فإذا سُئِلْتَ عن شيءٍ أصلُه فرعٌ من علوم الاستدلالِ، فعلومُ الاستدلالِ يجوزُ فيها الاختلافُ، فليس يَبعدُ أنَ يكونَ سائلُك منكِراً لأصلِه، ولا يجوزُ لك أن تَدُل على المختلَفِ فيه بالمختلَفِ فيه؛ لأن الذي أحوجَ أحدَهما إلى الدَّلالةِ هو الاختلافُ فيه، وهذا بعينِه قائم في الاَخَر، فلو اسْتَغْنى بعضُ ما يُختلَفُ فيه عن الدليلِ؛ لاسْتَغْنى عنه جميعُه، كَما أنه لو احتاجَ بعضُ المتَّفَقِ عليه إلى الدليلِ؛ لاحتاجَ إليه جميعه.
ومن المختلَفِ فيه ما يكونُ حقاً، فيكونُ البناءُ عليه محكَماً؛ لأنه لا يمنعُه من ذلك أنه لم يقَعْ بحِس، وذلك أن خروجَه عن الحِسَ لم يُبطِلْه، والصحيحُ لا يُثمِرُ إلا صحيحاً، فإذا كان له وجهُ دَلالةٍ، كانت صحيحةً.
وإنما بانَتْ علومُ الحسِّ وفَضَلَتْ (١) غيرَها بقوً تِها، وبانها الأولُ الذي يُجعَلُ البناءُ عليه؛ لأنها هي التي يُبنى عليها دون غيرِها، ومن علومِ الحسِّ ما بعضُه أقوى من بعض، وليس يَجِبُ من ذلك أن يكونَ البناءُ على القويِّ دونَ غيرِه، ولكن الوجهُ في جوابِه: أن يقال له: إن (٢ للذي سألتَ عنه أصلاً ٢) هو قبلَه، وبه استدلَلْتُ عليه
стр. 457
وعَرَفْتُه، وذلك الأصلُ مما يُمكِنُ أن يُختَلَفَ فيه؛ لأنه ليس بعلمِ حسٍّ، وهو استدلالٌ، فإن كنتَ معترِفاً به أو مسلماً له على غيرِ اعترافٍ، دَلَلْتُك به بعدَ الاعترافِ والتَسليمِ، وإن كنتَ تُنكرُه وتُخالِفُ فيه، فاصْرِفِ السؤالَ إليه، حتى إذا حَق عندَك، ودخلَ بذلك في باب المجمَعِ عليه، أرَيْناك إيجابَه لصواب ما سألتَ عنه، فإن أبى هذا، فهو بمنزلةِ من قال: وصِّلُوني إلى آخر المسافةِ من غيرِ أن تَسلُكُوا بي في وسَطِها، أو تَمُروا (١) بي على أولِها. فهذا هو العَنَتُ والبَغْيُ والظُّلمُ البَينُ من طالبِه (٢).
على أنه يقالُ له عند إثباته: إنَا لا ندَّعي أنَا وصَلْنا إلى معرفةِ ما سألْتَ عنه إلا بالأصل الذي أَوْمَانا إليه، فإن أردْتَ معرفتَه على الوجهِ الذي منه عَرَفْناه، عَرفْناكَهُ كما عَرَفْناه، وعَرفْناك علَّتَه، وإن لم تُرِدْ ذلك، فلسنا نقدرُ على غيرِه.
فإن قال: لو كان اللَّونُ حقَاً، لوَصلْتم إلى معرفتِه من غيرِ البَصَرِ، كان هذا القولُ بَينَ الفسادِ؛ إذ لا مُدرِكَ للونِ سوى المبصِرِ، فهذا بيانُ من طلبَ دَرْكَ الشيءِ من غيرِطريقِه.
فصل
السؤالُ على من أجابَ هذا الجنسَ من الجوابِ
اعلم أنه لا سؤالَ على من أجابَ بمثلِ هذا الجوابِ إلا من ثلاثةِ أوجهٍ، سنذكرُها إن شاءَ الله:
стр. 458
فلا يخلو السائلُ أن يكونَ منكِراً للأصلِ الذي استشهدَ به المجيبُ، أو معترِفاً به.
فإن كان منكِراً: فلن يخلوَ أيضاً من أحدِ قولين: إمَّا أن يكونَ عالِماً بأنه لو صحَ لأوجبَ الفرعَ الذي أضافَه إليه المجيبُ، أو عالِماً بأنه لا يُوجبُه صحَ أو بَطَلَ.
وإن كان معترِفاً به: فليس يخلو أيضاً من أن يكونَ عالِماً بأنه يُوجبُ ذلك الفرعَ، أو لا يُوجِبُه.
فإن كان منكِراً له عالِماً بايجابه للفرع لو صحَّ، لم يَكُنْ له أن يسألَ عن تسليمِه؛ لأنه إن سَلمَه، لم يَلْبَثِ المجيبُ أن يَدُل به على صحةِ ما أبطلَه وخالفَ فيه من فرعِه، ولكن يَطعُنُ فيه نفسِه، وُيجاذِبُ المجيبَ فيما ادعى من صوابِه حتى يُبطِلَ بإِبطالِه إياه فرعَه.
وإن كان منكراً عالِماً بأنه غيرُ موجب لذلك الفرع ولو كان صحيحاً، فله أن يسألَ فيه من وجهَيْنِ: أحدِهما: ما ذكرنا، والثاني: على تسليمِه؛ لأنه لا يَلبَثُ أن يَرى المجيبُ بالمساءلةِ مفارقتَه لما شبهَهُ به، وبأنه غيرُ موجِبِ له، فلا يَجِدُ المجيبُ بُداً من إبطالِه والرجوعِ إلى مذهب السائل فيه؛ لأنه قد تقدمَ الإِقرارُ بأنه لا يَثبُتُ لإِثباتِ هذا الأصلِ، وإذا كان هذا والأصلُ غيرُ ثابتٍ فقد بأنَ سقوطُه.
وإن كان معترِفاً به عالِماً بإيجابِه لِمَا أَوجبَه المجيبُ به، فليست له عليه مسألةٌ، وإنما يكونُ له أن يسألَه فيه مع اعترافِه من حيثُ يُوضحُ للمجيبِ مفارقتَه له، وذلك بأن يقولَ للمجيبِ: وما الدليلُ على أن هذا
стр. 459
الأصلَ موجِوب (١) له؟ ومن أَيِّ وجهٍ أوجبَه؟.
فصل
واعلم أن للخَصْمِ إذا خاصَمَك وخالفَك في المُستَنْبَطاتِ كلَها أن يَسلُكَ منها -إذا استشهدَ بها- شيئاً شيئاً حتى يَبلُغَ إلى علوم الحِسِّ وبَدائِهِ العقلِ، فإذا بلغَ إلى ذلك، كان الكلامُ في وجهِ دَلالَتِه على ما يَستدلُّ به عليه، فلا تَستَبطىء قولَه: ولِمَ قلتَ ذا؟ وفي هذا اسألْ، لا تُنكِرَنَهُ إلا أن يضعَ المساءلةَ في موضعٍ قد جامعك عليه، فيكونُ حينئذٍ سائلَاً لنفسِه، ظالماً بإيقافِك المسأله موقفَ من قد بانَ منه في الأمرِ الذي قد ساواه فيه.
فصل
في لزومَ طريق أوَّلَ السُّؤالَ وآخِرِه
اعلم أن كلَّ سؤالٍ ابتدَأْتَه، فاتَّصلَ بما يُبطِلُ عِلَلَ المجيبِ في إفسادِه واحتجاجِه في دَفْعِه إيَّاه عن نفسِه، وبما يُبينُ عن حقيقتِه ووجوبِه، فهو ماضٍ على سَنَنٍ؛ لأن المتَّصِلَ به مسهِّلٌ طريقَه، مقرِّبٌ من نتيجتِه التي فيه.
وكلُّ سؤالٍ ابتدَأتَه، ثم اتْبَعْتَهُ بما يَخرُجُ عمَّا وصَفْنا، فهو منقطعٌ خارج عن سَنَنهِ، وأنت بما وصَلْتَه به كذلك.
فإن قال قائلٌ: كلُّ مسألةٍ في هذا البابِ تُوجبُ ما تُوجبُه أختُها، فينبغي إن كان ما وصفْتَ حقَّاً، أن يكونَ من سأَل عن مسألةٍ فانقطعَ
стр. 460
فيها، ثم وصلَها بأخرى من بابِها، غيرَ خارج من كلامِه، إلى أن يأتيَ على جميعَ ما في البابِ.
قلنا له: ليس إلى ما توجِبُ فصْلٌ، وإنما ذهبنا إلى ما اتَّصلَ بالمسألةِ، فأوجبَ لزومَها بعينِها، وسَهلَ طريقَها نفسِها، ومُضيها على حدِّ ما ابتُدِئَتْ عليه، فهو فيها وصاحبُه غيرَ خارجٍ عن سَنَنِها، ولم نُرِدْ أن ما اتَصَلَ بها، فأوجَبَ صحةَ المذهبِ الذي أجرِيَ بها إلى تصحيحِه بنفسِه دونهاكذلك، وهذا ما لا بُدَّ منه، وسنصوِّرُ صورتَه بَيِّنةً إن شاءَ اللهُ.
فنقولُ: لو أن جِسْميًّا سأل موحِّداً، فقال له: إذا زعمتَ أنه شيءٌ لا كالأشياءِ، فهَلا زعمتَ أنه جسم لا كالأجسامِ؟
فقال له الموحِّدُ: لأنه ليس كلُّ ما كان شيئاً يجبُ أن يكونَ جسماً، وذلك لوجودِ أشياءَ ليست أجساماً، وهي أفعالُ الجسمِ.
قال الجسميُّ: وما الدليلُ على وجودِ شيءٍ ليس بجسمٍ؟ لم يَكُنْ بهذا القولِ خارجاً عن مسألتِه؛ لأن الموجودَ على صحَّةِ مذهبه، ودفعُ المسألةِ وإسقاطُها بوجودِ (١) أشياءَ ليست أجساماً، والدَليلُ علىَ ذلك: أنه إذا صحَ هذا، بَطَلَتِ المسألةُ، فوجبَ على الجسمى على أصلِه دفعُه عما حاولَ من إفسادِ مسألتِه وحياطتُها، وليس يقدرُ على ذلك إلا بدفعِ المجيبِ عن جوابه، وليس يتهيَّأ له دفعُهُ وإفسادُ جوابه إلا بإفسادِ علَّتِه التي يُصححُ بها، وإفسادُ عِلَلِه لا يمكنُ إلا بمساَءلتِه فيها.
стр. 461
ومما يَدُل على ذلك: أنه إذا أفسدَ عِلَّةَ (١) ما ادَّعاه، ولم يُفسِدْه، كشفَ عن وجهِ المسألةِ بعينِها، وأوجبَ وقوفَها، وأخرجَ المجيبَ إلى تحديدِ الجوابِ عنها، وجعلَ لنفسِه الرجوعَ إليها، واقتضى جوابَها، فلولا أن ما كان من إفسادِه له منها وفيها، لم يُحقَقْ وجوبَها، وُيوجِبْ وقوفَها، ويزيدُ في قوَّتِها وجَذْبِها، وُيخرِجُ إلى اشْتِيافِ (٢) غيرِ ما مضى من الجواب عنها، وليس كلُّ ما هو هكذا خروجاً عن المسألةِ، فما في الدنيا كَلام يمكنُ اتصالُه بابتداءِ السؤالِ، واعْتَبِرْ هذا تجِدْه.
واعلم أن كلَّ ما قَوَّى المسألةَ فهو من بابِها؛ لمعاضدتِه إيَّاها ومعونتِه لها، وليس لأحدٍ منعُ صاحبِها منه، لأنه إنما يجبُ عليه أن يأتيَ بمسألةٍ كاسرةٍ للمذهب، واجبةٍ على المجيبِ، ثم يُقَويَها، وُيحقَقَ وجوبَها كيف ما أمكنَ ذلَك ويسهلُ، وما اقتراحُ من يَقترِحُ عليه تقويةَ المسألةِ من وجهٍ دونَ وجهٍ إلا كاقتراحِه عليه ابتداءَها من وجهٍ دون وجهٍ، فإذا كان الاقتراحُ في الابتداءِ فاسداً، كان في التَّمامِ كذلك.
فصل
واعلم أن كثيراً من الجُهّالِ بحقائقِ النَظَرِ وقوانينِ الجَدَلِ يَتوهمون المسألةَ كلمةً واحدةً مَنْ تجاوزَها فقد جاءَ باخرى من غيرِ جنسِها، وخرجَ عن واجبِها، وفي الحقيقةِ أن كلُّ استخبارٍ تَمَّ وفهِمَ معناه فهو
стр. 462
مسألةٌ تامةٌ، على معنى أنه قد لَحِقَ بالسؤالِ واستحقَّ اسمَه، ولولا ذلك لم يَجِبْ على المسؤولِ أن يُجيبَ عن سؤالٍ قائمٍ مفهومٍ عن شيءٍ، ولا استحَق اسمَ مسألةٍ.
فأمَّا ما ليس بسؤالٍ البَتَةَ، أو ليس بسؤال تامٍّ، فليس يجبُ الجوابُ عنه، لأن ما لم يتحقَقِ الكلامُ سؤالًا فلا يقتضي جواباً، والمسألةُ الناقصةُ لا يُفهَمُ معناها، وإنما يجبُ الجوابُ بعدَ الإِفهام، مع أنه ليس لسائلٍ أن يَسكُتَ ويقتضي الجوابَ إلا بعدَ الإِفهام وتمامَ المسألةِ، فمتى سكتَ عن كلامٍ غيرِ تامٍّ، فما تَحقَقَ له سؤال، ولاَ وجبَ لكلامِه جوابٌ.
وإذا كان هذا هكذا، فأوَّلُ الفصولِ فيه الاستخبارُ، وأوَّلُ جملةٍ تَرِدُ منه ما يقومُ من القولِ سؤالًا تامًّا، والزيادةُ أيضاً كذلك إلا أنها فرعٌ للابتداءِ، تنبني على وجوبِه وتقربُ إليه، وانما جعلَ المتكلِّمون هذا كلَّه مسألةً واحدةً، كما تُجعلُ الحركاتُ الكثيرةُ (١) في المسافةِ الواحدةِ سَيْراً واحداً، وإنما جعلوه سَيْراً واحداً لتأديةِ جميعِه إلى غايةٍ واحدةٍ، وهي التي أجْرى إليها بالابتداءِ وما بعدَه، وذلك أن أوَّلَ السؤالِ وعْدُ نتيجةٍ، فاظهرَها آخِرُه، وقَرَّبَ منها ما بينهما من الكلام، وشَدَّ بعضُ ذلك بعضاً، ولهذا التعاونِ وهذِه المناسبةِ التي بين الجمَيع في إظهارِ النَّتيجةِ والتَّقريب منها، وتأخيرِ النتيجةِ إلى آخرِ الجميعِ، ما جعلَ الكُلَّ سؤالًا واحداً؛ ألا ترى أن الفقهاءَ جعلوا الأكلَ الكثيرَ المتَّصِلَ لتأديتِه إلى غايةٍ هي الشِّبَعُ أكلًا واحداً، حتى إنَّهم قالوا: لو حَلَفَ:
стр. 463
لا أكَلْتُ إلا أكلةً واحدةً -عند قومِ-، ولآكُلَنَ أكلةً واحدةً -عند الجميعِ-، فأكل أكلًا طالَ وكَثُرَ لكنَهَ انتهى إلى غايةٍ هي شِبَعُه، لم يُعَدَ إلا أكلةً لِبرِّة وحِنْثِه بحَسَب يمينِه، وإن كان كلّ قطعةٍ من أكلهِ لو افرِدَتْ في حق غيرِه، فانتهتَ إلى غَرَضِه من شِبَعِه كان أكلةً تامَةً؛ لتأديتِها إلى غرضِ ذلك الأكلِ، وكانت هذه أكلةً وإن طالَتْ وكَثُرَتْ؛ لتأديتِها إلى نتيجةٍ، هي الشِّبَعُ للآكلِ.
كذلك صَيرنا ما تعاضَد من السؤالِ وقربَ من النتيجةِ الواحدةِ سؤالاً واحداً، فإذا استُؤنِفَ بعد ظهور الغَرضِ-وهو النتيجةُ- كلامٌ آخرُ، فهو سؤالٌ آخرُ، وحصلَتْ مسألةٌ ثانيةٌ.
وجملةُ هذا: أنك إذا وجدْتَ المسألةَ لوِجدانيَّةِ النتيجةِ كما وجدتَ السببَ لوجدانيَّةِ الغرض، فلا تلتفِتْ إلى قولِ من يقولُ: قد مضى ذاك السؤالُ، وهذا كلامٌ آَخرُ من المتكلِّمِ؛ فإن قصدَهم قطعُ الخصمِ في أوَّل وَهْلَةٍ وكلمةٍ، وهذا من تسويلِ الشياطين وتطميعِهم، وإلا فأين هم والوقوفَ على حقيقةِ الكلامِ فضلًا عن قطعِ الخصمِ؟ وإنما سمعوا قولَ القائل: جُمعَ بين فلاَنٍ وفلانٍ، فما كان إلا كلمتان حتى قَطَعَه، كما يقولون: تقاتَلَ فلانٌ وفلانٌ، فما كان إلا حَلَبُ شاةٍ (١) حتى صَرَعَه، وتجاولَ فلانٌ وفلانٌ، فما كان إلا مقدارُ طَرْفةِ الجفْنِ حتى طَعَنَه.
وهذا فَرَحُ ساعةٍ، وقولُ العَصَبيَّةِ (٢) مع عدمِ التحقيقِ، وقَلَّ أن
стр. 464
يُفلحَ من تركَ التحقيقَ تعويلًا على أمثالِ هذه التزاويق (١) التي لا بقاءَ لها، وقَل أن ينتهيَ من سلكَ ذلك إلى مَقاماتِ الائمةِ، والله يكفي غوائلَ الطِّباع، وشرورَ النفوسِ، وغلباتِ الأهواءِ بمَنِّهِ وكرمِه.
стр. 465
فصول
في القياسِ وتحقيقهِ وضروبِه وشروطِه
فصل
القياسُ: هو الجمعُ بين مشتبِهَيْنِ لاستخراجِ الحكمِ الذي يَشهدُ به كلُّ واحدٍ منهما، ولا يخلو كلُّ واحدٍ منهما من أن يشهدَ بمثلِ ما شَهِدَ به الآخرُ أو نظيره.
مثالُ ذلك: قولُنا: إذا كان ظلمُ المُحسِنِ لا يجوزُ من حكيمٍ، فعقوبةُ المحسِنِ لا تجوزُ من حكيم.
وكذلك قولُنا: إن كانت عقوبةُ المحسِنِ تجوزُ من الحكيم، فظلمُ المحسنِ يجوزُ من الحكيمِ، فهذا مثالٌ لأهلِ التَّحسيَنِ والتَّقبيحِ.
ومثالٌ عليهم: إذا لم يَقبُحْ من الحكيمِ تمكينُ من عَلِمَ أنه بتمكينِه يَفسُدُ وُيفسِدُ، وتكليفُ مَنِ المعلومُ أنه لا يُؤمِنُ بل يكفرُ، فيستحِقُّ العقابَ الدائمَ، لم يَقبُحْ منعُه من اللُّطفِ الذي لو مُنِحَه لاتَبعَ الهُدى.
وإذا كان حدوثُ البناءِ لا بُدَّ له من محدِثٍ، فحدوثُ الجوهرِ لا بُدَّ له من محدِثٍ.
стр. 466
وإن كان تَصوُّرُ القِدَم ممكناً (١)، فتصورُ الحَدَثِ ممكنٌ، وإن كان تصورُ الحَدَثِ ليس بممكَنٍ، فتصورُ القِدمِ ليس بممكنٍ.
وإذا كان كونُ الحركةِ في مَحَل فيه السكونُ صحيحاً، كان كونُ الجوهرِ في مكانٍ فيه جوهر آخرُ صحيحاً.
وإذا كان كونُ الجوهرِ في مكانٍ فيه جوهر آخرُ لا يَصِح، فكونُ (٢) الحركةِ في مَحَل فيه سكون لايَصِحُّ.
وإذا كان إفناءُ النَهارِ يجوزُ من الحكيم، فإفناءُ العالَم كلِّه يجوزُ من الحكيمِ.
وإذا كان إفناءُ العالَمِ لا يجوزُ من الحكيم، كان إفناءُ النهارِ لا يجوزُ من الحكيمِ.
وإذا كان استصلاح الحكيمِ منَّا بالرُسلِ جائزاً، كان استصلاحُ العالم (٣) بالرسلِ جائزاَ أيضاً، وإذا كان استصلاحُ القديمِ بالرُّسلِ لا يجوزُ، فاستصلاحُ الواحدِ من حكمائنا بالرسلِ لا يجوزُ.
وإذا كانت دلالةُ العقلِ يجبُ العملُ عليها، فدلالةُ السمعِ يجبُ العملُ عليها، كدلالةِ السمع في سلامةِ الطرُقِ أو فسادِها، وغلاء الأسعارِ أو رُخْصِها، وخِصْبِ البلادِ أو جَدْبِها.
ومن هذا البابِ والقَبيلِ أيضاً: إذا كان التغيُّرُ صحيحاً، فالحدوثُ
стр. 467
صحيح، وإذا كان الحدوثُ لا يصحُّ، فالتغيرُ لا يصحُّ؛ لأن التغيُّرَ حدوث في الحقيقة.
وإذا كان السَّببُ طاعةً، فالمسبَّبُ طاعةٌ، وإذا لم يكن المسببُ طاعةً، لم يكن السببُ طاعةً.
وكذلك إذا جاز عذابُ من لم يُكلَّفْ فعلًا ولا تركاً، جاز عذابُ من كُلِّفَ على غيرِ فعلٍ ولاتركٍ.
وكذلك من هذا الباب: إن صحَ من الطبيعةِ إنشاءُ إنسانٍ، صحَّ منها إنشاءُ دُولابٍ أو بابٍ أو كتابِ، وكذلك: إن صحَ منها ما فعلَ الإِنسانُ مِثْلَه، صحَ منها مَثلُ ما فعله الإِنسان، كما أنه إن صحَ فِعلُها لمثلِ زيد، صح فعلُها لمثلِ عمرٍو.
وكذلك: إن صحَ واجبٌ لا يَقبُحُ تركُه، صحَ واجبٌ لا يَحسُنُ فعلُه، وإن لم يصحَّ واجب لا يَحسُنُ فعلُه، لم يصح واجبٌ لا يَقبُحُ تركهُ.
وإذا استحالتِ القُدرةُ على الإِفناءِ، استحالَتْ على الإِنشاءِ، وإذا لم تَستَحِلْ على الإنشاءِ، لم تَستَحِلْ على الِإفناءِ.
ومن هذا الباب: القُدرُة لا تصحُ أن تكونَ قُدرةً على إيجادِ الموجودِ، كما أنها لا تصحُّ أن تكونَ قدرةً على إعدامِ المعدومِ، وهذا يُوجبُ أنها لا تكونُ قدرةً إلا على إيجاد المعدومِ.
ومنه أيضاً: الحياةُ الموجودةُ لا بُدَّ من حَى بها، كما أن القُدرةَ الموجودةَ لا بُدَّ من قادرٍ بها، كما أن محَل الحركةِ إن كان متحرِّكاً بها،
стр. 468
فمَحَل السوادِ أسودُ به.
وهذه مقابلاتٌ في القياسِ واضحةٌ، وأمثلةٌ بَيِّنةٌ يُحتَذى عليها فيما يُحتاجُ فيه إلى المقايسةِ.
ومن هذا الباب: إن لم تَصِحَّ التوبةُ من ذَنْب مع الإِقامةِ على غيرهِ، لم تصحَّ التوَبةُ من اليهوديَّةِ مع الإصرارِ علىً خِيانةِ حَبةٍ.
وكل قياسٍ فلا بُدَّ فيه من اشتباهٍ، إلا أنه قد يكونُ الاشتباهُ من جهةِ العلَّةِ التي لكلِّ واحدٍ من الحُكْمَيْنِ، وقد يكونُ من جهةٍ لتسويةِ العقلِ بين الحكْمَيْنِ، فعلى (١) هذين الشيئين الاعتمادُ في كلُّ قياس.
فعلى قولِ من يقولُ بتحسينِ العقلِ وتقبيحِه: مثالٌ في تسويةِ العقلِ بين الحكمين: إذا (٢) لم يَجُزْ في قضيَّةِ العقلِ الأمرُ بالظلمِ لكونِه قبيحاً أو لكونِه ظلماً، لم يَجُزْ فعلُ الظُّلم لكونِه قبيحاً أو لكونِه ظلماً.
وعلى طريقةِ الكُلِّ: إذا قضى العقلُ أو الشرعُ بأن لا يجوزَ عقابُ من لم يُسىءْ، فلا يجوزُ عقابُ من لم يُكلَّفْ؛ لأنه لم يسىءْ.
وهذا وأشباهُه مما يُدرَكُ بأدنى تأمُّل، إلا أن تَعرِضَ شبهةٌ تَصُدُّ عنه.
стр. 469
فصل
في الفرقِ بين المُعارَضةِ والقياسِ
اعلم أن المعارضةَ قياسٌ يُعتمدُ فيه على المناقضةِ، وهي نوع من القياس، ألا ترى أن عِمادَها التسويةُ بين ما عُورِضَ به وبين ما عُورِضَ، فكلُّ (١) معارضةٍ قياس، وليس كلُّ قياس معارضةً، ألا ترى أن النَحْوَ تقاسُ فيه الفروعُ على الأصولِ، فالاعتمادُ فيه على القياسِ، وليس الاعتمادُ فيه على المعارضةِ، وكذلك الفقهُ تقاسُ فيه الفروعُ على الأصولِ ولا تُعارَض.
ومعارضةُ كلُّ مبطِلٍ إنما تكونُ بما يَكشِفُ عن بُطلانِ مذهبهِ، مثلُ من يَكشِفُ (٢) بمذهب أن اللهَ سبحانه لا يجوزُ أن يُعذَبَ من لم تَبلُغْه الدعوةُ؛ لأن اللهَ قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، أو لأن من لم تَبلُغْه الدعوة ليس عنده سوى العقلِ، والعقلُ لا يُوجِبُ ولا يَحظُرُ، وينكشفُ من مذهبُه تجويزُ عذاب الأطفالِ مع كونِهم لا رِسالَةَ وصَلَتْهم، ولا خطابَ انصرفَ إليهمَ، ولا عقول تُرشِدُهم، فهذه مناقضةٌ لإِبطالِ مذهبِ المبطِلِ.
وكمعارضةِ من يَكشفُ بأنه لا يجوزُتكليفُ ما لا يطاقُ؛ بقولِه: يجوزُ تكليفُ ما يحالُ بينَ المكلَفِ وبين فعلِه.
وكمعارضةِ من قال: لا يَحسُنُ اللُّطفُ بمن يُعلَمُ أنه لا يَنتفعُ به، بقولِه: يجوزُ تكليفُ مَنِ المعلومُ أنه لا ينتفعُ بتكليفِه.
стр. 470
فصل
في القياسِ الصَحيحِ والقياسِ الفاسدِ
اعلم أن القياسَ الصحيحَ: هو الجمع بين الشيئينِ اللَّذينِ يَشهدُ كلُّ واحدٍ منهما بالحكمِ على الحقيقةِ.
والقياس الفاسدُ: هو الجمع بين الشيئين اللَّذينِ يشهد كلُّ واحدٍ منهما بالحكمِ على التَّخيُلِ دون الحقيقةِ.
ولا يعتَبر بصحةِ الشاهدِ في نفسهِ في هذا الباب، وإنما المعتَبَرُ بأنه يشهد على الحقيقةِ كما يشهد قرينه، إمَّا بمثلِ الحَكمِ أو بنظيرِه.
فقياسُ اللطفِ على التكليفِ في أنه إذا لم يَجبِ اللطف لمن المعلوم أنه لا ينتفعُ به، لم يجبْ تكليف مَنِ المعلومُ أنه لا ينتفعُ به، وإذا لم يكنِ التمكينُ من فعلِ الظلم قبيحاً من جهة الصانعِ جلَّت عظمته، لم يكن القضاء بالظلمِ قبيحَاً منه سبحانه، فهذا مثالٌ على مذهبِ أهل السُّنَّةِ، وهذا قياسٌ صحيحٌ عندنا.
والمثال على مذهبِ غيرِنا: إذا جازتِ الإِرادة للظلمِ، جاز الأمر بالظلمِ من الحكيمِ مع ما فيها من الاستدعاءِ للظلمِ، فهذا قياسٌ صحيح، وإن كان الأصلُ الذي قِيسَ عليه فاسداً.
فأمَّا قياس التَّمكين على التَّوفيقِ فخطأ؛ وذلك أنه إذا قال القائل للجمع بينهما: إذا جازً أن لا يُعطى الكافر التوفيقَ للإِيمان، جاز أن لا يعطى التَمكينَ من الِإيمانِ؛ من قِبَل أنه إذا كان معلوماً فيه أنه لا ئؤمِن عند شيء ولا يوفَّقُ له، فيعطاة أوَ يحرَمه، وليس كذلك التمكينُ من الِإيمانِ؛ لأنه لم يَكنْ ممكَناً من الإيمانِ، من أجلِ أن الِإيمانَ يَقع
стр. 471
به، وإنما كان ممكَّناً من الِإيمانِ، من أجلِ أنه يَصِحُّ أن يقعَ وَيصِح أن لا يقعَ به.
فصل
في القياسِ العقليِّ والسمعيِّ
اعلم أن القياسَ العقليَّ: هو الذي يجبُ بشهادةِ المُشتبِهَيْنِ فيه بالحكمِ من جهة العقلِ.
والقياسُ السمعى: هو الذي يجبُ بشهادةِ المُشتبِهينِ فيه بالحكمِ من جهَةِ السَّمْعِ.
وذلك أن قياسَ التَّناقضِ على التَّضادِّ؛ من جهةِ أن التضادَّ إذا كان يشهدُ بأن لا يكونَ في المَحَل الواحدِ حياةٌ وموتٌ، فالتناقض يشهدُ بأنه لا يكونُ الشيءُ عالِماً مَيْتاً في حالٍ، كما لا يكوَن موجوداً معدوماً في حالٍ، وهذا يُفسِد قولَ الصالحيِّ (١): إنه يجوز وجود العلمِ والموتِ في مَحَل واحدٍ في حالٍ، ولا يجوز وجود الحياةِ والموتِ في المَحَل في حالٍ.
وأما القياس السمعى: فهو كالجمعِ بين الفِضَّةِ والرَّصاصِ، وليس واحدٌ منهما يوجِبُ تحريمَ التًفاضلِ في العقلِ، فإذا جاءَ النص بتحريمِ التفاضلِ في الفضَّةِ، ثم جاءَ بأن يُلحَق به في الحكمِ أشبَهُ الأشياءِ به، وكان الرَّصاصُ أشبهَ الأشياءِ به؛ إذ كان أقربَ إليه من الصفْرِ والنُّحاسِ ونحو ذلك، صار كأنه يشهد بتحريمِ التفاضل، كما
стр. 472
تشهدُ الفضةُ بذلك، وكُلُّه من طريقِ السمعِ؛ إذ حكمُ الأصلِ وجبَ بالسمعِ، وكذلك إلحاقُ الأشبهِ به.
وقد يعتمدُ في هذا الباب على العِلَّةِ، كالاعتمادِ في تحريم النبيذِ على الشدَّةِ؛ إذ كانت فيه وفيَ الأصلِ المَقيسِ عليه -وهو الخمرُ-، كما يعتمدُ في القياسِ العقليِّ على الجمعِ بعلةٍ تكونُ موجِبة للحكمِ في أحدِ الشِّقَّينِ، فيلزمُ في وجودِها في الشَق الآخرِ وجوبُ الحكمِ أيضاً.
فإذا قيل لي: أَلْحِقْهُ بالأشبهِ به، ثم علمْتُ الأشبهَ به، لم احتجْ إلى أكثرَ من ذلك، وإذا قيل: ألحِقْهُ بالأشبهِ به، ثم لم يظهرْ لي الأشبهُ به، احتجْتُ إلى استخراجِ عِلَةٍ تُوضحُ الأشبهَ به.
فإذا كانتِ العِلةُ منصوصةً أو مفهومةً، فقد كُفِيتُ مُؤنَةَ الاستخراجِ، ووجبَ القياسُ عليها والملازمة لها.
فصل
في القياسِ على أصلِ الفَرْعِ
اعلم أن القياسَ على أصل يجبُ التسليمُ له في كلُّ صناعةٍ إذا صَحَتِ الشهادةُ، وكذلك في المُناظَرَةِ إذا اتَفقَ الخصمانِ عليه، ووقعَ تسليمُ الجَدَلِ فيه، وإنما تكونُ المنازعةُ فيه: أيشهدُ بالحكمِ، أم لا؟ فمن هذا الوجه تَنزِعُ وتَتحقُّقُ المنازعةُ.
وأما القياسُ على فرعٍ -وهو ما لم يُسَلَمْ له أهلُ الصَناعةِ، ولا الخصمانِ في المناظرةِ- فلا يجبُ التَسليمُ له، بل تقعُ المنازعةُ فيه كما تقعُ في شهادتِه حتى يُرَد إلى الأصولِ التي يجبُ التَسليمُ لها.
стр. 473
فصل
في القياسِ على عِلةٍ
اعلم أن القياسَ على علَّةُ يحتاجُ إلى ثلاثةِ أشياءَ:
أنها موجودة في أحدِ الشقَينِ، وأنها تُوجِبُ الحكمَ له، ولها شهادة بوجودِه في الآخرِ.
فيَنتُجُ (١) من ذلك: أن الحكمَ بوجودِها في الشق الآخر.
مثالُ ذلك: الجمعُ بين النورِ والظلمةِ فى القياسِ على العِلةِ إذا قال الخصمُ: النورُ خير؛ لأن من جهتِه منفعة، ثم إن ذلك يُوجِبُ أنه خيرٌ، ثم إن في الظلمةِ منفعة، فيَنتُجُ من ذلك أنها خير، ويكشفُ الخيرَ المدعى في النورِ الهدايةُ إلى المطلوب والإِيقافُ على الأغراضِ والطُّرقِ. ويكشفُ الخيرَ (٢) المدعى في الظلمَةِ سَتْرُها لِمَا يُؤثِرُ الإِنسان سَتْرَه وتغطيتَه؛ كالتَخفِّي من المُؤذِي (٣)، فيجتمعانِ في العِلَّةِ.
وكذلك يُحتاجُ إلى تصحيحِ أن في الخمرِ شِدَّة، ثم إنها تُوجِبُ التَحريمَ، ثم إنها في النَّبيذِ، فيُنتجُ ذلك أن النَبيذَ محرم.
стр. 474
فصل
في الوجوهِ التي منها يكونُ القياسُ
اعلم أن الوجوهَ التي منها يكونُ القياسُ: الاشْتِباهُ، إلا أن الاشتباهَ لا يكونُ قياساً حتى يجبَ به حكم، والاشتباهُ الذي يجبُ به حكم لا يخلو من أن يكونَ من جهةِ الشَاهدَيْنِ، أو الشهادتَيْنِ، أو الجميعِ، والاشتباهُ الذي يجبُ به حكم لا يخلو من أن يَرجعَ إلى النَفس أو إلى العِلَّةِ.
فالاشتباهُ في الشَّاهدين دونَ الشَّهادتَينِ: كالفعلِ يَشهدُ بأن له فاعلًا، كما يشهدُ الفعلُ بأنه لا يكونُ إلا من قادرٍ.
وأما الاشتباهُ في الشهادتين دونَ الشاهدين: فكالأمرِ بالظلمِ يشهدُ بأنه لا يكونُ من حكيم، كما تشهدُ إرادةُ الظُّلمِ بانها لا تكونُ من حكيمٍ، هذا شاهدٌ للمتكلِّمين من المعتزلةِ ومثالِهم.
ومثالُ ذلك من مذهبنا: فكالأمرِ المحكَمِ لا يصدرُ إلا من عالِمٍ، كما أن الفعلَ المتقَنَ لاَ يصدرُ إلا من عالِمٍ.
وأما الاشتباهُ في الجميعِ: فكتدبيرِ العالَمِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ من
مُدبِّرٍ، كما يشهدُ تدبيرُ المَنْزِلِ والحانوتِ بأنه لا بُدَّ من مُدبرٍ.
وكلُّ اشتباهٍ ذكَرْناه فإنما هو في المعاني دونَ العِلَّةِ (١)، وأما الاشتباهُ بالعلَّةِ: كالصفيحةِ العليا متحركة؛ لأن فيها حركةً، فكذلك الصَفيحةُ السُّفلى متحرِّكةٌ؛ لأن فيها حركةً، وكذلك موسى ﵇ نبىٌ؛ لأنه
стр. 475
أتى بمُعجزةٍ، فكذلك محمد ﷺ نبيٌّ؛ لأنه أتى بمُعجِزةٍ.
فصل
في صورةِ القياسِ
اعلم أن صورةَ القياسِ دائرة في جميعِ القياسِ إلا أن يَلحَقَ تغيير عن صورةِ الأصلِ، وهي: كذا يشهدُ بكذا، كما أن كذا يشهدُ بكذا لكذا، فعلى هاتين الصُورتين الاعتمادُ في كلُّ القياسِ، ولا مُعتَبَر فى هذا باللَّفظ، وإنما الاعتبارُ بالمعنى، فكل لفظ أدَّى إِليك هذا المعنى، فقد أَدَى صورةَ القياسِ على الحقيقةِ، وذلك كقولك: كذا يُوجبُ كذا، كما أن كذا يوجِب كذا. وكذلك إن قلتَ: كذا يَدُل على كذا، كما أن كذا يدُل على كذا.
فإن كانتِ الصُّورُة مشروطةً قلتَ: إن كان كذا شَهِدَ بكذا، فكذا يَشهدُ بكذا، وإذا كان كذا يوجِبُ كذا، فكذا يوجِبُ كذا.
فلا بدَّ لكل قياس من معنى هذه الصورةِ التي ذكرتُ لك وإن تصرفْتَ في العبارةِ كيف شِئْتَ بعدَ أن تُؤدِّيَ المعنى.
فصل
في التَصرُّفِ بالقياسِ
اعلم أن التَّصرفَ في القياسِ تَتغيَّر (١) الدَلالاتُ عليه والمعنى واحد، فتقولُ مرَّةً: كذا، كما أن كذا يوجبُ كذا، وتقولُ مرَّةً أخرى: إذا كان كذا يَدُلُّ على كذا، دلَّ على كذا، ومرةً تقولُ: سبيلُ كذا
стр. 476
سبيل واحدة في أن كلُّ واحدٍ منهما، يلزمُ له كذا، وتقولُ: قد سَوى العقلُ بين كذا وكذا في كذا وكذا، وتقولُ: لا فصْلَ بينَ كذا وكذا من جهةِ كذا وكذا، وتقولُ: إن كان كذا دَلالةٌ على كذا، ففي كذا دَلالة على كذا.
وسبيلُ دَلالةِ العبارةِ والإشارةِ والحالِ وغيرِها (١) مما يتقَرَّرُ به المعنى في النَّفسِ سبيل واحدةَ، إلا أن من ذلك ما هو على التَحديدِ، ومنه ما هو على التًغييرِ، وكلُّه يَصِح إذا أدَّى المعنى إلى النفسِ؛ إذ قد بلغَ به الغَرضَ المطلوبَ.
فصل
في القياسِ المَنْطِقيِّ
اعلم أن القياسَ المنطقيَّ: هو الجمعُ بين قرينةٍ لها نتيجة وبين النَّتيجةِ (٢)، وإنما كان هذا قياساً؛ لأن القرينةَ تشهدُ بصحًةِ النتيجةِ، كما أن النتيجةَ تشهدُ بانها إن بَطَلَتْ بَطَلَتِ القرينةُ، فكل واحدٍ منهما شهادتُه بشهادةِ الآخرِ من الوجوبِ واللًّزومِ.
والقياسُ المنطقي على ثلالةِ أقسامٍ: كُلِّيَّةٍ، وقِسْمِيَّةٍ، وشَرْطِيَّةٍ: مثالُ الكُليةِ -وتُسمى: المُطلَقةَ-: كلًّ إنسانٍ حيوانٌ، وكلًّ حيوانٍ جسمٌ، فنتيجته: كلُّ إنسانٍ جسمٌ.
стр. 477
فإذا صحَتِ القرينةُ فلا بُد من أن تصحَّ النتيجةُ، فإذا لم تصحَّ النتيجةُ فلا بُدَّ من أن لا تصحَّ القرينةُ.
وكذلك لو قلتَ: كلُّ إنسانٍ حيوان، وليس واحد من الحيوانِ حَجَراً (١)، لأنْتَجَ: وليس واحد من النَاسِ حَجَراً.
وكذلك لو قلتَ: بعضُ النَّاسِ كاتب، وكلُّ كاتبٍ قارىء، للَزِمَ منه: بعضُ النَاسِ قارىء.
وكذلك لو قلتَ: بعضُ النَاسِ كاتب، وليس واحد من الكُتابِ أعمى، للَزِمَ منه: [ليس] (٢) بعضُ النَاسِ باعمى.
وأما مثالُ القِسْميةِ (٣): لا تخلو الشمسُ من أن تكونَ أكبرَ من الأرضِ أو أصغرَ أو مساويةً، فهذه مقدَمةٌ، والأخرى: أنها ليست بأصغَرَ ولا مساويةً، يلزمُ من ذلك: أنها أكبرُ، وإن لم تَكُنْ أكبرَ، فهيٍ إذن مساويةٌ أو أصغرَ، وإن كانت أكبرَ، لَزِمَ منه: أنها ليست مساوبةً ولا أصغرَ.
فأمَّا (٤) مثالُ الشرْطِيةِ: إن كانتِ الشمسُ فوقَ الأرضِ، فالنهار موجودٌ، فهذه مقدَمة، والأخرى: والشمسُ فوقَ الأرض، فيَلزمُ منه: أنَّ النهارَ موجود، وإن لم يَكُنِ النهارُ موجوداً، لَزِمَ منه. أن الشمسَ ليست فوقَ الأرضِ.
стр. 478
فإن قلتَ: والنهارُ موجود، لم يَلزَمْ منه: أنَّ الشمسَ فوقَ الأرضَ.
وكذلك إن قلتَ: وليس الشمسُ فوقَ الأرضِ، لم يَلزمْ منه: أن النهارَ ليس بموجود.
فتحتاجُ إلى تحصيلِ أشياءَ: اثنان يُنتِجانِ واثنان لا يُنتِجانِ، إيجابُ الأولِ يُنتجُ، وكذلك سَلْبُ الثاني، فأمَّا سلبُ الأولِ وإيجابُ الثاني فلا يصح.
وليس يَحتمِلُ إيجازُ الكتابِ أكثرَ من ذلك، فالقليلُ منه يدُلُّ على الكثيرِ إن شاءَ الله.
стр. 479
فصول الاستدلالِ
اعلم أن الاستدلالَ: الطلَبُ للدلالةِ على المعنى.
ولا يخلو الاستدلالُ من أن يُستخرَجَ به المعنى، أو يُعلمَ به الحق في المعنى.
فالاستدلالُ الذي يُستخرَجُ به المعنى: هو الطلَبُ للمعنى بما يَحضُرُ بحضورهِ.
والاستدلالُ الذي يُعلَمُ به الحق في المعنى: هو الجمعُ بين شيئينِ يشهدُ أحدُهما بالآخَرِ.
والاستدلالُ الذي يُستخرجُ به المعنى لا يخلو من أن يكونَ من جهةِ علامةٍ وضْعِيةٍ -وقد كان يُمكِنُ أن يقومَ غيرُها مقامَها-، أو لا يكونَ كذلك:
فالأولى: إنما كانت دَلالةً على المعنى بجعلِ جاعلٍ لها علامةً على المعنى.
والثَّانيةُ: كانت دَلالةً على المعنى لا بجعلِ جاعلٍ لها علامةً على المعنى.
والاستدلالُ الذي يُستخرَجُ به المعنى لا يخلو أن يكونَ من جهةِ البيانِ الذي منه يَشهَدُ بالمعنى أو يَقتضِيهِ، أو لا يكونَ كذلك، بل يكونُ شأنُه أن يحضُرَ بحضورِه فَقطْ، والفِكرُ والقولُ يحضُرُ بحضورِهما المعنى، إلا أن المعنى الذي يحضُرُ بحضورِهما؛ منه ما يكون شاهداً
стр. 480
بمعنىً آخرَ، ومنه ما لا يكونُ كذلك، والفعلُ والقولُ يحضرُ بحضورِهما من جهةِ شهادتِهما به واقتضائِهما له، ولم يَكُنْ يجوزُ مع سلامةِ العقلِ ألا يَشهدَ الفعلُ بالفاعلِ إذا لم تعترِضْ شبهةٌ، ويشهدَ بأن الفعلَ إذا كان فلا بُد من فاعلٍ عَلِمَه عالِمٌ أو لم يَعلَمْه عالِمٌ، وكذلك اللونُ، فلا بُدَّ من مُلون، واذا كانت الحركةُ، فلا بُدَّ من محرِّك، وإذا كان العلمُ، فلا بُد من عالم به، وإذا كانت القدرةُ، فلا بد من قادر، وإذا كانت الِإرادةُ، فلا بُد من مريد، فهذا الطريقُ من الاستدلالِ لا [بد أن] (١) يجتمعَ فيه أمران: أحدهما استخراجُ المعنى، والآخر: شهادتُه بصِحتِه.
وأما دَلالةُ الكلامِ على المعنى فليست مما إذا كان، كان المعنى لا محالةَ، ألا ترى أنه قد يَسمعُ العَجمى كلامَ العربي فلا يحضرُه معناه، فهو من باب العلاماتِ التي جُعِلَت دلالةً على الشيءِ وقد كان يُمكنُ أن تُجعل على خلافِ ذلك، وليس كدلالةِ الفعلِ على الفاعلِ؛ إذ لا يُمكنُ أن تُجعلَ على خلافِ ذلك، فيكونُ العاقلُ يَستدِل بالفعلِ على أنه ليس له فاعل، كما كان يُمكِنُ أن يَستدِل بقيامِ زيدٍ على أنه ما قامَ، ويستدل بما قامَ زيدٌ على أنه قد قامَ، ألا ترى أنه لو تواضعَ اثنان بينهما على ذلك؛ لتفاهما من ذلك ما تواضَعَا عليه، واختصا بفهمِ ذلك حَسَبَ تواضعِهما.
وأما الاستدلالُ بالفكرِ فهو على ضَرْبَينِ: أحدهما: إطلاقُ الفكرِ، والآخر: تقييدُه، كالفكرِ في كذا.
стр. 481
فالأولُ: كالطَّلَب على الطمعِ أن يُوجَدَ ما يَحتاجُ إليه من غيرِ أن يَدرِيَ الطالبُ ما يَطلَبُ، وهل هناك مطلوب في الحقيقة، أم لا؛ لأنه لا يدري هل هناك ما يَحتاجُ إليه، أم لا؛ فهو يطلبُ لَعلهُ أن يَجِدَ ما يحتاجُ إليه، فكذلك المُفكَريطلبُ بفكرِه على طمعٍ لعلهُ أن يجدَ ما يحتاجُ إليه من المعنى، فهذا وجهٌ من وجوهِ الاستدلالِ بالفِكرِ (١).
فهذا القِسْمُ صاحبُه كناصبِ شبكةٍ يطمعُ وقوعَ الصيدِ.
والوجهُ الثاني: هو تعليقُ الفِكرِ بمعنىً بعينِه، فهو كالطالب لشيءٍ بعينِه، كعبدٍ أبَقَ، أو جَمَلٍ شَرَدَ، وهذا القسمُ يَحتاجُ فيه إلى أنَ يعرفَ مَظانَ المطلوبِ وُيقربَ ذلك أشد التقريبِ، ليسهُلَ الوِجْدانُ.
وقد يُفكَرُ المستدِل في المعنى على الجُملةِ، وقد يُفكَرُ في المعنى على التَفصيلِ، فإذا فكَرَ المستدلى في: ما الدليلُ؟ فهو فِكر في المعنى على الجملةِ، وإذا فكَرَ في: ما الدليلُ على حدوثِ الجسم؟
فهو في المعنى على التَفصيلِ، وتقديمُ الفكرِ في المعنى على الجملَةِ توطئة للفكرِ فيه على التفصيلِ، فينبغي أن لا يُغفِلَ المستدِل ذلك.
فأمَّا طلبُ المُستدِل المعنى في مَظانَه بالفكرِ: فهو وضعُه في نفسِه المعانيَ التي ينبغي أن يطلبَه فيها دونَ المعاني التي لا ينبغي أن يطلبَه فيها، بخلافِ ما تقولُ العامةُ: لو ضاعَ مني جَمَل طلبتُه في الكَوةِ (٢)، وهذا غايةُ التضييعِ للوقتِ والتَضليلِ للفكرِ، وهو دأبُ المُتحيرينَ،
стр. 482
ومن صدقَ نفسَه الطلبَ، هجمَ به على المَطْلَب، فما مثلُه في ذلك إلا كالطالب للهلالِ في مَطالِعِه وجهاتِ مَطْلَعِهِ، فَهو اخلَقُ لوِجدانِه من الطَّالب لهَ مُتحيراً في جميعِ الآفاقِ، فيعودُ البصرُ كليلاً، والوقت المُغتنَم للنَظرِ متمحِّقاً (١)، وتَهجُمُ ظلْمةُ الليلِ، وينحدرُ الهلالُ عن أفْقِه فيتوارى، كذلك ها هنا تَكِلُ أداةُ الفكرِ، وَيسأمُ النَاظِرُ بتَمْحِيقِ قُوتِهِ ووقتِه في الطَّلب في غير مَظانِّ المَطْلوب، وكم يُدْهَى (٢) النَّاسُ من هذا الفَنِّ لقلَّة معَاناتِهم لهذه الصِّناعةِ التيَ هي أصلُ الغنيمةِ.
ومثالُ ذلك مما نحن فيهِ: الطَّالبُ بفكرهِ للدليلِ على حَدَثِ الجِسمِ، فينبغي أن يَضَع في نفسِه ما لَة شهادةَ بغيرِه دون ما لا شهادةَ له.
وكذلك كلُّ برهان احتِيجَ إلى استخراجِه، فإنَما يُستخرجُ من حَيزِ ما له شهادة دون ما لا شهادةَ له، وليس إذا وَجَدَ ما له شهادة كفاهُ في ذلك دون أن يكونَ له شهادة لا بالمعنى الذي يطلبُه، فيكون حقَّاً في نفسِه.
وذلك أن المعانيَ على ضَرْبَينِ: معنىً يشهدُ بغيرِه، ومعنىً لا يشهدُ بغيرِه، والذي يشهدُ بغيرِه على ضَرْبَيني: برهانٍ وغيرِ برهانٍ، وليس يشهدُ بالمعنى ما لاتَعلُقَ له به، وكلُ تعلقٍ بين شيئين فلايخلو من أن يكون من أجل النَّفس، أو من أجلِ علَّةٍ، أو لا من أجل النَّفسِ ولا من أجلِ عَلةٍ، وكيف تَصرَّفتِ الحالُ بالتَعلُقِ فلا بُدَّ أن يَرجِعَ إلى أنه إذا صحَ الأوَّلُ صحَ الثاني، وإذا لم يصحَّ الثاني لم
стр. 483
يصح الأولُ؛ وذلك أنه إذا صحَّ الفعلُ، فلا بُدَّ من فاعلٍ، وكذلك لا بُد من حَيٍّ قادرٍ، وإذا صحَّ الفعلُ متقَناً محكَماً، فلا بُدَّ من عالِمٍ، وإذا صحَّ عالِم، فلا بُد من معلومٍ، ولا بُد من علمٍ على مذهبِنا شاهداً وغائباً، وعند المعتزلةِ: لا بُد من علم شاهدٍ دون الغائبِ، لدعواهم أن الواجب لا يُعللُ، وكذلك إذا صحَ قادرٌ، فلا بُد من مقدورٍ، ولا بُد من قُدرةٍ على قولِنا شاهداً وغائباً؛ لأنها عِلَّةُ كونِ القادرِ قادراً، كما أن العلمَ عِلَّةُ كونِ العالِمِ عالِماً، وكذلك سبيل الرائي لا بُدَّ له من مَرئِيٍّ، والسامعُ لا بد له من مسموع وسمع، وإذا لم يصح مسموعٌ، لم يصحَّ سامعٌ.
فصل
وكل استدلالٍ: فهو طَلَبُ الدَّلالةِ، كما أن الاستعلامَ: طلبُ العلمِ، وكما أن الاستخبارَ: طلبُ الخَبَرِ، والاستفهامَ: طلبُ الفهمِ، والاستنطاقَ: طلبُ النُّطقِ، والاستشهادَ: طلبُ الشَّهادةِ، والاستخراجَ: طلبُ الخروجِ، والاستحضارَ: طلب الحضورِ، والاستنصارَ: طلبُ النصْرةِ، فالاستدلالُ: طلبُ الدَّليلِ، واللهُ أعلمُ.
فصل
وكل مُستدِل فهو بمنزلةِ المُستنطِقِ لشيءٍ من الأشياءِ، إمَّا على الاستشهادِ، وإما على جهةِ الاستذكارِ، وطريقةُ الاستذكارِ والاستحضارِ والاستخراجِ واحدةٌ، إلا أن الاستذكارَ لِمَا قد كان خطَر على البالِ، ولِمَا لم يكن خطرَ بالبالِ، كانك تطلبُ منه معنىً غريباً لم يكُنْ خطرَ على البالِ قَبْلُ.
стр. 484
وكل ما تستنطقُه مستذكِراً أو مستشهِداً فهو بمنزلةِ إنسان تطلبُ منه ذاك، إلا أن الفرقَ بين شهادةِ الإنسانِ وشهادةِ البُرْهانِ: أن شهادةَ البرهانِ لا تكونُ إلا حقَاً في نفسِه، والحق لا يشهدُ بباطل، وأما شهادةُ الِإنسانِ فلا يجبُ القطعُ بها؛ لأن الإِنسانَ قد يشهدُ بالباطلِ، ولكنْ لو شَهِدَ إنسان هو نبي لكانت شهادتُه كشهادةِ البرهانِ؛ لأن كلُّ واحدٍ منهما لا يشهدُ إلا بحقٍّ.
فأمَّا الاستذكارُ فلست تحتاجُ فيه إلى ثِقةِ المُذكَر؛ لأنك لا تعملُ على شهادتِه، وإنما تُمَكنُ بادِّكارِه مما تَحتاجُ إلى النًظَرِ فيه.
وكل استدلال فهو إثارة للمعنى، إلا أن منه ما يُثيرُه ببيانٍ يُوجِبُ بياناً، ومنه ما يُثير بما ليس ببيان إلا أنه يُوجِبُ بياناً، فالأولُ: كالبرهان، والثاني: كالإِنسانِ، وإيجابُ الأوَّلِ للثاني لا يخلو أن يكونَ من جهةِ أنه يفعلُه، أو يَحضُرُ بحضورِه إمَّا شاهداً به أو غيرَ شاهدٍ.
وكلُّ استدلال فإنه لا يخلو أن يكونَ بإيرادِ سؤال يقتضي جواباً، أو بإظهارِ أول يقتضي ثانياً أو يُوجِبُه؛ وذلك أن كلُّ استدلال فهو استخراجٌ لمعنى قد يَستخرجُه بالسؤالِ عنه، وقد يَستخرجُه بإظهارِ ما يَقتضِيه وُيوجِبُه.
فصل
وكل بابِ من أبواب الاستدلالِ فإنه لا بُد فيه من خمسةِ أشياءَ: مستدِلٍّ، واسَتدلالٍ، وَمستدَلٍّ به، ومستدَلٍّ من جهتِه (١)، ومستدَلٍّ
стр. 485
عليه.
فالمستدِل: هو النَاصبُ (١) للدَلالةِ.
والاستدلالُ: هو طلبُ الغَرَضِ بالدلالةِ.
والمستدَل به: هو المطلوبُ به الدلالةُ على المعنى، وهو بمنزلةِ الدَّلالةِ التي تُستخرجُ بها الدلالةُ على المعنى.
والمستدَل عليه: هو المطلوبُ ليظهرَ بالدلالةِ عليه، وهو الغرضُ الذي من أجلِه يُكَلفُ الطلبَ.
فصل
وكلُّ استدلال فإنه لا يخلو أن يكونَ طلباً بالسؤالِ، أو بالاستشهادِ في الجواب، أو لا يكونَ كذلك، فقد يكونُ السائلُ مستدِلّاً؛ لأنه يَستخرجُ بسؤَالِه الدلالةَ على المعنى، وقد يكونُ المجيبُ مستدِلّاً؛ لأنه يستخرجُ بجوابِه شهادةَ الدَلالةِ على المعنى، وذلك أنه قد تظهرُ الشهادةُ فيستخرجُ من جهةِ الشهادةِ [الدلالةَ] (٢)، على المعنى، فهو طالبٌ من جهتِه الدلالةَ على المعنى، كما أن السائلَ طالبٌ من جهةِ المجيبِ الدَّلالةَ على المعنى.
والمستدَل به قد يكونُ السؤالَ، وقد يكونُ الإِظهارَ للشَاهدِ في الجوابِ.
стр. 486
وكل مُستدَلٍّ من جهتِه، فهو مسؤول أو بمنزلةِ مسؤول، فالمسؤولُ كالعالِمِ، والذي بمنزلةِ المسؤولِ كالكتابِ الذي يُوضَعُ على حِكْمةٍ، أو الفكرِ الذي يُقدمُ (١)، لصاحبه ما يَقْوى به على استخراجِ العلوم القياسيةِ، ومَرْتَبةُ المستدَلِّ من جَهتِه أدت يكونَ مجيباً أو بمنزلةِ المجيبِ.
وكلُّ مستدَل عليه، فهو الغَرَض المطلوبُ، وهو المسؤول عنه، والمعتَمَدُ في الجواب عليه؛ لأن حق الجواب أن يكونَ عما وقعَ عنه السؤالُ، فالمطلوبُ فَي السؤالِ هو المطلوب البيانُ عنه في الجواب؛ لأن الذي يَسألُ عنه السائلُ هو الذي يجيبُ عنه المجيبُ.
وكلُّ استدلال فهو استخراجُ المعنى من جهةِ شيء من الأشياءِ: إمَّا بالسؤالِ، وإمَّا بما كان بمنزلةِ السؤالِ من الاستشهادِ؛ لأن المجيبَ إذا كان مُستشهِداً للدَليلِ فكأنه مُسْتَخبِرٌ له مُستخرج ما عنده، فتحصيلُ الشواهدِ من أكبرِ آلاتِ العِلم.
مثالُ ذلك: الفعلُ يشهدُ بأنه لا بُد له من فاعلٍ، وأنه لا بُدَّ أن يكونَ فاعلُه قادراً عليه، والحكمةُ تشهدُ بأنها لا تكون إلا من عالِمٍ، والتَدبيرُ يشهدُ بأنه لا يكونُ إلا من قاصدٍ، والصُّنع يشهدُ بأن صانعَه إن كان غيرَ مصنوع فهو قديمٌ، ويشهدُ بأنه إن كان لا صانعَ إلا مصنوعٌ، تسلسلَ إلى"ما لا نِهايةَ له، والتغيرُ يشهدُ بالحدوثِ، وأنه لا بدَّ من أن يكونَ نفسُ المتغيرِ قد حَدَثَتْ له (٢) عِلة كان بها متغيراً، وإلا وجبَ أن يكونَ على ما كانَ لم يَتغيرْ، والعلمُ يشهد بأنه لا يكون إلا
стр. 487
من عالمٍ به قبلَ كوبه أو مدلولٍ عليه، فإن ذلك لا بُد من أن ينتهيَ إلى عالِمٍ، وإلا تَسَلْسَلَ إلى ما لا نهايةَ له، وأن العالِمَ لا يخفى عليه شيءٌ من وجهٍ من الوجوه؛ لأنه [لا] شيءَ إلا ويَصِحُّ أن يَعلَمَ غيرُه إيَّاه: إمَّا بالضرورةِ، وإما بالدَّلالةِ.
والعلمُ يشهدُ بأن العارفَ بالشيءِ على ما هو به لا يخفى عليه من وجهٍ من الوجوهِ لا بُدَّ أن يكونَ حَيًّاً؛ لأن معنى حي: يصح أن يُدْرِكَ.
ويشهدُ بأن الشيءَ الذي لا يجوزُ عليه الانقسامُ واحدٌ في الحقيقةِ، وأن الواحدَ على الحقيقةِ لا يكونُ جسماً؛ لأن الجسمَ مؤلَف من أجزاءٍ وجواهرَ هي أعداد.
ويشهدُ بأن القادرَ الذي لا يُعجزُه شيء لا يجوزُ أن يُساويَه شيءٌ في مقدورِه؛ لأنه يَلزَمُ أن يكونَ وجودُ كلُّ واحدٍ منهما مَنْعاً للآخَرِ من أن يفعلَ؛ لاستحالةِ مُمانَعَتِه له بفعلِه؛ إذ ليس وجودُ الفعلِ الذي يقعُ من أحدِهما بأولى من الآخرَ، فلا يوجدُ واحد منهما.
ويشهدُ بأن القديمَ لا يصحُّ أن يصيرَ غيرَ قديمٍ؛ لأنه ليس بداخل تحت المقدورِ؛ إذ لو كان داخلًا تحت المقدورِ، لم يصح أن يُوجَدَ إلا بإيجادِ موجودٍ.
والتَغيرُ يشهدُ بأن الجسمَ إذا لم يَخْلُ منه فهو محدَث؛ لأن المغيرَ له لا بُدَّ من أي يكونَ قبلَه ليفعَلَ فيه التَغييرَ.
وتَثَبُّطُ الفعلِ يشهدُ بنفي الحكمةِ واختلالِ الرَّأيِ.
стр. 488
والظُّلمُ يشهدُ بالحاجةِ والجهلِ بقُبحِ القبيحِ.
والقدرةُ تشهدُ بصحةِ الفعلِ، وأن القادرَ. بها يصحُّ أن يفعلَ ويصح أن لا يفعلَ، ومتى لم يَكُنْ كذلك، لم تَكُنْ قدرةٌ، وخرَجَتْ عن معنى القدرةِ.
والعقابُ يشهدُ بإساءةِ المعاقَبِ.
فصل
في الاستدلالِ الذي يُستخرجُ بالمعنى
اعلم أن الاستدلالَ الذي يُستخرجُ بالمعنى: هو الاستدلالُ الذي يُستحضَرُ به المعنى، فإذا حضرَ المعنى وأرَدْتَ أن تعلمَ أحق هو أم باطل؟ فلا بُدَ لك أن تستحضرَما يشهدُ بهِ وَينْتُجُ عنه؛ لأنك من جهةِ غيرِه تعلمُ أصحيحٌ هو أم فاسدٌ؟
فترتيبُ الاستخراجِ الذي هو الاستحضارُ الذي تحتاجُ إليه في الجسمِ: أن تبدأَ فتستخرجَ: هل للجسمِ حقيقةٌ؟ ثم تستخرجَ: ما حقيقتُه؟ فإذا حضرَ الجوابُ، فإنه: جَوْهَرٌ عَريضٌ عمِيقُ، ثم احتجْتَ أن تعلمَ أحق هو الجوابُ أم باطلٌ؟ فلا بد أن تستخرجَ: ما الدَّليلُ على صحَتِه؟ فإذا حضرَك الجوابُ: إذا كان هذا أجسَمُ من هذا، معناه أكثرُ أخْذاً في الجِهاتِ الستَ، فهذا جسمٌ، آخِذٌ (١) في الجهاتِ، وإذا كان الجسمُ آخذاً في الجهاتِ، فلا بُدَّ من أن يكونَ جوهراً طويلًا عريضاً عميقاً.
стр. 489
فصل
في الاستدلالِ الذي يُحَقَقُ به المعنى
اعلم أن الاستدلالَ الذي يُحَقَقُ به المعنى (١): هو الاستدلالُ الذي يُستشهد فيه على المعنى بالأصلِ على الفرع ليُعلمَ أحق هو أم باطل؟ فإذا شَهِدَ الأصلُ بفرع وكان (٢) الأصلُ حقا وَأنه يشهدُ بحق، أنتجَ عن ذلك أن شهادتَه حق، وإذا كان الأصلُ باطلًا وأنه يشهدُ بحق، أنتجَ عن ذلك أن شهادتَه تلزمُ منه أنه يجبُ على القائلِ به أن لا يُفرقَ بين الأصلِ والفرعِ، فيقولَ بأحدِهما ولا يقولَ بالأخرِ؛ لأن الأصلَ إذا كان عنده حقًا، وكان الحق لا يشهدُ إلا بحق، لم يَجُزْ لهُ إنكارُ شهادتِه مع الِإقرارِ بعدالتِه، وذلك أنه لو أعطى الخصمَ: أن كلُّ فاعلٍ جسم، وكل جسمٍ مؤلَف، ثم منعَ من فرعِ هذا الأصلِ، فقال: وليس كلُّ فاعل مؤلَّفاً، كان مناقضاً ولم يصح له اعتلال في التَفرقَةِ بين الأمرين أصلًا.
فصل
في الاستدلالِ بالمثالِ الذي يُرد إليه المعنى
اعلم أن الاستدلالَ بالمثالِ الذي يُرد إليه المعنى على ضَرْبَينِ:
أحدهما: صورةٌ دائرةٌ في جميعِ التصاريفِ يُستَدَل بها على بَحْثِ ما فيها مما كان خارجاً عنها، وهي التي تَضبِطُ البابَ حتى لا يدخلَ فيه ماليسَ منه، ولايخرجَ عنه ما هو منه.
стр. 490
والضربُ الآخر: صورة (١) يُستشهد بها وُينتَجُ عنها في سائرِ أنواعِ القياسِ:
فالاوَّلُ: كالجوهرِ يُبحَثُ عنه من وجوهٍ كثيرةٍ كلُّها معقودة به، فمن ذلك: جنس واحد هو الجوهرُ، أم أجناس مختلِفة؛ وهل يَحتمِلُ جزء من الجوهر ما يَحتمِلُه الآخرُ من الأعراضِ؟ وهل لا شيءَ من الجواهر إلا ويجوزُ عليه ما جازَ على الآخر؟ وهل يُرَى الجوهرُ وُيلمَسُ؟ وهل يبقى الجوهر ببَقاءٍ, وهل يتداخلُ الجوهرُ؟ وهل يَصح خُلُو الجوهر من العَرَضِ في الوجودِ؟ وهل الجوهرُ غيرُ العرضِ؟ وهل ينتهي الجوهرُ إلى جزءٍ لا يَتجزَّا؟ وكم يلقى الجزءُ من الجواهرِ؟ وهل يَفْنى الجوهرُ؟ وهل يفنى بفَناءٍ؟ وهل تجوزُ الِإعادةُ على الجوهرِ؟ وهل يجوزُ أن يَفْنى جوهر دونَ جوهرٍ؟ وهل يجوزُ أن ينقلبَ الجوهرُ عرضاً؟ هذا كله بَحْث في الجوهر.
والصورةُ المُنتِجةُ الدائرةُ في جميعِ القياسِ: كصورةِ: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ، وكل حيوانٍ جسم، يَلزَمُ منه: كلُّ إنسانٍ جسم (٢).
ويوضِّحُ لك فصلَ ما يُنتَجُ بالصورةِ من غيرِه أن تَرُده إلى حروفِ المعجمِ، فتَجِدَه يُنتجُ (٣)، كقولك: كلُّ (أ): (ب)، وكل (ب): (ج)، فتجدُه يُنتجُ: أن كلُّ (أ): (ج).
فتأَمَّلْ هذا الفصلَ فإن الفائدةَ فيه كبيرةً.
стр. 491
فصل
في الاستدلالِ الذي يُعتمدُ عليه في الطريقة
اعلم أن الاستدلالَ الذي يُعتمدُ في الطريقةِ على ضَربَينِ: أحدهما: أن يشهدَ الأولُ بالثاني، والثاني بالثالثِ، والثالثُ بالرابعَ إلى آخر مَرْتَبَةٍ.
والضَرْبُ الآخرُ: أن يُحضِرَ الأولُ الثانيَ، والثاني الثالثَ، والثالثُ الرابعَ إلى حيث تنتهي مراتبُه، والاعتمادُ في هذا الاستدلالِ على أن تعملَ في الثاني على نحوِ العملِ في الأولِ.
مثالُ ذلك: التَغيرُ يشهدُ بحدوثِ الجوهرِ، وحدوثُ الجوهرِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ من صانع غير مصنوعٍ، وأنه لا بُد من صانع غيرمصنوعٍ يشهدُ بأنه قديم، وأنه قديمٌ يشهدُ بأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه، وأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه يشهدُ بأنه لا يجوزُ عليه الظُّلمُ، وأنه لا يجوزُ أن يُؤيِّدَ كذَاباً بمُعجِزٍ.
ومثالُ الطريقةِ للإِحضار: ما الدليلُ على النُّبُوةِ؟ إذا حضرَ الجوابُ: بأنه المعجزُ، اقتضى السؤالُ الثاني: وما الدليلُ على المُعجِزَةِ؟ فإذا حضر الَجواب: بأنه الخروجُ عن العادةِ، اقتضى السؤال الثالث: ما (١) الدليلُ على الخروجِ عن (٢) العادةِ؟ فإذا حضرَ الجوابُ: بأنه تَرْكُ المُعارَضةِ مع التَحدي للكافَةِ، كان على السائلِ أن يَتاملَ؛ فإن عَلِمَ فقد وصلَ إلى الغَرضِ، وإن اعترضَت عليه شُبْهَةٌ، سألَ عنها
стр. 492
حتى تُكشَفَ له حقيقتُها.
فصل
في الاستدلالِ الذي تقعُ فيه مُنازَعة
اعلم أن الاستدلالَ الذي تقعُ فيه منازعة لا يخلو من أن تكون (١) في نفْسِ الشاهدِ المُستدَل به، أو في أنه يشهدُ، أو فيهما.
والمنازعةُ تَطَرَقُ على ذلك متى لم يَكُنْ معلوماً ببَدِيهَةِ العقلِ.
وإذا وقعَ التسليمُ للشاهدِ أنه حق في نفسِه، فإنه يشهدُ بطلب المنازعةِ في الاستدلالِ؛ لأنه يَلزَمُ أن الشهادةَ صحيحة لا مَحالةَ.
فصل
في الاستدلال بالنقيضِ
اعلم أن الاستدلالَ بالنقيضِ يكونُ من جهةِ أنه إذا صحَ أحدُ النَقيضَينِ، فسدَ الآخرُ لا مَحالةَ.
مثالُ ذلك: إذا صحَ: أن كلُّ جسم مؤلَف، فسدَ أنه ليس كلُّ جسمٍ بمؤلفٍ، وكذلك سبيلُ الموجِبةِ مع السالبةِ لا تَصْدُقانِ جميعاً البَتَةَ، فيَفسدُ أيضاً أنه ليس واحدٌ من الأجسام بمؤلَفٍ، وكذلك إذا صحَ: كلُ جوهرٍ داخل تحت المقدورِ، فسد: ليس كلُّ جوهرٍ بداخلٍ تحت المقْدُورِ، وكذلك يفسدُ: ليس واحد من الجواهر داخلًا تحت المقدورِ.
стр. 493
والنَقيض يَجيءُ على طريقين: إحداهما (١) طريقة الضِّدِّ، والأخرى طريقةُ السلْبِ:
فطريقة الضِّدِّ: كقولك: إذا صح أنه ساكنٌ، فليس بمتحرِّكٍ، وإذا صح أنه موجود، فليس بمعدوم، وإذا صحَ أنه محدَث، فليس بقديمٍ، وإن لم يَكنْ هناك ضِدٌّ في الحقيقةِ.
فأمَّا طريقة السلْبِ فكقولك: إذا صحَ أنه محدَث، لم يصح أنه ليس بمحدَثٍ.
ويستدل بالنقيضِ على الفَرْقِ؛ وذلك أن كلُّ فرقٍ بين شيئين فلا بد من أن يكونَ أحدهما على الموجِبةِ -وهي المثبتة-، والآخر على السَّالبةِ -وهي النافية-، كالفرقِ بين الدَلالةِ والعِلَّةِ، وذلك أن كلُّ عِلَّةٍ فلو بَطَلَتْ، لبَطَلَ أن يكونَ ما شَهِدَتْ به على ما هو عليه، [أما الدلالة فلو بطلَتْ، لم يَبطلْ أن يكونَ ما شهدت به على ما هو عليه] (٢) وذلك أن الفعلَ يشهد بأن فاعلَه قادر، فلو بطلَ فلم يكنْ وجِدَ أصلاً، لم يَبطلْ أن يكونَ القادر على ما هو عليه قادراً، وكذلك لو لم توجَدِ الدلالة على القديمِ، لم يَبطلْ أن يكونَ قديماً. فأمَّا الحركة فلو لم توجَدْ، لم يصح متحرِّك، وكذلك السواد وسائر العِلَلِ.
فهذا بيان فَرْقِ ما بين بُطلانِ الدَلالةِ والعِلَّةِ، وهو كاشف عن الفرقِ بينهما في أنفسِهما.
стр. 494
فصل
في الاستدلال بالشَاهد على الغائب
اعلم أن الاستدلادَ بالشاهد على الغائب يَجْري على وجهين: أحدهما: الاستدلالُ بما تُشاهدُ على ما تَحتاجُ إلى علمه مما لا تُشاهدُ.
والآخرُ: الاستدلالُ بما له شهادةٌ على ما تَحتاجُ إلى علمه من جهة الدَّلالةِ.
مثال الأوَّلِ: الاستدلال بالمُشاهَدةِ (١) [على] (٢) الفرق بين المُتحرِّكِ والساكنِ من جهة الرُّويةِ على أن الحركة تُرى، وكذلك الاستدلالُ بمشاهدة الشَّجرةِ المُورِقةِ بعد أن كانت يابسةً أن لها صانعاً جعلَها على تلك الصِّفةِ، كما أنك إذا شاهدْتَ الدَّار مبنيَّةً بعد أن كانت مهدومةً، فلا بدَّ من بانٍ (٣) جعلَها على تلك الصَفةِ.
ومثالُ الثاني: استحقاقُ الذَّمِّ يشهدُ بأنه لا يَستحِقُه إلا مسيءٌ، وأن المسيءَ صار مسيئاً بعد أن لم يكن مسيئاً يشهدُ بأنه لا بُدَّ من إساءة لأجلها كان مسيئاً، كما أنه إذا صار موجوداً بعد أن لم يَكُنْ موجوداً، فلا بُدَّ من مُوجدٍ، وإذا حَدَثَ، فلا بُدَّ من مُحدِث، وإحكامُ الفعل يشهدُ (٤) بأن فاعَلَه عالِمٌ.
стр. 495
فصل
في الاستدلالِ بالأصلِ على الفرعِ
اعلم أن الاستدلالَ بالأصل على الفرعِ يكونُ على وجهين:
أحدهما: تصحيحُ الفرعِ بالأصلِ.
والآخرُ: نقضُ [الأصلِ] (١) بما يشهدُ به من الفرعِ الفاسدِ. وهذا الوجه الثاني إنما يكون في إلزام المُبطِلينَ على أصولهم بما يَدُلُّ على بطلانها، وسواءٌ كان الأصل أولًاَ أو ثانياً في أنه إذا شهدَ بمعنىً، فذلك المعنى فرعٌ له.
فالمعجزةُ تشهدُ بالنُّبوَّةِ، إذ كانت تَدُل على الخلافةِ، والمُعجزةُ أصلٌ يَدُل عَلى أنها حقٌّ في نفسِها، وهو حِكمَةُ الفاعلِ لها، والدَّال بها هو الله ، ولو لم يَثبُتْ أنها حق في نفسِها، لم يُلتفَتْ إلى شهادتِها.
فأمَّا أصلُ نُفاةِ الأعراضِ (٢) من أنه لا حركةَ ولا سكونَ ولا اجتماعَ ولا (٣) افتراق على الحقيقةِ، فيشهدُ بأنه لا يصحُّ أن يتحَركَ شيءٌ بعد أن كان ساكناً، ولا يجتمعَ شيءٌ بعد أن كان مُفترِقاً، لأنه في كلا (٤) الحالين موجودٌ غيرُ حادثٍ، ولا حَدَثَ شيءٌ لأجله صار على تلك الصِّفةِ بعد أن لم يَكُنْ عليها، فيجبُ أن يكونَ على ما كان، ففرعُ