← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أحدُها: أن أخبارَ الآحادِ أصلٌ من أصولِ الدينِ، فإن منعوا ذلك، نقلنا الكلامَ إلى ذلك الأصل. والثاني: البيان لتواترها من طريقِ المعنى، فإن جميعَ أصحابِ الحديثِ فيها بينَ ناقلٍ وقابل، فهو كشجاعةِ علي (١)، وسخاءِ حاتم (٢)، وفصاحةِ قُسٍّ (٣). وفَهاهة باقِلٍ (٤)، جملتها تواتر، وخبّرونا بها آحاد. والثالث: أن يناقضوا بما خالفوا فيه، فإنهم أثبتوا ذلكَ بأخبارِ الآحادِ، كتصدُّقِ عليٍّ ﵇ بخاتِمه في الصلاةِ (٥)، ونكاحِ

стр. 702

المتعةِ، والمنع من الصلاةِ على ما ليسَ من الأرضِ، أو نبات الأرض (١)، ونقضِ الوضوءِ بأكلِ لحم الجزورِ (٢)، وما شاكلَ ذلك. الثاني: ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ أخبارَ الآحادِ فيما تَعُمُ به البلوى (٣)

стр. 703

كردّهم خبرَنا في مسّ الذكر (١). وقالوا: ما يعمُ به البلوى يكثرُ سؤالهُم عنه، وجوابه ﷺ ، فإذا نقله الواحدُ اتُّهِمَ، واقتضى الحالُ أن ينقله العددُ الكثير والجمُّ الغفيرُ. فننقلُ الكلامَ معهم إلى ذلك الأصلِ، ونناقضهم بما عملوا فيهِ بخبرِ الواحد، كالمنعِ من بيعِ رباع (٢) مكةَ، وإيجابِ الوتر (٣)، والمشي خلفَ الجنازة (٤). الثالثُ: ردُّ أصحابِ مالك فيما خالفَ القياس، كردّهِم خبرَ خيارِ المجلسَ (٥).

стр. 704

والجوابُ لهم: إفسادُ ذلك الأصلِ بأدلتنا ويناقضونَ فيه بما قالوا به مما يخالفُ القياسَ. الرابعُ: ردُّ أصحاب أبي حنيفة فيما خالفَ قياسَ الأصولِ، كردهم خبرنا في المصراة (١)، والقرعةِ (٢)، وغيرهما.

стр. 705

والجوابُ: أنَّ قياسَ الأصولِ هو القياسُ على ما ثبتَ بالأصولِ، وقد بينا الجوابَ عنه، ولأنهم قد ناقضوا فعملوا بخبرِ الواحدِ في نبيذِ التمرِ (١)، وقَهقهة المُصلي (٢)، وأكلِ الناسي في الصومِ (٣). والخامسُ: رذُ أصحابِ أبي حنيفة أخبارَنا مما يوجبُ زيادةً في

стр. 706

نصِ القرآنِ وأن ذلكَ نسخ، كخبرنا في إيجابِ التغريب (١)، فقالوا: هذا يوجب زيادة في نص القرآنِ، وذلك نسخ، فلا يقبلُ فيه خبرُ الواحد. والجوابُ: أنَ ذلك ليس بنسخ عندنا؛ لأن النسخَ هو الرفعُ والِإزالة، ونحن لم نرفعْ ما في الآيةِ من الجلدِ، إنما ضممنا وزِدنا إليه التغريبَ، وهو عقوبةٌ أخرى؛ ولأنهم قد ناقضوا في ذلك حيثُ زادوا الوضوءَ بالنبيذِ في آيةِ التيممِ بخبرِ ابنِ مسعود (٢).

стр. 707

فصل في الاعتراض على الإِسناد وأما الاعتراض على الإسنادِ، فالكلام عليه من وجهين: أحدهما: المطالبة بإثباتهِ، وهذا إنما يكون في الأخبارِ التي لم تدون في السننِ والصحاحِ، ولم تسمعْ إلا من المخالفينَ، كاستدلالِ الحنفي في صدقةِ البقرِ بأنَ النبي ﷺ قال: "في أربعينَ مسنة وفيما زادَ بحسابه" (١)، فلا جواب عن هذا إلا أن يبَينَ إسنادَه، ويحيلَه على كتابٍ موثوقٍ به معتمد عليه. الثاني: القدح في الإسنادِ، وهو من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أن يذكرَ الراوي بأمرٍ يوجب ردَّ حديثه، مثلَ الكذبِ أو البدعةِ أو الغفلة. والثاني: أن يذكر أنه مجهول. وجوابه: أن يبينَ للحديثِ طريقاً آخر فيزيل جهالتَه رواية الثقاتِ عنه، أو بثناءِ أصحابِ الحديث عليه.

стр. 708

والثالث: أن يذكرَ أنَهُ مرسلٌ، وجوابُه: أن يبيِّنَ إسنادَه، أو يقولَ: المرسَلً كالمسند إن كان ممن يعتقدُ ذلك. وأضاف أصحابُ أبي حنيفة إلى هذا وجوهاً أُخَر: منها أن يقول: السلف رَدُّوه (١)، كما قالوا في حديثِ القَسامة (٢)، أن عمرَو بن شعيب (٣) قال: والله ما كان الحديثُ كما حَدثَ سهل (٤).

стр. 709

وجوابهُ: أنَه إذا كان الراوي ثقةً لم يُرد حديثهُ بإنكارِ غيرهِ؛ لأن المنكرَ ينفي، والراوي يثبتُ، والإِثباتُ مقدَمٌ على النفي، لأن المثبتَ معه زيادة علمٍ. ومنها: أن يقولَ: الراوي أنكرَ الحديث، كما قالوا في قولهِ ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نُكحتْ بغير إذن وليها، فنكاحُها باطل" (١): إن راويهُ الزُهْري (٢)، وقد قال: لا أعرَفه. فالجواب عنه: أنَ إنكارَ الراوي لا يَقدحُ في الحديثِ؛ لجوازِ أن

стр. 710

يكونَ أنْسِيَهُ، وقد صنفَ الناس فيمن نسيَ ما رواه (١)، فرويَ له عن نفسه، فقال: حدثني فلان عني، حتى قالوا: فصارَ بنسيانِه بينه وبينَ نفسهِ رجلٌ. ومنها: أن يقولَ: راوي الحديثِ لم يعملْ به، ولو علمَ صحتهَ لم يعدلْ عن العمل به، كما قالوا في حديثِ الغَسلِ من ولوغِ الكلبِ سَبعاً (٢): راويه أبو هُريرة، وقد أفتى بثلاث مرات (٣). فالجوابُ: إنَ الراوي يجوز أن يكونَ قد نسي في حالِ الفُتيا أو أخطأ في تأويلهِ، فلا تُتركُ سنةٌ ثابتةٌ، لأجلِ تركهِ لها. ومنها: أن يقولَ: إنَّ هذه الزيادةَ لم تُنقَل نقلَ الأصلِ كما قالوا في حديث: "فيما سَقَت السماءُ العشرُ، وفيما سقي بنَضح أو غَرْب نصفُ العشر إذا بلغ خمسةَ أوسق" (٤)، فقالوا: هذا الحديث رواةَ

стр. 711

جماعةٌ، فلم يذكروا الأوسُقَ، فدل على أنهُ لا أصل لها. فالجوابُ: أنه يجوزُ أن يكونَ قد ذكرَ هذه الزيادةَ في وقتٍ لم تحضر (١) الجماعة، أو كانَ هو أقربَ إليه، فسمع الزيادةَ دونهم، فلم يجزْ ردُ خبرِ الثقةِ مع هذا التجويزِ والاحتمالِ. فصل وأما الكلامُ على المتنِ: فالمتنُ ثلاثةُ أقسام: قولٌ، وفعلٌ، واقرارٌ. فالقولُ ضربان: مبتدأٌ، وخارجٌ على سببٍ. فالمبتدأ: كالكتاب، يتوجهُ عليه ما يتوجهُ على الكتاب، وقد قدمنا شرحَه، إلا أنا نذكرُ هَاهنا ما يتوجهُ على المتنِ بأوضحِ أمَثلةٍ، ولربما اتفق فيه زيادة، لم تكن في الكتاب. واعلم أن الاعتراضَ على المتنِ من ثمانيةِ أوجه:

стр. 712

أحدُها: أن يستدلَّ بما لا يقولُ به، وذلك من ثلاثةِ أوجه: منها: أنْ يستدل بحديث، وهو ممن لا يقبلُ مثلَ ذلك الحديث؛ كاستدلالِهم بخبرِ الواحدِ فيما يعم البلوى به، أو فيما خالفه القياسُ، وما أشبه ذلك مما لا يقولون فيه بخبرِ الواحدِ. فالجوابُ: أن تقول: إن كنت أنا لا أقول به، إلا أنَك تقولُ به، وهو حجةٌ عندك، فيلزمُك العملُ به. وهذا قد استمرَ عليه أكثرُ الفقهاءِ، وعندي أنَّه لا يحسنُ الاستدلالُ بمثلِ هذا؛ لأنً الدليلَ على المذهب المسؤولِ عنه، إنَما يكونُ بما يعتِقدُه المستدل دليلًا، فإذا استدلَّ بمَا يعتقده غيرُهُ دليلاً وهو يعتقده غيرَ دليلٍ لمْ يَكُن مُسْتَدِلًا، لكنَّ صورتَه صورةُ المستدلِ، ومعناهُ معنى الملتزمِ على مذهبِ غيرِه، والمفسدِ لمذهبِ غيره. وليس هذا من الاستدلالِ في شيء. ومن نصرَ الأوّل قال: على هذا ليس يحسنُ بنا أن نستدل على نبوةِ نَبينا ﷺ ، بما نتلوُه من آي التوراةِ والِإنجيل المغَيرين المُبَدَّلَين، لكن نستدل به على أهل الكتاب اعتماداً على تصديقِهم، لما فيه من الأخبارِ التي يعتقدونهاَ أخباراً لله سبحانه، التي أوحاها إلى موسى وعيسى ﵉. والثاني: أن يستدلَّ منه بطريقٍ لا يقولُ به، مثل أن يستدلَّ بدليلِ الخطاب وهو لا يقولُ به، كاستدلالِهم في إبطالِ خيارِ المجلسِ، بما روي عنَ النبي ﷺ : "أنه نهى عن بيعِ الطعام حتى يُقبضَ" (١) فدل

стр. 713

على أنه إذا قُبض في المجلسِ جازَ بيعهُ. فيقالُ لهُ: هذا احتجاج بدليلِ الخطاب، وأنتَ لا تقول بهِ، فيقول في الجواب عن هذا: هذه طريقة لبعضِ أصَحابنا، وأنا ممن أقولُ به. أو يقولُ: إَن هذا اللفظَ للغايةِ، وأنا أقولُ به فيماَ عُلقَ الحكم فيه على الغايةِ. والثالثُ: أن لا يقولَ به في الموضعِ الذي وردَ فيه، كاستدلالهِ على أن الحرَّ يقتلُ بالعبدِ، بقوله ﵊: "مَن قتلَ عبدَه قَتلنا" (١). فيقالُ له: القتلُ الذي يتناولُهُ الخبرُ لا نقولُ به، فإنَّه لا خلافَ بيننا أنَه لا يُقتلُ بعبدِه. وقد تكلَف بعضهُم الجوابَ عنه فقال: لما أوجبَ القتلَ على الحر بقتلِ عبده، دل على أنه يُقتلُ بعبدِ (٢) غيره أولى. ثم دل الدليلُ على أنه لا يقتلُ بعبدِه، ونفي قتله بعبدِ غيرهِ على ما اقتضاه. والاعتراضُ الثاني أن نقولَ بموجبه ، وذلك على وجهين:

стр. 714

أحدُهما: أن يحتج المستدل باحدِ الموضعين، فيقول السائلُ بموجبه بالحملِ على الموضعِ الآخر، مثل أن يستدل الشافعيُ في نكاحِ المحرم بقولهِ ﵊: "لا يَنكحُ المحِرمُ ولا يُنبكح" (١). فيقولُ الحنفي: النكاحُ في اللغةِ هو الوطءُ، فكأنَّه قال: لا يَطأ المحرِمُ الرجلُ، ولا يُوطىء: لا تُمكنُ المرأةُ المحرمَ مِن وطْئِها. فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أن يقولَ: النكاحُ في عُرفِ الشرعِ هو: العقدُ، وفي عرفِ اللغةِ هو: الوطءُ، واللفظ إذا كان له عرف في اللغة وعرف في الشرع حُمِلَ على عُرف الشرع، ولا يُحمَلُ على عرفِ اللغةِ إلا بدليل. والثاني: أن يبينَ من سياقِ الخبرِ وغيرِه، أن المرادَ به ما قاله. والضربُ الثاني: أن يقولَ بموجبهِ في الموضع الذي احتجَ به، كاستدلالِ أصحابنا في خيارِ المجلس، بقولهِ ﷺ : "المتبايعانِ بالخيارِ مالم يتفرقا" (٢)، فيقول المخالفُ: المتبايعانِ هما المتشاغلان بالبيع قبل الفراغ، وهما عندي هناك بالخيار. فالجوابُ عنه من وجهين:

стр. 715

أحدهما: أن يبينَ أن اللفظَ في اللغةِ حقيقة فيما ادعاه. والثاني: أن يبينَ الدليلَ عليه من سياقِ الخبرِ أو غيرهِ، أنَّ المرادَ به ما قاله. فصل والاعتراضُ الثالث: أن يدعى الإجمالَ ، إمَّا في الشرعِ أو في اللغةِ، فأمَّا في الشرع؛ فمثلُ أن يحتجَ الحنفيُّ في جوازِ الصلاةِ بغيرِ اعتدال، بقوله ﷺ : "صَلوا خَمْسَكم" (١)، وهذا قد صلى خمسَه. فيقولُ الشافعي أو الحنبلي: هذا مجمل؛ لأن الأمرَ بالصلاةِ الشرعيةِ هنا، وذلك لا يعلمُ من لفظِ هذا الخبرِ، بل يقتصرُ في معرفتهِ إلى غيره، فلم يحتج به، إلا بدليل يدلُ على أن تلكَ صلاة. فيجيبُ عن هذا: بأن اللفظَ يقتضي صلاةً في اللغةِ، لأن القرآنَ بلغتِهم، فإذا صلى صلاةً شرعيةً حصل ممتثلًا، فينتقلُ الكلامُ إلى ذلك الأصل، وأن يقولَ الشافعي أو الحنبليُ: بأن إطلاقَ الأمرِ بالصلاةِ، ينطلقُ إلى ما تقررَ في الشرع، ولسنا نعلمُ أن من صلى ولم يعتدلْ أنه قد وفى الصلاةَ الشرعيةَ، ولَا خَرَجَ من عهدةِ الأمرِ بها. وأما المجملُ في اللغةِ؛ فمثلُ أن يستدل الحنفيُ في تضمينِ

стр. 716

الرهنِ بقولهِ ﵊: "الرهنُ بما فيهِ" (١). فيقولُ له الشافعيُّ أو الحنبلي: هذا مجملٌ؛ لأنه يفتقرُ إلى تقدير مضمرٍ، فيحتملُ أن يكونَ معناهُ: الرهن مضمون بما فيه، ويحتمل أن يكونَ معناهُ: مبيعاً بما فيه، ويحتمل أن يكونَ المرادُ به: محبوساً بما فيهِ. فوجبَ التوقفُ فيه إلى أن يرد دليل يرجحه إلى أحدِ محتملاتهِ. فالطريق في الجواب أن يبينَ أن المرادَ به ما ذكرنا. إمَّا من طريقِ الوضعِ، أو من جهةِ الَدلالةِ، وذلك أن قولَنا: محبوسٌ بما فيه، وهو رهنٌ. كقولهم (٢): مضمونٌ بما فيه، وليس برهن. فصل في الاعتراضِ الرابعِ، وهو: أن يدعيَ المشاركةَ في الدليلِ.

стр. 717

وذلكَ: مثل أنْ يستدل الحنفى في مسألةِ الساجة (١) بقولهِ ﵊: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٢)، وفي نقضِ بناءِ الغاصبِ إضرار به، فوجب أن لا يجوز. فيقولُ الشافعيُّ أو الحنبليُّ: هو حجةٌ لنا؛ لأنَ في إسقاط حق مالِك السَّاجة من ردَها بعينها، والعدول عنه إلى رد قيمتها، إضراراً بمالِكها المغصوب منه، ولربّما تعددت القيمة، فبقي ذلك حقاً وديناً في ذمَّةِ الغاصبَ، وانتقالُ الحق من عينِ مالِه إلى ذمّةِ غيرِه غايةُ الِإضرارِ. ومَعنا تَرجيح، وهو: أنًّ المتعديَ جلبَ الإضرارَ بتعديه، والمغصوبُ منه بريء من الابتداءِ بالإضرارِ، فكان بنفي الإِضرار عنه أحق.

стр. 718

فيجيبُ الحنفيُّ بما يقررُ نفيَ الإضرارِ معهُ برد القيمةِ. فصل في الاعتراضِ الخامِس، باختلافِ الروايةِ. مثلُ أن يستدل الحنبليُّ أو الشافعيُّ في إباحةِ الجنينِ بذكاةِ أمّه بقولَ النبي ﷺ : "ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه" (١). فيقولُ الحنفيُّ: قد روي: ذكاةَ بالفتحِ، وروي ذكاةُ أمة بالضم، والفتح يعطي أن تكون ذكاته مثل ذكاة أمه، كقوله سبحانه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال في موضع آخر: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقول الشاعر: فعيناكِ عيناها وجيدُكِ جيدُها (٢) وإذا تردد بين أن يكون ذكاتُه نفسَ ذكاةِ أمّه، وبين أن يكون مثلَ ذكاة أمِّه، وقف الدليل على الترجيح. وكان ما ذهب إليه أبو حنيفة أشبه؛ لأنَّ الباب بابُ حظرٍ في الأصل، إلى أن يحصل يَقينُ الذكاة، ومما يرجِّح

стр. 719

هذا، أنَ النبي ﷺ قال في الصيد: إ إذا أصابَه السهمُ، ووقع في الماء، فلا تاكله، لعل الماء أعانَ على قَتلِه " (١)، فحكمَ بحظرِ صيدٍ حصلَ العقرُ فيه، لتردّد الأمر في مساعدة التخنق بالماء، فكيف يبيحُ ما وقع العقر في غيره، وقطعنا على تَخَنقِهِ الصرف الذي لم يَشُبْهُ عقر ولا مباشرة باَلة الذكاة؟ بل يكون تَنبيهاً، ويبقى الجنينُ على ما ورد به نص الكتاب من تحريم المُنْخَنِقَةِ. ومثل استدلال الشافعي أو الحنبلي في تخيير أولياء الدم بين القَوَد والدِّية، بقوله ﷺ في قتيل خُزاعة: "وأنتُم يا خُزاعة، فَقد قَتلتم هذا القَتيل، وأنا واللهِ عاقِلُه، فمن قتل بعد ذلك قَتيلًا، فأهلُه بين خِيَرتَين؛ إن احبوا قَتلوا، وإن أحبّو أخَذوا العَقْلَ" (٢) فيقول الحنفي: قد روي:

стр. 720

"إنْ أحبوا فادوا" (١)، والمفاداةُ مفاعلة، فلا يكون إلا صُلحاً بالتراضي، والخبرُ خبر واحد، فيجب أن يتوقف فيه حتى يعلم أصل الحديث. فالجواب: أنه قد روي الجميع، والظاهر منهما الصحة، فيصير كالخبرين، فنجمع بينهما، فنقول: يجوز بالتراضي وبغير التراضي، وهم يسقطون العمل بخبرنا، فمن عمل بالروايتين كان أولى. فصل والاعتراض السادس بالنسخ؛ وذلك من وجوه: أحدها: أن ينقل نسخه صريحاً. والثاني: أن لا يكون صريحاً، لكن ينقل ما ينافيه متأخراً، فيدعي نسخه بذلك المنافي المتأخر عنه. والثالث: أن ينقل عن الصحابة العمل بخلافه ليدل على نَسخه. الرابع: أن يدعي نسخه بأنه شرع من قبلنا، وأنه نسخه شرعنا. فصل فأمَّا النسخ بالصريح؛ فمثل أن يستدل الشافعي في طهارة جُلود الميتة بالدباغ، بقوله ﷺ : "أيما إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر" (٢). فيقول الحنبلي [من] أصحابنا (٣): هذا منسوخ بقوله ﵊ في حديث عبد الله بن عُكَيْم: "كنتُ رخصتُ لكم في جلودِ الميتة، فإذا أتاكم

стр. 721

كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصب" (١). وهذا صريح نسخ كلُّ خبر ورد في طهارة الجلود بالدباغ. فيقول الشافعي: هذا عادَ إلى تحريم الِإهاب، وبعد الدباغ لا يُسمى إهاباً، لكن يسمى جلداً أو أديماً. فيقول أصحابنا: إنما عاد النهي إلى ما كان تَقدم من الِإباحة، فانقلوا عنه ﷺ أنه كان أباح اهُبَ الميتات، فلا يجدوا ذلك في نقل صحيح. لم يبق إلا أنه عاد النهي إلى ما كان مباحاً وسماه إهاباً، استتباعاً للاسم الأول، كما سميت المطلقةُ زوجةً، والمطلق بَعلاً بعد الطلاق استِتباعاً. فصل وأمَّا النًسخ بنقلِ المتأخِّر، فمثل: أن يستَدِل الحنبلي أو الظاهري في جَلْدِ الثَّيِّب مع الرَّجمِ بقوله ﵊: "خُذُوا عني، قد جَعَلَ الله لَهنَّ سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثَّيِّبِ جلدُ مئةٍ والرَّجمُ" (٢). فيقول له الحنفيُّ أو الشَّافعيُّ: هذا منسوخٌ بما رُوي: أنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعِزاً ولم يَجْلِدْهُ (٣)، وهذا منه كان متأخِّراً عن قَوله الذي

стр. 722

تَضَمَّنه خَبَرُكم؛ لأنَ خبرَكُم وَرَدَ أولَ ما شُرِعَ الجلدُ والرجمُ. فالجوابُ: أنَ قولَهُ في خبرِكم: "ولم يَجْلِدْه"، نفيٌ لا يحيطُ به الراوِي، وعساهُ شاهَدَ الرجمَ خاصَةً، فروى ما شاهدَ، وعساهُم سَبقُوا إلى رجْمِهِ ذُهولاً عن الجَلْدِ، فسقطَ بالسهْوِ عنه. والذي يوضحُ هذا ما روي: أنَّ علياُّ -كرمَ الله وجهه- جَلَدَ شُراحَةَ الهَمْدانِيةَ يومَ الخميسِ، ورجَمها يومَ الجُمُعَةِ، ثم قال: جلَدْتُها بكتابِ اللهِ، ورجَمْتُها بسنةِ رسولِ اللهِ (١)، فكان هذا من على -كرم الله وجهه-

стр. 723

رِوايةً وعملًا، وهو إثباتٌ معه روايةٌ، وخَبَرُكم نَفْيٌ معه احتمالٌ، فبقيَ لفظُ رسولِ الله ﷺ في الجَمْعِ بينَ الجلدِ والرجمِ بحالهِ، فلا يُنْسخُ (١) بمحتَمِل فتَردِّدٍ. فصل وأما النسخُ بعملِ الصحابةِ بخلافهِ، فمثلُ: استدلالِ الحنفي في مسألة استئناف الفَرِيضةِ في زكاةِ الإِبل بقوله ﵊: "فإذا زادَتِ الإِبل على عِشْرِينَ ومئةٍ، استَؤنِفَتِ الفَرِيضةُ في كلِّ خَمْسٍ شاءٌ" (٢).

стр. 724

فيقول الحنبلي أو الشافعي: هذا الخبرُ منسوخٌ؛ لأن أبا بكر الصديقَ وعمرَ ﵄ لم يعملا به، وأمْرُ الزكاةِ ظاهرٌ غيرُ خافٍ، فلو عَلِما بقاءَ حُكْمِه لعملا به، لم يَبْقَ إلا أنهما علما نَسْخَه. فالذي ينبغي أن يجيبَ به: هو أن يتكلمَ على عملِ الصحابة بأنه يجوزُ أن يكون لم يَبْلُغْهما، أو بلغَهما فتأوَّلاهُ كما تأوَّلْتُم (١). فصل وأما النسخُ بأنه (٢) شرع مَنْ قَبْلنا (٣): فمثل: استدلال الحنبلي أو الشافعي في مسألة إحْصَان الرجم، وأنه لا يُعْتبرُ له الإسلام، بما روي: أن النبي ﷺ رجمَ يهوديّين زنيا بعد إحصانهما (٤).

стр. 725

فيقول الحنفي: إنما رجمهما بحُكمِ التوراةِ، فإنه أمرَ بإحْضارِ التوارة، ثم عمل بذلك، وشرعُنا قد نسخ حكمَ التوراةِ. فالجواب: أن النبي ﷺ لا يَثِقُ بنقلِ هذهِ التوراةِ، لما تطرق عليها من التبديلِ والتغيير، وإدخالِ كلامٍ غيرِ كلام اللهِ فيها، وفيها العجائبُ، وكم حوادثَ طَرأَتْ فاستأصلت ما كان منها، فأعادُوا تَسْطِيرَ ما تَلَقَّفُوه من الرِّجالِ، فهذا يمنعُ النبى ﷺ أن يعملَ بحكمها في الجملةِ، لا شَرْعاً لموسى، ولا شرعاً له مُوافقة لموسى، ومتابعةً بحكم نَقْلِها، لم يَبْقَ إلا أنه عَلِمَ ذلك بطريقِ مِثْلِه، وهو الوَحْيُ المعصومَ عن الزيادةِ والنُقْصانِ، وكيف يجوزُ أن يُظَن بأنه يقيمُ حداً، ويتلفُ نَفْساً بحكم لم يَثْبُتْ أنه شرع الله سبحانه بطريقِهِ الذي يثبتُ الشرع بمِثْلِهِ؟ وهل يجوزُ أن يَفْعَلَ فيهم إلا ما يفعلُه فينا بما شَرَعَ الله له، مع قول الله سبحانه له: ﴿وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهم بما أَنّزَلَ الله﴾ [المائدة: ٤٩]؟ وإنما اسْتَدْعا بالتَوْراةِ، ووافَقَهم على كذبِهم حيثُ قالوا: إن عقوبةَ الزَّاني (١) التَّحْمِيمُ (٢) لِيُبَيِّنَ كذبهم فيما أخْبَروا به، وفيما كَتَمُوهُ من ذِكْرِهِ صلى الله عليه في التوراة.

стр. 726

فصل وقد ألْحَقَ أصحابُ أبي حنيفة وجهاً آخر، وهو النسخُ بزوالِ العِلَّةِ (١)، وذلك مثل: أن يستدلَّ الشافعي أو الحنبلي في تَخْلِيل الخَمْرِ: أن النبيَّ ﷺ نهى أبا طَلْحَة عن تخليلها، وأمرَه بإراقَتِها (٢)، فقالوا: كان أوَّلَ ما حُرمَ الخمرُ وألِفُوا شُرْبَها، فنهى عن تَخْليلِها تغليظاً وتشديداً، وقد زالَ ذلك المعنى، فزالَ الحكمُ. فالجواب عن ذلك: أن نَتَبَيَّنَ أن النَهْيَ كان حُكْمَ اللهِ في الخَمْرِ كإيجاب الحَدِّ والتَّفْسيقِ بشُرْبِها. والتنْجيسِ بها، فدعوى أنه كان لتلك الحالِ تشديداً، وأنه زالَ باعتيادِ الترْكِ، نسخ بغيرِ دليل، بل لمجرَّدِ احتمال، على أنَّ النهيَ منطوق به، والعلةَ منطوق بها، فقوْلُه جواباً لأبي طلحة حيثُ قال له: أفأخَللُها؟ قال: "لا، أهرقْها"، قال: إنها لِأيْتام، قال: "أرَقها"، والله سبحانه عَلَّلَها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وهذانِ النُّطْقانِ لا يجوزُ أن يُسْقطا بمجرَّدِ قولِكم: يجوزُ أن يكونَ حالُ النهي اقْتَضَت

стр. 727

الاحْتِدادَ (١)، ثم فَتَرَ النهيُ ونُقِضت الأحكامُ، كما لا يجوزُ ذلك في إيجابِ الحد، والتفسيقِ، وسقوط التغْريمِ على متْلِفِها، ونجاستِها، ويدَعى أن ذلك كان في حالِ احتدادِ النهي، وقرْبِ عَهْدِهم بها. فالنهي مطلق والأحكام ثابتةٌ، والنسخ ممتنع بعدم النطقِ الصالح للنسخِ، بل قد أبْقَى الشرع أحكاماً على سبيل التعَبُّد بعد زوال عِلَلها، كإبقاء تشريع الرمَلِ (٢) والاضْطِباعِ (٣)، وإن كانا وُضعا لاظهار الجَلَدِ للمشركين، وقد زال الخوف وبقيا تعبداً خِلْواً من عِلةٍ، وكذلك إبقاءُ القَصْرِ بعد اشتراطِ الخوف، فلما قَالوا له: يا رسولَ الله، ما بالُنا نقصر وقد أمِنَا، والله تعالى يقول: ﴿إنْ (٤) خِفْتُم﴾ [النساء: ١٠١] فقال: "صَدَقَةٌ تَصدَّقَ الله بها عليكم" (٥)، فكان لأجل الخوف، فلما

стр. 728

زالت العلَّةُ بَقِيَ مجرَّدَ صدقة. فإذا كانت الشريعةُ على هذا، لا يجوز أن يُقدَمَ على نسخ النطقِ الصريح بالنهي المطلقِ لأجْل دعوى علَّةٍ ما ثبتت، ودعوى أَنها قد زالت، ودعوى أنها إذا زالت انْتَسخ الحكمُ، والكلُّ لم يَثْبُت، ولا أصْلٌ استقر في الشرعِ، ولا نُسَلِّمه لك. فصل والاعتراضُ السابع: التَّأويل ، وذلك على ضرْبَين: تأويل الظاهرِ؛ كاستدلالِ الحنفي في إيجابِ غَسْلِ الثوب من المَنِيِّ بقوله ﷺ : "إن كان رَطْباً فاغْسِلِيه، وإن كان يابِساً فَحُكَيه" (١)، فحَمَلَه أصحابُنا وأصحابُ الشافعي على الاستحبابِ بدليلٍ. ومثل: استدلالهم في الشفْعَةِ بالجِوَارِ بقولِ النبي ﷺ : "الجارُ أحقُ بصَقَبِه" (٢)، فيقول أصحابنا: هو محمولٌ على العَرْضِ عليه

стр. 729

استحباباً، والِإحسانِ لجوارِه بدليلِ المسألة، وهي أن الشُّفْعة لا تُسْتَحَق إلا بالشَرِكةِ، فيُجْمَعُ بين هذا وبين قوله ﷺ : "الشفعةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفت الطرقُ، فلا شُفْعَةَ" (١). فصل وأما تخصيصُ العمومِ، مثل: استدلالِ أصحابنا وأصحاب الشافعي في قتل المُرْتَدةِ بقول النبي ﷺ : "من بَدل دينَه فاقتُلُوه" (٢)

стр. 730

فيخُضُه الحنفي بقولِ النبي ﷺ : "ما بالُها قُتِلتْ وهي لا تُقَاتِلُ" (١)، وبما يذكرُهُ من القياسِ. فالجواب: أن يُتَكلمَ على الدليل، فيُبْقَى له العمومُ. فصل في الاعتراض الثامن: المُعارَضَةُ وهي ضربان: معارضة بنُطْقٍ، ومعارضةٌ بعِلَّةٍ: فالمعارضةُ بالنطقِ، مثل؛ أن يستدل الشافعي في جوازِ صلاةٍ لها سبَب في أوْقاتِ النهْيِ بقوله ﷺ : "من نامَ عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذا ذَكَرَها" (٢)، فيُعارضهُ الحنفى أو الحنبلي بنَهْي النبي ﷺ عن الصلاةِ في هذهِ الأوقاتِ (٣)، ويُقدَمُ خبرَه على العموَمِ، لكونه نَهْياً

стр. 731

مخصَصاً لأوقاتٍ، والخاصُ يَقْضِي على العامَ. فالجوابُ له من وجهَيْن: أحدهما: أن يُسْقِطَ المعارضةَ بما ذكرنا من وجوهِ الاعْتِراضاتِ، والثاني: إن يُرَجحَ دلِيلَه بما يَجِدُ من وجُوهِ التَرْجيحاتِ. فصل فأمَّا الخارجُ على سبَبٍ فضرْبانِ -على ما قَدمنا- مستقِل بنفسِهِ دونَ السبب، والكلامُ عليه كالكلام على السنةِ المُبْتَدَأةِ، وزادَ أصحابُ مالك في الاعتراض عليهَ زيادةً على ما يُتَكَلمُ به على المبتدأ، وهو أن قالوا: هذا مقصور على السبب الذي وَرَدَ فيه، وذلك مثل: استدلالنا في إيجاب الترْتيب في الطهارةِ بقوله: "ابدَؤُوا بما بَدَأ الله بهِ" (١)، فقالوا: هذا وَرد في الَسعْيِ بين الصفا والمَرْوَةِ، وأرادَ به

стр. 732

ابدؤُوا فِعْلا بما بدأَ الله به قولًا، فوجبَ الترتيبُ حيثُ ورد، وفيما ورد، ولا يُحْمَلُ على غيرِهِ إلا بدَلالَةٍ. والجواب: أن اللفظَ صالح لِإيجابِ الابتداء بكل ما بدا الله به، وصالحٌ أن يكون معللاً بكونِ الله سبحانه بدأَ به، وفي ذلك معقول، وهو أنه ما بدأ به إلا وهو الأوْلى عندَه سبحانه في الفِعْلِ، فإذا جاء في طَيِّ الأمرِ المطلق، اقتضى ما اقتضاهُ الأمرُ المطلق، فلا يُتْرَكُ عمومُ الففْظ لخصوصِ السبب، وسيأتي الكلام عليه في مسائل الخلاف إن شاء الله. فصل الثاني: مالا يَستقل بنفسه دونَ السبب، فالذي يخصُّه من الاعتراضِ دعوى الإجْمالِ، وذلك مثل: أن يستدل الشافعي أو الحنبلي في مسألة مُدِّ عَجْوَةٍ بما روي: أن رجلًا أتى النبى ﷺ ، ومعه قِلادَة وفيها خَرَز وذَهَبٌ، فقال: إنى ابتَعْتُ هذا بسبعةِ دنانيرَ، فقال النبي ﷺ : "لا حتى تُمَيِّزَ" (١). فيقول الحنفي: هذا مُجْمَل؛ لأنه قضية في عَيْنٍ، فيُحْتَمَلُ أن

стр. 733

يكون الثمن مثلَ الذَّهب الذي فى القِلادة، فنهاه لذلك، ويحتمل أن يكون أكثرَ، فنهاه لأجلِ الزيادة، لا لأجْل اجتماعِ الذهب وغيْرِه، فوجبَ التوقفُ حتى يُعْلَمَ. فالجواب عنه: أن هذا زيادةٌ في السبَب المنقولِ، والحكمُ إذا نُقِلَ مع سببه لم تَجُزِ الزيادةُ عليها إلا بدَلالَةٍ والسبب كون الذَهب مع الخَرَزِ، والذهبُ بالذهب، والحكمُ هو النهي، فما ادعَيْتَه زيادةٌ لم تُنْقَلْ، على أن الظاهرَ أن عاقلًا لا يبيعُ ذهباً بذهبٍ مثلِهِ، أو ذهبُه أكثرُ من الذهبِ الذي باعَهُ به ومعه زيادة خرزٍ، فليس هذا البيعَ المعتادَ، بل الظاهرُ أن الذهبَ الذي في القلادةِ أقَل. ولأنه لو كان المَنْعُ لِمَا ذكرتم لنُقل، ولا يجوزُ أن يُنقلَ مالا يَتعلَّقُ الحكمُ به، ويُسْكَتَ عما تعلقَ به الحكم، ولأن النبي ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ، ولو كان لِمَا ذكرتم لكان موضِعُ الاستفصالِ إن لم يَعْلَم كيفيَّةَ الحالِ، ومكانُ البيانِ للعلَّةِ إن كان عَلِمَ، ليُجتنبَ أمثالُ ذلك من البيوعِ. فصل وأما الفعلُ فيَتَوَجَّهُ (١) عليه ما يتوجه على القولِ من الاعتراضِ، فالأول: أن يبين أن المُسْتدِل لا يقولُ به، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي ﷺ قَتَلَ مسلماً بكافر، وقال: "أنا أحَقُّ مَنْ وَفَى بذِمتِهِ" (٢).

стр. 734

فيقول له الحنبلي أو الشافعي: هذا لا نَقُولُ به، فإن الذي قَتَلَه به كان مُسْتأمِناً، لأنه كان رسولًا، ولا يُقْتل المسلمُ بالرسولِ عندَ أبي حنيفة. وقد تكلفَ بعضُ أصحابِ أبي حنيفة الجوابَ عن ذلك، فقال: لما قَتَل المسلمَ بالرسولِ، كان ذلك دالاً على قتلِ المسلم بالذِّمِّيِّ من طريق الأوْلى، فنُسِخَ قَتْلُ المسلمِ بالرسولِ، وبقي الذميُّ على مُقْتَضَاهُ الأولَ. فصل الاعتراضُ الثاني: المنازعةُ في مُقْتَضاه ، وهذا النوع يتوَجه على الفعلِ من طريقين: أحدهما: أن يُنازِعَه فيما (١) فَعَلَ، والثاني: أنْ ينازِعَه في مُقْتَضَى الفعلِ. فأمَّا الأولُ: فمثل: أن يستدل الشافعي في تَكْرارِ مسح الرأسِ بما رُوي: أن النبى ﷺ تَوَضأ ثلائاً ثلاثاً، وقال: "هذا وُضوئى، ووضُوءُ

стр. 735

الأنبياءِ قَبْلي، ووضُوءُ خليلِي إبراهيمَ" (١). فيقولُ (٢) الحنفي: قوله: "توضأ ثلاثاً" معناه غَسَلَ، لأن الوُضوءَ في اللغة هو النظافةُ وما تحصل به الوَضَاءَةُ، وذلك إنما يحصل بالغَسْل دونَ المسْح. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يُبَينَ أن الوضوءَ في عُرْفِ الشرع هو الغَسْل والمَسْحُ جميعاً، وفي اللغة عبارة عن الغَسْل، فوجب أن يُحمل على عرف الشرع، والثاني: أن يُبينَ بالدليلِ من جهة السياقِ أو غيرِه أن المرادَ به الغسلُ والمسح، مثل: أن يقولَ الشافعي: لما كان قولُه في الأولى: "توضأ مرة مرة" رجع إلى مسح الرأس مع غسل الأعضاء وجب أن يكون قولُه: "ثم توضا مرتَيْنِ مَرتينِ" راجعاً إلى جميعِ الأعضاء دون أن يخرجَ الرأسُ من الثانيةِ والثالثةِ، وقد انتَظَمَها الخبرُ. الطريقُ (٣) الثاني: أن يُسَلمَ ما فعلَه ﵊، لكِنه ينازعُه

стр. 736

في مُقْتضَى فعلِه، وذلك مثل: أن يستدلَّ الشافعي أو الحنبلي في الاعتدالِ في الرُّكوعِ والسجودِ بأن النبي ﷺ فَعَلَ ذلك، فيقولُ المُخالِفُ: فِعْلُه لا يَقْتَضِي الوجوبَ (١). والجواب عنه من ثلاثَة أوْجُه: أحدها: أن يقولَ: فِعْلُه عندِي يَقْتَضِي الوجوبَ، وان لم تُسَلِّمْ، دللْتُ عليه، والثاني: أن يقولَ: هذا بيان لمُجملٍ واجبٍ في القرآنِ، وبيانُ الواجب واجبٌ، والثالث: أن يقول: قد اقْتَرَنَ به أمْر، وهو قولُه ﵇: "صَلوا كما رَأيْتُمُوني أصَلِّي (٢). والأمرُ يَقْتضِي الوجوبَ. فصل الاعتراضُ الثالث: دعوى الإجمالِ ، وهو مثل: أن يستدلَّ الشافعي في طَهارَةِ المَنِيِّ بأن عائشةَ أمَ المؤمنين ﵂ قالت: كنت أفْرُكُ المنيَّ من ثَوْب رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي" (٣)، ولو كان نَجِساً لقَطَعَ الصلاةَ. فيقول الحنفي: هذا مُجْمل لأنه قَضِية في عَيْن، فيحتمل أنه كان قليلًا، ويحتمل أنه كان كثيراً، فوجبَ التوَقُّفُ فيه.

стр. 737

فالجواب: أن يبينَ بالدليل أنه كان كثيراً، لأن عائشةَ احْتَجَّتْ بهذا الخبرِ على طَهارَتِهِ، ؤلَا يجوزُ أن تَحْتَج بما يُعْفَى عنه مع نجاسَتِه، ولأنها أخْبَرَت عن دوام الفعل وتَكَررِه، وَيبْعُدُ أن يستويَ حالهُ في القِلةِ مع تكررِه. فصل و الاعتراضُ الرابع: المُشارَكةُ في الدليلِ ، مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ تَرْكِ قِسْمةِ الأراضي المَغْنُومَةِ بأن النبي ﷺ تَرَكَ قِسْمَةَ بعضَ خَيْبَرَ (١). فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا حُجة، لأنه قَسَمَ بعضَه، وفعلُه يقتضي الوجوبَ، وأما تَرْكُه لِماْ تركَ فيُتأوَّلُ على وَجْهٍ من وجوهِ العُذْرِ، إمَّا لنوائبه أو مهمات الأسلام. فيجيب الحنفي بأن يَتَأوَّلَ القسْمَ ليَجْمَعَ بينَه ويينَ التَرْكِ، ويقولُ: لستُ أوجِبُ القِسْمَةَ، وفعلُه وتركهُ بيانٌ لجوازِهما، وأصْرفُه عن الوجوب بدليلٍ. فصل و الاعتراضُ الخامس: اختلافُ الروايةِ ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ نكاح المُحْرِمِ بأن النبى ﷺ تَزوجَ مَيْمُونَةَ وهو

стр. 738

مُحرِم (١). فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: رُوي أنه تزوجها وهما حَلالانِ (٢). والجواب عنه من وجهين (٣): أحدهما: أن يَجمعَ بين الروايتيْنِ إن أمْكَنَهُ. والثاني: أن يُرَجحَ روايتَهُ على روايةِ المخالفِ. فصل و الاعتراض السادس: دعوى النسخِ ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في سجود السهْوِ بأن النبى ﷺ سَجَدَ بعدَ السلامِ. فيقول الشافعي: هذا منسوخ بما روى الزهْرِيُّ قال: كان آخِرَ الأمْرَيْنِ من رسولِ الله ﷺ السجودُ قبل السلامِ (٤).

стр. 739

فالجواب للحنفي أن يقولَ: أنا أجْمَعُ بينهما بالتأويلِ، أو (١) يتكلمَ على النسخِ بما يُسْقِطُه (٢). فصل الاعتراض السابع: التأويل ، وهو مثل: أن يستدل الحنفي بأن النبي ﷺ تزوجَ ميمونة وهو مُحرمٌ. فيتأولُه الحنبلي أو الشافعيُّ، فيقول: معناه أنه مُحْرِم بالحَرَمَ لا بالإِحْرام (٣)، مثل قولهم لمن كان بتِهامَةَ: مُتْهِمٌ، ومن كان بنَجْد: مُنْجِدٌ، وأَنشدُوا في عثمان ﵁ حيثُ كان بحَرَمِ المدينةِ: قتلُوا ابنَ عفانَ الخليفَةَ مُحْرِماً ... وَدَعا، فلم يُرَ مثلُه مَخْذُولًا (٤) وَيحْمِلُه على ذلِكَ بالدليل. فالجواب: أن يَتكلَّمَ على الدليلِ الذي صَرَفَه به عن ظاهِرِه ليُسقِطَه، ويَبْقى له الظاهرُ. فصل و الاعتراضُ الثامن المعارضة ، وذلك يكون بظاهرٍ، وقد يكون بعلةٍ.

стр. 740

فالظاهر: مثل أن يستدل الشافعي في رفع اليد بما روى أبو حميد الساعدي أن النبي ﷺ رفع يديه حذو منكبيه (١). فيعارضه الحنفيُّ بما روى وائل بن حجر أن النبي ﷺ رفع يديه حيال أذنيه (٢). والجواب أن يتكلم على المعارضة بما ذكر من وجوه الاعتراضات (٣)، أو يرجح دليله على ما عورض به بما نذكره في فصل الترجيحات إن شاء الله. وإن كانت المعارضة بالعلة، فالجواب عنه أن يتكلم عليها بما يتكلم على العلل. فصل وأما الإقرار فضربان على ما قدمنا (٤): إقرار على قول، وهو كقوله ﵇ في الاعتراض والجواب، واقرار على فعل. فهو كفعله ﷺ في الاعتراض والجواب على ما قدمنا. فصل الاعتراض على الاستدلال بالإجماع، وهو من أربعة أوجه: أولها: من جهة الرد، وهو من ثلاثة أوجه: أحدها رد الرافضة (٥)،
следующие страницы →