← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصول تجمع أنواعاً من الأقيسةِ، وبيانُ الأحسن والأقوى منها والأَرَكِّ، وتُحققُ ما أهمله كثير من الفقهاءِ . فصل في التقسيم (١) وقد سبق تحديدُه، وتَقريبه ها هنا: أن يذكرَ المستدلُّ كلَّ قِسم يتوهم أن الحكم يتعلق عليه ويُبطله، سوى القسم الذي تعلق به الحكم، وأكثر ما يتفق هذا ويكون مثلُه في الموضعِ الذي يتفق الخُصماء أو الخصومُ على أن للحكمِ علةً واحدةً. مثاله: ما يُقال في أن الشفيع يأخذ (٢) الشِّقْص (٣) بالثمن الذي وقع العقدُ عليه. فيقولُ المستدِلُ على ذلك: قد دلَّ على ثبوتِ الشفعةِ للشفيعِ

стр. 632

بعد تمام الشراءِ، وأنه ياخذُه بعوض، فلا يخلو ذلك العوضُ إمَّا أن يكونَ قدرَهُ ما يرضى به الشفيعُ، أو ما يرضى به المشتري للشقص، أو يَتراضيان به، أو بقيمةِ الشقص، أو بالثمنِ الذي وقع عليه العقدُ، إذ ليس هاهنا قسم آخر له تعلق به. ثم يَشرع في إفسادِ كلِ قسم سوى القِسم الذي يتعلق به الحكم، فيقول: ولا يجوزُ أن يكونَ القدرُ هو ما يرضى به الشفيعُ؛ لأنَّه قد يكونُ رضاه بالأقلِ الذي يَستضر به المشتري، والضررُ لا يزال بالضررِ، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يرضى به المشتري، فإنه قد يرضى بالأكثرِ الذي إن أخذَ به الشفيعُ اسْتَضر، وان لم ياخذ [به] (١) لما يرى من كثرتهِ استضرَّ بإسقاطِ شُفعتِه، ولا يجوزُ أن يكونَ ما يتراضى به الشفيعُ والمشتري معاً؛ لأنه يؤخذُ من غير رضَى، وربما لا يتراضيان على شيءٍ، فيؤدي إلى إسقاطِ الشفعةِ، ولا يجوزُ بقيمةِ الشقص؛ لأنها قد تزيدُ على الثمنِ فيستضرُ به الشفيعُ، وقد تنقصُ عن الثمن فيستضرُ المشتري، فلم يبقَ إلا الثمنَ الذي وقع العقدُ عليه، وفي الأخذِ بالثمنِ إزالةُ الضررِ عنهما (٢)، فوجبَ الأخذُ به دونَ ما سبق من الأقسام. فصل ومنها: الاستدلال بالعكسِ، وهو:. رَد آخِر، الأمرِ إلى أولِه، أو أولِه إلى آخِره (٣).

стр. 633

وأصله في اللغة: شَدُّ رأسِ البعير بخِطامِه إلى ذِراعه. وعند أهلِ الجدلِ: أن يتبدلَ ترتيبُ الكلامِ ويتحفظَ معه أمران: الصفةُ والصدقُ. ومثال ذلك: قولك: رجل قائم. فإذا عكستَ قلت: قائم رجلٌ. فتجعلُ المبتدأ خبراً والخبرَ مبتدأ، ويتمُ ذلكَ عندهم في النفي العام أبداً، ولا يتمُ في النفي الخاصّ أبداً. والإثباتُ الخاصُ يتمُ فيه أبداً، وأما الإثباتُ العام فلا يتمُ فيه إلا إذا جعلته خاصاً، فإذا قلت: كلُّ مسكرِ حرام. كان هذا صدقاً، وإذا عكست فقلت: كلُّ حرامِ مسكر. لا تصدقُ إلا إذا خصصت فقلت: وحرامٌ ما يُسْكِرُ. وأما صورتُه عند الفقهاءِ: فكقولِ الحنفيّ في الماءِ إذا تغيرَ بالخل أو الزَّعفران: إنه لو كان تَغير الماءِ بالزعفرانِ يمنعُ الوضوءَ به، لكان وقوعه فيه يمنعُ (١)، كالنجاسةِ إذا حصلتْ في ماء قليل، لما منعَ تغيرُ الماءِ بها من الوضوء منع وقوعها فيه. وذلك أنه يدعي أن التغييرَ والوقوعَ يفترقان وينعكسان، ما يمنع وقوعه يمنع تغيره، ثم يُبدل فيقول: ما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، على ترتيبِ أهلِ الجدل، إلا أنه ينقلُه إلى الزعفران فيقول: ثم وجدتُ الزعفرانَ وقوعه لا يمنع، فتغيرُه لا يمنعُ. فحقيقةُ العكسِ عند أهل الجدلِ: ما يمنعُ وقوعَه يمنعُ تغيّره، وما يمنعُ تغيرَه يمنعُ وقوعَه، إلاَ أنه لا يتمُ له إلا إذا أتى بهما خاصَّين منكرين. والفقهاءُ يريدونَ بعكسِ العلَّةِ: عدمَ الحكمِ عند عَدمِ العلَّةِ بكل

стр. 634

حال، وهو هذا، لأنهما لا يَفترقان أبداً. ومثال آخر: من صَح طلاقُه صح ظِهاره، عكسُه عند أهلِ الجدلِ: مَن صح ظهاره صح طَلاقُه. ويعبر عن ذلك: لو لم يَصح ظهارُ الذميّ لم يصح طلاقُه، كالصبيِ والمجنونِ. فصل وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في صحةِ الاستدلالِ بهذا- أعني العكس الذى ذكرناه ومثلناه-. فمنهم من قال: لا يصح (١)؛ لأن عدمَ العلَّةِ لا يدلُّ على عدمِ الحكمِ في الشرعياتِ، لأن الحكمَ قد ثبت بعكس، فإذا زالت إحدى العلتينِ جاز أن تخلفَها علَّةُ أخرى، وكذلك عدم أخذ الحكمين لا يدلُ على عدمِ الحكمِ الأخرِ لجوازِ أن يختلف طَريقُهما. ومنهم من قال: يصح الاستدلالُ به، وهم الأكثرونَ من الفقهاءِ وأهلِ الجدل، وهو أصح (٢)؛ لأن الحكمينِ إذا كان طريقُهما واحداً وثَبتا معاً جاز أن يُستدل بوجود أحدِهما على وجودِ الآخر، وبعدم أحدِهما على عدم الآخر؛ لأن القرآن تضمنَ الاستدلالَ بالعكسِ، قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والمراد بقولِه: إلا الله: غير، وهي صفة، فوصفَ الألهةَ التي ادعوها بانها غيرُ

стр. 635

الله، ولم يتعرضْ لذكرِ الواحدِ في هذا الموضِع البتة، فكأنه قال سبحانه: لو كانَ فيهما الألهةُ التي تدعونها لفسدتا، فلما لم تفسدا علمنا أنها ليست آلهة. وهذا استدلال بالعكسِ. فصل ومن جملةِ العكسِ ما يقوله الفقهاء: جعلُ العلَّةِ معلولاً والمعلولِ علَّةُ (١)، وهو: أن يقدم المؤخر ويؤخر المقدمَ. والمعلولُ، هو: حكمُ الفرعِ. مثاله: قولُ أصحابِنا وأصحاب الشافعي في الصداقِ: ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون صَداقاً، كَالعشرةِ. فيقولُ الحنفي: أنا أقول: ما جاز أن يكون صَداقاً جاز أن يكون ثمناً، كالعشرةِ، وذلك أنك تقول: العشرةُ جازتْ في الصداقِ؛ لأنها جازت في الثمنِ، فعلتُك الثمنُ، وحكمُك جوازُ الصداق. وأنا أقول: بل العشرةُ جازت ثمناً؛ لأنها تجوزُ صداقاً، فأجعلُ العلَّةَ جوازَها صداقاً، والحكم جوازَها ثمناً، فلا يكونُ أحدُنا أولى به من الآخِر، فيقف الدليلُ. وهل يصحُّ هذا السؤال أم لا؛ على مذهبين: أحدهما: يصح؛ لأنه يقفُ معه الدليلُ (٢).

стр. 636

والمذهب الثاني: أنه لا يصح ولا يقدم في الدليل (١)؛ لأن الحكمينِ إذا أوجبَهما دليلٌ واحدٌ فلا يفترقان، فوجود أحدِهما يدل على وجودِ الآخرِ، فإذا كان النَكاح الصحيح يوجب الطلاقَ والظهارَ، فصحة الظهارِ تدل على صحةِ الطلاقِ، وصحة الطلاقِ تدلُّ على صحةِ الظهارِ، كما أن وجوبَ نَفقةِ الزوجة يَدل على وجوبِ السكنى والكسوة، ووجوث الكسوةِ يدل على وجوبِ النفقةِ، ولأنه يصير بمنزلةِ منعِ علةٍ وادعاءِ علّة؛ ولأن علتك قاصرةٌ وعلةَ المستدلِ متعدية، والمتعدية أولى. فصل ومن ذلك: الاستدلال بالاستقراءِ في لغةِ الجدليين، ويسميه الفقهاء: شهادة الأصول (٢). وهو: أن يستقر حكمٌ في أصولِ الشريعة على صفةٍ واحدة ثم يتنازعُ المجتهدان في فرعِ حكمٍ يوافق تلك الأصول، فإلحاقه بتلك الأصولِ أولى، كما تقولُ في نواقضِ الوضوء، كالنوم والبولِ والغائطِ والريحِ والمذي: كلُّ ذلك ينقض الوضوء خارجَ الصلاة وداخلَ الصلاة، والكلام والمشي والقيام والضرب: كلُّ ذلك لا ينقض الوضوء خارج الصلاةِ ولا داخلَ، ثم اختلفوا في القَهْقَهةِ، فقال الحنفي: تَنْقُض الوضوء داخلَ الصلاة ولا تنقضة خارج الصلاةِ (٣). وذلك مخالفٌ

стр. 637

للأصول الناقضةِ للوضوء وللأصولِ غيرِ الناقضة، فمن يلحقه بالأصولَ أولى. فصل ومن ذلك: ما يسميهِ الفقهاءُ: الذرائع، ويسميه أهلُ الجدلِ: أنه المؤدي إلى المستحيل في العقل أو الشرع. من ذلك: قولنا وأصحابُ الشافعي في إيجاب القِصاص على المشتركين في القتل أو إيجابهِ في القتلِ بالمثقل: إَن القولَ بإسقاطِ القود يفضي إلى إهدار الدماء. ومنه: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي في اعتبارِ الولي لعقدِ النكاح: إننا لو لم نَعتبرْ اَلولي، لأفضَى إلى تضييع الأبضاعِ وإسقاط حقوقِ الأولياء؛ لأن الغالبَ من حالِها انخداعُها وميلُها إلى من تَشتهيه دون من يكافئُها. ومنه: القول بأننا لو صححنا القراضَ (١) على العروض، لأدى إلى أن يأخذ رب المال جميعَ الربحِ لحاجةِ العاملِ أن يشتري مثلَ العروض برأسِ المالِ والربحِ الذي اجتهد في تحصيلِه، فيقعُ عملُه ضياعاً، أَو يأخذَ العاملُ بعضَ رأسِ المال لتحصيلِه لمثلِ العروضِ بأقل ما باعه.

стр. 638

ومنه: أنا منعنا تزوجَ المسلمِ بالأمةِ الكافرةِ لئلا يؤدي إلى استرقاقِ الكافرِ ولد المسلم. والاعتراضُ على هذه الدلالةِ من وجهين: أحدهما: أن يقالَ: إن الشريعة كما حسمت المضار أثْبَتَت (١) جوازَ التوصلِ إلى الأغراضِ وإسقاطِ العقوبات بالشبهاتِ، ولم تحملْنا على القتلِ لمن قَتل بالعصا الصغيرة، إذا قامت بقتله بينة هي شاهد وامرأتان، أو شهدَ بذلك الفساق، وغير ذلك من الأسباب التي تسقط، وإذا اشتركَ من يجبُ عليه ومن لا يجبُ، أو عفا أحدُ الأولياء عن الجارحِ (٢) كلُّ ذلك أُسقط به الاستيفاء، ولو كان القصدُ الاحتياط لما بناهُ الشرعُ على الدَّرء والِإسقاط؛ لأنهما ضدان، وتعليلُ الولي بما ذكروا يزول بإذن الأولياءِ لها في النكاح، فتزول الذريعة. وانفرادُ أحد المتضاربين، غيرُ ممتنعٍ في المضاربةِ، كما أفردَ ربُ المالِ بالخسارِة وجُبر المالُ بالربحِ، ويخرج عمل العامل ضياعاً. وتملكُ الكافرِ المسلمَ حكماً جائز غيرُ ممنوعٍ منه شرعاً بدليلِ الإرثِ. والوجه الثاني: أن يُقالَ: ما ذكرتموه يُفضي إلى ما احتَرزتم عنه، ويقررُ الوجوهَ التي تحصل منها الذريعةُ، وهو: أن قتل الجماعةِ بالواحدِ يفضي إلى إخراجِ القتلِ عن بابه؛ لأنه مما يَسقط بالشبهة إجماعاً، والشركة شبهة من حيثُ إنَ كلُّ واحد من الجراحات يَتغطى حكم سِرايته بالجراحة الأخرى، ولا يُدرى لعله ماتَ من فعلِ واحدٍ دون

стр. 639

الباقين، أو من فعلِ اثنين أو ما شاكل ذلك، فنكون بقتلِنا الجميع قاتلين غير قاتل في طَى قاتل، والدماء على أصلِ الحَقْن في حقَ الظالمِ والمظلومِ، ونتبعُ كلَ مسألةٍ بمثلِ هذا. فصل لا يختلفُ أهلُ الجدلِ في الِإثباتِ أنَه يجوزُ أن يُجعل علةً للأحكام الشرعية، مثلُ قولِنا: مطعوم، فلا يجوز التفاضلُ في بيعِ بعضهِ ببعض، ومُشتد فحرم، ورقيق فضمن باليدِ، ومُسلم فلا يُقتل بالكافر، وكافر فلا يقتل به المسلمُ، وأبٌ وعدوٌ فاسق، فلا تُقبل شهادتهُ. واختلفوا في النفي: هل يصح أن يُعلل به الحكم الشرعي؟ فقال أصحابُنا والمحققون من أصحاب الشافعي وكثيرٌ من أهلِ الجدل: يصحُّ (١)، وقد تُنعتُ النكرةُ بالنَفي فَي العربية، قال سبحانه: ﴿إنها بَقَرةٌ لا فارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]، ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨]،، كما وصف ونعتَ بالإثباتِ، فقال سبحانه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩].

стр. 640

واستدل من نص [على] (١) ذلك بأن الدلالة قد تكونُ بنَفي على نفيِ ما دل إثباته على الإثباتِ، مثاله: أن العِلم والقُدرةَ دليلان على حياةِ مَن قاما به واتصف بهما، فلا عالم قادر إلا حى، وكما دل إثبات القُدرةِ والعِلم على إثباتِ الحياةِ دل نَفيُ الحياةِ من المحلِّ، على نفي العلمِ والقدرةِ. ونقول في الفقه: ليس بماءٍ، فلا يجوز الوضوء به. ليس بترابٍ، فلا يجوزُ التيممُ به. ليس بعَدلٍ، فلا تُقبلُ شهادتهُ. ليس من جنسِ الأثمان ولا مَطعوم، فلا ربا فيه. لا يجوزُ الانتفاع به فلا يجوزُ بيعُه (٢). أو غيرُ منتفع به، فلا يجوز بيعُه (٢). والعقلاء لا يُنكرون قول القائل: زيد ليس في الدارِ؛ لأنه لا صجة في داره ولا دابته على بابِ دارِه، كما لا ينكرون قول القائل: إنه في الدارِ لضجةِ غلمانِه ووقوفِ فَرسِه. وقال قوم: لا يصح أن يستدلَ به (٣)؛ لأن النفيَ غير شيء، وما ليس بشيء لا يَدل؛ لأن الدلالةَ زيادةٌ على كونِ الشيء شيئاً؛ لأن لنا أشياء لا تدلُ، فلا يدل إلا شيءٌ.

стр. 641

وهذا لا يصحُّ؛ لأن العدمَ وإن لم يكنْ شيئاً فإنه يدلُ، يقولُ العقلاءُ: لا روحَ في الشِّعر؛ لأنه لا حِس فيه. فإن قيلَ: فهذا ليس باستدلالٍ بالنفي، لكنه قول بالنفي لعدم الدليلِ، فكان قولُهم: لا روحَ فيه لأنه لا حِسَّ فيه، معناه: لا اثبتُ فيه روحاً إذ لا أجدُ فيه دلالة الروحِ. فهذا عدمُ الدليل لا أنه دليل. وكذلك قولُهم: لا ضَجة في دارِه فليس هو في دارِه، تقديرُه: لا أجدُ دليلَ كونِه في الدار، فلا أثْبتهُ في الدارِ، وكلُ ما جاء من هذا القبيلِ فهذا معناه، فأمَّا أن يكونَ النفي دليلًا فكلاً. قيل: بل قد يكونُ دليلَاً للنطقِ، ويرجعُ إلى أحدِ أصلين: إمَّا دليلُ الخطاب، فيكون قول القائلِ من أصحابنا أو أصحابِ الشافعي في النُّورَة: ليس تُراباً، وفي الخَل: ليسَ بماءٍ، وفي المعلوفة: ليست سائمةً، اعتماداً على قول النبي ﷺ : "جُعِلت لي الأرض مَسجداً، وجُعل تُرابها لي طهوراً" (١)، وقوله: "الماءُ طهور" (٢)، فيكونُ الحكمُ المعلقُ على الاسمِ دل على نفيه عن غيره، فيكون دليلاً فيما هذا سبيلُه من الأسماءِ والأوصافِ، فإذا علق نَفي الحكم على نفيها، كانَ ذلكَ بدليل الخطابِ. أو يكون اعتماداً على أصلٍ آخر وهو: أن الأصلَ نفيُ الأحكام من إيجابِ زكاةٍ في المال، ومن طهوريّةٍ في الجامدات والمائعاتِ سوى

стр. 642

الماءِ، فإذا عَلَّق الشرعُ حكمَ الطهوريّة على التراب، والزكاةَ على السائمةِ، وقال القائل في الجِصّ: ليس بتراب، وفي الَمعلوفةِ: ليست سائمةً؛ كان معتمداً في نفي الحكم علىَ الأصلِ، حيث انتفى المعنى الذي عُلِّقَ الحكم عليه في الشرع، وهو الترابيةُ في الطهارةِ، والسومُ في الزكاة، فهذا وجهٌ من جوهِ الدَلائلِ لا عدمَ الدليل الذي عولت عليه. ويقال: إنَّ النفيَ وإن لم يكنْ شيئاً، فإنه يجوز أن يجعل دليلاً على نفي مثلِه، فإن الشرعَ والعقلَ لا يمنع من ذلك. ألا ترى أنه قد عَلق الشرعُ جوازَ التيممِ بالتراب على عَدم الماءِ، والانتقالَ إلى الإِطعام أو الصوم عند عدم الرَقبةِ، والعدم ليس بشيء، فلأجلهِ أحدث حَكماً آخرَ وَنقل إليه. ويحسنُ أن يقالَ: من أساءَ فعاقِبه، ولا تعاقبْ من لم يُسىء. وعدمُ الِإساءةِ ليست شيئاً، ويحسن أن نُعلِّلَ بالنفي، فنقول: إنما لم يُعاقَب؛ لأنه لم يسىء، ويُقال: إنما لم أستودعْه المالَ؛ لأنه ليس بثقة. ويستدلون بالإِثباتِ على النفي، فيقالُ: إنه فاسق، فلا تقبل شهادتُه، ومحسنٌ، فلا تَحسن عُقويتُه، ومَطعومٌ، فلا يجوز التفاضل فيه. ولا يُستنكر أن يكونَ الاثبات جَلَبَ نفياً، والنفي ليس بشيء، فكما لا يُقال ذلك في الحكمِ، كذلك لا يقالُ في دلالةِ الحكمِ. وأصلُ التعاليل الشرعية أماراتٌ ودلائل، وقد يقعُ النفي أمارة ودلالةً، فيقالُ: لا عقلَ لهذا؛ لتَخَبُّطِ (١) أفعالهِ. ولا حياةَ فيه؛ لأنه لا حِس فيه

стр. 643

ولأ نَماء. وعلى هذا أبداً، فلا تَغترَّ بقولِ مُهول يقول لك: العدمُ ليس بشيء وكيف يدل ما ليس بشيء على حكمٍ أوحال. فإن هذا وأشباهَه كلام خِلو من معنى يمس ما ذكرناه. فصل وإذا كان القياس استثناء، فقد اختلفَ العلماءُ في صحته. فقال قوم: يجوز الاستدلال به. وقال قوم: لا يجوزُ، وذلك مثلُ قولِ أصحاب الشافعي في السباعِ: حَيوان ليس بكلبٍ ولا خنزير فكان طاهراً، أَصلهُ الشاةُ. فجعلَ الحيوانَ علَّةُ، واستثنى منه الكلبَ والخنزيرَ. وهذا عندي يُبنى على أصلٍ وهو: القولُ بتخصيص العلَّةِ، فمن قال بجوازِ التخصيصِ ساغ الاستثناءُ عنده في هذهِ العللِ، والكلامُ فيها فرغ على ذلك الأصلِ (١)، فنُشير ها هنا إلى ما يليقُ بالفصلِ، وهو: أن الحيوانية لو كانت علَّةُ لساغتْ في سائرِ الأحياءِ، ولا يُعرف كونُ العلَّة علةً إلا بجريانها وسلامتها، ولأنَّ من اعتمدَ على التخصيصِ أغناه ذلك عن وصف هو سلب واستنثاء. فإن قيل: لو كان السلبُ والاستثناءُ يُفيد التخصيصَ أو يعطي ما ذكرتم، لكانت العلةُ ذاتَ الوصفين مخصوصةً؛ فإذا قالَ الشافعي: مطعومُ جنسٍ، خصَ تحريمَ التفاضلِ في الجنسيةِ، ألا تراه لو قال: مطعوم، وأمسك عن الجِنس لساغ في كلُّ مطعوم بيع بمطعوم.

стр. 644

قيل: لا يلزمُ هذا؛ لأن الطعمَ علَّةُ في تحريمِ التفاضلِ أينما وُجد، لكن بشرطِ ملاقاةِ جنسِه، البر للبرِّ، والشعيرُ للشعيرِ، ولا نقول: إنه علَّةٌ في البر وليس بعلةٍ في الشعيرِ، والمستثني في العلَّة بنفي الكلب والخنزيرِ مُخرجٌ لهما من الحيوانية، فقد تخصصتْ الحيوانيةُ، وهي اَلعلةُ، فوقف على محل دون محل، فالحياةُ توجبُ طهارةَ الشاةِ ولا توجبُ طهارةَ الكلبِ والخنزيرِ، فترددَ السبعُ بينهما لأنه لا يمكنُ أن يُقاسَ عليهما جميعاً مع تضادِ الحكم فيهما. فصل في (غَير) هل تدخل على العلَّة أما من قال بالاستثناءِ في العلِل، فجوّز ذلك من غيرِ تفصيل، ومن منعه ولم يسوَغْه في العللِ، فقد اختلفَ هذا القبيلُ بحسب اختلافِ حالِ (غير)، فإنها قد تجيء بمعنى الصفةِ (١)، وتجيء بمعنى الاستثناءِ، فإذا جاءت بمعنى الصفةِ أجازها الفريقان، وإذا جاءت بمعنى الاستثناء كانت على ما ذكرنا من الخلافِ، وقد جاءت في قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، على الوجهين، فقرىءَ: ﴿غيرَ أولي الضرر﴾ بالنصب (٢)، فكانت استثناءً، وجاءت بالرفع فكانت صفةً (٣)، كأنه قال: لاَ يَستوي القاعدون من

стр. 645

المؤمنينَ السليمون، فالسلامةُ وصف له نُطقان: إن شئتَ قلتَ: سليماً، وإن شئتَ قلت: بلا ضرر به. تقولُ في الصفة: جاءني القومُ غيرُ زيد. بالرفعِ، وتقول: جاءَ القومُ غيرَ زيد، بالنصب استثناءً، فأثبتَ المجيء للقومِ ونَفيتَه عن زيد، فإذا جعلتها وصفاً: وصفتَ القومَ الجائين بانهم غيرُ زيد، تقولُ: المئةُ غيرُ الواحدِ، والواحدُ غيرُ المئةِ، فالمئةُ وصف للجماعةِ من العدد المخصوصِ، والواحدُ صفةٌ لزيدٍ، ولا نتعرضُ لزيدٍ بنفي ولا إثباتٍ. فصل في العلَّةِ إذا كانت ذاتَ وصفٍ واحدٍ وصحت كانت أولى (١) وذلك مثل قولنا في العبد: مُقوم فَضمن بقيمتهِ بالغاً ما بلغ، كالبهيمة. قاتل فلا يرث، كالبالغ وكالعامد. وارث فلا وصيةَ له. وذات الوصفين، مثل قولنا: حُر مُسلم، مَطعومُ جنس، شرابٌ مُشتدّ. وذات الثلاثة أوصاف والأربعة والخمسة، مثل قولنا: ماءُ تغير بمخالطةِ ما ليسَ بمُطهرٍ، والماء مُستَغنٍ عنه. حُرةٌ سَليمة مَوطوءة في القُبل، ولا حَصَر في هذا على مُعلل. ولا عبرةَ بقولِ من قال: إنه لا يُزاد القياس على خمسة أوصاف.

стр. 646

فإنَّ هذأ بحسب اجتماع الفَرع والأصلِ في العلَّة مهما بلغت أوصافُها. وقد قال أصحابنا وأصحابُ الشافعي في مسألةِ من كان بقُرب المصر يجبُ عليه الحضورُ إذا سمع النداء: حُر مُسلم صَحيح مُقيم في موطنٍ يبلُغهُ النداءُ من موضع تصحُّ فيه الجمعةُ، فهوكالمقيمِ في المِصْرِ. وهذا القياس يَتضمن سبعةَ أوصاف. فَوجه من جَعل الأولى من القياس ما قلَّ أوصافَه أن قال: إن ذلك مُؤذِن بقلةِ دخولِ الفسادِ، كمدينةٍ تكتفي في الحراسة بسورٍ واحد وحارسٍ واحد. ومن الناس من قال: الكثيرةُ الأوصاف أولى (١)؛ لأن ذلكَ مؤذن بكثرة شَبَه الفرع بالأصل، وخاصة على أصلِ من يقول بأنَ التسويةَ بين الأصلِ والفرعِ دافع للنقض. واعترض بعضُ أهل الجدلِ على اعتلالِ القائلِ الأول وقوله: أقل لدخول الفَساد، وقال: هذا قولُ من يظن أن الأوصافَ موضوعة للاحتراز، ولذلك شبهها بالأسوارِ والحصونِ، وليس الأمرُ على ذلك؛ لأن الأوصافَ إنما تدخل في التعليلِ بحسب تأثيرها في جَلب الحكم لا للسلامة من النقضِ، ولذلك لايعتد بوصف هو حَشوَ خِلْو من معنى، وإن كان دافعاً للنقض، وما هو إلا بمثابة الشبه في باب القِيافة، وكلما كثر الشبه تأكًد الظن في إلحاق الولد بالمُشبَّه به.

стр. 647

فصل وقد تضم إلى أوصافِ العلَّة الشرائط، كقولِ القائلِ: زَانٍ محْصَن، وقولنا: ملكَ أربعينَ من الغنم سائمة حولًا، وسرق نِصاباً من حِرز مثله لا شبهة له فيه. أُم حرة سليمة صحيحة مقيمة رشيدة، خالية عن الأزواجِ، راضية بأجرةِ المثل، فكانت أحقَ بولدِها. فإن هذه العللَ تَجمع أوصافاً وشروطاً، كالحولِ والسوم مع ذكر النصاب من الغنم، وذكر الوطنِ مع الحريةِ والإِسلام والذَكوريةِ. فعمل العلَّةِ: الجلب، وعمل الشرطِ: أنه مصحح لعملِ العلَّةِ. فصل وينفصل الشرط عن العلَّةِ بأن العلَّةَ تليق بتعليقِ الحكمِ عليها، والشرط لا يليق بتعليقِ الحكم عليه. بيان ذلك: أنه لا يحسن أن يعلق على الاحصان - وهو نوع فضل مكتَسب - إيجابُ الرجم، ولا على السوم والحولِ إيجاب الزكاة، وإنما الذي يليق: العقوبة بالجريمة، وهي: الزنا، وسرقة النصابِ. والمواساة بالمقدارِ من المالِ، وهو: الغنى، لا بالأجلِ وقلةِ المؤونةِ، وهما مرفقان بربِ المال ليتكاملَ النماء وتقل المؤونة، فتسهل المواساة. فصل واختلفَ أهل الجدل في العلّة التي تكون صورةَ المسألة (١)، مثل

стр. 648

قولنا في حجة رهنِ المشاع: إنه رهن مشاع، فصح، كما لو رهنه من الشريك، وهبةُ مشاع فصحت، كما لو كانت مما لا يَنقسم (١)، وفي الطهارة: بأنها طهار بالماءِ، فصحت بغير نية، كإزالة النجاسة (٢)، وفي بَيع اللحم بالحيوان (٣): إنه بيعُ لحمٍ بحيوان، فلم يصح، كبيع اللحمِ بالمُدَبر، وبيع اللحم بالبعير المنكسر. فقال بعضُهم: لا يصح؛ لأن ذلك يُفضي إلى أن يكون نفسُ العلَّةِ هو المعلل له. ولأنه يؤدي إلى التنافي؛ لأنه يفضي إلى كونِ المسألةِ معللة لا معللة؛ لأنك إذا قلتَ: حرمت الخمرُ لأنها خَمر. فقد علَلت وبينت أنها معلَلة، إلا أن معنى قولك: لأنها، غير معللة لعينها، وهذا يدل على أنها غير معللة. ومنهم من قال بصحتها -وهو عندي أصح- إذا دلت الدلالة على صحة العلَّة، ألا ترى أنَكَ تعلل لوجوب الحدِّ على الزاني بأنه زان، والقطعِ على السارقِ بأنه سارق، فنفس السؤالِ يجعل علةً لصلاحيتهِ علةً، فلا تَنظر إلى أعداد التسميات، كما ينظر بعض المتفقهة، فيقول: هذه المسألة، فأين العلَّة؟ طلباً لأعدادِ أركانِ العلَّة التي قد عدوها من وصفٍ وحكم وأصل، وإنما العبرةُ بما يدل الدليل على أنه علَّةُ وما يصلحُ لجلب الحكمِ، فلا فرقَ بين أن يكون عينَ المسألة أو غيرَها. وقد أشبعت الكلامَ في ذلك في الأسئلة على القياس في سؤالٍ يكثر من المتفقهة وقولهم فيه (٤): هذه المسألة، فأين العلَّة؛ أو

стр. 649

هذه العلةُ، فأين المسألة؟ بما فيه كفاية. وبينت أنه سؤال باطل. فصل واختلفوا في العلَّةِ الواقفةِ التي لا تَتعدى أصلها (١)، مثلُ قولنا في تعليل (٢) غير الماء لإِزالة النجاسة: لأنه مائعٌ لا يرفع الحدثَ. وقولِ أصحاب الشافعي -رحمة الله عليه-: إنَّ علَّةُ الربا في الذهبِ والفضةِ كونُهما ثمنينِ للأشياءِ غالباً. وقد حُكي عن أبي بكر القَفّال (٣) -من أصحابِهم- أنه عللهما بالاسم، وذلك غير صحيح، لأنه قد أجمع القائمون أنَّ لهما علةً واحدة، ومتى علل بالاسم مع كون اسماهما اثنين، فيصير خَرقاً لإِجماع القائسين حيث يكونُ تعليلهما بعلتين. وذهب جماعة من الفقهاءِ (٤) وأهلِ الجدل إلى إبطالها، كأبي الحسنِ الكرخي (٥) ومن نذكره في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله.

стр. 650

واعتل من صَححها (١): بأنها يجوزُ أن تكونَ علةً بالنص، كذلكَ جازَ أن تكونَ علةً بالاستنباطِ. قالوا: ولأنه إذا دل الدليل على صحتِها، ووجد الحكمُ بوجودِها وعُدمَ بعدمِها؛ ظهر أن الحكمَ ثبتَ لأجلها، فصارت كالمتعديةِ ولم يضر عَدمُ تعديها. واعتل من ذهبَ إلى إبطالِها: أنها لا تفيد إلا ما أفاده النصُ، وفي النصِ غنية عنها في تعليق الحكمِ عليه دونها. ولأصحاب الشافعي أن يمنعوا عدمَ الفائدةِ؛ لأن العلمَ بعلةِ الحكمِ علم زَائد على العالم بالحكمِ، والتعدي فائدة أخرى، فلا تَجحد فائدة مظفورٌ بها لفائدةٍ لم تَتحصلْ، فالنصُ أفادَ منعَ التفاضلِ والنَساءِ، والعلة كونهما ثمناً. وقد أوقفَ من خالفهم تحريمَ التفرقِ قبل القَبض في بيع الأثمان بعَضِها ببعض، وعللوا ذلكَ بكونه صرفاً، وذلك غيرُ متعدٍ. وعلَّل القائمون كلهم عدمَ نفوذِ إعتاقِ الصغير والمجنون بأنه غير مُكلَّف، وليس بمتعدٍ.

стр. 651

فصل في التعليل بأن الشيء مختلف فيه مثل قولِ القائلِ في إباحة الخيل: بأنه حيوانٌ مُختلفٌ في وجوب الزكاة فيه، فجاز كلُه، كالمعلوفةِ من الماشيةِ، أو حيوانٌ مختلفٌ في أكلِه، فطهرَ جلدُه بالدباغ، أو كان سُؤره طاهراً، أو فطهر بالذكاة، هل يصح أن يجعلَ ذلك علةً أم لا؟ فذهب قومٌ إلى المنعِ. قالوا: لأن الحكمَ، وهو: جوازُ أكلِه والمنعُ من أكلِه، مُضافٌ إلى عصرِ النبي ﷺ ، والاختلافُ حادثٌ بَعد وفاته ﷺ ، فيؤدي إلى أن يسبقَ الحكمُ علتَه. وذهب قومٌ إلى أن ذلك جائز، إذ كان لكونه مختلفاً فيه تأثيرٌ في الحكمِ المعلًقِ عليه، كقولنا على ذلك (١): إنً النبيذ مختلفٌ في إباحته، فلا يفسقُ شاربُه متأوِّلاً، وكقولنا في الشاهد واليمين: حكمٌ مختلفٌ فيه اختلافاً ظاهراً واجتهاداً بيَناً، وليس فيه مخالفةُ نص من كتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماعٍ، فاذا حَكَم به حاكم نَفَذ حكمُه ولم يُنقَض، كسائرِ المُجتَهَدِ فيه من الأحكامِ. فهذا تأثير صحيح في نُفوذِ حكمِ الحاكمَ. وقولهم: يُفضي أن يَسبق الحكمُ علته. ليس بصحيح؛ لأنً كونه مختلفاً فيه من أحكام الشرعِ، وتسويغه من أحكام الشرع، ولأن المجتهدَ لم يؤخذ عليه إَلا ما يصل إليه بعد وفاة النبي ﷺ ولا اعتبار

стр. 652

بما كان في زمانِه إذا لم يكن [له] (١) به علم، والله أعلم. فصل ويجوزُ أن يُجعلَ الوصفُ المركبُ علةً (٢)، والوصفُ المركبُ أولى من الأصلِ المركبِ، كقولنا في الحُليّ: لا تجبُ فيه الزكاةُ إذا كان للصغير، فلا تجبُ فيه الزكاةُ إذا كان لكبيبر، كالجواهر. وكقول أصحاب أبي حنيفة في بيع المدبَّر: حيوانٌ لا يجوزُ بيعه باللحم، فلا يجوز بيعُه بحال أصله الحر. فوصفُه بهذه الصفةِ قد وجد وسُلِّم، وإن اختلف الخصمان في طريقِ وجوده، لكن تقف صحة كونه علةً على الدليل، كسائر الأوصاف، وهل تجب مُساواة الكبير والصغير في الزكاة أم لا؟ فصل في تعليلِ المعلل بالشيء، وقوله: إنه مجمع عليه ، فإنه تصحُ علته إذا أثرت (٣).

стр. 653

ومثاله: ما نقولُه فيمن عَقد على ذاتِ مَحرم: يجب عليه الحد؛ لأنه وَطء حُرِّم بالإِجماع لم يصادْف مِلكاً ولا شبهةَ مِلك، والواطىء من أهلِ الحدِّ، عالمٌ بالتحريمِ، فوجبَ عليه الحد، كما لو لم يعقد. وكما يقول أصحاب أبي حنيفة في المتولد من بين الغَنم والظباء: تجب فيه الزكاة؛ لأنه منفصل من حيوانٍ تجب فيهِ الزكاة بالإجماع، فجازَ أن تجبَ فيه الزكاةُ، كالمتولِّدِ من بينِ السائمةِ والمعلوفةِ، وهذا يصح إذا أثرَ الوصف في الحكمِ؛ لأن لكونه مجمعاً عليه تأثيرٌ في وجوب الحد وإسقاطِ الحد، ولكونه مجمعاً عليه تأثيرٌ في وجوبِ الزكاةِ. فصل (١) والحكم الواحد في الشرعِ يتعلق بأسباب مختلفة، كالقتل يجب بالقتلِ العمدِ، وبالردَّة، وبالزنا مع الإِحصان. وتحريمِ الأكل دل عليه المنغ من القَتل، كنهي النبي ﷺ عن قَتلِ الضفدعِ (٢)، فدل تحريم قتلهِ على المنعِ من أكلهِ. وإباحة القَتلِ دل على تحريمِ الأكل، كالخمسِ المؤذيات نص على إباحة قَتلهِن (٣)، فكان إباحة قتلهن دالاً

стр. 654

على تحريمِ أكلهن، وكالأمرِ بقتل البَهيمة الموطوءة (١)، ووجوبُ الغُسلِ يَتعلقُ بالجنابةِ والحيضِ والنفاسِ، وقد يجبُ على الشخصِ الواحِد القتلُ بأسبابِ تجتمع فيه، كرجلٍ قَتَلَ وارتَد، فإن عُفيَ عن القصاصِ قُتل بالردَة، وإن تابَ عن الرِّدة ولم يُعف عن القصاص قُتل قَوَداً. فأمَّا الأصلُ الواحدُ إذا عُرف حكمهُ بنص أو إجماعٍ وله وصفان، هل يجوزُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ من الوصفين علةً بانفرادهِ ثبت الحكمُ فيه لأجلهِ؟ فإن تنافتْ فروعُها امتنعَ أن يكونا صحيحين، وإن لم تتناف فروعُها وقامَ الدليلُ على صحةِ كلِ واحدٍ منهما بنطقٍ أو ببينةٍ تَنطق، جازَ أن يُعلل بكِل واحدةٍ منهما، وكذلك إذا دلَّ على صحة كلُّ واحدة منهما الإِجماعُ. ومثال ذلك: أن بيعَ السمك في الماء لا يجوزُ، وهذا حكم متفق عليه، ومعلل بأنه غير مملوك للبائع، ومعلل أيضاً بأنه مجهول الصفة، ومعلل أيضاً بأنه غيرُ مقدورٍ على تسليمه، فإن حصل في شبكةِ الصياد سمك بحيث لا يمكنهُ أن يتخلصَ، فقد ملكه، فإن كان فشاهَداً مَرئياً صحَ، إمَّا في شَبَكَةٍ أو بركة صافيةِ الماءِ بحيث كُشفَ للناظرِ من وراءِ الماءِ الصافي، صَحَّ بيعُه، لحصولِ الملكِ والرؤيةِ والقُدرة على

стр. 655

تسليمهِ، وفي ذلك زوال العللِ الثلاثِ التي كانت مانعة من بيعِه. وإن زالت علتان وبقيت علةٌ من الثلاثِ، مثل أن يحصلَ ولا يمكنه الخروجُ منها لكنه التبسَ بالشبكةِ أو ركب بعضه بعضاً فصار كالصُبْرَةِ فلم يشاهَد لم يصح، لتخلفِ علَّةُ واحدة من الثلاثِ، وهي عدم رؤيةِ التَّحْتاني، مع كونِه مختلفاً لا يُقنع نظر الأعلى منه عن نظرِ الأسفلِ، بخلافِ الأطعمةِ المتساويةِ الأجزاءِ. وكذلك إن أزلتَ علَّةُ علةً وبقيت الأخرى نهضت الباقية بالمنعِ كما منع الثلاث، ومن هاهنا امتنعَ اعتبارُ العكسِ عندنا وعند المحققين من أهلِ الجدل؛ لأنَ بقاءَ علة من العللِ يَمنعُ، فلا يمكن أن تنعكسَ العلةُ مع بقاءِ خلفها، بخلافِ العللِ العقليةِ؛ فإنَ معلولَها لما لم يثبتْ إلا بها وحدَها لا جَرَمَ وجب العكس، فإذا قلتَ: كلُّ جسمٍ قامت به الحركةُ، فَهومتحرك، وكل جسمٍ لم تَقمْ به حركة، فليس بمتحركٍ. صَحَّ ولزم ذلك، إذ ليس للمعلولِ -وهو التحرك- علَّةً سوى الحركةِ، فلا يخلفها ما يَعمل عملَها. وإذا قلتَ في الشرعية: كلُّ امرأةٍ قامَ بها الإِحرام إذا اتصفت بالإِحرام كانت مُحَرمة. لا يمكنُ أن تقولَ: وكل امرأةٍ لم تتصفْ بالإِحرام فَهي مباحةٌ. لصحةِ تخلُّفِ علةٍ تعملُ عملَ الإحرام، وهي الصومُ، أو العدةُ، أو الحيضُ، فافهم ذلك، فهذا على قولِ من لم يَعتبر العكسَ في العللِ الشرعيةِ. وأمَّا على قولِ من اعتبرَ العكسَ، فإنَه لا يجيزُ، قال: لأنه لا يمكنُ الدلالةُ على حجتها بالنطقِ ولا بالبينةِ ولا بالإِجماعِ ولا بالسلبِ

стр. 656

والوجودِ ولا بشهادةِ الأصولِ، فحينئذٍ تفسدُ لعدم الدليلِ على صحتِها لا لأجلِ أنَ الحكمَ الواحد لا يتعلقُ بعلَتين. وهذا لا يلزم؛ لأنَه إذا ثبتَ لكِل واحدةٍ من العللِ التاثيرُ والجلبُ للحكمِ بدلالةِ النطقِ أو البَيّنةِ أو الإجماعِ، واجتمعتْ في محلٍ فجُلِبَ الحكم، لم يمكنْ أن تَخلوَ كلُّ واحدة من أن تكونَ مؤثِّرة، ويبينُ ذلك بحالِ انفرادِها، وأنها تَستقل بالحكمِ، وهذا كافٍ في نفي اعتبارِ العكس، وفي صحةِ ثبوت الحكمِ بعللٍ عِدةٍ. فصل فإذا صحَّ إثباتُ الحكمِ في الأصلِ بعلتين، وتعليلُه بعلتين، وكانَ أحد الوصفينِ أعمَّ من الآخرِ، ودل الدليلُ على صحةِ كلِّ واحدةٍ، كان المعلِّل بالخيارِ بين أن يستدل بالعامةِ وبين أن يستدل بالخاصةِ، كالخبرين؛ أحدهما يدلُّ على حكم بعمومِه، والأخر يدل عليه بخصوصِه، كان مخيراً في الاستدلالِ بأيِّهما شاء (١). وقال قوم: الخاصَّةُ أولى، لأنَّها تصرحُ بالحكم. ولم يسلموا أن الخبرَ العامَ يساوي الخاصَ بل الخاصُ في الحكمَ المقدم. فصل وإذا صحتا -أعني: العلتين المثبتتين للحكم- فلا فرقَ بين أن يكونَ فروعُ إحداهما أكثرَ من الأخرى أم تتساوى (٢).

стр. 657

وقال قوم من أهل الجدل: مِن شرط صحتهما أن تتساويا في الفروع؛ لأن الكثيرةَ الفروعِ هي التي يثبت بها الحكمُ، فلا يُحتاج في إثباتِه إلى ما قلَّت فروعُها. وهذا لا يصحُّ؛ لأن كثرةَ الفروع لا تدل على صحةِ العلَّةِ (١). فصل في القياسِ على أصل مختلف في حكمهِ (٢) فإن كان قد ثبتَ عند المعلّلِ بنصٍ من كتابِ أوسنةٍ، جاز القياسُ عليه؛ لأن الاعتبارَ بالدليلِ، وليس الدليلُ كلهُ الَاتفاق، بل غيرُ الاتفاقِ أدلة كثيرة، والاتفاق واحد من جملة أدلة، فإذا لم يوجد الاتفاق ووجدَ دليل آخر ثبت الحكم (٣). وإن كان القياسُ على أصل يوافقُه خصمهُ في حكمِه ويخالفهما فيه غيرهُما من أهلِ الاجتهاد، فإن كان لهما عليه دليل صحيح صحَّ القياسُ عليه، وإن لم يكن لهما عليه دليل لم يجز العملُ على هذا القياس؛ لأن حكمَ أصلهِ لم يثبتْ بدليل شرعي، لأنَ اتفاقَ الخصمين

стр. 658

ليسَ بدليل من أدلَّةِ الشرعِ، وإنَّما في الجدال إذا اتفق الخصمان كفى، لكن ليس القياسُ على هذا الوجه قياساً مدلولًا عليه، بل قياسٌ اتفقا على حكمهِ في الأصلِ. فصل في القياسِ على العام الذي دخله التخصيصُ، وعلى المخرجِ من العمومِ. مثاله: قولهُ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]،ثم خُصَّ بقوله : ﴿فَإنْ أَتَيْنَ بفاحشةٍ فَعَلَيْهِن نُصْفُ مَا عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿والسارِقُ والسارِقةُ فَاقْطَعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، خصَّ بما رُوي عن النبي ﷺ : "لا قَطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَر" (١). فيجوزُ القياسُ على الأصل الخاص المخرجِ من العموم، فيقاسُ العبيدُ في تَنصيفِ الحد على الإماءِ، وتُقاس الأموال التي ليست في الإحراز على الثمر والكَثَر.

стр. 659

فصل فأمَّا القياسُ على ما بقي تحت العموم بأن يُقاسَ على السارِق في وجوبِ قطعِ الجاحِد للوديعة أو الخائنِ والمختلسِ، ويُقاس على الزاني في وجوبِ مئة جلدةٍ اللّائِطُ ومَن أتى بَهيمةً، فهذا مُختلَف فيه. فقيل: لا يجوزُ؛ لأن لفظَ العموم لما دخله التخصيصُ ضعفَ عن الاستيعابِ عند قوم، وصار مجازاً عند قومٍ، فإذا ضعفَ لفظهُ وزالت حقيقتهُ، ضعفَ معناه. وقيل: يجوز، وهو الأصحُ عندنا وعند أصحابِ الشافعي (١)؛ لأن العلَّةَ التي تُستنبطُ منه قد صحت، والمعنى الذي فيه لا يضعفُ، والاعتبارُ بالدليل على صحةِ العلَّةِ. فصل من هذا القبيل وهو المخصوص حُكي عن الشافعي ﵁ أنه لا يُقاس على المخصوص (٢)، فحمله المحققون من أصحابه -رحمة الله عليهم-

стр. 660

على أحد أمرين: إمَّا الأحكام التي خُص بها أشخاص، كرضاع سَهْلة لسالم وكان كبيراً (١)، والرخصة لأبي بَكرة في دخوله الصف رَاكعاً (٢)، وكرخصته لأبي بُردة في الذَبح للعناق أضحية (٣). وإما الرخصُ التي اختصت معانيها بها، وذلك كالمسحِ على الخُفين لم نَقِس عليه برقعاً ولا عِمامةً ولاقُفازين، حيث جعَل ذلك

стр. 661

للمشقةِ اللاحقةِ التي لا يساويها خلعُ غيرهما فيها (١)، ومثل الرخصةِ في تَحلل المُحصَرِ عن الإحرام بالعدو الصاد عن المسجدِ الحرام وبقاعِ المناسك الواجبة بالإِحرام، فلا يقاسُ عليه الحصرُ من المرضِ؛ لأنه يُمكنه التخلصُ من العدو بالتحلُّل، ولا يتخلص من المرض، ولا يُقاس موضعُ النجاسة على البدنِ والثوب على نجاسةِ أثرِ الاستنجاء حتى يقتصر (٢) فيه على المسح (٣)؛ لأن المشقة بالتكرر هناك لا توجدُ في غيره، ولا يقاس على تكررِ أيمانِ القَسامة أيمان في حقٍ من الحقوقِ لتَغلظِ الدماءِ وتَخصصِها بالغِلظة من سائرِ الحقوق، فهو من البابِ الذي علته غير مُتعدية. وقال بعض أصحابِه (٤): وكل ما كان مستثنى للضرورة أو الرخصة

стр. 662

للمشقة من جُملة محظورٍ لا يجوز القياسُ عليه (١). فصل في الاستحسان والاستحسانُ في اللغةِ: استفعالٌ من الحُسنِ، وهو: أن يرى الشَيء حَسناً أو يعتقده حَسناً، يقول الرجلُ من أهلِ اللغةِ: استَحسنتُ صورةَ زيد، ورِكْبَةَ (٢) عمروٍ، ودارَ خالدٍ. كما يقول: استصوبتُ رأيهُ واستعقَلتهُ واستَجهلته، أي: وجدتُ رأيه صواباً، ورأيتُه عاقلاً، أو وجدته عاقلًا، ووجدته جاهلًا. ومراد الفقهاء بذلك: الرأي والاعتقاد، وهو: أن يعتقد وَيرى أن هذا الحكم في الشرع حَسَن، فإن كان ذلك الدليل شرعياً، فَهو صحيح (٣). وقد نَطَق بالاستحسانِ أبو حَنيفة (٤).

стр. 663

وقد نَص عليه صاحبُنا أحمد ابن حنبل، فقال في المُضارِب إذا خالف رب المال في الشراء: الربحُ لصاحِب المال، ولهذا أجرةُ مثله، وكنتُ أذهب إلى أن الربحَ لصاحب المال ثم استحسنتُ (١). وقال في رواية المَروذي (٢): يَجوز شراءُ أرض السوادِ ولا يَجوز بَيعها، فقيل له: كيف يُشترى. ممن لا يملك؛ فقال: القياسُ كما تقول، ولكن هو استحسان (٣). وقال الشافعي -رحمة الله عليه- في السارِق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى فقطعت، فقال: القياس أن تُقطع يمناه، والاستحسان أن لا تقطع (٤). وقال في الاستِحْلافِ بالمصحِف: حَسن (٥)، أي للتخويف والردع. وجملته: أنه تركُ القياسِ لدليلٍ أقوى منه.

стр. 664

وقال أبو الحسن الكَرخي: والاستحسان: تركُ الحكمِ إلى حكمٍ أولى منه. وقال قوم: الاستحسانُ هو: تخصيصُ العلَّةِ. وقال قوم: هو تركُ الطريقة المطردة لطريقةٍ غيرِ مطردة لأمرٍ يختصُ بذلك الحكم. وقال قوم: هو تركُ القياسِ لدليل أخفى منه. وقال بعضُهم: إذا امتد القياسُ على بعضِ الأصولِ أدى إلى التفاحشِ، وخرج عما يعرفهُ الفقهاء، فحينئذٍ نرى أن يُقطع من جملة البابِ، ويحكم له بحكم آخر. وقال القاضي أبو عبد الله الصَيْمَري الحنفي (١) ﵀: الاستحسانُ هو: العلمُ بالشيء على الوجهِ الذي لوقوعهِ عليه يكون حسناً، والاستقباح هو: العلمُ بالشيء على الوجهِ الذي لوقوعهِ عليه يكونُ قبيحاً. وقال بعضُ أصحاب أبي حَنيفة: لا يجوزُ أن يشترط فيه العلم؛ لأن القصد به غلبة الظنَ، وليس الاستحسانُ القولَ بغيرِ دليل. قالوا: وقد روي عن إياس بن مُعاوية (٢): قيسوا القضايا ما صلح

стр. 665

الناس، فإذا فسدوا فاستحسِنوا. وقال أيضاً: ما وجدتُ القضاءَ إلا ما يستحسنُه الناسُ. قالوا: وقد أمر الله سبحانهَ باتباع الأحسن، قال تعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. قالوا: فيتركُ القياسُ للكتاب في حقِّ من قال: "مالُ صدقةٍ" القياسُ يقتضيِ العمومَ فحملناهُ عَلى الأموالِ الزكاتيةِ لقولهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وللخبرِ في القهقهةِ (١)، وخيارِ الثلاثِ في البيعِ (٢)، ولسبقِ الحدثِ

стр. 666

في الصلاةِ. والإِجماعِ؛ (١) كإسلامِ الدراهمِ في الحديدِ (٢)، وأجرةِ دخولِ الحمامِ مع الجهالة. ولقولِ الصحابي، بمثلِ مسألة زيد بن أرقم لقول عائشة (٣)،

стр. 667

وتقديرِ عينِ الدابةِ ربع قيمتها لقول عمر (١)، وقتلِ الجماعةِ بالواحدِ لقول عمر (٢). والاستدلالِ بمن حَلف أن لا يصليَ لا يحنثُ حتى يأتىَ بمعظم الركعةِ، لأنَ الأقل ملغى، ومن حلفَ أنه يهودي أو نصرانيٌ، القياسُ إن لا تجب عليه الكفارةُ؛ لأنَهُ لا يحلف الله، ولكن حَنثناهُ استحساناً؛ لأنه هتكَ حرمةَ الدينِ، فصار كالحالفِ بالله في هتكِ الحرمةِ. وجملةُ ذلك أنه ينقسمُ ثلاثةَ أقسام: أحدُها: تركُ القياس لدليل أقوى منه، فهذا نقول به، وهو صحيحٌ. والثاني: تركُ القياسِ لغيرِ دليل، فهذا لا يجوزُ لأحد أن يذهبَ إليه؛ لأنه مجردُ هوى النفسِ واستحسانها. والثالثُ: ترك القياس للعُرفِ والعادةِ، فهاهنا يتصورُ الخلافُ. ومن وجهٍ آخر، وهو أن ما يرونه أقوى من القياسِ، يتكلم عليه وأنه ليس بأقوى. فأمَّا الأولُ: هو أن القياسَ حجةٌ شرعيةٌ، ودليل يجبُ المصيرُ إليه، فلا يجوز تركُه للعرفِ الطارىء كالكتابِ والسنَةِ والِإجماعِ.

стр. 668

وأما الكلامُ في الثاني؛ هو: أن تلفيق شهودِ الزنا والسرقةِ ليس بأمرٍ قوي لإِقامةِ حد الزنا والقطعِ في السرقةِ، وقد نوافقهم في موضعِ الاستحسانِ، ونخالفهُم أنه عُدِلَ بهِ عن القياسِ، بل القياسُ هو موضعُ الاستحسانِ، كقولهم: القياسُ أن لا يُباعَ على المفلِس ماله، لأنه مكلف، وإنما استحسنا في بيعِ دراهمَ بدنانيرَ، لأنهما كالجنسِ الواحدِ. فنقول: بل القياسُ من امتنعَ من أداءِ حقٍّ أخذَ به جبراً، إذا أمكن الاستيفاءُ منه. وقد نُعارض مثل قولِهم بالاستحسانِ، بأن نقولَ: إن كان القياسُ اقتضى أن لا يجبرَ مكلف على بيعِ مالِه، فالقياس أن [لا] (١) يضيعَ على مسلم حق. ثم إنهم تركوا الاستحسانَ في مواضعَ، وأخذوا بالقياسِ فيها. قالوا: لو أسلمَ رجل إلى رجل آخرَ في ثوبٍ ثم اختلفا، فقالَ صاحبُ السلم: هو هَروي، وقال المُسلِم: هو مَروي، تحالفا، فحلفَ من عليه السَلَمُ: ما هو هروي وتَبرَّأ. وحلفَ صاحبُ السلم: ما هو مروي، ورد عليهِ رأس المال، فإنْ أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بينةً فالبينةُ بينة الطالِب، وإن اتفقا على الجِنس على أنه مروي واختلفا في المقدارِ، فقال الطالبُ: هو ستةُ أذرع في ثلاثة أشبار، وقال المسلم إليه: هو خمسةُ أذرع في ثلالةِ أشبار، تحالفا وترادا في القياس. وأما في الاستحسان فينبغي أن يكون القولُ قولَ المطلوب مع يمينه، فأخذ بالقياسِ وترك الاستحسان.

стр. 669

فصل والاستحسانُ أعم من تخصيصِ العلَّةِ؛ لأن تخصيصَ العلَّةِ كتخصيصِ العمومِ، يتركُ القياسُ في موضعٍ واحدٍ من الجنس والباقي على القياسِ. والاستحسانُ قد يكونُ ترك القياسِ رأساً، كالنسخ، وقد يكونُ مثلَ تخصيصِ العلَّةِ وتخصيصِ الخبر. فصل والمخصوصُ من القياسِ بدليلٍ صحيحٍ، كخبر، أو إجماع، أو غيرِهما من الأدلةِ، يصير أصلَاً من أصولِ الشرع (١)، فإن دلت الدلالةُ على تعليلهِ جاز القياس عليه. وهذا كما يقول: إنَ ديةَ الخطأ تجب على الجاني، قياساً ومعقولاً، كقتل العمد، وأبدال سائرِ المتلفاتِ، أوجبناها على العاقلةِ للسنةِ، ولقول عمر وعلي ﵄، ثم وجدناه معللاً، وهو أنَه أرش جنايةٍ على حُرٍّ خطأً، فتحملهُ العاقلةُ مواساةً، يقاسُ على ذلك ما دون النفسِ على اختلافِ الفقهاءِ في القدرِ. فأصحابُ أبي حنيفة يقيسون عليه المقدَّر، وهو الموضِحةُ (٢)، وأصحابُنا ما دون الثلثِ، وأصحابُ الشافعي الجميع حتى مالا مقدر فيه، مما دون الإِيضاح.

стр. 670

وأصحاب أبي حنيفة يسمون مثلَ هذا: القياسَ على موضع الاستحسانِ، واختلفوا في جوازِه، فأجازه بعضُهم، ومنع منه بعضهم (١). وقال أبو الحسن الكَرخي: لا يجوز القياس على المخصوصِ من جملةِ القياسِ إلا في ثلاثةِ مواضعَ: أحدُها: أن يكون علَّةُ منصوصاً عليها، كقولهِ ﷺ في سؤر الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢). وهذه علَّةُ صاحب الشرع، يعني أنه لا يمكنُ الاحترازُ منها، فقِسنا على ذلك كلُّ ماَ لا يمكَنُ الاحتراز منه من الحشرات. أو يكون مجمعاً على تعليلهِ وإن اختلف في علَّتِه. أو يكون موافقاً لبعضِ الأصولِ، أو يكون مما لم يفصلْ أحدٌ بينه وبين المخصوصِ، كالأكلِ والجماعِ في رمضانَ ناسياً، ظناً منه أنه لم يفصلْ أحمدُ وغيرهُ بينهما.
следующие страницы →