لما أَبطلْتَ محقِّقاً لما حقَّقْتَ، وليس يجوزُ أن يكونَ فيه الإِبطالُ دون التحقيقِ، ولا التحقيقُ دون الإِبطالِ؛ لأنك لا تُسأَلُ عن إبطالٍ مفرَدٍ ولا عن تحقيقٍ مفرَدٍ، وإنما سُئِلْتَ عن الأمرين جميعاً بسؤالٍ عنهما.
ويُوضحُ الدليلَ على ذلك: أن التَفرقةَ لهما وقَعَتْ، فإذا كان هذا هكذا، فالسؤالُ عنهما. مما يُؤيَّدُ هذا: أن الدليلَ على صحةِ أحدِهما لا يُوجبُ التفرقةَ بينهما، وكذا تصحيحُه؛ لأنهما قد يجتمعان في التصحَيحِ وفي دَلالةِ الدليلِ على صحَّتهما، فلو كان أحدُ القولين مفارقاً صاحبَه في الصحَّةِ بصحِته، لم يَجُزْ أن يجتمعَ القولان في الصحةِ؛ لأن صحةَ أحدِهما تفرُقُ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ، كما أنك حين فَرَقْتَ بينهما ابطَلْتَ أحدَهما وصَحَّحْت الآخر، وكذلك التفرقُة بينهما في تصحيحِ أحدِهما وإبطالِ الآخرِ، كما أنها تصحيحُ أحدِهما وإبطالُ الآخرِ (١).
ولو كان من أجابَ عن أحدِهما دون الآخرِ مفرقاً بين القولين، لكان الذي يُقِر بنُبوَّةَ موسى وُينكرُ نُبوَّةَ هارونَ إذا سُئِلَ عما فَرَقَ بينهما، فأجابَ بما يُثْبتُ نُبوَّةَ موسى فَقَطْ، ولم يذكُرْ (٢) ما أفسدَ عنده نُبوَّةَ هارونَ، قد أدَّى مَا أوجبَه عليه السؤالُ، وفرقَ بينهما تفرقةً أبطلَتْ نُبوَّةَ هارونَ وصَححَتْ نُبوَّة موسى، فكما أوجبَ أنه قد يُحقَقُ نُبوَّةَ موسى من لا يَقدِرُ على إبطالِ نبوةِ هارونَ مع تحقيقِه لنبوةِ موسى؛ إذ كان كُلما أثبتَ أحدَهما ثبتَ الآخرُ، عُلِمَ أن التفرقةَ بين الأمريْنِ
стр. 422
اللَّذَيْنِ افترقا بصحةِ أحدِهما وفسادِ الأخرِ ليست دَلالةً على صحةِ الصحيحِ منهما دون فسادِ الفاسدِ، ولا على فسادِ الفاسدِ دون صحةِ الصحيحِ.
ومما يؤكِّدُ هذا أنه قد دَل على صِحَّةِ أحدِ الأمرَيْنِ من لا يعلمُ سامعو دَلالتِه عليهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيرِه حتى يسمعوا منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه مفرِّقٌ بينه وبين غيره بإبطالِه (١) كما لا يعلمُ إذا سَمعَ منه الإِقرارَ بأحدِهما أنه يُفرِّقُ بينه وبين الآخرِ دون أن يُنكرَه، فلو كانت الدَّلالةُ على أحدِهما هي التفرقةَ بينه وبين الآخرِ في الصحةِ والفسادِ؛ لكان السامعون لها عارفين بمعرفةِ صاحبِها بينه وبين صاحبه، ولكان المعتقدُ لصحة أحدِهما قد فَرَّقَ أيضاً بينهما في عَقدهِ بالتصحيحِ والإِبطالِ والنَّفي والِإثباتِ، فلما كان المعتقِدُ لصحةِ أحدِهما لم يُفرِّقْ بينهما في عَقْدِه باعتقادِه صحةَ أحدِهما؛ لأنه قد يجوزُ لك التفرقةُ بين الشيئينِ بما يمكنُ خصمَك أن يجعلَه مستوياً بينهما، وإن تعاطى ذلك ووقَف (٢) في الدعوى موقفَك، استويا ولم يَبِن منه شيء يجعلُك أوْلى بنُصرتِه منه بنُصرةِ مذهبِه.
ونظيرُ هذا: أن الشِّيعيَّ إذا قال للعُثْمانِيِّ: دليلي على أن عليَّاً أفضلُ من عثمانَ: كونُ السماءِ فوقي والأرضِ تحتي. جازَ للعثمانيِّ أن يقولَ: فهذابعينه هو دليلي على أن عثمانَ أفضلُ من عليٍّ، وما الذي جعلَك بأوْلى أن تَستدِلَّ على فضلِ عليَ على عثمانَ مني بالاستدلالِ به على فضلِ عثمانَ على عليٍّ؟ والسلام.
стр. 423
فصل
اعلم أن للخصمِ أن يُعارِضَ خصمَه بما لا يقول به في بعض المواضعِ، وليس ذلك له في كلِّها، ولا بد من حدٍّ يَفصِل بين الموضعين، وسنقولُ فيه قولاً شافياً إن شاءَ الله.
إذا قابلَتِ المعارضةُ بما لا يقولُ به المتنازعان سَقَطَتْ؛ لأن صاحبَها معارِضٌ لنفسِه قاصدٌ بها إلى فسادِ مذهبه، وما كان هكذا فليس له أنه يعارضَ به، ولكن لغيرِهما أن يُعارِضَهَما به؛ إذ كان غيرُ تصحيحِ تلك المعارضةِ مذهبَه؛ لأنه إنما يكون لِذي المذهبِ من السؤالِ ما صَحَّحَ مذهبَه وأبطلَ مذهبَ خصمِه، وأما ما يبطل به مذهبه فلا، ولكنَه عليه، وذلك أن تأويلَ هذه المسألةِ الفُلانيةِ أن الفُلانيَّةَ تصحيح مذهبهما (١) به، وإن كانت مصححةً على الحقيقةِ فهي لهم على الحقيقةِ، وإضافتها إليهم على معنى أنهم سَبَقوا إليها، وأنهم يحاولون بها التصحيحَ لمذهبهم، وإن كان ذلك لا يَتِمُّ لهم.
وغَرَضُ السؤالِ تصحيح المذهب وإبطالُ ضِدَهِ، فإذا كان بخلافِ هذه الصِّفةِ فهو ساقطٌ، فإذا قابلَتَ قولًا لا يقول به المعارِض فهي صحيحةٌ؛ لأن صاحبَها أفسدَ باطلًا عنده بإظهارِ مساواتِه لباطلٍ آخرَ هو أيضاً باطلٌ عنده، فهذا على ضَرْبَيْنِ:
مثال الأولِ: قول السُّنَيِّ للمعتزِليَ: إذا زَعَمْتَ أن تكليفِ ما لا يطاقُ فاسدٌ لِمَا صَحَّ من عدلِ الله ورحمتِه، فهلاَّ زَعَمْتَ أن تعريضَ اللهِ سبحانه لمن المعلوم عندَه أنه يَعطَب بالتكليفِ للتكليفِ، وتعريضَ
стр. 424
من يَهلِكُ بالمحنةِ للمحنةِ، والتماسَ ما علمَ أنه لا يكونُ ممَنْ علمَ منه أنه لا يستجيبُ للتكليفِ فاسدٌ أيضاً للعلَّةِ التي ذكرتَها، وهو ما صح من حكمةِ الله ورحمتِه وعدْلِه وحُسْنِ نَظَرِه لخلْقِه؛ لأنهما قد استويا واتفقا على الأصلِ الذي قابلَتْه المعارضةُ، فإن كانت لازمةً للقائلِ به، فإن قولَ السائلِ فيه كقول المجيب.
ومما يَدلُّ على هذا: أن ملحداً لو سأل عن هذه المسألةِ، وهو من لا يقولُ بواحدٍ من المذهبَيْنِ -لا بمذهب العَدليِّ ولا الجَبْريَ-، لم يكنْ أحدُهما أوْلى بالجواب عنها من الآخرِ.
ومثالُ الثاني: بمنزلةِ معتزلي قال لمُجْبِرٍ: إذا زعَمْتَ أن الله يخلُقُ الفعلَ وُيعذِّبُ عليه، فلِمَ لم تَقُلْ: إنه يَضْطَر إلى الفعلِ وُيعذِّبُ عليه؟ لأنه لا يقولُ بالشيءِ الذي جعلَه ملزماً للمعارضةِ، فهما متَّفِقان على نفيِ العقاب على ما حصلَ بالاضطرارِ، كما حصلَ الاتفاقُ في المثال الأولِ عَلى جوازِ التكليفِ ممن في المعلوم أنه يَعطَبُ بالتكليفِ وعَقِيبَ التكليفِ، ومتى بنى المجيبُ جوابَه عَلى أمرٍ يوافقُه عليه السائلُ، لم يَكُنْ للسائلِ الطعنُ فيه إلا بما بَيَّنَ به مفارقتَه؛ لأنه إن سلَّم مشاكلتَه إئاه ثم طعنَ فيه، كان طاعناً في قولِه بطَعْنِه فيما هو عنده نظيرُه.
ومتى ما جعلْنا له من الطعْنِ بما يأتي في صورةِ الأولى، فمعناه (١) خلافُ معناه، وذلك كقولِ المُجبِر للمعتزلي: هلّاَ قلتَ: إن الله يُكلِّفُ العبدَ ما لم يُقدِرْه عليه، كما قلنا جميعاً: إنه يُكلِّفُ العبدَ ما
стр. 425
لم يُوفَقْه لفعلِه ولا عَصَمَه من تركِه. فإن اعترفَ المعتزليُّ بهذا التشبيه، ثم طعنَ في الجوابِ، فقد طعنَ في الأصلِ الذي تفرع منه، وإذا طعنَ في الأصلِ، فقد طعنَ فيما يقولُ به.
فإن قال له المعتزليُ: فكذلك فقل: إنه يُكلفُ ما يُعجَزُ عنه، قياساً على هذا الأصل.
فيقولُ: التوفيقُ ثوابٌ، ولا بأسَ بتركِ ثوابِ من لم يعلمْ، فأمَّا تكليفُ العاجزِ فإنه سَفَهٌ.
فيقول له: فاجعل هذا أيضاً فرقاً بين [سلبِ] (١) التوفيقِ وسلب القُدْرةِ، وسلبُ واحدٍ له تكليفٌ من سلب التوفيقِ دونَ سلبِ القُدْرةِ.
وليس هذا جوابَ المُجبِرِ، ولكنه مثالٌ يُتكلمُ عليه، فهذا جائزٌ له، لأنه سلَّمَ التشبيهَ غيرَ معترفٍ بما بعده بعد التسليمِ.
وللمعتزليِّ أيضاً أن يسألَ عن الدليلِ على أن تكليفَ من ليس بموفَقٍ ولا معصوم كتكليفِ من ليس بقادرولا ممكَنٍ؛ لأنه يضعُ السؤالَ في موضع خلافٍ، ألا ترى أنه ليس كلُّ من يعلَمُ أن الله يُكلفُ مع عدم العصمةِ والتوفيقِ، يعلمُ ويعتقدُ أنه يُكلفُ مع عدمِ القُدْرةِ والطَاقة؛ بل يعلمُ خلافَ ذلك، ويَدرِي أن التوفيقَ تسهيلٌ، والعصمةَ من أكبرِ الألطافِ، وأنها يجوزُ أن يَخُص بها المجتهدين في طاعتِه وخَواص خَلْقِه؛ لكونِها من زوائدِ إزاحةِ العللِ، فأمَّا أصلُ القُدَرِ والاستطاعاتِ والطاقات، فإنها المصحِّحةُ للنُهوضِ بحقائقِ التكليفِ فأين إزاحةُ العللِ بالرواتب اللابُدَيةِ من الزوائدِ اللطفية؟ وما منزلةُ ذلك
стр. 426
من الفقهِ إلا بمثابةِ من قال: لَمَّا لم يَجِبْ للزوجةِ الطِّيبُ وأُجْرَةُ الطبيبِ، لا يجبُ لها الخبزُ والإِدامُ وما هو القِوامُ (١)، ولَمَّا لم يُفسَخ النكاحُ بزوائدِ المُؤنِ -وهي الطيبُ والحَلْواءُ والإِدامُ-، لا يُفسَخُ بالِإعسارِ بالقوتِ الذي هو القِوام.
فصل آخر
من المعارضة
فمن ذلك قولُ المجيب (٢): لو جازَ كذا لجازَ كذا، فإنه بمنزلةِ قولِ السائلِ: إذا كان كذا، فلِمَ لا يجوزُ كذا؟ لأنهما جميعاً قد عَلقا صحةَ أحدِ الأمرين وفسادَه بصحةِ الآخرِ وفسادِه، إلا أن السائلَ لا يجبُ عليه أن يأتيَ بالعلَّةِ الموافقةِ بينهما؛ لأن هذا من فَرْض المجيبِ، فلو لَزِمَه لكان مجيباً.
ووجهٌ آخرُ: وهو أنه نقيضٌ وليس بمقتضٍ، وإذا لم يكن مقتضياً، لم يكن عليه إقامةُ الحجَّةِ لأحدٍ، وإنما هو إنسانٌ وقعَ في نفسِه، فامتحنَه بالمسألةِ عنه، أو ظَنَّ ظَنا وقعَ عليه، فلَزِمَ المجيبَ أن يُبَينَ له، ولو كان للمجيب أن يقولَ له: ومن أين اشْتَبَها؟ لكان له أن يصيرَ سائلاً وهو مسؤولٌ، وكان على السائلِ أن يصيرَ مجيباً وهو سائلٌ، وكان له أيضاً أن يقولَ: ولِمَ تُنكِرُ أنت اشتباهَهما؟ فهذا هو التَّمانُعُ (٣)،
стр. 427
وفيه فسادُ السؤالِ والجوابِ، والمجيب مُدَّعٍ لاشتباهِهما، وموقعُه موقعُ المطالَبِ.
وللسائلِ أن يقولَ له: ولِمَ زَعَمْتَ أن في جوازِ كذا جوازَ كذا، وأنا مخالفٌ لك في ذلك؛ وهل هذا إلا تَحكُمٌ منك عَلَيَّ مجردٌ من البرهانِ؟
فإن قال المجيبُ: لأنه لا فرقَ بينهما. كان للسائلِ أن يقولَ: دعواك لعدمِ الفرق كدعواك للجمعِ، وخلافي لك في هذه الدعوى الثانيةِ كخلافي لك في الدعوى الاولى؛ لأنها نفى لفرق هو عندي ثابتٌ، وسواءٌ على نفيتَ ما اخالفُك في نفيه، أو أثبَتَ ما أُخالفُك في إثباتِه، والأمرُ واحدٌ، ولي في ذلك مطالبتُكَ بالبَينَةِ على ما تَدَعِيه منه، فما الدليلُ على صحةِ نفيِك لهذا القولِ إن كنت مخالفاً لك فيها؟
فإن قال: لست أَجدُ بينهما فصلًا.
فللسائلِ أن يقولَ له: ليس كلُّ ما لم تَجِدْه يكونُ باطلًا، ولو كان هذا هكذا كانت علامةً لصحةِ وجودِك إيَّاها، فكانت على حقيقةٍ داخلةٍ في علَّتِك، فما يُدرِيك لعل غيرَك قد وجَدَه، ولعله صحيحٌ وإن لم تَجِدْه، وبعد: فهل تَدَّعي فسادَه مع قولِك: إني لم أجِدْه؟ فإن قلت: نعم، فما دليلُك على صحةِ ادَعائِك لذلك؟
فإن قال: لو جازَ أن يكونَ بينهما فصلٌ قد غاب عني، جاز أن يكونَ بين الحركةِ والسكونِ فصلٌ في أنهما عَرَضان إلا أنهما قد غابا عني، فقد جَوَّزَ مثلَ تلك الدعوى بعينِها.
стр. 428
وللسائلِ أن يقولَ: وما الدليلُ على أنه إذا جازَ أحدُ هذين جازَ الاَخرُ؟ فله أن يقولَ له: يجوزُ أن يكونَ في الدنيا حقيقةٌ لم تَعْلَمْها؟ فإن قال: نعم، قال له: فهل تدري، لعلَّ تلك الحقيقةَ فصلٌ بين الحركةِ والسُّكونِ في أنهما عَرَضان، أو فصلٌ بين الاوَّلين.
وقد يُجترأ في هذا الباب بمسألةٍ واحدةٍ، وهي: أن يقالَ للمجيب إذا قال: لو جاز كذا، فلِمَ لا يجوزُ كذا للأمر الثاني؟ فإذا قال، لكيْتَ، وكَيْتَ، قيل له: فأرِنا (١) هذا بعينِه في الاوَّلِ حتى نعلمَ أن تمثيلَك واقعٌ وإِلا فقد وَضَحَ أنك مثبتٌ بين شيئين متفرِّقَيْن في العلَّةِ، فأفسدت أحدَهما، أو صححْتَه بعلةٍ لغيرِه دونَه.
وكلُّ من رجعَ في استدلالِه إلى أنه لا يَجِدُ فصلاً، ولا يَجِدُ دليلاً، فالكلامُ الماضي داخلٌ عليه، وكلُّ من حكمَ في مواضعَ بالجمعِ وبالتفرقةِ، فالمطالبةُ بالبرهانِ واجبةٌ عليه، فاعرف هذا الموضعَ لكل ما وصَفْتُ لك في كلُّ بابٍ من نظائرِها.
فصل آخرُ
من المعارضةِ
اعلم أن المعارضةَ على ضربين: معارضةِ الدعوى بالدعوى.
والآخرِ: معارضةِ العلَّةِ بالعلَّةِ.
مثالُ الأولِ: قولُ الواحدِ من أصحابِنا المثبتِينَ لخلق اللهِ أفعالَ
стр. 429
الخلقِ للواحدِ من المعتزلةِ النَافينَ لخلقِ الفعلِ: إذا زعَمْتَ أن فعلَ الخلقِ غيرُ مخلوقٍ، فما الفرقُ بينك وبين من زعمَ أنه مخلوقٌ؟ فهذه المعارضةُ مقابلةُ دعوىً بدعوىً، وليس مقابلةَ علَّةٍ بعلةٍ، وَيحسنُ أن يكونَ جوابُه هذا القولَ، وهو: إنها مقابلةُ دعوىً بدعوىً، والدعْوَيانِ نفرُقُ بينهما بما دَل على صحَّةِ إحداهما (١) وفسادِ الأخرى، وكذلك الفرق بين المدَعِيَيْنِ؛ لأنه إنما فرَقَ بينهما بما فَرَقَ بين دعواهما، فَمُطالبتُكَ بما الفرقُ بيننا وبينك من هذا الوجه، مطالبةٌ بدليلِ دعوانا الذي صححَها وأبطل دعواك، فكان تقدير كلامِك: دُلني على أن عملَ الخلقِ غيرُ مخلوقٍ، والدليل على ذلك كَيْتَ وكَيْتَ.
وأما معارضةُ العلَّةِ بالعلَّةِ: فكقولِ أهلِ التوحيدِ للجسمى: إذا زعَمْتَ أن اللهَ جسمٌ؛ لأنك لم تَعقِلْ فاعلًا إلا جسماً، فهلَّا زعمتَ أنه مؤلَف؛ لأنك لم تعقِلْ فاعلًا ولا جسماً إلا مؤلفاً؛ لأنهم وضعوا علَتَه الأولى فيما عارضوه به، وهي المعقولُ، وهذا أصحُ ما يكونُ من المعارضةِ.
ومن الأول (٢): قولُ السائلِ للمجيب: لِمَ لم تَقُلْ كذا، كما قلتَ كذا؛ وربما قال عاطفاً على شيءٍ دخل في دَرْجِ كلامِه: وكذا أيضاً فقل كذا، وهذا لا يكون إلا من جاهلٍ بالمعارضةِ، أو من منقطِعِ يَتعلَّلُ؛ لأن الكافَ في كما وكذا كافُ تمثيل، فأمَّا معنى قوله: مَثلَ كذا بكذا، فالتمثيلُ إنما يقعُ في النَّفسِ والصورةِ أو في العلَّةِ.
стр. 430
وتمامُ هذه المعارضة التي (١) قد تجوزُ: أن يقولَ: لأن علَّةَ كذا كَيْتَ وكَيْتَ، وهو بعينِه موجود في الآخرِ، كما قال أهلُ التوحيدِ للجسميةِ: هلاَّ قلتم: إن اللهَ مؤلًف؛ لأنكم لا تعقِلُون جسماً إلا مؤلَّفاً، كما قلتم: إنه جسم؛ لأنكم لم تَعقِلوا فاعلاً إلا (٢) جسماً. وهذا مما لا يقعُ بعده فصل، فكلُّ من حاولَ بعده فصلًا ناقَضَ؛ لأنَّا إنما نأتي بقَدْرِ منعِه من الحكمِ بالمعقولِ، وجُوزَ له الخروجُ منه، فإذا جازَ له الخروجُ منه لعلَّةٍ من العللِ، لم يكنِ القطعُ به في هذا الموضعِ واجباً لا مَحالةَ؛ لبطلان ما هو [فيه] (٣) وفسادِه في موضعٍ آخرَ، ولا ينبغي إذا كان مما هو فيه أن يَبطُلَ أحياناً، أن يكونَ هذا بموجبٍ لكونِ اللهِ سبحانه جسماً.
وإذا كان هذا صحيحاً، فإنما يجبُ لشيءٍ آخرَ لا يسقطُ أبداً، ويكونُ موجباً به في كلِّ حالٍ، ألا ترى أن من جازَ عليه الكَذِبُ لا يُقطَعُ على شيءٍ يُخبِرُ به؛ لأن خبرَه ليس مما يُصدَّقُ أبداً فيكونَ علَّةً للتصديقِ، فإن صُدِّقَ فإنما يُصدَقُ بدليلٍ على صدقِه في الموضعِ الذي صُدِّقَ فيه، ولا يجوزُ لذلك الدليلِ أن يسقطَ في حالٍ من الحالاتِ؛ لأنه لو سقطَ لاحتاجَ في الموضعِ الذي اقتدى به فيه اقتداءً إلى ما يدل على أن موضعَه ذلك ليس من المواضعِ التي يسقطُ فيها، وإلا فلك أن تقولَ: ليس كلُّ ما كان معه هذا الدليلُ يجبُ له كذا، فما يُدرى لعلَّ صوضعَه هذا من تلك المواضعِ.
стр. 431
ورجعَ الكلامُ إلى الجوابِ عن المعارضات المنثورةِ.
قلنا: فعلى المجيب إذا عُورِضَ بمثلِ ما وصَفْنا أن يقولَ لمعارضِه الذي قال له: لمَ قلت؟: وما أَشرْتَ أو أَمرْتَ بالتمثيلِ بينه وبين ما عارضْتَ به ذَيْتَ وذَيْتَ (١)، والذي عارضْتَ به كان من هذه العلَّةِ، فلو كان القولُ به واجباً لم يكنْ ليجبَ من حيث وجبَ، فإن أنت كشفْتَ التمثيلَ بينه وبينه لنعرفَه من علَتِه، ولأن القولين إنما يتشاكلان في النَّفسِ والصُورةِ والعلَّةِ، وليست (٢) صورةُ هذين ولا عللُهما وأنفسُهما متشاكلةً، فهذا هو الذي يمنعني من القولِ به كما قلتَ، فالذي مَثلْتَ بينه وبينه: فإن كنتَ تراه واجباً لمشاكلتِه لشيءٍ مما أجَبْتَناهُ عن هذا، فأرِنا مشاكلتَه إياه حتى نُلحِقَه به، فلسنا نأبى إلحاقَ الشيءِ بمثلِه، وإن كنتَ ترى ترْكَنا له ورَغْبَتَنا عنه باطلًا لقيامِ بعضِ الدَلالةِ على صحَّتِه، ووجوبِ القولِ به، أن تنالَ خلافَ ذلك بإقامةِ الدليلِ على فسادِه وعلى صحةِ رَغْبَتِنا عنه، إلا أن تنشَطَ لتَرْكِ سؤالِك والأخذِ في الجوابِ، فنسألَك عما ادَعَيْتَ له.
واعلم أنه ليس كلُّ حقيقتَيْنِ تتفقان في العلَّةِ، فيجبُ قياسُ إحداهما على الأخرى (٣)، فلو قال لك قائلٌ: إذا زعمْتَ أن موسى رسولُ اللهِ، فهلَّا زعمْتَ أن الحركةَ جسم؟ أو: فلِمَ لم تَقُلْ: إن الحركةَ لا تُرى كما قلتَ: إن محمداً رسولُ اللهِ ﷺ ، كان واضعاً
стр. 432
للتمثيلِ في غيرِ موضعِه، وساغتِ التفرقةُ بين ما جَمَعَ في العلَّةِ؛ لأن علةَ كونِ موسى رسولَ الله ومحمدٍ رسولَ اللهِ لا تجامعُ علةَ كونِ الحركةِ جسماً أو غيرَ جسمٍ، ترى أو لا تُرى.
ولكن لو قال: الدليل لا يُكذب، والأخبار المُضْطَرة لا تُكذَبُ، فإذا زعمتَ أن موسى رسول الله للخبرِ الذي يُصدَّق ولا يُكذَبُ فهلَّا زعمتَ أن الحركةَ غيرُ الجسمِ للدليلِ الذي يُصدقُ ولا يكذبُ؟ وما الفرقُ في حصولِ الثقةِ بين خبرٍ لا يُكَذبُ ودليل لا يكُذبُ؟ ولِمَ قَبلْتَ من بعضِ من أمنْتَ عليه الكذبَ دون بعض؟ فهذا بعينِه موجود فيَما ردَّدْتَه، فكان هذا سؤالًا صحيحاً وتمثيلاً بين القولين في العلَّةِ القصوى، ولكنِ القصدُ به إلى ما أرادَه السائلُ قصدٌ من موضع بعيدٍ وُجِدَ منه مثل هذا السؤالَ.
فهذه جملة شافية جداً، وليس يَقطع بها إلا حاذق بالمقابلةِ والترتيبِ، وعارف بمواضعِ الاتفاقِ والاختلافِ.
стр. 433
فصولٌ في المعارضةِ
بصياغةٍ (١) أخرى، ولغةٍ كاشفةٍ للمعنى يتأكدُ بها بيانُ الأغراضِ بها
فصل
في جوامعِ العلمِ بالمعارضةِ
اعلم أن المعارضةَ هي: الجمعُ بين الشيئين للتسويةِ بينهما في الحكمَ (٢).
مثاله بالأصولِ: جَمْعُ ما بين إرادةِ القبيحِ والأمرِ به على ما يُقرِّره أهلُ الاعتزالِ، وبين إرادةِ أفعالِ الخلقِ والتمكُنِ منها مع العلمِ بوقوعِها عن تمكينِ الممكنِ منها على ما كان من قبيحِها وحَسَنِها، في أنه إن جازَ أحدُهما جازَ الآخرُ؛ إذ قد سَوَّى العَقْلُ بينهما في ذلك، وكل شيئين سَوى العقلُ بينهما في حكمٍ، فهما يستويان فيه، كما أن كلَّ شيئين سَوى الرسولُ ﵇ بينهما في حكم، فهما مستويان فيه، إلا أن من ذلك ما يَظهَرُ باولِ وهْلَة، ومنه ما يظهرُ بأدنى فكرةٍ، ومنه مايظهرُ بوسيطةٍ، ومنه مالايظهرُحتى تحَلَّ الشُبهة، وهوكيف تَصَرفَتْ به الحالُ في ذلك سَوَّى العقلُ بين الأمرَيْنِ، وإن كانت
стр. 434
التسويةُ لا تظهر إلا على الأوصافِ التي ذَكرْنا.
فصل
والمعارضة على ضربَيْنِ: أحدهما: ما كان على التسويةِ العامَّةِ، والآخرِ: ما كان على التسويةِ الخاصَّةِ.
فالتسوية العامَة: على أنه إن صحَ الأوَّلُ صحَّ الثاني، وإن فسدَ الأولُ فسدَ الثاني، وكذلك إن صَحَّ الثاني صَحَّ الأول، وإن فسدَ الثاني فسدَ الأول؛ وذلك أنه إن جازَ للحكيمِ تعذيب الطِّفلِ بغيرِ جرْمٍ منه، جازَ له تعذيبُ البالغِ بغيرِ جرْمٍ، وإن لم يَجزْ منه تعذيبُ الطفلِ بغيرِ جرْمٍ، لم يَجزْ تعذيب البالغِ، وكذلك إن جازَ تعذيبُ البالغِ بغيرِ جرْمٍ، جازَ تعذيبُ الطفلِ بغير جرْمٍ، وإن لم يَجزْ تعذيب البالغِ بغير جرْمٍ، لم يَجزْ تعذيب الطفلِ، فقد سَوَّى العقل بينهما على الوجهَيْن جميعاً.
فصل
وأما التَّسوية الخاصَّةُ (١)، فهي: على أنه إن صحَّ الأولى صحَّ الثاني، وإن فسدَ الثاني فسدَ الأوَّل، ولا يجب إن فسدَ الأولى فسدَ الثاني، ولا إن صحَّ الثاني صحَّ الأولى، وذلك لأنه إن كان العالَمُ قد خلا من الحوادثِ، فهو قديمٌ، وإن لم يَكنْ قد خلا من الحوادثِ، لم يكن قديماً، فهذه المعارضة صحيحةٌ باضطرارٍ، فليس يجبُ بالضَرورةِ أنه إن لم يَكنْ قديماً، لم يكنْ قد خلا من الحوادثِ، ولا
стр. 435
يجبُ من أنه قد خلا من الحوادثِ أنه قديمٌ بالضرورةِ، كما وجبَ في الأولَ.
فصل
وكل معارضةٍ فلا بُدَّ فيها من تسويةٍ، إلا أن التسويةَ قد تَظهرُ باقتضاءِ العقلِ، وذلك مثلُ أن تقولَ: إن جازَ أن يكونَ القارُ أسودَ لا بسوادٍ، جاز أن يكونَ الآبِنُوسُ (١) أو السَّبَجُ (٢) أسودَ (٣) لا بسواد.
ومثلُ قولِك: إن جازَ في بابٍ أن يكونَ باباً بعد أن لم يكن باباً من غيرِ صانعٍ جعلَه باباً، جازَ في دولابِ أن يكونَ دولاباً من غيرِ صانع، أو باباً آخرَ من غيرِ صانعٍ جعلَه بَاباً.
فأمَّا ما يظهرُ من التسويةِ فيه من طريقِ اقتضاءِ العقلِ لا بضرورةِ العقلِ، لكن يظهرُ باقتضائِه عند الفِكْر، مثلُ أن تقولَ: إن جازَ أن يكونَ تَرْكُ الإِيمانِ ليس بقبيحٍ، جاز أن يكونَ الكفرُ ليس بقبيحٍ، وهذا إذا تُؤمل ظهرَ، وكل ذلك قد سَوَّى العقلُ فيه بين الشيئين من جهةِ أنه إن صحَّ أحدُهما صحَّ الاَخرُ، وإن لم يصح الآخرُ لم يصح الأولُ، فتأمل التسويةَ، وصَحَّحِ المقابلةَ، يظهرْ لك عِلْمُ ما تطلبُ علمَه، وما تحتاجُ إليه من ذلك.
стр. 436
فصل
والمعارضةُ فلا تخلو أن تكونَ مطلقةً أو مقيَّدةً.
فالمطلقةُ منها: هي التي يُسَوِّي (١) العقلُ فيها بين الشيئين من غيرِ شَرْطٍ يوجبُ استواءَ الحكمِ فيها (٢)؛ لأن العقلَ يقتضي استواءَهما وُيويس من فرقٍ [بينهما] (٣).
فأمَّا المقيَّدةُ منها: فهي التي يُسوِّي العقلُ فيها بين الشيئينِ إن استوت عِلَلُهما أو دَلائلُهما؛ لأن العقلَ يقتضي استواءَهما وَيطمَعُ في فرقٍ بينهما.
مثالُ الاوَّلِ: بَيْنَ أن الأجسامَ قديمةٌ، وبَيْنَ أنها قد خَلَتْ من الحوإدثِ، وذلك أنها إن كانت قديمةً، فقد خَلَتْ من الحوادثِ لا مَحالةَ، فالعقلُ يَقضي بأنه إن صحَّ الأولُ صحَّ الثاني، وُيجمَعُ بينهما في ذلك ولا يُفرَّقُ، وكذلك إن لم تَكُنْ قد خَلَتْ من الحوادثِ فليست قديمةً، فيُجمَعُ أيضاً بين صحةِ هذين ولا يُفرق، وهو أنه إن صحَّ أنها لم تَخْلُ من الحوادثِ، صحَّ أنها ليست بقديمةٍ، فإذا قامتِ الدَّلالةُ بأنها لم تخلُ من الحوادثِ، صحَّ أنها ليست بقديمةٍ، ثم لا تُبالي وُجِدَت تلك الدلالةُ بعينها في السؤالِ الآخرِ أو لم تُوجَدْ؛ لأن العاقلَ قد قضى قضيَّةً مطلقةً: أنه إن صحَّ أحدُهما صحَّ الآخَرُ.
стр. 437
وكذلك يُسوي العقل بين الصُّوفِ والشَعَرِ؛ أنه إن كان في أحدِهما حياةٌ ففي الآخرِ حياةٌ. فهذا أيضاً جمعٌ قد قضى به العقلُ، ثم يُعتَبَر الشَعَرُ (١) بأنه لو كان فيه حياةٌ لآلَمَ من جهتِه الحيوانَ إذا قُطِعَ، فيظهرُ من عدم الألمِ والحِسِّ في الجملةِ أنه لا حياةَ فيه، وقد كان قضى العقلُ بالَتسويةِ بين الصوفِ وبين الشَّعَرِ، فإذا ظَهَرَ أنه لا حياةَ في الشَّعَرِ، ظهرَ أنه لا حياةَ فيِ الصوفِ، وإن كانت الدَّلالةُ التي في أحدِهما ليست موجودةً في الآخرِ.
فأمَّا التَّسويةُ المقيَّدة: فكما قضى العقلُ إن كان في الغائب عالِمٌ لا يَعلم، ففي الشاهدِ عالِمٌ لا يعلم، فهذا مقيَّدٌ بأنه إن استوت العلل والدلائلُ، فإذا اعتبِرَ فوُجِدَتْ دلائله مختلفةً، فإن الذي أوجبَ للعالِمِ في الشاهدِ عِلْماً كان به عالِماً -عند المعتزلةِ- هو كونه عَلِمَ مع جوازِ أن لا يَعلَمَ، أو يقول: هو تَغيُّره، والعالِم في الغائبِ لا يَتغيَّرُ، بطلت التسويةُ في ذلك، فهذا الاقتضاء عندهم وعلى زعمِهم على شبْهَةِ أن العقلَ قد أخرجَ فرقاً.
وعلى قولِ أهلِ السُّنَةِ: أن العللَ هاهنا متساويةٌ؛ لأن ما كان به العالِم عالِماً إنما هو العِلم وذلك يَعُمُّ الشاهدَ والغائبَ، فإن حصل فَرْقٌ، فإنما هو من حيثُ إن العلَّةَ في الغائب واجبةً، وكون العالِمِ عالِماً واجبٌ، وهذا يشيرُ إلى أصلٍ كبيرٍ، وأن اَلواجبَ ئعلَّل عند أهلِ السُّنَّةِ، وعندهم لا ئعلَّلُ واجبٌ، لاستغنائِه بوجوبِه عن معنىً.
ثم قالوا: عالِمٌ لذاتِه، وليست ذاته عِلماً، فوقعوا فيما هو أكثرُ من
стр. 438
إثباتِ ذاتِ العلمِ؛ وهو كونُ ذاتٍ ليست علماً تُوجِبُ كونَ العالِم عالماً، وهذا إثباتُ كونِ العالِمِ عالِماً بذاتٍ ليست عِلماً، أو نقولُ: بمعنىً ليس بعلمٍ، وأثبتوا الذاتَ الواحدةَ موجِبةً كونَ العالِم عالِماً، والقادرِ قادراً، والحيِّ حياً.
وأما تسويةُ العقلِ بين وجودِ الحياة والموتِ في الحَجَرِ، وبين وجودِ الجَمادِيَّةِ والعِلم فيه فثابتٌ (١) صحيحٌ على حُجةٍ؛ لأن العقلَ لا يُفرقُ بين ذلك لا في أولِ وَهْلَةٍ ولا بعدَ فِكْرةٍ، ومَنْ زعمَ أن الفرقَ بينهما: أن الحياةَ تُضاد الموتَ، وأن الجماديةَ لا تُضاد العِلمَ، فأجاز أحدَهما ولم يُجزِ الاَخرَ، فقد أخطا خطأً فاحشاً؛ لأنه إذا لم يَجُزْ أحدُهما لتَّضادِّ، لم يَجُزِ الاَخرُ للتناقضِ؛ لأن العقلَ يُسوَّي بين التناقضِ والتَضاد في أنه لا يَصح اجتماعُ الوصفين بهما، كما أن العقلَ يُسوَّي بين تَضاد السوادِ والبياضِ على المَحَل الواحدِ، وبين تَضاد الحياةِ والموتِ على الِإنسانِ الواحد، يُسوَّي بين التناقضِ في الجوهرِ إذا وُصِفَ بأنه موجودٌ معدومٌ، وبين التناقضِ فيه إذا وُصِفَ أنه متحركٌ ساكنٌ، وإن كانت إحدى الصَفتين لعلةٍ غيرِ الذَاتِ، وهي التحركُ والسكونُ، والأخرى ليست كذلك، وهي الوصفُ بأنه معدومٌ، فإنه أمرٌ يعودُ إلى ذاتِه، وموجودٌ أمرٌ يعودُ إلى ذاتِه أيضاً، لا وصفٌ يزيدُ على الذَّاتِ.
فصل
وكل معارضةٍ فلا بُد فيها من تسويةٍ بين شيئَيْنِ: أولٍ وثانٍ؛ لأن
стр. 439
التسويةَ في ذلك على ضَرْبَيْنِ:
أحدِهما أن تكونَ شهادةُ الأولِ شهادةَ الثاني، وذلك أن استحقاق الذَّمَ يشهدُ بالحاجةِ ممنْ فعلَ واستحَقً الذَّمَّ عليه، كما يشهدُ فعلُ الظلمِ بالحاجةِ، فلا يَظلِمُ إلا محتاجٌ إلى الظلمِ.
فأمَّا الضَّرْبُ الثاني: فهو أن يشهدَ الأولُ بأنه إن صحَّ صحَّ الثاني، وبأنه (١) إن بَطَلَ [لثاني] (٢) بطلَ الأولُ، وذلك إن صحَّ أن زيداً كافرٌ، استَحقَّ الذَّمَّ أو فهو مستحِقٌّ للذمِّ، وإن بطَلَ أنه مستحِقٌّ للذَّمِّ، بطَلَ أنه كافرٌ، فشهادةُ الأولِ بصحتِه، وشهادةُ الثاني ببطلانِه، والشهادتان جميعاً صحيحتان، فمن جحدَ إحداهما (٣)، لَزِمَه بالمعارضةِ جَحْدُ الأخرى؛ إذ كانت نظيرتَها في اقتضاءِ العقلِ لها.
ومن المثالِ للبابِ الأولِ: أن النًشْأَةَ الأولى إن كانت من فعلِ الطبيعةِ، فهي تشهدُ بأنه يجوزُ أن تكونَ النَّشأَةُ الثانيةُ من فعلِ الطبيعةِ، فهي تشهدُ بأن النَّشأَةَ الأولى يجوزُ أن تكونَ من فعلِ الطبيعةِ، وكذلك النشأةُ الثانيةُ إن كانت من فعلِ الطبيعةِ، وإذا بَطَلَ أن تكونَ النَشأةُ الأولى من فعلِ الطبيعةِ، بل مِنْ فعلِ مختارٍ، بَطَلَ أن تكونَ الثانيةُ من فعلِ الطبيعةِ، بل فعل ذلك المختار.
وهذا من أوضحْ المعارضاتِ؛ إذِ العقلُ سَوَّى بينهما في ذلك، وقضى أنه إن صحَّ أن يكونَ تدبيرُ العالَمِ يرجعُ إلى الطبيعةِ في
стр. 440
الابتداءِ، صحَّ في الانتهاءِ، لا فَرْقَ في ذلك.
ولَمَا شهدَ إتقانُ الأمورِ وإحكامُ الصَّنْعَةِ بحكيمٍ في النَشأةِ الأولى مختارٍ للتًقديمِ والتَّأخيرِ، شهدَ في النَّشأةِ الثانيةِ بذلك.
ومن هذا الباب أيضاً: إن كان نَسْخُ الشريعةِ من حيث كان رَفْعَ ما شُرِعَ في الأوَّلَ وإزالةَ ما وُضِعَ معنى (١) يشهدُ بالبَداءِ، فهو يشهدُ بأن نسخَ النُورِ بالظُّلمةِ بَداءٌ، وإن كان نسخُ النُورِ بالظلمةِ يشهدُ بالبَداءِ، فهو يشهدُ أن نسخَ الشريعةِ بشريعةٍ غيرِها بَداءٌ، فشهادةُ كلُّ واحدٍ منهما في الآخرِ كشهادةِ الآخرِ فيه.
ومن هذا الباب أيضاً: إدامةُ الثَواب إن كان واجباً في الحِكْمةِ، فهو يشهد بأن إداَمةَ العِوَضِ واجبٌ فَي الحكمةِ (٢)، وكذلك إدامةُ العِوَضِ إن كان واجباً في الحكمةِ، فهو يشهدُ بأن إدامةَ الثَّواب واجبٌ في الحكمةِ.
ومن هذا البابِ: إن كان العقلُ يشهدُ بوجوب المصالحِ على اللهِ سبحانه في الدنيا من حيثُ كانت نفعاً لا يُستضَرُّ به، والعبدُ محتاجٌ إليه، فواجبٌ عليه العَفْوُ عن العذابِ في الأخرى من حيثُ كان نفعاً لا يُستضر به، وإن كان العقلُ يشهدُ بوجوب العفوِ في الأخرى من حيثُ كان نفعاً لا يُستضرُّ به، فهو يشهدُ بإيجابَ المصالحِ في الدنيا،
стр. 441
إذ كانت نفعاً لايستضرُّ به.
فصل في المعارضِة لإسقاطِ السؤالِ
اعلم؛ أن المعارضةَ لإسقاطِ السؤال (١): هىِ الجمعُ بين مطالبةِ السائلِ وبين مذهبٍ له يَلزَمه فيه مثلُ ما طالبَ به، والاعتماد فيه على التَسويةِ، وإنما كانت هذه المعارضة تسقِطُ السؤالَ؛ لأنه بمنزلةِ السائل لنفسِه والناقضِ عليها.
مثالُ ذلك: سؤال بعضِ الإمامِيَّةِ (٢) عن قولِه لأبي بكرٍ: ﴿لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوية: ٤٠]، فقال: لا يَخْلو أن يكونَ حُزْن أبي بكرٍ طاعةً أو معصية، ولا يجوز أن يكونَ طاعةً؛ لأن الله سبحانه، ينهى عن طاعتِه، لم يَبْق إلا أنه معصية، فقد عصى أبو بكرٍ بحُزْنِه في المقامِ الذي هو مفاخرِه عندكم يا معاشرَ السُّنَةِ (٣).
стр. 442
فيقولُ له السنَيُّ جواباً عن سؤالِه: أخْبِرْنِي عن قولِ اللهِ سبحانه لموسى: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠]، لا يخلو خوفُ موسى من أن يكونَ طاعة، فيكونَ اللهُ قد نهاه عن طاعةٍ، ولا يجوزُ ذلك، [أو] (١) أن يكونَ معصيةً، فقد عصى موسى في أجَل لياليه ومَقاماتِه عند ربِّه، فسقطَتِ المسألةُ بهذا الجواب للتسويةِ بين النهْيَيْنِ، فإنه لا يلزَمُ السُّنَى أن يكونَ أبو بكرٍ قد عصىَ، إلا أن يَلزمَ الِإماميَ أن يكونَ موسى قد عصى.
ومتى طلبَ إقامةَ العذرِ لموسى في خوفِه، وأن الخوفَ غلبَ عليه؛ لأنه من طباع الآدميَ الخوفُ من صُوَرِ الحيواناتِ المؤذيةِ وخرقِ العادةِ، قام العذرُ لأَبي بكرٍ في حصولِ خوفِه على النبى ﷺ ؛ حيث رأى من رسولِ الله الهربَ والتَخفَيَ من مكيدةِ المشركين، والمخافة على النبى طاعةٌ، وليس كلُّ طاعةٍ يكونُ النَهى عنها عصياناً؛ حيث كان النهيُ قد يقعُ إشفاقاً وإسقاطاً للمَشَقَّةِ عن المطيعِ، مثلُ قولِه سبحانه: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] و [قولِه] ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وما هذا سبيله لا يكونُ خوفاً يخلعُ الوِلايةَ، ويَحُط من رتبتِه الصالحةِ لأصلِ الِإمامةِ.
ومثالٌ آخرُ: مثل سؤالِ أصحابِ الأحوالِ (٢) عن دعائِنا لله بأن
стр. 443
يُبْقِيَنا، والبقاء ليس بمعنىً، فقد دَعَوْناه بحال معقولةٍ ليست بمعنىً.
فقالَ المجيبُ: فقد يأمرُنا الله بأن ندومَ على حالِ السكونِ، والدَّوامُ ليس بمعنىً، فقد امِرنا بحال معقوله وليست بمعنىً. وإنما كان هذا إسقاطاً؛ لأن صاحبَ المقالةِ يقولُ: لا بدَّ من أن يتعلَّقَ الأمرُ بغيرِ مأمور به، ويقولُ مع ذلك: أن يكونَ الحيوانُ يَبْقى لابِبَقاءٍ.
فصل
في المعارضِة لإقامةِ الحُجَّةِ
اعلم أن المعارضةَ لإِقامةِ الحُجَّةِ على المَقالةِ لا بُدَّ فيها من تصحيح أحدِ الشَقَّيْنِ أو فسادِه بعد البيانِ للتسويةِ، ليظهرَ من ذلك حالُ الشّقِّ الآخرِ في الصحَّةِ أو الفسادِ، إلا أن يكونَ الخصمُ يوافقُ عليه، فيستغني بموافقتِه عن التعرضِ لتصحيحِه في نفسِه، ويكونُ الكلامُ كلُه إنما هو في التسويةِ بينه وبين الأصلِ الذي قد وافقَ عليه.
مثال ذلك: أن السائلَ إذا قال: ما الدليلُ على أنه لا يكونُ متحركٌ إلا لأجلِ حركةٍ واقعةٍ؟
يقولُ المجيبُ: لأن المسيءَ إنما كان مسيئاً لأجلِ إساءةٍ واقعةٍ؛ إذ المسىءُ إنما يكون مسيئاً [بعد أن كان غيرَ مسيءٍ] (١)، وهو في كلا الحالين موجودٌ عن حادثٍ، فلولا أن هناك حادثاً (٢) غيرَه- هو
стр. 444
إساءتُه-، لوجبَ أن يكونَ على حالِه الأولى التي كان عليها غيرَ مسيءٍ، كما أن المتحركَ إنما يكونً متحركاً بعد أن كان غيرَ متحركٍ، وهو في كلا الحالين موجود عن (١) حادثٍ، فلولا أن هناك حادثاً غيرَه -هو حركتُه-، لوجبَ أن يكونَ على ما كان عليه غيرَ متحرِّكٍ، فهذا لا يُحتاجُ فيه إلى الكلام في أن المتحرِّكَ إنما كان متحركاً بحركةٍ؛ لأن خصمَه يوافقُه عليه، فإنما ينبغي أن يُعتمدَ على التسويةِ.
مثال آخرُ يَقْوَى به فهْمُ ما ذَكَرْنا وإتقانُه: أن يقولَ المعتزليُّ للسّنَيِّ: إذا كان اللهُ سبحانه قد بَرَّأ نفسَه من أن يأخذَ الغَيرَ بذنبِ الغيرِ بقولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لم يَجُزْ أن يقالَ: إنه يأخذُ لا بذنبِ، لقولِه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، أوقولهَ،: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، فتحْصُلُ المعارضةُ بأنه لَمَّا لم يَجُزْ أن يأخذَه بذنب غيرِه، لم يَجُزْ أن يأخذَه لا بذنبِ كان منه؛ إذ هما سواءٌ؛ لأنه ليسَ ذنبُ الغيرِ عن الغيرِ إلا بكونِه ليسَ بذنبِ له، فكذلك ذنب لم يَفْعَلْه ليس بذنبٍ له.
فإن خالفَ السائلُ في الأصلِ الذي بَنى عليه المعارضةَ، فقالَ: يجوزُ عندي أن يأخذَ اللهُ العبدَ بذنب غيرِه وبما شاءَ، فلا بُد من أن يَدُلَّ على أن هذا باطلٌ بعدَ الجمعِ والتَسويةِ.
стр. 445
فصل
في المعارضةِ المُغَيَّرَةِ
اعلم أن المعارضةَ المغيَّرةَ لا تخلو أن تكونَ غُيرَتْ بنقصانٍ، أو زيادةٍ، أو قَلْبٍ، أو إبدالٍ، أو نقلٍ.
فالنُقصانُ (١): كقول السائلِ: إذا لم يَكُنْ في الشاهدِ عالِمٌ إلا بعِلمٍ، فما تُنْكِرُ أن لا يكونَ في الغائبِ عالِم لا بعلم؟
فيقولُ الجاحدُ للصِّفات: هذه معارضة مبتورةٌ (٢)؛ لأن الإِتيانَ بها على التَّمام أن يقالَ: إذا لم يَكُنْ في الشاهدِ عالِمٌ إلا بعلم من حيث يَعلَمُ تارةً ولاَ يَعلَمُ تارةً، فما تُنكِرُ أن لا يكونَ في الغائبِ إلا كذا؟
وهذا بناءً على أصلِ المعتزلةِ، وأن التعليلَ إنما يقعُ في الجائزاتِ، وأن الواجباتِ لا تُعللُ بل يُستغنى بوجوبِها عن عِلَةٍ.
وأهلُ السنَةِ يخالفون في ذلك، ويقولون: إن الواجبَ يُعلَّلُ بعلَّةٍ واجبةٍ، وعلة كونِ العالِمِ عالِماً هو العِلمُ شاهداً وغائباً، وهذا مما لا ينقطعُ فيه الغائبُ عن الشاهدِ، فافْهَمْ ذلك.
والجوابُ عنه: أن تُوضَحَ أن العلَّةَ الموجِبَةَ كونَ العالِمِ عالِماً هي العلمُ لا الذَّاتُ؛ إذ لا ذاتَ تُوجِبُ كونَ العالِم عالِماً إلا العِلمَ، وعندهم (٣) أن ذاتَ القديمِ اوجَبَتْ له كوَنه عالِماً وليست عِلماً، وهذا
стр. 446
قَلْب لأصلِ العلَّةِ والمعلولِ.
وأما المعارضةُ الزائدةُ (١): فكقولِ السائلِ الجاحدِ للفعلِ: إذا كان الفعل لا يكونُ في الشاهدِ إلا من فاعلٍ متغيِّرٍ به، فما تُنكِر أن لا يكونَ في الغائب إلا من فاعلٍ متغيِّر به؟ فهذه معارضة زائدة؛ لأن الذي يجبُ في الفَعلِ أن لا يكونَ إلا من فاعلٍ، فأمَّا التغيرُ فإنما يجبُ لفاعلٍ حل به الفعلُ، لا من جهةِ صدورِه عنه.
فأمَّا المعارضة المقلوبةُ عن وجهِها: فكقولِ السائلِ: إذا كانت القُدْرَةُ قبلَ الفعلِ، فما تُنكِرُ أن لا يَصِحَ بها الفعل؟ فهذه مقلوبةٌ؛ إذ (٢) لو كانت مع الفعلِ، لم يَصِحً أن تكونَ قدرةً على الفعلِ في الحقيقةِ؛ لأنها إنما تكونُ قدرةً على أن نفعلَ وأن لا نفعلَ، وهذا لا يصِحُ لها إلا قبل الفعلِ، وهذا مثالٌ على مذهب المعتزلةِ ومن وافقَهم من الأصوليِّين.
وأما الإِبدالُ (٣): فكقولِ السائل السَّالِميِّ (٤): إذا كان الحيُّ بنفسِه
стр. 447
أو بصفةٍ هي الحياةُ إنما كان رائياً بعد أن لم يَكُنْ رائياً لحدوثِ المَرْئى، فما تُنكِرُ أن تكونَ علَّةُ كونِه رائياً حدوثَ المَرْئيً؟
فهذا قد أبدلَ شيئاً مكانَ شيءٍ، فيقالُ له: ليس كذا قولُنا، وإنما هو أنه صحَّ الوصفُ للحي بنفسِه بأنه راءٍ أو بصفةٍ هي الحياةُ، فالتَّهيُّو للرؤيةِ وصف وجبَ له ما وجبَ، وهو البصرُ الذي أثْبَتَه لنفسِه، فوجبَ كوُنه بصيراً بصفتِه اللًازمةِ، فلمَّا حدثَتِ المرئياتُ رأى ما أَحدَثَ، فلم يحدُثْ إلا المرئيُّ، ولم يكُ حدوثُه موجِباً ولا مصحِّحاً كونَ الباري سبحانه رائياً، كحدوثِ ما يَحدُثُ تحت السَّقفِ، فيكونُ السقفُ له ظُلَّةً، فلا يَتجددُ للسقفِ وصفٌ بحدوثِ ما حدثَ تحتَه، لكن السقفُ كان متهيئا للإظِلال لما يكونُ تحته أو يَحدُثُ تحته، وللهِ المثلُ الأعلى.
واما النَّقْلُ (١): مثلُ أن يقولَ السائلُ المتجوًزُ في أسماءِ اللهِ بما لم يُسَمِّ به نفسَه: إذا كان القديمُ كبيراً، وإن كان أصلُ الكِبَرِ للجُثَّةِ والجِرْمِ، فما تُنكِرُ أن يكونَ سَخِيَّاً، وإن كان أصلُ السَّخاءِ الرَّخاوَةَ؟
فهذه معارضةٌ منقولةٌ عن موضعِها؛ لأنه قوبِلَ فيها بين معنىً قد نُقِلَ وبين معنىً لم يُنقَلْ، فالكِبَرُ الذي هو كِبَرُ الشَأنِ قد نُقِلَ عن كِبَرِ الجُثةِ، فاستُعملَ في حق القديم (٢) سبحانه؛ لأنه يليقُ به كِبَرُ الشأنِ؛ إذ ليس بوصفٍ يُحِيلُ معنى القدمَ، ولا يُحِيلُ وصفاً من أوصافِه الواجبةِ له، والسخاءُ لم يُنقَلْ عن أصلِه منَ اللِّين والرَّخاوةِ، من أرضٍ سخيَّةٍ،
стр. 448
إذ كأنه قيلَ: طَلْقُ الكَف، ليس يَكُزُّ (١) الكف عن العطاءِ.
على أن أصلَ المطالبةِ باطلةٌ؛ لأن اللهَ سبحانه لا تَثبُتُ أسماوة إلا توقيفاً (٢).
فصل
في المعارضِة اللازمةِ بالضَرورةِ (٣)
وهي التي شهادةُ الفَرْع فيها بالحُكْم كشهادةِ الأصلِ به؛ من جهةِ إيجاب العقلِ لها بأوَّل وَهْلَةٍ، وذلك لَأن من المعارضةِ ما يحتاج إلى التَأمل والفِكْرَةِ، ومنها ما لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه يعلَمُ بالبديهةِ.
مثالُ ذلك: إذا كان التَّضادُّ يشهدُ بأنه لا يكونُ المَحَلُّ أسودَ أبيضَ في حالٍ، فالتناقضُ (٤) يشهدُ بأنه لا يكوق الشيءُ موجوداً معدوماً في حالٍ، فمن حاولَ الفرقَ في ذلك، فهو محاوِلٌ (٥) لرفعِ ما يُعلَمُ لزومُه من جهةٍ باضطرارٍ.
стр. 449
ومن ها هنا كان الصالِحيُّ (١) -المضافُ إلى صالحِ قُبةَ (٢) - عندنا مناقِضاً في قولِه: إن التضاد يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ حياً مَيْتاً في حال، ثم قال: ويجوزُ أن يكونَ جماداً عالِماً؛ لأن الجَمادِيةَ لا تُضاد العلمَ، فأخطأ في ذلك خطأً فاحشاً؛ لأنه إذا كان التضاد يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ حيَّاً مَيْتاً في حالٍ، فالتناقضُ يُوجِبُ أن لا يكونَ الشيءُ جماداً عالِماً في حالٍ، وأجازَ أن يكون ميْتاً قادراً وعالِماً وقاصداً، وكُل متناقِض، ولم يُجِزْ أن يكونَ أسودَ أبيضَ؛ إذ التضاد يشهدُ عنه بأنه لا يجوزُ أن يكونَ أسودَ أبيضَ في حالٍ (٣).
стр. 450
ولا يَفصِلُ عاقلٌ بين ما يشهدُ به التضادُّ وبين ما يشهدُ به التناقضُ في أنه إذا شهدَ التضادُّ بأنه لا يصحُّ، فوجبَ أنه لا يصحُّ، فكذلك التناقضُ إذا شهدَ بأنه لا يصحُّ، فواجبٌ أن لا يصحَّ.
ومن هذا الباب أيضاً: إذا كان حلولُ الحركةِ في الحَجَرِ يشهدُ بأنه متحرك، فحلولُ اَلسوادِ فيه يشهدُ بأنه أسودُ، وكذلك إذا كان وجودُ الحركةِ يُوجِبُ أنه لا بُد من متحركٍ، فوجودُ السوادِ يُوجِبُ أنه لا بُد من أسودَ، وكذلك إذا كان القارُ يُوجبُ أنه لا يكون أسودَ إِلا بسوادٍ، فالغُرابُ يُوجِبُ أنه لا يكونُ أسودَ إلَا بسوادٍ، وكذلك الدَينارُ إذا كان يُوجِبُ أن لا يكونَ مضروباً إلا بطابِعٍ طبعَه، فالخاتِمُ لا يكونُ إلا بصانعٍ، وكلُّ هذا معلومٌ بالعقلِ قبل أن تُدرَى العلَّةُ ما هي، وذلك أنك قد تَدرِي العلَّةَ في المتحرِّكِ من وجهِ أنه متحركٌ؛ إذ كان العلمُ بالشيءِ متحرَكاً علماً بالحركةِ، ولا تَدريها من جهةِ ما هي حتى تَستدل عليها بالعلمِ، فالعلمُ بها من الوجهِ الأولِ ضرورةٌ، والعلمُ بها من الوجهِ الثاني اكتسابٌ.
فصل
في المعارضةِ على شبْهَةٍ أو شَغْب
اعلم أن المعارضةَ على شُبْهَةٍ: هو مقابلةٌ بما الاقتضاءُ فيه على غيرِثقةٍ.
стр. 451
ومثالُ ذلك: إذا كان المتحرِّكُ بعد أن لم يَكُنْ متحركاً لا يكونُ إلا بحركةٍ، فالباقي بعد أن لم يَكُنْ باقياً لا يكونُ إلا ببقاءٍ، فهذه معارضة على شبهةٍ؛ لأن الأولَ على ثقةٍ، والثاني ليس على ثقةٍ.
وكذلك لو قال: إذا كان الجوْهَرُ لا يَفْنى إلا بفناءٍ، فما تُنكِرُ أن
يكونَ لا يَبْقى إلا ببقاءٍ؛
وكذلك لو قال: إذا كان الجوهرُ لا يَتحركُ الا بحركةٍ، فما تنكرُ أن لا يوجدَ إلا بوجودٍ؛ وكذلك لو قال: فما تُنكِرُ أن لا يَحدُثَ إلا بحدوثٍ.
وأما الشَغْبُ: فهو تقابلُ الألفاظِ من غيرِ معنى يقتضيه العقلُ، وُيعتَبَرُ بمثلِه في اعتقادِ الأمر.
وذلك كقولِ القائلِ: إذا كانت الاستطاعةُ قبل الفعلِ، فما تُنكِرُ أن يكونَ الجوهرُ قبل العَرَضِ؟
وأهلُ التَّحصيلِ لا يتكلَّمونَ إلا على حُجةٍ أو شُبهةٍ، فأمَّا الشَغْبُ فليس في الاشتغالِ به فائدة إلا بمقدارِ ما يُحذَرُ منه، وُيبينُ أنه شَغْب لا يتموَّهُ بمثلِه مذهبٌ (١).
فصل
في المعارضة بالنقيض
اعلم أن المعارضةَ بالنَّقيضِ: هي مقابلة بالدعوى في الإِيجابِ للدَّعوى في السَّلْبِ.
стр. 452
وذلك كقولِ الدَّهرِيَ: الأجسامُ قديمة؛ لأنه لم يَثبُتْ حَدَثُها بحجةٍ.
فيقالُ له: ما الفصل بينك وبين من قال: الأجسامُ محدَثةٌ؛ لأنه لم يَثبُتْ قِدَمُها بحجَّة؟ وكذلك لو قال: ما الفصلُ بينك وبين من قال: ليست الأجسامُ قديمة؛ لأنه لم يَثبُتْ قِدَمُها بحجةٍ؟ فهذا على السلْبِ في الحقيقةِ، والأولُ على معنى السلْبِ، فكلاهما لازم بالمعارضةِ.
وكذلك لو قال: لا أجَوزُ الاجتهادَ؛ لأني لا أعلمُ صِحتَه.
قيل له: فما الفرقُ بينك وبين من قال: أُجوِّزُ الاجتهادَ؛ لأني أعلمُ صحتَه؟
فصل
في المعارضةِ على الجُزْئي بالكُلَّي
اعلم أن المعارضةَ على الجزئيِّ بالكلي (١): هو مقابلة الحكم الذي يشهد به البعض بالحكم الذي يشهد به الكل (٢)، مثالُ ذلك: قولُك: إذا كان بعضُ (٣) الأفعالِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ له من فاعلٍ، فكلُّ فعلٍ يشهد بأنه لا بُدَّ له من فاعل، وكذلك إذا كان بعضُ المحكَمِ المتقَن يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من عالِيمٍ، فكلُّ محكَمٍ متقَن يَشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من عالم.
стр. 453
فصل
فإن قال قائل: إذا كان بعضُ الموجودين لا يكونُ إلا بموجِدٍ، فكلُّ موجودٍ لا يكونُ إلا بموِجدٍ، لم يصحَّ ولم يَلزَمْ ذلك؛ لأن بعضَ الموجودين كان وجودُه مع جوازِ أن لا يُوجَدَ، فاحتاجَ إلى موجِدٍ، فأمَّا ما وُجِدَ، ولم يكُ وجودُه بعد أن لم يَكُنْ، أو وجبَ وجودُه، لم يَحْتَجْ إلى موجِدٍ، بل استغنى بوجوبِ وجودِه عن موجِدٍ.
فصل
في المعارضة بالمثل والنظير
اعلم أن المعارضةَ بالمثلِ والنَّظيرِ: هي مقابلةُ ما يشهدُ به أحدُ المِثْلَيْن بما يشهدُ به الآخرُ، وذلك كالجوهرَيْنِ إذا لم يَصِح أن يكونَ أحدُهما قديماً، لم يَصحَ أن يكونَ الآخرُ قديماً، وذلك كغَرْفَةِ ماءٍ تُقسَمُ بقسمين، أو كثوب يُقطَعُ نصفين، وما أشبهَ ذلك، فهذا لا مُؤنةَ على عاقل ولا كُلْفَةَ فيً أنه إذا كان أحدُهما محدَثاً، فالأخرُ محدَثٌ؛ من حيثُ كانا متماثلين، وكذلك قياسُ السُّكونين المِثْلين في أنه لا يجوزُ أن يكونَ أحدُهما قديماً والأخرُ محدَثاً، كما لم يَجُزْ في الجوهرين، وكذلك التَّدبيران إذا كان أحدُهما لا يكونُ إلا من مُدَبرٍ، وكذلك المحكَمُ من بناءِ الدُورِ إذا لم يَكُنْ إلا ممنْ يُحسِنُه، فالمحكَمُ من بِنْيَةِ الإِنسانِ لا يجوزُ إلا ممن يُحسِنُه، كذلك يقتضي العقل فيه.
فأمَّا المعارضةُ بالنظيرِ: فهي المقابلةُ بين الشيئين اللذين لا يَسُد أحدُهما مَسد الأخرِ في العقلِ، وان (١) كان كلُّ واحدٍ منهما يشهدُ
стр. 454
بمثل ما يشهدُ به الآخرُ.
مَثالُ ذلك: الظُّلمُ والعَبَثُ في أن الظلمَ إذا كانَ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيمٍ، فالعَبَثُ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيمٍ، وكذلك كان فعلُ ما لا فائدةَ فيه الْبَتةَ، كفعلِ ما هو مَحْضُ المضَرةِ ممن يدخلُ تحتَ رَسْمٍ خلا الباريَ سبحانه، فإنه لو فعلَ المضَارَ المَحْضَةَ، لم يخلُ فعلُه من حكمةٍ؛ لأنه لا رَسْمَ عليه ولا مُعقِّبَ لأمِرِه.
فصل
في المعارضةِ على أصلٍ أو عِلَّةٍ
اعلم أن المعارضةَ على أصلٍ: هي مقابلةُ ما (١) يشهدُ به الأصلُ بما يشهدُ به الفَرْعْ.
مثالُ ذلك: الكلامُ يشهدُ بأنه لا يكونُ إِلا من متكلمٍ، كما أن المعنى [من] متكلِّمٍ يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا بكلامٍ.
وأما المعارضُة على علَّةٍ: فهي مقابلةُ ما يشهدُ به الأصلُ من أجل حقيقةٍ هو عليها بما يشهدُ به الفرعُ من أجلِ حقيقةٍ هو عليها.
مثالُ ذلك: قولُك لليهوديَ: إذا صَحَتْ نُبُوَّةُ موسى لأجلِ المعجزةِ، فما تُنكِرُ أن تصح نُبوَّةَ محمدٍ ﵉ لأجلِ المعجزةِ؟ وكذلك قولُك للنصرانى: إذا كان لا بدَّ للقديمِ جل وعزَ من علمٍ؛ لأنه لا عالِمَ إلا وله عِلم، فما تُنكِرُ أن تكونَ له قدرةٌ؛ لأنه ما من قادرٍ إلا وله قدرة؟ فهذه المعارضةُ بنظيرِ العلَّةِ.
стр. 455
فصل
في الاحتجاجِ في المختلَفِ فيه
اعلم أن للعلوم مراتبَ وقَعَتْ مواقعَها لأعيانِها، فليس يجوزُ لذلك تغييرُها.
فمنها: أصل ليس بفرعٍ، نحو علمِ الحِسِّ (١).
ومنها: أصلٌ وفرعٌ، نحو العلمِ بالمحدَثِ.
وإنما كان علمُ الحِسِّ أصلًا؛ لأنك تَبْني عليه وتَستخرِجُ به، فيكونُ أصلًا لما أَثبَتَه عليه واستخرجتَه به، فلم يَجُزْ اُن يكونَ فرعاً؛ لأنه لم يُبْنَ على غيرِه، وليس قبلَه شيء استُخرِجَ به.
فأمَّا العلمُ بالمحدَثِ: فكل (٢) شيءٍ بَنَيْتَ عليه شيئاً، فهو أصلٌ لما ابتَنَيْتَ عليه، مثلُ إحالتِك وبنائِك على علم الحسِّ، واستخراجِكَ له به، وكلُّ شيءٍ بُنيَ على غيرِه فهوفرعٌ له، وليس يُمْكِنُ أن يقعَ الفرعُ موقعَ أصلِه، ولا يجوزُ أن ينتقلَ الأصلُ إلى موضع فرعِه، حتى يكونَ العلمُ بأن الشيءَ محدَثٌ قبلَ العلمِ بأنه حادثٌ، وأصلًا له، والعلمُ بأنه محدَث قبلَ العلمِ بأن له محدِثاً، ولا يمكنُ أيضاً أن يكونَ العلمُ بأنه حادث والعلمُ بأنه محدَثٌ بعد العلمِ بأن له محدِثاً، ولا يمكُن أيضاً أن يكون العلمُ بأنه حادث قبلَ العلم بأنه موجودٌ، ولو جازَ هذا، لجازَ أن يكونَ علمُ الاستدلالِ قبل علومِ الحِسِّ، وأصلاً لها.
стр. 456
فإذا سُئِلْتَ عن شيءٍ أصلُه فرعٌ من علوم الاستدلالِ، فعلومُ الاستدلالِ يجوزُ فيها الاختلافُ، فليس يَبعدُ أنَ يكونَ سائلُك منكِراً لأصلِه، ولا يجوزُ لك أن تَدُل على المختلَفِ فيه بالمختلَفِ فيه؛ لأن الذي أحوجَ أحدَهما إلى الدَّلالةِ هو الاختلافُ فيه، وهذا بعينِه قائم في الاَخَر، فلو اسْتَغْنى بعضُ ما يُختلَفُ فيه عن الدليلِ؛ لاسْتَغْنى عنه جميعُه، كَما أنه لو احتاجَ بعضُ المتَّفَقِ عليه إلى الدليلِ؛ لاحتاجَ إليه جميعه.
ومن المختلَفِ فيه ما يكونُ حقاً، فيكونُ البناءُ عليه محكَماً؛ لأنه لا يمنعُه من ذلك أنه لم يقَعْ بحِس، وذلك أن خروجَه عن الحِسَ لم يُبطِلْه، والصحيحُ لا يُثمِرُ إلا صحيحاً، فإذا كان له وجهُ دَلالةٍ، كانت صحيحةً.
وإنما بانَتْ علومُ الحسِّ وفَضَلَتْ (١) غيرَها بقوً تِها، وبانها الأولُ الذي يُجعَلُ البناءُ عليه؛ لأنها هي التي يُبنى عليها دون غيرِها، ومن علومِ الحسِّ ما بعضُه أقوى من بعض، وليس يَجِبُ من ذلك أن يكونَ البناءُ على القويِّ دونَ غيرِه، ولكن الوجهُ في جوابِه: أن يقال له: إن (٢ للذي سألتَ عنه أصلاً ٢) هو قبلَه، وبه استدلَلْتُ عليه
стр. 457
وعَرَفْتُه، وذلك الأصلُ مما يُمكِنُ أن يُختَلَفَ فيه؛ لأنه ليس بعلمِ حسٍّ، وهو استدلالٌ، فإن كنتَ معترِفاً به أو مسلماً له على غيرِ اعترافٍ، دَلَلْتُك به بعدَ الاعترافِ والتَسليمِ، وإن كنتَ تُنكرُه وتُخالِفُ فيه، فاصْرِفِ السؤالَ إليه، حتى إذا حَق عندَك، ودخلَ بذلك في باب المجمَعِ عليه، أرَيْناك إيجابَه لصواب ما سألتَ عنه، فإن أبى هذا، فهو بمنزلةِ من قال: وصِّلُوني إلى آخر المسافةِ من غيرِ أن تَسلُكُوا بي في وسَطِها، أو تَمُروا (١) بي على أولِها. فهذا هو العَنَتُ والبَغْيُ والظُّلمُ البَينُ من طالبِه (٢).
على أنه يقالُ له عند إثباته: إنَا لا ندَّعي أنَا وصَلْنا إلى معرفةِ ما سألْتَ عنه إلا بالأصل الذي أَوْمَانا إليه، فإن أردْتَ معرفتَه على الوجهِ الذي منه عَرَفْناه، عَرفْناكَهُ كما عَرَفْناه، وعَرفْناك علَّتَه، وإن لم تُرِدْ ذلك، فلسنا نقدرُ على غيرِه.
فإن قال: لو كان اللَّونُ حقَاً، لوَصلْتم إلى معرفتِه من غيرِ البَصَرِ، كان هذا القولُ بَينَ الفسادِ؛ إذ لا مُدرِكَ للونِ سوى المبصِرِ، فهذا بيانُ من طلبَ دَرْكَ الشيءِ من غيرِطريقِه.
فصل
السؤالُ على من أجابَ هذا الجنسَ من الجوابِ
اعلم أنه لا سؤالَ على من أجابَ بمثلِ هذا الجوابِ إلا من ثلاثةِ أوجهٍ، سنذكرُها إن شاءَ الله:
стр. 458
فلا يخلو السائلُ أن يكونَ منكِراً للأصلِ الذي استشهدَ به المجيبُ، أو معترِفاً به.
فإن كان منكِراً: فلن يخلوَ أيضاً من أحدِ قولين: إمَّا أن يكونَ عالِماً بأنه لو صحَ لأوجبَ الفرعَ الذي أضافَه إليه المجيبُ، أو عالِماً بأنه لا يُوجبُه صحَ أو بَطَلَ.
وإن كان معترِفاً به: فليس يخلو أيضاً من أن يكونَ عالِماً بأنه يُوجبُ ذلك الفرعَ، أو لا يُوجِبُه.
فإن كان منكِراً له عالِماً بايجابه للفرع لو صحَّ، لم يَكُنْ له أن يسألَ عن تسليمِه؛ لأنه إن سَلمَه، لم يَلْبَثِ المجيبُ أن يَدُل به على صحةِ ما أبطلَه وخالفَ فيه من فرعِه، ولكن يَطعُنُ فيه نفسِه، وُيجاذِبُ المجيبَ فيما ادعى من صوابِه حتى يُبطِلَ بإِبطالِه إياه فرعَه.
وإن كان منكراً عالِماً بأنه غيرُ موجب لذلك الفرع ولو كان صحيحاً، فله أن يسألَ فيه من وجهَيْنِ: أحدِهما: ما ذكرنا، والثاني: على تسليمِه؛ لأنه لا يَلبَثُ أن يَرى المجيبُ بالمساءلةِ مفارقتَه لما شبهَهُ به، وبأنه غيرُ موجِبِ له، فلا يَجِدُ المجيبُ بُداً من إبطالِه والرجوعِ إلى مذهب السائل فيه؛ لأنه قد تقدمَ الإِقرارُ بأنه لا يَثبُتُ لإِثباتِ هذا الأصلِ، وإذا كان هذا والأصلُ غيرُ ثابتٍ فقد بأنَ سقوطُه.
وإن كان معترِفاً به عالِماً بإيجابِه لِمَا أَوجبَه المجيبُ به، فليست له عليه مسألةٌ، وإنما يكونُ له أن يسألَه فيه مع اعترافِه من حيثُ يُوضحُ للمجيبِ مفارقتَه له، وذلك بأن يقولَ للمجيبِ: وما الدليلُ على أن هذا
стр. 459
الأصلَ موجِوب (١) له؟ ومن أَيِّ وجهٍ أوجبَه؟.
فصل
واعلم أن للخَصْمِ إذا خاصَمَك وخالفَك في المُستَنْبَطاتِ كلَها أن يَسلُكَ منها -إذا استشهدَ بها- شيئاً شيئاً حتى يَبلُغَ إلى علوم الحِسِّ وبَدائِهِ العقلِ، فإذا بلغَ إلى ذلك، كان الكلامُ في وجهِ دَلالَتِه على ما يَستدلُّ به عليه، فلا تَستَبطىء قولَه: ولِمَ قلتَ ذا؟ وفي هذا اسألْ، لا تُنكِرَنَهُ إلا أن يضعَ المساءلةَ في موضعٍ قد جامعك عليه، فيكونُ حينئذٍ سائلَاً لنفسِه، ظالماً بإيقافِك المسأله موقفَ من قد بانَ منه في الأمرِ الذي قد ساواه فيه.
فصل
في لزومَ طريق أوَّلَ السُّؤالَ وآخِرِه
اعلم أن كلَّ سؤالٍ ابتدَأْتَه، فاتَّصلَ بما يُبطِلُ عِلَلَ المجيبِ في إفسادِه واحتجاجِه في دَفْعِه إيَّاه عن نفسِه، وبما يُبينُ عن حقيقتِه ووجوبِه، فهو ماضٍ على سَنَنٍ؛ لأن المتَّصِلَ به مسهِّلٌ طريقَه، مقرِّبٌ من نتيجتِه التي فيه.
وكلُّ سؤالٍ ابتدَأتَه، ثم اتْبَعْتَهُ بما يَخرُجُ عمَّا وصَفْنا، فهو منقطعٌ خارج عن سَنَنهِ، وأنت بما وصَلْتَه به كذلك.
فإن قال قائلٌ: كلُّ مسألةٍ في هذا البابِ تُوجبُ ما تُوجبُه أختُها، فينبغي إن كان ما وصفْتَ حقَّاً، أن يكونَ من سأَل عن مسألةٍ فانقطعَ
стр. 460
فيها، ثم وصلَها بأخرى من بابِها، غيرَ خارج من كلامِه، إلى أن يأتيَ على جميعَ ما في البابِ.
قلنا له: ليس إلى ما توجِبُ فصْلٌ، وإنما ذهبنا إلى ما اتَّصلَ بالمسألةِ، فأوجبَ لزومَها بعينِها، وسَهلَ طريقَها نفسِها، ومُضيها على حدِّ ما ابتُدِئَتْ عليه، فهو فيها وصاحبُه غيرَ خارجٍ عن سَنَنِها، ولم نُرِدْ أن ما اتَصَلَ بها، فأوجَبَ صحةَ المذهبِ الذي أجرِيَ بها إلى تصحيحِه بنفسِه دونهاكذلك، وهذا ما لا بُدَّ منه، وسنصوِّرُ صورتَه بَيِّنةً إن شاءَ اللهُ.
فنقولُ: لو أن جِسْميًّا سأل موحِّداً، فقال له: إذا زعمتَ أنه شيءٌ لا كالأشياءِ، فهَلا زعمتَ أنه جسم لا كالأجسامِ؟
فقال له الموحِّدُ: لأنه ليس كلُّ ما كان شيئاً يجبُ أن يكونَ جسماً، وذلك لوجودِ أشياءَ ليست أجساماً، وهي أفعالُ الجسمِ.
قال الجسميُّ: وما الدليلُ على وجودِ شيءٍ ليس بجسمٍ؟ لم يَكُنْ بهذا القولِ خارجاً عن مسألتِه؛ لأن الموجودَ على صحَّةِ مذهبه، ودفعُ المسألةِ وإسقاطُها بوجودِ (١) أشياءَ ليست أجساماً، والدَليلُ علىَ ذلك: أنه إذا صحَ هذا، بَطَلَتِ المسألةُ، فوجبَ على الجسمى على أصلِه دفعُه عما حاولَ من إفسادِ مسألتِه وحياطتُها، وليس يقدرُ على ذلك إلا بدفعِ المجيبِ عن جوابه، وليس يتهيَّأ له دفعُهُ وإفسادُ جوابه إلا بإفسادِ علَّتِه التي يُصححُ بها، وإفسادُ عِلَلِه لا يمكنُ إلا بمساَءلتِه فيها.