← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

في الصلاةِ. والإِجماعِ؛ (١) كإسلامِ الدراهمِ في الحديدِ (٢)، وأجرةِ دخولِ الحمامِ مع الجهالة. ولقولِ الصحابي، بمثلِ مسألة زيد بن أرقم لقول عائشة (٣)،

стр. 667

وتقديرِ عينِ الدابةِ ربع قيمتها لقول عمر (١)، وقتلِ الجماعةِ بالواحدِ لقول عمر (٢). والاستدلالِ بمن حَلف أن لا يصليَ لا يحنثُ حتى يأتىَ بمعظم الركعةِ، لأنَ الأقل ملغى، ومن حلفَ أنه يهودي أو نصرانيٌ، القياسُ إن لا تجب عليه الكفارةُ؛ لأنَهُ لا يحلف الله، ولكن حَنثناهُ استحساناً؛ لأنه هتكَ حرمةَ الدينِ، فصار كالحالفِ بالله في هتكِ الحرمةِ. وجملةُ ذلك أنه ينقسمُ ثلاثةَ أقسام: أحدُها: تركُ القياس لدليل أقوى منه، فهذا نقول به، وهو صحيحٌ. والثاني: تركُ القياسِ لغيرِ دليل، فهذا لا يجوزُ لأحد أن يذهبَ إليه؛ لأنه مجردُ هوى النفسِ واستحسانها. والثالثُ: ترك القياس للعُرفِ والعادةِ، فهاهنا يتصورُ الخلافُ. ومن وجهٍ آخر، وهو أن ما يرونه أقوى من القياسِ، يتكلم عليه وأنه ليس بأقوى. فأمَّا الأولُ: هو أن القياسَ حجةٌ شرعيةٌ، ودليل يجبُ المصيرُ إليه، فلا يجوز تركُه للعرفِ الطارىء كالكتابِ والسنَةِ والِإجماعِ.

стр. 668

وأما الكلامُ في الثاني؛ هو: أن تلفيق شهودِ الزنا والسرقةِ ليس بأمرٍ قوي لإِقامةِ حد الزنا والقطعِ في السرقةِ، وقد نوافقهم في موضعِ الاستحسانِ، ونخالفهُم أنه عُدِلَ بهِ عن القياسِ، بل القياسُ هو موضعُ الاستحسانِ، كقولهم: القياسُ أن لا يُباعَ على المفلِس ماله، لأنه مكلف، وإنما استحسنا في بيعِ دراهمَ بدنانيرَ، لأنهما كالجنسِ الواحدِ. فنقول: بل القياسُ من امتنعَ من أداءِ حقٍّ أخذَ به جبراً، إذا أمكن الاستيفاءُ منه. وقد نُعارض مثل قولِهم بالاستحسانِ، بأن نقولَ: إن كان القياسُ اقتضى أن لا يجبرَ مكلف على بيعِ مالِه، فالقياس أن [لا] (١) يضيعَ على مسلم حق. ثم إنهم تركوا الاستحسانَ في مواضعَ، وأخذوا بالقياسِ فيها. قالوا: لو أسلمَ رجل إلى رجل آخرَ في ثوبٍ ثم اختلفا، فقالَ صاحبُ السلم: هو هَروي، وقال المُسلِم: هو مَروي، تحالفا، فحلفَ من عليه السَلَمُ: ما هو هروي وتَبرَّأ. وحلفَ صاحبُ السلم: ما هو مروي، ورد عليهِ رأس المال، فإنْ أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بينةً فالبينةُ بينة الطالِب، وإن اتفقا على الجِنس على أنه مروي واختلفا في المقدارِ، فقال الطالبُ: هو ستةُ أذرع في ثلاثة أشبار، وقال المسلم إليه: هو خمسةُ أذرع في ثلالةِ أشبار، تحالفا وترادا في القياس. وأما في الاستحسان فينبغي أن يكون القولُ قولَ المطلوب مع يمينه، فأخذ بالقياسِ وترك الاستحسان.

стр. 669

فصل والاستحسانُ أعم من تخصيصِ العلَّةِ؛ لأن تخصيصَ العلَّةِ كتخصيصِ العمومِ، يتركُ القياسُ في موضعٍ واحدٍ من الجنس والباقي على القياسِ. والاستحسانُ قد يكونُ ترك القياسِ رأساً، كالنسخ، وقد يكونُ مثلَ تخصيصِ العلَّةِ وتخصيصِ الخبر. فصل والمخصوصُ من القياسِ بدليلٍ صحيحٍ، كخبر، أو إجماع، أو غيرِهما من الأدلةِ، يصير أصلَاً من أصولِ الشرع (١)، فإن دلت الدلالةُ على تعليلهِ جاز القياس عليه. وهذا كما يقول: إنَ ديةَ الخطأ تجب على الجاني، قياساً ومعقولاً، كقتل العمد، وأبدال سائرِ المتلفاتِ، أوجبناها على العاقلةِ للسنةِ، ولقول عمر وعلي ﵄، ثم وجدناه معللاً، وهو أنَه أرش جنايةٍ على حُرٍّ خطأً، فتحملهُ العاقلةُ مواساةً، يقاسُ على ذلك ما دون النفسِ على اختلافِ الفقهاءِ في القدرِ. فأصحابُ أبي حنيفة يقيسون عليه المقدَّر، وهو الموضِحةُ (٢)، وأصحابُنا ما دون الثلثِ، وأصحابُ الشافعي الجميع حتى مالا مقدر فيه، مما دون الإِيضاح.

стр. 670

وأصحاب أبي حنيفة يسمون مثلَ هذا: القياسَ على موضع الاستحسانِ، واختلفوا في جوازِه، فأجازه بعضُهم، ومنع منه بعضهم (١). وقال أبو الحسن الكَرخي: لا يجوز القياس على المخصوصِ من جملةِ القياسِ إلا في ثلاثةِ مواضعَ: أحدُها: أن يكون علَّةُ منصوصاً عليها، كقولهِ ﷺ في سؤر الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢). وهذه علَّةُ صاحب الشرع، يعني أنه لا يمكنُ الاحترازُ منها، فقِسنا على ذلك كلُّ ماَ لا يمكَنُ الاحتراز منه من الحشرات. أو يكون مجمعاً على تعليلهِ وإن اختلف في علَّتِه. أو يكون موافقاً لبعضِ الأصولِ، أو يكون مما لم يفصلْ أحدٌ بينه وبين المخصوصِ، كالأكلِ والجماعِ في رمضانَ ناسياً، ظناً منه أنه لم يفصلْ أحمدُ وغيرهُ بينهما.

стр. 671

وعن محمدِ بن شُجاعِ الثلجي (١): أنه لا يجوزُ القياسُ عليه إلا إذا كان طريقهُ مقطوعاً به. وكلُّ ذلك غيرُ صحيح عندنا؛ لأنَّهُ إذا دلًت الدلالةُ على تعليلهِ، جاز القياسُ عليه كسائرِ الأصولِ، فأمَّا مخالفتُه لسائرِ الأصولِ الأخَرِ فتوجبُ الرجوعَ إلى الترجيحِ، فيعارض الأصلان، على أنهم قد قاسوا أرشَ الموضحةِ فما زاد على ديةِ الجنينِ، وهو عارٍ وخالٍ عما ذهبوا إليه. فصل فعلى هذا إذا قاسَ الشافعيٌ على موضعِ الاستحسانِ فقال الحنفيُ: لا أُسَلِّم لك الحكمَ في الأصلِ على حكم القياسِ، مثلَ أن تقيسَ ما دونَ الموضِحةِ على الموضِحةِ، فيقولُ الحنفيُ: لا أسَلمُ أنَ الموضِحَة على أصلِ القياس، فهذا فاسدٌ؛ لأن القياسَ ليس مذهبه الآن، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يمنعَ على مالا يقولُ به، وإنما وزانه أن يقولَ: لا أسَلِّمُ على مقتضى العقلِ، وهو فاسدٌ، فكذلك هذا. وقيلَ: ينظر في ذلك، فإن كان صاحبُ المذهب روي عنه روايتان رواية قياساً وروايةٌ استحساناً، فالمنع صحيح. فإن قال: فيه قياس واستحسان وبه أقول، فلا يجوز له الممانعة على القياس، وإن قال: فيه قياس واستحسان، وسكت، فإن اختارَ أصحابُه القياسَ صحت الممانعةُ، وإن اختاروا الاستحسانَ لا يصح، والله أعلم.

стр. 672

فصل في المركب (١) واعلم أن القياسَ على الأصلِ المركبِ على ضربين: أحدُهما: أن يَبني دليلًا على دليل ويقيس مختلفاً على مختلفٍ ثم يدلّ عليه، وهذا حَسَن يستعمل في كلّ علمٍ، وأكثرُ ما يستعملُه أهلُ الأصولَ. مثالُه من الفقهيات: أن يُسألَ عن بيعِ الأرز بالأرز متفاضلًا فيقول: لا يجوزُ. فيطالَبُ بالدليلِ، فيقول: لأنه مطعوم جنس، أو لأنه مكيلُ جنس، فحرم التفاضل فيه كالبُرّ. فيقولُ السائلُ: هذا قياس، وأنا لا أسلمُ لك أن القياسُ حجة. فيستدلُ على صحةِ القياسِ بالإِجماعِ، فيقولُ: لا أسلمُ لكَ أن الإِجماعَ حجة. فيستدلُّ عليهِ بالكتابِ، وهي آية الِإجماع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، فهذا تركيب على أصل لم يُسلمْه خصمه، لكنه أصل يختصُ به المستدِلُّ، ثم يقيمُ الدلالةَ عليه. وقد استدلَّ الشافعيُ -رحمة الله عليه- بمثلِ هذا في مواضعَ: منها: أنه قال: ولو كان الصوفُ والشعرُ والريشُ لا يموتُ بموتِ ذاتِ الروحِ، أو كان يطهرُ بالدباغ، لكان ذلك في قرنِ الميتةِ وسِنّها،

стр. 673

وجازَ في عظمِها؛ لأنهُ قبلَ الدباغ وبعدَه سواء. فقاسَ الصوفَ والشعرَ على العظمِ، ومعلومٌ أنه لا يسلَم له أصحابُ أبي حنيفة الأصلَ، بل يقولُ أبو حنيفةَ: إنً العظَم لا ينجس بالموتِ. ولا شكَّ أن الشافعيَ ﵁ لم ينظرْ إلى منعِ أبي حنيفة، بل عوَّل على الدلالةِ القائمةِ في كونِ العظمِ يحيا ويموتُ بقوله سبحانه: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وقال في البكرِ البالغةِ: يجوزُ للأبِ إجبارُها، ولو كانت إذا بلغت أحقِّ بنفسِها أشبه أن لا يجوزَ ذلك عليها قبل بلوغها، كما قلنا في المولودِ يقتلُ أبوهُ: يحبسُ قاتلُه، حتى يبلغَ [فيقتصَّ] (١) أو يعفوَ. ونريدُ به: لو لم يجزْ للأبِ إجبارُها بالغةً لم يجزْ تفويتُه عليها قبل بلوغها، كالقودِ للصغيرِ فيما يقعُ فيه، وهو يعلمُ أنَّ أبا حنيفة يقولُ: بأن الوليَّ يستوفي القصاصَ للصغيرِ، لكنه عوّلَ على أنه يدل عليه بأن القصاصَ للتَشَفي وذلك يفوّتُ على الوارِث، ولأنه حق الصغيرِ فلا يفوتُ عليه، كالمالِ، وهذا يدلُّ من كلامِه أيضاً، على أنَّ عنده يجوزُ القياسُ على فرعٍ لأصلٍ آخر. فصل والضربُ الثاني (٢): الذي يستعملهُ المتفقهة يريدون به هذا الذي ذكرناه، إلا أنَّه بَعُدَ البناءُ عليه لبُعْدِ ما بين المسألتين، كما يقولُ أصحابُنا وأصحابُ الشافعي: في أنَّ بيعَ اللحمِ بالحيوانِ لا يجوزُ؛

стр. 674

لأنه بيع لحمٍ بحيوانٍ ولا يجوز، أصله بيع اللحمِ بالمدَبر (١)، أو بيع عين غائبةٍ، فلا يصحُّ، أصله المدَبرُ. وأنثى، فلا يصح منها عقد النكاحِ، كبنتِ خمسَ عشرةَ سنة، وكقولِ أصحاب أبي حنيفة: رهن مشاع، فلا يصح، أصلة نصف الكلب، ومعلومٌ أنَ المدبَر الغائبَ لا يصحُّ بيعة عند الشافعي للجهلِ بصفتِه، وعند أبي حنيفة لكونِه مدبراً مطلقَ التدبير، لا للجهل بصفته، ونصف الكلبِ لا يجوز رهنهُ عند الشافعي، لنجاسةِ عينهِ، وعند أبي حنيفة لإشاعتهِ، فهذا وأمثاله قد اختلفَ أهلَ الجدلِ في صحتِه؛ فقال قوم: إنه فاسدٌ. والدليل عليه: هو أن الطريقَ إلى العلم بحكم الأصلِ لا يختلف، كتحريم التفاضلِ في البر، وإنما يختلف الطريق إلى العلم بالعلةِ، وفي المركَبِ تختلف الطريق إلى العلمِ بالحكمِ، لا طريق العلمِ بعلتِه. ولأنَّ الأصلَ إذا اختلفَ القائسون في علتِه، كالأشياءِ الأربعةِ: البر والشعير والتمر والملحِ، قال أبو حنيفةَ: العلةُ فيها الكيلُ المعتاد. وقال الشافعي: العلَّة هو الطعْم. وقال مالك: القوت (٢). فيثبت الشافعى الربا في الفواكهِ غيرِ المكيلةِ والموزونةِ ولا يثبته في الجصِّ والنُورَةِ، وأبو حنيفةَ يثبته في الجصِّ والنورةِ دونَ الفواكِه. فلو تركَ أحدهما قولَه

стр. 675

لقيام دليلٍ، بأن يقول: دلالةُ الطعْم ليس بعلةٍ لزالَ الخلافُ عن الرمانَ والبقولِ، وكذلكَ لو دلتْ دلالة على أنَّ الكيلَ ليس بعلةٍ لزال الخِلاف عن الجصِّ والنورة، بحيثُ لا يكونُ فيه الربا إجماعاً، هذا هو القياسُ الصحيحُ. وفي مسألةِ التركيب: لو دل الدليلُ على فسادِ أحدِ القولين لم يزل الخلافُ؛ ألا ترى أنَ الخلافَ في ابنةِ عشرينَ سنة، هل يجوزُ أن تزوِّج نفسَها أم لا؟ والأصلُ ابنةُ خمسةَ عشرَ سنةً. فيقولُ الخصمُ: لو دل الدليلُ على أنَ ابنةَ خمسةَ عشرَ سنةً بالغ، لجوزتُ لها أن تُزوِّجَ نفسها، وإذا تركتُ قولي في بلوغِها، لم يزل الخلافُ في ابنةِ عشرينَ سنة، وكذلكَ لو قامَ الدليلُ على أنَ خمسةَ عشرَ ليس ببلوغ لم يزل الخلافُ. ومن قالَ بصحتها استدلَّ بأنَّ الحكمَ في الأصل المركبِ متفقٌ عليه، وإنَما اختلفوا في علتِه، ألا ترى أنهم اتفقوا على أن ابنةَ خمسةَ عشرَ سنة لا يصح منها النكاحُ، وإنما قالَ الشافعي: لكونها أنثى. وقال أبو حنيفة: لكونها غيرَ بالغٍ. وذلكَ لا يمنعُ صحةَ القياسِ عليه، كاختلافِهم في علَّةُ الأصل في غير المركب. قلنا: غير المركب اتفقوا على أن طريقَ العلمِ بحكمهِ واحدة، وعلى تعليله، فإن علته واحدة، ثم اختلفوا في عينِها، على حسبِ الدلالةِ عند كلِ واحدٍ، ولو دلتْ عنده دلالة على أن التي ادَّعاها فاسدة لرجعَ إلى قولِ صاحبه، وهذا لا نجدُه في المركب؛ لأنه لم تُستنبطْ منه علتهُ، ولو دل على فساد أحدِهما لخرج أن يكونَ أصلًا بحال. وغير المركب لو اتفقوا على فساد أحدهما كان أصلًا على حاله، ويقوى

стр. 676

بالاتفاق. فصل وأما القياسُ على الأصلِ المخالفِ للأصولِ، وهو على موضعِ الاستحسان، وصورتُه كما نَقولُ: إذا قالَ المشتري للبائع: بعني. فقالَ: بعتُكَ. انعقدَ البيعُ قياساً على ما يقولُ المتزوجُ للوليّ: زَوجني بنتَك فلانة. فيقولُ: قد زوجتكَها. وكما نَقيسُ جماعَ الناسي في الحجّ -على أحدِ القولينِ- على الجماع في الصوم، فعند جماعةٍ من أصحاب الشافعيّ وغيرِهم يجوزُ الَقياس علىَ هذا الأصلِ. وعند أصحاب أبي حنيفةَ لا يجوزُ القياس على الأصل المخصوصِ من جملة القَياسِ؛ لأن الجماعَ (١) يبطلُ العباداتِ كلَّها، عامداً وناسياً، كالصلاةِ والوضوء والاعتكاف، هذا هو القياسُ، إلا أنَّا قلنا: جماع الناسي لا يبطلُ الصومَ استحساناً؛ لخبرِ الأكل (٢)؛ لأنَّ أحداً لم يفصل بين الأكلِ والجماعِ في الصوم قياساً، وليس كما ظنوا. فإن مذهبنا أن وطءَ الناسي (٣) يُبطلُ بخلافِ أَكلِ الناسي، فأمَّا الجماعُ في الحجِّ

стр. 677

فإنَا نقيسهُ على سائرِ الأصولِ، ولا نقيسهُ على الصومِ. وجملتُه: أن عندهم لا يجوزُ القياسُ على موضعِ الاستحسانِ إلا إذا نص على علّةٍ؛ لأنَ النصَ على العلَّةِ، كالنصّ على وجوب القياسِ. أو أجمعت الأمَّةُ على تعليلِ موضعِ الاستحسانِ وان اختلفوَا في علتِه أو يكونَ مما لم يفصلْ أحدٌ بينه وبين المخصوصِ فيكونُ حكمُه حكمَ ما خُص من جملةِ القياس (١). فصل (٢) وأما القياسُ على الخبرِ المخصّصِ للعموم، فقد أجازه أبو الحسن الكرخي، وعند محمدِ بن شجاع: إن كان الخَبرُ مقطوعاً به جاز القياسُ عليه، وإن لم يكنْ مقطوعاً به لم يجزْ القياسُ عليه إذا خالف الأصولَ. وهذا لا يصح؛ لأنَّه قد وردَ التعبدُ بوجوب القياسِ، ومخالفته لقياسٍ آخرَ، لا يمنعُ من القياس عليه إذا دلتَ الدلالةُ على صحةِ علّتهِ، والمنصوصُ على علته أوَ المجمعُ على تعليله أولى؛ ولأنَّ الاعتبارَ بالدليلِ الدال على صحةِ العلَّةِ سواء كان نصاً أو غيرَه، كسائرِ الأقيسةِ.

стр. 678

فصل يجمع مسائل في الشرع طريقها القياس منها: أنَّ اللهَ سبحانَه قالَ: ﴿ومَن قتلَ مؤمناً خطأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ ودية مُسلمة إلى أهلِه﴾ [النساء: ٩٢]، فنصّ على الذكرِ؛ لأنَ لفظَ (مؤمنٌ) لا يقع إلا على الذكرِ، وهو نكرة أيضاً، فلا يعمُ الذكَرَ والأنثى، ووجب في قتلِ المؤمنةِ تحرير رقبةٍ قياساً على المؤمنِ. ومنها قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣، المائدة: ٦] ولم يذكر الحائضَ والنُفَسَاءَ إذا انقطعَ دَمُهما ولم يجدا الماءَ، فأمر بالتيمم عند عدمِ الماء، وكانَ ذلك قياساً على المنطوق به من الأشخاصِ المحدثينَ الذين انتظمتهم الآيةُ. ومنها: قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فخص المؤمناتِ بالذكرِ، وقيسَ عليهن الذمياتُ أيضاً، فإنهنَ إذا طُلقنَ قبلَ الدخولِ لم يكن عليهنَ عدة، وقضيَ بالقياسِ، ولم يُعولْ على دليلِ الخطابِ في هذا البابِ تقديماً للقياس عليه. ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ

стр. 679

الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فكان المعقولُ منعه سبحانه من البيعِ لئلا يشتغلَ بهِ عن الصلاةِ، فقيسَ عليه الإجارةُ والنكاحُ وسائرُ الأعمالِ من البناءِ والنَجارةِ. ومنها: قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ولم يذكرْ الذينَ يرمون المحصَنينَ من الرجال، ومعلومٌ أنَ إيجابَ الحد على الذكورِ، كان قياساً على مكانِ النطقِ؛ لأنَه قذفَ شخصاً محصناً، وهتكَ عِرضاً سليماً، فنَظَرَ القائسون إلى المعنى، ولم يَقصروا الحكمَ على النطقِ وهذا هو عينُ القياس. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فخصّ الحجبَ بالِإخوةِ ذكراً، فعداه القائسون إلى الأخواتِ بالمعنى، فجعلوا الأخواتِ كالإِخوةِ في حجب الأم من الثُّلث إلى السدسِ، بعلة أنهم أولادُ أبٍ وأولادُ أمٍ. ومنها: قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الأية، ولم يذكرْ الجداتِ أمهاتِ الأباءِ والأمهاتِ، ولا بناتِ البناتِ ولا بناتِ البنين، ولا خالاتِ الأبوين وعماتِهما. فإن اعترضَ أهلُ الظاهرِ فقالوا: إنما ثبتَ ذلك بالاسمِ؛ لأنَّ أمهاتِ الأمهاتِ أمهاتٌ، وبناتِ البنين والبناتِ بناتٌ. قيل: هذا لا يصح؛ لأنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قالَ للجدة: لا أجدُ لكِ في كتاب الله شيئاً (١). وهو سيدُ اللغةِ، ولو كانت

стр. 680

أمّاً في اللغةِ، لكانت موجودة في ذكرِ الأمهاتِ على زعمِكم، ومحال أن يعدمَ هو الاسم ونجدُه من بعده، ولا يقالُ في لغةِ العرب لعماتِ الجدِّ عمات حقيقة، ولا لبنت بنتِ الأخ بنتُ أخ حقيقة. فصل يجمع الأقيسةَ على السنةِ من ذلك ما روي عن النبي ﷺ : "من باعَ عبداً ولهُ مالٌ فمالُه للبائع إلا أن يشترطَ المبتاعُ" (١)، وحكمُ الجاريةِ إذا بيعتْ ولها مال حكمُ العبدِ إجماعاً إذا (٢ بيع وله مال ٢) قياساً على العبدِ، فالإجماعُ على الحكم، والقياسُ على العبدِ قول القائس. ومن ذلك: ما رويَ عن النبي ﷺ : "رُفعَ القلمُ عن ثلاثة: عن الصبى حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتى يفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقظَ" (٣). وروي: "ينتبه" فخصَّ هؤلاء بالذكرِ، وحكمُ الِإناثِ من

стр. 681

هؤلاءِ حكمُ الذكورِ، وما ورد الحكم الذي هو العفو إلا في الذكور. ومن ذلكَ: ما روي عن النبي فى ﷺ أنه قال: "مَن أعتقَ شِركاً لهُ في عبدٍ،- ويروى: مملوكٍ - قومَ عليه قيمةُ عدل، وإلا عَتَق منهُ ما عَتَقَ، ورق ما رق (١) "فكان حكمُ الإِماءِ حكمَ العبيد قياساً عند القائسين. ومن ذلكَ: ما روى ابنُ عباس عن ميمونةَ أن فأرةً وقعتُ في سمنٍ فأُخبرَ النبى ﷺ فقال: "ألقُوها وما حَولَها وكُلوا" (٢). فقيسَ على الفأرةِ ابنُ عِرس (٣) والعصفورُ وكل ميتٍ له دم سائلْ عند قومِ، وما لا دمَ له أيضاً عند قوم، وقيسَ على السمنِ الدبسُ الجامدُ وَالزبدُ واللبنُ وسائرُ الجامدات. فصل فيما حكمَ النيى ﷺ لأشخاصٍ، حُمِلَ عليهم غيرُهم في تلك الأحكام وذلك قياس عند قومٍ وليست أقيسةً عند قوم. وعلى الأول أكثرُ العلماءِ من القائسين.

стр. 682

منها: حديثُ الأعرابي الذي ساله عن المواقعةِ لامرأتِه في نهارِ رمضان، فقال له ﷺ : "أعتِقْ رَقَبة" (١) حُمل ذلكَ على كلِّ مجامع في نهارِ رمضان، وصار كأنه قال: لأنَكَ جامعتَ في نهارِ رمضان. ومنها: قولُه ﷺ لفاطمةَ بنتِ قَيس لما طلقها رِفاعة ثلاثاً، فتزوجتْ عبدَ الرحمن ابن الزبير، وذكرتْ أن معهُ كهُدبةِ الثوب، فقال: "لعلك تريدي أن تراجعيْ رفاعةَ" أو كما قال، ثم قالَ لها: "لا حتى تذوقي عُسيلتَه ويذوقَ عُسَيلتك" (٢)، حُمل على كلِّ امرأةٍ طلقَها زوجُها ثلاثاً، فزوجت بغيره، لا تباحُ للأول بمجرد العقد حتى توجدَ الإصابةُ. ومنها: قولُه لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: "إنما هو دمُ عرقٍ، فتوضئي لكلِّ صلاة" (٣)، فكان محمولاً على كلُّ مستحاضةٍ.

стр. 683

ومنها: قوله لهندٍ زوجةِ أبي سُفيان لما شكتْ إليه شُحَّ أبي سفيان: "خُذي ما يكفيكِ ووَلَدك بالمعروفِ (١) "، فحملَه قومٌ على كلُّ مستحقٍّ لدينٍ، زوجةً كانت أو غيرَ زوجةٍ، وحملَه قومٌ على كلِ زوجةٍ دونَ أربابِ الديونِ. واستدل من قالَ: ليسَ هذا من باب القياسِ، إنما عُلِمَ التعدي بالنصِّ، وهو قولُه ﷺ : "قَولي للواحدِ قوَلي للجماعةِ" (٢) "قولي لامرأةٍ واحدةٍ قولي لمائةِ امرأةٍ" (٣). فلما كان حكمُه ﷺ للواحد وعليه، حكمه

стр. 684

للجماعة وعليهم، كان غيرُ هؤلاء الأشخاصِ داخلينَ بحكمِ هذا النطقِ دونَ القياسِ، وذلك لأنَه مبعوث إلى الكافة. فيقالُ: هذا حثٌ منهُ ﷺ على القياسِ؛ لأنَ بيانَه للواحِد لا يعمُّ الجماعةَ من جهةِ اللفظِ، والحكمُ للشخص الواحِد والخطابُ خاصٌ له، فكان يجوزُ أن يختصَ ذلك الواحد، كأبي بُردةَ في الجذعةِ من المعزِ (١)، وكسالم في الرضاعِ بعد علو السن وخُروجه عن حَدِّ الرضاع (١)، وكأبي بكرةَ في (١) في دخولِه الصف راكعاً وإنما عم من حيث المعنى، فقولُه: "قولي للواحد قولي للجماعةِ"، "حكمي في الواحدِ حكمي في الجماعةِ" دالٌ على القياسِ؛ لأنه ﷺ أمرَ بإجراءِ المعنى على عمومِه وهذا هو عينَ القياسِ. فصل إذا نصَّ صاحب الشرعِ على حكمِ شيء، وقال: قيسوا عليه ما هو مثلُه ونظيرُه، فإنَا نبحثُ عن علته، ثم نقيس عليه لنعطيَ اللفظةَ

стр. 685

حقَّها، وهو قولُه: ما هو مثلُه. وهذا إجماع، وإنما يقعُ الاجتهادُ منا في معرفةِ العلَّةِ ومعرفةِ النظيرِ. ولو لم يأمرْنا بالقياسِ عليه لكن نص على علتِه بأن يقولَ: حرمتُ هذا لكذا، فإنه يجوزُ القياسُ عليه، واجتهادُنا يقعُ في طلب النظيرِ ووجودِ العلَّةِ فيه، دونَ معرفةِ العلَّةِ. وكذلك لو أجمع العلماءُ على علته، كان حكمُه حكمَ ما نصَّ عليهِ صاحبُ الشرع، وكذلكَ لو أجمعَ العلماءُ على تعليلهِ ولم يثبتوا علته، فإنَه يجوزُ القياسُ عليه، وكذلك إن دلتْ الدلالةُ على تعليله، جازَ القياسُ عليه. وقال بشر المريسي (١): لا يجوزُ القياسُ على أصلٍ ما لم يكنْ منصوصاً على علتِه أومجمعاً على علتِه. وقال قومٌ: لا يجوزُ القياسُ على أصل لم يرد النصُّ بالقياسِ عليه. وهذا غيرُ صحيح؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ورضوانُ اللهِ عليهم قاسوا على أصولٍ لم يرد النصُّ بالقياسِ عليها بعينِها، ولا وردَ النصُّ على عللِها ولا تعليلها، ولو كان ثم نص لبانَ لنا وظهر، كما ظهرَ حكمُ الأصل.

стр. 686

ولأنَه إذا دل الدليلُ على صحةِ القياسِ على الجملةِ، وأنَه أصلٌ من أصولِ الشرعِ يجبُ العمل به، فإذا وجدنا بعدَ ذلكَ قياساً صحيحاً، ودلَّت الأماراتُ على صحتِه، علمنا أنَه من جملةِ القياسِ الذي قامَ الدليلُ على وجوب العملِ به؛ ولأنَّه إذا دلَّ دليل على صحتِه بعدمِ النصِّ على علتِه، أَو عدمِ الاجماعِ على علتِه لا يُمنعُ من صحتِه، كالحكمِ. فصل في بيانِ القياسِ على أصلٍ ثبتَ حكمهُ بالنص فمن ذلكَ: أن الله سبحانه نصَّ على حد الإِماءِ على النصفِ من حَدِّ الحرائر، فقال سبحانه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمحصناتُ ها هُنا الحرائرُ، ثم قاسَ العلماءُ عليهن حدَ العبيدِ. وعن عامرِ بن سَعدٍ أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ ضربَ العبدَ في الفرية أربعينَ. وعن [ابن] (١) أبي الزنادِ عن أبيه قال: حضرتُ عمرَ بن عبد العزيز جلدَ عبداً في فريةٍ ثمانين، فأنكرَ الذين شهدوه من الناسِ وغيرُهم من الفقهاءِ، فقالَ عبدُ الله بنُ عامر: أدركتُ واللهِ عمرَ بن الخطاب فما رأيتُ إماماً جلدَ أعبداً في فريةٍ فوقَ أربعين (٢).

стр. 687

وقيلْ؛ إن الضاربَ للعبدِ ثمانين في الفِريةِ، أبو بكر بن محمد بن عمروِ بن حزم (١). وإذا فسختِ المعتقةُ تحتَ عبدٍ نكاحَها، إن كان قبلَ الدخولِ؛ لا عِدةَ عليها، وإن كان بعدَ الدخولِ؛ اعتدتْ عِدةَ المطلقة (٢)، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولقولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وكذلك انفساخهُ بالرضاعِ، وهو أنْ تُرضعَ امرأةُ الرجلِ الكبيرةُ، امرأتَه الصغيرةَ يبطلُ نكاحُها عند الجمهورِ، خلافاً للأوزاعي (٣)، ثم في عدتِها ما ذكرناه. وقاسَ الجمهورُ استعمالَ آنيةِ الذهب والفضةِ في الوضوء والاغتسالِ والبخورِ، على الأكلِ والشرب (٤)، وقاسوا ما سوى الحجرِ في الاستنجاءِ على الحجرِ، وما سوى الشَّثَ (٥) والقَرَظِ (٦) في الدباغ

стр. 688

على الشَثِّ والقَرَظِ، وقاسوا تقليمَ الأظفارِ في الإِحرام على حلق الشعرِ، وقياسُ الجماع في العمرةِ على الجماعِ في الحجِ، وقاسَ الشافعيُ النبيذَ على الخَمرِ، وقاسوا على الأربعةِ في الربا (١) ما سواها، والله أعلم.

стр. 689

فصول في الاعتراضاتِ على الأدلةِ التي قدمنا ذكرها فنبدأ بالكلامِ على الاستدلالِ بالكتابِ حسب ما بدأنا بدلائل الكتابِ، وذلك من ثمانيةِ أوجه: أولُها: الاعتراضُ بانَك أيها المستدلُّ لا تقولُ به، وذلك من وجهين: أحدهما: أن يكونَ استدلالُه بأصلٍ لا يقولُ به، مثل استدلال الحنفي بدليلِ الخطاب، وله أن يقول: هذا من مسائلِ الأصول ولي فيها مذهب. أو يكونَ استدلالًا بشرطٍ أو علةٍ، ويكونَ ممن يقولُ بهما. والثاني: أن لا يقول به في الموضِع الذي استدلَّ به، مثلُ استدلال الحنفي في شهادة أهل الذمة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. .﴾ [المائدة: ١٠٦]، فيقول الشافعي: هذا مما لا تقولُ به؛ لأنَه وردَ في قضيةِ المسلمين، وعِندكَ لا تُقبلُ شهادتُهم على المسلمينِ (١). (١) انظر "الأم" ٦/ ٢٤٦.

стр. 690

وتكفَفَ بعضهم الجوابَ عنه فقالَ: إنَه لما قبلَ شهادتَهم على المسلمين؛ دلّ على أنَّ شهادتهم على الكفارِ أولى بالقبولِ، ثم دلَّ الدليلُ على أن شهادتَهم لا تقبل على المسلمين، وبقيَ في حقّ الكفارِ على ما اقتضاه. وهذا ليسَ بجوابٍ صحيحٍ؛ لأنه تعلَّق بالأولى، وذلك أنَّ الخطابَ ارتفعَ حكمه فكيفَ يبقى مع ارتفاعِ حكمِ فحواه؟ وثانيها (١): أن يقولَ بموجبِها وذَلك على ضربين: أحدُهما: أن يحتجَّ من الآيةِ بوضعِ اللغةِ، فيقول السائل بموجبها في وضعِ الشريعةِ، أو يكونَ ذلك بالعكسِ، بأن يحتجَ من الآيةِ بوضعِ اللغةِ، ويتبع ذلك بأنَّ القرآنَ نزلَ بلغةِ العرب، وأنا لا أنتقل عنه إلا بدليل ينقلني. وللمستدلِّ أن يقولَ: إطلاق الكتاب ينصف إلى ما استقر في الشرع، وهو الوضعُ الثاني، فيقضي على اَلأول، وهذا يأتي في التعلقِ في تحريمِ المصاهرةِ بالزنا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، والمراد به: لا تَطَؤوا ما وطىء آباؤكم. فيقول مخالفهُ فيها: بل ينصرفُ إطلاقُ النَكاحِ فى النَكاحِ في الشرع، وهو العقدُ، فيكون معناه: لا تتزوجوا من تزوجَ بهن آباؤكُم. وينتقلُ الكلامُ بينهما إلى الأسماءِ، هل فيها منقول، أو هي مُبقاة على وضعِ اللغةِ؟ وذلك مستوفى في مسائلِ الخلاف إن شاء الله.

стр. 691

والضربُ الثاني (١): أن يقولَ بموجبهِ في الوضعِ الذي احتجَّ به، وذلك مثل أن يستدل الشافعيُّ في العفوِ عن (٢)، القِصاص إلى الدية من غير مصالحةٍ ولا رضا من الجاني بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، والعفوُ هو الصفحُ والتركُ، فيقول الحنفي: أنا قائل بموجبهِ، والعفو هاهنا هو البذل، ومعناة: إذا بذلَ الجاني للولي الديةَ، اتبعَ بالمعروفِ. فيسلك الشافعى الترجيح، وأن العفوَ في الإِسقاطِ أظهر، فإنَ ورودَها في الإسقاطِ أكثر، ومعناها بالإِسقاط ألحق وأشبهُ. وذلك في عرفِ القرآن والتخاطب، فإنَها لم تَرِد إلا للإِسقاط: ﴿واعف عَنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقرنَ العفوَ بالغفران فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]، وقال النبي ﷺ في الخضروات: "عَفوّ، عفا الله عنها أو عنه" (٣). ويسلك مسلكاً ثانياً إن وجدَ من ساقَ الآيةَ وأمثالَها، مما يؤكد أحدَ الوضعينِ فيها على الوضعِ الآخرِ، فإن قويَ الوضع لما أراده السائل

стр. 692

صحَ قولُه بالموجِب، وإن قويَ ما أراده المستدل اندفع القولُ بالموجبِ. فاسلكْ ذلك أبداً تجد البغيةَ بعونِ الله. ثالثُها: أن يدعي السائلُ إجمالَ الآيةِ التي استدلً بها المستدلُّ، إمَّا في وضعِ الشرعِ، أو في وضعِ اللغةِ. فأمَّا إجمالُها في الشرع؛ فمثل استدلال الحنفي في نيةِ صوم رمضانَ من النهارِ بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا قد صامَ بعد شهودِه الشهرَ فخرجَ من عُهدةِ الأمرِ. فيقولُ المعترض: هذا مجملٌ؛ لأنً المرادَ به: فليصمُه صوماً شرعياً، ونحنُ لا نعلمُ أنَّ مَنْ صامَ بنيةٍ من النهارِ قد أتى بصومٍ شرعي، فكيف يعلمُ أنه خرجَ من عهدةِ الأمرِ؟!. فيسلكُ المستدلُ أحدَ مسلكين: إمَّا أن يوضحَ أنَّ الصومَ مُبَقّى على ما كانَ عليه في اللغةِ، وأنه لم ينقلْ عن الوضعِ اللغوي، فمدعي نقلهِ يحتاجُ إلى دليلٍ، وإذا احتاجَ إلى دليلٍ لم يتحقق الإِجمالُ الذي ادعاه، فإن كان ممن يرى نقلَ الأسماءِ عن اللغةِ إلى الشرعِ، سلك بيان أن الصوم الشرعي بنيةٍ منَ النهارِ، وأن صومَ النافلةِ شرعيٌ، وقد عُهدت في الشرع صحتُه بنية من النهارِ، فينصرف الإِطلاقُ من الشرعِ إلى الصومِ المستقرِ في الشرعِ، وهذا ما طالبتُ به. وأما الإِجمالُ في اللغة، فهو مثلُ استدلالِ شافعي في أن الِإحرامَ بالحج لا يصحُّ في غير أشهرِ الحج، لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ

стр. 693

مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ...﴾ الأية [البقرة: ١٩٧]. فيقول مخالفهُ: هذه آيةٌ مجملة؛ لأنَ الحجَّ ليس باشهرٍ، ألا تراهُ قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فصرحت الآيةُ بأن الحَج غيرُ الأشهر؛ لأنَّ الحجَ لا يُفرضُ فيهنَ وهنَ الحَج. فلا بُدٌّ من معرفةِ المرادِ بالمضمرِ ما هو؟ هل هو إحرامُ الحج؟ أو أفعال الحج؟ إذ لهُ إحرام وأفعالٌ، فوجبَ التوقفُ إلى أن يعلمَ ما المرادُ به، وما هذا سبيلهُ فما وضحَ منه دليل للحكمِ المستدل عليه، فإذا شرعَ في الدليلِ على أنٌ المرادَ به وقتُ إحرامِ الحج، فإن كان بغيرِ لفظ الآيةِ تحققَ إجمالُها الذي ادعاة المعتَرض؛ لأن حاجتَه إلى الدلالةِ تفسيرٌ ومعرفة للحكمِ من غيرِ اللفظِ، وحدُّ المجملِ: ما لم يُعرفْ معناهُ من لفظهِ. وإن حقَق من نطقِ الآية، أنَّ المرادَ به: وقتُ الِإحرامِ، فقد أجابَ. مثال ذلك: أن نقول: أجمعنا على أن الأفعالَ في أيامٍ وقوفٌ ورمي وطواف، لا تزيدُ على الأيام المعدودةِ، فلم يبقَ ما يتحققُ في الشهورِ، إلا الإِحرامُ يقعُ من شَوال إلى التاسع من ذي الحجة، فيجري كلُّ قبيل في يومٍ من هذه الشهورِ، فهو وقتٌ ممتدٌ لمن أرادَ الإِحرامَ، ولأنه نطق بما يعطي الِإحرامَ، وهو قوله: فَرَضَ، والفرض: الِإيجابُ والِإلزامُ، وهو الِإحرامُ، ولهذا عقَبه بالنهي، فقال: فمن فرضَ، فلا رفثَ، فعَقَب الفرضَ بفاءِ التعقيب لتجتنبَ المحظوراتِ، والذي يتعقبُه التحريم والتجنبُ إنما هو الإِحَرام، فأمَّا الأفعال، فإن جميعها يسبقه التجنب، فمثلُ هذا البيان رفعَ الإِجمالَ الذي ادَّعاهُ

стр. 694

المعترضُ، فتأمل كلَّ آيةٍ يدّعي فيها الإِجمال، فإذا وجدت فيها مثلَ هذا بَطل دعوى الِإجمال. ورابعها: المشاركةُ في الدليلِ. فيقرر السائل أن له في الآيةِ دلالةً من وجهِ، كما أن للمستدل دلالةً من وجهٍ، ولا يقعُ سؤالُ المشاركةِ إلا من مُسَلم وجهَ دلالةِ المستدل منها، فلا يحسن بعد قولِه: إنِّي مُشارك لكَ في الآيةِ، أو إنها مشتركة الدلالةِ بَيني وبينك. أن يأتي بالمطالبةِ، كما لا يحسنُ في القولِ بموجب العلَّةِ، أن يعقبه بالمطالبةِ، لأنَ القائلَ بالشركةِ مقر بالدلالةِ؛ لأن الَشركة في الدلالةِ أن يكونَ لكلِّ واحد من المستدلِ بها دلالةٌ، فإذا عادَ يقول: ما وجه الدلالةِ؟ كان بمثابةِ من ادُعي عليه دار في يديه، فقال: المدعي شريكي فيها. ثم عادَ يقولُ: أقمِ البينةَ على أنَ لك فيها حقاً. فإنَه لا يُعوَّلُ على مطالبته بعدَ إقرارِه بمشاركتهِ إياه في المِلكِ، ولا يحسنُ أن يتعقبَ دعوى المشاركةِ دعوى الإِجمالِ، فإن المشاركةَ إنما تكونُ بعد ثبوتِ الدلالةِ التي أقرَ بمشاركتِه فيها، وبعد الإِقرارِ بالدلالةِ لا تجوزُ دعوى الإِجمالِ؛ لأنَ المجملَ: ما لم يعقلْ معناه من نُطقِه، والدلالةُ لا تكون إلا بمعقولٍ؛ لأن الدلالَة مرشدةٌ، وكيف يُسترشد بما لايعقل؟ ومثالُ ذلك: استدلالُ الشافعي أو الحنبلي في النكاحِ بغير ولي بقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فلو لم يكن تزويجها إلى الأولياءِ، لما نهاهم عن العَضْلِ، إذ لا يتصورُ العضل عندهم.

стр. 695

فيقولُ الحنفيُ: لي في الآية مثلُ مالكَ، وهو قولُه: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾، فأضافَ النكاحَ إليهنَّ، فيدل ذلك أن لهن أن يعقدنَ، ونحن أرجحُ استدلالًا بها؛ لأن العقدَ إذا اطلقَ اقتضى العقدَ الصحيحَ، والعضلُ قد يكونُ بحق وبغيرِ حقٍ. خامسُها: الاعتراضُ باختلافِ القُراءِ في الأيةِ، فيصيرُ كتقابُل اثنينِ أو روايتينِ في تفسيرِ الآيةِ، فيوقفُ الاستدلالُ بنا، قالَ بعض المشايخِ: وهي آكد من الخبرين (١)؛ لأن كلُّ واحد منهما يجوزُ أن يكون حقاً، ويجوزُ أنْ يكونَ باطلاً، والقراءتانِ نزلَ بهما القرآن، فقال ﷺ : "نَزل القرآنُ على سَبعةِ أحرفٍ" (٢) فلا يجوزُ على واحدة منها الخطأ، وإنما يبقى التأويلُ، فيقعُ فيه الترجيحُ، فالمُخَفصُ من ذلكَ أن نقولَ بهما إنْ أمكنَ ذلك، أو نرجحَ القراءةَ بنوع نقل، أو نُرجحَ القارىء بها لكونه الأعلمَ، أو أنَ الشواهدَ لها أكثر، أو أنَها توجب الاحتياط. مثال ذلك: استدلالُ الشافعي أو الحنبلي في إيجابِ الوضوء لمن

стр. 696

لمسَ النساءَ بقولِه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] وهو حقيقة في المماسةِ باليدِ. فيقولُ الحنفي: قد قُرىء: ﴿أو لامَستُم﴾، وهو على وزنِ فاعلتم، وذلك اسمٌ للجماعِ وكنايةٌ عنه، إذ به تتحققُ المفاعلةُ، وليس حملُك له على اللَّمسِ باليد بتلك القراءةِ، بأولى من حملِنا له على الوطءِ بهذه القراءِة (٢). فيقولى المستدلُّ: من قرأ: ﴿لمستُم﴾ انصرفت قراءتُه إلى الِإمساسِ باليدِ صريحاً، ومن قرأ: ﴿لامَستُمْ﴾ وقع على الوطءِ كنايةً، فكانَ الصريحُ أولى، ولأنَّا نجمعُ بين إيجاب الطهارتينِ بالقولِ بالقراءتين، غسلاً بالجماعِ ووضوءاً باللمسِ باليد. سادسُها: الاعتراضُ بالنَّسخ؛ وهو من ثلاثةِ أوجه: أحدُها: أن يُنقلَ الناسخُ صريحاً، وذلك مثلُ: استدلالِ الحنبلي والشافعي في إيجاب الفدية على الحاملِ والمرضعِ إذا أفطرتا في رمضانَ خوفاً على الجَنينِ والولدِ بقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فيقولُ الحنفى: قد قالَ سلمةُ بن الأكوع: إنَّها منسوخة (٣) بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ

стр. 697

فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فيجيبُ الشافعيُّ أو الحنبليُّ: بأنها منسوخة في حقّ من كانَ له الِإفطار من غيرِ حمل ولا رَضاع، وحكمُها في حق الحاملِ والمرضعِ باق. والثاني: أن يُدَّعى نسخُها بآية أخرى متأخرة، مثل استدلالِ الحنبلي والشافعي فى تخيرِ الإِمام في الأسرى بين المَنِّ والفِداءِ، بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فيقول الحنفي: قد نُسخ هذا التخييرُ (١) بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ لأنها متأخرةٌ. فيجيبُ المستدلُّ: بأنا نجمعُ بين الآيتين، فنستعملُ القتلَ في غيرِ الأسرى، والتخييرَ في الأسرى، ولا وجهَ لدعوى النسخِ مع إمكانِ الجمعَ. والثالثُ: أن يُدَّعى نسخُها بأنها شرعُ من قبلَنا، وقد نسخَها شرعُنا

стр. 698

كاستدلالِ الشافعي أو الحنبلي في ايجابِ القِصاص في الطرفِ بينَ الرجلِ والمرأةِ بقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فيقول الحنفي: هذا راجعٌ إلى حكم التوارةِ؛ لأنه قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ... وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وقد نُسختِ التوراةُ بالقرآنِ، وشريعةُ موسى بشرعِ محمدٍ صلى الله عليهما. فيجيبُ الشافعي: بأنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا نتمسكُ به، وندلُ على ذلك بأدلتنا في تلك المسألة -وسنذكرها في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله- وعمدتُنا: أنَّ شريعةَ من قبلَنا (١) شرعٌ ثابتٌ بدلالةٍ مَرضيّةٍ، فلا نعدِلُ عنها، ولا نحكمُ برفعِ أحكامِها إلا بصريحِ نَسخ، فأمَّا بنفس شريعةٍ تَحتمل التقريرَ للكلَ، وتَحتمل نسخَ البعضِ وتَبْقِيةَ البعضِ، فلا وجهَ لإزالة الأحكامِ الثابتةِ بالاحتمالِ. وسابعُها: التأويلُ، وهو ضربان: تأويلُ الظاهرِ، مثلُ استدلالِ الشافعي والحنبلي في إيجاب الإيتاءِ في الكتابةِ (٢) بقولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فيقول الحنفي: إنَّما أرادَ به مالَ الزكاة، ويشهدُ لذلك إضافتُه إلى الله سبحانه، أو نحملهُ على الإيتاءِ من طريقِ الاستحبابِ بدليل نذكره. والثاني: تخصيصُ العموم، كاستدلالِ الشافعي في قتلِ شيوخِ المشركين بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فيقولُ الحنفي:

стр. 699

هي مخصوصة في الشيوخِ بدليل. فلا جوابَ عن ذلك إلا النظرُ في الدليلِ، هل يصلحُ للتخصيصِ أوْ لا؟ فإن لم يصلحْ ردهُ، وإن صلحَ تكلم عليه كلامَه على الأدلةِ المبتدأةِ، فإذا تكلّم عليه سَلمَ لهُ الظاهرُ والعمومُ. وثامنُها: المعارضةُ، وهي ضربان: معارضةُ بالنطقِ، ومعارضةُ بالعلةِ. فالمعارضةُ بالنطقِ: مثلُ أن يستدل الشافعيُ في تَحريم شعرِ الميتةِ بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فيعَارضُ الحنبلى أو الحنفيُ بقولهِ تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]، فيقولُ الشافعيُ: إنً الله سبحانهَ جعلَ من أصوافِها، ونحن نقولُ بأنَ منها ما هو أثاثُ ومتاعٌ يباحُ استعمالهُ، وهو ما جُزَّ بعدَ الذكاةِ، وقُطعَ عنها حَال الحياةِ، وجعل له غاية، وهو الموتُ. وإن عارضَ بعله تكلم عليها بما يتكلمُ على العللِ المبتدأةِ، ليسلمَ دليلة.

стр. 700

فصول في الاعتراضات على الاستدلال بالسنة وهو من ثلاثة أوجه: أولها: الردُ. والثاني: الكلامُ على الِإسنادِ. والثالث: الكلامُ على المتنِ فصل فأمَّا الردُ، فمن وجوهٍ: أحدُها: ردُ الرافضةِ أخبارنا في مَسحِ الخفينِ، وايجاب غَسل الرجلين (١)، وزعمِهم أنهم لا يقبلونَ أخبارَ الآحادِ. فجوائنا لهم من ثلاثة أوجه:

стр. 701

أحدُها: أن أخبارَ الآحادِ أصلٌ من أصولِ الدينِ، فإن منعوا ذلك، نقلنا الكلامَ إلى ذلك الأصل. والثاني: البيان لتواترها من طريقِ المعنى، فإن جميعَ أصحابِ الحديثِ فيها بينَ ناقلٍ وقابل، فهو كشجاعةِ علي (١)، وسخاءِ حاتم (٢)، وفصاحةِ قُسٍّ (٣). وفَهاهة باقِلٍ (٤)، جملتها تواتر، وخبّرونا بها آحاد. والثالث: أن يناقضوا بما خالفوا فيه، فإنهم أثبتوا ذلكَ بأخبارِ الآحادِ، كتصدُّقِ عليٍّ ﵇ بخاتِمه في الصلاةِ (٥)، ونكاحِ

стр. 702

المتعةِ، والمنع من الصلاةِ على ما ليسَ من الأرضِ، أو نبات الأرض (١)، ونقضِ الوضوءِ بأكلِ لحم الجزورِ (٢)، وما شاكلَ ذلك. الثاني: ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ أخبارَ الآحادِ فيما تَعُمُ به البلوى (٣)

стр. 703

كردّهم خبرَنا في مسّ الذكر (١). وقالوا: ما يعمُ به البلوى يكثرُ سؤالهُم عنه، وجوابه ﷺ ، فإذا نقله الواحدُ اتُّهِمَ، واقتضى الحالُ أن ينقله العددُ الكثير والجمُّ الغفيرُ. فننقلُ الكلامَ معهم إلى ذلك الأصلِ، ونناقضهم بما عملوا فيهِ بخبرِ الواحد، كالمنعِ من بيعِ رباع (٢) مكةَ، وإيجابِ الوتر (٣)، والمشي خلفَ الجنازة (٤). الثالثُ: ردُّ أصحابِ مالك فيما خالفَ القياس، كردّهِم خبرَ خيارِ المجلسَ (٥).

стр. 704

والجوابُ لهم: إفسادُ ذلك الأصلِ بأدلتنا ويناقضونَ فيه بما قالوا به مما يخالفُ القياسَ. الرابعُ: ردُّ أصحاب أبي حنيفة فيما خالفَ قياسَ الأصولِ، كردهم خبرنا في المصراة (١)، والقرعةِ (٢)، وغيرهما.

стр. 705

والجوابُ: أنَّ قياسَ الأصولِ هو القياسُ على ما ثبتَ بالأصولِ، وقد بينا الجوابَ عنه، ولأنهم قد ناقضوا فعملوا بخبرِ الواحدِ في نبيذِ التمرِ (١)، وقَهقهة المُصلي (٢)، وأكلِ الناسي في الصومِ (٣). والخامسُ: رذُ أصحابِ أبي حنيفة أخبارَنا مما يوجبُ زيادةً في
следующие страницы →