← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

إني أظَل عند ربي، فيُطعِمُني وَيسْقِيني" (١). ولَمَا قال في شاةِ آلِ مَيْمونةَ حيثُ مَروا بها عليه تُجَر كما يُجَر الحمارُ: "هلَّا أخذَ أهلُ هذه الشَاةِ إهابَها، فدَبَغُوه، فانتفَعُوا به"، قالوا: إنها مَيْتة، ومعلومٌ أنهم لا يجوزُ أن يَظُنُوا فيه أنه لم يَعلَمْ أنها مَيْتة مع جَرهم (٢) لها، ومع ذِكْرِ إهابِها بالدبْغِ دون سائرِ أجزائِها، لكن كان قولُهم لِإثارة فائدةٍ، وإزالةِ شُبْهةٍ مع قول الله سبحانه: ﴿حُرمَتْ عليْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فخرجَ جوابُه مَخْرجَ ما عَلِمَه من شبههِم بظاهر الآيةِ، فقال: "إنَما حَرُمَ من المَيْتَةِ أكْلُها" (٣)، فكأنه أجابَهم بتخصيص عمومِ الآيةِ التي كان من عمومِها الشُبْهَةُ. ولَمَا دُعِيَ إلى دار قومٍ فأجابَ، ودُعِيَ إلى دار قومٍ فلم يُجِبْ، اعترضوا اعتراضَ المُستعلِمِين للفرق، فقال: "إنَّ في بيتِ فُلانٍ كلباً" يعني الذي امْتَنَعَ من قَصْدِه، فاعترضوا عليه اعتراضاً ثانياً يُضاهي الكَسْرَ (٤) لتعليله ﷺ ، فقالوا: فإن في بيت فلانٍ هِراً، فلم يُنْكِرْ ذلك، وهو إتباعُ اعتراضٍ على الجواب، بل عدَلَ إلى الفَرْقِ، فقال: "الهرُّ سَبُعٌ ليست بنَجَسٍ" (٥).

стр. 597

وذلك باب مُتَّسِعٌ، لكنْ فيما ذكرنا كفايةٌ لمن عَقَلَ أنَّ القومَ لم يكُ مِنْ دأبِهم وعادتِهم الإِمساكُ عن أحدٍ في الأحكام الشرعيةِ، ولو سَكَتُوا لأحدٍ يوماً ما، لسكتوا لأفعالِ رسول الله ﷺ ، وقد اعترضوا فيما هو أكبر من ذلك، وهو يوم عُمْرةِ القَضاءِ، فقالوا: أليسَ قد قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؟؛ وقد صُدِدْنا، حتى قال ﷺ : "واللهِ لتَدْخلنَّ" (١)، وقال أبو بكرٍ: أقال لكم: العام؟، فالظاهر مع هذه الحالِ أنَّ سكوتهم موافقةٌ. وأما ما ذهبَ إليه المعترِض من الحِشْمَةِ والمحاباةِ، فقد انهالَ إلينا في السِّيَرِ من اعتراضاتٍ لبعضهم على بعضٍ ما يَمنَع هذا التأويلَ ويُبعِده عنهم، فمن ذلك: ما روِيَ أن عمرَرضي الله عنه لما نَهى عن المُغالاةِ في صَدَقاتِ النساءِ، اعترَضَتْ عليه امرأةٌ، فقالت: لِمَ تَمْنَعنا ما اعطانا الله، والله سبحانه يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٢) [النساء: ٢٠]. ولمَّا نفى نَصْرَ بن حَجَّاج حيث سمعِ امرأةً تشبِّب بذِكْرِه في شِعْرِها ليلًا، وحَلَقَ وَفْرَتة، قالت له أُمُّه: لِمَ نفَيْتَ ولدي؟ فقال: لأنه يَفتِن نساءَ المسلمين، فقالت: فهل نَفَيْتَه إلى بلاد الشِّرْكِ (٣)؟! فهذا

стр. 598

اعتراضُ النساءِ على إمامِ وَقْتِه مع شِدَّتِه وبَأسِه. وقولُ عليٍّ ﵇ على مَنْ قال: الماءُ من الماءِ، ولم يُوجِبِ الاغتسالَ من (١) الإكْسالِ: تُراني أرْجمُهُ، ولا أوجبُ عليه صَاعاً من ماءٍ (٢)! وقولُ من نَفى العَوْلَ منهم: والذي أَحْصى رَمْلَ عالجٍ عدداً ما جعلَ اللهُ في الفَريضةِ نصفاً ونصفاً وثُلُثاً، ذهبَ المالُ بنصفَيْهِ، فأين موضعُ الثُّلُثِ (٣)؟!

стр. 599

وقولُ الآخرِ: رَحِمَ اللهُ زيداً، جعلَ ابنَ الابنِ ابناً، ولم يَجْعلْ أبا الأبِ أباً (١). والآخرُ يقول: يا أميرَ المؤمنين، إن جعلَ الله لك على ظَهْرِها سَبيلاً -يعني بالحَدِّ في حق الحاملِ-، فماجعل لك على ما في بَطْنِها سبيلَاً (٢). وقولهم لأبي هريرة حيثُ رَوَى غَسْلَ اليَديْنِ عند القيامِ من النَّومِ (٣): فما يُصْنَع بالمِهْراس (٤)؟

стр. 600

وكلامُ عائشة ﵂ في روايات أبي هريرة بتحقيقِ الأحاديثِ (١). وقولُ عائشةَ في روايات ابنِ عباسٍ (٢). هذا ظاهرٌ عنهم لمن عَرَفَ السيرة، فأين دعوى الإِمساكِ؟ وفي هذا كفايةٌ إلى أن يُوَضحَ في مسائل الخلافِ إن شاءَ اللهُ. فصل فأمَّا قولُ الواحدِ من الصحابةِ، فقد عَدَّه قوم من الأدلةِ والحججِ الشرعية، فعلى قولهم: يكون حجة رابعةً للأدلةِ الثلاثة -أعني الكتابَ والسنةَ والإِجماعَ -وتعلقوا في ذلك بقول النبي ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ مِن بَعدي" (٣)، فلا يجوزُ أن يكون ذلك راجعاً إلى روايتهم عنه؛ لأن ذلك قد دخل في قوله: "سُنتي"، ولأنهم عرفوا التنزيل والتأويل، وشَهدوا من أفعالِ النبي ﷺ ما لم يَشهدْه التابعون، فكان قولُهم حجةً لهذه المزية، وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى ذلك حيث

стр. 601

قال: "أَصحابي كالنُجوم، بأيّهم اقتديتم اهتَديتم" (١). فعلى هذا القولِ هو حجة وُيقدَمُ على القياسِ كما تُقدمُ سنَةُ الرسولِ ﷺ (٢). وذهب قومٌ إلى أنه كأقوال المجتهدين ليس بحجةٍ (٣)؛ لأنَّ قولَهم الذي لا يصدُر عن روايةٍ هو المختلفُ فيه، ورأيهم لا وَجه لترجيحِه على رأينا وقياسِنا، ولو ترجح رأيهُم لقُربهم، لترجحَ الرأيُ بقُرب الخلفاء والأئمة، ولترجح على الأئمةِ أقربُهم إلى رسول الله ﷺ ، ولو كان كذلك لكان قولُ أبي بكرٍ حجةً على من دونه، وقول عمرَ حجةً على من دونه ... وعلى هذا. ولا وجه لذلك؛ لأن النبي ﷺ لمِ يجعل الأفقه الأقرب، بل قال للأقرب: "رحم اللهُ امراٌ سمع مَقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حاملِ فقه إلى مَن هو افقه منه" (٤). وقد يروي الصحابي للتابعي.

стр. 602

وقد أطلق النبيُّ ﷺ اسم الأفقه على الأبعد عنه، وليس للقُرب والمشاهدة إلا منزلة التَقدم، فأمَّا الآراء فإنها صفات مخلوقة في الفِطَرِ، فلا مَزية فيها بالتقدم، ولو كانت الآراء تَتَقاصر بالتأخر، لما بقي للأواخر من الرأي ما يصلح للمعاشِ ولا المعاد، بل كانت الآراء تَتَلاشى. وذهب قوم إلى أنَّ قولَ الواحد من الصحابة حجة مع القياس الضعيف، وليس بصحيح؛ لأنّه ما لم يكن حجةً من نفسه لايَصيرُ حجةً بضم القياس إليه، لقول التابعي، ولأنه لو كان قول الصحابي لقوته، حجة مع قياس ضعيف لكان قولُ التابعي حجةً مع قياس قوي وجَلى، ولأنهم إن أشاروا بالقياس الضعيف إلى الخَفي وذهبوا إلى أنه حجة في نفسه، فبانضمامه إلى غيره ما تجدَّد له في نفسه حجة، فكيف تجدَد في غيره بأن صار حجة به؟ وإن ذهبوا إلى أن القياس الضعيف ليس بحجة، فكيف جعلوا قول الصحابي بانضمام ما ليس بحجة [له] (١) حجة؟ ولمَ خصّوا ذلك الضعيف دون أن يجعلوا انضمام صحابي آخر إليه شرطاً في كونه حجة، والأشخاص إلى الأشخاص حجة في الشرع كالبينَة. على أن هذا قول فاسد من وجهٍ آخرَ، وهو: أنه لا يكون الإجماعُ مع كونه من أعظِمِ الأدلة إلا إذا صدر عن دلالةٍ، ولو قياساً أسندوا الحكم إليه، لم نحتجْ أن نقولَ في الإجماع: إنه لا يكون حجة إلا بانضمام قياس إليه. كذلك لا نَحتاج - مع علمنا بأنه لا يذهب

стр. 603

الصحابي إلى مذهبِ لا يكون مستنداً إلى رواية إلا بقياس ورأيٍ- أن نَعتبر مع قوله ليكوَن (١) حجةً قياساً ضعيفاً، بل نكتفي بعلمه أنه ما قال ذلك إلا عن قياس، كما اكتفينا في الإجماع بذلك، وقد ذهب الشافعي -رحمة الله عليه- في أحدِ قولَيه إلى أنه ليس بحُجةٍ، فلا يُحتج به ولكن يُرجحُ به الدليلُ. فصل واختلف القائلون بأنه حجُةٌ: هل يُخصصُ به العمومُ؟ على مذهبين: فقال قوم: يُخصّ به العموم؛ لأنه دليلٌ ثبت به الحكمُ الشرعي، فجازَ أن يُخص به العموم وُيصرف به الظاهر، كالقياس. والثاني: لا يُخص به العموم؛ لأن العمومَ ظاهرُ كلامِ صاحبِ الشريعة، فلا يُتركُ لِقَول من ليس بمشرع (٢). فقال من نصر المذهبَ الأول: إذا جاز أن يُثبتَ به حكمٌ شرعي وإن لم يكن قولًا للشارع، جاز أن يُخَص به العمومُ وُيصرفَ به الظاهر، وان لم يكنْ قولًا للشارع. فصل ويترتب على ذلك التنبيه، وهو فَحوى الخِطاب، وقد عدَّه قومٌ من

стр. 604

أدلة النُّطق، وعده آخرون من المعقول (١). وصورتُه: نَصٌ على الأعلى بحكم يُنبه به على الأدنى، أو على الأدنى ليُنبه به على الأعلى، كقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فنبه بأداءِ القِنطارِ على أداءِ الدينار، ونبه بنفي أداء الدينار على نفي أداء القِنطار، ونَهى عن التأفيف في حق الأبوين، ونبه بذلك على ما هو أكثر منه من الأذايا، ووجهُ قلة الأذية بالتأفيف: أنه دالٌّ على التبرمِ والضجرِ، وليس بصريح، والصريحُ آكد في تأليمِ القلوبِ. وقد سماه قوم: قياساً جلياً، وكنهي النبي ﷺ عن التضحيةِ بالعَوراء (٢)، فكان ذلك منه تَنبيهاً على العَمياء، إذ فقدُ العينِ الواحدةِ أقلُ في التعيب والمضرة؛ لأنها قد ترعى من أحد الجانبين، والعمى يعدمها الرعي ورؤيةَ العُشبِ والمرعى، ويعدم منها عضوان مُستطابان. ووجه من جعله قياساً: أنه ليسَ في نُطقِ الناهي عن التأفيف نَهيٌ عن الشتم، وليس في لفظِ الناهي عن العَوراء لفظُ نهي عن العمياء، لم يبقَ إلا أنه مَعقول من لفظه أنه لما كَرِه العَوَر -وهو أقل تعييباً- كره العمى لكونه أكثرَ، ولما صانَ قلب الوالدينِ بنَهيه عن التأليم بالتأفيف لكونه دالًا على نوع تبرم وتضجر، كان المعقول منه أنه مستدعى لصيانة قلبيهما عن التأليم بالشتم الذي هو أوفى تأليماً وأذيةً من طريق الأولى.

стр. 605

ووجهُ من قال: إنَّه نُطْقٌ: أن العربَ وضعتْ هذا مبالغة، فإذا قال: هذا الفرسُ لا يلحقُ غُبارَ فَرسي. كان أفصحَ عندهم من قولِه: سَبقه فرسي. وإذا قال: فُلان يأسف على شَم قُتارِ (١) مَطبخه. كان أبلغ من قوله: لا يُطعمني من طعامِه ولا يَسقيني من شرابه. واذا كان تَنكبُ النطقِ المُنبىء عن معنى إلى نطقٍ موضوع هو أوفىَ في التفهيم، كان ذلك نُطقاً، ولا يكون قياساً؛ لأن القياسَ مًا احتاجَ إلى نوعِ استنباطٍ وتشبيهٍ. فصل ويَتلو ذلك: دليلُ الخطاب (٢). وفيه خلافٌ كبير بين أهل العلم الأصوليين والفقهاء في أصله: هل هو دليل أم لا؟ ثم في تفاصيله اذا عُلَّق الحكمُ على وصفٍ أو شرطٍ أو غايةٍ، أو اسم، هل يدل على نفي الحكم عما انتفى عنه ذلك الوصفُ وتلك الغاية وذلك الشرط أو الاسم؟ أو لا يدلُ على النفي بل يكونُ الحكمُ فيما علق عليه، ويكون ما لم يعلقْ عليه على حكم الأصل إلى أن تقومَ دلالة، أو يكون دليلًا في تعليقِ الحكمِ بالغايةِ خاصةً أو الشرطِ والغاية دونَ الوصفِ أو بالثلاثةِ دونَ الاسم أو بالجمع، ذلك كله مُستوفى في مسائلِ الخلاف إن شاء الله، إلَا أن من اثبته جعله من

стр. 606

أدلة المعقول، والمحققون أكثرهم على إسقاطه من الأصوليين (١)، ووافقهم ابن سُرَيج (٢) والقاضي أبو بكر (٣). ودليل الخطاب عند من أثبته، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقول النبي ﷺ :" في سائمةِ الغنم زَكاة" (٤)، فدل ذلك عند من جعله دليلًا على نفي إيجاب النفقة لغير الحوامِل، ونفي إيجابِ الزكاة في غير السوائم. فصل في التعليق على الغاية مثل قوله ﷺ : "المُتَبايعان كلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يَتفرَّقا" (٥)،

стр. 607

و" لا زكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليهِ الحَوْل" (١)، و "على اليدِ ما أخَذَت حتى تُؤديه" (٢). فيدلُّ ذلك على أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها. فصل فأمَّا تعليقُ الحكم على الأسماءِ، مثل قوله ﷺ : "جُعلَت لي الأرض مسجداً وجُعِل تُرابها طهوراً" (٣)، فيدل على أن غيرَ التراب عندهم ليس بطهور (٤)، واستقصى قومٌ إلى أن جعلوا تعليقَ الأحكامِ على أسماءِ الألقاب يدلُّ على أن ما عداها بخلافِه، وتركُ المكالمةِ لهمَ

стр. 608

أصوبُ، لكن لا بُدَّ من إيضاحِ فَضيحتهم في ذلك، فإنَّ المقالات البعيدة إذا لم يُتكلم عليها بإيضاحِ فسادها اشْتاقَت قلوب المتفقِّهة إليها، لتوهم أن القائلين بها على شيءٍ، ويأتي شرح ذلك كله في مسائل الخلاف إن شاء الله.

стр. 609

فصل في معنى الخطاب وهو القياس ، وقد مضى تحديده في جَدل الأصول (١)، ونذكر هاهنا حدودَ المحقَقين من الفقهاء: فقال قوم: رد فرع إلى أصل بمعنى يجمعهما. وهذا حَد حَملي يشمل قياس العلَّة، والدلالة، والشبه، والصحيح، والفاسد. وقياس العلَّة من ذلك هو: حملُ فرع على أصل بعله جامعةٍ بينهما، وإجراءُ حكم الأصل على الفرع. وقيل: إن قياس العلَّة الصحيح: إثباتُ حكم الأصل للفرع لاجتماعهما في علَّةُ الحكم. والعبارات في ذلك كثيرة (٢)، وهذا أسَدُّ ما رأيتُ في كتب المحققين، وسمعتُ من ألفاظ الأئمة المبرزين. ومثال قياس العلة: قياس النبيذ على الخمرِ بعلة أن فيه الشدَّةَ المُطربةَ، وقياس الفأرةِ على الهر (٣) بعلة الطيافة، وقياس الأرز على

стр. 610

الحِنطة (١) بعلة الطعم، وأنه مَطعومُ جِنس. فصل وقياسُ الدلالةِ، وهو على ثلاثةِ أضرب (٢): أحدها: الاستدلال بخَصيصةٍ من خصائص الشيء عليه، وذلك مثل: قولنا بنفي وجوب سجودِ التلاوة، لما وجدنا فيه من خَصيصةِ النافلة، وهو جواز فعلهَ مع عدم الضرورة على الراحلة، فجواز الفعل مع عدم العُذر على الراحلة من خصائص النوافل؛ فيستدل به على كونه نافلة (٣). والضرب الثاني: أن يُستدل بالنظير على النظير، كاستدلالنا في وجوبِ الزكاةِ على مالِ الصبي وفي ماله بوجوب العشر، وهو نوعُ زكاةٍ في زَرْعه، فنقول: مَن وجبَ العُشر في زَرعِه، وجب رُبعُ العشر في ماله. وان مَنعوا قولنا: "في" (٤) قُلنا: "مَنْ وَجب العُشر لأجل زَرعه"، فلا يبقى منع. وانما يُحقق هذا القياس تَحقيق النظارة إذا طولبتَ بالجمعِ أو

стр. 611

ابتدأتَ به لتُكفَى مؤنة المنع أو المطالبة. وتحقيق النظارة بينهما: أن كلُّ واحدٍ حق لأجلِ المال وجبَ مواساةً على وجه القُربة بدليل اعتبار النية، وسمَّاه الشرع: زكاة، حيث قال النبي ﷺ :" يُخْرَصُ الكَرمُ فَتُؤخذُ زكاتُه زبيباً، يُخْرص الرُّطب فتؤخذ زَكاته تَمراً" (١)، ونصرف كلُّ واحد منهما مَصرف الآخر، ويجب طُهرةً للمال، وإنما خرج عن نظارته بالحول؛ لأن الحول في سائر الأموال جُعل لتكامل النماء، وهذا تكامل نماؤه باسْتحصادِه. ومثال آخر لهذا القسم: قولنا في ظهار الذمي: مَن صح طلاقُه صح ظِهارُه كالمسلِم؛ لأن الظهار نظير الطلاقِ حيث كان قولًا يختص الأزواجَ دال على الإعراض عن الزوجة، وكلُّ واحدٍ منهما يؤثر في تحريم الأبضاع، وحقيقته القول (٢). فصل والثالث من ضروب قياس الدلالة: قياس الشبه، مثل: قياس الطهارة في إيجاب الترتيب والموالاةِ، على الصلاة من حيث اشتبها في البطلان بالحدثِ. وقد أخرجه قوم عن أن يكون دليلًا، وسنذكر ذلك في الخلاف إن

стр. 612

شاء الله. فصل وقد قسم بعضُ أئمة الفقهاء البغداديينْ القياس على ثلاثة أضرب، فقال: قياس جَلي، وقياس واضح، وقياس خَفي (١). قال: فالجلي: مالا يَحتمل إلا معنى واحداً، فهو بين المعقولات كالنصِّ بين الملفوظات، إلا أن بعضَ الأقيسةِ الجليةِ أجلى من بعض. وجعلَ الشافعي ﵁ التنبيهَ (٢) من قبيلِ القياس الجلى، كقولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لأنًّ تَحريم الضرب ليس بلفظه، إذ ليس هو فى لفظه لكنه فى معناه، وكذلك قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ومن ذلك: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن التَضحية بالعَوراء" (٣)، ليس في لفظه النهي عن العمياء، لكن في معناه، فهذا عند الشافعي من القياس الجلي (٤).

стр. 613

وامتنع جماعة من الأصوليين والفقهاء من إدخال هذا في جملة القياس، فقالوا: ما أكثر ما اغترَّ بهذا قوم وقالوا: إنه قياس، حيث لم يكن في لفظه نهي عن الضرب ولا ذكر العمياء، وإنما هو في معناه. وليس كما ظنوا، فإن الوضع هو للمنع نُطقاً، وصار كقول المتهدِّد: افعل ما شئتَ وأكثِر مما نَهيتُك عنه. قال الله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقا. ل لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] هذا كله بلفظ الاستدعاء، فهو أكثرُ من قولكم في التنبيه: ليس فيه ذكر الضرب، لكن وضِعت الصيغةُ التي هي بصورةِ صيغةِ الأمرِ، تهديداً لضد مَا وضِعَت صيغة الأمرِ، فإنَّ التهديدَ زجر عن جميع ما ذكره سبحانه، كذلك ذكرُ التأفيف والدينارِ صيغة موضوعة للنهي عن الكثر، فإذا جازَ أن تضع: "افعل ما شئتَ" زجراً عن فعل، كان وضعها للنهيّ عن التأفيف، نهياً عن الضرب بالصيغة لا بالمعنى، وهذا واضح في هذا الباب. وأدخل هذا المُقَسم في القياسِ الجلي قولَه ﷺ : "لا يَقْضي القاضي حينَ يَقْضي وهُو غَضْبان" (١)، وهو دونَ الأول، والأوّل أجلى، وإنَما أدخل هذا في باب الجليّ، لأنَّ السابق إلى الفَهم أنَ الغضب يَشغلُ القلبَ، وُيزعج الطبعَ، وُيحيل المزاجَ، ويعمي عن الرأي، إذ مبنى الرأيّ على الاعتدالِ، فيتعدّى ذلكَ إلى كلُّ مُزعج للطبعِ مزيل للاعتدالِ من الطرب، والحزن، والحَقْنِ (٢)، والخوف، والجوع

стр. 614

المفرط، والعطش. ومن الجلي أيضاً عنده (١) - وإن كان دون الأول- قول النبي ﷺ في الفأرة تموت في السمن: "إنْ كانَ جامداً فالقوها وما حَولها، وإن كان مائعاً فأريقوه" (٢). فيسبق إلى الفهم أن كلُّ جامدٍ من دبس وشحم كذلك يؤخذ ما حولها من جامِده وُيراق مائِعُه؛ لأن الجامد مُتماسك لا تَتَعدى نجاسة ما لاقَته إلى ما وراء المُلاقَى منه، والمائع بخلافه. ومن الجلي عنده أيضاً: ما نص عليه، مثل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الى قوله ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله ﷺ : "كنتُ نَهيتكُم عن ادَخارِ لُحوم الأضاحي لأجلِ الدَافَة" (٣).

стр. 615

القسم الثاني: وهو الواضح، مثل قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فالذي ظهر من ذلك ووضح أن نُقصان الحدِّ في حقها لأجلِ الرق الذي فيها لا لأجل الأنوثة، إذ لو كإن لأجل الأنوثة لأثرت بحدِّها (١) في التنقيص، ومعلوم أنَ الأنوثةَ لم تُؤثَر في تكميل الجلد ولا في إحصان الرجم، فلم يبق إلا مَحْضُ الرق، وذلك موجود في رِقِّ العبد، فَيُعدَّى إليه تنقيصُ الحدِّ. وكلُّ ما ثبتَ فيه علةُ الأصلِ بضربِ من الدليل، فهو واضح عند هذا المُقَسم، ولا بأس بما ذكره (٢). قال: وأمَّا الخَفي، فهو: قياس الشَّبَه، وهو: أن يَتردد فرعٌ بين أصلين له شبة بكل واحد منهما وشبهه بأحدهما أكثر أو أقيس شَبهاً وآكد تأثيراً، فإنه يُرد إليه. وهذا إنَما يكون إذا لم يكن أحدُ الأصلينِ علةً مدلولًا علي صحتها يتعدى إلى الفرع. ومثال ذلك: صحةُ ملكِ العبدِ، فإن العبدَ يتردَّدُ بين أصلين في الشبه، فيشبهُ الأحرارَ من وجه؛ لأنه مُكلفٌ يجب عليه القِصاص إذا قَتل عمداً، ويملكُ الأبضاعَ، ويوقع الطلاقَ بنفسِه، وتجب عليه

стр. 616

الحدودُ والكفاراتُ، ويتعلقُ بإقرارِه حكمُ الإِلزامِ للحقوقِ في ذِمته، وإيجابِ القَوَد المفضي إلى قَتله وإسقاط حقِّ سَيدِه من رقِه وماليتهِ، ويصح أمانُه وإيمانه وردَّتُه، وهذا حكمُ الآدميةِ في الأصلِ، ويشبهُ البهائمَ من حيث إنه مملوك يُباع وُيبتاع ويوهب، وتجب قيمتُه عند الإتلاف، ويضمن بالغُصوب والأيدي المتعدية. فإلى أيّ الأصلين كان أميلَ وبأيِّهما كانَ أشبه وجَبَ إلحاقُه به، وهذا من أحسنِ الأقْيسة. فلا عبرة بقول من أسقطه، وسنذكر ذلك في مسائل الخلاف إن شاَء الله. ونُشير إلى الدلالةِ هاهنا، وذلك أن الشرع قد ورد باعتبار الأشباه، فقال النبي ﷺ للذي سألَه عن القُبلةِ في الصومِ: "أرأيتَ لو تَمضْمَضتَ" (١). وقال للخَثعمية حين سألته عن إدراكِ فريضةِ الحجِّ لأبيها وهو شيخٌ لا يَستمسك على الراحلةِ لتحجُّ عنه: "أرأيتِ لو كان على أبيكِ دينٌ فقضيتهِ، أكانَ ذلك ينفَعُه؟ فَدَينُ الله أحق" (٢). وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري رحمة الله عليه: الفَهم الفَهم فيما تَلَجْلج في صَدرك مما ليس في كتاب الله

стр. 617

ولا سُنةِ رسولِ الله، ثم اعرفِ الأشباه والأمثال وقِس بأشبهها بالحق (١). فصل من فصول قياس الشَبه واعلم أنه إذا ثبتَ في الأصلِ علَّةُ للحكمِ وكانَ الفرعُ يُشبهُ الأصلَ في غير العَلّة، فهل يجوزُ إلحاقُ الفرع به بذلك الشبه وإن لم يشبهه في العلَّة؟ اختلف في ذلك العلماء، ولأصحابِ الشافعيِّ وجهان حسب الاختلاف: فمنهم من قال: يجوز ذلك (٢)؛ لأنَ شَبهه به فيما أشبهه يغلب

стр. 618

على الظن أنَه بذلك الشبه مثلُه في جَلب حكمِ الأصل إليه وموافقته في حكمه. ومنهم من قال: لا يجوزُ ذلك (١)؛ لأنه قد ثبت أنَّ الحكمَ في الأصل لأجلِ العلَّة، لا لما أشبهه فيه الفرع فيفضي إشراكه في حكم الأصل بغير علته، ويفارق هذا إذا لم تكن للأصل علَّةُ؛ لأنه لا يُفضي إلى إثبات الحكم في الفرع بما لم يثبت به حكم الأصل، لكنا لم نجد إلا الشبه، فعلقنا الحكم في الفرع بما غلب على ظننا أنَّه هو الذي تعلق به حكمُ الأصلِ. ويمكن أن يقال على هذا: إن الأحكام الشرعية قد تَثبت في الأصلِ المقيسِ عليه بعلتين، ولا يمنع تعدية الحكم إلى الفرع بإحداهما مشاركةُ (٢) الفرع للأصل في تلك الواحدة، ومعلوم أن الشَّبهَ طريقٌ لإثباتِ التعديةِ لحكمِ الأصل إلى الفرع، فلا يُمنع إلحاقُ الفرعِ بالأصلِ لأجلِ اشتراكِهما في الشبهِ، وإن انفرد الأصل بالعلة التي لم يشاركْه فيها الفرعُ، فيصيرُ الشبهُ كإحدى العلتين، فلما لم

стр. 619

يقفْ إلحاقُ الفرعِ بالأصلِ أن يشاركه في العلتين، بل جاز إلحاقُه به لمشاركتِه في إحداهما، كذلكَ لا يمنعُ الإلحاقُ لمشاركتِه له في الشبه وان لم يشاركْه في العلَّة. ولِمن نصرَ الأول -وهو المنع- أن يقول: إن العلتينِ مُتساويتان، وكلُّ واحدة صالحة لجلب الحكم، فلذلك اكتفينا في الالحاقِ للفرع بالأصل باشتراكِهما (١) في إحدى العلتين، وليس كذلك الشبه؛ لأنه لاَ يساوي العلَّة، فإذا وُجِدَ الحكمُ في الأصلِ مع وجودِ العلةِ فيه، ولم يوجدْ في الفرع لم نأمنْ أن يكونَ الشبهُ الذي اشترك فيه الفرعُ والأصلُ خِلواً عن جَلب الحكمِ، وإنما الجالبُ للحكمِ في الأصلِ العلّةُ لقوَّتها وضعفِ الشبهِ، بخلافِ ما إذا انفرد الشبهُ عن علةٍ في الأصل؛ لأنه لم يبقَ لنا ظاهر به يُجلب الحكمُ إلى الأصلِ إلا الشبهُ، وقد شاركه فيه الفرعُ، فلذلك عَدينا حكمَ الأصلِ إلى الفرع (٢). فصل فيما يفتقر إليه القياس قال المحققون من العلماء: ولا بُدٌّ للقياس من أصل، وفَرعٍ، وعلّةٍ، وحُكم.

стр. 620

فالأصل: ما تَعدى حكمه إلى غَيره. ومن الأصوليينِ من يقول: إنَ الأصلَ هو: النصُّ الواردُ فيما جعلتموه أصلًا، مثل نص النبي ﷺ على تحريم التفاضل في الأعيان الستة (١)، وهذا وإن كان هو الأصل في إثبات الحكم، فهو مختص بالأصولِ لا يَتعدَّى عنها، وأما الذي يَتعدى ما في المنصوص عليه من العلّة، فكانت هي الأصول، إذ كان ثبوت الحكم في الفرع بمعناها دون النص. ومن الفقهاء من قال: الأصلُ: ما ثَبت حكمه بنفسه (٢). وُيريد بذلك ماثبت حكمه بلفظٍ يخصه. وقد اعترض هذا القائل على من قال: بأن الأصلَ ما تعدى حكمُه إلى غيره: بأنَّ الذهب والفضة أصلان، ولم يثبت بهما حكم غيرهما عند أصحاب الشافعي. فأجابَ عن ذلك: بأنا إنْ عللَّناهما بالوزن فقد تَعدى حكمهما، وإن قلنا: العلَّة الثمنية على قول الشافعي -رضي الله

стр. 621

عنه- فلا (١)، فإن الذهبَ والفضةَ ليسا عندَ أصحاب الشافعيّ -رحمةُ الله عليه وعليهم- لا أصلينِ ولا فرعينِ، بل ثبت حَكمهما بالنص من غير أن (٢) يُعدَّى إليهما حكمُ غيرِهِما، ولا يُعدى حكمُهما إلى غيرهما، فلا يُسَميان بواحدٍ من الاسمينِ لا بفرع ولا بأصلٍ. وقد قال بعضهم: إنْ صارتْ الفُلوس أثماناً عُدي حكمُهما إليها، فحرم التفاضل فيها. فعلى قول هذا القائل قد وُجدت خصيصةُ الأصل فيها. واعتُرضَ الحد الذي ذكره من قال: ما ثبتَ حكمه بنفسه، بأن قيل: ليس لنا شيءٌ ثبتَ بنفسه من سائرِ الأحكام، وما فسره به من قوله: أردتُ: ما ثبتَ بلفظٍ يخصُه. فلا يَقتضيه لفظُه؛ لأن اللفظ الذي يخصّه إنما هو غيره، وليس هو نفسه. فصل والفرع هو: ما تَعدى إليه حكم غيره. ومن الأصوليين من يقول: إنه الحكم، كما جُعل الأصلُ النص. فلحظ في ذلك أنَ الذي تفرع عن الأصل إنما هو الحكم، فجعله فرعاً له. وقد بينا أن الأصل هو: المنصوص على حكمه، والفرع هو: الذي ثبت بالعلة حكمه.

стр. 622

فصل والعلة هي: التي ثبتَ الحكم لأجلها، أو نقول: ما أوجَبت الحكم، أو نقول: ما غَيرت المعتلَ، وهو المحكوم فيه -على قول أبي علي الطبري (١) - كما تُغيَّر علةُ المرض المريضَ الذي تقومُ به. فصل والمعلول هو: الحكم (٢)، ولذلك يقول القائل: بمَ تُعلل هذا الحكم؛ ويقال: اعتل فلان بكذا. فيما ذهبَ إليه من الحكم. وقال أبو علي الطبري -من أصحاب الشافعيّ رحمة الله عليه-: إنه المحكومُ فيه، كما يسمى مَن حلَّته العِلة وقامَ به المرضُ: مَعلولًا. والأول أصحُ؛ لأن معلولَ العلَّة هو ما أثارته، وما أثارت سوى الحكم دون ذاتِ ما قامت به العلةُ، بخلافِ الجسمِ، فإنَّ العلَّةَ تقومُ به وتوثر فيه، فلهذا كان الجسمُ معلولًا. فصل والمُعلل: حكمُ الأصل؛ لأنَه المطلوبُ علتُه. والمُعَلل هو: الناصب للعلَّةِ، وقد يُسمّى ذلك: المستدل بالعلة؛

стр. 623

لأنَه بمنزلة الناصب لها. والمُعتَل هو: المحتج بالعلة. فصل والحكمُ الذي هو من جملة ما احتاج إليه القياس وشرط له، هو: قَضاء الشرعِ المستنبط. وصورته: قول القائِس: فكانَ، فوجبَ، فلزمَ، فلم يَجزْ، فأبيحَ، فاسْتُحب، فاسْتُحِق، وما شاكلَ ذلكَ من العباراتِ بحسب المسألة المختلَفِ فيها. فصل و يجوزُ أن تكونَ العلَّة صفةً ذاتيةً أو شرعيةً، واسماً مشتقاً أو عَلماً أو حُكماً (١): فالصفة الذاتية: كالطعم والقوت في الأعيان المنصوص عليها. والشرعية: كقولنا: عبادة أو كفارة. والاسم المشتق: كقولنا في النَّبّاش (٢): سارق، وفي واطىء الأجنبية بغير شُبهة: زان.

стр. 624

والاسم العلم: كقولنا: ماء أو تراب. والحكمُ: كقولنا: مَن صَح طلاقه صَح ظِهاره، ومَن وجب العُشرُ في زَرعهِ أو لأجلِ زَرعه، وجبَ رُبع العُشر لأجل مالهِ، وما لا تجبُ الزكاةُ في ذكورِه لا تجبُ في إناثِه، كغير الخيل من الوحوشِ والبغالِ والحمير (١). فصل وقال قوم من أهلِ الجدل: إنَّ الاسمَ العَلم لا يجوزُ أن يَكون علةً (٢): لأن العلَّةَ: ما أفادت معنى يتعلق به الحكم، والاسم إنما هو مُواضَعةٌ بين أهل اللغة للتعريف، وما كان للتعريف لم يتضمن التعليل، كقولنا: زَيد وعَمرو، ولهذا كان مَوجوداً قبل الشرع. وهذا ليس بصحيح؛ لأن العللَ الشرعيةَ أمارات من جهةِ صاحب الشرع جُعِلتْ علامات على الأحكام وصارت علةً بجعلِ جاعلٍ، وكذلك لَو وَرد التعليلُ به من صاحبَ الشرع، فقال: أزيلوا النَّجاسةَ بالماءِ لا بغيرِه؛ لأنَّه ماء، وتَيمموا بالتراب؛ لأنه ترابٌ، كان تعليلًا صحيحاً، وإذا جاز وُرودُ الشرع به (٣)، لم يجز المنعُ من كونِه علةً؛ ألا ترى أن العقوبةَ لما لم يجزْ أن تكون مُعللةً بإحسانِ المحسِن، وطاعةِ المطيعِ، لم يجزْ أن يردَ الشرعُ بها، فيقول: عاقبوا زيداً؛ لأنه

стр. 625

أحسن أو بَر والديه، أو لأنَه وحد الله وشكر أنْعمه. وأبداً يوردون على هذا، أنَ صاحبَ الشريعة نفسُ قولهِ حجة، فلذلكَ حَسُن منه ذلك، ونحن لا نُجوِّز أن يُعَلَّل إلا بماله شروط العِللٍ، وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ لأن صاحبَ الشريعةِ مع كون قوله حجة، فإنَه إذا أخرجَ الكلامَ مَخرجَ التعليلِ لم يُخرجه إلا بشروطِ التعليل، وكذلكَ لو قالَ في العقلياتِ من العلل: إنما أوجبَ كونَ الجسمِ مُتحركاً قيامُ السوادِ به، لم يجزْ. لِما ثبتَ من أن علّة كونِ المتحرِّكِ مُتحركاً هو الحركةُ، وقيامُ السواد به لا يوجب إلا كونه أسوداً. وكذلك لو قال: أحسنوا إلى زيدٍ؛ لأنه مُسيء، وعاقبوا عمراً؛ لأنه محسن. لم يكن هذا تعليلًا صحيحاً، بل لاتجوزُ علةُ ذلك لما فيه من الاختلالِ والفساد، ولم يصر صحيحاً لأنه ورد من جهةِ الشارع. وكذلكَ القولُ بأنَ زيداً حيُّ وهو ميت، أو أبيض وهو أسود، لما كان كذباً ممن وجد، ولا يجوزُ ورودُه من صاحب الشرع، كذلك إضافةُ المعلولِ إلى مالا يَليق بأن يكونَ علةً له، بَل علةً لضِده. فإذا ثَبتت هذه القاعدة عُلم أن كلَ شيءٍ علل به الشرعُ، أو حسنَ أن يُعلّل به، جازَ أن يُعلّق الحكمُ عليه تعليقَ المعلولِ على علتِه. فصل وقال قوم من أهلِ الجدلِ والفقهاءِ: لا يجوزُ أن يكونَ الحكُمُ علةً للحكم (١).

стр. 626

وهذا القائلُ لا يرى أن جعْلَ المعلولِ علةً سؤالًا صحيحاً؛ لأن المعلولَ هو الحكم، فلا يجوز أن نجعله علةً من حيثُ إيرادُه سؤالًا، وهو لا يراهُ علةً من حيثُ الاستدلالُ به. قال: لأنَ الحكمَ معلولُ علةٍ لا ثباتَ له إلا بها، فلا يكونُ له استقلال إلا بالعله، فكيف يكون علةً لحكمٍ هو مثله؟! وما ذلك إلا بمثابةِ من قال: إن التحركَ الذي هو معلولُ الحركةِ علةٌ لتحركِ الجسم. ومما يدلُ على أنَّ الحكمَ لا يكونُ علةً وانما يكونُ دلالةً على الحكم: أنا إذا قلنا: ما كانَ رباً في دار الإسلام كانَ رباً في دار الحرب. لا يقتضي أنه إنما كان رباً في دار الحرب؛ لأنه في دار الإسلام، ولكنَّه إنما كان رباً في الدارين جميعاً لأجلِ التفاضل فيما حَرُم فيه التفاضل، وذلك هو العلَّة. فإذا جعله المخالفُ رباً في دار الإسلام، علمنا أنه كان للعلةِ التي هي التفاضل في الجنسِ، وذلك مَوجود فَي دارِ الحربِ، فكان رباً فيها بوجودِ علته. قال بعض أئمةِ الأصول: وهذا استصحاب حالٍ بصورةِ قياس، ومعناه: أنه قد ثبت كونه رباً في دارنا، فمن ادعى أنَّه ليسَ برباً في دارِ الحربِ فَعليهِ الدليلُ. فيقالُ: إن أردتَ أن ذلكَ ليس بعلةٍ موجبةٍ، فهذا حكمُ جميعِ عللِ الشرع، وإنما الموجبة العللُ العقليةُ. وإن أردتَ أنها ليست أمارة، فليس بصحيح؛ لأنك أقررتَ بانها دلالةٌ، والدلالةُ أمارة، ويدل على ذلك أنه قد توجدُ في ذلك إحدى

стр. 627

الدلائل التي تثبت العلَّة، ألا ترى أنه يجوز أن يقولَ صاحبُ الشرع: ما كلانَ رباً في دارِ الإسلام يكون رباً في دار الحرب، كما قال: "مَنْ بَدلَ دينَهُ فَاقْتُلوه" (١)، فيكونُ علةً، وعلى أنَّ ما كلان رباً في دار الإسلام فقد تضمن العلةَ الموجبةَ للربا، فصح وصفُه بأنَّه علةٌ لكونه رباً في دارِ الحرب. ولعلَّ هذا القائلَ افْترقَ في نفسهِ ما كان غَرضَ الحكمِ وما لم يكنْ غرضه، وليست العللُ موقوفةً على ذلك، وإنما هي ما جُعلت بدليل شرعي، وكل علَّةُ يطالب بصحتها فمن مستندها يعطي أنها لم تقمْ بنفسِها، فيجب أن لا تَصح لنا علَّةُ، إذ لم نَنفِ أن يكونَ الحكمُ علةً إلا لكونهِ يَستندُ إلى غيره. فصل وقد تكونُ العلةُ وجودَ صفةٍ أو اسم، وقد تكون نفياً، كقولنا: ليس بمطعومٍ (٢) ولا ثَمنٍ، أو ليس بموزونٍ وليس بتُرابٍ (٣). وكذلك في الحكم: مالا يجوزُ بيعهُ لا يجوزُ رَهنه، فيكون النفيُ نافياً للحكمِ، ألا ترى أنه يحسنُ أن نقول: لا تَحسُنُ عقويتُه؛ لأنه لم يُسىء.

стр. 628

فصل و يجوزُ إثباتُ كلَّ حكم شرعي طريقُه الظنُّ بالقياس ، سواء كانَ كفارةً أو حدَّاً أو مُقدراً من المقدرات (١). ومنع أصحابُ أبي حنيفة من إثبات ذلك بالقياس (٢)، واستدلوا في ذلك بأن الحدود شُرعت ردعاً، وذلك لا يدرك بالقياس، وكذلك الكفارات لإسقاط المآثم. وربما قالوا: إن القياس هو رد الفرع إلى أشبه الأصلين به، والشبَه الآخر شُبهة فيه، والحدود تَسقط بالشبهة بل لا تجب مع نوع شُبهة. وهذا لا يصح؛ لأن ذلكَ حكم شرعي ثبتَ بخبر الواحد فثبت بالقياس، كسائر الأحكام. يوضح ذلك: أن سائر الأحكام ألطاف ومَصالح، وكما لا يَعلم مقادير الأجرام ومقابلاتها إلا الله، ينبغي أن لا يُعلم مقدار مصالح الأدميين وألطافهم بالأراء والقياس، وما اعتل نُفاةُ القياس إلا بهذا في سائرِ أحكام الشرع، ولو جاز أن لا يثبت حَد ولا كَفارة لما ذكروا من كون الشبه الآخر الذي لا تَشهد به شُبهة، لكان الخلاف المسوغ شبهةً حتى لا يجبَ حد مع خلاف، بل لا يجب [إلا] (٣) مع الإجماع.

стр. 629

على أننا لا نُثبت حداً ولا كفارة إلا بقياس دل دليل شرعي على إثباتِ علةِ الحكم به، فصار ثابتاً من جهةِ صاحب الشرع، وقد ناقضوا بقياسهم كفارةَ الأكلِ على الجماع بما جمعوا بينهما به من أنه أفطر بمتبوع جنسه وبمقصوده (١).

стр. 630

فصل في استصحاب الحال (١) وهو ضَربان: استصحابُ حالِ العقلِ في بَراءة الذمم من الحقوق، وهي العباداتُ والغراماتُ، كقولِ القائلِ في إسقاطِ ديةِ المسلمِ إذا قُتِلَ في دارِ الحرب، أو في إسقاطِ ما زادَ على ثلث الدية في قَتل الكتابي خطأ: الأصلُ براءةُ الذمة وفراغُ الساحة، فمن ادّعى شَغلها فعليه الدليل. ولسنا نجدُ في الشرعِ ما يشغلها بديةِ المسلم المقتولِ في دار الحرب، ولا بما زاد على الثلث في قتلِ الكتابي، فيبقى على حكمِ الأصل. فهذا دليل يفزعُ إليه المجتهدُ عند عدمِ الأدلةِ. والثاني: استصحابُ حالِ الإِجماعِ، وهذا مُختلف فيه، وهو مثل قول الشافعي في حق المتيمم إذا وَجَد الماءَ في صلاته: إن صلاتَه انعقدت بالإِجماع، فلا يزول عن ذلك إلا بدليل. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاءَ الله.

стр. 631

فصول تجمع أنواعاً من الأقيسةِ، وبيانُ الأحسن والأقوى منها والأَرَكِّ، وتُحققُ ما أهمله كثير من الفقهاءِ . فصل في التقسيم (١) وقد سبق تحديدُه، وتَقريبه ها هنا: أن يذكرَ المستدلُّ كلَّ قِسم يتوهم أن الحكم يتعلق عليه ويُبطله، سوى القسم الذي تعلق به الحكم، وأكثر ما يتفق هذا ويكون مثلُه في الموضعِ الذي يتفق الخُصماء أو الخصومُ على أن للحكمِ علةً واحدةً. مثاله: ما يُقال في أن الشفيع يأخذ (٢) الشِّقْص (٣) بالثمن الذي وقع العقدُ عليه. فيقولُ المستدِلُ على ذلك: قد دلَّ على ثبوتِ الشفعةِ للشفيعِ

стр. 632

بعد تمام الشراءِ، وأنه ياخذُه بعوض، فلا يخلو ذلك العوضُ إمَّا أن يكونَ قدرَهُ ما يرضى به الشفيعُ، أو ما يرضى به المشتري للشقص، أو يَتراضيان به، أو بقيمةِ الشقص، أو بالثمنِ الذي وقع عليه العقدُ، إذ ليس هاهنا قسم آخر له تعلق به. ثم يَشرع في إفسادِ كلِ قسم سوى القِسم الذي يتعلق به الحكم، فيقول: ولا يجوزُ أن يكونَ القدرُ هو ما يرضى به الشفيعُ؛ لأنَّه قد يكونُ رضاه بالأقلِ الذي يَستضر به المشتري، والضررُ لا يزال بالضررِ، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يرضى به المشتري، فإنه قد يرضى بالأكثرِ الذي إن أخذَ به الشفيعُ اسْتَضر، وان لم ياخذ [به] (١) لما يرى من كثرتهِ استضرَّ بإسقاطِ شُفعتِه، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يتراضى به الشفيعُ والمشتري معاً؛ لأنه يؤخذُ من غير رضَى، وربما لا يتراضيان على شيءٍ، فيؤدي إلى إسقاطِ الشفعةِ، ولا يجوزُ بقيمةِ الشقص؛ لأنها قد تزيدُ على الثمنِ فيستضرُ به الشفيعُ، وقد تنقصُ عن الثمن فيستضرُ المشتري، فلم يبقَ إلا الثمنَ الذي وقع العقدُ عليه، وفي الأخذِ بالثمنِ إزالةُ الضررِ عنهما (٢)، فوجبَ الأخذُ به دونَ ما سبق من الأقسام. فصل ومنها: الاستدلال بالعكسِ، وهو:. رَد آخِر، الأمرِ إلى أولِه، أو أولِه إلى آخِره (٣).

стр. 633

وأصله في اللغة: شَدُّ رأسِ البعير بخِطامِه إلى ذِراعه. وعند أهلِ الجدلِ: أن يتبدلَ ترتيبُ الكلامِ ويتحفظَ معه أمران: الصفةُ والصدقُ. ومثال ذلك: قولك: رجل قائم. فإذا عكستَ قلت: قائم رجلٌ. فتجعلُ المبتدأ خبراً والخبرَ مبتدأ، ويتمُ ذلكَ عندهم في النفي العام أبداً، ولا يتمُ في النفي الخاصّ أبداً. والإثباتُ الخاصُ يتمُ فيه أبداً، وأما الإثباتُ العام فلا يتمُ فيه إلا إذا جعلته خاصاً، فإذا قلت: كلُّ مسكرِ حرام. كان هذا صدقاً، وإذا عكست فقلت: كلُّ حرامِ مسكر. لا تصدقُ إلا إذا خصصت فقلت: وحرامٌ ما يُسْكِرُ. وأما صورتُه عند الفقهاءِ: فكقولِ الحنفيّ في الماءِ إذا تغيرَ بالخل أو الزَّعفران: إنه لو كان تَغير الماءِ بالزعفرانِ يمنعُ الوضوءَ به، لكان وقوعه فيه يمنعُ (١)، كالنجاسةِ إذا حصلتْ في ماء قليل، لما منعَ تغيرُ الماءِ بها من الوضوء منع وقوعها فيه. وذلك أنه يدعي أن التغييرَ والوقوعَ يفترقان وينعكسان، ما يمنع وقوعه يمنع تغيره، ثم يُبدل فيقول: ما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، على ترتيبِ أهلِ الجدل، إلا أنه ينقلُه إلى الزعفران فيقول: ثم وجدتُ الزعفرانَ وقوعه لا يمنع، فتغيرُه لا يمنعُ. فحقيقةُ العكسِ عند أهل الجدلِ: ما يمنعُ وقوعَه يمنعُ تغيّره، وما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، إلاَ أنه لا يتمُ له إلا إذا أتى بهما خاصَّين منكرين. والفقهاءُ يريدونَ بعكسِ العلَّةِ: عدمَ الحكمِ عند عَدمِ العلَّةِ بكل

стр. 634

حال، وهو هذا، لأنهما لا يَفترقان أبداً. ومثال آخر: من صَح طلاقُه صح ظِهاره، عكسُه عند أهلِ الجدلِ: مَن صح ظهاره صح طَلاقُه. ويعبر عن ذلك: لو لم يَصح ظهارُ الذميّ لم يصح طلاقُه، كالصبيِ والمجنونِ. فصل وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في صحةِ الاستدلالِ بهذا- أعني العكس الذى ذكرناه ومثلناه-. فمنهم من قال: لا يصح (١)؛ لأن عدمَ العلَّةِ لا يدلُّ على عدمِ الحكمِ في الشرعياتِ، لأن الحكمَ قد ثبت بعكس، فإذا زالت إحدى العلتينِ جاز أن تخلفَها علَّةُ أخرى، وكذلك عدم أخذ الحكمين لا يدلُ على عدمِ الحكمِ الأخرِ لجوازِ أن يختلف طَريقُهما. ومنهم من قال: يصح الاستدلالُ به، وهم الأكثرونَ من الفقهاءِ وأهلِ الجدل، وهو أصح (٢)؛ لأن الحكمينِ إذا كان طريقُهما واحداً وثَبتا معاً جاز أن يُستدل بوجود أحدِهما على وجودِ الآخر، وبعدم أحدِهما على عدم الآخر؛ لأن القرآن تضمنَ الاستدلالَ بالعكسِ، قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والمراد بقولِه: إلا الله: غير، وهي صفة، فوصفَ الألهةَ التي ادعوها بانها غيرُ

стр. 635

الله، ولم يتعرضْ لذكرِ الواحدِ في هذا الموضِع البتة، فكأنه قال سبحانه: لو كانَ فيهما الألهةُ التي تدعونها لفسدتا، فلما لم تفسدا علمنا أنها ليست آلهة. وهذا استدلال بالعكسِ. فصل ومن جملةِ العكسِ ما يقوله الفقهاء: جعلُ العلَّةِ معلولاً والمعلولِ علَّةُ (١)، وهو: أن يقدم المؤخر ويؤخر المقدمَ. والمعلولُ، هو: حكمُ الفرعِ. مثاله: قولُ أصحابِنا وأصحاب الشافعي في الصداقِ: ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صَداقاً، كَالعشرةِ. فيقولُ الحنفي: أنا أقول: ما جاز أن يكون صَداقاً جاز أن يكون ثمناً، كالعشرةِ، وذلك أنك تقول: العشرةُ جازتْ في الصداقِ؛ لأنها جازت في الثمنِ، فعلتُك الثمنُ، وحكمُك جوازُ الصداق. وأنا أقول: بل العشرةُ جازت ثمناً؛ لأنها تجوزُ صداقاً، فأجعلُ العلَّةَ جوازَها صداقاً، والحكم جوازَها ثمناً، فلا يكونُ أحدُنا أولى به من الآخِر، فيقف الدليلُ. وهل يصحُّ هذا السؤال أم لا؛ على مذهبين: أحدهما: يصح؛ لأنه يقفُ معه الدليلُ (٢).
следующие страницы →