← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

في مُقْتضَى فعلِه، وذلك مثل: أن يستدلَّ الشافعي أو الحنبلي في الاعتدالِ في الرُّكوعِ والسجودِ بأن النبي ﷺ فَعَلَ ذلك، فيقولُ المُخالِفُ: فِعْلُه لا يَقْتَضِي الوجوبَ (١). والجواب عنه من ثلاثَة أوْجُه: أحدها: أن يقولَ: فِعْلُه عندِي يَقْتَضِي الوجوبَ، وان لم تُسَلِّمْ، دللْتُ عليه، والثاني: أن يقولَ: هذا بيان لمُجملٍ واجبٍ في القرآنِ، وبيانُ الواجب واجبٌ، والثالث: أن يقول: قد اقْتَرَنَ به أمْر، وهو قولُه ﵇: "صَلوا كما رَأيْتُمُوني أصَلِّي (٢). والأمرُ يَقْتضِي الوجوبَ. فصل الاعتراضُ الثالث: دعوى الإجمالِ ، وهو مثل: أن يستدلَّ الشافعي في طَهارَةِ المَنِيِّ بأن عائشةَ أمَ المؤمنين ﵂ قالت: كنت أفْرُكُ المنيَّ من ثَوْب رسول الله ﷺ وهو يُصلِّي" (٣)، ولو كان نَجِساً لقَطَعَ الصلاةَ. فيقول الحنفي: هذا مُجْمل لأنه قَضِية في عَيْن، فيحتمل أنه كان قليلًا، ويحتمل أنه كان كثيراً، فوجبَ التوَقُّفُ فيه.

стр. 737

فالجواب: أن يبينَ بالدليل أنه كان كثيراً، لأن عائشةَ احْتَجَّتْ بهذا الخبرِ على طَهارَتِهِ، ؤلَا يجوزُ أن تَحْتَج بما يُعْفَى عنه مع نجاسَتِه، ولأنها أخْبَرَت عن دوام الفعل وتَكَررِه، وَيبْعُدُ أن يستويَ حالهُ في القِلةِ مع تكررِه. فصل و الاعتراضُ الرابع: المُشارَكةُ في الدليلِ ، مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ تَرْكِ قِسْمةِ الأراضي المَغْنُومَةِ بأن النبي ﷺ تَرَكَ قِسْمَةَ بعضَ خَيْبَرَ (١). فيقول الشافعي أو الحنبلي: هذا حُجة، لأنه قَسَمَ بعضَه، وفعلُه يقتضي الوجوبَ، وأما تَرْكُه لِماْ تركَ فيُتأوَّلُ على وَجْهٍ من وجوهِ العُذْرِ، إمَّا لنوائبه أو مهمات الأسلام. فيجيب الحنفي بأن يَتَأوَّلَ القسْمَ ليَجْمَعَ بينَه ويينَ التَرْكِ، ويقولُ: لستُ أوجِبُ القِسْمَةَ، وفعلُه وتركهُ بيانٌ لجوازِهما، وأصْرفُه عن الوجوب بدليلٍ. فصل و الاعتراضُ الخامس: اختلافُ الروايةِ ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في جوازِ نكاح المُحْرِمِ بأن النبى ﷺ تَزوجَ مَيْمُونَةَ وهو

стр. 738

مُحرِم (١). فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: رُوي أنه تزوجها وهما حَلالانِ (٢). والجواب عنه من وجهين (٣): أحدهما: أن يَجمعَ بين الروايتيْنِ إن أمْكَنَهُ. والثاني: أن يُرَجحَ روايتَهُ على روايةِ المخالفِ. فصل و الاعتراض السادس: دعوى النسخِ ، وذلك مثل: أن يستدل الحنفي في سجود السهْوِ بأن النبى ﷺ سَجَدَ بعدَ السلامِ. فيقول الشافعي: هذا منسوخ بما روى الزهْرِيُّ قال: كان آخِرَ الأمْرَيْنِ من رسولِ الله ﷺ السجودُ قبل السلامِ (٤).

стр. 739

فالجواب للحنفي أن يقولَ: أنا أجْمَعُ بينهما بالتأويلِ، أو (١) يتكلمَ على النسخِ بما يُسْقِطُه (٢). فصل الاعتراض السابع: التأويل ، وهو مثل: أن يستدل الحنفي بأن النبي ﷺ تزوجَ ميمونة وهو مُحرمٌ. فيتأولُه الحنبلي أو الشافعيُّ، فيقول: معناه أنه مُحْرِم بالحَرَمَ لا بالإِحْرام (٣)، مثل قولهم لمن كان بتِهامَةَ: مُتْهِمٌ، ومن كان بنَجْد: مُنْجِدٌ، وأَنشدُوا في عثمان ﵁ حيثُ كان بحَرَمِ المدينةِ: قتلُوا ابنَ عفانَ الخليفَةَ مُحْرِماً ... وَدَعا، فلم يُرَ مثلُه مَخْذُولًا (٤) وَيحْمِلُه على ذلِكَ بالدليل. فالجواب: أن يَتكلَّمَ على الدليلِ الذي صَرَفَه به عن ظاهِرِه ليُسقِطَه، ويَبْقى له الظاهرُ. فصل و الاعتراضُ الثامن المعارضة ، وذلك يكون بظاهرٍ، وقد يكون بعلةٍ.

стр. 740

فالظاهر: مثل أن يستدل الشافعي في رفع اليد بما روى أبو حميد الساعدي أن النبي ﷺ رفع يديه حذو منكبيه (١). فيعارضه الحنفيُّ بما روى وائل بن حجر أن النبي ﷺ رفع يديه حيال أذنيه (٢). والجواب أن يتكلم على المعارضة بما ذكر من وجوه الاعتراضات (٣)، أو يرجح دليله على ما عورض به بما نذكره في فصل الترجيحات إن شاء الله. وإن كانت المعارضة بالعلة، فالجواب عنه أن يتكلم عليها بما يتكلم على العلل. فصل وأما الإقرار فضربان على ما قدمنا (٤): إقرار على قول، وهو كقوله ﵇ في الاعتراض والجواب، واقرار على فعل. فهو كفعله ﷺ في الاعتراض والجواب على ما قدمنا. فصل الاعتراض على الاستدلال بالإجماع، وهو من أربعة أوجه: أولها: من جهة الرد، وهو من ثلاثة أوجه: أحدها رد الرافضة (٥)،

стр. 741

فإن عندهم أنه ليس بحجة في شيء من الأحكام، فالجوابُ أن يقال: هذا أصل من أصول الدين، فإذا لم تُسلموا دللناَ عليه بما سنذكره في مسائل الخلاف من هذا الكتاب إن شاء الله (١). على أنه إن لم يكن حجة عندهم، ففيه حجة، وهو قولُ الإمام المعصوم عندهم، فوجب الأخذ بِه. فصل في الثاني منَ الرَّد: وهو رد أهلِ الظاهرِ لإِجماع غير الصحابة (٢). فالجوابُ: أن ذلك أصل لنا، وندل عليه بما يأتي في مسائل الخلافِ إن شاء الله (١).

стр. 742

فصل في الثالث من وجوه الرَّد: رَدُ أهل الظاهر لما ظهر فيه قولُ بعضِهم وسكت الباقون، فإنَّ عندهم أن ذلك ليس بحجة (١). فالجواب أن يقال: إن ذلك حجةٌ، فإن لم يُسَلِّموا نقلنا الكلام إليه لما سيأتي في الخلاف إن شاء الله (٢). فصل الاعتراض الثاني بعد قبول الإجماع المطالبة بتصحيحِ الِإجماع، وذلك: مثل أن يستدل الحنبلي أو الشافعي في تغليظ الدية بالحرم بأن عمر وعثمان وابن عباس ﵃ غلظوا بالحرم. فيقول الحنفي: هذا قولُ نَفَرٍ من الصحابة وليس بإجماع (٣). فالجواب: أن يُبَينَ ظهورَ الِإجماع بأن يقول: شأنُ القتلِ مما يشيع وينتشر ويُتَحَدثُ به وُينْقَلُ القضاء فيه لا سيما في قضية عثمان ﵁، فإنه قضى في امرأة قتلت في زحام الطواف بتغليظ الدِّية والطواف يَحضُرهُ الناس من الأفاق، ولم يخالفه أحد، فالظاهر أنَّه إجماع.

стр. 743

فصل والاعتراض الثالث أن ينقل الخلاف عن بعضهم، مثل: أن يستدل الحنفيُّ في توريثِ المبتوتة بأن عثمان رضي، الله عنه ورَّث تُماضرَ بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف بعدما بت طلاقها. فيقول الشافعيُّ: روي عن ابن الزبير أنه خالف، فقال: ورثَ عثمانُ تماضر، أما أنا فلا أرى توريث المبتوتة (١). فالجواب: أن يتكلم على قولِ ابن الزبير بما يسقطه، فيسلم له الإجماع. فصل الاعتر اض الرابع أن يتكلم عليه بما يتكلم على متن السُّنة وقد بينَاه. فصول الاعتراض على قول الواحد من الصحابة اعلم أن الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: أحدها: الرد، وأنَّهُ ليس بحجة، فيدل المستدلُّ به على ذلك

стр. 744

الأصل، وأنه حُجة بما يأتي ذكره في مسائل الخلاف إن شاء الله (١). و الثاني: أن يعارض قول الصحابي بنص كتاب أو سنةٍ . فجواب المعارضة: الكلامُ عليهما بما يتكلم على الكتاب والسنة المستدل بهما ابتداءً بما بينا. فصل الاعتراض الثالث: أن ينقلَ الخلافَ عن غيرِهِ من الصحابةِ ، فتصيرَ المسألةُ خلافاً بين الصحابةِ، فيقفَ دليلُه. والجوابُ عن ذلك: أن يتكلمَ على ما ذَكَر من قَوْلِ غيرِهِ بما يُسْقِطُهُ، إمَّا بتأويل يجمعُ به بين القَوْلينِ، أو ترجيح لقولِ من استدل به، فيسلم له قَوْلُ من استدل بقولِه من الصحابةِ. والترجيحُ: ان يذكر أنَ المُستدِل بقولهِ كان أعرفَ وأقْرَبَ إلى النبى ﷺ ، أوْ أخص به، أو بكوْنهِ من الخُلفاءِ. وقد قال ﷺ : "عليكم بسُنَتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشدين من بَعدِي" (٢)، أو يكون استدلالهُ بقَوْلِ الأخصِّ منهم كأبي بكر وعمرَ، فيقول: إن النبيَّ ﷺ أمر بالاقتداءِ بهما، فقال: "اقتدوا باللذَيْنِ مِن بعدي: أبي بكرٍ وعمر" (٣).

стр. 745

فصول الكلام على فحوى الخطاب (١) اعلم أن الاعتراضَ عليه من وجوه: أحدّها: المطالبة بتصحيحِ المعنى الذي يقتضي تأكيدَ الفَرْعِ على الأصل، وذلك مِثْل: أن يقولَ الشافعيُّ في إيجاب الكفَارةِ في قَتْلِ العَمْدِ: إنَما وجبتِ الكفَارة لتغطيةِ المأثَمِ أو رَفْعِهِ؛ فإذا وجبت في قَتْلِ الخطأ ولا إثْمَ فيه، فافي العَمْدِ أولى (٢). فيقول الحنفيُّ أو الحنبليُّ (٣): لا أسلمُ أنَ الكفارةَ وُضِعَتْ لِرَفْعِ المأثَم، وما ذكَرْتَة مِن قَتْلِ الخطأ، فهو الدالُّ على خلافِ ما ادعَيْتَ؛ لأنَ قَتْلَ الخطأ لا مأثَمَ فيه، فكيف تستدل على أنها وضِعَت لِرَفْعِ المأْثَم؛ والأَصْلُ [الذي] به نَبَّهتَ ما وَجَبتْ فيه لمأْثَمٍ، على أَنَّها لو وَجَبَتْ فيما لم يتمحَّضْ مَأْثَمةً مُطبقةً لنوعِ تكفيرٍ أو تطهير، فمن أين لنا أنها تُقاومُ جُرماً كبيراً ومأْثماً مَحْضاً؛

стр. 746

فيقولُ الشافعيُّ: الدلالةُ على أنها وُضِعَت لذلك تَسْمِيَتُها بكفارة، وقولُه ﷺ في عِتْقِ الرقبةِ في عمْدِ الخطأ: "أعتقوا عنه رَقَبَةً، يَعْتِقِ الله بكل عُضْوٍ منها عضْواً منه من النارِ" (١) وإذا لُحِظَ وَضعها وأنها مُتَتَبعٌ بإيجابِها مواضعَ الجرائم والهُتوكِ، فلا تتعدّى قَتْلًا، أو هَتْكَ صيام أو إحرام، أو قَتْلَ صَيْدٍ، أو ارتكابَ محظورٍ في الحج، أو هَتْكَ حُرْمةِ اسمٍ أقسِمَ به، عُلِمَ بذلك أنها وُضعت مُكَفِّرة للذنوب، وشذَّ قَتْلُ الخطأ من بين هذه الجرائمِ فوجَبَتْ فيه، لأنه صورةُ جريمةٍ، لأنه قَتلُ نَفْسٍ بغَيْرِ حقٍّ، وغالبُ الحالِ فيه: أنه لا يخلو من تَفْريطٍ في الاحتياطِ والتأمُّلِ، وإن لم يكن، فهو نادر من الجِنْسِ، فألْحِقَ بالغالبِ كما أُلحِقَ المتودع (٢) في سَفَرهِ في استباحةِ الرخص بالغالب من المسافرين في أرباب المشاقِّ، وكالآيسةِ في العِدةِ والطِّفلَةِ ألحقاَ بمَنْ يُتَصَوَرُ في حقَهن شَغْلُ الرحِمِ بإيجابِ العِدَّةِ والاستبراءِ. فصل في الاعتراض الثاني أن يقولَ بموجب التأكيدِ ، مِثْلَ أن يقولَ: لما كان القَتْلُ العَمْدُ آكدَ، غُلِّظَ فيه بإيجابِ القَوَدِ. فيقول الشافعي: القَوَدُ لحَق الآدميَ، ولذلك يسقطُ بعَفْوِهِ، ويؤخَذُ فيه المالُ بصُلْحِهِ، وينحط عن رُتبةِ العقوبةِ بذلك إلى رُتبةِ المُعاوضةِ وأحكامِ الأموالِ، وذلك لا يقضي حق الله سبحانه من القَتْلِ، كما

стр. 747

لم يَقْضِ في شِبْهِ العَمْدِ والقَتْلِ في الحَرَم تَغْليظ الدِّيةِ عن إيجاب الكفارةِ، فكما لم يَنُب إيجابُ القيمةِ من الصَيدِ المملوكِ عن الجزاءِ، ولا وجوبُ المَهْرِ في الوطْءِ بشُبْهةٍ في نهارِ رمضان عن كفَّارةِ الصوْم، بل حق اللهِ تعالى إذا تغاير لم يسقُط بالتغليظِ بغيرِهِ، كإيجاب الحَدِّ على الزاني في نهارِ رمضان لا يُسقط عنه كفارة الصيام، فأوْلىَ أن لا يُسقطَ تغليظُ حق الآدميِّ هُنا حقَّ الله تعالى. فصل والاعتراضُ الثالث: الإِبْطالُ ، وهو أن يُبْطِلَ هذا بالردَةِ، فإنَّها أعظمُ في المأثم من قَتْلِ الخطأ: ثم لم تجبْ في الرِّدَةِ مع وجوبها في قَتْلِ الخطأ، فقد بأن أنَها قد تَجِبُ في الأَدْوَن ولا تَجِبُ في الأغْلَظِ. فالجوابُ للشافعيِّ أن يقول: إن الردَةَ مُحْبطَة للأعمالِ عند كافةِ العلماءِ، فكيفَ كفرُ أعمالُ الخير وهي لا تَقَعُ معها إلَّا مُنْحَبِطَةً، ولأنَّه ليس من جنسِ الردَّةِ من الكُفْرِ ما يوجبُ تكفيراً، والقَتْلُ فيه ما يُوجبُ، وهو الخطأ، وعَمْدُ الخطأ، فنبَّه إيجابُها في أدْوَنهِ على إيجابِها في أعلاهُ، على أنَ الردِّ ةَ قد أوجَبَت لله تعالى قَتْلَ المرتد، فما خلا من عقوبةٍ عظمى لأجْلِ جريمتِهِ العُظْمى. فصل في الاعتراضِ الرابع وهو أن يُطالبَهُ بِحُكْمِ التأكيدَ، وذلك مِثْلَ أَن يقولَ الحنفي أَو الحنبلي لأَحدِ مَذْهَبَيهِ في إزالةِ النجاسةِ بالخَل: إنه إذا جازَ بالماءِ فبالخل

стр. 748

أجْوَزُ لحِدتِهِ وقَلْعِهِ للآثار، فيقول الشافعيُّ: فالأوْلى يُوجبُ أن يكونَ مَذْهبُك في الإِزالةِ بالخلِّ أولى من الماء؛ لأنه أبلغُ، وعندك الماءُ أفضَلُ، فلا يطابقُ مذهبُك دليلك! فيقول الحنفيُ: إنَّما كان الماءُ أَولى؛ لأَن فيه نصّاً مُتَأوّلًا، فتعلَّقت الفَضيلةُ به لأَجل ذلك (١). فصل في الاعتراضِ الخامس أن يجعلَ التأكيدَ حُجة عليه ، وهو مثل استدلال الحنبليّ أو الشافعيِّ في اللواط بأَئه إذا وجبَ الحدُّ بالوَطْءِ في القُبُل مع كوْنِهِ مما يُستباحُ بَعْقدٍ وَبملكٍ، فلأن يجبَ في اللواطِ وهو ممّا لايُستباح بَعْقدِ نكاحٍ ولاملْكِ يمينٍ أولى (٢). فيقول الحنفيُّ: هذا هو الحُجةُ؛ لأنَّ اللواطَ لما كان أغْلَظَ في التحريمِ لم يُجْعَلِ الحد مُطَهِّراً له، ولا مُطيقاً لتكفيرِهِ لتَغَلظِهِ. فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: ليس وَضْعُ الشرْع على ما ذكَرْتَ، بدليلِ أَنَّ العقوباتِ تتغلَّظ بتَغَلظِ الجرائمِ، فقُطِعَ بسرقةِ اَلمالِ، ثم ضوعفَتْ بقطعِ الرِّجْلِ مع اليَدِ بأخذِ المالِ والسعْيِ في الأرْضِ بالفسادِ في

стр. 749

حقِّ قاطع الطريق، وتغلظ القَتْلُ فيه بالانحتامِ، وتغلظ حد الثيب على حد الأبكارِ، ولأنَّه لو كان هذا صحيحاً لَما وَجَبَ به التعزيرُ رأساً، بل كان لا يُعاقَبُ باللواطِ حداً ولا تعْزيراً. فصل في الاعتراض السادس أن يُقابلَ التأكيدَ بما يُسْقِطُه: وهو أن يقول: إن كان اللواطُ آكدَ في التحريمِ، إلّا أن الفساد في وَطْءِ النساءِ أعظمُ؛ لأنَه يُفْضي إلى خَلْطِ الأنسابِ وإفسادِ الفراشِ، فهو بالحد أوْلى. فيقال: الفسادُ في اللواطِ أشد؛ لأنه يقطعُ النسْلَ بوَضْعِ النطَفِ في غيرِ محل الحَرْثِ، وقد أشار الله سبحانه إِلى ذلك فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، والمراد به سبيلُ النَسْلِ، والله اعلم (١). فصول الكلام على دليلِ الخطابِ وهو جارٍ مَجْرى الخطاب في أكثرِ الاعتراضات، إلا أن الذي يكثُرُ فيه وجوهٌ أحدُها: الرد مثْلَ أن يستدلَّ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في تَبَع الثمرةِ للنخْلِ المَبيعِ قَبْلَ التأبيرِ بما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ باع نَخْلًا بعد أن تُؤبرَ، فثمرتُهَا للبائعِ إلا أن يشرطَها المبتاع (٢) " فدلَّ على

стр. 750

أنَّه إن باع قَبْلَ أن يُؤبرَ فثمرتُها للمشتري. فيقول الحنفيُّ: هذا استدلال بدليلِ الخطابِ، وعندنا أنَّ ذلك ليس بحُجَّةٍ. والجوابُ للشافعيِّ أن يقولَ: هو عندنا حُجَّة، فإِن لم يُسَلِّم، يُقْلَبِ الكلامُ إليه. فصل والثاني: أنَّ يقولَ: هذا احتجاجٌ بنَفْسِ الخطاب، فإِنه قال: مَنْ باعَ، و"مَنْ" حرث من حروفِ الشرطِ، فدل على أنَ التأبيرَ شَرْط في كَوْنِ الثمرةِ للبائع، وعندهم أنَّ ذلك ليس بشَرْطٍ. فصل والثالثُ: انَ ذِكْرَ الصفةِ في الحُكْمِ تعليل؛ ألا تَرى أنه إِذا قال: اقطعوا السارقَ، كان معناه: لسرقته، وحُدُّوا الزاني، معناه: لزناه، فكذلك لمّا قال: "من باع نَخْلاً بعد أَن تُؤبَّرَ، فثمرتها للبائعِ"، وجب أن يكونَ معناه: لكونها مؤبرةً، وعندهم أنَّ ذلك ليس بعلَّةٍ. فصل الاعتراض الثاني أنَّ يُعارضَه بُنْطقٍ او فَحْوى النطْقِ، وهو التنبيهُ، أو بالقياسِ.

стр. 751

والجوابُ: أن يتكلَّم على هذه المعارضاتِ بما يُسْقِطُها، فيبقى الدليلُ. فصل والاعتراضُ الثالث: أن يتكلَّمَ عليها بالتأويلِ؛ وهو أن يُبَينَ فائدةَ التخصيصِ بأن يقولَ: إِنَّما خَصَّ هذه الحالَ بالذكْرِ؛ لأنه مَوضعُ إِشكالٍ، مثلَ أن يستدلَّ الحنفيُّ في إِسقاطِ الكفارةِ في قتْلِ العَمْدِ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فدكَ على أَنه إذا قتله عَمْداً لم تجبِ الكفارةُ (١). فيقولُ الشافعيُّ أَو الحنبليُّ لإِحدى الروايتين (٢): إِنَّما خَصُّوا الخَطأَ بالذكْرِ لأَنه موضعُ إِشكالٍ حتى لايَظُن ظانٌّ أَنه لا يجبُ عليه الكفارةُ لكونه مُخْطئاً، أو خُصَّ بالذكْرِ؛ لأَنَ الغالبَ أَنه لايَقَعُ قَتْلُ مؤمنٍ لمؤمنٍ إِلأ على هذه الصفةِ. ومثْلُه أيضاً: أنَّ يَستدلَّ الحنفيُّ في المَنْعِ من التيمُّم في الحَضَر بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فدلَّ على أنه إِذا لم يكن في السفرِ لم يتيمَّم (٣).

стр. 752

فيقول الحنبليُّ أو الشافعي: انما خص السفر بالذكْرِ؛ لأن غالبَ تعذرِ الماءِ يكون في السفرِ، فأحمله على ذلك بدليلِ كذا وكذا. والجواب: أن يتكلم على الدليلِ بما يسْقطه، ليسلم له الدليل.

стр. 753

فصول الكلام على معنى الخطاب وهو القياس فصل في عدد الَأسئلةِ التي يُعترضُ بها عليه قال بعضُ الائمةِ: وُيعترضُ على القياسِ من عشرةِ اوجهٍ. وقال بعضُهم: يُعترضُ عليه بأربعةَ عَشَرَ سؤالاً: فالأوَّلُ: الاعتراضُ على وَضْعِ القياسِ. والثاني: الاعتراضُ بالممانعةِ فيه. الثالثُ: المطالبةُ بتصحيح العِلَة. الرابعُ: إِفسادُة بعَدَمِ تأثيره. الخامسُ: النَقْضُ. السادسُ: القَوْلُ بموجبه. السابعُ: القَلْبُ. الثامنُ: الكَسْرُ. التاسعُ: فسادُ الاعتبارِ.

стр. 754

العاشرُ: المعارضَةُ. فالأربعة التي زيدت: منها تفصيلٌ دخل تَحْتَ إجمالِ قولِ الأولِ، والممانعة فيه. فقال مَنْ جعل الأسْئِلةَ أربعةَ عشر: ومن الأسْئلةِ: مَنعُ الحكمِ في الأصْلِ. ومَنْعُ الوصفِ في الأصلِ أو في الفَرْع، وان لا تُوجبَ العلةُ أحكامَها، وفسادُ الوَضْع غَيْرُ فسادِ الاعتبارِ، وأن يُعْتَرَضَ بعلةٍ على أصْلِها. فهذه جملةُ الأَسئلة (١). فصل في حدودِ هذه الاعتراضاتِ والأسْئلةِ على القياس ، وأمثلتها لينكشفَ للمبتدي ويُسفر للمنتهي، وبيان ما ينبغي أن يكونَ جواباً لها. فالأوَّلُ: الاعتراض على وَضْعِ القياسِ، إِما على جملته من جهةِ نُفاةِ القياسِ؛ كأهلِ الظاهرِ والإمامية، وهو الرد والمَنْعُ من كَوْنِهِ حُجَّةً في دين الله تعالى. فالجوابُ عن هذا النوعِ من الاعتراضِ: إقامةُ الدِّلالةِ على كونهِ دليلًا من أدِلةِ الشرعِ بما نذكرُهُ في مسائلِ الخلافِ إن شاء الله. فصل والثاني: الرد له من جهةِ مثبتي القياسِ بادّعائهم أنك احَتَجْجتَ به في غيرِ موضعه؛ لأنه دليلٌ ظنيٌ، وقد استدللتَ به في محل لا يُقبَلُ فيه

стр. 755

إلا الدليلُ القَطْعىُّ، وذلك قد يودُ من حنبليٍّ أو حنفى على شافعيٍّ استدلَّ على إثبات: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من الفاتحةِ وكلِّ سورةٍ بأنها مكتوبةٌ في المصاحفِ بلا نكير، مَتْلُوَّة في المحاريب بغيرِ تغيير، فهي كسائرِ الآيِ من السُّوَرِ. فللشافعيِّ أن يقولَ: إنني غيرُ مستدل بقياس، لكني مستدلٌ بدليل قطعيٍّ، وهو الإِجماعُ. وتعاطى بعضُهم فقال: إني مستدل بعلةٍ تُوجبُ العلمَ، وهى إجماعُهم على كَتْبِهِم لها في المصاحفِ، وتلاوتهم لها في المحاريب، فإذا كانت علةً تُوجبُ العِلْمَ، ثبتَ بها ما طريقُهُ العِلْمُ كالعِلَلِ العقليةِ (١). فيقول الحنبليُّ أو الحنفيُّ: أما الإجماعُ على الكَتْب والتلاوةِ فلا يُصَرِّحُ بالإجماع على انها آية مما يُكتبُ في ابتدائهِ أو كُتِبَتْ، بل يجوزُ أن تكون تلاوتُهم لها وكَتْبُهم إياها ابتداءً تبرك، واستفتاح باسمِ الله، كما كان يكتبُ النبيُّ ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٢) الآية [آل عمران: ٦٤]. فأَمَّا دعوى التعليلِ بعلةٍ قطعيةٍ، فالذي ذكرْتَهُ في الأصْلِ وهو جميعُ آيِ القُرآنِ، فإن كان موجوداً في الفَرْع، فأثْبتْ به ولا تَجْعَلْهُ علةً، وإن لم يكن موجوداً في الفَرعِ، فلا يصحَ قياسُكَ، وما مَثَلُكَ في

стр. 756

هذا إلا مَثَلُ مَنْ قال: الشعيرُ فيه الربا؛ لانه مَنْصوص على تحريم التفاضلِ فيه، فأشْبَهَ البُرَّ. فإنه قد ادَّعى اجتماعَ الشعيرِ مع البُر في النَّصِّ (١)، فمنعه ذلك من أَن يكونَ قائساً؛ لأنَّه إنَّما يُقاس غيرُ المنصوصِ على المنصوصِ، وفي دُخولِ الشعير مع البُر في النص على تحريمِ التفاضُلِ ما يمنعُ القياسَ وُيغني عن أخْذِ حُكْمِ أحدِهما من الآخَرِ؛ إذ ليس أخْذُ حكْمِ الشعيرِ من البُر بأولى من أخْذِ حُكْمِ البُر من الشعير مع استوائِهما في اشتمالِ النصِّ عليهما وتناوُلِهِ لهما، كذلك إذا كان الإجماعُ قد انعقد في الفَرْعِ كَتْباً وتلاوةً، وفي الأصْلِ كذلك، فلا وَجْهَ للقياسِ، فهذا مما يصَور صورةَ القِياس وليس بقياس صحيح، كما قُلنا في قياس البُر على الشعيرِ، والشعيَرِ على البُر. فصل ومن الاعتراضِ: ردُ القياسِ من مُثْبتي القياسِ في محل لا يليقُ القياسُ بإِثباتهِ، كإثباتِ الأسماءِ فيمنع أصحابُ أبي حنيفةَ من إِثباتِها به، وإثباتِ اللغةِ في الجملةِ، وذلك مثل تَسْمِيَتنا النبيذَ خَمرْاً؛ لُمخامرتِه العَقْلَ وتغطيته له وفِعْلِهِ كفِعْلِ الخَمْرِ، وعساهم يقولون: إن الأسماءَ واللغاتِ مفروعٌ منها، وذلك إِما بالإلهام والتعليم من الله

стр. 757

سبحانه لأدم حيث علَّمه أَسماءَ الأَشياءِ، والأعمالُ كلها داخلة فيها، أو من حيثُ إنَّ أهْلَ اللغةِ لم يتركوا شيئاً إلّا وقد وضعوا له اسماً، فلم يَبْقَ للقياسِ مساغٌ (١). فيُقال: إِن الإشباعَ في هذا يأتي في مسائلِ الخلافِ أنَّ شاء الله (٢)، لكنا لا نُحِب أنَّ نُخْليَ هذه الشبهةَ من جواب، وذلك أنَّ الله سبحانه قد ألْهَمَ آدمَ وعلمه، وكما قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وأنزلَ في آخرِ أمرِ النبى ﷺ وزمانه قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ثم إِن الحوادثَ التي تجدَّدَتْ فى أعصارِنا بَعْدَهُ عَصْرَاً بعد عَصْرٍ، ولم يَنزل فيها قُرآن، ولا وَرَدَ فيها سُنة مِثْلَ الخُنْثى المُشْكِل، والغَرْقى، والهَدْمى، وميراث المُعْتَقٍ بَعْضُهُ، والنهبى، ومسألة الجد مع الأخوة وما شاكل ذلك كلَّها من دينِ الله، لكن عَنى بتَتِمَّةِ الدين: ما كان بَعْضُ أدلَتةِ نَصاً، وبعضُها استنباطاً، وما خلا كتابُ الله وسُنةُ رسولةِ من أدلةِ الأحكامِ الحادثةِ بما وَفقَ القائسين له من الاستنباطات والِإلحاقاتِ، وأخذِهم للمسكوتِ من المنطوقِ، كذلك علم آدم الأسماءَ بَعْضَها نُطْقاً وبَعْضَها إلْهاماً، وبَعْضَها بأن وَهَبَ له القُوَّةَ لاستنباطِ الاسمِ لما لم يُسَم مما سُمَّيَ بطريقِ المُشاكلةِ والمشابهةِ.

стр. 758

وأيْضاً، مثال لِإثباتِ اللّغاتِ أيضاً، فمِثْلُ قياسِنا لَفْظَةَ السَّراحِ والفِراقِ على صيغةِ الطلاقِ، فيقال: هذا إِثباتُ لغةٍ بالقياسِ ولا يجوزُ ذلك. فيكون الجواب الدلالةَ على ذلك الأصْلِ بما سنذكرة في مسائل الخلافِ إِن شاءَ الله (١). فصل ومن الاعتراضِ بردِّ القياسِ أيضاً من جهةِ القائلين به في الجُملةِ ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ للقياسِ في الحدودِ والكفَّاراتِ والمقدَّراتِ في الجُملةِ، وَاعتلالُهم في ذلك بأَنَّ طريقَ ذلك العِلْمُ بمقاديرِ مراتبِ الإجْرام، ولا يُعْلَمْ ذلك بالأماراتِ، على (٢) شافعيٍّ أو حنبليٍّ قاسَ اللِّواطَ عَلى الزنا في ايجاب الحدِّ (٣)، وقولهم: إنَّه لا طريقَ إِلى معرفةِ ذلك؛ لأنَّه إِنَّما يُعلمُ بالَعِلْمِ بمقْدارِ الجُرْمِ وما يستحق عليه من العقوبةِ، ولا يعلمُ ذلك إِلّا الله سبحانه. فيقول القائسُ: يجوزُ ذلك عندنا، وإِن لم تُسَلِّمْ، دَلَلْتُ عليه. ونذكرُ ما وضعناه من الأدلَّةِ في كتابنا هذا في هذه المسألةِ في مسائل الخلافِ (١)، ونذكر مناقضاتِهم فيما قاسوا فيه من هذا القبيلِ، كقياسِهم الردَّ في قُطَّاع الطريقِ في استحقاقِ الحَدِّ على الرد في الجهادِ في

стр. 759

استحقاق السهْم، وقياسِهم الأكلَ على الوَطْءِ في شَهْرِ رمضان في ايجابِ كفَارةِ الصَوْم. فصل ومن الاعتراض: ردُّ القياس من جهةِ مثبتي القياس، كردهم (١) القياسَ في إِثباتِ حَيْضِ الحامل بالقياسِ، وهو أنه دَم رأتهُ في وَقتِهِ على صفتهِ ونَعْتِهِ فكان حَيْضاً كاَلدم الذي تراه غير الحامِل. فيقولُ الحنبلي أو الحنفيُّ: هذا امر طريقُهُ الوجودُ فلا يثبتُ بالقياسِ، وما ذلك إلّا بمثابةِ مَنْ قال: هذا شَخْص أسمر طويلٌ. فكان ولداً لزيدٍ كابنهِ فُلانٍ وكان مُشابهاً له في الصورةِ. فالجواب: إِنه لا يمتنعُ أن يجعلَ صاحبُ الشريعةِ أمارَةً هي عَلَم على كوْنِ الدمِ حَيْضاً، ودِلالةً على كَوْنِ الدمِ له حُكْمُ دَم الحيضِ كما أنَه جعل وُجودَ سنين معلومٍ وقَدْرٍ معلومٍ ولَوْنٍ معلومِ، مِثْلَ أنَّ نقولَ: إِذا رأتْ بنتُ عشر سنينَ دماً فهو حَيْض، ومِثْل مَا قال في الصفة: "دَمُ الحيض أَسْوَدُ يُعرفُ " (٢)، ومثل ما قال في العَدَدِ: "تحيضي في عِلْمِ الله ستاً اوسَبْعاً كما تحيضُ النساءُ ويَطْهُرْنَ لميقاتِ حَيْضِهِنَ

стр. 760

وطُهْرِهِن" (١). فصل ومن جُملةِ رَد القائسين للقياس: اعتراضُ أصحاب أبي حنيفةَ على مَنْ أثبتَ البدلَ بالقياسِ، كإثْباتِ البدلِ لدم الإَحصارِ بأنه هَدْي متَعلِّق بالإحرامِ، فأشْبَهَ هَدْيَ التمتعِ. وقَوْلِهم: إن البَدَلَ ما سَد مَسَد المُبْدَلِ، وذلك لا يعلمُهُ الأ مَنْ يعلمُ مقدارَهما من الأصلح. والجوابُ: إِنه يثبت بالقياسِ عندنا، ويدلى عليه بما سنذكره في مسائلِ الخلافِ (٢) إنْ شاءَ الله، ثم يُناقَضون بما أثبتوه من الإِبدالِ بالقياسِ كوَضْعِهم. فصل ومن الاعتراضِ برد القياسِ من القائلين به: ردُ اصحاب ابي حنيفةَ للقياسِ في إثباتِ المُقدرات مثل قولِ الشافعي في حد البَلوغ: السنَةُ السابعةَ عَشْرَةَ يُحكم فيها ببلوغِ الجاريةِ، فحُكم فيها ببلوغِ الغُلام في الثامنة عشرة. فيقولُ الحنفيُّ: هذا إثباتُ تقدير بالقياسِ، والتقديرُ لا يُعرَفُ له

стр. 761

معنى فيُقاسُ به، وإنما بالتوقيفِ (١). فالجوابُ أن يُقالَ: عندنا يجوزُ إثباتُه بالقياسِ، وإن لم تُسَلم، دلَلْتُ عليه. ويُناقَضون بتقديرهم خَرْقَ الخُفِّ بثلاثِ أصابع بالقياسِ على المَسْحِ حيث قال الراوي: كان مَسْحُ رسولِ الله ﷺ خطوطاً بالأصابع (٢)، وقَدروا العَدَد في الجمعةِ بأربعةٍ بالقياسِ (٣). فصل ومن الاعتراضِ بالردِّ له أيضاً: رد اصحابِ أبي حنيفةَ له إذا زادَ في نَص القرآنِ، مثل قياسِ الحنبليُّ أو الشافعيِّ في إيجاب النيةِ في الوضوء على التيمُّمِ، فيقول: هذا قياسٌ يتضمن الزيادةَ في نَص القُرآن (٤)؛ لأن القرآنَ نص علي غَسْل الأعضاءِ المخصوصةِ، وهذا القياسُ يزيدُ فيها ايجابَ النيةِ، والزيادةُ في نَص القرآنِ نَسْخٌ له، ولا يجوزُ نَسْخُهُ بالقياس. فالجوابُ: أن ذلك ليس بنسْخ، ويدلُّ عليه إذا منعوا، بما نذكرهُ من الأدلةِ على ذلك الأصل في مسائلِ الخلافِ (٥)، ويُناقَضون بزياداتِهم في النصوصِ بالأقيسةِ، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] فزادوا فيه اعتبارَ الفَقْرِ، فقالوا: إنَّ كانوا فقراءَ، بدليلِ القياسِ (٦).

стр. 762

فصل ومما اعترضوا به من رَدِّ القياسِ مع قولهم بالقياسِ في رَد الجُمَلِ، وذلك مثل قياسِنا وأصحاب الشافعيِّ في إجازةِ المساقاةِ وإثباتِها على المضاربةِ، فيقول الحنفىُّ: المساقاةُ أصل من الأصولِ، وجُمْلةٌ من الجملِ، وليس في قوةِ الرأيِ إثباتُ جُمْلَةٍ به، كما لا يجوز اثباتُ صلاةٍ سادسةٍ بالقياسِ (١). والجواب: أنَّ عندنا يجوزُ ذلك كما يجوزُ إِثباتُ التفصيل، وان لم يُسَلم ذلك، دلَلْنا عليه بما سيأتي في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله (٢). فصل ومن الاعتراضِ برد القياسِ أيضاً: مُخالفةُ دليل هو أقوى من القياسِ، مثل أن يقول: هذا قياس يخالفُ دليلاً مَقْطوعاً، مثل نَص قرآنٍ او سُنَّةٍ متواترةٍ او الاجماع، فيُجيبُ المعللُ عنه بأن يُبَينَ أنَّ ما اعتقده نَصاً مقطوعاً به ليس على ما اعتقده، وإنما هو ظاهِرٌ يُحتمل أو عُمومٌ، فيصرفه عن ظاهرِهِ وعُمومهِ بالقِياسِ، ولا جوابَ عنه إلا هذا، فإنه متى ثبتَ أنَ ذلك نَص أو دليلُ قَطْع في الجملةِ، سقط حكْمُ القياسِ، فلم يكن له مساغٌ في إثباتِ الحكْمِ (٣).

стр. 763

فصل ومن الاعتراض بردِّ القياس من مُثْبتي القِياسِ قولهم: إِنه يُقابلُهُ قولُ الصحابى ويُخالفُه، فلا يُعْتَد بقياس يُخالفُه قَوْلُ الصحابي. فيقول الشافعيُّ: دَعْ تَقابُلَهُ، وهل هو إلا قَوْلُ مجتهدٍ يُصيبُ تارةً ويُخطىءُ أخرى، والقياسُ دليل من أدلّة الشرعِ، وينقل الكلام إلى ذلك الأصل، وإن أمكنه أن يُوافِقَ بين قَوْلِ الصحابيِّ وبينه بنوع بيانٍ، أو يتأوّلَ قَوْلَ الصحابي بما يُخرجه عن مخالفةِ القياسِ فعل (١). فصل ومن الاعتراضِ برد القياسِ من القائلين به في الأصلِ، ردُّ أصحاب أبي حنيفةَ القياسَ إِذا تضمَّن تخصيصَ العموم ابتداءً، أعني العمومَ الذي لم يُخَصَّ، وذلك مثل استدلالِ الشافعيِّ على أنَّه لا تنقضي عِدَةُ امرأةِ الصغيرِ بوَضْعِ حَمْلِها بعد موتِه، بأَنه حَمْلٌ مُنْتَفٍ عنه قَطْعاً ويقيناً فأشْبَهَ الولدَ الذي ولَدَتْة لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ منذ تزوجها (٢). فيقول الحنفيُّ: هذا تخصيصٌ مبتدأ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، بالقياسِ، وعندي لا يجوزُ. فيقول الشافعي: هذا عندي جائز؛ لانَ المعنى الذي جازَ به تخصيصُ العمومِ الذي قد خُصَّ بالقياسِ إنما هو لان القياسَ يتناولُ

стр. 764

الحُكْمَ بصريحِهِ، والعمومُ يتناولُ الحكْمَ بظاهرهِ، وهذا موجودٌ في العمومِ المبتدأ. ويمكن أيضاً أن يُبَينَ أن اللفظَ مخصوصٌ في الحَمْلِ الذي قِسْنا عليه والحَمْلِ الحادثِ بعد الموتِ، فلم يكن القياسُ الذي ذكَرْناه مُبْتَدأً به التخصيصُ، إذ قد بان تخصيصه فيما ذكَرْنا من الموضعَيْن. فصل ومن هذا القبيلِ: رد مَنْ لا يرى تَخْصيصَ العموم بالقياسِ رأساً إذا قابله العمومُ. فيقول المستدلُّ: يجوز ذلك؛ لأن القياسَ دليلٌ شرعيٌّ خاص فى الحُكْمِ مصرحٌ به فخُصَّ به العمومُ كخبرِ الواحدِ (١). فصل ومن ذلك: أن يُعْتَرضَ على الأصلِ بأنَه لا يجوزُ القياسُ عليه، مثل استدلالِ الحنفيِّ على جوازِ صوم شهرِ رمضان بنيَّةٍ من النهارِ (٢) بالقياسِ على صَوْم يومِ عاشوراء، فيَقول المُعترضُ: إن صَوْمَ يوم عاشوراء إنْ كان واجَباً فقد نُسِخ، فلا يجوزُ القياسُ عليه. فيقول المستدل: إنَّما نُسِخَ وُجوبُه دون إجزائه بنيّهٍ من النهارِ، والأَولى

стр. 765

أنْ يقال ما ذكرْته أنا في النظرِ. خاطراً، وهو: أنَّ صَوْمَ يومِ عاشوراء أول ما شُرِعَ بالنقلِ الصحيحِ،- حيث دخل النبيُّ ﷺ المدينةَ فوجدهم يصومونه، فسألهم في أثناء النهار عن صومهم له فقالوا: هذا يومٌ نجى الله فيه موسى، وساقوا فضائِلَه فقال: "أَنا أَحق بأخي موسى"، أو قال: "بصِيامهِ" ثم صامَ ذلك اليَوْمَ وأمر بصيامه (١)، فلا يخلوا أن يكونَ فَعَلَ ذلك إيجاباً بوحْيٍ نزل بإيجابهِ فقد حَصَلَ الوجوبُ بالوحْي (٢) حيث أشْعِرَ بحالهِ في أثناءِ اليَومِ، فما تأخرت النية عن حالِ الوجوبِ، وما هذا سبيلُه كذا تكونُ نيَّتُه، كاستدارةِ أهلِ قُباء إلى الكعبة حيث سمعوا وإن كان الاستقبالُ شَرْطاً من ابتداءِ الصلاةِ المفروضةِ، لكنْ لمَا لم تُفْرَضْ على أولئك إلا في أثناءِ الصلاةِ؛ لوجودِ سَبَب الِإيجاب في أثنائِها، قُنع منهم باستقبالِها في أثناءِ الصلاةِ، فهذا علىَ أشد ما قَيل، وأنَه وَجَبَ لكن على هذه الصفة، وصَوْمُ شهرِ رمضانَ ليس من هذا القبيلِ، بل هو صَوْمٌ وُجِد سَبَبُ إيجابه قَبْلَ الشروع فيه، فكانت النيةُ فيه على حُكْمِ وَضْعِها في الواجباتِ كلَّها من الصوَم وغَيْرِهِ، وبهذا القَدْرِ انقطع القياسُ عليه. وإن سَلكْنَا مَسْلَكَ أصحابِنا، فإنهم والمحققون من أصحاب الشافعيِّ لم يُقِروا بوجوبهِ وإنما كان تطوُّعاً، والتطوعُ ما زال في شَرْعِنَا نِيتُهُ من النَّهارِ، ولقياسِهم عليه جوابٌ يخُصُّهُ.

стр. 766

فصل ومن ذلك ردُّ القياسِ لِما ثبتَ من تَخْصيصِ أصْلِهِ بحكْمٍ يختصُّهُ، وانقطاعهِ عن الفَرْع، مِثْلَ قياسِ الحنفيُّ عَقْدَ النكاح بلَفْظِ الهِبَةِ على نكاحِ النبيِّ ﷺ (١)، فيقول: نكاحٌ عُقِدَ بلَفْظ الهبةِ فكان صحيحاً، كنكاحِ النبيِّ ﷺ . فيقول الحنبليُّ أو الشافعيُّ: إن النبي ﷺ كان مخصوصاً بذلك دون أمَتهِ، فينقطع القياسُ عن أصله كما انقطع في باب عدَدِ المنكوحات. فيقول المستدلُّ: إنً حكمَ النبي ﷺ وأمتِهِ واحَدٌ في حُكم الأصلِ إلا أنْ تَرِدَ دلالةُ التَخْصيصِ، ولا يجوزُ أن يَرِدَ هذا السؤالُ ممن يَحْتَجُّ بافعالِ النبيِّ ﷺ ويجعلها كأقوالِهِ، وهل يحتجُّ بأفعالهِ إلا مَنْ يجعلُهُ مشارِكاً في التكليفِ وسائرِ أحكام الشَّرع، ولو كان مخصوصاً في أصْلِ التكليفِ لانقَطَعْنا عن الاقتداَءِ به، إَلا أن تقومَ دلالةُ اتباعهِ والاقتداءِ به في بَعْضِ أحوالهِ، فدعواها هنا تحتاجُ إلى دلالةٍ، وإلا فَنَحْنُ باقون على حُكْم الأصْلِ وهو وجوبُ المساواةِ في جميعِ أحكامه. فيحتاج المُعترِضُ أن يتكلَّف الدلالةَ على تَخْصِيصه بذلك بالآية، وهو قولُه سبحانه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فيقع الترجيحُ في تردُّدِ الهاء إلى الهِبَةِ أو إلى المرأةِ الموهوية وتخصيصه بها زَوْجةً من

стр. 767

دون سائرِ المؤمنين (١). فصل ومن هذا القَبيلِ وهو دَعوى تخْصيصِ الأصل بما يُقطعُ عنه الفَرْعُ أن يُقاسَ عليه: قياسُ أصحابنا، وأصحاب الشافعيِّ في بقاءِ حُكْمِ الإحرام بَعْدَ الموتِ للمُحرم مِنَّا على المُحرِمِ الذي وَقَصَتْهُ ناقتُهُ في عَصرِاَلنبي ﷺ ، فقضى في حقه بما قَضى من النَّهْيِ عن تَخْميرِ رأسه، وتكفينهِ في ثَوْبَيْهِ، ونَهْيِهم أن يُقربوه طيباً، فيقول الحنفيُّ: ذلك المحرمُ كان مخصوصاً ببقاءِ إحرامه، فإن النبى ﷺ أخبرَ أنَّه يُبْعثُ مُلَبياً (٢)، ولا نَجدُ ذلك في المُحرم مِنَّا إذ لا يشهدُ له الصادقُ ببعْثهِ مُلَبياً، فبقيَ على الأصْلِ من سُنَّةِ بني آدم المنطوقِ بها من جهةِ الملائكةِ عن الله سبحانه حيثُ غسلوا أبانا آدمَ صلى الله عليه. فيقول المستدلُّ: بل العِلَّةُ الحالُ التي كان عليها، وهي الِإحرامُ ومَوْتة عليه، ويكون التجنُّب وإخبار النبيِّ ببَعْثِهِ مُلَبيا أو ملبِّداً بسبب مَوْتِهِ على الإِحرامِ وتَجْنيبهم له ما يتجنَبُه المُحْرم، كما قال في شهداءِ أحد: "زملوهم في كلومِهم ودمائِهم، فإنَّهم يبعثون يَوْمَ القيامةِ

стр. 768

وأوْداجُهم تَشْخُبُ دماً، اللونُ لون دمٍ، والريحُ ريح المِسْكِ" (١)، فكأنَّ دَفْنَهُم بآثارِ الشهادةِ أَوْجَبَ لهم ذلكَ وعمَّ شهيدٍ بعْدَهم، ولم يَجْعَلْ ذلك لهم خاصّةً، ويجعل ما أَخْبَرَ به عنهم يومَ القيامةِ خِصّيصَةً تخصُّهم، ولا فَصْلَ بين القِضَّتَيْن. ولأصحابِ أبي حنيفةَ أن يقولوا: لَفْظُ التعليلِ يُقَدَمُ على الحالِ، ونحن نُعَلِّلُ بقَوْلهِ: "فإنَّه يُبْعَثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّياً" ولَفْظ التعليلِ أحق بتعليقِ الحكمِ عليه من الحالِ، وخرج الشهداء بدلالةِ الِإجماعِ وبأنَّ الشهادةَ لا يثبتُ حُكمها إلّا بَعْدَ المَوْتِ، إذ هي حُكْمُ الموتِ على صفةٍ، وهو القَتْلُ من [أجل] إعلاءِ كلمةِ الله، والِإحرامُ عبادةٌ تختصُ الحياةَ، والله أعلم. فصل ومما يُرَدُ القياس به أن يُقالَ: إنَك قِسْتَ على أصلٍ، الخلاف فيه كالخِلافِ في الفَرْعِ، ومثالُ ذلك: أنَّ يقيسَ أصحابُ الشافعيِّ الخِنْزيرَ على الكَلْبِ في وُجوبِ العَدَدِ في الغَسْلِ من وُلوغهِ (٢). فيقول الحنفيُّ: أَنا أُخالفُك في وُلوغِ الكلبِ، كما أُخالفُكَ في وُلوغِ الخِنزيرِ، ومن قاسَ مخْتلِفاً على مُخْتَلِفٍ، فقد ادَّعى في الأصلِ كما ادَّعى في الفَرْعِ، ولا دلالةَ على دَعْواه منهما فيما استدلَّ.

стр. 769

فيقول الشافعيُّ: إنَّ الكَلْبَ هو الأصْلُ من حيثُ وَرَدَ الخبرُ في غَسْلِ وُلوغهِ، فإذا صحَ الخَبرُ فيه وقد صحَّ، كان هو المنطوقَ، وغيرُهُ مسكوتاً عنه، وهذا شَرْطُ القياسِ، فلا علينا من مَنْعِكَ وتَسْليمك بعد أنَّ صحَّ الحديثُ في النُّطقِ بالعَدَادِ، ومنازعتكَ لا تُخْرِج الخَبرَ انَ يكونَ دليلاً، بل الخَبَرُ يَقْضي على مَنْعِكَ ومُنازعتِك، فأنا ادلُّ به على مَنْعِكَ. فصل وما (١) يغمضُ من فَسادِ القياسِ ذكرته لِتَحْذَرَ منه ومن أمثاله وتَنْهى عنه مَنْ سَلَكَهُ. وتخليصُ الفَرْعِ من الأَصْلِ فيه أَن يقيسَ على أصْلٍ ليس فيه دليلٌ يخصُّه. وإنَّما هو ومسألةُ الفَرع التي هي موضعُ الخلافِ فَرْعانِ أو أصلان، فلا يجوزُ قياسُ أحدِهما على الآخَر؛ لأنَ ليس أحدُهُما بأن يكونَ أصلاً بأوْلى من الآخَرِ، ولا كَوْنُ أحدهما فَرْعاً بأوْلى من الَآخَرِ لِتَساوي الأَصْلِ والفَرْعِ فما الذي أحْوَجَ أحدَهما إلى الَاخَرِ؟ مثالُ ذلك من الأقيسَةِ الفاسدةِ: أنَّ يُسأل شافعيٌّ عن البُقول: هل يَجْري فيها الربا؟ فيُجيبُ بإثباتِ الرِّبا، فإذا طولبَ بالدليلِ قاسَ البُقولَ على الفواكهِ، فإذا نازَعَه المخالفُ في الفواكهِ كما نازعه في البُقولِ فَزِعَ إِلى الدلالةِ على ذلك بَقْولِ النبيِّ ﷺ : "لا تبيعوا الطعامَ بالطعامِ إِلّا مِثْلًا بمِثل" (٢)، أو يستدلّ بقياسِ الفواكهِ على البُرِّ إِذا

стр. 770

سُئِل عن الرِّبا في الفواكه، ويعَلِّلُ بأنَه مطعوم، فهذا مّما لا يدخلُ في الأَقْيسَةِ، لاستواءِ الأصلِ فيه والفَرْع في الدلالةِ، فلا مَزِيَّةَ لأحدِهما فيكونَ بتلك المَزِيةِ أصْلاً، ولَا يَنْحَطُّ أحدُهما عن الأخرِ فيكونَ بذلك الانحطاطِ فَرْعاً، فهو كَمَنْ أرادَ أنَّ يُوَزَعَ الأعيانَ المَنْصوصَ عليها فيجعلَ الشعيرَ مَقيساً على البُرِّ بعِلَّةِ الطعْمِ، وذلك فاسدٌ لِما ذكرْنا، كذلك هذا. والعلَةُ في الجميعِ أنَّ الدلالةَ شَمَلَتْ الشعيرَ والبُرَّ وهو النَصُّ. كذلك النص في الطعْم شَمَلَ الفاكهةَ والبُقولَ، فَتجنَبْ من الأَقْيسَةِ ما هذا سَبيلُهُ، فَمِثْلُ هَذا القياسِ مَرْدودٌ، لفسادهِ، فلذلك ذكَرْتُه في جُمَلةِ فُصول الردودِ. فصل فإِن قاسَ قائسٌ على أصلٍ مُجْمَعٍ عليه، فقال المُعترضُ: إنَ الِإجماعَ إِنَما يصدرُ عن دليلٍ. فيحتاجُ أنَّ يُبَينَ الدليلَ، فعساه يَشْتَمِلُ على الفَرْعِ كاشتمالهِ على الأصْلِ، فلا يكونُ في القياسِ فائدة، فيكون من قبيلِ القياس الأولِ، وهُو من الأقْيسةِ الرائجةِ التي يغترُّ بها مَنْ لا يَعرِفُ عُمَدَ الأقَيسَةِ وشروطَها، وهذا من الانتقادِ الذي يَغْفُلُ عنه كثيرمن الفُقهاءِ ممن لا مُعاناةَ له بهذا العِلْمِ فَضْلاً عن المُتَفقِّهةِ. فالجواب: أَنَّ دليلَ الأصلِ [لا] (١) يجوزُ أَن يكونَ نَصّاً، لأَنَّه لو كان نَصّاً لَما خَفِيَ عن المُجتهدين وغيرهم. لم يَبْقَ إِلّا انَه في الظاهرِ علَّةُ

стр. 771

الحُكْمِ، فإِذا اجتمعا في علَّةُ الحكْمِ فهو المُصَححُ للقياسِ. والظاهرُ أنَ الإِجماع حصل لاتفاقهما في عِلةِ الحكمِ. وقد قال إِمامٌ في الجدل والفِقْهِ في الجَواب عن هذا الإِشكالِ: إِن دليلَ الأصل إِنْ شَمَلَ الفَرع، أو وقع الإِجَماعُ فيه كما وقع في الأصْلِ، فثبت انَه يخصه، وان القياسَ، جائز عليه. فصل ومن جُملةِ هذا القبيلِ الذي يَرد به القياسَ بَعْضُ مَنْ يقول بالقياسِ: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياسِ للقائسِ: إِنك قد قِسْتَ على موضعِ الاستحسانِ، وموضعُ الاستحسان مَخْصوصٌ، وكل مَخْصوصٍ فلا يُقاس عليه؛ لان المَخْصوصَ مُقْتَطَعٌ، ومَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُقْتَطَعٍ وغَيْرِهِ، رامَ إزالةَ اقتطاع الشَرْع، فكان بمثابةِ مَنْ قَطَعَ بَيْنَ ما جمع الشَرْعُ بينهما (١). فالجوابُ عنه أن يُقالَ: أنَّ القياسَ عندنا جائزٌ على كلِّ أصل يُوجَدُ فيه علَّةُ الحُكْمِ، ولأنَه اذا ثبتَ بالخَبَرِ أنه الحُكْمُ، صارَ أصلًا وكان القياسُ عليه أولى من القياسِ على غَيْرِهِ، وإِذا كان مَخْصوصاً عندكَ من القياس لم يَمْنَعْ ذلك كَوْنَه أصْلاً، وقد قاسَ أبو حنيفةَ جماعَ الناسي في صوم رمضان على أكْلِ الناسي (٢)، وإن كان إسقاطُ القضاءِ عن الآكلَ ناسياً ليس يُقاسُ، لكنه استحسانٌ، وسنُشْبِعُ إِن شاءَ الله الكلامَ على ذلك في مسائلِ الخلافِ (٣).

стр. 772

فصل ومن هذا القبيلِ أيضاً: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياس: إنَك جَعلتَ الاسمَ عِلَّةً، مثل قَوْلنا: كلب أَو تُرابٌ، فيقولُ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ (١): قد قدمْنا القولَ في جواز ذلك، وأنَّ الأسماءَ يجوزُ أن تُجعلَ عِلَلاً بالأحكام الشرعيةِ، وسندلُّ في مسائلِ الخلافِ إِن شاءَ الله على هذا الأصْلِ (٢). فصل ومما يردُّون به القِياسَ أيْضاً اعتراضُ من اعترضَ على القياسِ بأَنَه نَفْى للاسمِ، ونَفي الاسمِ لا يجوزُ أن يُجعلَ علَّةً للحُكْمِ، مِثلَ قَولِنا وقولِ أصحاب الشافعيُّ في النورةِ والجِصِّ: ليس بترُاب، أو لا يَقَعُ عليه اسمُ التُّرابَ، فيقول الحنفي: هذا نفي اسمٍ، فلا يكونُ عِلَّةً لِنَفْي الحكمِ ولا لِإثْباتِهِ. فجوابُ المستدلِّ: أنَّ الاسمَ يُعلَّلُ به عندي لِإثباتِ الحكمِ الذي نفيته بنفي الاسم، والدَلالةُ عليه تأتي في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله. فصل ومن هذا القَبيلِ في رد القياس: أن يقولَ المُعترضُ للقائس: إنَّك جَعَلْت الخلافَ علَّةً، والاختلافُ حادثٌ بعد النبى ﷺ والعِلةُ

стр. 773

أمارةٌ شرعيَّةٌ تحتاجُ إلى نَصْب صاحب الشريعةِ، وذلك مثل قَوْلِ أصحاب أبي حنيفة في الكلب: إنَّه حيوَان مُختلف في إباحةِ لَحْمِهِ، فلم يَجَب العَدَدُ في وُلوغه، كالسِّباع (١). والجوابُ: أَنَ هذا وإن كان حادثاً، فيجوزُ أن يكونَ أمارة، كما كان الإجماعُ حادثاً، وكان دليلًا معلوماً. فإن قيل: إن الإجماعَ إنما كان دليلًا لأن صاحبَ الشريعةِ ﷺ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ" (٢)، قيل: إنْ عولْتَ على هذا في هذا الأصلِ العظيمِ، لم يَثْبُتْ؛ لأن خَبرَ الواحدِ في الأصلِ طريقٌ مَظْنونٌ، والإجماعُ مقطوعٌ، فكيف يثبتُ أصلٌ مقْطوعٌ بدلالةٍ مَظْنونةٍ؟ ولا سيَّما هذا الخَبَرُ وليس بثابتٍ عند القَوْم، ولو صح لم يكُ فيه على الإِجماعِ فيما نحنُ فيه من الأحكام حُجة؛ لأنه لم يَقُلْ: أمتي لا تجتمعُ عَلى خَطأ، وإنما قال: "على ضَلالةٍ" والخطأ هُنا ليس بضَلالةٍ، لأن خَطاَ المُجتهدين في الأحكامِ ليس بضلالةٍ، بدليلِ أن

стр. 774

الضَّلالةَ إذا ثَبَتَتْ في حق الجماعةِ كانت في حق الواحدِ كذلك. ومعلومٌ أنَ النبى ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ، فله أجْران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر"، وما فيه أجر لا يُسَمَّى من الجماعة ضلالةً. فالأشْبَهُ أن يكونَ هذا الحديثُ إنْ صحَّ، راجعاً إلى أنَ أمَّةَ محمدٍ ﷺ لا تجتمعُ على عبادةِ غَيْرِ اللهِ، ولا على مُخالفةِ ما جاءَ به رسولُ الله في أصْل، بخلافِ امَّة موسى حيث عَبَدتِ العِجْلَ في حال غيْبتهِ، وعَبَدتْ عُزيراً بَعْدَ وفاته، وأمة عيسى اتَخذَتْهُ وأمَّه إلهيْنِ مع الله سبحانه، وهذه الأمةُ لا تجتمعُ على ما هو كهذه الضَلالاتِ، بل إنْ شَذَت منها طائفة مَرَقَتْ، فإنَما تَمْرُقُ وَحْدَها، والكلُّ عادلون (١) عنها، مبَدعون (١) لها، وغايةُ ما ينتهي إليه مُبْتَدعةُ هذه الأمةِ الابتداعُ في إثباتِ وَصْفٍ من أوصافٍ لا تَليقُ به، أو جَحْدُ وَصْفٍ يَنْبغي أن يُوصَفَ به لنوع من تأويل، أو شُبْهَةٍ بظاهرِ تنزيلٍ، وانْ عوَّلَ على الأمَّةِ، فلايثبت له شيء مما رامَ. وُيقالُ له أيضاً: فالاختلافُ أيضاً لا يكونُ عِلَّةً إلَأ أن يكونَ على كَوْنِها عِلَّةً دليل شَرْعيٌّ كغَيْرِها من العِلَلِ، ولأنَّ الاختلافَ يتضمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِ اللَّحْمِ، وذلك معنىً موجودٌ فيه قَبْلَ الاختلافِ. وكذلك إن جَعلَ الاختلافَ علَّةً لقولهم في المُتَولدِ بين الظباءِ والغَنَم: إنَه مُتَولدٌ من حيوانٍ تجبُ فيه الزكاةُ بالاتفاقِ، فإن اعترضَ عليهَ بأن الاتفاقَ حادِث، كان الجوابُ بما مضى، وأن الاتفاقَ يدذ على تأكُدِ الزكاةِ فيه.

стр. 775

فصل ومن هذا القبيل، وهو ردُّ القياس: أنَّ يقال على القياسِ: إن العِلَّةَ متأخَرَةٌ عن الحُكمِ فلا تكونُ علةً له، وهذا كما قاسَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ الوضوء على التيممِ في إيجابِ النيَّةِ، فقال أصحابُ أبي حنيفةَ: إنَّ فَرْضَ الوضوء تَقَدَّمَ على فَرْضِ التيمُّمِ فكيف تُوجدُ للمتقدمِ في الفَرْضِ حُكْماً وشَرْطاً من المتأخرِ؟ والعِلةُ لا يجوزُ أن تتأخَّر عن معلولها (١). والجوابُ: أن العِلَلَ الشرعيةَ دلائلُ وأماراتٌ، ويجوزُ أن تَقَعَ الأماراتُ والدلائلُ متقدمةً على مَدْلولِها ومُتأخرةً عنه ومع شروع الحُكْمِ، حتى جازَ ذلك في الدلائلِ القطعيةِ كالمُعجزاتِ؛ فإن بَعْضَها تأخر عن النبوَّةِ، وبَعْضَها قارَنَ، وكل واحدٍ دلالةٌ على نبوَّتهِ ﷺ المُتأخرُ والمُقارِنُ، وكذلك ما ضمَّن الله سبحانَه المُحدثاتِ من دلائلَ دلت على وُجودهِ سبحانه، وهو الأوَّلُ في الحقيقةِ. فإذا ضَمَن الله سبحانه في التيممِ المتأخرِ دلالةً تدل على وُجوبِ النيةِ في الوضوء، لم يكُ ذلك. خارِجاً عن أسلوب الأدلةِ، وانما يمتنعُ ذلك في العِلَل العقليةِ؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ تحركُ اَلجسْم بحركةٍ يتأخَّرُ وجودُها عن تحركِهِ، وكذلك لا يكون الجِسْمُ أسوَدَ لسوَادٍ يقومُ به في مُستقبلِ الحال متأخراً عن كَوْنِهِ أسوَدَ.
следующие страницы →