← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لتَنْهالَ فوائدُه انهيالًا. وفي الجملة والتفصيلِ: الأدبُ مِعْيارُ العقولِ ومعاملةُ الكرام، وسؤُ الآدب مقْطَعةٌ للخيرِ ومَدْمَغة للجاهلِ، فلا تتأخَّرُ إهانتُه، ولو لَم يَكُنْ إلا هِجَرانُه وحِرمانُه. وأما الأدْوَنُ: فيُكلَّمُ بكلام اللُّطْفِ والتفهيم، إلا أنه يجوزُ أن يقالَ له إذا أتى بالخطأ: هذا خطأ، وهذا غلط من قِبَلِ كذا؛ ليذوقَ مرارةَ سلوكِ الخطأ فيجتنِبَه، وحلاوةَ الصواب فيَتَّبعَه، ورياضةُ هذا واجبةٌ على العلماء، وتركُه سُدىً مَضرَّةٌ له، فإن عُوِّدَ الإِكرامَ الذي يَستحِقُّه الأعلى طبقةً، أخلَدَ إلى خطئِه، ولم يَزَعْه عن الغلط وازعٌ، ومَقامُ التعليمِ والتأديب تارةً بالعُنفِ، وتارةً باللُّطفِ، وسلوكُ أحدهما يَفوَتُ فائدةَ الآخَرِ، قَال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]، وقيل في التفسير: إنه السائلُ عن العلومِ دون سؤالِ المالِ، وقيل: هو عامٌّ فيهما (١). فصل في التَحرُّزِ من المُغالَطَةِ في الجدلِ وهي على ضربين: أحدهما: الإِخراجُ عن السؤال أو الجواب، والآخر: الِإيقاعُ للاشتراكِ في الكلامِ على خلاف ما يَسبِقُ إلَى الأفهام، وفي التَّحرُّزِ من ذلك السلامة منه. وينبغي إذا عرف الخصم تحقق الجواب المطابق للسؤال، ثم رأى صاحبه قد زال عنه، دَله على أنه

стр. 562

قد قصدَ لإحْواجه عن سؤاله، وأنه عدلَ لجهلِه بطريقة جوابِه. ولا بُدَّ للسائل من المطالبة بجوابه إذا رامَ المجيبُ إخراجَه عن سؤالِه، ومتى لم يَضبطْ ذلك، كان بمنزلة من طلبَ شيئاً فأْعطِي غيرَه، فلم يَحسُنْ أن يقولَ: ليس هذا طَلَبْتُ، وانما طلبت كَيْتَ وكَيْتَ. وأما المُشترَكُ: فينبغي أن يؤْتَى بعبارة تُوضِّحُه وتكشِفُ عن المراد به، وقال بعضُ علماءِ الأوائل: آفةُ الناس في الغلطِ المُشترَكُ، وإذا كان أحدُ المعنيَيْنِ فيه أظهرَ وَأسبق إلى النَفسِ، فهذا الذي لا يكادُ يسلَمُ فيه من الغلط، إذا كان المرادُ إنما هو المعنى الذي ليس بأسبقَ. ولا يخلو المُشتَرَكُ من أن يكونَ عارضاً أو لازماً: فالعارضُ: هو الذي يقعُ من أجل التَّغيُّرِ الجائزِ في الكلام؛ لأن كلَّ مُغيرٍ فللمعنى فيه عبارتان: إحداهما (١): على جهة التَّحقيقَ، والأخرى: على جهة التَّغييرِ، وإحداهما (١): على جهة الأصلِ، والأخرى: على جهة الفرعِ؛ ولذلك كان كلُّ مُغيرٍ مُشترَكاً. والمشترَكُ على جهة أحدِ الشيئين أو الأشياءِ لا يَحتاجُ إلى تفسيرٍ، كلَوْنٍ فإنه واحد من جملة الألوانِ على ذلك وضِعَ، وإنما يحتاجُ إلى التفسير ما كان من المشترَكِ على جهة البَدَلِ، كجاريةٍ إذا أُريدَ بها: السفينةَ أو المرأةَ، فهذا جنسٌ وهذا جنسٌ، واللَّونُ جنسٌ واحدٌ، وهو هيئة صابغةٌ ملتبسةٌ على الجسم، وإنما يحتاجُ إلى الفصل بين سوادٍ وحُمْرةٍ، والكلُّ لونٌ، والسفينةُ والجارية معلومٌ ما بينهما، والله أعلم.

стр. 563

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه تأليف أبي الوَفاء عَلي بن عَقيل بن مُحمَّد بن عَقيل البَغدادي الحَنبلي (٥١٣ هـ) تحقيق الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الجزء الثاني مؤسسة الرسالة

стр. 564

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 565

الوَاضِح في أصُولِ الفِقه ٢

стр. 566

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جَميع الحقُوق مَحفوظة للناشِر الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بنايه المسكن، بيروت - لبنان تلفاكس: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢ فاكس ٦٠٣٢٤٣ ص. ب: ١١٧٤٦٠ AL- Resalah PUBLISHERS BEIRUT/LEBNON - Telefax: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ fax: ٦٠٣٢٤٣ - P.O.Box: ١١٧٤٦٠ Email: Resalah@Cyberia.net.lb

стр. 567

فصل في مراتب الأدلَّةِ الشَّرعيةِ على الأحكام الفِقهيَّةِ اعلم أن الأصلَ في الدلالةِ والمبتدَأ به في أوَّلِ مراتِبها: كتابُ اللهِ تعالى، والدَّلالةُ على ذلك من طريقين: النطقِ، والاستنباطِ. فالنطقُ: قولُ النبيِّ ﷺ لمُعاذٍ -رحمةُ اللهِ عليه- حيثُ بعثَه إلى اليمن قاضياً: "بمَ تَحكُمُ"؛ قال؛ بكتاب اللهِ، قال: "فإن لم تَجِدْ"؟ قال: بسُنةِ رسولِ الله، قال: "فإن لم تَجدْ"؛ قال: أجتهدُ رأي ثم لا آلُو (١)، فحَمِدَ اللهَ على توفيقه لذلك. ولو سكتَ عنه، لكان كافياً

стр. 568

من حيثُ كونُه إقراراً. وإنما ابتُدىءَ بكتاب اللهِ تعالى؛ لأنه قَطْعِيٌ من جهة النَقْلِ المعصوم، ومن جهة الإِعجازِ المأمونِ معه التَحريفُ والزَيادةُ والنُقصانُ؛ إذ لا يَقبلُ غيرَه من الكلام، ولا يَختلِطُ به شيءٌ من القول المُتضمِّنِ للأحكامِ وغيرِ الأحكامِ، هذا تقديمٌ أوجَبَتْه قُوَّةُ الدَلالةِ. والثاني (١): أنه أفضلُ الأدلَّةِ؛ إذ كان كلاماً الله سبحانه. فصل ودَلالةُ الكتابِ الكريمِ من وجهين: نَصٍّ وظاهِرٍ. والعمومُ أحدُ قِسْمي الظاهرِ على قولِ مَنْ أثْبَتَ له صيغةً (٢)، ومَنْ

стр. 569

أثبتَ حُكْمَه بالقَرينةِ (١).

стр. 570

وعَدَّه قومٌ وجهاً ثالثاً (١)، ولا وجهَ لذلك عندي؛ إذ كان العمومُ إنما يَدُل بظاهره، ولذلك يُصرَفُ عن شمولِه واستغراقِه إلى الخصوصِ بالدَّلالةِ التي يُصرَفُ بها عن وجوبِه إلى النَدْبِ، والنَّهيُ عن حَظْرِه إلى التَنزيهِ. فصل فأمَّا النَص: فهو النُطقُ الذي انتهى إلى غايةِ البيانِ، مأخوذٌ من مِنَصةِ العَرُوسِ، وقيل: ما استوى ظاهرُه وباطنُه، وقيل: ما عُرِفَ معناه من نطقِه، وقيل: ما لا يحتمِلُ التأويلَ (٢). وأما عين النص: فقولُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الانعام: ١٥١] وبينَتِ السُّنَة المستثنَى بقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ دم امرِىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعد إيمانٍ، أو زنىً بعد إِحْصانٍ، أو قتل نفس بغير نفسٍ" (٣).

стр. 571

ومن النص أيضاً: قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فصل في حكمِ النَّصِّ وأما حكمُ النَّصِّ: فتَلقِّيهِ (١) بالاعتقادِ له والعملِ به، ولا يُترَكُ إلا بنص يُعارِضُه. فصل وهو (٢) أعلى مراتب أدِلةِ الكتاب، كما أن الكتابَ أعلى مراتب الأدلةِ في الجُملةِ. فصل وعينُ الظاهرِ على ضَرْبينِ: ظاهر بوضعِ اللغة: كالأمرِ يَترجحُ إلى الإِيجاب مع احتمالِه النَدبَ، وكالنَهي يحتمِلُ التَحريمَ والكراهةَ والتَنزيهَ، وهو في التحريمِ أظهرُ، وإليهَ أمْيَلُ، وكسائرِ الألفاظِ المُحتمِلةِ (٣) لمَعْنيين وهو في أحدِهما أظهرُ.

стр. 572

فصل في حُكْمِه [حكمُه] (١): أن يُحمَلَ على أظهرِ المَعْنيين، ولا يُحمَلَ على غيره إلا بدليلٍ. وأما الظاهرُ بوضعِ الشَرعِ، كالأسماءِ المنقولِة من اللغة إلى الشرعِ عند من أثبتَ النقلَ، كالصلاةِ نُقِلَتْ من الدُّعاءِ في اللُّغةِ إلى هذه الأفعالِ المخصوصةِ، والحَجُّ في اللغةِ: القَصْدُ، ونُقِلَ إلى هذه الأنْساكِ المخصوصةِ. والأشبهُ عندي: أنها مَزيدَة غيرُ منقولةٍ؛ لأن في الصلاة الشرعية دعاءً مًشترَطاً (٢) على أصلنا، وهو ما تَتضمُه الفاتحةُ التى لا تَتِمُّ الصلاةُ إلا بها من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وما تتضمَّنُه من دعاءِ التشهُّد، وهو واجب عندنا بما ثبتَ من الآثارِ (٣). والحجُّ (٤) وإن كان أفعالًا وأنساكاً، لكنْ لا بُدَّ لكل نُسُكٍ من قصدٍ إلى مكانِه، حتى المَكَيُّ لا يزالُ يَقصِدُ ما بين عَرَفاتٍ إلى مِنىً، إلى مَحلِّ الطَّوافِ والسعْيِ.

стр. 573

فبَقِيَتِ الصلاةُ دعاءً في أفعال، والحجُّ قصداً (١) إلى مَحالِّ أنساكٍ، فما خرجَ الدعاءُ والقصد عن أصلهما، ولا استحالا عن معناهما. وكذلك النِّكاح: الجمع، وهو على الجمع في الوَطْءِ لجمع الذَّاتَيْنِ، وفي العَقْدِ لجمعِ الشَّمْلِ المفضي إلى الجمع بين الزَّوجَيْنِ، فأين النقل مع هذه الحالِ؟ فإن قيل: مع ما ذكرْتَ من الِإبقاءِ على حقائقِ الأسماءِ فيما ذكرْتَ، فلا بُدَّ من نقلٍ؛ لأن اسمَ الصلاةِ كان لمَحْضِ الدُّعاءِ، وهو الرَّغْبَةُ إلى الله سبحانه والسؤالُ له، وصار واقعاً على ركوعٍ وسجودٍ وليس بدعاءٍ، فقد نقِلَ، ألا ترى أنّا كنا نسلُبُ الاسمَ عن القراءةِ والقيام والرُّكوعِ إذا سُئِلْنا عنه: هل هو دعاء؟ فنقول: لا، وإن قيل لنا: هلَ هو صلاة؟ فقلنا: لا، فلمّا جاءَ الشرع، قلنا: إنه صلاةٌ وليس بدعاءٍ، وخَصَّصْنا قولَه: "رَبِّ اغْفِرْ لي"، "اللهم صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمدٍ"، بأنه صلاة شرعيَّةٌ ودعاءٌ، فقد تحقَّقَ النقلُ في الأفعال؛ حيثُ صار في الشرع صلاةً وليس بدعاءٍ، بعدَ أن لم يَكُنْ صلاةً في اللُّغةِ ولا دعاءً. قيل: يجوزُ أن يكونَ الاسم اقتصرَ على الأْفعال؛ لأنها أحوالٌ للراغب الطالب، والخضوعُ بهذه الأفعالِ المخصوصةِ بين ركوعٍ وسجودٍ إنما يثبت على طلب الإِثابةِ من الله والرَّحمة، فغَلَبَ فيها اسمُ القصدِ بها، واقتصرَ على الأَفعالِ التابعةِ للطلبِ والرغبةِ، وهو الدعاءُ

стр. 574

لفظاً ومعنىً، كما أن المُحارِبَ يُسَمى بالمِحْراب (١) حالَ مُجاوَلَتِه (٢) في الكَرِّ والفرِّ، والواطىء يُسَمَّى مُجامِعاً حالَ الإيلاجِ والنزْعِ، وبين الكَرِّ والفَرِّ تضادٌّ، وبين الإيلاج والنَّزعِ تضادٌّ، لكنْ لَما كان مُعتاداً في الفِعْلينِ، اقتصرَ عليه حكمُ الاسمين، كذلك الخضوعُ من الراغب الدَاعي تابعٌ لدعائِه، إذ لا مقصودَ له في ذلك إلا طلبُ ثمرِ ذلكَ الخضوعِ، وهو الإثابةُ والجزاءُ على التضرُّعِ، والدعاءُ عنوانُ قصدِه، وحكايةُ ما في نَفْسِه. فصل وحكمُ هذا المُختلَفِ في نقله وتبقيتِه: أن يُحمَلَ على ما نُقِلَ إليه أو ضُمَّ إليه على الخلاف المعروفِ، ولا يُحمَلَ على غيره، ولا يَبْقى على مُجرَّدِ أصلِه من غير الزِّيادةِ إلا بدَلالةٍ. ولأصحاب الشافعي -رحمةُ الله عليه- في النقلِ وجهان، وسأذكرُهما (٣) في الخلافِ إن شاء الله (٤).

стр. 575

فصل والعمومُ على قول مَنْ اثْبَته صيغةً من جُملةِ الظاهرِ، وقد قدمنا حَدَّه (١). فأمَّا عينُه في الإثبات: فكقوله سبحانه: ﴿فاقْتُلوا المُشْركين﴾ [التوبة: ٥]، وقولِ النَبي ﷺ : "مَنْ بَدَلَ دينَه فاقتلُوه" (٢)، وسائرِ أَسماءِ الجُموعِ، وفي النفْيِ في النَكِراتِ: "لا يُقتَلُ مُسلِم بكافر" (٣)، "لا نَذْرَ في مَعْصِيةِ اللهِ" (٤). فحكمً هذا: اعتقادُ حكمِ عمومِه إثباتاً ونفياً، ولا يُخَص شيء منه

стр. 576

إلا بدَلالةٍ صالحةٍ لتخصيص العمومِ، على الخلاف الذي نذكرُه إن شاءَ اللهُ في مسائل الخلافِ (١). فصل وأما الاسمُ المُفرَدُ إذا عُرِّفَ بالألفِ واللَّامِ، كالرجلِ، والمسلمِ، والمشركِ: فقد اخْتلَف فيه أهلُ الجدلِ: فمنهم: من جعلَه من ألفاظ العمومِ. ومنهم: من أخرجَه من العمومِ. والأشْبَهُ: أنه من ألفاظ العموم (٢)؛ إذ كان دخولُها لإِعادة التَّسميةِ إلى مذكورٍ، مثل قولِنا: دخلتُ السُّوقَ فرأيتُ رجلَاً، ثم عُدْتُ فرأيتُ الرَّجلَ، وليس ذلك في الابتداءِ، فلم يعمَلْ دخولها إلا إعادةَ الاسمِ إلى جنسِ الرِّجالِ والنَساءِ. فصل و من أعْيانِ ألفاظِ العموم: الأسماء المُبْهَمةُ ، كـ "منْ" فيمن يَعقِلُ، و"ما" فيما لا يعقِلُ، و"أيّ" فيَ الجميعِ، و"أين" في المكانِ، و"متى" في الزَّمانِ، فذلك كلُّه من ألفاظ العمومِ. وحُكْمُه: أن يُحمَلَ على عمومه إلأ أن يَخُصَّه دليلٌ، فيخرج عنه ما خَصَّه الدليلُ (٣).

стр. 577

فصل في المَرْتَبةِ الثانيةِ من أدِلَّةِ الأحكامِ الشرعيةِ، وهي: السنَةُ. وهي ثلاثُ مراتبَ: فالأُولى منها: القولُ، وهو مُنقسِمٌ قِسْمَينِ: مُبتدأٌ، وخارج على سببٍ. فالأوَّلُ: المُبتدأ: وهو مُنقسِم قسمين: نَصٌّ، وظاهرٌ، ومن جملةِ الظاهرِ: العمومُ، على ما بيَّنَّا في الكتابِ (١). فصل فأمَّا النصُّ: فكقوله ﷺ : "في الرقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" (٢)، "فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرُ" (٣)، "في أرْبَعينَ شاةً شاةٌ" (٢). وحكمُ ذلك: إيجابُ تَلَقَيهِ باعتقادِ وجوبِه والعمل به، ولا يُترَكُ إلا بنصٍّ يُعارِضُه، ونسخٍ يَرفَعُ حكمَه. والظَّاهرُ: كقوله ﷺ لأسماءَ في دم الحَيْضِ: "حُتِّيهِ، ثم اقْرُصِيهِ، ثم اغْسِليهِ بالماءِ" (٤)، يُحمَلُ على الوجوبِ، ولا يُصرَفُ إلى الاستحباب إلا بدليلٍ.

стр. 578

والعمومُ: كقوله ﷺ :" ليس في المال حَقٌّ سوى الزَّكاةِ" (١)، "ليس للمَرْءِ إلا ما طابَتْ به نفسُ إمامِه" (٢)، فيَعُمُّ سائرَ الحقوقِ إلا ما خَصَّه الدليلُ من الغراماتِ والكَفاراتِ والدِّيَاتِ.

стр. 579

فصل وأما القِسْمُ الثاني -وهو الخارجُ على سببٍ-: فمُنقسِم قسمين: مُستَقل دون السبَبِ: كما رُوِيَ عنه ﷺ أنه لما قيل له: "إنك تَتَوضأ من بئرِ بُضاعَةَ، وهي تُطرَح فيها المحائضُ ولحومُ الكلاب وما يُنجي (١) الناسُ، قال: "الماءُ طَهُورٌ لا يُنجسُه شيء إلا ما غَير طعْمَه أو ريحَه" (٢)، فحكمُ هذا في استقلاله بنفسه حكمُ القولِ المُبتدإ، وقد سَبقَ بيانُه وانقسامُه. وقد ذهب بعضُ الفقهاءِ من أصحاب الشافعي إلى أنه يُقصَرُ على السبب الذي ورَدَ فيه (٣)، وليس بصحيحٍ؛ لأنه سُئِلَ ﷺ عن بئرٍ

стр. 580

بعَيْنِها، فعَدَل عن ذِكْرِ مائِها المخصوصِ بها، وأجابَ عن الماء الذي هو أصل، فدَل ذلك على أنه أرادَ بيانَ حكمِ الماءِ، ولم يُرِدْ بيانَ حكم يَختصُّ البئرَ؛ لأن السؤالَ مخصوصٌ، وجوابه عائم، فكان الاعتبار بنطقِه العامَ، دونَ سؤالِ السائلِ الخاصَ، لاسِيما والنبيُّ [ ﷺ ]، أخرجَ جَوابه بخلاف سؤالِ السائلِ، ولا يَفعَل ذلك إلا لغَرض صحيح، وهو: إفادةُ حكمِ ما سألَ عنه وما لم يسألْ عنه، ولا تَسقط فائدةُ لفَظِ الشارع نظراً إلى اقتصار السائلِ في سؤاله عن بعض المياهِ، والشارع ﵇ عم بالحكم جميعَ المياهِ. والقسم الثاني من الخارج على السَّبَب: ما لا يَستقِل بنفسه دونَ السببِ، مثلُ ما رُويَ عن السائل عن لَطْم (١) أمَتِه الرَّاعِيَةِ؛ حيثُ أكلَ الذئب شاةً من غنَمِه، وأنه أخَذهُ ما يأخذَ الرجلَ على تَلَفِ مالِه (٢)،

стр. 581

وما رُويَ أن أعرابياً قال له: جامَعْتُ امرأتي في نهار رمضانَ (١)، فقال لكلِّ واحدٍ منهما: "أعْتِقْ رَقَبَةً"، فيصيرُ قولُه ﷺ مع سؤالِ السائل كالقولِ الواحدِ، فتقديرُه: أعتِقْ رقبةً إذا لَطَمْتَ (٢) أمَتَك، وأعتِقْ رقبةً، إذا جامعْتَ في نهار رمضانَ زوجتَك. فصل ومن جُملةِ أقسامِ السنةِ: فعلُ النبى ﷺ ، وهو منقسِمٌ قسْمينِ: أحدُهما: ما فَعَلَه على غير وجهِ القُرْبةِ، كالأكلِ، والشُرْبِ، والمَشْيِ (٣): فيَدُلك ذلك على الإباحةِ والجوازِ؛ لأنه لا يَفعلُ ما نُهِيَ

стр. 582

عنه، وهذا يَصفُو دليلاً على الإباحة، ويَخلُصُ دليلاً على الجواز في حق مَنْ قال بعصْمَتِه ﷺ من الخَطَا، فتقعُ أفعالُه كلها من هذا القبيلِ مُباحَةً، ومُبِيحةً لأُمَّتِه، وهم المعتزلةُ والإماميةُ. فأمَّا على قول أهلِ السُّنةِ، وهو مذهبُنا: فإنه لا تقعُ منه هذه الأفعالُ دالَّةً على الإباحة إلا مشروطةً بأن لا يَتعقبَها مَعْتبةٌ من الله، أو استغفارٌ منه واستدراك؛ حيثُ كان لا يُقَر على الخطإ، على قول من جَوزَ عليه الخطأ، وهذا ملحوظٌ في هذا الفصلِ على مَنْ أغفلَه، مُستدرَك على مَنْ أهْمَلَه، بل أطلقَ القولَ إطلاقاً. ونَكشِفُ ذلك بمثال قد كان منه ﷺ ، وهو أنه استغفرَ للمُشركينَ، وقامَ على قبور المُنافِقينَ، حتى قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فلو أن قائلًا قال بإباحةِ ما قالَهَ من الاستغفارِ للمشركين، والصلاةِ والقيامِ على قبور المنافقين، لكان مبادراً بإباحة ما لم يَكُ مباحاً، فلا بُدَّ من هذا القَيْدِ مع تجويزِ الخطأ عليه ﷺ ، وأنه إنما يَدُلُّ على الإباحة إذا أقِر عليه، ولم تَأتِ لائمةٌ من الله سبحانه على ما قالَه أو فعلَه، فحينئذٍ يصيرُ دَلالةً على الجوازِ. وأما القسمُ الثاني من فعلِه ﷺ ، وهو ما فعلَه على وجه القُرْبَةِ: فهو على ثلاثة أضْرُبٍ:

стр. 583

أحدها: أن يكونَ امتثالًا لأمرٍ، فانْظُرْ في ذلك الأمرِ: فإن كان أمراً مُطلَقاً أو مُقَيداً بالإيجاب: فذلك الفعلُ منه واجب، وانما كان كذلك؛ لأن النبىَّ ﷺ لا يُهَمِلُ أمراً اتجَهَ نحوَه من الله سبحانه، فالظاهرُ من فعله أنه امتثالٌ للأمرِ بتلك القُرْبَةِ على الوجه الذي أمِرَ بها. وإن كان الأمرُ نَدْباً: كان فعلُه نَدْباً؛ لأن الظاهرَ من حاله ﷺ امتثالُ الأمرِ بحَسَبه، وعلى الوجه الذي أمِرَ به؛ لأن إيجابَ اتباعِنا له مَبْنِيٌّ على اتباعهَ لِمَا أمِرَ به وأُوحِيَ إليه. فصل وإن كان فعلُه بياناً لمُجمَل (١): فيُعتبرُ بالمُبينِ؛ فإن كان واجباً فهو واجبٌ، وان كان نَدْباً فهو نَدْب (٢)، وإنما كان كذلك؛ لأن البيانَ لا يَعدُو رُتْبَةَ المبينِ، ومتى عداه لم يكُ بياناً؛ لأن البيانَ ما انطبقَ على المُبينِ، كالتفسير ينطبقُ على المُفسرِ، والتعبيرِ بحَسَبِ المعبرِ.

стр. 584

وحكمُه: أن يُعمَلَ به وُيصارَ إليه، ولا يُترَكَ ظاهرُه إلا بدَلالةٍ. فصل وإن كان مُبتدأً (١): ففيه ثلاثةُ مذاهبَ: أحدها: يقتضي الوجوبَ، وهو مذهبُ أصحابنا (٢) وبعض أصحاب الشافعى (٣)، وسيجىء ذكرهُ مُستوفى في مسائلَ الخلافِ إن

стр. 585

شاءَ الله (١)، ولا يُصرَفُ عن ظاهره إلا بدليلٍ، لأن النبى ﷺ القدْوةُ، وفي فعلِه الأسْوة، وهو المأمورُ باتَباعِه، لقوله تعالى: لقَدْ كانَ لكُمْ في رَسُولِ اللهِ أسْوَة حَسَنة [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فلو لم يكُنْ فعلُه دليلًا لنا، لمَا زال الحَرج بفعلِه عنا، وكذلك لما سُئلَ عن الغُسْلِ قال: "أما أنا فيكفيني أن احْثوَ على رأسي ثلاثَ حَثَياتٍ من ماءٍ" (٢)، وقال: "إنما أنْسَى لأسن" (٣)، ولَمَّا خلعَ النَّعلَ خَلَعُوا (٤).

стр. 586

وإذا ثبتَ هذا فلا يُصرَفُ عن الوجوب إلا بدَلالةٍ توجبُ تخصيصَه بذلك. والثاني من المذاهب: يقتضي النَدْبَ؛ لأنه قد بلغَ مَبْلَغَ القُرَبِ، وتَرددَ بين أن يكونَ خاصاً له وبين أن يكونَ عامَّاً لنا، فأعطَيْناهُ أدنى مراتبِ القُرَبِ، وهو النَدْبُ، ولم نَرْتَقِ إلى ما أعلى منه إلا بدليلٍ. والثالثُ: أنه على الوَقْفِ، لترددِه بين تخصيصِه ﷺ وبين تشريعِه، فوقَفْنا حتى يَبينَ من أيَ القِبيلَيْنِ هو، وليس له صيغةٌ تقتضي إيجاباً ولا نَدْباً. فصل في الثالث من مراتبِ السنةِ وأقسامِها الِإقْرارً من النبي ﷺ لآحادِ أُمَّتِه على قول يسمعُه فلا يُنكِرُه، أو فعلٍ يراهُ فلا يَنْهى عنه، فيكونُ إقرارُه عليه في حكمِ تَجْويزِه له بصريح القولِ؛ لأنه كما لا يُقَرُّ هو على الخطإِ لا يجوزُ له إقرارُ أُمتِه على الخطإِ.

стр. 587

ف الإقرار على القولِ: مثلُ قولِ أبي بكرٍ بمحْضَرٍ منه لماعِزٍ: إن أقَررْتَ أربعاً رجَمَكَ رسولُ الله (١)، فهو كقوله لماعِزٍ: إن اقرَرْتَ أربعاً رجمتُك. ألا تراه لم يَتجاوزْ عن قول الخطيب: من يطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشِد، ومن يَعصِهما فقد غَوَى، بل قال له: "بئس الخطيبُ أنت، أسِيَّانِ هما؟ قل: ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد غَوى" (٢)، فأقَرة على الجمعِ بين اسمِ اللهِ واسمِه بالواو، وهي للجمع، ولم يُقِرة على التَّثْنيةِ في "يعصِهما" (٣) حسبَ ما جاءَ به الكتابُ العزيزُ: ﴿والله ورسولُه أحقُّ أن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يَقُلْ: يُرضُوهما. وكذلك لما سمعَ رجلًا يقولُ: الرجل يجدُ مع امرأتِه رجلًا؛ إن قتلَ قتلتُموه وإن تكلمَ جَلَدتُموه، وإن سكتَ سكتَ على غَيْطٍ، أم كيف يَصنع (٤)؟ فلم يُنكِرْ عليه ذلك، فكان إقراراً له على ذلك، فكأنه قال: إن قتلتَ قَتلتك، وإن تَكلَّمتَ بالقَذْفِ جلدتُك، وإن سكتَّ فاسْكُتْ على غيظٍ منك.

стр. 588

وإلى أمثال ذلك من إقراره لهم (١) على اعتراضاتِهم عليه ﷺ في أفعاله، كقولهم: نَهَيْتَنا عن الوِصالِ وواصَلْتَ، ما بالُنا نَقصُرُ وقد أمِنَّا؟، دعاكَ قوم فأجبْتَ، ودعاكَ قومٌ فلم تُجِبْ، أمَرْتنا بالفسخِ ولم تَفْسَخْ، فاعتذر عن كلِّ اعتراضٍ منهم بعُذْرٍ، فقال في الوِصالِ: "لستُ كاحدِكم" (٢)، وقال في القصْرِ: "صدقةٌ تَصدَّقَ بها اللهُ عليكم، فاقبلوا صدقتَه" (٣)، وقال في الفسخِ: "إني قلَّدْتُ هَدْيي ولَبدْتُ رأسي، فلا أحِل حتى أنْحَر" (٤)، وقال في الزيارةِ: "إن في بيتِ فُلانٍ

стр. 589

كلباً"، فقالوا له: إن فى بيت فُلانٍ هِراً، فقال: "الهِرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" (١)، وهذا كُلُّه يَدُلُّ على جواز الاعتراضِ لاستعلام العللِ، ولو لم يَجُزْ لنهاهم عن أصل الاعتراضِ. وحُكم القولِ قد بيناه (٢)، فكذلك إقرارُه الجاري مَجْراهُ. فصل وأما إقرارُه على الفعل: فمثلُ ما رُوِيَ أنه رأى قَيْسَ بن قَهْدٍ يُصلي ركعتي الفجرِ بعد الصبح، فلم يُنكِرْ عليه (٣)، فكان حكمُ إقرارِه لقيس حكمَ فعلِه للركعتين، وقد سبقَ الكلامُ في فعله ﷺ .

стр. 590

فصل في الدَّلالةِ الثالثةِ بعد الكتابِ والسنةِ، وهي الإجماعُ وقد مضى تحديدُه (١) بما أغنى عن إعادتِه، وهو ضربان: أحدُهما: ما ثبتَ بقول جميعِهم، كاتفاقهم على جواز البَيْعِ، والشرِكةِ، والمُضارَبةِ، وغيرِ ذلك من أحكام الشرع التي لم يَخْتلِفِ الناسُ في جوازِها. فحكمُه: أن يُصارَ إليه وُيعمَلَ به، ولا يجوزُ تركُه بحال، إذ لا يَتسلطُ على حكمه بعد ثبوته نسخٌ؛ لأنه لاطريقَ إلى النسخ بعد انقطاعِ الوَحْي، ولا نَص يُعارِضُه، ولا لنا إجماعٌ يُعارِضه، بخلاف ما قلنا في النص الذي يعارضُه نص آخرُ؛ لاجتماع نَصيْنِ في زمنٍ واحدٍ؛ لأن النصَيْن يصدران عن عصرٍ يجتمعُ (٢) فيه النصان، وهو عصرُ النبوَّةِ، والإجماعُ لا يَتحققُ في عصر النبوَّةِ، والنص لا يبقى لنا مُجدداً في (٣) زمن الإجماعِ، فلذلك لم يُتصوَّرْ معارضتُه بنص -ولا إجماع، وامتناعِ إجماعين في عصر واحدٍ، ولأن الأمةَ معصومة في اتِّفاقها عن أن تُجمعَ على حكم ثبتَ فيه نص عن الله سبحانه أو عن رسولِه بخلاف اتِّفاقِهم.

стр. 591

فصل فأمَّا ما ثبتَ بقول بعضِهم (١) أو فعلهِ وسكوتِ الباقين، مع انتشارِ ذلك بينهم من غير إنكارٍ له، ولا ظهور ما يدل على أنهم في مُهلةِ النَظرِ فيه، كقوله: حتى أنظُرَ في هذا، أو دَلالةِ حال تدل على توقفِه توففَ الناظر فيه، لا المُصحَحِ له، فذلك حُجةٌ. ومهما ظَهَرَ نكير أو توقفٌ، فليس ذلك الحكمُ والفَتْوى إلا قولٌ (٢) لقائلِه ومذهبٌ للناطقِ فيه دون الساكتِ، وإنما كان كذلك؛ لأن الإنكارَ مخالفة، فلا إجماعَ، وظهورَ الارْتياءِ والنظَرِ عدمُ موافقةٍ، فلا يكونُ إجماعاً مع عدمِ الاتفاقِ؛ إذ ليس الِإجماعُ إلا الاتفاقَ. وأما السكوت: فقد جعلَه قوم إجماعاً، ومَنَعَ منه آخرون مع قولهم: إنه حُجةٌ، ومَنْ منعَ أن يكونَ قولُ الصحابى حجةً، ومنعَ أن يكونَ السكوتُ موافقةً، فلا يَتحققُ عنده حُجةً ولا موافقةً. فوَجْهُ من قال: إن سكوتَهم الذي لا يَظهرُ معه التوقفُ للنظرِ موافقةٌ: هو أن الأمَةَ معصومةٌ على مذهب القائلين بالإجماع، والمعصوم كما لا يَنطِق بخطأٍ لا يُقِر على خطَأٍ، ألا ترى أن الرسوَلَ ﷺ كان معصوماً عن الخطإ بنفسهِ في أحكامِ الشرعِ لم يقِر على

стр. 592

خطإ، فجعِلَ إقرارُه على الأقوال والأفعالِ كقوله وفعلِه المعصُومَيْن من الخطإِ. فإن قال- مَن لم يجعلِ السكوتَ موافقة، ولم يَنسِبْ إلى ساكتٍ قولًا -: إن الساكتَ منهم أمرُه في سكوتِه مُتردِّدٌ بين النظرِ والارتياءِ في حكم القَضيَّةِ، وبين حِشْمةِ القائلِ بأن يكونَ إماماً صارماً أو عالِماً مهوباً (١)، كما قال بعضُهم: هِبْته وكان امْرَأٌ مَهِيباً (٢)، وكما قال أبو

стр. 593

هريرة لمَّا أكْثَر الروايةَ بعد موتِ عمرَ ﵄: إني لو رَويت ذلك في أيَّامِه، لرأيتُ الدِّرَّةَ تفعلُ وتصنعُ (١). ويحتملُ أن يكونَ السكوتُ للموافقةِ وحُجةً لا تَتحققُ مع الترددِ؛ لأنه مَقامُ اتَباع وبناءِ أحكام الشرع المُوجبةِ للأموالِ، والمُريقةِ للدماءِ، والمبيحةِ للفُروجِ، فكيفَ يُقدَمُ عليها بأمرٍ يتردَّدُ هذا التردُّدَ المتقابِلَ الذي لا يُرجحُ إلى الموافقةِ دون المخالفةِ، [و] الذي لا يُبْنى عليه رضاً بنقلِ ملْكٍ، ولا إتلافِ مال، حتى لو أمْسَكَ عن بيع مالِه، لم يكُ ذلك رضاً ولا إذناً، ولو أمسكَ عن إفسادِ مال، لم يكُ ذلك إذناً مُسقِطاً للضَّمانِ، فكيف يُبنى من الِإمساكِ حُجَّة هي آكَدُ حُجَّةٍ لأهلِ الِإسلامِ. قيل: التَّرددُ المذكورُ يُتصوَّرُ في حق النبىِّ ﷺ ؛ بأن يكون مُنتظِراً للوَحْي، وكم قضيَّةٍ وسؤالٍ وحادثةٍ انتظرَ في حُكْمها الوحيَ، كقصَّةِ عائشةَ ﵂ لما اتُهمَتْ، أمسك حتى جاء الوحيُ، فأقامَ الحدَّ على القاذفِ (٢)، وقصَّةِ المُتلاعِنَيْن ما زال يقولُ للزوج: "البَيِّنَةَ أو

стр. 594

حَد في ظَهْرِك" (١)، حتى نزلَتْ آيات اللِّعانِ. ويحتمل أن يكونَ سكوته لمهْلَةِ النظرِ، على قول من يُجَوزُ في حقَه الاجتهادَ في الحوادثِ، وَيرَى الاجتهادَ طريقاً لأحكامه في القضايا، والنقل يشهد بصحَةِ ذلك؛ حيث عوتِبَ على الفِداءِ (٢)، ولو كان فعلُه عن وحيٍ، لما عتِبَ عليه، بل كان ما نزلَ نسخاً للحكم في المستقبل، لا عِتاباً على الأولِ، ومثل عَتْبِه على الاستغفار للمشركين (٣)، والصلاةِ والقيامِ على قبور المنافقين (٤)، ثم مع كونه

стр. 595

يَجتهِدُ تارةً، وينتظِرُ الوحيَ تارةً، لم يَخرُجْ إمساكُه عن الِإنكارِ للأقوالِ والأفعالِ عن كونه حُجَّةً مُتَبَعةً، وسُنَّةً محتجاً بها، على أن القومَ لم يكونوا لِيمسكُوا عن لائحِ اعتراضٍ عليه ﷺ ، وعلى (١) أئِمتهم ومُتقَدميهم في العلوم؛ طلباً لإِثارة الفائدةِ، وعِلْمِ ما لم يَعْلموا، والنبيُّ [ ﷺ ]، يُقِرُّهم على اعتراضهم وُيجيبُهم، وكذلك المُتقدَمون من الأئمَّةِ والخلفاءِ. فأمَّا اعتراضُهم على النبي ﷺ : فقولُهم: ما بالُنا نَقصُرُ وقد أَمنَا؟ واللهُ تعالى يقولُ: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] , فلم تقُلْ: ليس لكم الاعتراضُ، بل أنتم مأخوذونَ بالاتباع من غيرِ سؤال، بل قال لهم: "صدقةٌ تصَدَّقَ الله بها عليكم، فاقْبَلُواَ صدقَته" (٢). وقالوا له في فَسْخِ الحجِّ: أمَرْتَنا بالفسخ ولم تفسخْ؟ فقال: "لو استَقْبلتُ من أمرِي ما اسْتَدبَرتُ، لما سُقْتُ الهَدْيَ، ولَجعلْتُها عُمرةً، لكنَي سُقْتُ هَدْيِي، ولَبدْتُ رأسي، فلا أحِلُّ حتى أَنْحَرَ" (٢). وقالوا له: نَهَيْتَنا عن الوصال وواصَلْتَ، فقال: "لستُ كأحدِكم،

стр. 596

إني أظَل عند ربي، فيُطعِمُني وَيسْقِيني" (١). ولَمَا قال في شاةِ آلِ مَيْمونةَ حيثُ مَروا بها عليه تُجَر كما يُجَر الحمارُ: "هلَّا أخذَ أهلُ هذه الشَاةِ إهابَها، فدَبَغُوه، فانتفَعُوا به"، قالوا: إنها مَيْتة، ومعلومٌ أنهم لا يجوزُ أن يَظُنُوا فيه أنه لم يَعلَمْ أنها مَيْتة مع جَرهم (٢) لها، ومع ذِكْرِ إهابِها بالدبْغِ دون سائرِ أجزائِها، لكن كان قولُهم لِإثارة فائدةٍ، وإزالةِ شُبْهةٍ مع قول الله سبحانه: ﴿حُرمَتْ عليْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فخرجَ جوابُه مَخْرجَ ما عَلِمَه من شبههِم بظاهر الآيةِ، فقال: "إنَما حَرُمَ من المَيْتَةِ أكْلُها" (٣)، فكأنه أجابَهم بتخصيص عمومِ الآيةِ التي كان من عمومِها الشُبْهَةُ. ولَمَا دُعِيَ إلى دار قومٍ فأجابَ، ودُعِيَ إلى دار قومٍ فلم يُجِبْ، اعترضوا اعتراضَ المُستعلِمِين للفرق، فقال: "إنَّ في بيتِ فُلانٍ كلباً" يعني الذي امْتَنَعَ من قَصْدِه، فاعترضوا عليه اعتراضاً ثانياً يُضاهي الكَسْرَ (٤) لتعليله ﷺ ، فقالوا: فإن في بيت فلانٍ هِراً، فلم يُنْكِرْ ذلك، وهو إتباعُ اعتراضٍ على الجواب، بل عدَلَ إلى الفَرْقِ، فقال: "الهرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" (٥).

стр. 597

وذلك باب مُتَّسِعٌ، لكنْ فيما ذكرنا كفايةٌ لمن عَقَلَ أنَّ القومَ لم يكُ مِنْ دأبِهم وعادتِهم الإِمساكُ عن أحدٍ في الأحكام الشرعيةِ، ولو سَكَتُوا لأحدٍ يوماً ما، لسكتوا لأفعالِ رسول الله ﷺ ، وقد اعترضوا فيما هو أكبر من ذلك، وهو يوم عُمْرةِ القَضاءِ، فقالوا: أليسَ قد قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؟؛ وقد صُدِدْنا، حتى قال ﷺ : "واللهِ لتَدْخلنَّ" (١)، وقال أبو بكرٍ: أقال لكم: العام؟، فالظاهر مع هذه الحالِ أنَّ سكوتهم موافقةٌ. وأما ما ذهبَ إليه المعترِض من الحِشْمَةِ والمحاباةِ، فقد انهالَ إلينا في السِّيَرِ من اعتراضاتٍ لبعضهم على بعضٍ ما يَمنَع هذا التأويلَ ويُبعِده عنهم، فمن ذلك: ما روِيَ أن عمرَرضي الله عنه لما نَهى عن المُغالاةِ في صَدَقاتِ النساءِ، اعترَضَتْ عليه امرأةٌ، فقالت: لِمَ تَمْنَعنا ما اعطانا الله، والله سبحانه يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٢) [النساء: ٢٠]. ولمَّا نفى نَصْرَ بن حَجَّاج حيث سمعِ امرأةً تشبِّب بذِكْرِه في شِعْرِها ليلًا، وحَلَقَ وَفْرَتة، قالت له أُمُّه: لِمَ نفَيْتَ ولدي؟ فقال: لأنه يَفتِن نساءَ المسلمين، فقالت: فهل نَفَيْتَه إلى بلاد الشِّرْكِ (٣)؟! فهذا

стр. 598

اعتراضُ النساءِ على إمامِ وَقْتِه مع شِدَّتِه وبَأسِه. وقولُ عليٍّ ﵇ على مَنْ قال: الماءُ من الماءِ، ولم يُوجِبِ الاغتسالَ من (١) الإكْسالِ: تُراني أرْجمُهُ، ولا أوجبُ عليه صَاعاً من ماءٍ (٢)! وقولُ من نَفى العَوْلَ منهم: والذي أَحْصى رَمْلَ عالجٍ عدداً ما جعلَ اللهُ في الفَريضةِ نصفاً ونصفاً وثُلُثاً، ذهبَ المالُ بنصفَيْهِ، فأين موضعُ الثُّلُثِ (٣)؟!

стр. 599

وقولُ الآخرِ: رَحِمَ اللهُ زيداً، جعلَ ابنَ الابنِ ابناً، ولم يَجْعلْ أبا الأبِ أباً (١). والآخرُ يقول: يا أميرَ المؤمنين، إن جعلَ الله لك على ظَهْرِها سَبيلاً -يعني بالحَدِّ في حق الحاملِ-، فماجعل لك على ما في بَطْنِها سبيلَاً (٢). وقولهم لأبي هريرة حيثُ رَوَى غَسْلَ اليَديْنِ عند القيامِ من النَّومِ (٣): فما يُصْنَع بالمِهْراس (٤)؟

стр. 600

وكلامُ عائشة ﵂ في روايات أبي هريرة بتحقيقِ الأحاديثِ (١). وقولُ عائشةَ في روايات ابنِ عباسٍ (٢). هذا ظاهرٌ عنهم لمن عَرَفَ السيرة، فأين دعوى الإِمساكِ؟ وفي هذا كفايةٌ إلى أن يُوَضحَ في مسائل الخلافِ إن شاءَ اللهُ. فصل فأمَّا قولُ الواحدِ من الصحابةِ، فقد عَدَّه قوم من الأدلةِ والحججِ الشرعية، فعلى قولهم: يكون حجة رابعةً للأدلةِ الثلاثة -أعني الكتابَ والسنةَ والإِجماعَ -وتعلقوا في ذلك بقول النبي ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ مِن بَعدي" (٣)، فلا يجوزُ أن يكون ذلك راجعاً إلى روايتهم عنه؛ لأن ذلك قد دخل في قوله: "سُنتي"، ولأنهم عرفوا التنزيل والتأويل، وشَهدوا من أفعالِ النبي ﷺ ما لم يَشهدْه التابعون، فكان قولُهم حجةً لهذه المزية، وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى ذلك حيث
следующие страницы →