وكل حركةٍ واجب بها متحرِّكٌ. فإن قال: هذا المحَلُّ متحرَك؛ لأن فيه حركةً. لَزِمَ منه إذا نُقِلَتْ إلى الكليَّةِ: فكلُّ ما فيه حركةٌ فهو متحرِّكٌ. ومن الفقهيَّاتِ: محرَّمٌ لأن فيه شِدَّةً مطرِبةً، فكل ما فيه شِدَةٌ مطربةٌ فهو محرَّمٌ. مثالٌ آخرُ: فإن قال: البناءُ لا بُدَّ له من صانعٍ؛ لأنه مصنوعٌ، لَزِمَ

стр. 405

منه: كلُّ مصمنوعٍ لابُدَّ له من صانعٍ. فإن قال: هذه الكتابة لا تكون إلا من عالمٍ بها؛ لأنها محكمَةٌ متقَنةٌ، لزمَ منه: فكل محكمٍ متقَنٍ لا يكونُ إلا من عالمٍ. فأمَّا المنقولة إلى كلُّ مخصوصٍ لكونها خاصَّةً: قول القائل: هذا الحمار فارِةٌ (١)؛ لأنه جرى عَشَرَةَ فراسخَ، لَزِمَ منه: أن كلُّ حمارٍ جرى عشرَة فراسخَ فهو فارهٌ، ولا يلزمُ منه أن البعيرَ إذا جرى عشرةَ فراسخَ، أو الفرسَ إذا جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِهٌ. بل لو قال: بَهيمَةٌ جرى، أو هذا البهيمةُ جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِه. لزمَ أن كلَّ فرسٍ وبعيرٍ جرى عشرةَ فراسخَ فهو فارِةٌ. وفي الفروعيَّاتِ: لو قال: هذا الماء متغيِّرٌ فلا يجوزُ الوضؤُ به، لزمَ منه: أنه لا يجوز الوضؤ بالمتغيِّرِ بالطحْلُب (٢) والتراب. ولو قال: هذا الماءُ متغيِّرٌ بالخَلِّ فليس بطَهورٍ. لزمَ منهَ أن يكونَ كلُّ ما تغيَّرَ بالخَلِّ فليسر، بطَهورٍ، ولا يلزم منه (٣): الماءُ المتغيِّرُ بالتراب ليس بطهورٍ. وعلى ذلك أبداً لوجوبِ إجراء العِلَّةِ في معلولِها، والله أعلم.

стр. 406

فصل في تحقيقِ تحديدِ العللِ، وبيانِ الغَلَطِ فيه، والخروجِ عنه إلى التَّغييرِ لها ذكرته ليُجتنبَ، كما ذكرتُ التحديدَ الصحيحَ ليُتَّبَع. فنبدأَ بالصحيحِ: فمن ذلك: أن نقولَ: الِإنسانُ حَيٌّ لأجلِ الحياةِ الموجودةِ له. فهذا تحديدٌ صحيحٌ؛ لأن كلَّ حياةٍ موجودةٍ لشيءٍ فهو حيٌّ بها، وهي سليمةٌ من التَّغييرِ لها والتَغييرِ عنها. فأمَّا المنكسرةُ (١) من العللِ: فهو أن نقولَ: الإِنسانُ حيٌّ لأجلِ الحياةِ الموجودةِ، فليس هذه محدِّدةٌ، بل منكسرةٌ، لأنه يلزمُ من هذا: كلُّ حياةٍ موجودةٍ فهو حي بها. وليس هذا صحيحاً؛ إذ حياةُ الحمارِ والفرسِ موجودةٌ، وليس الإِنسانُ حياً بها. ومن العللِ غيرِ المحدِّدةِ أن نقول: هذا الإِنسانُ حَيٌّ لقيام الدَّلالةِ أن فيه حياةً. فهذا أيضاً غيرُ محددٍ؛ لأجل أنه لو لم تَقُم الدَّلالةُ، لم يُخرِجْه ذلك من أن يكون حياً. فإن قال: إنه حيٌّ لأجل أنه علِمَ أن له حياةً موجودةً. كانت غيرَ محدِّدةٍ؛ لأنه لو لم يُعلَمْ ذلك، لم يُخرِجْه عما هو به من كونِه حياً، فذِكرُ العلمِ زيادةٌ لو أُسقِطَت لصحَّت. فإن قال: هو حيٌّ لوجودِ عَرَضٍ يُضادُّ الموتَ. لم تكن محدِّدةً،

стр. 407

لأنه لم يُصرِّح بذكرِ الحياةِ، ولا ذكرها له، فلم يأتِ بها على الوجهِ الذي يقتضي الحكمَ بأنه حيٌ وهو الحياةُ. وقد يَضعفُ نَظَر الخصمِ فيُدخِلُ في العلَّةِ شيئاً كثيراً ليس منها، فَتَفَقَّدْ ذلك وتأمله جيداً؛ لتُحَقِّقَها إن أردْتَ الإِلزامَ عليها على النحو الذي ذكرت لك. ومثالُه من الفقهيات: الخمرُ حرامٌ لأجلِ الشِّدَّةِ الموجودةِ. ليس بتحديدٍ؛ لِمَا بَينَا في مثال الحياةِ. فإذا قال: هذا العصير حرامٌ لأجل الشِّدَّةِ الموجودةِ له. فقد حَدَّدَ، وعلى ما قدمْنا فأقمِ الشَدَّة مَقامَ الحياةِ. فصل في الفرقِ بين الدَلالةِ والعِلةِ اعلم أنه ليس كلُّ دَلالةٍ على شيءٍ فهي علَّةُ له، ألا ترى ان تدبيرَ العالَمِ دلالةٌ على القديمِ؛ إذ لا بد له من صانعٍ غيرِ مصنوعٍ، وليس بعلةٍ له، وكذلك الخبرُ الصادقُ دلالةٌ على كون المخبَر على ما هو به، وليس بعلةٍ لكونِ المخبرِ على ما هو به؛ إذ لو لم يوجَدِ الخبرُ، لم يَبطُلْ أن يكونَ المخبَرُ على ما هو به. وقد يجتمعُ الشيءُ أن يكونَ علَّةً (١) لشيءٍ ودَلالةً عليه (١)، وذلك كالكفر؛ فإنه علَّةُ لاستحقاقِ الذَّمِّ، ودلالةٌ على استحقاقِه. وكذلك عدمُ الواجبِ في الوقتِ الذي قد وجبَ فعله من غير غذْرٍ

стр. 408

ولا تكفير، دَلالة على استحقاقِ الذَّمِّ، وليس بعلَّةٍ. فصل في العلَلِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ فالعقليَّةُ -وهي علَّةُ الحكمِ العقليِّ- موجبة للحكم لنفِسها وجنسِها، فمُحالٌ ثبوتُها أبداً مع انتفاءِ الحكمِ قبل الشَّرع، ومعِ ورودِه، وفي زمنِ نسخِه؛ لأن في تجويزِ ثبوتِها مع انتفاءِ الحكمَ نقْضاً لها، وكذلك في ثبوت حكمِها في موضعٍ ما مع انتفائِها نقضٌ لهَا على ما بَيَّنَّاه من قبلُ، وهذه كالحركةِ إذا كانت في مَحَلٍّ أوجبَتْ له التحرُّكَ لا مَحَالةَ. وأما عللُ الأحكام: فعلاماتٌ وسِماتٌ تكونُ علامة بوضعٍ واختيارٍ، فلا يَمتنعُ أن تكوَنَ تارةً مجعولةً أَمارَةً، وتارةً لا تكونُ كذلك، وهذه كالشِّدَّةِ المُطربةِ إذا كانت في شرابٍ فهو محرم لا مَحالَةَ، إلَّا أنَّا عَلِمْنا ذلك من جَهةِ السَّمعِ؛ ألا ترى أن الشرابَ قبل أن يقعَ فيه خمرٌ أو تخمرٌ كان محلَّلاً، فلما وقعَ فيه خمرٌ أو حصلَ فيه تخميرٌ، صارَ محرَّماً بعد أن لم يكن محرَّماً، كما أن المحلَّ قبل أن تُوجَدَ فيه حركةٌ كان ساكناً، فلمَّا وُجدَتْ فيه الحركةُ، صار متحرِّكاً بعد أن لم يَكُنْ. فكلٌّ ما إذا كان الأوَّلُ كان الثاني من أجل كونِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ عِلَّةٌ، عقلياً كان أو سمعياً، ومثلُ هذه العلَّةِ السمعيَّةِ لا خلافَ في معنى القياسِ بها. فإن قال قائلٌ: أفليس قد كانت الخمرُ تقعُ في الشراب والشَدةُ

стр. 409

تجصلُ في العصيرِ، فلا يكونُ حراماً قبل السمعِ؟ فما العلَّةُ التي لأجلِها كان حراماً بعد أن لم يَكُنْ حراماً؟ قيل له: قيامُ الحُجَّةِ بأن في شُرْبه المَفسدةَ المعلومةَ في هذا الزمانِ، دون ما سبقَه من الزمان الذي كَانت فيه مُباحَةً. فإن قيل: فالمَفسدةُ التي صَرح بها القرآنُ -وهي إيقاعُ العداوةِ والبَغضاءِ بما يحصلُ من العَرْبَدةِ والمخاصمةِ، والصَدُّ عن ذكرِ اللهِ وعن الصَلاةِ (١) - لم تَزَلْ حاصلةً بالسُّكر المغطَي للعقل الذي به يحصلُ التمييزُ بين الأمورِ، وهذا أمرٌ ما تَجَددَ، فكيف تَصِحُّ لكم دعوى تَجَدُدِ المَفسدةِ والحالُ هذه؟ قيل: العلَّةُ في كونِه حراماً في هذه الحالِ وكونِه قبيحاً هو قيامُ الحجَّةِ بكونه مَفسدةً، والمَفسدةُ التي ذكروها- وهي التي نطقَ بها الكتابُ الكريمُ -مَفسدة لكن ليس بكلٍّ، بل من بعضِ المَفسدةِ ذاك، ويجوزُ أن يكونَ ما ذكرَه مما يحصلُ في هذه الامةِ وهذا الزمانِ حكمُه يَزيدُ عند اللهِ على كلِّ مَفسدةٍ، ويجوزُ أن تختلِفَ المفاسدُ باختلاف الأزمانِ والأشخاصِ، كما أن الكلامَ في الصلاةِ مفسدةٌ وفي الحجِّ ليس بمَفسدةٍ، والطيبُ في الحجِّ مفسدةٌ وفي الصلاةِ ليس بمفسدةٍ، وأكْلُ الزَّكاةِ مع كونِها أوساخ الناسِ مفسدةٌ في حقِّ النبيِّ ﷺ وأهلِ بيتِه وليست بمَفسدةٍ في حقَ غيرِهم، والجَمْعُ بين الأختَيْن يَقطَعُ (٢) والجمعُ

стр. 410

بين الصَّديقتَيْن يَقطَعُ، وكان الحكمُ للتَحريمِ لقطيعةِ الرَّحمِ لا الصَّداقةِ، كذلك جازَ أن تُخَصَ هذه الأُمَّةُ (١) بتحريمِ ما يقطعُ بينهم ويَصُدُهمِ عن ذكر الله وعن صلاتهم لحرمةٍ تَخُصُّهم، فتكونُ منزلةً لهم وخصيصةً خُصُوا بها يكونُ في مخالفِتها من المفسدةِ ما لم يَكُنْ في حقِّ مَنْ سلفَ وما سلفَ مِنْ حالِهم، والله أعلم. وقد قال بعضُ أهلِ العلمِ الأئمة: فإن قالُوا لنا: فما العلَّةُ التي كان بها قبيحاً في هذه الحالِ، وقد كان يجوزُ أن يقعَ في الحالِ الأُولى غيرَقبيحٍ؟ قيِل لهم: العلَّةُ في ذلك هو القَصْدُ إليه مع قيامِ الحجَّةِ بأن فيه مفسدةً. فإن قيل: فما العلَّةُ التي لأجلها قَبُحَ القصدُ، وقد كان يجوزُ أن يقعَ في الحالِ الأولى؟ فنحن نسألُكم عن تَجَدُدِ قُبْحِ القصدِ، كما سألناكم عن الموجِبِ لتجدُّدِ القبحِ ما هو؟ قيل له: لم يكن يصحُّ أن يقعَ القصدُ الذي مع قيام الحجةِ الآن قبل قيام الحجَّةِ؛ إذ ليس القصدُ الذي قبل قيام الحجةِ كَالقصدِ الذي بعد قيامَ الحجةِ، كما لا يَصح أن يقعَ العلمُ بالَحركةِ -الذي هو عِلمٌ بأن المحَلَّ يتحركُ -قبل أن يُعلمَ المحل، فهذا العلمُ بخلاف العلمِ بالحركةِ من جهةِ أنها حركةٌ، فكذلك هذا القصدُ الذى مع قيامِ الحجَّةِ يخالِفُ القصدَ الذي ليس مع قيام الحجَّةِ، وهو عندي أحسنُ من الأوَّلِ؛ لما فيه من رَدِّ القبحِ إلى اَلقصدِ مع قيامِ الحجةِ.

стр. 411

فصول في الفروقِ بين العلَّةِ العقليَّةِ والشَرعيَّةِ فمن الفروقِ: أن العلَّةَ العقليًةَ لا يجوزُ ولا يَصِح تخصيصُها بعَيْنٍ دون عَيْنٍ. والعلَّةُ الشرعيَّةُ اختلفَ الناسُ فيها: فجوَّزَ تخصيصَها قومٌ بدَلالةٍ، ومنع آخرون من تخصيصِها؛ لأن الشرعيَّةَ أَمارةٌ وعلامةٌ ودَلالةٌ، وقد تَدُلّ على شيءٍ في وقتٍ، ولا تَدلُّ عليه في غيرِه، قالوا: فكذلك تدلُّ على الحكم في مَحَلٍّ، ولا تَدلُّ عليه في غيرِه، فقد استجازَ القائلون بتخصيصِ العلَّةِ (١) ذلك. ولايجوز عند أحدٍ تخصيصُ علَّةِ العقلِ في عَيْنٍ دون عَيْنٍ، ولا في زمانٍ دون زمانٍ. فصل ومن الفروقِ بينهما أيضاً: أن الشرعية ربما احتاجت إلى شَرْطٍ في كونها علَّةً للحكم، نحو: الزَنا الموجِبِ للرًجمِ بشرطِ الإِحصانِ، ووجوبِ الزَّكاةِ في النًصابِ بعلَّةِ الغَناءِ به بشرطِ حُؤولِ الحَوْلِ على النًصابِ، وغيرِ ذلك.

стр. 412

والعقليَّةُ لا تحتاجُ في إيجابِها للحكمِ إلى شرطٍ؛ لكونها (١) موجبةً غيرَ علامةٍ للحكمِ، ولا أمارةٍ عليه (٢)، ولا دَلالةٍ. فصل ومن الفروقِ أيضاً بينهما: أن العِلَّةَ العقليَّةَ لا بُدَّ أن تكونَ منعكِسةً، فالحركةُ عِلَّةُ كونِ المحلِّ الذي قامت به متحرِّكاً، فيجبُ من ذلك: أن كلَّ مَحَلٍّ لم تَقُمْ به الحركةُ، فلا يكونُ متحرِّكاً بحالٍ. فأمَّا الشرعيَّةُ: فلا يُشترطُ لها العكسُ؛ فإنَّا إذا قلنا: كلُ شراب قامت به الشِّدَّةُ حرامٌ، لا يَلزمُ منه: أن كلَّ شرابٍ لم تَقُمْ به الشِّدَّةُ حلالٌ، وكان المعنى فيه: أن العقليَّةَ موجِبةٌ والشرَعيَّةَ أمارةٌ. والأماراتُ والدَّلائلُ قد تَدلُ على الشيءِ فيُعلمُ، وليس إذا لم تَدُلَّ يُعدَمُ، وأما العقليَّةُ فموجِبةٌ، والموجبُ إذا وُجدَ أوجبَ موجَبَه لا مَحالةَ، فإذا لم يُوجَدْ لم يُوجَدْ موجَبُه لا مَحالَةَ. ولأن العلَّةَ الشرعيَّةَ كما تَدُلُ على الحكمِ يَدُلُ غيرُها عليه، فإن الحكمَ الواحدَ من أحكام الشَّرعِ يَثبُتُ بعلَّتَيْنِ، فإذا زالَتْ إحداهما بقيتِ الأخرى، فلذلك لم يَكُنْ من ضرورةِ انعدامِها انعدامُ الحكمِ. بيانُ ذلك: أن التَّنجُّسَ حكمٌ يَتعلَّقُ بالمحلِّ، تُوجِبُه علًتان: الاستحالةُ، وملاقاةُ نجاسةٍ، فإذا زالتِ الملاقاةُ، بقيتِ الاستحالةُ مستقلاً بها الحكمُ، وإن زالتِ الاستحالةُ، بقيتِ الملاقاةُ، فلم يَنْتَفِ

стр. 413

الحكمُ بزوالِها وانتفائِها؛ فلذلك لم يُشرَطِ العكسُ فيها، بخلاف العقليَّةِ (١) فإن التحرُّكَ الذي هو حكمُ الحركةِ ومعلولُها لا يثبت بالحركةِ وبمعنىً آخرَ قَطُّ، فالحركةُ لا يُشارِكها في إيحاب التحركِ شيء من الأعراضِ، فلا جَرَمَ إذا انتفَتْ عن المحل، انْتَفى حكمُها -وهو تحرك المحل- لا مَحالَةَ. فصل ومن الفروق بينهما: أن عِلةَ الحكمِ العقليِّ يجبُ أن تكون أبداً مقارِنةً له غير متقدمَةٍ عليه ولا متأخِّرةٍ عنه، وليس كذلك سبيلُ العلة الشرعيَّةِ؛ لأنها قد تُوجَدُ قبل حصولِ الحكمِ كشِدةِ الخمر، وتَأتَي الطُّعْمِ وتَهَيُّؤِ الكَيْلِ والاقْتِياتِ في البُرِّ قبل ثبوتِ الحكمِ، وهو تحريمُ التَّفاضلِ، فلا يَجبُ أن تَجْريا في هذا البابِ مَجْرىً واحداً. فصل ومن الفروقِ بينهما: أن العلَّةَ الشرعيَّةَ يجوزُ أن تُوجِبَ حُكمَيْن مختلِفَيْنِ، مثلُ إيجاب شِدَّةِ العصيرِ تحريمَ شُرْبِه، وإباحةَ ضرب شاربه، وحرمةُ الرَّضاع وَالقرابةِ يُوجِبان تحريمَ النِّكاحِ، وإباحةَ الخَلْوَةَ والمُسَافَرَةِ، والحَيْض علَّةُ لتحريمِ وَطْءِ الزَوجِ في الفَرْجِ، وإباحةِ الأكلِ في نهارِ رمضانَ، والموجِبُ للغُسْلِ، وإسقاطِ إيجابِ الصلاةِ رأساً. فأمَّا العلَّةُ العقلئةُ: فإن الحركةَ لا توجبُ تحرُّكَ الجسمِ وتَلَوُّنَه

стр. 414

المختلِفَيْنِ غيرَ المتضاديْنِ، ولا تحركَه وسكونَه الموجَبَيْنِ المتضادَّيْنِ، ولا تُوجِبُ أيضاً حكمَيْنِ مِثْلَيْنِ، كما لم تُوجِبْ حكمينِ مختلِفَيْنِ ولا متضادَيْنِ. وإنما كان ذلك لمعنىً، وهي أنها (١) تُوجبُ الحكمَ والمعلولَ لجنسِها ونَفْسِها، ونفسُها وجِنْسُها غيرُ مختلِفٍ، والعللُ الشرعيَّةُ تُوجِبُ لوضعِ الواضعِ لها، واختيارِه لحكمَيْنِ مختلِفَيْن معلَّقَيْن عليها مع اتحادِها. فصل والعلَّتانِ الشَّرعيَّتانِ المختلِفتانِ قد تُوجِبانِ حكمَيْنِ متساوَييْنِ، كالشرب والقَذْفِ يُوجِبان حَدَ الشرب والقذفِ، فمن شربَ جُرْعَةَ خمرٍ وقَذَفَ مَحصَناً أو محصَنةً، حد الحَدَيْنِ معاً. فصل ولا يجوزُ أن يَنصِبَ اللهُ سبحانه علَّةً وعلامةً على إيجاب حُكميْنِ ضِدَيْنِ نقيضَيْنِ لا يصحُّ من المكلَفِ الواحدِ الجمعُ بينهما، بل يجوزُ أن ينصِبَ علَّةً لثبوت أحكامٍ مختلفةٍ أو تُرُوكٍ، أو أفعالٍ وتُروكٍ يصحُّ من المكلَّفِ الجمعُ يينها (٢)، أو أن تكونَ علَّة لثبوتِ حكمٍ في وقتٍ وسقوطِه (٣) في غيرِه، أو علَّةً لوجوب حكمٍ على عَيْنٍ وسقوطِه عن أخرى، فأمَّا أن يجعلَ للمكلَّفِ عَلامةً على ثبوتِ الحكمِ عليه

стр. 415

وسقوطِه عنه في وقتِ وجوبِه، وعلى تحليلِه عليه وعلى تحريمِه، فذلك مُحالٌ. وقد يضعُ الله سبحانه علامَتَيْن لحكمَيْن نقيضَيْن في حَقِّ مجتهدَيْنِ، وُيخيَّرُ المستفتي في الأخذِ بأيِّهما شاءَ، على ما تقدَّمَ في بيانِ الاجتهادِ وفصولِه. فصل ولا يجوزُ أيضاً أن تكونَ العلَّةُ الشرعيَّةُ علَّةً لحكمَيْنِ متساوَييْنِ على مكلَّفٍ واحدٍ، لأن حكمَ الله سبحانه فيما أحلَّه أو حَرَّمه لا يتزايدُ، وإن كان الوعيدُ على بعضِ الذُنوب أكثرَ من بعضٍ، والثَّوابُ على بعضِ الطَاعاتِ أكثرَ من بعضٍ، إلا أن كلُّ ذلك يجبُ من جهةٍ واحدةٍ، ولا يجوزُ إذا كان لتحريمِ شيءٍ أو تحليلِه للمكلَفِ علَّتان مختلِفتانِ وأكثرُ، أن يتزايدَ الحكمُ بتزايدِ عِلَلِه؛ لأجل أن علَلَه أدلَّةَ عليه، والحكمُ لا يتزايدُ بتزايدِ الأَدلَّةِ، وإنما يَقْوَى ثبوتُه في النًفْسِ بتزايدِ الأدلَّةِ، فقطْ. وإنما اخْتَلَف المتكلَمون في العلل الموجبةِ إذا كَثُرَتْ، هل تتزايدُ أحكامُها والأحوالُ الموجَبةُ عنها أم لا؟ فأمَّا الَدَّلائلُ على الحكم شرعيَّةً كانت أو عقليَّةً -فلا تُوجِبُ تزايدَ حالِ المدلولِ عليه؛ إذ ليست الأدلَّةُ موجِبةً، لكنها كاشفةً وموضحةً. فصل في العلَّةِ التي نتيجتُها ظَنٌّ وهي التي ترجعُ في كونِها توجِبُ إلى ظَنٍّ، وذلك يقعُ في العلل

стр. 416

العقليَّةِ والسمعيَّةِ، مثالُ ذلك: أن خَبَرَ الثَّقةِ عند المجتهدِ: أن هذا الطعامَ مسمومٌ، صَحَّحَ الحكمَ عنده بأنه مسمومٌ، وإذا صحَّ الحكمُ عنده بأنه مسمومٌ، وجبَ عليه تجنُّبه، وكذلك إذا أخبرَه الثِّقةُ بسببٍ يُوجِبُ مثله تنجيسَ الماءِ، وجبَ عليه تجنُّبُه. فصل فيما سمّاهُ قومٌ من المتكلِّمين: العِلَّةَ المولَّدةَ ؛ تغريباً للعبارةِ فيه والمتولدُ لا أصلَ له عندنا، وإنما هو مذهبُ أهل الطبْعِ والاعتزالِ، ذكرتُه حتى لا تفوتَ معرفةُ ما تحتَه بتغريبِ تسميتِه. والعلَّةُ المولَّدةُ عندهم: هي التي يُوجِب وجودُها غيرَها، ولا يخلو أن يُوجَدَ عَقِيبَها بلا فَصْلٍ، أو يوجَدَ معها، وذلك كالاعتمادِ الذي توجَدُ عنه الحركةُ، فقالوا: إن الحركةَ تولَدتْ عن الاعتمادِ، فسَمَّوْها: مولَّدةً، وعندنا وجِدَتْ عقِيبَ الاعتمادِ؛ فلا تكونُ عندنا مولَّدةً بناءً على أصلِنا في إبطالَ التوُّلدِ. فأمَّا التي تكونُ لسببٍ والسببُ في حالِ تحركِه: كالخاتِمِ في اليَدِ، تقعُ حركةُ الخاتَمِ وحركةُ اليدِ معاً في حالةٍ واحدةٍ. والعلَّةُ عندهم على ضَرْبَيْنِ: مولِّدةٍ، وموجبةٍ غيرِ مولِّدةٍ، فالعلَّةُ التي يجعلونها مولِّدةً: هي التي قدَّمنا ذكرَها، وَأما العلَّةُ الموجبةُ من غيرِ توليدٍ: فكالحركةِ إذا وُجِدَتْ أوجبَتْ متحركّاً بلا مَحَالَةَ. وكلُّ علَّةٍ فلا بُدَّ أن توجِبَ متغيِّراً بها عمّا كان عليه على قولِ

стр. 417

هؤلاءِ -وهم أهلُ التولُّدِ-، وعندنا لا بُدَّ أن تُوجِبَ معلولًا في الجملةِ، فقد يكون تغيُّراً، وقد يكونُ غيرَه؛ لأن العلمَ علَّةُ كونِ العالِمِ عالماً شاهداً وغائباً، فاحْذَرْ مقالةَ هؤلاءِ وقولَهم: المعلولُ لا يكونُ عن العلَّةِ إلا حادثاً بعد أن لم يَكُنْ، وتغيراً عن حالٍ كان عليها إلى حال لم يكنْ. فصل في شَرْطِ العلَّةِ اعلم أن شرطَ العلَّة: هو تعليقُها بما إذا وَقَعَتْ عليه أوجَبَتْ معنى الحكمِ، وإذا لم تَقَعْ عليه لم تُوجِبْ معنى الحكمِ. والفرقُ بينها وبينَ الجُزْءِ من العلَّةِ: أن الاقتضاءَ لها إذا كانت على تلك الصفةِ، وليس كذلك الجزءُ من العلَّةِ، بل الاقتضاءُ للجملةِ بأجزائها. مثالُ الأولِ: إذا كان القبيحُ من مَحْجُوجٍ فيه، استَحَقَّ الذمَّ لأجل القبيحِ الواقعِ على هذه الصفةِ، وليس يَستحِقُه لأجل القبيحِ وأنه محجوجٌ فيه، وكذلك يصحُّ الفعلُ بالقدرةِ إذا لم يَكُنْ مَنْعٌ، وليس يقعُ الفعلُ لأجل القدرةِ وعَدَمِ المنعِ، فهذا مثالُ الشرطِ، والمنعُ: مثلُ قَيْدٍ ورِباطٍ. مثالُ الثاني -وهو الجزءُ-: علَّةُ الجسمِ الطُولُ والعَرْضُ والعُمْقُ، ولا يجوزُ أن تكونَ العلَّةُ الطولَ إذاكان عرْضٌ وعمقٌ، لأن الاقتضاءَ لاجتماع هذه الثلاثةِ على الحدِّ الذي وَصَفْنا.

стр. 418

ولو قال قائل في صفيحةٍ لها طولٌ وعَرْض من غيرِ عمقٍ، ثم حدثَ فيها عمقٌ، فصارت جسماً: العلَّة التي لأجلها صارت جسماً بعد أن لم تَكُنْ جسماً حدوثُ العمقِ لِمَا له طولٌ وعرضٌ. لحَسُنَ هذا القولُ منه؛ لأن الحادثَ الآن هو العمقُ، فالاقتضاءُ له. فإن قال في سفينةٍ كان فيها كُرٌّ ولم تَغرَقْ، فزِيدَ عليها قَفِزٌ، فغَرِقَتْ: ما العلَّةُ في ذلك؟ قيل: العلَّةُ في ذلك طَرْحُ القفيزِ الزَائدِ فيها؛ لأنه الحادثُ الذي غَرِقَتْ به. فإن قال: فلو طُرِحَ الجميعُ في حالٍ فَغَرِقَتْ، ما كان العلَّةُ في ذلك؟ قيل له: العلَّةُ في ذلك طرحُ الجميعِ؛ لأنه ليس بعضُ ذلك الحادثِ أوْلى من بعضٍ.

стр. 419

فصول في المعارضةِ اختَلَفَ الناسُ في المعارضِة، فأَثْبَتها قوم، ونفاها آخرون، واعتَلَّ نفاتُها بأنها ليست مسألةً ولا جواباً، فصارت كلاماً لا عُلْقَةَ له بكلام المستدلِّ. واعتل من اثْبَتها -وهو عندي المذهبُ الصحيحُ، وأنها داخلة في أقسام السؤالِ والجواب- بأن قال: أنتم تعلمون أن المقِر لموسى [﵇] لإِطباقِ اَليهودِ على الإِقرارِ به، يَلزَمُه الإِقرارُ لهارونَ لإِطباقِهم أيضاً على الإِقرارِ به، فلو أن إنساناً أقر بموسى لهذه العلَّةِ وأنكرَ هارونَ، لكان مفرقاً بينهما بالإِقرارِ والإِنكارِ مع استواءِ الإِقرارِ لهما والعلةِ، وتفرقتُه بينهما مذهب تفردَ به؛ لأنه متى فعلَ ذلك فقد خُولِفَ فيها، وهي كبعض المذاهب التي يأتي بها؛ لأنه سواءٌ قولُه: ليس موسى كهارون، وليس الإِقرارُ لهَما مستوياً في الوجوبِ والعلَّةِ. ولا شَك أنه قد تحقَقَ من قوله: إن المقِرَّ بموسى مصيب لعِلَّتي، وهي إطباقُ اليهودِ عليه، وأنه نبيٌّ، فإذا قال في هارونَ خلافَ ذلك، كان الملزِمُ له القولَ لمثلِ ذلك في موسى إلزاماً بالمعارضةِ الصحيحةِ؛ لأن العلَّةَ التي تعلقَ بها في موسى ينطبقُ عليها ايجابُ القولِ في هارون، كالقولِ في موسى، والفَرْقُ مذهبٌ، يَحسُنُ أن يقال: ما دليلُك

стр. 420

عليه؟ لأنه تَرْكٌ لمذهبٍ أوجبَتْه علتة الموجِبةُ للجمع بين موسى وهارون. ويقالُ أيضاً: إذا اقررْتَ بموسى لِإطباقٍ عليه؛ فهلَّا طردتَ علتَك واجريْتَها، وألزَمْتَ نفسَك من الإقرارِ بهارونَ مثلَ ما ألزمْتَها من الإِقرارِ بموسى؛ إذ كانت اليهودُ مطبِقَة عليه كإطباقِها على موسى؟ ويقالُ لمن أنكرَ المعارضةَ أيضاً: هل الحقُّ وأهلُه مفارقان للباطلِ وأهلِه في أنفسِهم بحُجَّتِهم؟ فإن قال: لا، فهذا مما لا يقولُه أحد، وإن قالَ: نعم، قيل له أيضاً: فيجوزُ لمن شكَّ في افتراقِهم أن يَسألَ عنه، وعمّا أوجَبَه. ويقالُ لهم: إذا أمكنَ أن يكونَ في الناسِ من يقولُ بعلَّتِكَ، ويوافقُك فيها، ثم لايُوافِقُ في مقتضى العلَّةِ وموجَبِها، بل يُخالِفُك في المذهب، فلا بُد من مطالبتِه ببرهانِ مخالفتِه في المذهب مع موافقتِه في علَّتِهَ، كذلك هاهنا. وفي الجُمْلَةِ والتفصيلِ: كلُّ من تركَ قولاً فلا بُدَّ له في اختيارِه تركَه إياه من علَّه وحًجةٍ، كما أن كلَّ من اختارَ قولًا فلا بُد له في اختيارِه إياه من علَّةٍ وحجةٍ، فإذا رأيْتَ تاركاً قد تركَ شيئاً واجْتَبَى واختارَ مثلَه، فلا بُد من مطالبتِه بحجَّةٍ في اختيارهِ تَرْكَ ما تركَ واختيارِ ما اختارَ، إذا ادَّعى أنه تركَ بحجَّةٍ واختارَ بحجَّةٍ. فصلٌ آخرُ في المعارضةِ اعلم أنك إذا سُئِلْتَ عن الفَرْقِ بين شيئين قد فَرَقْتَ بينهما بالإِثباتِ والإِبطالاِ، لا بُدَّ لجوابِك الذي فيه تفريقُك أن يكونَ مبطِلًا

стр. 421

لما أَبطلْتَ محقِّقاً لما حقَّقْتَ، وليس يجوزُ أن يكونَ فيه الإِبطالُ دون التحقيقِ، ولا التحقيقُ دون الإِبطالِ؛ لأنك لا تُسأَلُ عن إبطالٍ مفرَدٍ ولا عن تحقيقٍ مفرَدٍ، وإنما سُئِلْتَ عن الأمرين جميعاً بسؤالٍ عنهما. ويُوضحُ الدليلَ على ذلك: أن التَفرقةَ لهما وقَعَتْ، فإذا كان هذا هكذا، فالسؤالُ عنهما. مما يُؤيَّدُ هذا: أن الدليلَ على صحةِ أحدِهما لا يُوجبُ التفرقةَ بينهما، وكذا تصحيحُه؛ لأنهما قد يجتمعان في التصحَيحِ وفي دَلالةِ الدليلِ على صحَّتهما، فلو كان أحدُ القولين مفارقاً صاحبَه في الصحَّةِ بصحِته، لم يَجُزْ أن يجتمعَ القولان في الصحةِ؛ لأن صحةَ أحدِهما تفرُقُ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ، كما أنك حين فَرَقْتَ بينهما ابطَلْتَ أحدَهما وصَحَّحْت الآخر، وكذلك التفرقُة بينهما في تصحيحِ أحدِهما وإبطالِ الآخرِ، كما أنها تصحيحُ أحدِهما وإبطالُ الآخرِ (١). ولو كان من أجابَ عن أحدِهما دون الآخرِ مفرقاً بين القولين، لكان الذي يُقِر بنُبوَّةَ موسى وُينكرُ نُبوَّةَ هارونَ إذا سُئِلَ عما فَرَقَ بينهما، فأجابَ بما يُثْبتُ نُبوَّةَ موسى فَقَطْ، ولم يذكُرْ (٢) ما أفسدَ عنده نُبوَّةَ هارونَ، قد أدَّى مَا أوجبَه عليه السؤالُ، وفرقَ بينهما تفرقةً أبطلَتْ نُبوَّةَ هارونَ وصَححَتْ نُبوَّة موسى، فكما أوجبَ أنه قد يُحقَقُ نُبوَّةَ موسى من لا يَقدِرُ على إبطالِ نبوةِ هارونَ مع تحقيقِه لنبوةِ موسى؛ إذ كان كُلما أثبتَ أحدَهما ثبتَ الآخرُ، عُلِمَ أن التفرقةَ بين الأمريْنِ

стр. 422

اللَّذَيْنِ افترقا بصحةِ أحدِهما وفسادِ الأخرِ ليست دَلالةً على صحةِ الصحيحِ منهما دون فسادِ الفاسدِ، ولا على فسادِ الفاسدِ دون صحةِ الصحيحِ. ومما يؤكِّدُ هذا أنه قد دَل على صِحَّةِ أحدِ الأمرَيْنِ من لا يعلمُ سامعو دَلالتِه عليهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيرِه حتى يسمعوا منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيره بإبطالِه (١) كما لا يعلمُ إذا سَمعَ منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه يُفرِّقُ بينه وبين الآخرِ دون أن يُنكرَه، فلو كانت الدَّلالةُ على أحدِهما هي التفرقةَ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ والفسادِ؛ لكان السامعون لها عارفين بمعرفةِ صاحبِها بينه وبين صاحبه، ولكان المعتقدُ لصحة أحدِهما قد فَرَّقَ أيضاً بينهما في عَقدهِ بالتصحيحِ والإِبطالِ والنَّفي والِإثباتِ، فلما كان المعتقِدُ لصحةِ أحدِهما لم يُفرِّقْ بينهما في عَقْدِه باعتقادِه صحةَ أحدِهما؛ لأنه قد يجوزُ لك التفرقةُ بين الشيئينِ بما يمكنُ خصمَك أن يجعلَه مستوياً بينهما، وإن تعاطى ذلك ووقَف (٢) في الدعوى موقفَك، استويا ولم يَبِن منه شيء يجعلُك أوْلى بنُصرتِه منه بنُصرةِ مذهبِه. ونظيرُ هذا: أن الشِّيعيَّ إذا قال للعُثْمانِيِّ: دليلي على أن عليَّاً أفضلُ من عثمانَ: كونُ السماءِ فوقي والأرضِ تحتي. جازَ للعثمانيِّ أن يقولَ: فهذابعينه هو دليلي على أن عثمانَ أفضلُ من عليٍّ، وما الذي جعلَك بأوْلى أن تَستدِلَّ على فضلِ عليَ على عثمانَ مني بالاستدلالِ به على فضلِ عثمانَ على عليٍّ؟ والسلام.

стр. 423

فصل اعلم أن للخصمِ أن يُعارِضَ خصمَه بما لا يقول به في بعض المواضعِ، وليس ذلك له في كلِّها، ولا بد من حدٍّ يَفصِل بين الموضعين، وسنقولُ فيه قولاً شافياً إن شاءَ الله. إذا قابلَتِ المعارضةُ بما لا يقولُ به المتنازعان سَقَطَتْ؛ لأن صاحبَها معارِضٌ لنفسِه قاصدٌ بها إلى فسادِ مذهبه، وما كان هكذا فليس له أنه يعارضَ به، ولكن لغيرِهما أن يُعارِضَهَما به؛ إذ كان غيرُ تصحيحِ تلك المعارضةِ مذهبَه؛ لأنه إنما يكون لِذي المذهبِ من السؤالِ ما صَحَّحَ مذهبَه وأبطلَ مذهبَ خصمِه، وأما ما يبطل به مذهبه فلا، ولكنَه عليه، وذلك أن تأويلَ هذه المسألةِ الفُلانيةِ أن الفُلانيَّةَ تصحيح مذهبهما (١) به، وإن كانت مصححةً على الحقيقةِ فهي لهم على الحقيقةِ، وإضافتها إليهم على معنى أنهم سَبَقوا إليها، وأنهم يحاولون بها التصحيحَ لمذهبهم، وإن كان ذلك لا يَتِمُّ لهم. وغَرَضُ السؤالِ تصحيح المذهب وإبطالُ ضِدَهِ، فإذا كان بخلافِ هذه الصِّفةِ فهو ساقطٌ، فإذا قابلَتَ قولًا لا يقول به المعارِض فهي صحيحةٌ؛ لأن صاحبَها أفسدَ باطلًا عنده بإظهارِ مساواتِه لباطلٍ آخرَ هو أيضاً باطلٌ عنده، فهذا على ضَرْبَيْنِ: مثال الأولِ: قول السُّنَيِّ للمعتزِليَ: إذا زَعَمْتَ أن تكليفِ ما لا يطاقُ فاسدٌ لِمَا صَحَّ من عدلِ الله ورحمتِه، فهلاَّ زَعَمْتَ أن تعريضَ اللهِ سبحانه لمن المعلوم عندَه أنه يَعطَب بالتكليفِ للتكليفِ، وتعريضَ

стр. 424

من يَهلِكُ بالمحنةِ للمحنةِ، والتماسَ ما علمَ أنه لا يكونُ ممَنْ علمَ منه أنه لا يستجيبُ للتكليفِ فاسدٌ أيضاً للعلَّةِ التي ذكرتَها، وهو ما صح من حكمةِ الله ورحمتِه وعدْلِه وحُسْنِ نَظَرِه لخلْقِه؛ لأنهما قد استويا واتفقا على الأصلِ الذي قابلَتْه المعارضةُ، فإن كانت لازمةً للقائلِ به، فإن قولَ السائلِ فيه كقول المجيب. ومما يَدلُّ على هذا: أن ملحداً لو سأل عن هذه المسألةِ، وهو من لا يقولُ بواحدٍ من المذهبَيْنِ -لا بمذهب العَدليِّ ولا الجَبْريَ-، لم يكنْ أحدُهما أوْلى بالجواب عنها من الآخرِ. ومثالُ الثاني: بمنزلةِ معتزلي قال لمُجْبِرٍ: إذا زعَمْتَ أن الله يخلُقُ الفعلَ وُيعذِّبُ عليه، فلِمَ لم تَقُلْ: إنه يَضْطَر إلى الفعلِ وُيعذِّبُ عليه؟ لأنه لا يقولُ بالشيءِ الذي جعلَه ملزماً للمعارضةِ، فهما متَّفِقان على نفيِ العقاب على ما حصلَ بالاضطرارِ، كما حصلَ الاتفاقُ في المثال الأولِ عَلى جوازِ التكليفِ ممن في المعلوم أنه يَعطَبُ بالتكليفِ وعَقِيبَ التكليفِ، ومتى بنى المجيبُ جوابَه عَلى أمرٍ يوافقُه عليه السائلُ، لم يَكُنْ للسائلِ الطعنُ فيه إلا بما بَيَّنَ به مفارقتَه؛ لأنه إن سلَّم مشاكلتَه إئاه ثم طعنَ فيه، كان طاعناً في قولِه بطَعْنِه فيما هو عنده نظيرُه. ومتى ما جعلْنا له من الطعْنِ بما يأتي في صورةِ الأولى، فمعناه (١) خلافُ معناه، وذلك كقولِ المُجبِر للمعتزلي: هلّاَ قلتَ: إن الله يُكلِّفُ العبدَ ما لم يُقدِرْه عليه، كما قلنا جميعاً: إنه يُكلِّفُ العبدَ ما

стр. 425

لم يُوفَقْه لفعلِه ولا عَصَمَه من تركِه. فإن اعترفَ المعتزليُّ بهذا التشبيه، ثم طعنَ في الجوابِ، فقد طعنَ في الأصلِ الذي تفرع منه، وإذا طعنَ في الأصلِ، فقد طعنَ فيما يقولُ به. فإن قال له المعتزليُ: فكذلك فقل: إنه يُكلفُ ما يُعجَزُ عنه، قياساً على هذا الأصل. فيقولُ: التوفيقُ ثوابٌ، ولا بأسَ بتركِ ثوابِ من لم يعلمْ، فأمَّا تكليفُ العاجزِ فإنه سَفَهٌ. فيقول له: فاجعل هذا أيضاً فرقاً بين [سلبِ] (١) التوفيقِ وسلب القُدْرةِ، وسلبُ واحدٍ له تكليفٌ من سلب التوفيقِ دونَ سلبِ القُدْرةِ. وليس هذا جوابَ المُجبِرِ، ولكنه مثالٌ يُتكلمُ عليه، فهذا جائزٌ له، لأنه سلَّمَ التشبيهَ غيرَ معترفٍ بما بعده بعد التسليمِ. وللمعتزليِّ أيضاً أن يسألَ عن الدليلِ على أن تكليفَ من ليس بموفَقٍ ولا معصوم كتكليفِ من ليس بقادرولا ممكَنٍ؛ لأنه يضعُ السؤالَ في موضع خلافٍ، ألا ترى أنه ليس كلُّ من يعلَمُ أن الله يُكلفُ مع عدم العصمةِ والتوفيقِ، يعلمُ ويعتقدُ أنه يُكلفُ مع عدمِ القُدْرةِ والطَاقة؛ بل يعلمُ خلافَ ذلك، ويَدرِي أن التوفيقَ تسهيلٌ، والعصمةَ من أكبرِ الألطافِ، وأنها يجوزُ أن يَخُص بها المجتهدين في طاعتِه وخَواص خَلْقِه؛ لكونِها من زوائدِ إزاحةِ العللِ، فأمَّا أصلُ القُدَرِ والاستطاعاتِ والطاقات، فإنها المصحِّحةُ للنُهوضِ بحقائقِ التكليفِ فأين إزاحةُ العللِ بالرواتب اللابُدَيةِ من الزوائدِ اللطفية؟ وما منزلةُ ذلك
следующие страницы →