إلى شهادة مَنْ حضرَ على ما قالَه قبلَ أن أَظهرَ ما يَلزمُه عليه خوفاً من جَحْدِه إياه، أو مكابرتِه فيه.
ومنها: أن يجحدَ مذهباً له، أو الرئيسَ الذي ينتحلُ قولَه.
ومنها: أن يجحدَ ضرورةً يشتركُ أهلُ العقولِ فيها، ويدَّعيَ أن الحقيقةَ معه في جحدها، وإنما يُطلِقُونَ ما أَطلَقُوا من إثباتها على جهة المجَازِ دون الحقيقة.
فصل
في الانقطاع بالمُناقَضَةِ
اعلم أن الانقطاعَ بالمناقضة: عجز عن الاستتمام بالحُجَّةِ إلى المناقضة، وهو دون المكابرةِ؛ إذ قد يَرَى ما يلزمُه على القول الأولِ فيرجعُ إلى نقيضْه، ولا يُكابِرُ فيه.
وإنما كان انقطاعاً؛ لأنه لمَّا ضَمِنَ النُّصرةَ لشيء، فلم يُمكِنْهُ حتى عدلَ إلى خلافه، كان ذلك عجزاً عن استتمام الحُجَّةِ به، وذلك كابتداء بعضِ الخصوم لنصرةِ القولِ بالرويَةِ؛ من جهة أن إدراكَ البَصَرِ: هو إحاطةُ البصرِ، فلما رأى ما يَلزَمه على ذلك، قال: ليس إدراكُ البصرِ بمعنى الِإحاطةِ في الحقيقة، ولكنَّه بمعنى الاتِّصالِ والمُخالَطة، فهذا مُنقطِعٌ عن استتمام النصرةِ من الوجه الأولِ، وإن كان ما صار إليه ظاهرَ الفسادِ؛ لأني قد أُدرِك السماءَ وإن لم يَكُنْ على الاتصال والمخالطة، وعلى أن سبيلَ رؤيةِ البصر كسبيل إدراك البصرِ، فإن وجبَ أن إدراكَ البصرِ لا يكونُ إلا باتصالٍ ومخالطةٍ، فرؤيةُ البصر لا تكونُ إلا باتصالٍ ومخالطةٍ، وصاحبُ المذهب الفاسدِ مُتحيِّرٌ
стр. 527
كالغريق يَتَشَبثُ بكل ما يجدُه وإن كان فيه حَتْفُه، ونعوذُ بالله من مَلَكَةِ الهَوى، وما تُكسِبُ من الحَيْرةِ والعمَى.
فصل
في الانقطاع بتَرْكِ إجراءِ العِلةِ عن الاستتمام بإلحاق الحُكمِ لكل ما فيه العِلةُ.
وذلك أن العِلَةَ إذا اوجبَتْ حكماً من الأحكام بكونها للشيءِ، فكلُّ ما كانت له فواجب له مثلُ ذلك الحكمِ.
مثالُ ذلك: قولُ الحنبلى والخارجيِّ (١) إذا سُئِلَ عن عذاب الطفلِ في النَّارِ: لِمَ جازَ (٢)؟ فقال: لأنهم ملكُه، فقال له مُخالِفه: فَقل: إنه
стр. 528
يجوزُ عذابُ الأنبياءِ بالنَّارِ لأنهم ملكُه. فإن امتنعَ من ذلك ناقضَ، وإن قال: يجوزُ عندي تعذيبُ الأنبياءِ بالنَارِ، فقيل له: مع وَعْدِ اللهِ لهم بالجنَّةِ والنَّجاةِ، أم مع عَدَمِ وعْدِه؟ فإن قال: مع وعدِه، تحقَّقَ من مقالته إخلافُ وعدِ اللهِ، وإن قال: فالوعدُ في حقِّ الأنبياءِ منعني من تجويز عذابِهم بالنَّار، فقيل: فليَمْنَعْكَ ها هنا التُمدُّحُ بالعدلِ، وهو قولُه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، [وقَولُه]: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، ومعلوِمٌ أنه لم يُرِدْ بعْثَةَ رسولٍ إلى غير المُعذَّب، لكنْ ما كنا مُعذَبين حتى نبعثَ رسولًا إَلى من نُعذبُه إقامةً للحُجَّةِ علَيه، وهذا ما ارسلَ إليه فكيفَ يُعذَبُ؟
فصل
في الانقطاع بالانتقال
وهو عجزٌ عن الِإتمام للأوَّلِ للخروج إلى الثاني، وذلك في الانتقال عن الاعتلال إلى الاعتلالِ قبلَ الاستتمام، أو الانتقالِ عن مسألة إلى مسألة أخرى قبل تمامِ الأولى.
стр. 529
مثالُ ذلك: قولُ المجيب إذا سُئِلَ عن جواز الرُّؤيَةِ على الله سبحانه بالأبصارِ؟ فقال: تجوزُ؛ لأنها لا تَسلُبُه معنىً، ولا تُحِلُّه معنىً.
فقيل له: فقل بجواز السمع لصوتٍ لذاته بالأذُنِ؛ لأن السمعَ له لا يَسلُبُه معنىً ولا يُحِلُّه معنىً. فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فأَوجبَ الرؤيةَ ولم يُوجب السمعَ، فقد انتقلَ من الاعتلال بجواز الرؤيةِ بالعقل إلى الاحتَجاج بدَلالةٍ من دلائل السمعِ.
فأمَّا الانتقالُ من سؤال إلى سؤال، فكقول السائلِ: ما الدليلُ على القول بجُزْءٍ لا يَتجزَّأ؟ فقال المجيبُ: إن الجسمَ إذا انتفى كلُّ اجتماع فيه، صار إلى جزءٍ لا يَتجزأُ. فقال السائلُ: وما حَدُّ لجسمِ؟ فقد انتقلَ إلى سؤالٍ آخرَ عن مَقالَةٍ اخرى، وإنما حكمُه أن يسألَ: وما الدليلُ على أنه يصحُّ أن يَنْتَفِيَ كلُّ اجتماعٍ في الجسم وهو موجودٌ؟ فيُطالَبُ من جهة "لِمَ"، أو من جهة الإِلزامِ.
فصل
في الانقطاع بالمُشاغَبةِ
اعلم أن الانقطاعَ بالمشاغبة: عجزٌ عن الاستتمام لِمَا تَضَمَّنَ منٍ نُصرةِ المقالةِ إلى الممانعة (١) بالإِيهام من غير حُجَّةٍ ولا شُبهةٍ، وحقُّ مثلِ هذا إذا وقَع أن يُفصَحَ فيه بأنه شَغْبٌ، وأن المُشغِّبَ لا يَستحِقُّ زيادةً.
стр. 530
فإن كان المشغِّبُ مسؤولًا، قيل له: إنأَجبْتَ عن المسألة زِدْنا عليك، وإن لم تجِبْ عنها أمسَكْنا عنك.
وإن (١) كان سائلًا قيل له: إن حَصلْتَ سؤالَا سمعتَ جواباً، وإِلا فإن الشَغْبَ لا يَستحِقُّ جواباً، فإن لَجَّ وتمادى في غَيِّه أُعرِضَ عنه؛ لأن أهلَ العلمِ إنما يتكلمون على ما فيه حجَّةٌ أو شبهةٌ، فإذا عَرِيَ الجدل عن الأمرين إلى الشَّغْبِ لم تَكُنْ فيه فائدةٌ، وكان الأَوْلى بذي الرَّايِ الأصيلِ والعقلِ الرَّصينِ أن يصونَ نفسَه عنه، وَيرغبَ بوقتِه عن التضييع معه، ولا سِيَّما إذا كان في الاشتغال به ما يوهِمُ الحاضرين أن صاحبَه سالكٌ لطريق الحُجَّةِ، فإنه ربما كان في ذلك شُبَهٌ (٢) بما يرَى منه من حسْنِ العبارةِ، واغترارٌ بإقبال خصمِه عليه في المناظرة، فحقُّ مثلِ هذا أن يُبيَّنَ أنه على جهة المشاغبةِ دون طريق الحُجَّةِ أو الشُّبهةِ.
فصل
في الانقطاع بالاستفسار
اعلم أن الانقطاعَ بالاستفسار: عجزٌ عن الاستتمام بطلب الاستفسارِ في غير موضعهِ، وذلك إذا ضاقَ على الخصم الكلام، مالَ إلى استفهام ما لا يُستفهَم عن مثله، واستفسارِ ما لا يُستفسَر في حال المناظرة، فقال: ما معنى كذا؟ وما معنى كذا؟ وهو استرواحٌ إلى جَرْي
стр. 531
عبارتِه بدلًا من سَكْتَةٍ يخجلُ بها، ويتَضِحُ بها انقطاعُه، فيبدِّلُ السكوتَ بالاستفسار إيهاماً للحاضرين أنه إذا فسَّرَ لي معنى هذا تَكلَمتُ عليه، وإنما المعيقُ لي عن الكلام عدم فهمِ معناه، أو يَحيدُ (١) عن النَظَرِ، ويتعلَق بذلك تعلقَ المتحيِّرِ.
مثال ذلك: أن يقولَ في مسألة ينجَرُّ الكلامُ فيها إلى الأصلَح، فيقولَ السائلُ: وما الأصلحُ؟ فيقولَ المجيبُ: هو الأحكمُ الأتقنُ الأصوبُ. فيقولَ: وما الأصوب الأحكمُ؟ فهذا ما ينبغي للمجيب أن يَدخلَ فيه ولا يَتقبلَه، لأنه متى ما تقبلَ ذلك وشرعَ في تفسير الواضحِ، لَزمَه أن يُجيبَ عن الأوضحِ، فلا يتناهى السؤالُ والجوابُ.
وإنما يسوغُ الاستفسارُ والمراجعةُ فيما يترددُ المعنى فيه وَيشترِكُ، فأمَّا مع عدم التَّردُّدِ والاشتراكِ فلا وجهَ للاستفسار، أو يكونُ في العبارة نوعُ تغييرٍ وإَغماضٍ، فيطلبُ تفسيرَها بالأكشَفِ، وما خرجَ عن هذه الأقسامِ فالاستفسارُ عنه بطالةٌ وإطالةٌ.
فصل
في الانقطاع بالرجوع إلى التسليم
اعلم أن الانقطاعَ بالرجوع إلى التسليم: عجزٌ عن الاستتمام بما سُلَّمَ إلى الرجوع عنه، وسواءٌ كان ذلك تسليمَ جدلٍ أو تسليمَ اعترافٍ؛ لأن الخصمَ إنما يُسلَمُ تسليمَ الجدلِ ليُوقعَ المنازعةَ في التفريع عن الأصل دونَ الأصلِ، وذلك أنه لمَّا كان له أن ينازِعَ في
стр. 532
صِحَّةِ الأصلِ قبلَ التسليمِ، وله أن ينازعَ في شهادةِ الأصلِ بالفرع، إذا آثرَ الكلامَ في أحدهما دون الآخَرِ، وتضَمَّنَ أن يَكسِرَ المقالةَ من جهته دون كسرِها من الوجه الآخرِ، فكان عليه استتمامُ ذلك، وإلا فقد ظهرَ عجزُه عما تَضمَّنَه، وانقطاعُه عما ظَنَّ أنه يَبلُغُه.
مثالُ ذلك: التسليمُ أن النَّشْأَةَ الأولى لو أنها كانت بالطَّبيعةِ لا تشهدُ بأنه لا يكونُ نشأةٌ ثانية بالطبيعة، بل يجوزُ ذلك ولا يُمنَعُ منه، فإذا وقعَ التسليمُ لأصل الدَّهْرِيِّ في هذا، فينبغي أن يُقصَدَ إلى الكلام في وقوعه، وُيستقصى القولُ فيه، حتى يُبَيَّنَ أن ذلك الأصلَ لا يشهدُ به، بل يجوزُ أن يكونَ معه، ويجوزُ أن لا يكونَ معه.
فصل
في الانقطاع بجَحْدِ المذهبِ
اعلم أن الانقطاعَ بجَحْد المذهبِ عجزٌ عن نُصرة المقالةِ، لا بالانتفاء عن مقالة أخرى.
والمثلُ في ذلك، والمثلُ له من طريق الصُّورة: رجلٌ ضَمِنَ على نفسه بناءَ بيتٍ تسلَمُ مع بنائه أبنيةُ مُجاوِرِيهِ فلم يُمْكِنْهُ أن يبنيَه إلا بهدم بيتٍ يَليهِ لبعض مُجاورِيه، فهو لا مَحالةَ منقطعٌ عن بلوغ ما قَدَّرَ، فكذلك الخصمُ إنما يُكلِّمُ خصمَه على سلامة مذاهبِه عنده، وإذا جحدَ شيئاً إمَّا على جهة الرجوع وإما على جهة المكابرةِ فيه؛ كان مُنقطعاً في حكم الجدلِ.
مثالُه في المسائل: استدلالُ النَّجَّارِيِّ (١) على أن كلَّ فعلٍ مُحكَمٍ
стр. 533
مُتقَنٍ فإنه لا يكونُ إلا من عالم بأن الكتابةَ لا يفعلُها في الشاهد إلا عالمٌ بها، فهذا يَهدِمُ أصلَه فىِ إنكار التَوَلُّدِ، فإذا طُولِبَ بالحجةَ فجحدَ كان منقطعاً، لأن هذا من الأصولِ المشهورةِ التي يُطبقُ عليها أصحابُه وكلُّ من وافقَه في أصله.
فصل
في الانقطاع بالمُسابةِ
اعلم أنه إذا انتهى الجدالُ إلى المُسابَّةِ، دلَّ على أن الذي حملَه على ذلك ضيقُ عَطَنه، وانقطاعُه عن حُجتةِ، وليس السب أن يظهرَ فيه إنكارُ المذهب الذي قصدَ إلى الطعْنِ عليه، وإقامةِ الحُجَّةِ على إفسادِه، لأنه لا بُدَّ له من ذلك، والدَّلالةِ على صِحَّةِ ما يقولُه فيه، وإنما المُنكَر الطعْنُ على الخصم أو على أسلافِه بما ليس من اعتقاد المذاهبِ وألاختلافِ فيها في شيءٍ.
وإذا فعلَ أحدُ الخصمين شيئاً من ذلك، بُيِّنَ له أن ما أَتَى به خارجٌ عن حدِّ السؤالِ والجوابِ إلى السِّبابِ، ولم يكن الاجتماع
стр. 534
للمُسابَّةِ، وإنما كان لإِقامة الحُجَّةِ وحَل الشبهةِ، وما عدا ذلك مما ليس بسَبٍّ لا يَحسُنُ إدخالُه على ما اجتمعنا لأجله، فكيف بإدخال ما لا يَحِلّ للعاقل اعتمادُه بحالٍ؟! وهو السَّبُّ الذي يجبُ صيانةُ النَّفْسِ عنه.
فصل
أورَدْتُه في تقسيم الانقطاعِ مُختصَراً بعد البَسْطِ
اعلم أن الانقطاعَ على أربعةِ أضربٍ:
أحدها: السكوتُ للعجز.
والثاني: جَحْدُ الضَّروراتِ، ودفعُ المشاهَداتِ، والمُكابَرَةُ، والبَهْتُ.
والدليلُ على أن هذا من الانقطاع: أن المجيبَ إنما يَبْنِي جوابَه على تصحيح المُشاهَدةِ، واستشهادٍ بالمعقولِ، وهذا هو المفهومُ عند إجابتِه، فإذا لم يَجِدْ في العقول والضروراتِ شيئاً يُحقَقُ به مذهبَه، وُيتِمّ به جوابَه، فقد عَجِزَ عما ضَمِنَه على نفسه بخروجه عن المعقول والضروراتِ إلى المكابرة والبَهْتِ، وإنما تمامُ الشَّرْط أن تكونَ مادَّتُه من هذين الموضعين أعني: العقلَ والضرورةَ -دون ما صارَ إليه.
وهذا الضَّرْبُ شَرٌّ من الأوَّلِ -أعني السكوتَ-؛ لأن أحسنَ الأمورِ إذا لم يَجِدْ حقًّا يَتكلَّمُ به أن يُمسِكَ عن الباطل، وأقبح ما ينطقُ به من الباطل بهتُ العقولِ والطبائعِ والحواس، ومكابرتُها.
والضربُ الثالث: المُناقَضَةُ: وهو أن يَنْفِيَ بآخِرِ كلامِه ما أثبتَه
стр. 535
باوَّلِه، أو يثبِتَ بآخرهِ ما نفاه في أولِه.
والدليلُ على أن هذا الضَرْبَ انقطاعٌ أيضاً: أن المجيبَ لَمَّا ابتدأ بالِإثباتِ، كان قد ضَمِنَ على نفسه تحقيقه، والدَّلالةَ على صِحَّتِه، وبناءَ سائرِ الجوابِ عليه، وملاءمةَ ما يُورِدُه بعده له، فإذا نفاه فقد عَجِزَ عن تصحيح ما ضَمِنَه من ذلك على نفسه، وافتقرَ إلى نَقْضِه عند الِإياسِ من صحَّته.
وصاحبُ هذا الضَّرْب أحسنُ حالًا من المُباهِتِ؛ لأن الرجوعَ عن الباطل عند انكشافِه أحسَنُ من المكابرة، والرجوعُ الى حقِّ حَسَنٌ جميلٌ، ولا عَيْبَ في العجز عن نُصرةِ الباطلِ، كما لا عَيْبَ في الرجوع عنه، بل شائنةُ العيبِ الشروعُ في نُصرتِه.
والضَّرْبُ الرابعُ: الانتقال عن الاعتلال بشيءٍ إلى الاعتلال بغيره.
والدَّلالةُ على أن هذا الضربَ انقطاعٌ: أن المُعتَلَّ إذا ابتدأَ بعِلَّةٍ، فقد ضَمِنَ على نفسه تصحيحَ مذهبِه بها وبما تَفرَّعَ منها، وذلك أنه لم يَعتَلَّ بها إلا وهي عنده صحيحةٌ مُصحِّحه لِمَا اعتلَّ له، فإذا انتقلَ عنها إلى غيرها، فقد عَجِزَ عن الوفاءِ بما وعدَ والإِيفاءِ لِمَا ضَمِنَ، وافتقرَ إلى غيرها لتقصيرِه عما ظنَّه بها.
فإن قيل: فقد انتقلَ إبراهيمُ ﵇ من عِلَّةٍ إلى غيرها وكان في مقامِ المُحاجَّةِ كما أخبر اللهُ سبحانه عنه (١)، وبهذا تعلَّقَ مَنْ
стр. 536
رَاى أن الانتقالَ من دليل إلى غيره ليس بانقطاع ولا خروجٍ عن مقتضى الجِدالِ والحِجاجِ.
قيل: لم يكُ انتقالُه للعجز؛ لأنه قد كان يَقدِرُ أن يُحقِّقَ مع نُمْرُودَ حقيقةَ الإِحياءِ الذي أرادَه؛ وهو إعادةُ الروحِ إلى جَسَدِ المَيْتِ، أو إنشاءُ حَيٍّ من مَواتٍ، وأنَّ الِإماتةَ التي أرادَها هي إزهاقُ النَّفْسِ من غير مُمارَسَةٍ بآلةٍ ولا مُباشَرَةٍ، ويقولَ له: فإذا فعلتَ ذلك كنتَ مُحيياً مُمِيتاً، أو فافعلْ ذلك إن كنتَ صادقاً، ومَعاذَ اللهِ أن يُظَنَّ بذلك الكريمِ أنه أنشَأَ إلزاماً مع تأييدِه بالوَحْي والرِّسالةِ، وما كان عليه من قُوَّةِ الاستدلالِ الذي أخبرَ اللُّه به عنه لماَ جَنَّ عليه الليلُ وبحَثَ عن النُجومِ، وما أفْضَى به الاستدلالُ بالتَّغييرِ والأفُولِ من الحكم عليها بالحَدَثِ وإثباتِ مُحدِثِها (١)، ثم يتركُ ما أنشأهُ، ويَعدِلُ عما ابتدأ به إلى غيره عجزاً عن استتمامِ النُصرةِ، لكنَّه لما رأى نُمْرُودَ غبيًّا أو مُتغابياً بما كشفَه عن نفسه من الإِحياءِ -وهو العفوُ عن مُستحِقِّ القتلِ -والإِماتةِ- وهي القتلُ الذي يُساوِيهِ فيه كلُّ أهلِ مملكتِه وأصاغر رَعِيَّتِه-، انتقلَ إلى الدليل الأوضحِ في باب تعجيزِه عن دَعْواهُ فيه
стр. 537
المشاركةَ لبارئِه بحكم ما رأى مِنَ الحالِ، فلم يُوجَدْ في حقِّه العجزُ عن إتمام ما بدأ به بخلاف ما نحن فيه.
وإنما سمِّيَ انقطاعاً: لأن صاحبَه وقفَ قبلَ بلوغِ الغايةِ التي ضَمِنَ على نفسه أو رامَ البلوغَ إليها، ومنه قالوا في العاجزِ عن السَّيْرِ مع القافلةِ: مُنقطعٌ، فمتى وَجَدْتَ العجزَ في كلام فَاحْكمْ على صاحبِه بالانقطاع.
وللسائل انقطاعٌ أيضاً (١): منه السكوتُ، ومنه الانتقالُ من مسألةٍ إلى مسألةٍ، وهو نَظِيرُ انتقالِ المجيبِ مِن اعتلال إلى غيره، وقد يكونُ أيضاً بحَمْلِ المجيب على المكابرة من غير أن يَلزَمُه ذلك، وهو نظيرُ بَهْتِ المجيبِ.
وها هنا ضَرْب أذكرُة لك إن شئتَ أن تجعلَه خامساً، وإن شئتَ فاجْعَلْه مُركَّباً وممزوجاً، وهو: تخليطُ السائل والمجيب، اعنِي: إذا أتَى السائلُ بما ليس له، ودخلَ معه المجيب في ذلكَ، وشرعَ في إجابته عما لا يَلزَمُه بحكم الجدلِ، وكل من أَلجأَ فجادِلَه إلى التخليطِ فقد ظَفِرَ به، سواءٌ لا أَلجأَه إلى الانتقالِ أو الِإمساكِ أو الشَّغْبِ [أو] إلى شيء مما ذكرناه انقطاعا، والله أعلم.
стр. 538
فصل
في بيان الأمورِ التي كَثُرَ غَلَطُ أهلِ الحِجاجِ والجِدالِ فيها .
وهو تمثيلُهم الحقَّ بباطلِ غيرهِم، واستشهادُهم على صوابهم بخطإ غيرِهم، وهو قولُ الواحدِ منهم لصاحبهِ: قلتُ كذا ولم أقلْ كذا، كما قلتَ أنت كذا ولم تَقُلْ كذا. ومُخالفُه عنده مُخطِىءٌ (١) في امتناعه ممّا امتنعَ منه مع إطلاقِه لِمَا أطلَقَهُ، فرُبَّما استعملُوا هذا في المعاني، فقال مُتحذلِقُهم (٢): أعتقِدُ كذا وكذا ولا ألزِمُ نفسي كذا، كما اعتقدْتَ أيُّها الخصمُ كذا وإن لم تُلزِمْ نفسَك كذا. هذا والخصمُ عنده قد تركَ بامتناعه ما يَلزمُهُ نفسَه نظيرُ ما اعتقدَهُ، فكأنه يقولُ: قد أخطاتُ وتركتُ الواجبَ كما فعلتَ أنت من ذلك، وكأنه أيضاً يقولُ: الدليلُ على صوابي فيما أصبتُ فيه خطؤك فيما أخطأتَ فيه، وكأنه أيضاً يقولُ من وجهٍ آخرَ: صوابي في ترك ما تركتُه واجتنابي ما اجتنبتُه، مثلُ خَطَئِك في ترك ما تركتَه مع اجتنابك لنظيرِه، وكأنه أيضاً قال: الدليلُ على صوابي في جنايَتِي خَطأُ فُلَانٍ في سَرِقَتِه. وكأنه سَبَّهُ سابٌ باللِّواطِ، فقال له: وأنتَ أيضاً زانٍ، وإنما هو إخبارٌ بأن المُعيِّرَ مشارِكٌ في مثل
стр. 539
ما عَيَّرَ به، وليس بحجةٍ في صواب ما عِيبَ أو عِيبَ عليه.
فصل
من آداب الجدلِ (١)
اعلم أن تسليمَ الشيءِ يقومُ مَقامَ الإِقرارِ به فيما يوجبُه الإِقرار من البناءِ عليه واستشهادهِ على غيره، لأن المُنكِرَ لَما حالَ إنكارُه بينه وبين السؤال في فرعه، سَلمَه المقِر به بتوَهُّمِه بذلك إلى ما يصل (٢) إليه المُقِرُّ من المساءلةِ في الفرع الذي أَقَر بأصله، وليس لتسليمه وجهٌ غير هذا، فعامِلْهُ معاملةَ المُقِرِّ.
ومما يُبَيِّنُ ما قلنا: أنه لما سألَ في الفرع فمُنعِ الجوابَ، وقيل له: الكلام بيننا وبينك في الأصل، فإذا صحَ الأصلُ دَلَلْناكَ على صِحةِ فرعِه، وناظَرْناكَ حينئذٍ فيه. قال عند ذلك: فإذا أُسَلَمُه ولا أطعُنُ فيه، فناظروني الآن في فرعه؛ لِيَصِلَ بالتسليم إلى ما مَنَعهُ منك بالِإنكارِ، والتسليم إقرار (٣)، لأنه أقر على شَرْطٍ في الظاهر.
وتَتَّبعْ قولَ خصمِك: يجوز، ويمكِنُ، وُيتوهم، وُيقدَرُ عليه، وُيراد، وُيكرَهُ، ويجوزُ لك، مما يَتعلقُ بغيره، فإن كان توقفُه على غيره
стр. 540
وتعلُّقُه به، وإلا فامنَعْهُ وعرِّفْهُ أنه لا تجوزُ الأشياءُ بتوهمِه، وربما قال أحدُهم: يجوزُ إلا أن يكونَ كذا، وليس من عَقْدِه أن ذلك المذكورَ قصدٌ يقعُ التعويلُ عليه، فيصيرُ بمنزلة مَنْ قال: يجوزُ لا شيءَ. وهذا فاسدٌ. وتعتقدُ ما يَتكلمُ به ويَلفِظُه تسليماً للتعبُّدِ والِإجماعِ، وما يقولُه لصِحَّةِ معناه في القياس إذا لم يمنعْ من العبارة عنه، وعَمِلْتَ على إجماعهم على صحَّةِ العبارةَ الدالَّةِ على المعاني الحقيقيَّةِ وما يَصحُّ معناه، وقد جاءَ التعبُّدُ بالمنعِ منه، ولا تَخلِطْ بعضَ ذلك ببعض، واردُدْ كلَّ شيءٍ إلى أصلِه، فإذا الزِمْتَ نظيرَ القولِ الذي مَطلَبُه للتعبُّدِ في دَلالتِه ومعناه، وعلى أوضاع اللُّغة وفي قياسها، فلا تَبْنِ عليه، وقل: ليس إطلاقي لِمَا اطلَقْتُ لِمَا شاركَهُ فيه القولُ الذي قابلتموه به، ولو كان كذلك لكان الأمرُ أهَم، ولكن التعبُدُ فَقَطْ، فإن أوجدتموني هذه العِلَّةَ في الآخَرِ، سَوَّيتُ بينهما في الِإطلاق، فإن افترقا في عِلَّةِ الإِطلاقِ لأحدهما، لم يَجِب التسويةُ بينهما في منعٍ ولا إطلاقٍ، وإن كانا قد استويا من وجهٍ آخرَ. فأمَّا الآخران: فإن القياسَ إنما يعملُ في إيجاب اعتقادِ المعاني فقط، وإذا صحَّ معناهما في القياس وجبَ اعتقادُهما، واللغةُ والعبارةُ لا يعملُ فيها القياسُ، لأنها أوضاعٌ وعلاماتٌ لا تقعُ مواضِعَها لأَعْيانِها كما تقعُ المعاني مواقعَها لأنفسِها، ولكنْ بالرِّضا والتخيُّرِ والاصطلاح، ولو قَلَبْتَ ذلك في باب الأسماءِ لانقلبتِ العلاماتُ ودَلالتُها.
стр. 541
فصول
وصايا في الجدل
قال العلماءُ (١): واحذَرِ الكلامَ في مجالس الخوفِ، فإن الخوفَ يُذهِلُ العقلَ الذي منه يَستمِدُّ المُناظِرُ حُجَّتَه، ويستقي منه الرأيَ في دفع شبهاتِ الخصم، وإنما يُذهلُه ويَشغَلُه بطلبه حِراسةَ نفسِه التي هى أهم من مذهبهِ ودليلِ مذهبهِ، واجتَنِبْ مكالمةَ من تخافُ فإنها مميتةٌ للخواطر، مانعةٌ من التَثبُّتِ (٢).
واحْذَرْ كلامَ من اشتدَّ بغضُك إياه فإنه داعية إلى الضَّجَرِ والغضب من قليلِ ما يكونُ منه، والضجرُ والغضبُ مُضيِّقٌ للصدور، ومُضعِفٌ لقُوَى العقولِ.
واحذرِ المحافلَ التي لا إنصافَ فيها في التسويةِ بينك وبين خصمِك في الإِقبالِ والاستماع، ولا أدبَ لهم يمنعُهم من التسرُعِ إلى الحكم عليك، ومن إظهار العصبيةِ لخصمك.
والاعتراضُ يُخلِقُ الكلامَ، وُيذهِبُ بهجةَ المعاني بما يُلجِىءُ إليه من كثرة التَّردادِ، ومَنْ تركَ التَردادَ مع الاعتراضِ، انقطعَ كلامُه، وبَطَلَتْ معانيه.
واحذر استصغارَ الخصمِ، فإنه يمنعُ من التحفُظِ، وُيثبِّطُ عن
стр. 542
المبالغةِ، ولعل الكلامَ يُحكى، فيَعتدُّ عليك بالتقصير.
واحْذَرْ كلامَ من لا يفهمُ عنك؛ فإنه يُضْجرُك وُيغضِبُك، إلا أن يكونَ له غَريزيَّةٌ صحيحةٌ، ويكونَ الذي بَطَّأَ به عن الفهم فَقْدُ الاعتيادِ، فهذا خليلٌ مُسترشِدٌ تُعلِّمُه، وليس بخصمٍ فتُجادِلَه وتُنازِعَه.
وقَدرْ في نفسك الصَّبرَ والحِلْمَ (١) لئلا تَستفِزَكَ بغَتاتُ الإِغضاب، فلو لم يَكُنْ في الحِلْمِ خاصَة لها يُجتلَبُ، لكانت مَعُونتُه (٢) علَى المناظرة تُوجِبُ إضافتَه إليها.
ومع هذا فليس يَسلَمُ أحدٌ من الانقطاع إلا مَنْ قَرَنَهُ اللهُ -جلَّتْ عظمتُه- بالعِصْمَةِ من الزَّلَلِ، وليس حَد العالِمِ بأن يكونَ حاذِقاً بالجدلِ، فالعلمُ صناعة، والجدلُ صناعة، إلا أنه (٣) مادةُ الجدَلِ، والمًجادِلُ يحتاجُ إلى العالِمِ، والعالِمُ لا يحتاجُ في علمه إلى المُجادِلِ كما يحتاجُ المُجادِلُ في جَدلِه إلى العالِمِ.
وليس حدُّ الجدلِ بالمجادلةِ أن لا ينقطعَ المُجادِلُ أبداً، ولا يكونَ منه انقطاعٌ كثير (٤) إذا كَثُرَتْ مجادلتُه، ولكنَ المُجادِلَ من كان طريقُه في الجدل محموداً وإن نالَهُ الانقطاعُ لبعض الآفاتِ التي تَعرِضُ.
стр. 543
واعلم أني لم أرِدْ بقولي أهلَ النَظَرِ المُتكلِّمينَ في عصرنا هذا، فإنما الكلامُ على صفةٍ متقدِّمةٍ، ولَئِنْ حَفِظْتَ وصيتي في ترك استعمالِ ما وصفتُ لك في هذا الباب إلا مع أهلِه، بل وصِيةَ المسيحِ ﵇ السابقةَ لوصيتي؛ إذ يقولُ: لا تَبذُلُوا الحِكمةَ لغير أهلِها فتَظلِمُوها، ولاتَمنعُوها من أهلها فتَظلِمُوهم، ليَطُوَلنَّ صمتُك حتى تُضافَ إليه، ويزولَ عنك اسمُ الكلامِ. اللهم إلا أن تُحدَثَ قومَ سَوْءٍ ممن غَلَبَ على الكلام في هذا العصرِ.
فصل جامع
لقوانينِ الجدلِ وآدابِه
اعلم أن الجدلَ: هو الفَتْلُ للخصمِ عن المذهب بالمحاجَّةِ فيه، ولا يخلو أن يُفتَلَ عنه بحجَّةٍ أو شُبْهةٍ، فأمَّا الشَغْبُ فليس مما يُعتقَدُ به مذهبٌ.
ولا يخلو من أن يكونَ فَتْلاً على طريقة السؤالِ، أو على طريقة الجواب، وطريقةُ السؤالِ: الهدمُ للمذهب، كما أن طريقةَ الجوابِ: البناء للمذهب، لأن على المجيبِ أن يَبْنِيَ مذهبَه على الأصول الصحيحة، وعلى السائل أن يُعجِزَهُ عن ذلك، أو عن الانفصال عما يَلزَمُهُ عليه من الأمور الفاسدةِ، فأحدُهما مُعجِزٌ عن قيام الحُجةِ على المذهب، والآخرُ مُبينٌ لقيام الحجَّةِ عليه، وذلك مما يَدَّعيه كلُّ واحدٍ إلى أن يظهرَ ما يوجبُ استعلاءَ أحدِهما على الآخر بالحُجةِ.
وكلُّ جدلٍ فإنما يُحتاجُ إليه لأجل الخلافِ في المذهب، ولو ارتفع الخلافُ لم يَصِحَّ جدلٌ، وذلك أن السائلَ إذا لم يكنْ غرضُه
стр. 544
فتلَ المجيب عن مذهبه فليس سؤالُه بسؤال جدلٍ، وكذلك المجيبَ إذا لم يكن غرضُه فتلَ السائلِ عن مذهبه لم يكُنْ جوابُه جدلًا، ولا بُدَّ من مذهبِ يختلفان فيه، فيكونُ أحدُهما فيه على الإِيجاب والآخرُ على السَّلْب، كاختلاف اثنين في الاستطاعةِ: هل هي قبلَ الفعل أو مع الفعل؟
فإذا تكافأَ الخصمان في القُوَّةِ على الجدل، ثم استعلى أحدُهما على الآخرِ، دَلَّ ذلك على قُوَّةِ المذهب؛ لأنه لا يبقى للرجحانِ وجهٌ من طريق القُوَّة، إذ قد فَرَضْنا تساويهماَ فيها، فلا يبقى للرُّجحان وجهٌ سوى قُوَّةٍ تعودُ إلى المذهب، لأنهما قد استويا فىِ كلِّ شيءٍ إلا أن أحدَهما ينصرُ المذهبَ والآخرَ يَطعُنُ عليه، فلولا تَرجحُ الحال من جهة قوةِ المذهب لأحدهما وضعفِه من جهة الآخَرِ لتكافآ في ذلك، وما ذلك إلا بمثابةِ ميزانٍ سُوِّيَ بين كَفَتَيْهِ، وعُدِّلَ عمودُه، ولم يَبْقَ فيه عَيْن (١) ولا مَيْل، متى وُزِنَ به فرَجَحَ إحدى (٢) كفَّتَيْهِ، لم يَبْقَ للرجحان وجهٌ سوى ثِقَلِ الموزونِ الذي رجحَ على المقابِل له، وعلى هذا جميعُ المُتكافِئاتِ لا وجهَ للترجيح بينها، حتى سمعتُ بعضَ الأئمَّةِ في الأصول والحقائقِ يقولُ: لو أَن شعرةٌ بين اثنين يتجاذبانِها، بيد كلِّ واحدٍ طرفٌ منها وقُواهما متكافئة ما انقطعت، ولا ينبغي انقطاعُها إلا إذا كان أحدُهما أرجحَ قُوَّةً.
وقال آخرٌ: لو أن طَبَقاً فيه رُطَبٌ خلقَه اللهُ تعالى متساوياً من كل
стр. 545
وجهٍ؛ لوناً ومَنْظَرَاً و (١) نوعاً ونُضْجاً، فإنه لا تمتدُّ اليدُ إلى واحدة من الرطَب مع يَقَظَةِ الدَّواعي والإِرادةِ، وإنما تمتدُ اليدُ إلى واحدة مع الغَفْلةِ بَما يَجْري مَجْرى العَبَثِ، فإنَّ الفاعلَ لا يُعينُ إلا لِعلَةٍ، والعلَّةُ لا تكونُ إلا مِيزَةً، وعَسَاهُ لا يبقى إلا القربُ، فيأخذ بالأقرب (٢) منه لعِلَّةِ القُربِ، إذ لا بُدَّ أن يكونَ الرطَبُ على وجه يكونُ بعضُه إليه أقربَ من بعضٍ، وإذا كانت المتكافئاتُ بهذه الصورةِ، لم يَبْقَ أن يكونَ لترجيح كلامِ أحدِ المُتساوَييْنِ المَفْرُوضَيْنِ في الجدلِ إلا لترجُّحِ المذهبِ الذي ينصرُه لا غيرُ.
وأصلحُ ما سمعتُه من ذكرِ الشَعْرَة والرُّطَب ما تأَمَّلْتُه من نفسي، وهو إذا خرجتُ قاصداً لأمرٍ، فاعترضني القصَدُ لأمرٍ آخرَ، فلا أزالُ أخطو نحوَ الأرجحِ عندي، فتَعرِضُ لي مساواةُ الأمرين، فتُوقِفُني جبراً عن الحركة، أصابني ذلك عدَّةَ دَفَعاتٍ، وهذا يُؤيِّدُ أن لا ترجيحَ مع التكافؤ والمساواة.
فأمَّا إذا كان أحدُ الخصمين أقوى في الجدل من الآخر، لم يَكُنْ في استعلاءِ الأقوى دليلٌ على قُوَةِ مذهبهِ، ولكنْ لو اسْتَعْلى الأضعفُ على الأقوى لاقتضى ذلك قُوَةَ مذهبهِ لا غيرُ؛ إذ كان ظهورُه وترجُّحُه أقوى في بيانِ قُوَّةِ مذهبهِ (٣) من ظهور المساوي.
وكلُّ مُتجادِلَيْنِ فلا بُدَّ من أن يكونَ الحق مع أحدِهما دونَ الآخَر؛
стр. 546
إذْ لا يجوزُ أن يكونَ الحقُّ في إيجاب الشيءِ وسَلْبِه، ولا في أن القولَ عليه صدقٌ والقولَ عليه كذبٌ؛ لأن ذلك متناقض، ولا يصحُّ [إلا] أحدُ النقيضين دونَ الآخرِ، إلا أنه يجوز أن يكونا جميعاً قد عدَلا عن طريقِ الحُجَّةِ، ويجوزُ أن يكونَ عليها أحدُهما، ولا يجوزُ أن يكونا عليها جميعاً؛ لأنه لا حُجَّةَ على الباطل.
وكلُّ جدلٍ فإنه ينبغي أن يُتحرَّزَ فيه من حيلةِ الخصمِ بإخراج السائلِ عن سؤاله والمجيب عن جوابه، فإن لذلك وجوهاً تَلْطُفُ، متى لم يتقدَّمْ في التحرُّزِ منها، حصلتِ المسألةُ من غير جوابِ، والجوابُ من غير زيادةٍ إلا الإِيهامَ.
ومن التحرُزِ في ذلك: أن يَنظُرَ السائلُ، فإن كان المسؤولُ قد أتى بمعنى الجوابِ محقَّقاً أو غيرَ محقَقٍ، كان له أن يُكلِّمه عليه ويُحاجَّه فيه، وإن لم يكُنْ أتى بمعنى الجواب طالبَه بذلك، وبَيَّنَ له أنه ليس يصحُّ أن يشرعَ في المُحاجةِ دون أن يُظهِرَ الجوابَ، فأمَّا المسؤولُ يأتي بحديثٍ اَخرَ ليس فيه معنى الجوابِ، فلا يصحُّ حِجاجٌ.
فأمَّا المجيبُ فينبغي له أن يتأملَ ما يعترضُ به السائلُ عن جوابه، فإن كان فيه شُبهةٌ تتعلَّقُ بالمسألةِ وتَتَصلُ بها أجابَ عنها، وإن أوردَ شبهةً، وافقَه على ذلك، وبَينَ له أنه لم يأتِ بمُتعلَّقٍ يَستحِق جواباً.
وكلُّ ما يحتالُ به الخصمُ من غير جهةِ إخراجِ السائلِ عن سؤاله، والمجيبِ عن جوابه، فالتَّحرُّزُ منه أسهلُ من التَحرزِ عن هذين الوجهين.
стр. 547
وكلُّ جدلٍ فإنه لا بُدَّ فيه من علم الاختلافِ في المَقالةِ وما يَعتمدُ عليه المُخالِفُ للحقِّ من الشبهةِ، أما المقالةُ: فلِتَتمكَّنَ من كسرِها، ولا سبيلَ لك إلى ذلك من غير أن تعلمَ ماهِيَّتها، وأما الشبهةُ: فلِتُداوي صاحبَها من الوجه الذي قد دخلت عليه البَلِيَّةُ فيها؛ لأن مثلك في ذلك مثلُ الطبيبِ الذي يُعابُ بما يَصلُحُ من الدواء.
وأولُ كلِّ جدلٍ: الاختلافُ في المقالة، وتحقيقُه: أن يكونَ أحدُ الخصمين فيه على المُوجِبةِ والآخرُ على السَّالبةِ، فإذا ظهرَ الخلافُ وقعَ الحِجاجُ بعدَه على طريقة السؤالِ والجواب، والسائلُ مُخيرٌ أن يْلزِمَ خصمَه ليُعجزَهُ عن الانفصالِ، أو يسألَهَ ليُعجزَهُ عن إقامةِ البرهانِ.
وكلُّ جدلٍ فإن الجوابَ فيه لا يخلو أن يكونَ مما يقعُ في مثلهِ الخلافُ، أو يكونَ ليس مما يقعُ في مثله الخلافُ، فإن كان ليس مما يقعُ في مثله الخلافُ، سقطتِ المطالبةُ بِلمَ وبالِإلزام من الوجه الذي لا يقعُ في مثله الخلافُ، وإن كان مما يقعُ في مثله الَاختلافُ، فلا (١) يخلو أن يكونَ مما يقتضيه العقلُ، أو ليس مما يقتضيه العقلُ، فإن كان مما يقتضيه العقلُ، سَقَطَتِ المطالبةُ فيه بلمَ، وبقيت المطالبةُ بالإِلزام، وإن كان مما يقعُ فيه الاختلافُ وليس يقَتضيه العقلُ، ساغت المطالبةُ فيه بلِمَ وبالإِلزامِ، فتدَبَّرْ هذا فإن عليه (٢) مدارَ الأمرِ في الجدل.
стр. 548
وكلُّ جدلٍ يقعُ فيه ظلمُ الخصمِ فإنه يَختلُّ بحَسَب قُوَةِ ذلك وضعفِه، وذلك أن ظلمَ الخصمِ يكسرُ من نفسه، أوَ يُزيلُه عن طريقته، فينبغي أن يُحتَرَزَ منه؛ إذ كان انكسارُ النَّفسِ يُميتُ الخاطرَ، ويقطعُ عن بلوغ الآخِرِ، والزوالُ عن الطريقِ يُخرِجُ عن الاعتمادِ، ومن عُرِفَ من عادته ظلمُ خصمهِ فليس ينبغي أن يُكلمَ إلا أن يرجعَ إلى الإِنصاف، أو يَدْفَعَ إلى ذلك حالٌ، فيُحترَزَ منه غايةَ الاحْتراز.
وأدبُ الجدلِ: استعمالُ ما يَحسُنُ فيه:
أما في السؤال والجواب: فبضَبْطِ حدودِ كلِّ واحدٍ منهما، وتَبينِ وجوهِه، ولزومِ سُنَتِه، وقد مضى ذلك في أبوابِه.
وأما في معاملة الخصم: فبالتَوفِيَةِ لحقَه، والتجنُّب لظُلمهِ، ولا بُدَّ في ذلك من علم الأبوابِ التي تَقدَمَتْ، وما يجبُ استَعمالُه فيها، وما لايَحسُنُ مما يَحسُنُ.
وآدابُ الجدلِ تُزينُ صاحبَها، وتركُ الأدبِ يَشينُه، وليس ينبغي أن يَنظُرَ إلى ما يَتَفقُ لبعضِ من تركَه من الحُظْوةِ في الدنيا، فإنه إن كان رفيعاً عند الجُهَّالِ، فإنه ساقطٌ عند ذوي الألبابِ.
وبكلِّ (١) حالٍ فإنه لا يصلُح الاستبقاءُ على الخصمِ إذا ابتدأَ بما يَتموَّهُ أنه سؤالٌ أو جوابٌ، وأما إن أتى بما لا يَتموَّهُ مثلُه، فليس على خصمه استماعُه، وذلك إذا أخذَ في السبابِ وما جَرَى مَجْرى ذلك من التخليطِ الذي لا يُشْكِل على عاقلٍ أنه ليس من السؤال والجواب في شيء، ومثلُه في ذلك مثلُ مَنِ ابتدأَ في إنشادِ الشَعرِ على طريق الاستشهادِ، وابتدأَ
стр. 549
في شيء من أخبار الزمانِ وتَصرُّفِ الأحوالِ الذي لا يَشتبِهُ على عاقل أنه ليس من السؤال والجواب في شيءٍ.
وكلُّ جدلٍ لم يَكنِ الغرضُ فيه نصرةَ الحقِّ فإنه وبالٌ على صاحبه، والمَضرَّة فيه أكثر من المنفعة؛ لأن المخالفة تُوحِشُ، ولولا ما يلزمُ من إنكار الباطلِ، واستنقاذِ الهالكِ بالاجتهاد في رَدِّه عما يَعتقِده من الضلالة، وينطوي عليه من الجهالةِ، لَمَا حَسُنَتِ المجادلةُ، لِمَا فيها من الإِيحاشِ في غالب الحالِ، ولكن فيها أعظمُ المنفعةِ وأكثرُ الفائدةِ إذا قَصَدَ بها نُصْرةَ الحقِّ، وإنكارَ ما زَجَرَ عنه الشرعُ والعقلُ بالحُجَّةِ الواضحةِ والطريقةِ الحَسَنِةِ.
فصل
ومن آداب الجدلِ: أن يجعلَ السائلُ والمسؤولُ مَبْدأَ كلامِه حَمْدَ اللهِ والثناءَ عليهَ، فإن كلَّ أمْرٍ ذي بالٍ لم يُبْدَأْ فيه باسم اللهِ فهو أبْتَر (١)،
стр. 550
ويجعلا قصدَهما أحدَ أمرين، وَيجتهِدا في اجتنابِ الثالث:
فاعلى الثلاثةِ من المقاصد: نُصْرةُ الحق ببيان الحُجةِ، ودَحْضُ الباطلِ بإبطالِ الشُبْهةِ؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا.
والثاني: الإِدمانُ للتقَوِّي على الاجتهاد، والاجتهادُ من مراتب الدِّينِ المحمودةِ (١)، وهي رتبةُ الفُتْيا (٢).
فالأولى: كالجهادِ، والثانيةُ: كالمُناضَلةِ (٣) التي يُقصدُ بها التَقَوِّي على الجهادِ.
ونعوذُ بالله من الثالثِ، وهو: المُغالبَةُ وبيانُ الفَراهةِ على الخصمِ والتَرَجُّحِ عليه في الطريقةِ، ومِنَ اللهِ نستمِدُّ الإِعانةَ على طلب ما يُوافِقُ الشَرعَ، وُيطابِقُ الحق، وهو حَسْبي ونِعْمَ الوكيلُ.
فصل
وإذا كان أحدُ الخصمين في الجدل حسنَ العبارةِ، والأخرُ مُقصِّرا عنه في البلاغة، فربما أدْخَلَ ذلك الضَّيمَ على المعاني الصحيحةِ.
والتدبيرُ في ذلك: أن يَقصِدَ إلى المعنى الذي قد رَتَبَه صاحبُه بعبارته عنه، فيعبِّرَ عنه بعبارة أخرى تدل عليه من غير تزيينٍ له، فإنه يظهرُ
стр. 551
في نفسه وَيبِينُ العُوارُ (١) الذي فيه، وينكشفُ عند الحاضرين التَمويهُ الذي وقعَ به.
وكذلك إذا أردْتَ أن تمتحنَ معنىً قد أتى به بليغٌ، فانْقُلْه إلى غير تلك العبارةِ، ثم تأمَّلْه، فإن كان حسناً في نفسه فإنه لا يُبطِلُ حُسْنَه نقلُه من عبارة إلى عبارة، كما لا يُبْطِلُ حُسْنَه نقلُه من الفارسيَّةِ إلى العربيَّةِ، وإذا كانت عبارةُ السائلِ أو المُستدِلِّ تَقصُرُه عن تحقيق الحُجَّةِ والشُبهةِ، وكان خصمُه قادراً على إخراجها إلى عبارة ينكشفُ بها قُوَّةُ كلامِه، فينبغي أن يُخرِجَها بعبارته إلى الِإيضاح، فإن اتَّضَحَ فيها الحقُّ اتَّبَعَه، وإن كان ذلك شُبهةً بعد إيضاحها زَيَّفَه (٢) وأبطَله.
وإذا كان أحدُ الخصمين في الجدلِ قد أخطأ في بعض المذاهب، فاحذَر الاغترارَ بذلك، فإنه ليس في خطئه في مذهب دليلٌ على أنهَ قد أخطأ في مذهب آخرَ، كما ليس في كذبه في خبر دليلٌ علىِ أنه قد كذبَ في خبر آخرَ أَخْبَرَ به، فلا تَلتَفِتْ إلى التَّمويهِ بأن بعض مذاهبِ فلانٍ يَتعلقُ ببعض، فإن فسدَ واحد منها (٣) فسدَ جميعُها، فإن ذلك يَحملُك على التخطئة بغير بصيرةٍ لِمَنْ لعلَّه أن يكونَ مصيباً فيما أتى به، فاعْتَبِرْ ذلك، ولا تَتَكِلْ على مثل هذا المعنى، ولكِنْ إذا كَثُرَ خطؤه، أوجبَ ذلك تُهْمَةً لمذهبه، وقِلَّةَ سكونٍ إلى اختياره، من غير أن يُحصِّلَ ذلك دليلًا على فسادِه لا مَحَالَةَ.
стр. 552
وإذا كان الخصمُ معروفاً بالمُجُونِ في الجدلِ، وقلةِ الاكتراث بما يقولُ وما يقالُ له، ليس غَرَضُه إقامةَ حُجَّةٍ ولا نُصْرةَ ديانةٍ، وإنما يريدُ المطالبة والمباهاةَ، وأن يقالَ: علا قِرْنَه وغلبَ خصمَه أو قطعَ خصمَه، فينبغي أن يُجتنَبَ وتُحذرَ مكالمتُه، فليس يحصُلُ بمناظرته دينٌ ولا دنيا، وربما أوْرَدَ على خصمه ما يُخجِلُه ولا يستحسنُ مكافأته عليه، فينقطِعُ في يَدِه، ويكونُ في انقطاعه فِتنةٌ لِمَنْ حضرَه.
وإذا كان الغرضُ بالجدل إدراكَ الحقِّ به، وكان السبيلُ إلى ذلك التثبُّتَ والتأمَّلَ، وجبَ على كلُّ واحدٍ من الخصمين استعمالُهما، وإِلا حصلا على مجرَّدِ الطلب مع حِرمانِ الظفَرِ، وحاجةُ كلِّ واحدٍ من الخصمين إلى التَّنبُّهِ على مَا يأتي به صاحبُه كحاجة الأخرِ إلى ذلك، قال بعض العلماءِ في هذا الشأنِ: العقلُ أطولُ رَقْدَةً من العَيْنِ، وأحْوَجُ إلى الشحْذِ (١) من السيفِ، وقد أحسنَ التشبيهَ؛ لأن العقلَ يحصُلُ به دَرْكُ الحقَّ كما يُدرَكُ بالعين الشخصُ، إلا أن حاجةَ العقلِ إلى التَّنبيهِ على الحقَّ أشدُّ من حاجة العين إلى التَنبيهِ على الشخص، ولربَّما أيقظَ العينَ من رَقْدَتِها لَكْزَةٌ (٢) أو كَلمةٌ تُوجِبُ اليَقَظةَ بسرعة، والعقلُ يحتاجُ في تنبيهه إلى عمل، وهو تخليصُ نظَرِه (٣) من آفاتِ النَظرِ المُعترِضةِ.
стр. 553
فالجدلُ يَشحَذُ ويُرهِفُ وُيثيرُ الخواطرَ، وُيخرِجُ الدقائقَ، وكلُّ ذلك آلةٌ لِإدراك العقلِ للحقِّ، فاذا كان لا سبيلَ إلى حَلِّ شُبهةِ الخصم في الجدل إلا بعد إدراكِها، فلا بُدَّ لخصمه من التَّأمُّلِ لِمَا يأتي به، فإن وقعَ له معنى الشُّبهةِ تمكَنَ من كَسْرِها بما يُدخِلُ عليها من الفساد الظاهرِ والبيانِ القاهرِ، وإن لم يَقَعْ له، راجعَه في ذلك إلى أن يستقِرَّ الأمرُ على إظهار أنه قد أوردَ ما يَحتاجُ إلى حَل، أو لم يُورِدْ ذلك، فيكونُ كلامُه أو إمساكُه بحَسَب ما يَظهرُ من الحال، فهذه طريقةُ (١) الِإنصافِ، والتي يحصُلُ له ولخَصمه بها الانتفاعُ.
وإذا كان الصَبرُ على شَغْبِ السائلِ في الجدل فضيلة، والحِلْمُ عن بادِرَةٍ (٢) إن كانت منه رِفْعَةً، فينبغي لمن أحَبَّ اكتسابَ الفضائل أن يستعمِلَ ذلك بحَسَب علمِه بما له فيه من الحَظ الجزيلِ والمَحَل الجليلِ، وليس يُنقِصهَ الحِلْمُ إلا عند جاهلٍ، ولا يَضَع منه الصَبرُ على شَغْب السائلِ إلا عند غبِيٍّ يَعتقِدُ أن ذلك من الذُلَ والركاكةِ (٣) وانْخِساسِ النَّفْسِ.
وقُصورُ اللسانِ في الشَغْب هو الفَضْلُ، فإن مَنْ خاضَ فيه تعوَّدَه، ومن تَعودَه حُرِمَ الِإصابةَ واسْتَرَوَحَ إليه، ومَنْ عُرِفَ بذلك سقطَ سُقوطَ الذَّرَّةِ، ومن صَبَرَ على ذلك وحَلُمَ عنه، ارتفعَ في نفوس العلماءِ، ونَبُلَ
стр. 554
عند أهلِ الجدلِ، وبانَتْ منه القُوَّةُ على نفسه حيثُ منعَها المقابلةَ على الجفاءِ بمثله، والقُوًّةُ على خصمه حيثُ أحوَجَه إلى الشَّغْب، لا سِيَّما إذا ظهرَ منه أنه فعلَ ذلك حِرْصاً على الإِرشاد إلى الحَق، ومَحبَّةً للاستنقاذ من الباطل الذي أَثارَتْهُ الشُّبهةُ من الضلال المُؤَدِّي بصاحبه إلى العَطَبِ والهلاكِ، فله بهذه النِّيَّةِ الجميلةِ الثَّوابُ من ربِّه، والمِدْحَةُ من كلِّ مُنصِفٍ حضرَه أو سَمعَ به.
وإذا كان المجلسُ مَجلِسَ عَصَبِيَّةٍ على أحد الخصمين بالتخليط عليه، وقَل فيه التمكُّنُ من الِإنصافِ، فينبغي أن يحذرَ من الكلام فيه، فإنما ذلك إثارةٌ للطباعِ وجَلْب للإِفحاش، وُيفضِي إلى انقطاع القويِّ المُنصِفِ بما يتداخلُه من الغضب والغَمِّ المانِعَين (١) له من صِحَّةِ النَّظَرِ والصَّاديْنِ له من طريق العلم.
وكلُّ صناعةٍ فإن العلمَ بها غيرُ الجدلِ فيها، وذلك أن العلمَ بها: هو المعرفةُ بجواب مسائلِ الفُتْيا فيها التي تُرَدُّ إلى المُصادرَةِ لها، فأمَّا الجدل: فإنما هو الحِجاجُ في مسائل الخلافِ منها، فالعلمُ صناعةٌ، والجدلُ صناعةٌ، إلا أن العلمَ مادَّةُ الجدلِ، لأن الجدلَ بغير علمٍ بالحُجًةِ والشُّبهةِ فإنما هو شَغْب، وإنما الاعتمادُ في الجدلِ على إقامةِ الحجَّةِ أو حَلِّ الشُّبهةِ فيما وقعَتْ فيه مُخالفَةٌ.
وإذا كان الجدلُ قد صَدَّ عنه آفةٌ عرَضَتْ لبعض من هو محتاجٌ إليه، فينبغي أن يعملَ في إزالة تلك الآمةِ؛ ليرتفعَ الصادُّ عنه، وتظهرَ للنَّفْسِ الحاجةُ إليه ومقدارُ المنفعةِ به.
стр. 555
فمن الآفاتِ فيه: الشُبهةُ الداخلةُ على النفس في تقبيحِه، أو أنه لا يُؤدِّي إلى حقٍّ، ولا يَحصُلُ به نفعٌ.
ومنها: التقليدُ، والِإلْفُ، والعادةُ، أو النَّظرُ فيما عليه الاسلافُ أو الآباءُ والأجدادُ.
ومنها: المَحبةُ للرئاسةِ، والميلُ إلى الدنيا والمفاخرةُ والمباهاةُ بها، والتشاغلُ بما فيه اللَّذَّةُ وما يدعو إلى الشَهْوَةِ، دون ما تُوجبُه الحُجَّةُ ويقضي به العقلُ والمعرفةُ، فعلى نحوِ هذا من الأسباب تَكونُ الآفةُ الصارفةُ عنه والموجبةُ منه.
وينبغي لمن عَرفَ هذه الآفاتِ أن يَجتهِدَ في نَفْيِها وما شاكلَها، وَيتحرزَ منها ومن أمثالِها، فإن المضَرَّةَ بها عظيمةٌ، فمن عرفَها وتَحرَّزَ منها، بَصُر رُشْدَه وامنَ الزَّيغَ، نسألُ الله أن يُوفِّقَنا لصواب القولِ والعملِ برحمتِه.
فصل
فيما يجبُ على الخصمين في الجدل (١)
اعلم أنه يجبُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبه مثلُ الذي يجبُ للآخَرِ عليه: من الإِجمالِ في خطابه، وتركِ التَّقطيعِ لكلامه، والإِقبالِ عليه، وتركِ الصِّياحِ في وجهه، والتَّأملِ لِمَا يأتي به، والتجنُب للحِدَّةِ والضَّجرِ عليه، وتركِ الحَمْلِ له على جَحْدِ الضَّرورةِ
стр. 556
إلا من حيثُ يَلزَمه ذاك بمذهبه، وتركِ الإِخراجِ له عن الحَدِّ الذي ينبغي أن يكونَ عليه في السؤال أو الجواب، وتركِ الاستصغارِ له، والاحتقارِ لِمَا يأتي به، إلا من حيثُ تُلزِمُه اَلحُجِّة إياه، والتَّنبيهِ (١) له عن ذلك إن بَدَرَ منه، أو مُناقَضَة إن ظَهَرَتْ في كلامه، وألا يُمانِعَه العبارةَ إذا أدَّتِ (٢) المعنى وكان الغرضُ إنما هو في المعنى دونَ العبارة، وأن لا يَخرُجَ في عبارته عن العادةِ، وأن لا يُدخِلَ في كلامِه ما ليس منه، ولا يستعملَ ما يقتضي التَّعدَّيَ على خصمه -والتَّعدِّي: خروجُه عما يقتضيه السؤالُ والجوابُ -، ولا يَمنَعَه البناءَ على أصلِه، ولا يُشَنِّعَ ما ليس يُشنَّعُ من مذهبه، أو ما يعوذ عليه من الشَّناعةِ مثلُه، ولا يأخذَ عليه شرفَ المجلسِ للاستظهارِ عليه، ولا يستعملَ الِإبهامَ بما يخرُجُ عن حَدِّ الكلامِ.
فصل
في الغضب الذي يَعْتَرِي في الجدل
اعلم أنه إذا دخلَ المُجادِلُ على توطين النَفسِ على الحِلْمِ عن بادِرَةٍ إن كانت من الخصمٍ، سَلِمَ من سَوْرةِ (٣) الغَضَب، واعلم أن تلك البادرةَ لا يخلو أن تكون من رئيسٍ تَعرفُ له فضلَه، أو نظيرٍ تَغفِرُ له زَلَله، أو وضيع ترفعُ النفس عن مُشاغبتِه ومُقابلتِه، فإذا عَرَفْتَ ذلك
стр. 557
وَوطَّنْتَ (١) النفسَ عليه، سَلِمْتَ من سَوْرَةِ الغضبِ.
واعلم أن في الغضب ظَفَرَ الخصمِ إذا كان سفِيهاً، والغالبُ بالسَّفَه (٢) هو الأسفهُ، كما أَن الغالبَ بالعلم هو الأعلمُ، ولو لم يَكُنْ من شُؤْم الغضب إلا أنه عزلَ به عن القضاءِ، فقال الشارعُ ﵇: "لا يقضيَ القاضي حين يقضي وهو غضبانُ" (٣)، [لكفى] (٤).
وكما أن القاضيَ يحتاجُ إلى صَحْوٍ من سُكْرِ الغضب، يَحتاجُ المناظرُ إلى ذلك؛ لأنهما سواء في الاحتياج إلى الاجتهاد، وأداةُ الاجتهادِ العقلُ، ولا رايَ لغضبانَ، فيعودُ الوَبالُ عليه عند الغضبِ بارتجاجِ طُرُقِ النظَرِ في وَجْهِهِ، وضلالِ رَأيِه عن قَصدهِ.
فمن أوْلى الأشياءِ: التحفُّظُ من الغضب في النَّظَر والجدلِ؛ لِمَا فيه من العَيْب، ولأنه يَقطَعُ عن استيفاءِ اَلحُجَّةِ، والبيانِ عن حَلِّ الشبهةِ.
стр. 558
فصل
[ي التَّقطيعِ (١) على الخصم (٢)]
في التقطيعِ على الخصم في الجدل خروجٌ عن حكم الجدلِ؛ إذ كان لا سبيلَ له إلى فهم الشُبهةِ ليَحُلَّها والحُجَّةِ ليصِيرَ إليها إلا بالفهم، والتقطيعُ مانعٌ من الفهمِ والتَّفهُمِ، فلا ينبغي أن يَشغَلَه عما لاغنى له (٣) عنه، كما لا يجوزُ له أن يُشَعِّثَ (٤) عليه أداةً من أدواتِ كلامِه، وهو دونَ الفهمِ، فأوْلى أن لا يُشَغَثَ أداة الفهمِ.
فصل
في المُحببِ الكلام بحَضْرَتِه
اعلم أنه لا ينبغي أن يُتكلَمَ في الجدل بحضرةِ مَنْ دأبُه التَلَهَي والهزْءُ والتَشفَي لعداوةٍ بينه وبين الخصمِ، ولا إذا كان مُتحفَظاً للمساوىءِ مُترصِّداً لها، والتحريف للقول، والتزيدُ فيه بما يُفسِدهُ، والمُباهَتَةُ، فإن الكلامَ مع هذا وبمحْضَرٍ (٥) منه، يُعرِّضُ للهُجنَةِ (٦) والخروجِ عن الطريقة والدِّيانةِ، ومتى لم تَكنِ المجالسُ مُحتشِمةِ تُقصِي سَفَهَ السفِيهِ وإدغالَ المُدغِلِ (٧)؛ كَثُرَ الشَغْبُ والتعدِّي،
стр. 559
واستطالَ السفيهُ، وتضاءلَ العالِمُ، وزالتِ الفائدةُ، ولم يَتحصَل المقصودُ.
فصل
في الرِّياضةِ والتَذليلِ للجدل
اعلم أنه إذا كان في الرِّياضْةِ للبيان عن الحق استدعاءٌ إليه، وفي التعقيدِ وسُوءِ العبارةِ تنفير عنه؛ فواجبٌ على كلُّ حليم أرادَ البيانَ عن الذي يأتي به من الحق، والتنفيرَ عن الباطل الذي يأتي به الخصمُ، أن يستعملَ الرِّياضةَ حتى تَتذلَّلَ له العبارةُ وَيتسهَلَ له المُستوعِرُ منها.
وحصولُ الرِّياضةِ بكثرةِ الدرسِ والمذاكرةِ، فهما الفاتحان لأبواب القَرائحِ، والناقبان (١) عن الأسْرارِ، والمُقَرِّبان (٢) للدَّلالةِ على المعنى بالألفاظ الوجيزةِ والعبارةِ البليغةِ.
فصل
في ترتيب الخصومِ في الجدل (٣)
اعلم أنه لا يخلو الخصمُ في الجدل من أن يكونَ في طَبقَةِ خصمِه، أو أعلى، أو أدوَنَ.
فإن كان في طبقته: كان قولُه له: الحق في هذا كذا دون كذا؛
стр. 560
من قِبَلِ كَيْتَ وكَيْتَ، ولأجل كذا، وعلى الآخَرِ: أن يتحرَّى له الموازنةَ في الخطاب، فذلك أسلَمُ للقلوب، وأنفَى لشغلِها عن ترتيب النَّظَرِ، فإن التَطفيفَ في الخطاب يُعمِي القلبَ عن فهم السؤالِ والجواَبِ.
وإن كان أعلى منه: فلْيَتَحر (١) ويَجتَنِبَ القولَ له: هذا خطأٌ، أو غَلَطٌ، وليس كما تقولُ. بل يكونُ قولُه له: أرأيتَ إن قال قائلٌ: يَلزَمُ على ما ذكرتَ كذا، وإن (٢) اعترضَ على ما ذكردت مُعترِضٌ بكذا؟. فإن نفوسَ الكرام الرؤساءِ المُقدَّمينَ تأبى خُشونةَ الكلامِ؛ إذ لا عادةَ لهم بذلك، وإذاَ نَفَرتِ النفوسُ، عَمِيَتِ القلوبُ، وجَمَدَتِ الخواطرُ، وانسدتْ أبوابُ الفوائد، فحُرمَ الكل الفوائدَ بسفَهِ السفيهِ، وتقصيرِ الجاهلِ في حقوق الصدورِ.
وقد أدَّبَ اللهُ أنبياءَه [فى خطابهم] (٣) للرؤساء من أعدائه، فقال لموسى وهارونَ في حق فِرْعَونَ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] ,
سمعتُ بعضَ المشايخِ المُقدَمين في علومِ القرآنِ يقولُ: صيغةُ هذا القولِ اللَّيِّنِ في قوله سبحانه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٨]، وما ذلك إلا مراعاةً لقلبه؛ حتى لا يَنفِرَ بالقول الخَشِنِ عن فهم الخطاب، فكيف برئيسٍ يُقَدَمُ في العلم، تُطلَبُ فوائدهُ، وُيرجَى الخيرُ منَ إيرادِه، وما تَسْنَحُ به خواطرُه؟ فأحرى بنا أن نُذلِّلَ له العبارةَ، ونُوطَىءَ له جانبَ الجدالِ؛
стр. 561
لتَنْهالَ فوائدُه انهيالًا.
وفي الجملة والتفصيلِ: الأدبُ مِعْيارُ العقولِ ومعاملةُ الكرام، وسؤُ الآدب مقْطَعةٌ للخيرِ ومَدْمَغة للجاهلِ، فلا تتأخَّرُ إهانتُه، ولو لَم يَكُنْ إلا هِجَرانُه وحِرمانُه.
وأما الأدْوَنُ: فيُكلَّمُ بكلام اللُّطْفِ والتفهيم، إلا أنه يجوزُ أن يقالَ له إذا أتى بالخطأ: هذا خطأ، وهذا غلط من قِبَلِ كذا؛ ليذوقَ مرارةَ سلوكِ الخطأ فيجتنِبَه، وحلاوةَ الصواب فيَتَّبعَه، ورياضةُ هذا واجبةٌ على العلماء، وتركُه سُدىً مَضرَّةٌ له، فإن عُوِّدَ الإِكرامَ الذي يَستحِقُّه الأعلى طبقةً، أخلَدَ إلى خطئِه، ولم يَزَعْه عن الغلط وازعٌ، ومَقامُ التعليمِ والتأديب تارةً بالعُنفِ، وتارةً باللُّطفِ، وسلوكُ أحدهما يَفوَتُ فائدةَ الآخَرِ، قَال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]، وقيل في التفسير: إنه السائلُ عن العلومِ دون سؤالِ المالِ، وقيل: هو عامٌّ فيهما (١).
فصل
في التَحرُّزِ من المُغالَطَةِ في الجدلِ
وهي على ضربين: أحدهما: الإِخراجُ عن السؤال أو الجواب، والآخر: الِإيقاعُ للاشتراكِ في الكلامِ على خلاف ما يَسبِقُ إلَى الأفهام، وفي التَّحرُّزِ من ذلك السلامة منه. وينبغي إذا عرف الخصم تحقق الجواب المطابق للسؤال، ثم رأى صاحبه قد زال عنه، دَله على أنه
стр. 562
قد قصدَ لإحْواجه عن سؤاله، وأنه عدلَ لجهلِه بطريقة جوابِه.
ولا بُدَّ للسائل من المطالبة بجوابه إذا رامَ المجيبُ إخراجَه عن سؤالِه، ومتى لم يَضبطْ ذلك، كان بمنزلة من طلبَ شيئاً فأْعطِي غيرَه، فلم يَحسُنْ أن يقولَ: ليس هذا طَلَبْتُ، وانما طلبت كَيْتَ وكَيْتَ.
وأما المُشترَكُ: فينبغي أن يؤْتَى بعبارة تُوضِّحُه وتكشِفُ عن المراد به، وقال بعضُ علماءِ الأوائل: آفةُ الناس في الغلطِ المُشترَكُ، وإذا كان أحدُ المعنيَيْنِ فيه أظهرَ وَأسبق إلى النَفسِ، فهذا الذي لا يكادُ يسلَمُ فيه من الغلط، إذا كان المرادُ إنما هو المعنى الذي ليس بأسبقَ.
ولا يخلو المُشتَرَكُ من أن يكونَ عارضاً أو لازماً: فالعارضُ: هو الذي يقعُ من أجل التَّغيُّرِ الجائزِ في الكلام؛ لأن كلَّ مُغيرٍ فللمعنى فيه عبارتان: إحداهما (١): على جهة التَّحقيقَ، والأخرى: على جهة التَّغييرِ، وإحداهما (١): على جهة الأصلِ، والأخرى: على جهة الفرعِ؛ ولذلك كان كلُّ مُغيرٍ مُشترَكاً.
والمشترَكُ على جهة أحدِ الشيئين أو الأشياءِ لا يَحتاجُ إلى تفسيرٍ، كلَوْنٍ فإنه واحد من جملة الألوانِ على ذلك وضِعَ، وإنما يحتاجُ إلى التفسير ما كان من المشترَكِ على جهة البَدَلِ، كجاريةٍ إذا أُريدَ بها: السفينةَ أو المرأةَ، فهذا جنسٌ وهذا جنسٌ، واللَّونُ جنسٌ واحدٌ، وهو هيئة صابغةٌ ملتبسةٌ على الجسم، وإنما يحتاجُ إلى الفصل بين سوادٍ وحُمْرةٍ، والكلُّ لونٌ، والسفينةُ والجارية معلومٌ ما بينهما، والله أعلم.
стр. 563
الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
تأليف
أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل
البَغدادي الحَنبلي (٥١٣ هـ)
تحقيق
الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
الجزء الثاني
مؤسسة الرسالة