← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الحُكْمِ، فإِذا اجتمعا في علَّةُ الحكْمِ فهو المُصَححُ للقياسِ. والظاهرُ أنَ الإِجماع حصل لاتفاقهما في عِلةِ الحكمِ. وقد قال إِمامٌ في الجدل والفِقْهِ في الجَواب عن هذا الإِشكالِ: إِن دليلَ الأصل إِنْ شَمَلَ الفَرع، أو وقع الإِجَماعُ فيه كما وقع في الأصْلِ، فثبت انَه يخصه، وان القياسَ، جائز عليه. فصل ومن جُملةِ هذا القبيلِ الذي يَرد به القياسَ بَعْضُ مَنْ يقول بالقياسِ: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياسِ للقائسِ: إِنك قد قِسْتَ على موضعِ الاستحسانِ، وموضعُ الاستحسان مَخْصوصٌ، وكل مَخْصوصٍ فلا يُقاس عليه؛ لان المَخْصوصَ مُقْتَطَعٌ، ومَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُقْتَطَعٍ وغَيْرِهِ، رامَ إزالةَ اقتطاع الشَرْع، فكان بمثابةِ مَنْ قَطَعَ بَيْنَ ما جمع الشَرْعُ بينهما (١). فالجوابُ عنه أن يُقالَ: أنَّ القياسَ عندنا جائزٌ على كلِّ أصل يُوجَدُ فيه علَّةُ الحُكْمِ، ولأنَه اذا ثبتَ بالخَبَرِ أنه الحُكْمُ، صارَ أصلًا وكان القياسُ عليه أولى من القياسِ على غَيْرِهِ، وإِذا كان مَخْصوصاً عندكَ من القياس لم يَمْنَعْ ذلك كَوْنَه أصْلاً، وقد قاسَ أبو حنيفةَ جماعَ الناسي في صوم رمضان على أكْلِ الناسي (٢)، وإن كان إسقاطُ القضاءِ عن الآكلَ ناسياً ليس يُقاسُ، لكنه استحسانٌ، وسنُشْبِعُ إِن شاءَ الله الكلامَ على ذلك في مسائلِ الخلافِ (٣).

стр. 772

فصل ومن هذا القبيلِ أيضاً: أنَّ يقولَ المُعترضُ على القياس: إنَك جَعلتَ الاسمَ عِلَّةً، مثل قَوْلنا: كلب أَو تُرابٌ، فيقولُ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ (١): قد قدمْنا القولَ في جواز ذلك، وأنَّ الأسماءَ يجوزُ أن تُجعلَ عِلَلاً بالأحكام الشرعيةِ، وسندلُّ في مسائلِ الخلافِ إِن شاءَ الله على هذا الأصْلِ (٢). فصل ومما يردُّون به القِياسَ أيْضاً اعتراضُ من اعترضَ على القياسِ بأَنَه نَفْى للاسمِ، ونَفي الاسمِ لا يجوزُ أن يُجعلَ علَّةً للحُكْمِ، مِثلَ قَولِنا وقولِ أصحاب الشافعيُّ في النورةِ والجِصِّ: ليس بترُاب، أو لا يَقَعُ عليه اسمُ التُّرابَ، فيقول الحنفي: هذا نفي اسمٍ، فلا يكونُ عِلَّةً لِنَفْي الحكمِ ولا لِإثْباتِهِ. فجوابُ المستدلِّ: أنَّ الاسمَ يُعلَّلُ به عندي لِإثباتِ الحكمِ الذي نفيته بنفي الاسم، والدَلالةُ عليه تأتي في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله. فصل ومن هذا القَبيلِ في رد القياس: أن يقولَ المُعترضُ للقائس: إنَّك جَعَلْت الخلافَ علَّةً، والاختلافُ حادثٌ بعد النبى ﷺ والعِلةُ

стр. 773

أمارةٌ شرعيَّةٌ تحتاجُ إلى نَصْب صاحب الشريعةِ، وذلك مثل قَوْلِ أصحاب أبي حنيفة في الكلب: إنَّه حيوَان مُختلف في إباحةِ لَحْمِهِ، فلم يَجَب العَدَدُ في وُلوغه، كالسِّباع (١). والجوابُ: أَنَ هذا وإن كان حادثاً، فيجوزُ أن يكونَ أمارة، كما كان الإجماعُ حادثاً، وكان دليلًا معلوماً. فإن قيل: إن الإجماعَ إنما كان دليلًا لأن صاحبَ الشريعةِ ﷺ قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ" (٢)، قيل: إنْ عولْتَ على هذا في هذا الأصلِ العظيمِ، لم يَثْبُتْ؛ لأن خَبرَ الواحدِ في الأصلِ طريقٌ مَظْنونٌ، والإجماعُ مقطوعٌ، فكيف يثبتُ أصلٌ مقْطوعٌ بدلالةٍ مَظْنونةٍ؟ ولا سيَّما هذا الخَبَرُ وليس بثابتٍ عند القَوْم، ولو صح لم يكُ فيه على الإِجماعِ فيما نحنُ فيه من الأحكام حُجة؛ لأنه لم يَقُلْ: أمتي لا تجتمعُ عَلى خَطأ، وإنما قال: "على ضَلالةٍ" والخطأ هُنا ليس بضَلالةٍ، لأن خَطاَ المُجتهدين في الأحكامِ ليس بضلالةٍ، بدليلِ أن

стр. 774

الضَّلالةَ إذا ثَبَتَتْ في حق الجماعةِ كانت في حق الواحدِ كذلك. ومعلومٌ أنَ النبى ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ، فله أجْران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر"، وما فيه أجر لا يُسَمَّى من الجماعة ضلالةً. فالأشْبَهُ أن يكونَ هذا الحديثُ إنْ صحَّ، راجعاً إلى أنَ أمَّةَ محمدٍ ﷺ لا تجتمعُ على عبادةِ غَيْرِ اللهِ، ولا على مُخالفةِ ما جاءَ به رسولُ الله في أصْل، بخلافِ امَّة موسى حيث عَبَدتِ العِجْلَ في حال غيْبتهِ، وعَبَدتْ عُزيراً بَعْدَ وفاته، وأمة عيسى اتَخذَتْهُ وأمَّه إلهيْنِ مع الله سبحانه، وهذه الأمةُ لا تجتمعُ على ما هو كهذه الضَلالاتِ، بل إنْ شَذَت منها طائفة مَرَقَتْ، فإنَما تَمْرُقُ وَحْدَها، والكلُّ عادلون (١) عنها، مبَدعون (١) لها، وغايةُ ما ينتهي إليه مُبْتَدعةُ هذه الأمةِ الابتداعُ في إثباتِ وَصْفٍ من أوصافٍ لا تَليقُ به، أو جَحْدُ وَصْفٍ يَنْبغي أن يُوصَفَ به لنوع من تأويل، أو شُبْهَةٍ بظاهرِ تنزيلٍ، وانْ عوَّلَ على الأمَّةِ، فلايثبت له شيء مما رامَ. وُيقالُ له أيضاً: فالاختلافُ أيضاً لا يكونُ عِلَّةً إلَأ أن يكونَ على كَوْنِها عِلَّةً دليل شَرْعيٌّ كغَيْرِها من العِلَلِ، ولأنَّ الاختلافَ يتضمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِ اللَّحْمِ، وذلك معنىً موجودٌ فيه قَبْلَ الاختلافِ. وكذلك إن جَعلَ الاختلافَ علَّةً لقولهم في المُتَولدِ بين الظباءِ والغَنَم: إنَه مُتَولدٌ من حيوانٍ تجبُ فيه الزكاةُ بالاتفاقِ، فإن اعترضَ عليهَ بأن الاتفاقَ حادِث، كان الجوابُ بما مضى، وأن الاتفاقَ يدذ على تأكُدِ الزكاةِ فيه.

стр. 775

فصل ومن هذا القبيل، وهو ردُّ القياس: أنَّ يقال على القياسِ: إن العِلَّةَ متأخَرَةٌ عن الحُكمِ فلا تكونُ علةً له، وهذا كما قاسَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ الوضوء على التيممِ في إيجابِ النيَّةِ، فقال أصحابُ أبي حنيفةَ: إنَّ فَرْضَ الوضوء تَقَدَّمَ على فَرْضِ التيمُّمِ فكيف تُوجدُ للمتقدمِ في الفَرْضِ حُكْماً وشَرْطاً من المتأخرِ؟ والعِلةُ لا يجوزُ أن تتأخَّر عن معلولها (١). والجوابُ: أن العِلَلَ الشرعيةَ دلائلُ وأماراتٌ، ويجوزُ أن تَقَعَ الأماراتُ والدلائلُ متقدمةً على مَدْلولِها ومُتأخرةً عنه ومع شروع الحُكْمِ، حتى جازَ ذلك في الدلائلِ القطعيةِ كالمُعجزاتِ؛ فإن بَعْضَها تأخر عن النبوَّةِ، وبَعْضَها قارَنَ، وكل واحدٍ دلالةٌ على نبوَّتهِ ﷺ المُتأخرُ والمُقارِنُ، وكذلك ما ضمَّن الله سبحانَه المُحدثاتِ من دلائلَ دلت على وُجودهِ سبحانه، وهو الأوَّلُ في الحقيقةِ. فإذا ضَمَن الله سبحانه في التيممِ المتأخرِ دلالةً تدل على وُجوبِ النيةِ في الوضوء، لم يكُ ذلك. خارِجاً عن أسلوب الأدلةِ، وانما يمتنعُ ذلك في العِلَل العقليةِ؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ تحركُ اَلجسْم بحركةٍ يتأخَّرُ وجودُها عن تحركِهِ، وكذلك لا يكون الجِسْمُ أسوَدَ لسوَادٍ يقومُ به في مُستقبلِ الحال متأخراً عن كَوْنِهِ أسوَدَ.

стр. 776

فصل ومن ذلك أن تكونَ العِلَة التي عللَ بها تضادُّ عِلةَ الشرْع في الحكْم المعَللِ له، وذلك مِثْل أن يعلِّلَ الحنفيُّ جوازَ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ بَأنه جِنْسٌ واحدٌ مكيل بيع بَعْضه ببَعْض على وَجْهٍ يتساويان في الكَيْلِ في حالِ العَقْدِ، فوجبَ أن يجوزَ كبَيْعِ التمْرِ بالتمْرِ (١)، فيقول الحنبليُّ أو الشافعيُّ: هذه عِلةٌ تُضادُّ عِلَّةَ صاحب الشريعةِ ﷺ ، حيث قال لمّا سئل عن بَيْعِ الرطَب بالتمْرِ، فقال: "أينقص الرُّطَب إذا يَبسَ؟ " فقيل: نعم، فقال: "فلاَ إذاً" (٢)، فهي فاسدة من حيث تضمنتَ اعتبارَ التساوي حالَ العَقْدِ، وإهمالَ ما يتجدد من التفاضلِ بعد العقد. والجواب للحنفي في مِثْلِ هذا: أن يتكلم على الخَبَر بطَعْن أو تأويلٍ إن أمكَنَه (٣).

стр. 777

فصل ومن ذلك: الردُّ للقياسِ بأنَّ حُكْمَ الفَرْعِ ضدَّ حُكْمِ الأصْلِ. مثالُ ذلك: إذا علَّلَ لسقوطِ القَوَدِ في القَتْلِ بالمُثَقَّلِ. فيقول الحنفي: إنَّها آلة تَقْتُلُ، فاستوى صغيرُها وكبيرُها كالمُحَدَّد. أو علَّل الشافعيُّ في وُجوب، النيةِ في الطهارةِ بأنَّها طهارةٌ فاستوى جامدُها ومائِعُها في النِّيَّةِ كإزالةِ النجاسةِ (١). فيقول المعترضُ مِن هؤلاءِ على هؤلاءِ ومن الآخرين على أُولئك: إنَّ هذا فاسدٌ، لأنَّه أَخَذَ حُكْمَ الشيء من ضِدِّه، لأنَّ الصغيرَ والكبيرَ في المُحَددِ يَسْتَويان في إيجابِ القَتْلِ، وهم يزيدون في الفَرْعِ تَساوي الخشبةِ الصغيرةِ والكبيرةِ والحجر الكبير والصغير في إسقاطِ القَتْلِ. ويزيدُ أَصْحابُنا وأَصحابُ الشافعي بالاستواء في إزالةِ النجاسةِ في إسقاطِ النيةِ، وفي الفَرْعِ في إيجابِ النيةِ، فلا يجوزُ قياسُ الشيء على ضِدِّه، لأن مبنى القياس على التسويةِ والتشابهِ ويبعدُ تساوي حُكْمَى المتضادَيْن. فالجوابُ أن يقول: إنَ حُكْمَي التسويةِ بين الصغيرِ والكبيرِ في الأصلِ والفَرْعِ، وهذا حكمٌ قد تساوى فيه الأصلُ والفَرْعُ، فلا علينا من تضادِّ غَيْرِهِ، فإنه ليس بحُكْم للقياسِ لكنه حُكمٌ شرعيٌّ اخرُ ليس من حُكْمِ العِلةِ في شَيْءٍ. ومِثْلُ هذا لا عِبْرَةَ به في باب الأدلةِ، ألا ترى أنك إذا قُلْتَ: إنَّ عيسى، كموسى في النبوَّةِ بدلالَةِ المعجزةِ،

стр. 778

ومحمد كَهُما في النبوَّةِ بدلالةِ المعجزةِ، لم يَلْزَم في التساوي في الإعجاز أن لا تتضادَّ نفسُ المعجزةِ أو تتغايَرَ، بل لو كان أحدُهما يُميتُ الأَحياءَ، مِثلَ إصعاقِ السبعين لموسى الذين بُعِثوا من بَعْدِ موتِهم، وإخراجِ يده بَيْضاءَ بَعْدَ عدم بياضِها، وكان الأخَرُ يُحيي الموتى وُيزيلُ بياضَ البَرَصِ، لم يَمْنَع ذَلك التضاد والتباعدُ والتغايرُ من اجتماعِ الكل في دلالةِ الصدقِ والرسالةِ. وكذلك اختلافُ مُعجزِ نبينا بكونه انفلق له القَمَرُ في السماءِ، ومعجز موسى فَلْقُ البحرِ في الأرْضِ، كذلك حُكْمُ علَّةُ المُعَللين ها هُنا: التسويةُ بين الصغيرِ والكبيرِ، والجامد والمائعِ دون ما وراءَ ذلك. فصل ومما ردوا به القياسَ: قولُهم: إن هذا قياسٌ لم يُصَرح بحُكمهِ، ومثال ذلك قولُ أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ في مسألةِ القَتْلِ بالمُثَقل: إنه آلةٌ تقتلُ غالباً، فأشبَهَتِ المُحددَ (١) ٠ أو يقول الحنفيُّ في نَفي النيةِ في الوضوءِ: بأنَها طَهارة بالماءِ أشبهَتْ إزالة النجاسةِ، فيقول المعَترضُ من كلُّ طائفةٍ على مُخالفهِ المُعَفَل بمِثْل هذا: إنّك لم تُصَرحْ بالحُكْم الذي تُثْبتُه عِلتُك، بل قَوْلُك: فأشبَهَ، أجْمَلَ (٢) الحُكْمَ إجمالاً، فلا يُعْلَمُ من حُكْمِكَ ما تُريدُهُ، ألا ترى أنك إذا قُلْتَ: زْيدٌ أشْبَهَ عَمْراً، أو يُشْبهُ عَمْراً، لم يُعْلَمْ في ماذا يشْبِههُ. فالجواب أن نَقول: إنما أرَدْت التشبهَ في الحُكْم الذي اختلفنا فيه ودَلَلْتُ عليه، وعنه سُئِلْت، فكان

стр. 779

ذلك بمنزلةِ النًّطْقِ به، والأصلُ فإنَّما هو المُحَددُ. وقولي: فأشْبَهَ، قد بَينْتُ أنه عبارة عن الحُكْمِ الذي دَلَلْتُ عليه، ولو صَرحْتُ به أمْكَنني وجازَ، وصار مما شَبَّهْت به من ذِكْرِ تَشَبُّهِ زيدٍ بعمروٍ قولنا: زَيْدٌ قَتَّالٌ فأشْبَه عَمْراً، أو: زيدٌ قارِىء فأشبَهَ عَمْراً، فإنه لا ينصرفُ التشبيهُ الأ إلى القَتْل أو القراءةِ.

стр. 780

فصول الممانعة وهي الاعتراضُ، والسؤال الثاني على القياسِ بَعْدَ الرد له. وحدها: تكذيبُ دَعْوى المُسْتَدِل، إمَّا في المُقَدمةِ، وهي وَصْفُهُ في الفَرْعِ، أو الوصف في الأصلِ، أو فيهما جميعاً، أو في حكم الأصلَ. فالذي يُبْدَأُ بهِ: مَنْعُ الحكْمِ في الأصلِ، فيجابُ عنه من أوْجُهٍ: أحدُها: أن يُبَيّنَ أن الروايةَ الصحيحةَ تَسْليمُ الحُكمِ في الأصْلِ، وهذا لا يجوزُ أن يكونَ من طريقِ الدلالةِ على صحةِ الروايةِ، لكن يُبَيّنُ أن المَرْوِي عن صاحبِ المَذْهبِ هو التسليمُ. ومثالُ ذلك: أنَّ يستدل الشافعيُّ على أن من أحْرَمَ بالحج تطوعاً وعليه فَرْضُهُ أنه يَنْعَقِدُ فَرْضاً، بأنه أحْرَم بالحجِّ وعليه فَرْضُهُ، فوقع عن فَرْضهِ كما لو أحرمَ بالحجِّ مُطْلَقاً (١). فيقول المخالفُ: لا أُسلمُ الحُكْمَ في الأَصْلِ، فإنَّ الحسنَ بنَ زيادٍ (٢) روى عن أبي حنيفةَ أنَّه لا يقع عن فَرْضِهِ.

стр. 781

فالجوابُ عنه: أن يبين صحة روايةِ التَسْليمِ، وأنها هي المذهبُ المعوَلُ عليه، لأن أبا الحَسَنِ الكَرْخي (١) ذكرها، ولم يذكر روايةَ الحسنِ بن زيادٍ، لأنه ضَمِنَ أنه لا يذكر إلا الصحيحَ، وليس أبو حنيفةَ ممن يقولُ بقَوْلَيْن، فلا بُدَّ من تقديم إحدى الروايتين عنه على الأخرى، فيجبُ تقديمُ التي عول عليها أبوَ الحسنِ الكَرْخيُّ حيث بينها فيما ضَمِنَ فيه على نَفْسهِ الصحه واثباتَ مَذْهبهِ بها. الوَجْهُ الثاني من الأجوبةِ: أن يبين الأصلَ في موضع مُسَلم. وذلك مثل: أن يستدل الشافعي في إثباتِ الترتيب في الطهارةِ بأنها عبادةٌ يُرجع إلى شَطْرِها في حالِ العُذْرِ، فوجب فيها الترتيبُ كالصلاةِ (٢). فيقول المعترضُ: لا أسلمُ وجوبَ الترتيب في الطهارةِ، لأن عندي مَنْ تَرَكَ أرْبَعَ سَجداتٍ من أربعِ ركْعاتٍ، جازَ أن يأتيَ بهِن متوالياتٍ. فيقول المستدل: إنني جَعَتُ أصْلَ قياسي ترتيبَ الركوعِ على السجودِ وذلك مُسَلَّمٌ. والثالث: أن يدل على صِح حُكْمِ الأصلِ إذا لم يكن واحد من الطريقَيْن الأولَيْن، وذلك مثل: أن يستدل على وُجوبِ غَسْلِ الاناءِ من

стр. 782

وُلوغِ الخِنْزِيرِ بأنه حيوانٌ نَجسُ العينِ فوجب غَسْلُ الإناءِ من وُلوغهِ سبعاً كالكلبِ (١). فيقول المعترض: لا أُسلمُ حُكْمَ الأصلِ. فلِلْمُسْتَدِل أن يدل عليه وينقلَ الكلامَ إليه بقَوْلِهِ ﷺ : "إذا ولغ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم فاغسلوه سبعاً إحداهنَّ بالترابِ" (٢). فإن. قيلَ: هذا انتقالٌ من المسؤولِ عن المسألةِ التي سُئِل عنها، وذلكَ عَجْزٌ عَن نُصْرَةِ ما بدأ بنُصْرته، فهو عَيْنُ الانقطاعِ. قيل: إنه ليس بعَجْزٍ ولا انتقالٍ ولا انقطاع، لأنَ المسؤولَ قد لا يكون له طريقٌ إلى إثباتِ الحكْمِ فيما سأله عنه إلّا من جهةِ هذا الأصلِ فبِهِ حاجة إلى القياسِ عليه. فإن قيل: فهلا استَسْلَمَهُ منه قَبْلَ استدلالهِ؟ فإنْ سلمه له، وإلا دل عليه وبنى الكلامَ عليه لئلا يحتاج إلى ما قد أوْقَعَ الإشكالَ، هل هو انقطاعٌ واتصالٌ، أو ليس كذلك؟ قيل: لا حاجةَ به إلى ذلك، لأن ذلك تطويل للكلام وعُدول عن السؤالِ إلى مَسْألةٍ أخرى، فإذا ابتدأ بالدَلالةِ على ما سُئَل عنه، ثم دَفَعَتْهُ الحاجةُ إلى الدلالةِ على ما نُوكِرَهُ ومُونِعَهُ دلَّ عليه، ولم يكن

стр. 783

ذلك خُروجاً عن قانونِ الجَدَلِ ولو وَجَبَ ما ذَكَرْتُم لوجبَ إذا سُئِل عن مسألةٍ يقتضي الحالُ استدلالَه فيها بالعُمومِ أو بدليلِ الخطاب فدل بذلك، فناكره السائلُ وقال له: هذا ليس بدليلٍ عندي، أن لاَ يَشْرعَ في الدلالةِ على أن العُمومَ صيغةٌ، وأن دليلَ الخطاب حُجةٌ، بل يقالُ له: هذا انتقالٌ، وهلا بدَأتَ السائلَ لك بالاستفْصَالِ عن تَسْليمه أو مَنْعِهِ لئلّا يحتاجَ إلى هذا المُوهِمِ أنه انتقال؟ بل كان الأمْرُ فيه على ما ذَكَرْنا من المُضيِّ على سَنَنِ ما سُئِل عنه والدلالةِ عليه بما يعتقدهُ دليلاً، فإن مونع فَدَعتْهُ الحاجةُ إلى إقامةِ الدليلِ على صحةِ ما استدل به، فَعلَ ذلك، وكان سُلوكاً لقانونِ الجَدَلِ، كذلك هاهُنا ولا فَرْقَ بينهما، وهذا كلُّه لمعنى أصليٍّ، وهو أنَّ مَنْ كان معه في حُكْم الأصْلِ مِثْلُ هذا الخبرِ المشهوار المُدوَّنِ في الكُتبِ والسُّنَنِ، لا يجوز أن تَضْعُفَ نَفْسُهُ في البناءِ عليه، بحيث يستسلمُ حكْمَهُ مَنْ عَساهُ لم يَسْمَعْهُ أو لم يَعْرِفْ محلَّه من إثْباتِ الحُكْمِ. ويطولُ علينا في الجَدَلِ أن نَبتعد عن إسناداتِ الأحكل أم إلى مِثْل هذه الآثارِ لأجْل شُبَهِ المُخالفين. فصل فإن استدل أصحابُنا أو أصحابُ الشافعي في مسألة إِثباتِ الخيارِ في النكاحِ بالعيوب، بأنَ العَيْبَ، معنى يمنعُ أكْثَرَ المقصودِ أو مُعْظَمَ لمقصودِ، فأُثْبِتَ الخَيارُ كالجَب والعُنةِ، فقال المُعْتَرِضُ: لا نُسَلِّمُ أَن الجَب يُثبتُ الخيارَ، وإِنَما المثبتُ للخِيارِ عدم استقرارِ المَهْر (١).

стр. 784

فالجوابُ: أنَّ هذا ليس مُمانعةَ الحكمِ في الأصْلِ، لأن الحُكمَ حاصلٌ بوجودِ الجَب والعُنةِ في الزوجِ، وكَوْنُ الجَب يتضمن معنىً لأجْلِهِ تَعلق الحكمُ به لا يمنعُ تعليقَ إلحكمِ عليه. وما ذلك إلا مثلُ تعليقِ المسحِ على الخُفين، وتعليقِ الرخَصِ على السفرِ وان كان المعنى في الاثنين ما تضمنا (١) من المشقةِ في الخَلعِ والسفرِ. فصل فإن مُونعَ الحكمُ في الاصل، ففَسرَ (٢) لفْظهُ بَتفسير مُسَلم لا تتناولهُ ممانعةُ المانعِ، مثلَ أن يستدل الحنفيُّ في أنَ الإجارةَ تبطل بالموتِ: بأنه عقد على مَنفعةٍ فبطلَ بالموتِ كالنكاح. فيقول الشافعيُّ أو الحنبليُّ: لا أسلمُ الحكمَ في الاصلِ؛ فإن النكاحَ لا يبطُل بالموتِ، وإنما ينقضي وينتهي بالموتِ، لأنه معقودٌ إِلى الموتِ، ولذلك استقر بالموتِ جميعُ المهرِ كما يستقر بالدخولِ. فيقول المستدل: أريدُ بقولي: فبطل بالموت: أنَّه لا يَبْقى بعد الموتِ، وهذا مُسلمٌ. فيقولُ المعترضُ: إن زوالَ الحكمِ بتمام الشيء لا يُسَمى بُطْلاناً في اللغةِ ولا في الشرع، ألا ترى أنه لا يقالُ: بَطلت الإجارةُ إذا انقضت مُدتها، ولا بطلت الكتابةُ إِذا استُوفيتْ نُجومُها (٣)، ويقال ذلك إِذا تلِفت العينُ المسَتأجَرةُ قبل انقضاءِ المدةِ، وعَجز المُكاتَبُ قَبْلَ إيفاءِ النجومِ، وكذلك العبادات يقالُ عند تمامِها:

стр. 785

تَمت، وعند انقضائِها: فُرغَ منها، ولا يُقالُ: بَطَلتْ. قال النبي ﷺ في أَمنِ الفَواتِ: "فَمَنْ وقَفَ مَوْقِفنا هذا من ليْلٍ أو نهارٍ، فقد تمَّ حَجه وقَضى تَفثَه" (١) ولم يقل: بطل حَجه. وقال: "فمَنْ تشهد من صلاتهِ فقد تمت صلاتُه" (٢). ولم يقل: بَطلتْ. فصل فإنْ قال المُعترضُ: إنَّ حْكَمَ الأصلِ لا يتعدى إلى الفَرع، مِثْلَ قولِ الحنفي (٣) في ضَمِّ الذهب الى الوَرِق في الزكاة: انهما مالان زكاتُهما رُبْعُ العُشْرِ، فضُم أحدُهما إلى الآخَرِ، كالصحاحِ والمكَسرة. فيقول له المخالفُ: إن الحكمَ في الأصلِ هو الضم بالأجزاءِ، وفي الفرع بالقيمةِ، فليس يتعدَّى حُكْمُ الأصلِ الى الفَرْع، فيقول المُستَدل: إِنما ألحقْتَ حُكمَ الفرع بالأصلِ في وجوب الضَم، ولا يلزمني أنَّ تستوي صفةُ الضم، ألاَ تَرى أنا نقيسُ الكفَارة على نيّةِ الزكاةَ، وانتَ تقيسُ الطهارةَ على، الصلاةِ في النيةِ وإن اختلفا.

стр. 786

ويمكنُ المعترضُ أن يقولَ: إن الضم الموجودَ في الأصلِ هو نوعٌ غيرُ النوعِ المثبتِ في الفَرع، ويُمكنُ إثبات حُكمِ الأصلِ في الفرعِ، وإنما أثبتَ غَيرَهُ، وتخَالفُ النيةُ لأن الغَرضَ إثباتُ وجودِ القَصدِ إلى العبادةِ، وذلك موجودٌ فيهما. فصل فإن اعترضَ معترض على حُكمِ الأَصلِ: بأني لا أعرفُ مَذْهَبَ مَنْ أنصرُهُ فيه، فإنْ أمكنَ المستدلَّ أن يُبَين مذهبَ المخالفِ، وإلا دل عليه، وكذلك إن كان فيه قولان أو وجْهانِ أو روايتان، فإنْ أمكنَ المسؤولَ أن يُبينَ أن أحدَ القولَيْن رجع صاحبُ المذهب عنه، أو يُبينَ أن إحدى الروايتين مرجوعٌ عنها، أو أنها هي روايَةُ الأصلِ أو الصحيحةُ بتَعويلِ مشايخِ المذهب عليها وثِقةِ رُواتها، وكذلك في أحدِ الوجَهين إنْ تعذَّر عليه ذلك، دَل على إثبات الحكم في الأصلِ على ما تقدم (١). فصل فأمَّا ممانَعةُ العلَّةِ في الأصلِ، ويُسَميه بعضُهم مُمانعةَ الوصْفِ في الأصلِ، فمِثل أن يستدل أصحابُنا أو أصحابُ الشافعيِّ على وجُوب الموالاةِ في الوُضوء: بأنها عبادة يُبطلُها الحَدَثُ، فكانت الموالاةُ واجبةً فيها كالصلاةِ (٢) فيقولُ المخالفُ: لا أسلمُ أن الصلاةَ يُبطِلُها الحدثُ، وإنما يُبطلُ

стр. 787

الحدثُ الطهارة، وتبطُل الصلاةُ لعدمِ الطهارةِ. فيُجيبُ المُسْتدل بأن يُبين بُطلانَ الصلاةِ التي لا طهارةَ فيها بالحدثِ، وهو إذا سبقَه الحدثُ، فإنَ المخالفَ يُبطلُ طهارته ولا يُبْطلُ صلاَته، وهو قولُ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ، فلو تعمد الحدثَ بعد سَبقِ الحدثِ بطلت صلاُته، فقد بان صحَةُ ما ذكرتُ من بُطْلان الصلاةِ بالحدثِ، وبطلت ممانعتُك، على أنه يُمكنُ القولُ ببطلانِها بالحدثِ بواسطة بُطلانِ الطهارةِ، فيقول: أردْتُ بُطْلان الصلاةِ به أنه يُبطِلُ شرطَ الصلاةِ فتبطل. والمبطِلُ على ضَرْبَين: مُبْطلٌ بلا واسطةٍ، ومبطلٌ بواسطةٍ، ألا ترى أن القاتلَ على ضَرْبَيْن: قاتل يباشِرُ النفْسَ بالقَتلِ، وقاتلٌ يمنعُ الشرطَ، فالجارحُ مباشرٌ محل الحياةِ فيُزهِقها، والمانعُ لها بالحَبْسِ شرطَ الحياة، وهو الأكلُ والشرْبُ فيُزهِقُها قاتلًا، كذلك هذان يُبطلان، فمُبطلٌ يباشِرُ الصلاةَ، ومُبطلٌ بواسطةِ إبطالِ شَرْطها. فصل ومن ذلك قَولُ أصحاب أَبى حنيفةَ في إِيجاب زكاةِ الفِطرِ عن العَبدِ الكافِر: أنَ كلَّ زكاةٍ وجبت عن العَبدِ المسلم وجبَ إخراجُها عن العبدِ الكافرِ كزكاةِ التجارةِ. فيقول المُخالِفُ: لا أسلِّمُ انها تجبُ عن العَبدِ، بل تجبُ عَن قيمتهِ (١).

стр. 788

فيقول المُسْتدل: أدل على ذلك بأن الذي في مُلكهِ العَبْدَ دون قيمتِه، ولهذا اذا تَلِفَ العبدُ سقطَتْ. فيقول المُعترضُ: إن العَبْدَ له قيمة توجدُ بوجوده وتُعدَمُ بعدمِهِ وان لم يتعين مُلكهُ عليها؛ ألا ترى أنه يملكُ الدين وُيزكي عنه وإن لم يتعينْ مُلْكُهُ عليه. فصل ولنا نوع من الممانعات، وهي إنكارُ السائل أو المعترض في الجُملةِ علةَ الأصْل على مَذهب المُعَلِّلِ، ويوردُها قوم بَلْفظٍ، هو: أنه لا يصح الوصْفُ في الأصلِ على مذهبِك. وكيفَ ما أوردها المعترِضُ فإنها ممانعة من جملةِ ممانعاتِ الوصفِ في الأصل. ومثال ذلك: قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّ اللعانَ فُرْقة تختص بالقَولِ، فوجبَ أن لا يتأبدَ تحريُمها، كالطلاقِ (١). وكذلك قولُ الحنفيِّ أيضاً في المنْع من إضافةِ الطلاقِ إِلى الشعرِ: إنَّه معنى تتعلَّقُ صحتُه بالقولِ، فلم يصح تعليقُه على الشَعر كالبَيعَ. فيقول الشافعيُّ: عندك أنَّ الطلاقَ لا يختص بالقَوْلِ، فإنَه يَقَعُ بالكنايةِ (٢) مع النيةِ، وليست قَوْلاً.

стр. 789

فإن قال المُسْتَدِلُّ: الكنايةُ قائمةٌ مَقامَ القَوْلِ ونائبةٌ عنه، قيل: لا يَمْنَعُ ذلك صحةَ المُمانعةِ، لأنها ليسَتْ بقَوْلٍ وإن نابَتْ عنه؛ ألا تَرى أنه لو قال قائل: إن الطلاقَ مُختص بالصريحِ، فنقول له: ليس كذلك لأنه يَقَعُ بالكنايةِ مع النيةِ، فيقول إن الكنايةَ نائبةٌ عن الصريح فكان مُختصاً بالصريح، لأن ما نابَ عن الصريحِ صريح [و] لم يصح كذلك قَولُهُ: الكِنايةُ نائبةٌ عن القَوْل فكان مُخْتصاً بالقَوْل، لا يكون قولاً صحيحاً. فصل وأما إنكارُ العِلةِ وممانعتُها في الأصْلِ، فمِثْل أن يقولَ أصحابُ أبي حنيفة في لِعان الأخْرَسِ: إنه معنى يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشهادةِ، فلا يصحُّ من الأخرس، كالشهادةِ بالحقوقِ. فيقول أصحابُ المشافعيِّ: لا نُسَلمُ أنه يفتقرُ إلى لَفْظِ الشهادةِ. فيحتاجُ المستدلُّ أن يُبَيِّنَ أن مَذْهَبَ، صاحب المذهب ما ذَكَرَهُ، أو يدل على ذلك (١). فصل فأمَّا ممانعةُ العِلةِ وانكارُها فيهما، فمثل قولِ أصحابِ أبي حنيفة

стр. 790

في المتمتّعِ إذا لم يَصُم في الحجِّ: أنَه يسقط الصوم، لأنَّه بَدَل بوَقْتٍ، فوجب أن يسقطَ بفواتِ وقْتِهِ، كالجُمعةِ. فيقول المعترضُ: لا أسلمُ أن الجُمعةَ بَدَل، ولا أسلمُ في الفَرْع أنَه مؤقَّت. فيحتاج المستدل أن يُبَينَ تَسْليمَهُ من مَذْهَبِهِ، أو يدل عليه (١). فصل المطالبةُ بتصحيح العِلةِ، وهو السؤالُ الثالثُ عن القياسِ. فصل واذا طولب المستدل المعللُ بتصحيحِ العِلةِ والدلالةِ عليها لَزِمَهُ ذلك، وتكون الدلالةُ عليها نُطْقاً وتَنبيهاً واستنباطاً. فالنطقُ، كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، ومثل قوله فى ﷺ : "إنَّما نهيتكم عن ادخار لحومِ الأضاحي لأجْلِ الدافَّةِ، ألا فادًّخروها" (٢). وأما الفحوى، فَمِثْلُ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ

стр. 791

يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفحوى هذا أن الكوافِرَ من الفتياتِ لا يجوزُ نكاحُها، وأنَّ الإيمانَ علةُ الإباحةِ. وكذلك نَهْيُهُ ﷺ عَنْ بَيْعِ الكالىء بالكالىءِ (١)، يريدُ بَيْعَ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، يدلُّ على أن نَهْيَهُ لأجْلِ كونه (٢) دَيْناً، وكذلك إذا نُقِلَ الحُكْمُ مع سَبَبهِ دل على تَعَلقِهِ به، كقولهم: سها رسول الله فسجد، وزَنا ماعزٌ فَرَجمه رسولُ الله، والظاهرُ أنه سها فسَجَدَ لأجْلِ سَهْوِهِ، وزَنا ماعز فَرَجَمَهُ لأجْلَ زناه. فصل وأمَّا الدلالةُ من جهةِ الاستنباط فمِنْ وجوهٍ: أحدُها وجودُ الحكمِ بوجودِها وارتفاعُهُ بارتفاعِها وزوالها، وذلك مثل أن يُعَللَ تحريمُ الخمرِ بأن فيه شِدَّةً مُطْرِبَةً لأنه إذا كانت عصيراً فهو حلال، وإذا حَدَثتْ فيه الشدَّةُ المطربةُ حَرُمَ، فإذا زالت الشدةُ صارَ حلالاً، وليس نسبةُ الحُكْم إلى العلَّة الآ لوجوده عند وجودِها، وزوالهِ عند زوالِها من غير أن يُشاركَها غيرها في الوجودِ والزوالِ، ولا يقنَع بالمشاركِ حتى يكونَ ممَّا يَظْهَرُ من مِثْلِهِ تأثير [في] ذلك الحُكْم وتَعَلُّقٌ به يوشكُ أن يكونَ مُشارِكاً، فنَفْيُ الصلاحيةِ عن الشريكِ كافٍ في نَفْيِ تعلقِ الحُكْمِ به.

стр. 792

وبَعْضُ أهل الجَدَلِ قال: إنْ وُجِدَ مع العِلةِ شريكَ وجَبَ أن لا يُحْكَمٍ بكونِها علةً حتى تَدُل على أن الحُكْمَ وجِدَ لأجْلِ تلك العِلةِ خاصة، وأنه زال لزوالِها خاصةً، وذلك مثل أن يَدعيَ مَنْ مَنَعَ تَعْليلَ الخَمْرِ بأن التحريمَ مَنَعَ الاسمَ، لأن العصيرَ اذا حدثَتْ فيه الشدةُ المُطْرِبَةُ سُمي خَمْراً، فإذا زالت زالَ الاسمُ، فَتَبَين أن التحريمَ يَتْبَعُ الاسمَ، فيحتاجُ الشافعي أو الحنبلي أن يُوضِّحَ أن التحريمَ تَبعَ الشِّدَّةَ دون الاسمِ، وزال بزوالِ الشدةِ دون الاسمِ، ويدلى على ذلك بأنه إذا طُبِخَ زال عنه اسمُ الخَمْرِ، والتحريمُ باقٍ لبقاءِ الشدةِ المُطْرِبَةِ. فصل ومن ذلك أن يَبْطُلَ ما سِوى العِلةِ المذكورةِ في الأصْلِ، فتصح العِلةُ المذكورةُ؛ لأن الأصْل إذا كان مُعَللًا فبَطَلتِ العِلَلُ التي يَنْتهي إليها التقسيم سوى واحدةٍ، دل على أن التي لم تبطُلْ هي عِلتُهُ. مثالُ ذلك: أن يَدعيَ أن العلَّةَ في الأعيانِ المنصوص على تحريمِ التفاضل فيها، وهي البُر والشَعيرُ والتَّمْرُ والمِلْحُ الطعْمُ (١)، فإذا بَطَلَ ما سوى الطُّعْمِ من الكَيْلِ والقُوتِ والطعْمِ والكَيْلِ معاً صح أن العِلةَ للطعْمِ، فإنْ كان خَصْمُهُ يذهبُ إلى أن العِلةَ الكَيْلُ فإذا أبْطَلَ عِلةَ خَصْمِهِ خاصةً ثبتت عِلتُه، وكان في مُوافقةِ خَصْمِهِ له على إبْطالِ ما سوى عِلتَيْهما غِنىً عن التكلفِ لإسقاطِ ما عداهما، لأن تعاطي الدلالةِ على مَوْضعِ الاتفاقِ قَطْع لِلْوَقْتِ وتَضييع للكلامِ.

стр. 793

فصل ومن ذلك ما ذكره أصحابُ الشافعيُّ رحمةُ الله عليه وعليهم من شهادةِ الأصولِ، وإنما يكونُ ذلك في العلَّةِ إذا كانت حُكْماً، كقولهم: ما كان رباً في دارِ الاسلام، كان رباً في دارِ الحرْب؛ لأن الأصولَ تَشْهَدُ أن العقودَ بين المسلمين تستوي فيها الأمكنةُ منَ دارِ إسلام أو حَرْبٍ، فدلتْ التسويةُ في عامةِ العقودِ على أن إثباتَ الربا في إحْداهما رباً في الأخرى (١). وكذلك قولُهم في زكاةِ الخَيْلِ: مالا تجبُ الزكاةُ في ذُكورِهِ إذا انفَرَدَت لا تَجِبُ في إناثهِ؛ لأن الأصولَ التي تجبُ فيها الزكاةُ من سائرِ الحيوانِ يستوي ذكورُها وإناثُها (٢)، فاستوى في هذا النوع المختلفِ فيه، فكانت التسويةُ في الأصولِ في هذه المسائل وأَمثالِها هي الدلالةَ التي يَفْزَعُ إليها المستدل إذا طولبَ بتصحيح عِلتهِ أو الدلالةِ عليها، والله أعلمُ. فصل فإن طولبَ مُعَللٌ بالدلالةِ على صحةِ العِلةِ، فقال: الدلالةُ على صِحَّتِها ما دلت على صحةِ القياسِ؛ لأن الشرْعَ أوجَبَ انتزاعَ العِلةِ وقد انتزعَها، لم يكن هذا الجوابُ كافياً؛ لأن كوْنَ الأصْلِ واجباً (٣) تَعْليله انما يكون اذا كان مما يصح تعليلُهُ، وإذا جاز تَعْليلُه، لم يدل

стр. 794

ذلك على صحةِ علتهِ التي انتزَعَها إلا أنْ يبين أنه لا يُمكنُ أن يُعَللَ بغيرِ ذلك، فيكون حينئذٍ دلالةُ التقسيم، وقد ذكرناها. فصل فأمَّا اطرادُ العِلةِ في معلولاتِها وجَرْيُها، فقد اختلف الناسُ فيه، فمنهم مَنْ جَعَلَهُ دلالةً على صحتها. ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وَجْهان: فمنْ جعله دليلاً تعلق بأن هذه العلَّةَ لو لم تكُن صحيحةٌ لكان يردها أصل من أصولِ الشريعةِ فلما لم يردَّها شيءٌ، دل ذلك على صِحتِها، وقد دل على ذلك قولهُ تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] فاستدل عليهم لصحتِهِ أنهَ من عند الله بِعدمِ الاختلافِ والمناقضةِ (١). وذهبَ الأكثرون إلى أنه لا يكونُ دلالةً، لأن كلُّ واضع لِمذْهب يُمكنه أن يَطْرُدَهُ لا تَبَعاً للأدلةِ ولا التأثيرِ، لكن بتركِ كلِّ قَوْلٍ يُخالفُ وضْعَهُ وبطَلب أنَّ لا ينتقضَ وَضْعُه، حقاً كان المذهبُ الذي يضعُهُ أو باطلًا. وإِذا كان الطرْدُ فِعْلَ القائسِ لأنه إذا استخْرجَ الوصْفَ من الأصْلِ، طَردَهُ في كلُّ موضع وُجِد فيه، لم يَغْلِبْ على الظن إثبات الحُكْمِ في الفَرْع، لأن الذي ينبغي أن يطردَهُ بعد ثُبوتِ كَوْنِهِ عِلَّةً في الأصلِ، فلا يكَون طَرْدُهُ دِلالةً على كَوْنهِ عِلَّةً، بل يكون كونُه علةً

стр. 795

أوجَبَ الحكمَ في كلُّ محل؛ ألا ترى أن القائسين أجمعوا على أنَّ العلَّةَ في الأعيانِ المنصوصِ عليها في تحريم التفاضلِ واحدةٌ، ثم اختلفوا في تلك العلَّةِ الواحدةِ، وكل واحدٍ منهم ذكر علةً اطردَتْ في الفُروع (١)، فمن قال: الطُّعْمُ. لم يُخْرِجْ مطعوماً عن كَوْنهِ يحرمُ فيه الربا لوجودِ اَلعلةِ فيه لا قَصْداً لطَرْدِها بل هي المُوجبةُ لذلك، حيث اجتهد فلم يُفْضِ به اجتهادُهُ إِلأ إلى أنها علَمُ الحُكْمِ شَرْعاً. وكذلك مَنْ قال: هي الكَيْلُ، طَرَدها في كلُّ مكيل مطعوماً كان أو غَيْرَهُ. وكذلك من قال: انها القوتُ. طردها في كلُّ قوتٍ. ثم اتفقوا جميعاً على واحدةٍ من العِلَلِ، هي الصحيحةُ دون الباقياتِ وإن كان الطرْدُ قد شمل الكل، فلو كان الطرْدُ عندهم دلالةً على الصحة لكانت العِلَلُ كفها عند كلُّ واحدٍ منهم صحيحةً، فلما اتفقوا على أن الطرْدَ في الكل والصحةَ مختصةٌ بواحدةٍ، بَطَلَ أن يكون الطرْدُ بإجماعِهم دلالةً على الصحةِ. فصل وقد ذكر بعضُ أهلِ العلمِ أن سلامةَ العِلةِ مما يُوجبُ فسادَها دِلالةٌ على صِحتِها، وذهب إليه بعضُ أصحابِ الشافعيُّ رحمة الله عليه قالوا: لأنها لو لم تكن علةً لم تَسْلَمْ مِنْ وجْهٍ من وجوهِ الفسادِ الذي يُعترضُ به على العِلَلِ، ويكون ذلك كافياً في إثباتها، وهذا لا يكفي؛

стр. 796

فإنَّ تطرُّقَ الفسادِ قد يكونُ لِما قدَّمْنا ذِكرَهُ، وهو وضْعُ المذهب، على أَنّه لا يَقْبلُ على العِلةِ نَقْضاً، فنضع المذهبَ لِصحتِها على وجْهٍ لايقْبل المناقضةَ، وأفعالُ الإنسانِ ووضْعُهُ لا يكونُ ذلك دِلالة على صِحة مَذْهبهِ، ولذلك لو أنَّ مُدعي النبوَّةِ قنعَ في الدلالةِ على أنَّ المُنكرين لنبوَّتهِ لا يجدون ما يُكذّبُه لم يَكفِ ذلك دِلالة على صِدْقِهِ حتى يُقيمَ شاهداً بصدْقِهِ، لأن الخَصْمَ يجوزُ أنَّ يُقَصرَ، والمُكذِّبَ لهذا المُدعي يجوز أنَّ يُقَصرَ عن إيرادِ ما يُفْسِدُ قَوْلَ المتنبّىءِ ودعواهُ وعِلةَ المُعَلل، وكذلك المُدعي لسائر الحُقوقِ لا تكون الدلالةُ على صحةِ دعواه كوَنَ المُدعى عليه لا يجدُ ما يردّ دَعْواه ويكذبها، بل لا يُصَحَحُ دَعْواهُ إلأ حُجة يرتضي بها الشرع لإثباتِ دَعْواه هي غَيْرُ عجزِ المُنكرِ (١). فأمَّا قولُه سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] فلا يُشْبهُ ما نحن فيه؛ لأن القرآن لما تضمن الأخبارَ السالفةَ والآنِفَةَ، والغُيوبَ المنتظرةَ والدلائلَ الباهرةَ وزعم القَومُ أنه مِنْ عند النبيِّ ﷺ ، وأنَّه ظَفِرَ بما فيه من ذلك بالمُدارَسةِ والاطلاع على السِّيَرِ، كان من جواب الله سبحانه لهم وما أبطلَ به دَعواهم أنَّ قالَ: لو كان هذا من مخلَوقٍ لَما خَلا من اختلافٍ، فكان مُضيهُ على سَنَنٍ واحدٍ، وان كلُّ ما أخبرَ به عن الماضي كان كما أخْبَرَ به، وما كان من المُستقبلِ جاءَ كَفَلَقِ الصبْحِ كَوَعْدِه بإحدى الطائفتين يَوْم بَدْرٍ، وبالفتحِ، وبغَلَبةِ الروم، وبموتِ أبي لهب على الشرك، وبإظهارِ دينهِ على الأديانِ كلها لمَ يَنْخَرمْ من ذلك شيءٌ علِمَ أنَّه لا يَقعُ ذلك بحيث لا يتطرَّقُ اليه اختلافٌ إلّا مِمَّن يطلعُ على الغُيوبِ

стр. 797

بعِلْم أزلي وإحاطةٍ ربانيةٍ (١). فإن احتجَّ مُحْتَج بكونِ الطردِ دِلالةً بأنْ قال: إني تَتَبعْت (٢) الأصولَ فما وجَدْتُ ما يعترض عليها، فلهذا احتَجَجْتُ بها، وهذا بمنزلةِ المُحتَجِّ بالعمومِ إذا زَعمَ أنه تَتَبعَ الأصولَ فلم يجد ما يُخَصِّصُه، كانَ لهُ الاحتجاج بهِ، فجوابُ هذا المُحتج أنْ يُقالُ لهُ: دَعواكَ لذلكَ لا تُصحِّحُ دليلَكَ؛ لأنكَ تحتاجُ إلى اثبات مَا ادعيتَهُ مِنَ العِلةِ أولًا ثم دَعْواكَ أنكَ تَتبعْتَ الأصولَ، فليس تَتَبعُكَ وعَدمُ وُجْدانِك كافياً، لأنكَ قد لا تَجدُ ما يكونُ موجوداً لِغَيرك؛ إمَّا لقصورِكَ عن الطلبِ وتحقيقه، أَو لِمحبَّةِ المذهبِ وسلامته من المناقضةِ. ويجوزُ أَن لا تَجِدَ في حالٍ وتَجدَ في حالٍ أُخْرى، فلا تَجْعَلْ عدمَ وُجدانِك دليلاً، كما لا تجعلْ عدم وُجْدان ما تكذِّبُ به المتنبّىءَ والمُدعي دليلاً على صحةِ النبوةِ والدعوى، وفارقَ العُمومَ لَأنَّ في اللَّفْظِ ما يُعطي الشمولَ والاستغراق، وإِنَّما ذهبَ قَوْمٌ إلى أَنّه يَسْتَقرِىءُ الأُصولَ لئلا يكونَ فيها ما يُخَصِّصُهُ، وغايةُ ما على المستدلِّ بالعُمومِ أَن لا يعلمَ تَخْصيصَه، وعلى المُعترضِ إثباتُ تَخْصيصِه. وفي مَسأَلتِنا: على المُعلِّلِ أَن يدلَّ على كَوْنِ ما عَلَّل به عِلَّة ودليلاً، والعِلَّةُ لا تكون عِلَّةً إلاّ بدِلالةٍ على صِحتِها، فأينَ العمومُ من مسألتنا والحالُ هذه؟

стр. 798

فصل وقد تكون الدلالةُ على صحَّةِ العِلةِ سبباً يُنقَلُ مع الحُكْم، مثْلَ قولِ أصحابنا أو الشافعية: إِن الثيبَ لا تُجَبرُ على النكاحِ لأنهاَ حرةٌ سليمةٌ موطوءةٌ في القُبُل، فلا تُجْبرُ على النكاحِ كالبالغِ، فنطالبُ بالدلالة على صحةِ العِلةِ، فنقول: الدليلُ عليه ما رُوِي أنَّ خَنْساءَ زوجَها أبوها وهي ثَيِّبٌ، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ ، فدلَّ على أنَّ لِلْوَطءِ تأثيراً في نَفْيِ الإجبارِ (١). فصول الاعتراض بعدم (٢) التأثير (٣). وهو السؤالُ الرابعُ على القياسِ. وهو: أن يُبَينَ المُعترِضُ به وجُودَ الحُكْمِ مع عَدَمِ العِلةِ، وهو ضَرْبان: أَحدُهما: عدمُ التأثيرِ في وصَفٍ إذا اسْقِطَ من العِلةِ انتقضت العِلةُ. والثانى: عدمُ التأثيرِ في وصفٍ إِذا أسْقِطَ من العِلةِ لم تَنْتَقَض

стр. 799

العِلَّةُ. وقد تبيَّنَ ذلك في الأصلِ أو الفَرْعِ أو فيهما. وقد اختلفوا: هل يُؤثرُ ذلك؟ فقال قَوْمٌ: جميعُ ذلك قادحٌ في العِلةِ. وقال قومٌ: لا يشترطُ التأثيرُ في الأصلِ ولا في الفَرْع، بل يكفي أن يكونَ مؤثراً في موضعٍ من الأصول، وهو مذهبُ القاضيَ الإمام أبي الطيبِ (١) ﵁. مِثالُه: قولُ أصحاب الشافعيُّ في المُرتد: يجبُ عليه قضاءُ الصلوات؛ لأنه ترك الصلاة بمعصيةِ، فأَشْبهَ السكرانَ. فيقول أصحابُنا وأصحابُ أبي حنيفة: لا تأثيرَ لهذا الوَصْفِ في الأصلِ؛ لأنَّ السكران لو لم يكن عاصياً بالسكرِ بأن كان مُكْرهاً على الشرب أو مُتداوياً به عندهم بفتوى مُفْتٍ أفتاه بالتداوي، أو دَفَعَ اللقمةَ المُخنقَة بِجرع تجرعها منه إذ لمِ يَجدْ بُقْربهِ سواه، فأسكَرَتْهُ تلك الجُرَعُ، أَو شربَها جاهلاً بأنها خَمْرٌ فأسْكرتْهُ، فإنه في هذه المسائل كلَّها لم يَعْصِ بالشُّربِ، ويقضي ما ترك من الصلواتِ حالَ السكرِ. فالجوابُ عن هذا على قَولِ مَنْ رأى التأثيرَ في أصل من الأُصولِ وموضع منها كافٍ أَن يقولَ: للمعصيةِ تأثيرٌ في القَضاءِ، وذلك إذا شَرِبَ دواءً ليزولَ عَقْلهُ فزال، لم يسقط عنه فَرْضُ الصلاةِ ولزِمَهُ القضاءُ.

стр. 800

ولو لم يَقْصدْ ذلك، أو زال عَقْلُهُ بغيرِ فِعلهِ رأساً لم يجب عليه قضاءُ الصلواتِ التي لم يؤدها حالَ زوالِ عَقلِهِ، وكان ذلك لمعنىً يعمُّ كلَّ معصيةٍ؛ وذلك أنَ العَقْلَ شَرْطُ الخِطاب، فإِذا تَسَبَّبَ لِإزالتهِ كان ذلك إِطْفاءً لنورِ الله وتعرضاً لإسقاطِ خطابهِ، فكان أهلًا أن يبقى عليه الخِطابُ تغليظاً؛ إِذْ لم يسقُط الخطابُ عمن زال عَقلُهُ لا بفِعْلهِ إلا تَخْفيفاً من الله ورحمة. واحتج مَنْ سلك هذا في بيانِ التأثيرِ، بأن التأثير دِلالة على صحةِ العلَّةِ، بحيث ما وُجِدَ دل على كونِها عِلَّةً في هذا الحكمِ وإِنْ لم يؤثَر في هذا المَوضعِ. والذي يوضحُ ذلك ويشهدُ له: أنَّ العِلةَ يجوزُ أنَّ تكونَ لازمةً في الأصلِ لا يُمكنُ انتزاعُها منه، فلا يكونُ عدمُ تأثيرِها في أصلِ العلَّةِ وفَرعِها مانعاً من كَونِها عِلَّةً. والصحيح عند أكثرِ المُحقَقين: أنَّ العِلَةَ إذا لم تؤثرْ في أصْلِها كانَتْ فاسدةً لأنَه متى لم يكن لها تأثير في الأصلِ، فليست عِلَّةً فيه، ولهذا لا يُمكنُ تعليلهُ بها، فالقائسُ، إِنَما يدعي ثُبوتَ الحُكْمِ في الفَرعِ لوجودِ علةِ الحُكْمِ في الأصلِ جاريةً على الفَرْعِ. وبيانُ ما ذكرنا أنَه لا يُمكنُ تعليلُ الأصل بها، فنقول فى السكرانِ: إنَّه وجبَ عليه القَضاءُ لأنَّ عَقلَه زال بمعصيةٍ، إذْ لا فَرْقَ فيه بين أن يكونَ بمعصيةٍ أو بغيرِ معصيةٍ، ولا يجوزُ أن يُعللَ الأصلُ بوصْفين يحتاجُ الأصلُ إلى وُجودِ أحِدهما في ثُبوتِ حُكْمهِ. وإِذا زال عَقْلهُ بغيرمعصيهٍ، وهو أن يكونَ أكْرِهَ على الشربِ، فإِن

стр. 801

القضاءَ يجبُ، ولا بُدَّ أنَّ يكونَ لهذا عِلة ليستْ ما ذكره، وتلك العِلةُ تَشْمَلُ المُكْرَهَ وغَيرَ المُكْرَهِ. فأمَّا قولهم: إنَ التأثير دليلٌ. فليس بجوابٍ، لأن الاعتراضَ بعدَمِ التأثيرِ نَوْعُ إِفسادٍ للعِلةِ، وليس بمُطالبة بدليلٍ على العِلةِ، ولو كان مطالبَة بالدليلِ لم يكن صحيحاً؛ لأنَه ليس يتعينُ على المُسْتَدل أنَّ يَدلَّ بدليلٍ دون دليلٍ على صحةِ العلَّةِ، ويجوزُ أن يكونَ دليلُه غَيْرَ التأثير، وكان يكفيه أن يقول: على العلَّةِ دليلٌ غيرُه، فلا معنى لهذا السؤالِ، ولأنه لو كان تأثيرُها في موضع من أصولِ كافياً في تعليقِ الحُكْمِ بها، لم يحتج إلى ذِكْرِ الأصول، فإِنَّ ذلك الموضعَ يثبت صحَتها وتعلقَ الحكمِ بها في الفَرْعِ، كما أثْبَتَهُ بذلك في الاصْلِ. فإِن قيل: في الأصل الحُكْمُ ثابتٌ والفَرْع لم يثبُتْ فيه. قيل: إذا ثَبَتَ وجودُ العِلةِ لهذا الحُكْمِ في هذا الفَرْع ثبت بذلك الحُكْمُ فيه؛ فأمَّا الأصلُ الذي لا يُمكنُ انتزاعُ العلَّةِ منهَ فلا يلزم، لأنا لا نقول: إِن زوالَ العلَّةِ والحُكْمِ شَرْطٌ، وإِنما نقول: إِنَ زوالَ العلَّةِ مع بقاءِ الحكمِ لا لعلةٍ خَلَفَتْها مُفْسِدٌ لكونِها عِلَّةً. فإن قيل: فكذا نقولُ في المَوضعِ الذي لايؤثر، مثلَ أنَّ يَحْرُمَ وطؤها بالإِحرام والصوْم، فإِذا زال أحدُهما بقي الآخَرُ، فكان التحريمُ باقياً. قيل: إِنَ كان الذَي خَلَفَ هذه العِلةَ بقي الحُكْمُ لبقائهِ يجوز أن يرتفعَ مع بقاءِ هذه العِلَّةِ، كالذي ذكَرْتموه في الصوم والإحرامِ، فلهذه العِلَةِ تأثير يُمكنُ بيانُه، وهو أن تزولَ التي خَلَفَتها ويبَقى التحريمُ متعلقاً بالعِلَّةِ، فإِذا زالت العِلَّةُ زال التحريم، وان كان ما خَلَفَ العِلَةَ

стр. 802

لا يصح أنَّ يزولَ مع وجودِها، فذلك هو العلَّةُ دون ما ذكرتموة، ولأنَّه إذا أمكنَ تعليل الأصلِ بعلَّتَين إحداهما أعمَ من الأخرى كانت العامة هي العِلةَ دون الخاصةِ، ولم يعللْ بهما جميعاً، بل يعلَّلُ بالعامةِ فقط. فإن قيل: أليس العلَّة المنصوص عليها لا تفسد بعدم التأثيرِ وكذلك المستنبطة؟ قيل: المنصوصُ عليها لا يلزم تأثيرها، ولذَلك لا تسْمَع دعوى المعترض عليها بعدمِ التأثير. فإن قيل: فإِذا دَلَلْتُم على صحةِ العِلةِ بغيرِ النص، وجَبَ أن يقومَ ذلك الدليل مقام النص فى المنع من الاعتراضِ عليها بعدم التأثيرِ. قيل: ليس يلزم ذلك، لأن غيرَ النص لا يزيل الاحتمالَ فيها، وعدمُ التأثيرِ يقدح في دليلِك، فلهذا سمعت دعواه، وهذا بمنزلةِ أنَّ يسقطَ القياس مع النص ويعترضَ به على العمومِ لأنَه محتَمل. فإِن قيل: إذا ثبتَ كون هذه الأوصافِ علةً في موضع من الأصولِ وجَبَ أن تكونَ عِلة حيث ما وُجِدتْ، لأن الطَرْدَ شَرْطٌ، فثبت كون هذه الأوصافِ علةً في هذا الأصل، وهو ترك الصلاةِ بمعصيةٍ. قيل: من يقول بتخصيص العِلَّةِ لا يلزمُهَ مدا السؤالُ، لأنه إِذا بأنَ أَنَ العِلةَ غير مؤثرة في هذا الأصلِ كانت العِلة مخْتصَّةً بما اثرَتْ فيه. وأَما مَنْ قال: إن العِلةَ لا يجوز تَخْصيصها [فقد] أثْبَتَة عِلَّةً في هذا الأصلِ، ولا يكون أصلًا تقاس عِلَّته به، بل هو بمنزلةِ الفَرْعِ المختلفِ فيه؛ لأن تعلقَ هذا الحكمِ بهذهِ العلَّةِ فيه ثبت بأصل آخر وهو الذي بان فيه تأثير العِلةِ، وجرى هذا الأصْلُ مَجْرى الفَرْع الذي رَدَدْتَ إليه، وقد بَينا فيما قَبْلُ أن قياسَ بعضِ الفروع علىَ بعض لا وجْهَ له، لأنَ أحدَهما ليسَ بأولى بأن يكونَ أصلاً للَآخَر.

стр. 803

فصل في مثالِ عدم التأثيرِ في وصفٍ إِذا أُسْقِطَ من العلَّةِ انتقضت العِلَّةُ فهو أنَّ يقولَ الشافعيُّ أو الحنبليُّ في النيةِ في الوضوء: إنه طهارة عن حَدَثٍ فافتقرت إلى النيةِ كالتيمُّمِ، فيقول الحنفيُّ: لا تأثيرَ لقولِك: طهارة؛ فإِنَ ما ليس بطهارةٍ أيضاً يفتقرُ إلى النيةِ وهو الصومُ والصلاةُ. فيقول المستدلُّ هذا ليس بقياسِ علَّةٍ ولكنه قياسُ دِلالةٍ، والتأثير إِنما به يُطلَب في قياسِ العلَّةِ، لانَ المَعللَ يدعي أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ لهذه العلَّةِ، ولا يُعلمُ ثبوتُ الحُكْم بالعلَّةِ إلا بالتأثيرِ، فأمَّا في قياسِ الدلالةِ فلا يَلْزَمُ، لأنَه لم يَدعِ أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ لهذه العلَّةِ، ولكن يدَّعي أنه دليلٌ على الحُكْمِ؛ ولهذا لزِم التأثيرُ في العِلَلِ العقليةِ. والثاني: أن يقولَ: هذه العِلًةُ منصوص عليها فلا تحتاجُ الى التأثيرِ، وذلك لأن العلَّةَ لا يلزم بأن يدَلَّ عليها بأكثرَ من دليلٍ، فإذا حصلت الدلالةُ عليها لم يلزمْ أنَّ يستدل عليها بالتأثيرِ أيضاً. مثالُ ذلك (١): أن يقولَ الحنبليُّ أو الشافعيُّ في رِدةِ المرأةِ: إنَه كُفْر بعد إيمانٍ فأوْجَبَ القَتْلٍ كرِدةِ الرجل، فيقول المخالفُ: لا تأثيرَ لقولك: كُفْر بعد إيمان، فإن كُفرَ الرجلِ لو كان قَبلَ الإيمانِ أوْجَبَ القَتْلَ، فيقول: الكُفْرُ بعد الإيمان منصوص عليه، قال ﵇:

стр. 804

"لا يحلُّ دَمُ امرىءٍ مسلمٍ إِلاّ بإحدى ثلاثٍ: كُفْرٍ بعد إِيمان " (١)، والتأثيرُ يُتَوَصَّلُ به إِلى معرفةِ علَّةِ الشرعِ بنوعِ استنباطٍ، فإِذا ظفِرنا بنصِّ صاحبِ الشَّرعِ ثبتَ كَوْنُه علَّةً، فاستغنى عن تعريفِ ذلك بالاستنباطِ. والثالثُ: أَن يُبيِّنَ تأثيرها في موضعٍ من المواضعِ، وذلك مثل أَن يقول الشافعي في لبنِ الميتةِ: إنَّه نَجسٌ (٢ [لأنه غير ماءٍ لاقى نجاسةً فينجس] ٢) كما لو وَقَع في اللبن نجاسة. فيقول الحنفيُّ: لا تأثيرَ لقولِك غير الماءِ لاقى نجاسةً، لَأنَّ الماءَ نَفْسَهُ يتنجَّسُ أَيضاً بمُلاقاةِ النجاسةِ، وهو القليلُ. فيقول المستدل: تأثيرُهُ في القُلتَيْن، ويكفي التأثيرُ في موضعٍ واحدٍ؛ فإنه لو اعتُبرَ في كلُّ محل لكان عَكْساً، ولا يُشْتَرطُ العكْسُ في عِلَلِ الشرعِ، وإنَما يُعتبرُ في عِللِ العقلِ. فصل وأَما عدمُ التأثيرِ فيما لا تنتقضُ العلَّةُ بإسقاطِه.

стр. 805

مثالُه: أن يقولَ الشافعيُّ في المتولد من بين أصلين: لا زكاةَ في أحدِهما بحال، فلم تجب فيه الزكاةُ (١) كما لو كانت الأمهاتُ من الظباءِ، وهذا قياسٌ على أَبي حنيفة، ولا يُسَلمُهُ أصحابُنا لهم، فيقول المُخالفُ: لا تأثيرَ لقولك: بحالٍ، فإنك لو اقتصرتَ على قولك: لا زكاةَ في أحدهما لم ينتقض بشيءٍ، فقولُك: بحال، حَشْوٌ في العِلةِ لا تحتاجُ إِليه. فيقولُ الشافعي: هذا ذكرْتُه للتأكيد، وتأكيدُ الألفاظِ لا تعدُّها العربُ حَشواً ولا لَغْواً، ولهذا جاء بها القرآن، قال سبحانه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فأكَد ثم أَكد، ولم يُعَدَّ ذلك لَغْواً. أو يقول: هذه الزيادةُ ذكرتُها لتأكيدِ الحُكْم، وذلك مثل أن يقولَ الشافعيُّ في القذفِ: إنَه يتعلق به رد الشهادة، لأَنه كبيرة تُوجبُ الحد، فتعلق بها ردالشهادةِ، كالزَنا. فيقول المخالفُ: قولُك: يُوجِبُ الحد حَشْو في العِلةِ لا يُحتاجُ إليه، فيقول: إن تعلقَ الحدِّ بها يدلُّ على تأكدِها، وتأكدُ العِلةِ يُوجبُ تأكدَ الحُكْمِ، وما يُوجبُ تأكيدَ الحكمِ لا يُعَدُ لَغْواً. أو يقول: إِن هذه الزيادةَ ذكرتُها للبيانِ، وذلك (٢) مثل أن يقول الشافعيُّ في التَحرِّي في الأواني: إنه جنْس يدخُله التحرِّي إِذا كان عددُ المُباحِ أَكثر، وإِن لم يكن عددُ المباحِ أَكثَرَ، كالثيابِ.

стр. 806

فيقول المخالفُ: لا تأثيرَ لقولِك: إذا كان عددُ المُباح أكثر، فإنَك لو قلتَ: جنس يدخُله التحري لكفاك، فقولُك: إذا كانَ عددُ المُباحِ أكثرَ، حَشْوٌ لا يُحتاجُ إليه، فهو كما لو قال: مطعومٌ مقتاتُ جِنْسٍ فيقول الشافعيُّ: هذا بيان لما تقتضيه العلةُ، وذلك أني لو قُلتُ: جِنْسٌ يدخلُه التحري لكان معناه: إذا كان عددُ المُباحِ أكثرَ، وبيانُ ما يقتضيه الكلامُ لا يُعدُّ حَشْواً، ويُخالفُ ذِكْرُ القوتِ مع الطعْمِ، لأن ذلك ليس ببيانٍ لمعنى العِلَّةِ، ألا تَرى أنَّ بذِكْرِ القوتِ يَخْرجُ (١) ما ليس بقوت، وهذا بيان لِمعنى، ألا ترى أنه لا يخرجُ من العلَّةِ شيءٌ فوِزانُه أن نُضيفَ إلى الطعْمِ ما هو بيان لمعناه بأن نقول: مطعومُ الآدميين في جنس، فيجوز حين كان ذلك معنى المطعوم، لأنَ إطلاقَه إليه ينصرفُ، دون طُعْمِ البهائمِ والجنِّ، وهو النجايل والأتْبانُ والحشائشُ والعظام. وجوابٌ رابع أن يقولَ: هذه الزيادةُ لتقريب الفَرْع من الأصلِ، وذلك مثل أن يقول الشافعيُّ في جلدِ الكَلْبِ: أنه لا يطَهرُ بالدباغِ (٢)، لأنَّ ما بعد الدباغِ حالة حُكمَ فيها بطهارةِ جلْدِ الشاةِ، فوجب أن يُحكمَ فيها بنجاسةِ جِلدِ الكلب، كحالِ الحياةِ. فيقول الحنفيُّ: لا تأثير لقولِك: يُحكمُ فيها بطهارةِ جِلدِ الشاةِ، فإنك لو قُلْتَ: حالة يحكمُ فيها بنجاسةِ جلدِ الكلبِ كفى، فالزيادةُ عليه حَشْوٌ.

стр. 807

فيقول الشافعيُّ: هذه الزيادةُ ذكرتُها لتقريب الفرع من الأصل، وان ما بعد الدِّباغ يجري مَجْرى حالِ الحياةِ بدليلِ أنهمَا يستويان في إيجابِ الطهارةِ، وإذا لم تؤثر الحياةُ في طهارةِ جلدِ الكَلْبِ دل على أنَّ الدِّباغَ مثلُه، وتقريبُ الفَرْعِ من الأَصلِ يزيدُ في الظَّنِّ، فلا يُعَدُّ حَشْواً. فصل ومن ذلك: إذا كان التأثيرُ على أصلِ المعللِ، نَظَرْت، فإن كان ذلك في الأصل المقيس عليه، يسقط سؤال المُعترِض له، فلا تأثيرَ لهذه العلَّةِ في الأصلِ؛ لأن المُعللَ لا يُسلمُ ذلك. مثالُ ذلك (١): أَن يُعلِّلَ الشافعيُّ في إنكاحِ الثَيّبِ الصغيرةِ أَنّها حُرَّةٌ سليمةٌ موطوءةٌ في القُبُلِ، فلا يجوزُ إجبارُها، كالكبيرةِ. فيقول [المعترضُ]: لا تأثير لهذه الأوصافِ في الكبيرةِ، فإنَها لا تُجْبَر وإن لم تكُنْ مَوْطوءةً في القُبُلِ. فيقول الشافعيُّ: لا أُسلمُ، فإنَ عندي تُجْبَرُ البكرُ الكبيرةُ. فإن عدل المعترِضُ عن ذلك الى المطالبةِ بالدليل على صحةِ العِلةِ، دل بأن النبى ﷺ جعل للثُيوبةِ تأثيراً فقال: "الثيبُ أحقُ بَنْفسِها، والبكرُ تُستَأذنُ فى نَفْسها" (٢) وإن كان في غَيرِ الأصلِ لم يكن ذلك دليلًا عَلى صحةِ العلَّةِ؛ لأَن تأثيرَ العلَّةِ على أصلهِ بمنزلةِ طَرْدِها، لأنه لما جعلها عِلَّةً أجراها في معلولاتها ورَفعَ الحُكْمَ بارتفاعِها، وهذا

стр. 808

مِثْل أن يدعي أن الكَيْلَ عِلة في أعيانِ الرِّبا ثم يُبَيِّن صحتَها بأن الفواكه لا رِبا فيها، لأنها ليست مكيلةً. فيقول المُعترضُ: لا أسلِّمُ ذلك الحُكْمَ، وإنما ذُهب أنَّه لا ربا في الفواكهِ لأنك جَعلتَ العلَّةَ في المنصوصِ عليها الكَيْلَ، فلا يكونُ ذلك دلالةً على صحةِ كَوْنِ الكَيْلِ عِلَّةً. فصل إذا لم يكُن للوصفِ تأثير في الأصلِ، ولا في شيءٍ من الُأصولِ لم يكُن عِلَّةً، وعلى ذلك أَكثَرُ الناسِ وجماعةُ أَصحابِ الشافعيّ، وكل من لم يَجْعَل الطردَ دليلًا على صحتِها. مثالُ ذلك: ما قاسَ بعضُ الفقهاءِ القائلين باعتبارِ العددِ في أحجارِ الاستجمارِ، أنها عبادة تتعلَّق بالأحجارِ لم تَتَقَدمْها معصيةٌ، فاعتُبرَ فيها العَدَدُ، كَرَمْي الجمارِ، فإن قولَهُ: لم تتقدمْها معصيةٌ لا تأثيرَ له في الأصلِ ولا فيَ الفَرْعِ؛ فإنَّه لا فَرْقَ في الاستجمار (١) بين أَن يتقدمَهُ معصيةٌ أو لا يتقدمَة حتى لو أنه أحدث في مسجدٍ فإنه قد تقدَّمه معصيةٌ، ومع ذلك يُعتبرُ فيه العددُ (٢). وكذلك رَمْيُ الجِمارِ لو تقدمه خذف بالحصى قَلَعَ به عُيونَ الناسِ ثم رمى فإنه قد تقدمه معصيةٌ، ويعتبر فيه التكرار. فيقول المعللُ: تأثيرُهُ في الرجْمِ للمُحصَن (٣)، فإنه لما تقدمَتْهُ

стр. 809

معصيةٌ لم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، بل لو مات المَرْميُّ بحجرٍ واحدٍ كفى وأجْزَأ في إِقامة الحَدَ. فيُقال: ليس المُوجبُ لِنَفيِ التقدير تقدُّمَ المعصيةِ ولا علَلهُ أحدٌ بذلك، وكيف يُجْعلُ تَقَدمُ المعصيةِ علًّةً لإسقاطِ التكرارِ، والمعصيةُ أبداً تُوجبُ تأكيدِ التعذيب، فأمَّا أن تكون عِلَّةً لإِسقاطه فلا، وليس يكفي في بيانِ التأثيرِ أنَّ يُعْدَمَ، ولا الحكم في موضع، وإنَما يُعتبرُ أنَّ يزولَ الخكْم لزوالِ العِلَّةِ، وإنَما يُبَين ذلك أن يكونَ زوالُ الحُكْم مَعَلَّلًا بزوالِ تلك العِلَّةِ، مثلَ: أنَّ يزولَ تحريمُ الخمرِ ونجاستُهُ بتخَللهِ وزوالِ شدَّتهِ المُطربةِ فيه، وكذلك أنَّ كان زوال الحُكْمِ بزوالِ بعض أوصافِ العلَّةِ، فإنَّ تلك العِلَةَ مؤثرة. فصل فأمَّا الوصفُ إِذا كان يمنع من نَقْضِ العِلةِ فهل يكونُ مانعاً من نَقْضِها كافياً في التأثيرِ؟ قال بعضُ الناسِ من أهلِ الجدلِ وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يكون تأثيراً. والذي عليه المُحقِّقون انَّه ليس بصحيحِ؛ لأنَّ النَّقْضَ يَمْنعُ منه اللفظُ، فقد يكون المانعُ من النًقْضِ اللفظ الذي يزيدُهُ المُعَلَلُ في العلَّةِ بوضْعِه مع كَوْنهِ لا تَعَلقَ للحُكْم به، ويسقطُ الوصفُ الذي يتعلق به الحكمُ، وهذا كما لو قال أصحابُ أبي حنيفةَ في إِزالةِ النجاسةِ بالمائعاتِ: إِن اللَّبَنَ مائع طاهر مشروب فجاز إزالة النجاسةِ به كالماءِ. كان قولهم: مشروب، يمنعُ دخولَ النقض بالدهنِ والمَرَقِ، وإن كانَ وصفاً لا تعلقَ للحكمِ به، وإِنَّما العِلًةُ أنه مَنْفى، لان مشروباً لا تأثيرَ

стр. 810

له لأنَّ المأكولَ والمشروبَ سواء. فصل فإن علل بعض القائلين باسقاطِ الزكاةِ عن الحُليِّ بأنه يُعد لاستعمال مُباحٍ فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ كالثياب المُعَدَةِ لِلبْسِ أو التي لا يُنْوى بها التجارةُ، فقيل له: لا تأثيرَ لقولكَ: لاستعمالٍ مُباحٍ في الأصلِ، لأنه لو أعد لنفْسِهِ الحريرَ كان مُعَداً لاستعمال محظورٍ ولا تجبُ فيه الزكاةُ (١). فقال: للإباحةِ تأثير في الأصول، لأن زوالَ العَقلِ إذا كان بأمْرٍ مُباحٍ، كدواءٍ شَرِبَه للتداوي تعلَّق به سقوطُ الفَرْضِ، واذا [كان] بأَمرٍ محظورٍ، مثلَ أن شَربَهُ ليزيلَ عَقْلَهُ لمِ يسقُطْ عنه الفَرضُ، فهذا جواب بعيد؛ لأن تأثيرَ العِلةِ يجبُ أن يكون في حُكْمها، إمَّا في الأصلِ في أصح المَذْهبين الذي نَصَرْناه، أو فيْ بَعْضِ الأصولِ، فأمَّا حُكْمٌ آخرُ وهو سقوطُ فَرضِ الصلاةِ فلا وجْهَ له. فصل في الوصفِ إذا جُعل تَخْصيصاً لحكمِ العلَّةِ مِثْل أن يقولَ المُسْتدل في تَخليلِ الخَمْر: بأنَّه مائع لا يطهرُ بالكَثرةِ، فلا يطهر بصَنْعةِ آدمى، كالخَل النَّجِسِ (٢).
следующие страницы →