← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فصل في الاستدلالِ الذي يُعتمدُ عليه في الطريقة اعلم أن الاستدلالَ الذي يُعتمدُ في الطريقةِ على ضَربَينِ: أحدهما: أن يشهدَ الأولُ بالثاني، والثاني بالثالثِ، والثالثُ بالرابعَ إلى آخر مَرْتَبَةٍ. والضَرْبُ الآخرُ: أن يُحضِرَ الأولُ الثانيَ، والثاني الثالثَ، والثالثُ الرابعَ إلى حيث تنتهي مراتبُه، والاعتمادُ في هذا الاستدلالِ على أن تعملَ في الثاني على نحوِ العملِ في الأولِ. مثالُ ذلك: التَغيرُ يشهدُ بحدوثِ الجوهرِ، وحدوثُ الجوهرِ يشهدُ بأنه لا بُدَّ من صانع غير مصنوعٍ، وأنه لا بُد من صانع غيرمصنوعٍ يشهدُ بأنه قديم، وأنه قديمٌ يشهدُ بأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه، وأن الحاجةَ لا تجوزُ عليه يشهدُ بأنه لا يجوزُ عليه الظُّلمُ، وأنه لا يجوزُ أن يُؤيِّدَ كذَاباً بمُعجِزٍ. ومثالُ الطريقةِ للإِحضار: ما الدليلُ على النُّبُوةِ؟ إذا حضرَ الجوابُ: بأنه المعجزُ، اقتضى السؤالُ الثاني: وما الدليلُ على المُعجِزَةِ؟ فإذا حضر الَجواب: بأنه الخروجُ عن العادةِ، اقتضى السؤال الثالث: ما (١) الدليلُ على الخروجِ عن (٢) العادةِ؟ فإذا حضرَ الجوابُ: بأنه تَرْكُ المُعارَضةِ مع التَحدي للكافَةِ، كان على السائلِ أن يَتاملَ؛ فإن عَلِمَ فقد وصلَ إلى الغَرضِ، وإن اعترضَت عليه شُبْهَةٌ، سألَ عنها

стр. 492

حتى تُكشَفَ له حقيقتُها. فصل في الاستدلالِ الذي تقعُ فيه مُنازَعة اعلم أن الاستدلالَ الذي تقعُ فيه منازعة لا يخلو من أن تكون (١) في نفْسِ الشاهدِ المُستدَل به، أو في أنه يشهدُ، أو فيهما. والمنازعةُ تَطَرَقُ على ذلك متى لم يَكُنْ معلوماً ببَدِيهَةِ العقلِ. وإذا وقعَ التسليمُ للشاهدِ أنه حق في نفسِه، فإنه يشهدُ بطلب المنازعةِ في الاستدلالِ؛ لأنه يَلزَمُ أن الشهادةَ صحيحة لا مَحالةَ. فصل في الاستدلال بالنقيضِ اعلم أن الاستدلالَ بالنقيضِ يكونُ من جهةِ أنه إذا صحَ أحدُ النَقيضَينِ، فسدَ الآخرُ لا مَحالةَ. مثالُ ذلك: إذا صحَ: أن كلُّ جسم مؤلَف، فسدَ أنه ليس كلُّ جسمٍ بمؤلفٍ، وكذلك سبيلُ الموجِبةِ مع السالبةِ لا تَصْدُقانِ جميعاً البَتَةَ، فيَفسدُ أيضاً أنه ليس واحدٌ من الأجسام بمؤلَفٍ، وكذلك إذا صحَ: كلُ جوهرٍ داخل تحت المقدورِ، فسد: ليس كلُّ جوهرٍ بداخلٍ تحت المقْدُورِ، وكذلك يفسدُ: ليس واحد من الجواهر داخلًا تحت المقدورِ.

стр. 493

والنَقيض يَجيءُ على طريقين: إحداهما (١) طريقة الضِّدِّ، والأخرى طريقةُ السلْبِ: فطريقة الضِّدِّ: كقولك: إذا صح أنه ساكنٌ، فليس بمتحرِّكٍ، وإذا صح أنه موجود، فليس بمعدوم، وإذا صحَ أنه محدَث، فليس بقديمٍ، وإن لم يَكنْ هناك ضِدٌّ في الحقيقةِ. فأمَّا طريقة السلْبِ فكقولك: إذا صحَ أنه محدَث، لم يصح أنه ليس بمحدَثٍ. ويستدل بالنقيضِ على الفَرْقِ؛ وذلك أن كلُّ فرقٍ بين شيئين فلا بد من أن يكونَ أحدهما على الموجِبةِ -وهي المثبتة-، والآخر على السَّالبةِ -وهي النافية-، كالفرقِ بين الدَلالةِ والعِلَّةِ، وذلك أن كلُّ عِلَّةٍ فلو بَطَلَتْ، لبَطَلَ أن يكونَ ما شَهِدَتْ به على ما هو عليه، [أما الدلالة فلو بطلَتْ، لم يَبطلْ أن يكونَ ما شهدت به على ما هو عليه] (٢) وذلك أن الفعلَ يشهد بأن فاعلَه قادر، فلو بطلَ فلم يكنْ وجِدَ أصلاً، لم يَبطلْ أن يكونَ القادر على ما هو عليه قادراً، وكذلك لو لم توجَدِ الدلالة على القديمِ، لم يَبطلْ أن يكونَ قديماً. فأمَّا الحركة فلو لم توجَدْ، لم يصح متحرِّك، وكذلك السواد وسائر العِلَلِ. فهذا بيان فَرْقِ ما بين بُطلانِ الدَلالةِ والعِلَّةِ، وهو كاشف عن الفرقِ بينهما في أنفسِهما.

стр. 494

فصل في الاستدلال بالشَاهد على الغائب اعلم أن الاستدلادَ بالشاهد على الغائب يَجْري على وجهين: أحدهما: الاستدلالُ بما تُشاهدُ على ما تَحتاجُ إلى علمه مما لا تُشاهدُ. والآخرُ: الاستدلالُ بما له شهادةٌ على ما تَحتاجُ إلى علمه من جهة الدَّلالةِ. مثال الأوَّلِ: الاستدلال بالمُشاهَدةِ (١) [على] (٢) الفرق بين المُتحرِّكِ والساكنِ من جهة الرُّويةِ على أن الحركة تُرى، وكذلك الاستدلالُ بمشاهدة الشَّجرةِ المُورِقةِ بعد أن كانت يابسةً أن لها صانعاً جعلَها على تلك الصِّفةِ، كما أنك إذا شاهدْتَ الدَّار مبنيَّةً بعد أن كانت مهدومةً، فلا بدَّ من بانٍ (٣) جعلَها على تلك الصَفةِ. ومثالُ الثاني: استحقاقُ الذَّمِّ يشهدُ بأنه لا يَستحِقُه إلا مسيءٌ، وأن المسيءَ صار مسيئاً بعد أن لم يكن مسيئاً يشهدُ بأنه لا بُدَّ من إساءة لأجلها كان مسيئاً، كما أنه إذا صار موجوداً بعد أن لم يَكُنْ موجوداً، فلا بُدَّ من مُوجدٍ، وإذا حَدَثَ، فلا بُدَّ من مُحدِث، وإحكامُ الفعل يشهدُ (٤) بأن فاعَلَه عالِمٌ.

стр. 495

فصل في الاستدلالِ بالأصلِ على الفرعِ اعلم أن الاستدلالَ بالأصل على الفرعِ يكونُ على وجهين: أحدهما: تصحيحُ الفرعِ بالأصلِ. والآخرُ: نقضُ [الأصلِ] (١) بما يشهدُ به من الفرعِ الفاسدِ. وهذا الوجه الثاني إنما يكون في إلزام المُبطِلينَ على أصولهم بما يَدُلُّ على بطلانها، وسواءٌ كان الأصل أولًاَ أو ثانياً في أنه إذا شهدَ بمعنىً، فذلك المعنى فرعٌ له. فالمعجزةُ تشهدُ بالنُّبوَّةِ، إذ كانت تَدُل على الخلافةِ، والمُعجزةُ أصلٌ يَدُل عَلى أنها حقٌّ في نفسِها، وهو حِكمَةُ الفاعلِ لها، والدَّال بها هو الله ، ولو لم يَثبُتْ أنها حق في نفسِها، لم يُلتفَتْ إلى شهادتِها. فأمَّا أصلُ نُفاةِ الأعراضِ (٢) من أنه لا حركةَ ولا سكونَ ولا اجتماعَ ولا (٣) افتراق على الحقيقةِ، فيشهدُ بأنه لا يصحُّ أن يتحَركَ شيءٌ بعد أن كان ساكناً، ولا يجتمعَ شيءٌ بعد أن كان مُفترِقاً، لأنه في كلا (٤) الحالين موجودٌ غيرُ حادثٍ، ولا حَدَثَ شيءٌ لأجله صار على تلك الصِّفةِ بعد أن لم يَكُنْ عليها، فيجبُ أن يكونَ على ما كان، ففرعُ

стр. 496

ذلك الأصلِ أن لا يصيرَ الجسمُ مُتحركاً بعد أن كان ساكناً، ولا مُجتمِعاً بعد أن كان مُتفرقاً. مثال في الفروع على الوجهِ الثاني من الاستدلالِ بالأصلِ على الفرعِ -وهو نقضُ الَأصلِ بما يشهدُ به الفرعُ- على مَنْ جعلَ الجدَّ كاحدِ الإخوةِ من حيث إدْلائِه بالأبِ (١) -وهم أصحابُنا (٢) وأصحابُ الشافعىِّ (٣) - وفَرعُوا على ذلك أن حَرَسُوا له تارةً ثُلُثَ المالِ وتارةً السدسَ، وهذا منهم عنايةً بحراسةِ فَرْضِ الأبوَةِ؛ إذْ ليسَ للأخُوَّةِ ذلكَ، فظهر بحراسةِ الفَرْضِ أنه ليس كآحادِ الإخْوةِ. وعلى أصحاب أبي حنيفة حيثُ جعلوه وارثاً بالإدلاءِ (٤) والأبُوَّةِ، ولم يَحُطُوا ميراثَ الَأمَ معه في مسألةِ: زوج وأم وجَد، وزوجةٍ وأم وجَد من فَرْضِها الذي هو ثُلُثُ الأصلِ إلى ثُلُثِ الباقي، بخلافِ الأبِ (٥).

стр. 497

وأبداً يقولُ الفقهاءُ: هذا انتقالٌ من كلام في أصلٍ إِلى الكلامِ في كيفيتِه، وليس هذا انتقالاً، لكنَّه استدلال صحيح؛ لأنه لو صح الأصلُ، لم يَتكدرْ تفريعُه على مُؤصِّلِه، فإن الصحيحَ لا يُثمِرُ الفاسدَ، والمُحكَمُ من الأصولِ لا تنتقضُ (١) فروعُه، ألا ترى أن الله سبحانه استدل على صِحة كونِ القرآن من عند الله بنفي الاختلافِ فيه، فقال: ﴿وَلَو كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢]. فصل في الاستدلالِ بالقرينةِ على النتيجةِ اعلم أن الاستدلالَ بالقرينةِ على النَتيجةِ تنقسمُ أبوابُه على ثلاثةِ أقسامٍ: الكُليةِ، والقِسْمِيةِ، والشَرْطيةِ: فبابُ الكليةِ على ثلاثةِ أضربٍ: الضرب الأول: له أربعةُ أنواع، وهي: الأول، (٢): كلُّ إنسانٍ مصنوع، وكل مصنوع مقدور، فكل إنسانٍ

стр. 498

مقدور. الثاني: كلُّ إنسان جسم، وليس شيء من الأجسامِ بمعدومٍ، فليس شيء من النَاسِ بمعدوم. الثالث: بعضُ الناسِ مُكلف، وكل مُكلَّفٍ مجازىً، فبعضُ النَاسِ مجازىً. الرابع: بعضُ النَاسِ مؤمن، وليس واحد من المؤمنين مُخلَداً في النارِ، فبعضُ النَاسِ ليس بمُخلَدٍ في النارِ. الضَرْبُ الثاني (١): [وله أربعة أنواعٍ: الأولُ] (٢) كلُّ جسمٍ مُؤلَّف، وليس قديم بمؤلف، فليس جسم بقديمٍ. والثاني: ليس واحد من المؤمنين بمخلدٍ في النارِ، وكلُّ كافرٍ مخلد في النارِ، فليس واحد من المؤمنين بكافرٍ. الثالث: بعضُ المُوحَدين شهيد، وليس واحد من الضالين شهيداً، فبعضُ الموحَدين ليس بضالٍّ. الرابع: ليس كلُّ مكلفٍ بمُهتَدٍ، وكل عالمِ مُهتَدٍ، فليس كلُّ مكلَّفٍ بعالم. الضَّرْث الثالث: [وله ستَة أنواعٍ: الأولُ:] (٢) كلُّ مؤمنٍ محمود، وكلُّ مُؤمنٍ مُثاب، فبعضُ

стр. 499

المحمودين مُثابٌ. الثاني: كلُّ مؤمنٍ مُحسِنٌ، وليس واحد من المؤمنين بقديم، فبعضُ المحسنين ليس بقديم. الثالث: بعضُ المتَقين أمينٌ، وكل مُتَقٍ شهيدٌ، فبعضُ الأمناءِ شهيدٌ. الرابع: كلُّ مؤمنٍ مُوحد، وبعضُ المؤمنين إمام، فبعضُ الموحدينَ إمام. الخامس: كلُّ مُنعِم مشكور، وليس كلُّ مُنعِمٍ بمُثابٍ، فليس كلُّ مشكورٍ بمُثابٍ. السادس: بعضُ الأعراضِ موجود، وليس شيء من الأعراضِ بجوهر، فبعضُ الموجوداتِ ليس بجوهرٍ. فصل كَثُرَ فيه غَلَطُ الأصوليين حتى قال فيه بعضُ المشايخِ الأصوليين: لا اعرفُ أحداً ممن مضى من المتكلَمين إلا وقد غَلِطَ فيه لدِقةِ مَسْلَكهِ، وغُموضِ مَأخَذِه، وهو: الاستدلالُ بفسادِ الشيءِ على صحةِ غيرِه . وسأوضحُ منه بغايةِ وُسْعي ما أضعُكَ فيه على الواضحةِ بعونِ اللهِ تعالى ولُطْفِه وحُسْنِ توفيقِه. وعَقْدُ الباب فيه: أن كلُّ دليل على صحةِ شيء فهو يَدُلُّ على فسادِ ضده، فكذَا إذا دل على فسادِ شيءٍ دل على صحةِ ضده، وضدُ

стр. 500

المذهبِ الذي عَينَاهُ ها هنا هو اعتقادُ فسادِه ونفيِهِ وإبطالِه. وقد قال قوم: ليس هذا هكذا، ولكن في بداهَةِ العقولِ أن كلُّ ما صححه الدليلُ أبْطَلَ ضِدَّه -أو قالوا: أفسدَ ضده-، وكل ما أفسدَه صحَحَ ضدَّه. والتحقيقُ في ذلك: أن الدليلَ إذا أفسدَ شيئاً أو صحَحَه، رَجَعَ في الأخَرِ -أعني بالاَخَرِ: ضده- إلى العقلِ، فافتى العقلُ في أسرع من لَمْحِ البصرِ بحقيقةٍ واجبةٍ. والدليلُ على هذا التحقيق: أنك إذا دللت على صحَّةِ شيءٍ فقيلَ لكَ: ما الذي يُفسدُ ضدَّه؟ قلتَ: ما في العقلِ من استحالة اجتماعِ الشيءِ وضِدِّه في الصحةِ. ولو قلتَ: ما دل على صِحَّتِه هو الذي يدلُّ على فسادِ ضدِّه، لساغَ لقائلٍ أن يقولَ لك: ومن أيِّ وجهٍ دل على ذلك؛ أرايتَ إن عارضَك مُعارِض، فقال: بل الدليلُ على صحَّتِه دال على صحَّةِ ضِدِّه، فماذا يفصلُ بينك وبينه في هذه المعارضةِ؛ فلا تَجِدُ بُدَّاً عند التحصيلِ من الرجوعِ إلى ما في العقلِ مما وَصَفْناهُ، وذلك لأن الدَّلالةَ إذا دَلَّتْ على أن زيداً مُسِيء، لم تَكُنْ بنفسِها دَلالةً على نفيِ الإِحسانِ الذي هو ضِدًّ الإِساءةِ عنه؛ من حيث إنه قد يُمكن أن يكونَ محسِناً من وجهٍ وهو بِرُّ أبيه، مسيئاً (١) من وجهٍ وهو عُقوقُ أمِّهِ، وإنما يَصح ذلك فيما لا يكونُ ثابتاً من وجهٍ ومعه ضِدُّه من وجهٍ آخرَ؛ كالدَّلالةِ على أن الشيءَ مُحدَث تدلُّ على بطلانِ قِدَمِه؛ فإنه لا يصحًّ

стр. 501

أن يكونَ قديماً من وجهٍ. فانْعَقَد البابُ على أن كلُّ دَلالةٍ (١) دَلَّتْ على صحَّةِ حكم أو مذهبِ أو حالٍ أو حقيقةٍ لم يُمكِنْ أن يكونَ ضدُها من وجهٍ من الوجوهِ مُجامِعَاً لها، فإن الدليلَ الدال على صحَّتِها هو المفسدُ لضدِّها، ومتى كان من قَبيلِ الأولِ لم يدل إلا على صحةِ ما دلَّ عليه دونَ أن يدلَّ على فسادِ ضدِّه أو بطلانِ ضده، وكلُّ ذلك يقتضيه العقلُ في ذلك، ونفيُ الضدِّ لضدِّه، فقد أفتى العقلُ وسبَقَتْ فتواه بذلك. واعلم أن المُعتقِدَ لشيءٍ ليس له ضد يَفسُدُ أو يَصلُحُ مُعتقِدٌ، وليس تقفُ صحةُ فعتقَدِ الشيءِ على العلمِ بأن له ضدَّاً، ولو كان للمعتقدِ ضدٌّ لفسدتِ الحقائقُ. وهذا موضعٌ لم يتقدمْ تحصيله فلا تَستوحِشْ من وَحدَتِكَ فيه، ولا تَعتبرْ بكثرةِ ما يورَدُ عليك فيه، فإن لكلِّ شيءٍ أولًا، ولكلِّ أوَّل وقْفَةٌ من المستوحَشِ منه، فلا يرُعْك ذلك. واعلم أن الضدَّينِ المذكورين في هذا الباب هما الاعتقادان، فأمَّا المعتقَدُ الواحدُ (٢) لا ضدَّ له فيَفسد أو يَصلُح. والدَليل على ذلك: أنك لا تَجدُ قديماً هو ضدٌ للمحدَثِ الصحيحِ، ولا اثنينِ قَدِيمَينِ هما ضدٌّ لَلواحدِ القديمِ، ولا مُتحرِّكاً إلا بحركةٍ هو ضد للمتحرِّك بحركةٍ.

стр. 502

فإن قلتَ: فما الدليلُ على صحَّةِ الأول دونَ ما حَكَيْتَه عن هؤلاءِ القومَ؟ فالدليلُ عليه ما ذكرَه المحقَقونَ من العلماء بهذا الشَّأَنِ، وهو أن الدليلَ لا يخلو من أن يكونَ هو المُعرِّف، المُبينَ الهاديَ، أو ما يستشهدُ لك المعرِّفُ (١) عندَ دلالته وُينَبِّهُك على ما فيه، فإن كان هو المعرِّفُ (١)، فقد اجتمعَ له الأمران؛ لأنه هو الذي عَرَّفَك صحةَ المذهب، وهو الذي عَرَّفَك ببَدِيهةِ العقلِ فسادَ ضدِّه، ومخاطبته إياك بالخواطِرَ كمخاطبتِه إياكَ ببديهةِ العقلِ، فإن كان المذكورُ ما فيه من الآثارِ ونحوها عند الدَّلالةِ والهدايةِ هو الدَّليلُ، فالصَّنعة إنما دلَّتْ على أن [لها] (٢) صانعاً فقط، والعقلُ هو الذي دلَّ على صحةِ اعتقادِه، من حيثُ دلَّ على أن كلَّ ما أثبتَه الدليلُ يصحُّ اعتقادُه، وهو أيضاً إقرارُهم بما دلَّ على فسادِ ضده، فقد اجتمعَ له الأمرانِ، وشروطُهم التي تقدَّمَتْ تُوجِبُ ما قلنا؛ لأن قائلًا لو قال: من أين تجبُ صِحَّةُ اعتقادِ الصانعِ إذا دلَّتْ عليه الدلائل؟ فقلتَ: من حيثُ وجبَ أن صانعاً للمصنوعِ. فقال لك كذلك: فإنا لا نرى فيها أكثرَ من تثبيتِ صانعٍ فقط. لم تَجِدْ بُدَّاً من الرُّجوع إلى ما في العقلِ بما وصفنا، ورجوعُك إلى ما في العقل رجوعُ إلىَ من وضعَه فيه. فإذا كان للمذهبَين ثالثُ، لم يَكنْ (٣) ما يَدخُل في احدهما من

стр. 503

الفسادِ دليلًا على صحةِ واحدٍ من الثلاثةِ بعيْنِه، وإن لم يَكُنْ لهما ثالثٌ، فهذا المذهبُ في الاستدلالِ فيهما أجودَ. ونظيرُ هذا: إذا لم يَكُنْ في العالَمِ إلا ثلاثةُ أماكنٍ، لم تكن غَيْبُوبةُ زيدٍ عن أحدِها (١) دالةً على كونِه في واحدٍ من الاثنين بعينِه، وإن لم يَكُنْ فيه إلا مكانانِ استدْلَلْتَ بغَيْبَتِه عن أحدِهما على كونِه في الآخرِ. وقد يَستخِفُّ المتكلِّمون بالثالثِ كثيراً، وهو ثالثُ النَفي والإِثباتِ، والثالثُ: إمَّا الوقفُ أو الشك الذي يُثبتُه (٢) بعضُ الناسِ مذهباً (٣)، أو يُخرِجُه قومٌ عن كونِه مذهباً، ويَعتلونَ على ضعفِه عندهم، فيستدلون بفسادِ أحدِ الاثنينِ على صحةِ الأخرِ، ووجودُ ضد الثالثِ -ضعيفاً كان أو قوَياً- يمنعُ من هذا. والدليلُ على ذلك: أن مُحصِّلًا لو اعترضَ عليهم، فقال لهم: ألستُم تعلمون أن لهذين المذهبين ثالثاً؟ فقالوا له: بلى. فقال لهم: فكيف صار بفسادِ أحدِ هذينِ الاثنين يوجبُ صحةَ ما صححتُموه دونَه؟ لم يجدوا بدَّاً من ذكرِ ما أضعفَه عندهم، وللمُحصلِ أن يقولَ لهم: فإنما كان ينبغي أن تذكُروا فسادَ المذهبين، ثم تَستدِلُّوا بذلك على صحةِ الثالثِ؛ إذْ لا رابعَ له بالضرورةِ، فأمَّا الاقتصارُ على إفسادِ واحدٍ

стр. 504

فلا يَصلُحُ؛ لأن معارِضاً لو عارضَكم بذكرِ ما يُفسدُ به الذي صحَّحتُم، ثم جعلَ إفسادَه دليلَاَ على صحةِ الذي أفسدتُموه ما الذي تَنفصِلونَ به عن معارضتِه؟ فلا مَحِيصَ لهم عن ذلك. فإن قالوا (١): الذي أفسدناه يَدخلُ فيه كذا وكذا فيُفسدُه، فإذا فسدَ فلا بُد من صحةِ الثاني، فيقالُ لهم (٢): والذي صحَحتُموه يَدخلُ فيه كذا وكذا فيُفسدُه، وإذا فسدَ فلا بُد من صحَّةِ الأولِ. وبعدُ: فلِمَ كان الأولُ صحيحاً لَما دخلَ في الثاني دونَ أن يكونَ الثاني هو الصحيحَ لمَا دخلَ في الأولِ؟ وكيف صارَ ذِكرُ ما يَدخلُ في الثاني دليلاً على صحةِ الثاني؟ فصل في القِسْمِيَّةِ (٣) وذلك كقولِك: لا يخلو المعاقَبُ أن يكونَ مُسِيئاً، أو مُحسِناً، أو لا مُسيئاً ولا مُحسِناً، فإذا بطلَ أن يكونَ لا مُحسناً ولا مُسيئاً، كما بَطَلَ أن يكونَ مُحسِناً، لم يَبْقَ إلا أنه مُسيء، وكذلك المستحِقُّ للذمِّ. وكذلك المستحِقُّ للحمدِ، لا يخلو من أن يكونَ مُحسِناً أو ليس بمحسنٍ، فإذا بطلَ أن يَستحِق الحمدَ مَنْ ليس بمحسنٍ، وجبَ أن لا يَستحِقَّه إلا مُحسِنٌ.

стр. 505

وما استُوفِيَتِ القِسمةُ بأحسنَ من قولِه سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]، فانظرْ كيف أحَّدَ الِإناثَ، وأَحدَ الذكورَ، وجَمعَ، وحَرمَ، ولا قسم بعد هذه الأربعةِ. فصل في الشَّرطِيةِ وهي إضافةُ الشيءِ إلى غيرِه، أو حملُه على غيرهِ من جهةِ صحةِ كونِه، لا من جهةِ الوجوبِ، بخلافِ وجودِ المعلولِ عند عِلتِه. مثالُه: إن وافى زيدٌ بالكفرِ، فهو مُستحِق للتخليدِ في النَارِ. وإن قلتَ: وليس بمُستحِق للتخليدِ في النَارِ، لأنتجَ: أنه لم يُواف بالكفرِ. ومتى أوجبتَ الشَرْطَ (١) وجبَ الجوابُ من حيث اللِّسانُ واللغةُ، وإن سَلَبْتَ الجواب وجبَ سلبُ الشرطِ. وُيسمى الشرطُ والجوابُ بلُغةِ أهلِ الجدلِ: المقدَّمَ والتاليَ. فصل من الردِّ الفاسدِ في الجدل: أن يقالَ للِإنسانِ المُتمذهب بمذهبٍ: دُل على صحةِ مذهبك، فيقول: لا أَدُل، لكن دُلوا أنتم علىَ فسادِ مذهبِي؛ لأن عَجْزَه عن الدَلالةِ على صحة مذهبِه يَمنعُه من

стр. 506

التمذهب به؛ لأنه يعطي أنه مُقلِّدٌ (١)؛ إذ لو كان مُستدِلًا لدل السائلَ بما استدَلَّ به على المذهب، وذكرَ الدليلَ الذي لأجلِه تمذهبَ بذلك المذهبِ، ولمَّا عَجزَ عن الَدَّلالةِ خرجَ عن أهلِ المذاهبِ، وعُلِمَ أنه مُقلِّدٌ هَويَ شيئاً، فقالَ به. وعجْزُ السائلِ عن إفسادِه لا يُصحَحُ مذهبَ المسؤولِ، كما أن مُدَّعيَ النبوَّةِ لو طلبَ منه طالبٌ مُعجزةً دالَّةً على صدقه، فردَّ على الطالب طَلَبَه بأن قال: فدُلَّ أنت على كذبي، فليس عجزي [عن] إقامةِ الدَّلَالةِ على صِدْقي بأوفى من عَجْزِك عن إقامة الدليلِ على كذبي، لم يكُ هكذا القولُ صحيحاً لإِثباتِ دعواه، كذلك ها هنا (٢). فصل من العِللِ اعلم أنه إذا قال القائلُ: إنما كان الجسمُ مُتحرِّكاً؛ لأن فيه حركةً، فقد جعلَ الحركةَ عِلَةٍ لكونِ الشيءِ متحرِّكاً، وجعلَ عِلَّةَ كونِ الشيءِ متحرِّكاً، وعِلَّةَ استحقاقِه للوصفِ بالتحرُّكِ: الحركةَ، فلَزِمَه على هذا القياسِ أن يجعلَ كلَّ (٣) حركةٍ وُجِدَتْ في شيءٍ علةً لتحركِه، وكل مُتحرِّكٍ ذا حركةٍ؛ لأنه قد جعل علةَ كونه مُتحركاً: الحركةَ. فإن أبى هذا وزعمَ أن الواجبَ أحدُ الأمرَينِ، وهو أن يكونَ كلُّ

стр. 507

مَنْ فيه الحركةُ مُتحركاً، وجَوَّزَ كونَ مُتحرَك بلا حركةٍ، فلخَصْمِه أن يَقلبَ عليه القضيةَ، فيجعلَ الواجبَ ما أسقطَه، والساقطَ ما أوجبَه، فقال: بل المُتحركُ فيه حركةٌ، ومن فيه الحركةُ ليس بمتحرِّكٍ، فلا يَجِدُ انفصالًا عن القَلْبِ عليه. والأصل في هذا: أنَا لَما وجدْنا حركةً واحدةً تحدثُ في الشيءِ فيكونُ مُتحرَكاً بحدوثِها فيه، وجبَ القضاءُ على كلُّ حركةٍ بمثلِ ما شوهدَ فيها، وعلى هذا القياسِ: أنَا متى وجدنا شيئاً واحداً لا يَتحركُ إلا بحدوثِ الحركةِ فيه، وجبَ على كلُّ متحركٍ غابَ أو حضرَ بمثلِ ما شوهدَ منها، فإن لم يَسْتحِلْ وجودُ مُتحرَكٍ لا حركةَ فيه، فكان هذا الحكمُ إنما يقعُ على الجسمِ المُشاهَدِ دون ما لا يَحتمِلُ الحركةَ، ولا بُدَّ من أن يكونَ مُتحركاً، فقد صارت هذه القضيةُ مانعةً من القضاءِ على الغائبِ بما أوجبَتْهُ العلةُ في الشاهدِ، ولم تنكرْ أن يكونَ في قُدرَةِ الله سبحانه حركةٌ يُجريها في شيءٍ لا يجوزُ عليه التحركُ، فلا يكونُ بحدوثِها فيه متحركاً، وليس حكمُ الغائبِ من المحدَثاتِ حكمَ الشاهدِ فيما وجَدْنا من عِلَله، فإن وجدنا دَلالةً تُثبتُ شيئاً لا يجوزُ عليه التحرُّكُ ولا بُدَّ من حُلولِ الحركةِ فيه متى يكوَنُ هذا، نظراً لقولِهم: عندنا دلالةٌ تُثبِتُ شيئاً لا بُدَّ من وصفهِ بالتحرُكِ ونَفْي الحركةِ عنه، وإلا فأصل ما يجبُ تجويزُه إذ ليس يُمكِنُ القطعُ على كلِّ غائبٍ بحكمِ ما شوهدَ، فيكونُ ذلك مانعاً من إثباتِه وتجويزِه، والشيءُ إذا لَم يَمنعْ منه مانعٌ، وجبَ تجويزُه، إلا أن تمنعَه بَديهةُ العقلِ، فيكونُ دفعُها أكبرَ الموانعِ منها.

стр. 508

ومن (١) أصولِ هذه الأبوابِ العظامِ أنهم إنما جعلوا الشيءَ مُتحركاً لأن فيه حركةً، فأوجبوا لذلك أن يكونَ كلًّ ما فيه الحركةُ متحرّكّاً، لأنهم لم يجدوا الحركةَ فيه قَطًّ إلا وهو متحرِّكٌ، ولم يجدوه مُتحرِّكاً إلا وفيه الحركةُ، ولأنهم رأوا وصفَ لفظِه في العقلِ على حقيقةٍ يُستيقَنُ (٢) منها، وذاك أن عَقْدَك على أنه مُتحرِّكٌ هو كقولِك: هو مُتحرِّكٌ، لأنك اعتقَدْتَه من جهتِها كما وصفنا من جهتِها ولفظِها، وهذا يوجبُ أن يكونَ كلُّ متحرِّكٍ إذاً لحركةٍ فيه، لأنهم لم يجدوا مُتحرِّكاً قَطًّ إلا بحركةٍ، وقد وجدوا مُتحرِّكاً بغيرِها أو بنفسِه مُحالَاً، كما وجدوا قيامَ الحركةِ بنفسِها (٣ ووجودَها فيما ليس بمُتحركٍ ٣) مُحالًا، وإلا فلِمَ قَضَوْا بأن من فيه الحركةُ مُتحرِّكٌ، وما أنكروا من وجودِ حركةٍ تُخالِفُ الحركاتِ في هذا الباب، إذ قد جاز وجودُ متحرِّكٍ يخالفُ المتحرِّكِينَ، فمهما استشهدوا به فيَ الحركاتِ (٤)، رجعَ عليهم في المتحرِّكينَ.

стр. 509

فصل في الكلام على جُهَالِ مُنتَحِلي الجدلِ في قولهم: ليس على النافي دليلٌ، ولَا على المُنكِرِ حُجةٌ لنفيِه وإنكارِه، وإنما ذلك على المُثبِتِ خاصَّةً، فهو المُدَعِي. اعلم أن من نَفَى شيئاً وأنكرَه، وادَعى أنه نفاه بدليلٍ ظاهرٍ وحجةٍ واضحةٍ يُمكِنُ غيرُه موافقتَه له في ذلك النفي والإِنكارِ ومعرفتَه، وأنه لم يَنْفِه بالحَدْسِ والتخمينِ ولا بحِسٍّ تفردَ به عن ذوي الإِحساس (١)، كان عليه إقامةُ الدليلِ على صِحةِ نفيهِ، والبَينَةِ على إنكارِه، ولَيس بين إثباتِه ونفيه فرق الْبَتَةَ بحُجتِه التي ادعى وجودَها وظهورَها، كما أن من أثبتَ شيئَاً بحجةٍ ظاهرةٍ، كان عليه إثباتُه بحجتِه التي ادَّعاها، ولَزِمَه من الدَّلالةِ على صحةِ إنكارهِ ما عليه من الدَّلالةِ بصحةِ إثباتِه، وليس بين الإِثباتِ والنفي فرق الْبَتَةَ في كونِهما مذهباً واعتقاداً يَصدُرانِ عن دَلالةٍ أوجبَتْهما، وحجةٍ ساقَتْ إليهما. فأمَّا تعلُّقُهم وتمثيلُهم ما نحن فيه من نفيِ الحقائِق ذواتِ الدَّلائل الظاهرةِ بحكمِ اللهِ سبحانه في باب الشرع، فإنه فاسدٌ؛ وذلك أن من ادُّعِيَ عليه مالٌ فأنكرَه، لا يَزعُمُ أنَ العقول والدلائلَ الظاهرةَ تدُلُّ على فسادِ ادِّعائِه عليه، وإنما غايةُ ما يَدعي أنه عرَفَه بمعرفةٍ تخصُّه؛ إذ لم يَجِدْ نفسَه آخذةً لذلك المالِ المُدعى عليه، وذلك أمرٌ لا يَظهرُ لغيرِه في حالِ إنكارهِ، والمنكِرُ للحقائقِ القائمةِ دلائلُها الظاهرةِ حُجَجُها يزعمُ أن له دليلَاً على إنكارِه، وحجةً على تخطئة خصْمهِ إيَّاه فيما

стр. 510

نفاهُ، وأنه لو استدلَّ خصمُه لأدركَ مثلَ الذي أدركه من النفيِ لِمَا نفاه، ولعرَفَ من صحةِ إنكارهِ ما عَرَفه هو، فهو في هذا القولِ مُثبتٌ لدليلِ إنكارهِ، وخصمُه مُخالِفٌ له فيه، وعلى مَنْ أثبتَ شيئاً يُخالَفُ فيه أن يَأْتِيَ بدليله إذا ادَّعى ظهورَه، فأمَّا مُدَّعِي المالِ فإنه يَدَّعِي أن له بَيِّنةً على صحة ادعائِه إيَّاه، فلذلك طُولبَ بإحضارها، ولولا أن العقولَ لا تُبطِلُ دعواه، لفَرَّقَ الناسُ بينهما، ولكن لَمًا كان ادِّعاءُ أحدِهما وإنكارُ الآخَرِ يستحيلان في العقول على كلُّ واحدٍ وصاحبِه، وإن كان مُنكِراً لمذهب يزعمُ أنه منكر المالَ، فقد ينبغي أن يزعُمَ أن الذي أسقطَه عندَ إقامةِ البرهانِ على إنكاره: أنه لا سَبيلَ إلى إقامتِه من العقل والحِسِّ إلا بأَخْذِ مَنْ لا سبيلَ له إلى معرفته من خصومه بتصحيحه له؛ إذ ليس لهم عليه دليلٌ ظاهرٌ، ولا يدعوهم إلى مثل ما هو عليه منه، وهذا ما لا يقولُ [به] المُتعلقونَ بهذا الجهلِ. على أن المُنكِرَ للمال ما خُلِّيَ ومُجرً دَ إنكارِه، إذ لو كان مُخَلَّى (١) وإنكارَه، لكان مجرَّدُ قولِه في جواب المُدَّعي: أستَحِقُّ عليه مئةَ دِرهَمٍ: لا يَستحِق عليً شيئاً ممَّا ادَّعى، كافياً في الردِّ للدَّعوى استناداً (٢) إلى براءَةِ الذِّمَّةِ في الأصل عقلًا وشرعاً، لكنْ لمًا أوجبَتِ الشريعةُ اليمينَ بالله سبحانه -وهي نوعُ حُجَّةٍ في الشرع على مذهب العارفين بالسنَنِ، كهي مع الشاهدِ، ومُعدَّدَةٌ في أَيْمانِ القَسامَةِ (٣) - عُلِمَ

стр. 511

أنه لم يَعْرَ المُنكِرُ من دَلالةٍ، وإنما كانت دَلالتُه دلالةً مخصوصةً، وليس الكلامُ في كيفيَّة الدَّلالةِ، لكنْ كلامُنا (١) في أصل الدَلالةِ، وما قُنعَ من المُنكِرِ إلا بدَلالةٍ وحجةٍ على صحة إنكارِه. ويقالُ لصاحب هذه المقالةِ: إنك مُقابَلٌ فيما تعلَّقْتَ به من الإِنكار للمال بما أجْمَعَ عليه العلماءُ من وجوب الدليلِ على مُدَّعي التوحيدِ ومثبتِه، وليس حقيقةُ التوحيدِ إلا نفيَ التَّثْنِيَةِ والتَّثْليثِ، فإن إثباتَ الصانع أصل، والتوحيدُ مبنى عليه، فلا فَرْقَ بين قولِ القائلِ: دُلَّ على إثبات الواحدِ، وبين قولِه: دُل على نفي ما زادَ عليه، ومن أرادَ أصلَ الإِثباتِ قال: دُلَّ على الصانعِ، وليس إثباتُ الصانعِ من التوحيدِ في شيءٍ؛ لأنه ليس من ضرورة الصنعةِ أن تَصدُرَ عن واحد، لكن وجبَتِ الوَحْدَةُ للقديم سبحانه حيثُ كان التَمانُعُ دالّاً على وَحْدَتِه من حيث كونُه قديماً كاملَ الذَاتِ والصَفاتِ، واستحالَ الكمالُ بلزوم العَجْزِ. عند إثباتِ الثاني، فوجبَ كوُنه واحداً، فبانَ بهذه الجملةِ: أن التوحيدَ نفيٌ في الحقيقة لِما زادَ على الواحد، وقد وجبَتِ الدَلالةُ عليه. ويقالُ له أيضاً: هل بين إنكارِك لما أنكرْتَه، وبين إقرارِ خصمِك به فرقٌ ظاهر للحِس أو للعقل؛ فإن قال: لا، فقد صارَ إلى أنه لا فَرْقَ بين الحقِّ والباطلِ، وإن قال: نعم، قيل له: فهل يَلزَمُ دليلُ الفرقِ

стр. 512

بينهما؟ فإن قال: لا، فقد صار قائلًا بالفرقِ بين مَذهبينِ لا لِمُفرق (١)، وذلك باطل أيضاً، وإن قال: بلى يَلزَمُني دليلُ الفرقِ. فقد أَقَر بأنه يَلزَمُه إقامةُ الدَّلالةِ عليه، وفي هذا يطلانُ حيلتِه. ويَدخُلُ على أصحاب هذه المقالةِ أن يُسقِطُوا إقامةَ الحُجَّةِ عن نافي (٢) الرَّبِّ، والرُّسلِ، والكتب، والشرائعِ؛ لأنهم مُنكِرون، والمُنكِرُ لا بَيِّنةَ عليه في أن نفيَه اوْلى بَالحق من إثبات خصمِه، وإنما يجبُ هذا على المُقِرِّ، ومن صار إلى هذا أبطلَ مسائلَ المُوحَدينَ على المُلحِدينَ. فإن كان المُتعلق بهذا مُلحِداً، بَطَلتْ مسائلُه على أصحاب الحدوثِ؛ لأنهم منكرون القِدَمَ وهو يُقِرُّ به، والمُنكِرُ لا بَيِّنةَ عليه، إنما البيِّنةُ على من اقر به، فإن قال: إذا ادعيت [القِدمَ] (٣)، فلَعمْرِي إن على إقامةَ البَينةِ عليه، فأمَّا إنكاري للحَدَثِ فليس عليَّ فيه بَينةٌ. قلنا له: حدِّثنا، هل بين الحَدَثِ والقِدَم منزلةٌ؟ فإذا قال: لا، قلنا له: فهل يجوزُ أن يجتمعا؟ -وإنما نسأل عَن الاجتماعِ الذي ينكِرُه-، فإذا قال: لا، قلنا له: فإذا لم يَكنْ بينهما منزلةٌ واستحالَ اجتماعهما، أفليس قد يجبُ أن يكونَ دليلُ صِحةِ أحدِهما دليلاً على فسادِ الاَخَرِ؟ وإلا فكيف تَعلَمُ فسادَ الثاني إذا عَلِمْتَ صحةَ اْلأولِ؟ وإذا كان هذا كذا، فقد وجبَ أن دليلَ الِإنكارِ، فإنما تجبُ الإِشارة إليه والدَلالةُ به؛ لأنه هو دليل الِإقرارِ بعَيْنِه.

стр. 513

ويقالُ أيضاً لصاحب هذا الاعتلالِ: هل على فسادِ إنكارِ مذاهبهِم دليلٌ ظاهرٌ؟ وهل لمن أنكرَها سبيلٌ إلى معرفةِ خَطَئِه في إنكارِها؟ فإن قال: نعم، قلنا لهم: فكيف لا يَجبُ عليهم الإِشارةُ إليه والدَّلالةُ به؟ ثم نقولُ لهم: فهل على فساد إنكَارِ المالِ والدَّيْنِ دليلٌ ظاهرٌ؟ فإن قالوا: لا، قلنا لهم: فقد فَرَقْتُم بين الإِنكارِ، ويَلزمُكم أن تُوجبوا على صاحب أحدِهما الدَّلالةَ بدليلِه الظاهرِ، وأن تُسقِطوا (١) ذلك عن الَآخَرِ بغَيْبَةِ (٢) دليلِه، وإلا فما الفرقُ بين حضورِ الدليلِ وغَيْبَتِه؟ وما وجهُ المنفعةِ في حضورهِ ووجهُ الضرَرِ فىِ غَيْبَتِه. واعلم أن المُدَّعىِ إذا لم يكنْ على صحةِ ادعائِه دليل ظاهرٌ، لم تَلزَمْه إقامةُ الدليلِ عليهما، وهذا يدُلُّ على أنه ليس من أجلِ الإِنكارِ والإِقرارِ ما وقعَ الاختلافُ في هذا الباب، ولكِنْ من أجلِ حضورِ الدليل وغَيْبَتِه؛ ألا ترى أن ما تُمكِنُ الإِحَاطةُ به من النفي، ويَحضُرُ دليلُه، تُسمَعُ البَيِّنةُ عليه، مثل قولِ المُدَّعىِ: إن هذا قتَلَ أبانا أمسِ في عَرْصَهَ الكَرْخ (٣). فيَنْفي (٤) المُدَّعى عليه القتلَ ببَيِّنةٍ تشهدُ بأنه أمسِ جميعَه كان فىِ حَبْسِ الحاكمِ، فإن قالوا: ولِمَ حَكَمَ اللهُ بإقامة الدليلِ على مَنْ يدَّعي المالَ دون من يُنكِرُه؛ قلنا لهم: هو أعلمُ به

стр. 514

مِنَا، وليس جهلُنا لعِلةِ هذا التعبدِ مانعاً لنا من إفساد هذا الاعتلالِ؛ إذ كان الدليلُ على فسادِه ظاهراً، وقد يُمكِنُ -من غير قَطْعٍ بذلك- أن يكونَ سبحانه لَمَّا علمَ أن زوالَ المالِ عن الإِنسان دائمٌ في كلِّ حالٍ، وأنه لا سبيلَ له إلى مُلازَمةِ البيِّنةِ في جميعِ أوقاتِه ليَعرِفُوا ذلك، وأنه (١) لم يُشهِدْ في شيءٍ منها، فيَشهَدُوا له بصحةٍ إنكارِما ادُّعِيَ عليه من الديْنِ، فلذلك كُلفَ المُدَّعي إقامةَ البيِّنةِ على ادِّعائه؛ إذ لا ضَرَرَ عليه في إثباتِ الشهودِ في وقتِ دفْعِ المالِ، ولا على الشهودِ في تعبدِهم لأمرِه فيه، وقد تقوم البَيِّنةُ على المنكِرِ، فيدَّعي أن له بيِّنةً أخرى تشهَدُ به، وأنه مُكَلَّفٌ إحضارَها، وهذا أيضاً يُؤكِّدُ ما قلنا في لزوم البيِّنةِ على من ادَّعى دَعْوى مُقِرَّاً كان فيها أو مُنكِراً، واللهُ أعلم.

стр. 515

فصولُ الانقطاعِ اعلم أن الانقطاعَ: هو العَجْزُ عن إقامةِ الحُجةِ من الوجهِ الذي ابتُدىءَ للمقالةِ (١). والانقطاعُ في الأصل: هو الانتفاءُ للشيء عن الشيءِ، وذلك أنه لا بُدَّ من أن يكونَ انقطاعَ شيءٍ عن شيءٍ. وهو على ضَرْبَينِ: أحدهما: تباعدُ شيءٍ عن شيءٍ، كانقطاع طَرفِ الحَبْلِ عن جملتِه، وانقطاعِ الماءِ عن مَجْراه. والآخر: عدمُ شيءٍ عن شيءٍ، كانقطاعِ ثاني الكلامِ عن ماضيه. وتقديرُ الانقطاِعِ في الجدلِ على أنه: انقطاعُ القوَةِ عن النُّصرةِ للمذهب الذي شَرَعَ في نصرتِه. وذلكَ أن المسألةَ قد تكونُ مراتبُها خمسةً، فيكونُ مع المُجادِلِ قُوَّةً على المَرْتبةِ الأولى والثانيةِ، ثم يَنقطعُ، فلا يكونُ له قُوَّةٌ على المرتبةِ الثالثةِ وما بعدها من المراتبِ، وانقطاعُ القُوَّةِ عن الثالثةِ عَجْزٌ عن الثالثةِ،

стр. 516

فلذلك قلنا: الانقطاعُ في الجَدَلِ عَجْزٌ عنه، فكلّ انقطاعٍ في الجدلِ عجزٌ عنه، وليس كلُّ عجزٍ عنه انقطاعاً فيه، وإن كان عاجزاً عنه. والانتفاء: قد. يكونُ الإِعدامَ، وقد يكونُ التَّباعُدَ، ألا ترى أنهم يقولون: انْتَفى من أبيه، وكذلك: نفاهُ من أرضِه، كما قال سبحانه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] إلا أن الفرقَ بين الانتفاءِ والانقطاع: أن كلَّ انقَطاعٍ فهو لشيءٍ عن شيءٍ آخَرَ، وليس كلُّ انتفاءٍ فهو لشيءٍ عن شيءٍ آخرَ؛ إذكان قد يَنْتَفي بأن يعدَمَ لا عن شيءٍ. وكلُّ انقطاعٍ فهو انتفاءٌ عن المقالةِ (١) وما ابتدِئتْ به من النُّصرةِ بالعجزِ عن إقامةِ الحجَّةِ، ولا يخلو أن يكونَ ذلك لنقصانِ علمٍ بالجدلِ، ولا يَدْرِي كيف يَضَعُ الأشياءَ موإضعَها في السؤالِ والجواب، أو يكونُ لنقصانِ علمٍ بالحُججِ، فيكون الذي قَعَدَ به قِلَّة علمِه لَا ضعف جدلِه، أوِ يكونُ لفسادِ المذهب، فلا عَيْبَ على صاحبه بالانقطاعِ فيه إذا كان لم يقَصِّرْ عما يَحتمِلُه من الشُّبَهِ، وإنما العيب عليه في نصرتِه، لأن من نصرَ المذاهبَ الباطلةَ مَعِيبٌ عند أهل العقل والمعرفةِ، عاصٍ لله سبحانه؛ إذ كان الله سبحانه قد أخذَ على الناسَ أن يلازِموا الحقَّ في قولِهم وفعلِهم. وقال بعض أهلِ الجدلِ من ائمَّةِ المتكلِّمين: من علاماتِ الانقطاعِ ثلاثةُ أشياءَ: جَحْدُ الضرورةِ، ونَقْضُ الجملةِ بالتفصيلِ، وتَرْك إجراءِ العِلَّةِ في المعلولِ. فمثال جحدِ الضرورةِ: أن يَرَى شيخاً، فيَدَّعيَ أن هذا الشيخَ لم

стр. 517

يزلْ عما هو عليه دون أن تنتقلَ به الأحوالُ من طفولةٍ إلى شَبيبةٍ إلى كُهولَةٍ، فهذا المدَّعي قد جحدَ الضرورةَ. وأما مثالُ نقضِ الجملةِ بالتفصيل: أن يقولَ قائلٌ: كلُّ شَتْوَةٍ شديدةُ البرْدِ فبعدها صَيْفَةٌ (١) شديدةُ الحَر، وكلُّ صَيْفَةٍ (١) شديدةِ الحَرِّ فبعدها شَتْوةٌ شديدة البردِ، ثم قال: وقد كانت شَتْوةٌ شديدةُ البردِ، وهذه الصَّيفَةُ قليلةُ الحَر، لكان قد نَقَضَ الجملةَ بالتفصيلِ. وأما مثالُ إجراءِ العلَّةِ في المعلولِ: لو أن قائلًا قال: إن هذا الفرسَ فارِهٌ (٢)، لأنه جرى عَشَرةَ فراسِخَ (٣)، فقيل له: فقل: إن هذا البعيرَ فارهٌ؛ لأنه جرى عَشَرَةَ فراسخَ، فامتنعَ من ذلك، كان مناقِضاً. وقال بعضُ الأئمةِ في هذا الشَأنِ: لو قال: لأنه فرسٌ جرى عَشَرَةَ فراسخِ، ثم ألزِمَ على ذلك البعيرَ، فامتنعَ من التزامِ البعيرِ، لم يَكُنْ مناقِضاً. قال عليُّ بنُ عيسى بن عليٍّ النَحْوِيُّ (٤) في كتابه الصغير: فأنا

стр. 518

أقولُ: إنه لو قاله في الفرسِ وامتنعَ في الحمارِ، لكان مناقِضاً من جهةِ المُعارَضِة، لا من جهةِ إجواءِ العِلَةِ. ونظيرُ ذلك في الأمورِ الشرعيةِ: العَوَرُ في الاضْحِيَّةِ لا يجوزُ لأنها عَوْراءُ، فالعمى أولى أن لا يجوزَ في القياسِ، لأن فيها ذاك المعنى وزيادةً، وإن لم يَجُزْ عليها الاسمُ، وإذا قيل لنا: احكموا بالنَّصِّ، فإذا لم تَجِدُوه، فقِيسُوا عليه، لم يَكُنْ بُدٌّ من أن تُجْرى العمياءُ مُجْرى العوراءِ في أنها لا تجوزُ؛ لأنا إذا أُمِرْنا بالقياسِ، فقد دُلِلْنا على هذا. وكذلك سبيلُ الماءِ إذا نَجُسَ بالمَنِيِّ، فهو أوْلى أن يَنجُسَ بالبَوْلِ، فهو أوْلى أن يَنجُسَ بالغائطِ في القياسِ، وليس إذا نَجُسَ بالبولِ، فهو أوْلى أن يَنجُسَ بالمنيِّ، وإن كان المنِيُّ يُغتسَلُ منه والبولُ لا يُغتسلُ منه؛ لأن مفهوم ذلك في الشريعةِ ليس من أجلِ عِظَم نجاستِه. وإذا رَدًا لمجيبُ جوابَه إلى أولٍ في العقل يشهدُ بصِحًةِ الفرعِ الذي رَدَّ إليه، لم يَكُنْ للسائل أن يُطالبَه بالرَّدِّ إلى ضرورة، فإن أقامَ على ذلك، كان منقطعاً في حكم الجدلِ -أعني السائلَ-، لأنه مُطالِبٌ بما لا يَلزَمُ، مُصِر على ما يقطعُ الوقتَ على غير الطريقةِ، مستزيدٌ في غير موضعِ الاستزادةِ، فهو من الفروع بمَثابةِ مانع عِلَّهِّ الأصلِ، فدَلَّ عليها المسؤولُ بظاهر السَّمْعُ، فقال: لا اقنَعُ إلا بنَصٍّ. فإنه انقطاع من السائل، كذلك ها هنا؛ لأَن الذي عليه إذا رَدَّهُ إلى أوَّلٍ في العقل يقتضي العقلُ صِحَّتَه، فمتى اعتقدَ السائلُ بعد هذا أن المسؤولَ على شبْهَةٍ، فقد اعتقدَ ما لا يَلزَمُ إزالتُه بحكم الجدلِ وإن كانت شبهةً لا تزولُ إلا بضرورة -كما قلنا في مسائل

стр. 519

الفروعِ-، فلا (١) يلزمُ المسؤولَ أكثرُ من إقامة دَلالَةٍ صالحةٍ لإِثبات عِلَّةِ الأصلِ وإن كانت شبهةُ السائلِ لا تزولُ إلا بالنصِّ. وليس للسائل أن يَتحكَمَ على المُستدِل، ويقولَ: لا أقبلُ إلا ما يَرجِعُ إلى ضرورة، لأن سبيلَ ما كان أوَّلًا في العقل وما كان ضرورةً فيه سبيل واحدٌ في أنه كافٍ (٢) في العلم؛ لأنه يُعلَمُ به صِحةُ الأمرِ، فليس له أن يَتخيرَ طرقَ العلمِ، كما ليس له أن يتخيرَ من الأصولِ إلا ما يَرجِعُ إلى علم المشاهدةِ؛ لأن ذلك تَحكُّمٌ لا يَستعملُه المُنصِفُ، كتخيُّرِ الأمَمِ على الأنبياء أعيانَ المعجزاتِ، مع كونِ ما أتَوْا به- صلوات الله عليهم- كافٍ (٢) في خَرْقِ العاداتِ، حتى قال في تخيّرهِم ما لم يَقُلْ فيما ابْتَدأَ به من المُعجِز، فشَرطَ عليهم فى إنزال المائدةِ، فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، والفرقُ بين الأوَّلِ في العقل وبين الضَرورةِ: أن الضَرورةَ لا يعترِضُها شبهةٌ، والأولُ قد تعترضُ عليه شُبهةٌ، والأولُ يُعلمُ بأدنى فِكرةٍ، والضَّرورةُ تُعلمُ بالبَديهةِ من غير فِكرةٍ. وطرقُ العلمِ وإن اختلَفَتْ وكان بعضُها أجْلى من بعض فليس ذلك بمُخرِجٍ لها من أن تُؤديَ إلى العلوم بالمعلومات على ما هي بها، كما أن ما يُدرَكُ بالحواسِّ بعضُه أَجلَى من بعض، كالخَط الدَقيق،

стр. 520

والخَطِّ الواضحِ البَيَّنِ الجليلِ، وكالصَّوتِ الضعيفِ، والصَوتِ الشَديدِ. وإذا ادَّعى الخصمُ في شيء من الأشياء أنه أولى، فلا يخلو أن يكونَ على حُجةٍ، أو شبهةٍ، أوشَغبٍ: فإن كان على حجة: فالتأمُّلُ له يُوجبُ العلمَ به ما لم تعترِضْ آفةٌ تصدُّ عن ذلك يحتاجُ إلى علاجها، أو شبهةٌ تعترضُ فيحتاجُ إلى حَلِّها، ومن أكبر الآفاتِ: الِإلْفُ لمَقالةِ سَلَفٍ، أو السُّكونُ إلى قول مُعَظَّمٍ في النَّفْسِ لا بدليلٍ، فذلك من أعظم ما يعترضُ فيحولُ بينَ إصابةِ الحقِّ، فإذا عالجَ الآفةَ ودفعَ الشُبهةَ، عادَ مُفِيقاً من سُكْرِ الهوى إلى التأملِ ثانياً لتلك الحُجَّةِ. أو يكونُ ما ادَّعى أنه أَوَّلٌ على شُبهةٍ: لا بُدَّ من أن يكونَ في العقل ما يَحُل تلك الشُبهةَ، كما أنه ما خلا في العقل أوَّلاً ما أزالَ تلك الآفةَ المُعترِضةَ بينه وبين الحُجةِ، وإنما المعترِضاتُ بَلاوي تجبُ معالجتُها، فينبغي أن يَقصِدَ إليها السائلُ بالإِلزامِ حتى يُبينَ أن ما اعتمدَ عليه خصمُه اغترار لا يُوجبُ ثقةً، فإن عدل عن ذلك كان منقطعاً في حكم الجدلِ، لأنه خرجَ عمَّا يلزمُه أن يأتيَ به إلى غيرِه، وهذا ضَرْب من ضروبِ. الانقطاعِ (١). أو يكونُ ما ادَّعى أنه أول على شَغْبِ: وهو الإيهامُ لطريق الحجَّةِ من غير حقيقةٍ، فهذا ليس فيه إلا تكشيفُ ذلك الشَّغْب حتى يتبينَ أنه ليس فيه مُتعلَقٌ.

стр. 521

وليس كلُّ سكوتٍ في الجدل انقطاعاً، وإنما الانقطاعُ: السكوتُ للعَجْزِ عن الاستتمام (١)، ولا بُدَّ للمسألة من نهاية يجب السكوتُ عندها، وليس علامةُ ذلك اتفاقَ الخصمين على السكوت، مع أن هذا الاتفاقَ (٢) يقعُ، ولو وقعَ لم يكن به مُعتبَرٌ، وإنما النهايةُ للمسألة أن يقفَ كلامُ الخصمِ من غير زيادة حجَّةٍ أو شُبهةٍ. ولا مُعتَبَرَ في ذلك بتكريرِ المعنى على اختلاف العبارةِ؛ لأنه إذا مضى الجوابُ عن الزيادة، فكَررَ السؤالَ بخلاف تلك العبارةِ، قيلِ للسائل: قد مضى الجوابُ عن هذا، وهو كَيْتَ وكَيْتَ، فإن كانت زيادةً سمعتَ الجوابَ عنها، وإن لم يَكُنْ إلا التَكرارَ فقد مضى الجوابُ، وكذلك يقالُ للمجيب: أين الجوب عمَّا سُئِلْتَ؟ فإنك لا تزالُ تُكَرِّرُ كلاماً خارجاً عن حَدِّ الجواب عما سئلتَ، فإن كان عندك جوابٌ، وإلا فأفصِحْ بالانقطاع (٣)، فإني لاَ أتقبَّلُ منك ما ليس بجواب عن المسألة، ولا يَستحِقُّ بَذْلَ زيادةٍ. وعلامةُ الخروجِ عن حدِّ الكلام بَيِّنةٌ في أكثر الأحوالِ، فإن أشكلَتْ في بعضه، كان على الخصم أَن يُوقِف خصمَه عليه، فيقولَ له: خرجتَ من جهة كذا وكذا. مثالُ ذلك قولُ السائلِ: هل للفعل وجة لم يُخلَقْ منه؟ فيقولُ

стр. 522

المجيبُ: إن أردْتَ وجهَ الاختراع، فهو مخلوقٌ فيه، وإن أردتَ وجهَ الكَسْب، فلا يصحُّ ذلك فيه، فللسَائل أن يُضايقَ المجيبَ حتى يأتيَ بجوابهَ على التحقيق، فيقول له: لم أسألْك عن تفصيل الِإرادةِ، وإنما سألتُك عما يقتضي الجوابَ بنَعم أو لا؛ لأني إذا قلتُ: هل كان كذا أو كذا؟ فإنَّما يقتضي الجوابُ بنَعمْ أو لا، فكلًّ ما يأتي به المسؤولُ [زيادة] (١) عن نَعَم أو لا في جوابِ "هل" فهو خارجٌ عن حد ما سُئلَ عنه. فإن قال المجيبُ: ليس الأمرُ كذا. قال السائلُ: الزيادةُ على ليس الأمرُ كذا: بلى الأمرُ كذا، فدَعِ التَشاغُلَ بما لا فائدةَ فيه، وأفصِحْ بالجواب عما سُئِلتَ عنه ليَقَعَ الكلامُ عليه، ويَظهَرَ الحِجاجُ فيه. فإن قال: ليس يَلزمُني أن أجيبَ السائلَ بما يتخيرُه عليَّ، وإنما يلزمُني أن أجيبَه بما يَصحُّ عندي. قال له: ولا لك أن تُجيبَه عما لم يَسألْك عنه، والسائلُ في الحقيقةِ مُتخيِّرٌ لِما يسألُ عنه، والمجيبُ تابعٌ له؛ لأنه عن مسألتِه يُجيبُ، لا عما يَصحُّ عنده ما لم يسألْه عنه؛ لأن ذلك خُروجٌ عن حدِّ الكلامِ الذي يلزمُ في الجوابِ. فإن قال المسؤولُ: ليس عندي جوابٌ أكثرُ مما سمعْتَ. قالَ له السائلُ: قل ليس عندي جوابٌ؛ لئلَّا تُوهِمَ أنك قد أجبتَ عن المسألة إلا اُنه ليس يُزاد على جوابك، وعلى أني أقولُ لك: ولا طالبتُك إلا بالسؤالِ الذي سمعْتَ، فهَلُم الجوابَ عنه. ويقالُ له: كيف تعملُ أنت بمن سألتَه عن مسألة فخرجَ عن

стр. 523

جوابك، وقال لك: عندي أكثرُ مما سمعْتَ؟ وبعدُ: فما سمعتَ بسؤالِ الحَجْرِ؟ وهو الذي للسائل أن يَحجُرَ فيه على المجيب إلا بأحَدِ شيئين أو أشياءَ محصورةٍ لا يجوزُ غير واحدٍ منها، أو ما قولي لك: كذا هو أم لا؟ سؤالُ حَجْرٍ لا يقتضي إلا: نعم أو لا؟. فكلُّ هذا الذي ذكرنا انقطاعٌ من المجيب؛ لأنه خروجٌ عن حدِّ الكلامِ الذي يلزم فيه، وينبغي للسائل أن يُبيِّنَ أنه خروج على نحو ما ذكرنا. مثالٌ آخر: إذا قال السائلُ: هل يصح أن يُعاقِبَ اللهُ العبدَ إلا بذنبٍ؟ فقالَ المجيبُ: في هذا السؤالِ إيهامٌ ينبغي أن يُكشف؛ لئلَّا يظنَّ بإِطلاق الجواب غيرُ المقصدِ فيقال: لا يصح أن يُعاقِبَ الله العبدَ إلا بذنبٍ كان منه، أو بأنه لم يفعلْ ما وجبَ عليه. فقال السائلُ: وأيُّ إيهام في هذا السؤالِ؟ أوَ رأيْتَ لو ادَّعى كلُّ خصمٍ لك في كلُّ سؤالٍ تسألُه عنه أن فيه إيهاماً، وجعلَ ذلك ذريعةً له إلى جوابك عن غير ما سألتَه عنه، ما كنتَ قائلًا له؟ وبعد: إن كان فيه إيهامٌ، فهاتِ الجوابَ عنه، ثم فَسِّرهُ، أو فَسِّرِ السؤالَ بما يُزيلُ الإِيهامَ، ثم أجِبْ عنه، فأمَّا أن تَدَعيَ أن فيه إيهاماً، ثم تعدِلَ عن الجواب عنه رأساً، فليس (١) ذلك لك. وبعدُ: فكيفَ حالُ من لم يفعلْ ما وجبَ عندك؟ أَلَهُ ذَنبٌ أم لا

стр. 524

ذنبَ له؟ فإن كان له ذنبٌ، استقامَ الجوابُ لك، فلا يصحُّ أن يُعاقِبَ الله العبدَ من غير ذنبٍ، وإن لم يَكُنْ له ذنبٌ، فالجوابُ على أصلك: أنه قد يصحُّ أن يُعاقَبَ اللهُ العبدَ من غير ذنبِ إذا كان لم يفعل ما وجبَ عليه، فلِمَ تَحِيدُ عن الجواب وهو لك لاَزم؟ إلا أن في القول بأنه يصحُّ أن يُعاقبَ اللهُ العبدَ من غير ذنبٍ شُنْعَةً في العقول، فليس العَيْبُ إذاً في السؤالِ، وإنما العيبُ في هذا المذهب، فاتْرُكْ ما فيه العَيْبُ. وبعدُ: فما السؤالُ عن هذا المعنى بما لا يكونُ فيه إيهامٌ؟ أرأيتَ لو قيل لك: ايجوزُ اُن يُعاقِبَ اللهُ العبدَ من غير قبيحٍ كان منه؟ هل كنتَ تقولُ: فىِ هذا إيهامٌ أيضاً؟ وكذلك لو قيل لك: أيجوزُ أن يُعاقِب اللهُ العبدَ من غير فعلٍ كان منه أصلاً؛ هل كان في هذا إيهامٌ؟ فكيف السؤالُ عن هذا المعنى بما ليس فيه إيهامٌ؟ وكل هذا الذي ذكرنا انقطاع من المجيب؛ لأنه عَجْزٌ عما ضَمِنَه من الانتصار لمذهبه، فادَّعى الِإيهامَ لِمَا لا إيهامَ فيه، وعدلَ إلى الجوابِ عمّا لمْ يُسأل عنه، فالمسألةُ واقعةٌ عليه لم يُجبْ عنها، وذلك انقطاع في حكم الجدلِ، وقد بَيَّنَا أن الانقطاعَ في الجملةِ: هو العجزُ عن استتمام ما ابْتَدأَ به المتكلِّمُ من نُصرةِ المَقالة، وأنه إنما سُمي انقطاعاً؛ لأن صَاحبَه وقفَ قبلَ بُلوغِه الغايةَ التي أَمَّها بالعجزِ عن البلوغِ إليها، فمتى وجدت العجز في كلام، فاحكمْ على صاحبه بالانقطاع. وليس في الانقطاع دليلٌ على فساد المذهب لا مَحَالَةَ، ولكنْ فيه دليلٌ على أحدِ شيئين: إمَّا تقصيرُ الخصمِ عماَ يَحتمِلُه المذهبُ من الحِجاجِ فيه، وإما استثناؤه ما يحتملُه مع تقصيرِه عما يَضمَنُه له؛ إذ

стр. 525

كان قد تضمَّن استشهاد الأصولِ الثابتةِ على صحَّته، فوقفَ دون ذلك لفساد مذهبه، ولا يكونُ سبيلُه بعد الانقطاعِ فيه كسبيله قبل ذلك، بل يجبُ عليهَ أن يَنظرَ: هل إلى التخلُّص مما وجبَ عليه حكمُ الانقطاعِ سبيلٌ؟ ويجبُ عليه إذا خلا بنفسه أنَ يتطلَّبَ: هل يجدُ سبيلًا إلى التخلُصِ منه؟ فإن وجَدَه، وإلا اتَهمَ مذهبَه، وفكَّرَ (١) في مذهب مُخالفِهِ، فإنه لا يلبَثُ أن يظهرَ له الحقُّ متى طلبَه وجعلَه غرضَه، وإنما الانقطاعُ زاجرٌ عن الاعتقادِ حتى ينظرَ، فيُكشفَ له الصوابُ. فصل في الانقطاع بالمُكابَرةِ اعلم أن الانقطاعَ بالمكابرة (٢): عجزٌ عن الاستتمام بالحُجَّةِ إلى المكابرة، وهو شرُّ وجوهِ الانقطاعِ، وأقبحُها، وأدلها على سُخْفِ صاحبه، وقِلَّةِ مبالاتِه بما يظهرُ من فضيحتِه، وتخليطِه في ديانته، وليس يُنتفعُ بكلام مَن كانت عادتُه أن يَحمِلَ نفسَه على المكابرة. والمكابرةُ تَعرِضُ للخصمِ في أمور: منها: أن يقولَ شيئاً، فإِذا رأى ما يَلزَمُ عليه، جَحَدَ أن يكونَ قالَه، وصَمَّمَ على ذلك، وكابرَ فيه، وهذا الضرْبُ من المكابرة يقعُ كثيراً بين الخصومِ، ولقد التجأْتُ من مُكالَمةِ بعضِ من هذه سبيلُه

стр. 526

إلى شهادة مَنْ حضرَ على ما قالَه قبلَ أن أَظهرَ ما يَلزمُه عليه خوفاً من جَحْدِه إياه، أو مكابرتِه فيه. ومنها: أن يجحدَ مذهباً له، أو الرئيسَ الذي ينتحلُ قولَه. ومنها: أن يجحدَ ضرورةً يشتركُ أهلُ العقولِ فيها، ويدَّعيَ أن الحقيقةَ معه في جحدها، وإنما يُطلِقُونَ ما أَطلَقُوا من إثباتها على جهة المجَازِ دون الحقيقة. فصل في الانقطاع بالمُناقَضَةِ اعلم أن الانقطاعَ بالمناقضة: عجز عن الاستتمام بالحُجَّةِ إلى المناقضة، وهو دون المكابرةِ؛ إذ قد يَرَى ما يلزمُه على القول الأولِ فيرجعُ إلى نقيضْه، ولا يُكابِرُ فيه. وإنما كان انقطاعاً؛ لأنه لمَّا ضَمِنَ النُّصرةَ لشيء، فلم يُمكِنْهُ حتى عدلَ إلى خلافه، كان ذلك عجزاً عن استتمام الحُجَّةِ به، وذلك كابتداء بعضِ الخصوم لنصرةِ القولِ بالرويَةِ؛ من جهة أن إدراكَ البَصَرِ: هو إحاطةُ البصرِ، فلما رأى ما يَلزَمه على ذلك، قال: ليس إدراكُ البصرِ بمعنى الِإحاطةِ في الحقيقة، ولكنَّه بمعنى الاتِّصالِ والمُخالَطة، فهذا مُنقطِعٌ عن استتمام النصرةِ من الوجه الأولِ، وإن كان ما صار إليه ظاهرَ الفسادِ؛ لأني قد أُدرِك السماءَ وإن لم يَكُنْ على الاتصال والمخالطة، وعلى أن سبيلَ رؤيةِ البصر كسبيل إدراك البصرِ، فإن وجبَ أن إدراكَ البصرِ لا يكونُ إلا باتصالٍ ومخالطةٍ، فرؤيةُ البصر لا تكونُ إلا باتصالٍ ومخالطةٍ، وصاحبُ المذهب الفاسدِ مُتحيِّرٌ

стр. 527

كالغريق يَتَشَبثُ بكل ما يجدُه وإن كان فيه حَتْفُه، ونعوذُ بالله من مَلَكَةِ الهَوى، وما تُكسِبُ من الحَيْرةِ والعمَى. فصل في الانقطاع بتَرْكِ إجراءِ العِلةِ عن الاستتمام بإلحاق الحُكمِ لكل ما فيه العِلةُ. وذلك أن العِلَةَ إذا اوجبَتْ حكماً من الأحكام بكونها للشيءِ، فكلُّ ما كانت له فواجب له مثلُ ذلك الحكمِ. مثالُ ذلك: قولُ الحنبلى والخارجيِّ (١) إذا سُئِلَ عن عذاب الطفلِ في النَّارِ: لِمَ جازَ (٢)؟ فقال: لأنهم ملكُه، فقال له مُخالِفه: فَقل: إنه

стр. 528

يجوزُ عذابُ الأنبياءِ بالنَّارِ لأنهم ملكُه. فإن امتنعَ من ذلك ناقضَ، وإن قال: يجوزُ عندي تعذيبُ الأنبياءِ بالنَارِ، فقيل له: مع وَعْدِ اللهِ لهم بالجنَّةِ والنَّجاةِ، أم مع عَدَمِ وعْدِه؟ فإن قال: مع وعدِه، تحقَّقَ من مقالته إخلافُ وعدِ اللهِ، وإن قال: فالوعدُ في حقِّ الأنبياءِ منعني من تجويز عذابِهم بالنَّار، فقيل: فليَمْنَعْكَ ها هنا التُمدُّحُ بالعدلِ، وهو قولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، [وقَولُه]: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، ومعلوِمٌ أنه لم يُرِدْ بعْثَةَ رسولٍ إلى غير المُعذَّب، لكنْ ما كنا مُعذَبين حتى نبعثَ رسولًا إَلى من نُعذبُه إقامةً للحُجَّةِ علَيه، وهذا ما ارسلَ إليه فكيفَ يُعذَبُ؟ فصل في الانقطاع بالانتقال وهو عجزٌ عن الِإتمام للأوَّلِ للخروج إلى الثاني، وذلك في الانتقال عن الاعتلال إلى الاعتلالِ قبلَ الاستتمام، أو الانتقالِ عن مسألة إلى مسألة أخرى قبل تمامِ الأولى.

стр. 529

مثالُ ذلك: قولُ المجيب إذا سُئِلَ عن جواز الرُّؤيَةِ على الله سبحانه بالأبصارِ؟ فقال: تجوزُ؛ لأنها لا تَسلُبُه معنىً، ولا تُحِلُّه معنىً. فقيل له: فقل بجواز السمع لصوتٍ لذاته بالأذُنِ؛ لأن السمعَ له لا يَسلُبُه معنىً ولا يُحِلُّه معنىً. فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فأَوجبَ الرؤيةَ ولم يُوجب السمعَ، فقد انتقلَ من الاعتلال بجواز الرؤيةِ بالعقل إلى الاحتَجاج بدَلالةٍ من دلائل السمعِ. فأمَّا الانتقالُ من سؤال إلى سؤال، فكقول السائلِ: ما الدليلُ على القول بجُزْءٍ لا يَتجزَّأ؟ فقال المجيبُ: إن الجسمَ إذا انتفى كلُّ اجتماع فيه، صار إلى جزءٍ لا يَتجزأُ. فقال السائلُ: وما حَدُّ لجسمِ؟ فقد انتقلَ إلى سؤالٍ آخرَ عن مَقالَةٍ اخرى، وإنما حكمُه أن يسألَ: وما الدليلُ على أنه يصحُّ أن يَنْتَفِيَ كلُّ اجتماعٍ في الجسم وهو موجودٌ؟ فيُطالَبُ من جهة "لِمَ"، أو من جهة الإِلزامِ. فصل في الانقطاع بالمُشاغَبةِ اعلم أن الانقطاعَ بالمشاغبة: عجزٌ عن الاستتمام لِمَا تَضَمَّنَ منٍ نُصرةِ المقالةِ إلى الممانعة (١) بالإِيهام من غير حُجَّةٍ ولا شُبهةٍ، وحقُّ مثلِ هذا إذا وقَع أن يُفصَحَ فيه بأنه شَغْبٌ، وأن المُشغِّبَ لا يَستحِقُّ زيادةً.

стр. 530

فإن كان المشغِّبُ مسؤولًا، قيل له: إنأَجبْتَ عن المسألة زِدْنا عليك، وإن لم تجِبْ عنها أمسَكْنا عنك. وإن (١) كان سائلًا قيل له: إن حَصلْتَ سؤالَا سمعتَ جواباً، وإِلا فإن الشَغْبَ لا يَستحِقُّ جواباً، فإن لَجَّ وتمادى في غَيِّه أُعرِضَ عنه؛ لأن أهلَ العلمِ إنما يتكلمون على ما فيه حجَّةٌ أو شبهةٌ، فإذا عَرِيَ الجدل عن الأمرين إلى الشَّغْبِ لم تَكُنْ فيه فائدةٌ، وكان الأَوْلى بذي الرَّايِ الأصيلِ والعقلِ الرَّصينِ أن يصونَ نفسَه عنه، وَيرغبَ بوقتِه عن التضييع معه، ولا سِيَّما إذا كان في الاشتغال به ما يوهِمُ الحاضرين أن صاحبَه سالكٌ لطريق الحُجَّةِ، فإنه ربما كان في ذلك شُبَهٌ (٢) بما يرَى منه من حسْنِ العبارةِ، واغترارٌ بإقبال خصمِه عليه في المناظرة، فحقُّ مثلِ هذا أن يُبيَّنَ أنه على جهة المشاغبةِ دون طريق الحُجَّةِ أو الشُّبهةِ. فصل في الانقطاع بالاستفسار اعلم أن الانقطاعَ بالاستفسار: عجزٌ عن الاستتمام بطلب الاستفسارِ في غير موضعهِ، وذلك إذا ضاقَ على الخصم الكلام، مالَ إلى استفهام ما لا يُستفهَم عن مثله، واستفسارِ ما لا يُستفسَر في حال المناظرة، فقال: ما معنى كذا؟ وما معنى كذا؟ وهو استرواحٌ إلى جَرْي
следующие страницы →