← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فيقول المخالفُ: لا تأثيرَ لقولِك: إذا كان عددُ المُباح أكثر، فإنَك لو قلتَ: جنس يدخُله التحري لكفاك، فقولُك: إذا كانَ عددُ المُباحِ أكثرَ، حَشْوٌ لا يُحتاجُ إليه، فهو كما لو قال: مطعومٌ مقتاتُ جِنْسٍ فيقول الشافعيُّ: هذا بيان لما تقتضيه العلةُ، وذلك أني لو قُلتُ: جِنْسٌ يدخلُه التحري لكان معناه: إذا كان عددُ المُباحِ أكثرَ، وبيانُ ما يقتضيه الكلامُ لا يُعدُّ حَشْواً، ويُخالفُ ذِكْرُ القوتِ مع الطعْمِ، لأن ذلك ليس ببيانٍ لمعنى العِلَّةِ، ألا تَرى أنَّ بذِكْرِ القوتِ يَخْرجُ (١) ما ليس بقوت، وهذا بيان لِمعنى، ألا ترى أنه لا يخرجُ من العلَّةِ شيءٌ فوِزانُه أن نُضيفَ إلى الطعْمِ ما هو بيان لمعناه بأن نقول: مطعومُ الآدميين في جنس، فيجوز حين كان ذلك معنى المطعوم، لأنَ إطلاقَه إليه ينصرفُ، دون طُعْمِ البهائمِ والجنِّ، وهو النجايل والأتْبانُ والحشائشُ والعظام. وجوابٌ رابع أن يقولَ: هذه الزيادةُ لتقريب الفَرْع من الأصلِ، وذلك مثل أن يقول الشافعيُّ في جلدِ الكَلْبِ: أنه لا يطَهرُ بالدباغِ (٢)، لأنَّ ما بعد الدباغِ حالة حُكمَ فيها بطهارةِ جلْدِ الشاةِ، فوجب أن يُحكمَ فيها بنجاسةِ جِلدِ الكلب، كحالِ الحياةِ. فيقول الحنفيُّ: لا تأثير لقولِك: يُحكمُ فيها بطهارةِ جِلدِ الشاةِ، فإنك لو قُلْتَ: حالة يحكمُ فيها بنجاسةِ جلدِ الكلبِ كفى، فالزيادةُ عليه حَشْوٌ.

стр. 807

فيقول الشافعيُّ: هذه الزيادةُ ذكرتُها لتقريب الفرع من الأصل، وان ما بعد الدِّباغ يجري مَجْرى حالِ الحياةِ بدليلِ أنهمَا يستويان في إيجابِ الطهارةِ، وإذا لم تؤثر الحياةُ في طهارةِ جلدِ الكَلْبِ دل على أنَّ الدِّباغَ مثلُه، وتقريبُ الفَرْعِ من الأَصلِ يزيدُ في الظَّنِّ، فلا يُعَدُّ حَشْواً. فصل ومن ذلك: إذا كان التأثيرُ على أصلِ المعللِ، نَظَرْت، فإن كان ذلك في الأصل المقيس عليه، يسقط سؤال المُعترِض له، فلا تأثيرَ لهذه العلَّةِ في الأصلِ؛ لأن المُعللَ لا يُسلمُ ذلك. مثالُ ذلك (١): أَن يُعلِّلَ الشافعيُّ في إنكاحِ الثَيّبِ الصغيرةِ أَنّها حُرَّةٌ سليمةٌ موطوءةٌ في القُبُلِ، فلا يجوزُ إجبارُها، كالكبيرةِ. فيقول [المعترضُ]: لا تأثير لهذه الأوصافِ في الكبيرةِ، فإنَها لا تُجْبَر وإن لم تكُنْ مَوْطوءةً في القُبُلِ. فيقول الشافعيُّ: لا أُسلمُ، فإنَ عندي تُجْبَرُ البكرُ الكبيرةُ. فإن عدل المعترِضُ عن ذلك الى المطالبةِ بالدليل على صحةِ العِلةِ، دل بأن النبى ﷺ جعل للثُيوبةِ تأثيراً فقال: "الثيبُ أحقُ بَنْفسِها، والبكرُ تُستَأذنُ فى نَفْسها" (٢) وإن كان في غَيرِ الأصلِ لم يكن ذلك دليلًا عَلى صحةِ العلَّةِ؛ لأَن تأثيرَ العلَّةِ على أصلهِ بمنزلةِ طَرْدِها، لأنه لما جعلها عِلَّةً أجراها في معلولاتها ورَفعَ الحُكْمَ بارتفاعِها، وهذا

стр. 808

مِثْل أن يدعي أن الكَيْلَ عِلة في أعيانِ الرِّبا ثم يُبَيِّن صحتَها بأن الفواكه لا رِبا فيها، لأنها ليست مكيلةً. فيقول المُعترضُ: لا أسلِّمُ ذلك الحُكْمَ، وإنما ذُهب أنَّه لا ربا في الفواكهِ لأنك جَعلتَ العلَّةَ في المنصوصِ عليها الكَيْلَ، فلا يكونُ ذلك دلالةً على صحةِ كَوْنِ الكَيْلِ عِلَّةً. فصل إذا لم يكُن للوصفِ تأثير في الأصلِ، ولا في شيءٍ من الُأصولِ لم يكُن عِلَّةً، وعلى ذلك أَكثَرُ الناسِ وجماعةُ أَصحابِ الشافعيّ، وكل من لم يَجْعَل الطردَ دليلًا على صحتِها. مثالُ ذلك: ما قاسَ بعضُ الفقهاءِ القائلين باعتبارِ العددِ في أحجارِ الاستجمارِ، أنها عبادة تتعلَّق بالأحجارِ لم تَتَقَدمْها معصيةٌ، فاعتُبرَ فيها العَدَدُ، كَرَمْي الجمارِ، فإن قولَهُ: لم تتقدمْها معصيةٌ لا تأثيرَ له في الأصلِ ولا فيَ الفَرْعِ؛ فإنَّه لا فَرْقَ في الاستجمار (١) بين أَن يتقدمَهُ معصيةٌ أو لا يتقدمَة حتى لو أنه أحدث في مسجدٍ فإنه قد تقدَّمه معصيةٌ، ومع ذلك يُعتبرُ فيه العددُ (٢). وكذلك رَمْيُ الجِمارِ لو تقدمه خذف بالحصى قَلَعَ به عُيونَ الناسِ ثم رمى فإنه قد تقدمه معصيةٌ، ويعتبر فيه التكرار. فيقول المعللُ: تأثيرُهُ في الرجْمِ للمُحصَن (٣)، فإنه لما تقدمَتْهُ

стр. 809

معصيةٌ لم يُعْتَبَرْ فيه العَدَدُ، بل لو مات المَرْميُّ بحجرٍ واحدٍ كفى وأجْزَأ في إِقامة الحَدَ. فيُقال: ليس المُوجبُ لِنَفيِ التقدير تقدُّمَ المعصيةِ ولا علَلهُ أحدٌ بذلك، وكيف يُجْعلُ تَقَدمُ المعصيةِ علًّةً لإسقاطِ التكرارِ، والمعصيةُ أبداً تُوجبُ تأكيدِ التعذيب، فأمَّا أن تكون عِلَّةً لإِسقاطه فلا، وليس يكفي في بيانِ التأثيرِ أنَّ يُعْدَمَ، ولا الحكم في موضع، وإنَما يُعتبرُ أنَّ يزولَ الخكْم لزوالِ العِلَّةِ، وإنَما يُبَين ذلك أن يكونَ زوالُ الحُكْم مَعَلَّلًا بزوالِ تلك العِلَّةِ، مثلَ: أنَّ يزولَ تحريمُ الخمرِ ونجاستُهُ بتخَللهِ وزوالِ شدَّتهِ المُطربةِ فيه، وكذلك أنَّ كان زوال الحُكْمِ بزوالِ بعض أوصافِ العلَّةِ، فإنَّ تلك العِلَةَ مؤثرة. فصل فأمَّا الوصفُ إِذا كان يمنع من نَقْضِ العِلةِ فهل يكونُ مانعاً من نَقْضِها كافياً في التأثيرِ؟ قال بعضُ الناسِ من أهلِ الجدلِ وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يكون تأثيراً. والذي عليه المُحقِّقون انَّه ليس بصحيحِ؛ لأنَّ النَّقْضَ يَمْنعُ منه اللفظُ، فقد يكون المانعُ من النًقْضِ اللفظ الذي يزيدُهُ المُعَلَلُ في العلَّةِ بوضْعِه مع كَوْنهِ لا تَعَلقَ للحُكْم به، ويسقطُ الوصفُ الذي يتعلق به الحكمُ، وهذا كما لو قال أصحابُ أبي حنيفةَ في إِزالةِ النجاسةِ بالمائعاتِ: إِن اللَّبَنَ مائع طاهر مشروب فجاز إزالة النجاسةِ به كالماءِ. كان قولهم: مشروب، يمنعُ دخولَ النقض بالدهنِ والمَرَقِ، وإن كانَ وصفاً لا تعلقَ للحكمِ به، وإِنَّما العِلًةُ أنه مَنْفى، لان مشروباً لا تأثيرَ

стр. 810

له لأنَّ المأكولَ والمشروبَ سواء. فصل فإن علل بعض القائلين باسقاطِ الزكاةِ عن الحُليِّ بأنه يُعد لاستعمال مُباحٍ فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ كالثياب المُعَدَةِ لِلبْسِ أو التي لا يُنْوى بها التجارةُ، فقيل له: لا تأثيرَ لقولكَ: لاستعمالٍ مُباحٍ في الأصلِ، لأنه لو أعد لنفْسِهِ الحريرَ كان مُعَداً لاستعمال محظورٍ ولا تجبُ فيه الزكاةُ (١). فقال: للإباحةِ تأثير في الأصول، لأن زوالَ العَقلِ إذا كان بأمْرٍ مُباحٍ، كدواءٍ شَرِبَه للتداوي تعلَّق به سقوطُ الفَرْضِ، واذا [كان] بأَمرٍ محظورٍ، مثلَ أن شَربَهُ ليزيلَ عَقْلَهُ لمِ يسقُطْ عنه الفَرضُ، فهذا جواب بعيد؛ لأن تأثيرَ العِلةِ يجبُ أن يكون في حُكْمها، إمَّا في الأصلِ في أصح المَذْهبين الذي نَصَرْناه، أو فيْ بَعْضِ الأصولِ، فأمَّا حُكْمٌ آخرُ وهو سقوطُ فَرضِ الصلاةِ فلا وجْهَ له. فصل في الوصفِ إذا جُعل تَخْصيصاً لحكمِ العلَّةِ مِثْل أن يقولَ المُسْتدل في تَخليلِ الخَمْر: بأنَّه مائع لا يطهرُ بالكَثرةِ، فلا يطهر بصَنْعةِ آدمى، كالخَل النَّجِسِ (٢).

стр. 811

فقال المُعترضُ: لا تأثيرَ لقولِك: "بصنعةٍ"، في الأصل؛ لأنه لا يطهرُ بصنعِة آدمي ولا بغيرِ ذلك، فقد اختلف الناسُ في ذلك، فقال بعضُ أهل الجدلِ وبعضُ أصحاب الشافعيُّ: إِنَّ هذا ليس بسُؤالٍ صحيحٍ؛ لان التأثيرَ لا يطالبُ به في الحُكْمِ، وإِنما يُطلبُ في العِلةِ. ومنهم مَنْ يقولُ: إن الحُكْمَ إِنما هو عدمُ الطهارةِ، وتعلُّقُ ذلك بالصنْعَةِ من تمام العلَّةِ، فيجبُ بيانُ تأثيرِه، وهذا أصح؛ لأنَ تَفْصيحَ هذا: أنَ الحُكْمَ إذَا أَدْرِجَ فيه حُكْم حَسُنَ أن يُوردَ عليه ما يُورد على الأوصافِ المُخَلصةِ من الأحكامِ، وما ذلك إلّا بمثابةِ ما سمِعْناه من الخُراسانيين كثيراً، وهو قولُهم في وصْفِ العِلَّةِ: هذا عَيْنُ سؤالي، فأين دليلُك؟ أو: هذا دليلُك، فأين المسْالةُ؟ مِثالُ ذلك: قولُ المُسْتَدل على تحريم النَّبيذ: شَرابٌ فيه شدةٌ مطرِبةٌ فكان مُحرماً كالخَمْرِ (١). فيقول: إنَّما سألْتُكَ عن هذا الشراب الذي فيه شِدَةٌ مُطْرِبَةٌ، فأتَيْتَ بَنْفسِ ما سَألْتُكَ عن حُكْمِهِ والدلالةَ عليه، فَجَعَلْتَهُ دليلاً. فالجوابُ أنَّ يقولَ: إِنك ليس من حيثُ أتيتَ بما يَصلُحُ أن يكونَ دلالةً فأدْرجْتَهُ في سؤالِك يمنعني ذلك من تعلقي بالاستدلالِ به، لأنه لو مَنَع ذلك من الاستدلالِ لكان للسائِل أن يَمنعَ المُستدِل الاستدلالَ، فإنه يمكنهُ أن ينطقَ بكل صالح للاستدلالِ به في اثناءِ سؤالهِ، فإِذا منعه ذلك من الاستدلالِ به امتنع عليه الدليلُ وانسدَّ عليه طريقُ التعليلِ، حتى إِذا قال له: هل تحسنُ عقوبةُ المسيء؟ فيقول:

стр. 812

نعم، فيقول: ولم حَسُنَ ذلك؛ فقال: لأنه مسيء قال: هذا سؤالي، فأَين دليلُك؟ وكل ما أَبطَلَ الاستدلالَ فباطلٌ، ولم يَبقَ إِلاّ أَن التحقيقَ في ذلك: أن كلُّ وصفٍ مُدْرج في حُكْم فيتسلط عليه مايتسلطُ على المُفْرَدِ من الأسئلة غير المُدرجِ في الأحكامِ، وكل ما صلح للاعتلالِ به، والاستدلالِ إذا لم ينطقْ به السائلُ ويُدْرجُه في سؤالِه، صلح للاستدلالِ به وإن أدرجه السائلُ في السؤالِ. فصل وإذا كان في العِلَّةِ زيادةُ وصفِ تَطَّردُ العِلَّةُ دونه، مثلَ أَن يُعَلل بصحةِ الجمعةِ من غيرِ إمام بأنها صلاة مفروضة فلم تَفتَقِرْ إلى إذن الأمام، ولو قال: صلاة، فلا تفتقرُ الى إذْنِ الأمام أمكنَ ذلك واطردتَ العلةُ (١). فمن الناسِ مَنْ يقولُ: هذه الزيادةُ لا تضرُّ، لأنَّها تُنبهُ على أَنَ غَيْرَ الفرائضِ لا تحتاجُ إِلى الِإمامِ، فكأنَّه ذَكَرَ لَفظاً يعمُّها. وقد قيل: إن الغَرَضَ من هذا الوَصْفِ الزائدِ تَقريبُ الفَرعِ من الأصلِ بكثْرةِ ما يجتمعان فيه من الأوصافِ. ومنهم مَنْ قال: لا نحتاجُ إلى هذا الوصْفِ الزائدِ ولا ينبغي أن يدخل على العلَّةِ لأنها تَسْتَقلُّ دونهُ وليست ببيانٍ، ولا حاجَةَ بنا إلى التنبيه، واللفظُ يعم دونَه، ولا إلى تَقريب الفَرع من الأصل بزيادةٍ على علةِ الحُكْمِ.

стр. 813

فأمَّا إذا كانت الزيادةُ للبيانِ كقولِنا في الأواني: إنَه جنسٌ يدخلُه التحري إِذا كان المباحُ أكثَرَ، فدخله إذا استويا، فإنا لو قُلْنا: يدخلُه التحري كفى، ولكن هذه الزيادةَ لبيانِ موضعِ دخولِ التحري وليست بزيادةٍ في العلَّة فكانت جائزة، فكذلك إذا كانت الزيادةُ تأكيداً جاز كقَولنا في المتولد بين الظباءِ والغَنَمِ: إِنه متولدٌ من بين جنسين لا زكاةَ في أحدِهما بحال، فإن قَولنا: لا زكاةَ في أحدهما، كافٍ في النَّفي على العموم في جميعِ الأحوالِ، فإِذا قُلْنا: بحال، كان تأكيداً لا يُفيدُ إلأ ما أَفاده اللفظُ، فلم يكن زيادةً في العلَّةِ.

стр. 814

فصول النَّقض والنقض (١): وجودُ العِلَّةِ مع عدم الحكمِ على قَوْلِ مَنْ لا يرى تخصيص العِلَّةِ. وإذا كانت مُنتقضة كانت فاسدةً عند مَنْ لا يرى تَخْصيصَها. فأمَّا مَنْ يرى تَخْصيصَها فإنه يجعلها كالعموم الذي خَصه الدليلُ، ويأتي الكلامُ في ذلك مشبعاً إن شاء الله في مسائل الخلافِ (٢). فصل والعلَّةُ على ضربَينْ: عِلَّة وُضِعَت للجنس. وعلَّة وُضِعَتْ لِلْعَيْنِ. فالموضوعةُ للجنسِ تجري مَجْرى الحَد؛ تَفْسُدُ بأن ينتقضَ طَرْدُها، أو يُحيلَ عَكْسُها، وذلك مِثْلُ أنْ نقولَ: الشركةُ هي المُوجبةُ

стр. 815

للشفْعَةِ، والعَمْدُ المَحْضُ هو المُوجبُ لِلْقَودِ، فمتى تَعَلقَتْ الشُّفْعَةُ بغير الشركةِ، أو لم تَثْبُت مع الشركةِ، بطلَتِ العِلةُ. وكذلك لو قال قائلٌ: إن المُبيحَ للدَّم الرِّدَّةُ، كان ذلك مُنْتَقَضاً؛ لأن الدمَ يُستباحُ بغيرها. وأَما إِن كانت العِلَّةُ للأَعيانِ، نَظَرْتَ، فإِن كانت للوجوبِ، فمتى وُجِدت العلَّةُ دون حُكمِها، كانت مُنْتَقَضةً، مِثل أن يقول الحنفيُّ: إِنَّ الوضوءَ طهارةٌ، فلا يفتقرُ إِلى النيةِ كإِزالةِ النجاسةِ، فيُنْقَضُ عليه بالتيمُّمِ؛ لأنه طهارةٌ ويفتقر إِلى النيةِ بإِجماعِنا. فإِنْ أنكَر المعللُ الحُكْمَ في موضعِ النقْضِ، أو أنكر وجوبَ العلَّةِ فيه إِذا كانت حكْماً، فإِن كان مسؤولاً، لم يكن للناقضِ إِثبات ذلك الحُكْمِ بالدليلِ. وإِن كان معارِضاً، فقد اختلف الناسُ في ذلك: فمن القائسين من أجاز للمسؤولِ نَقْض عِلةِ المعارضِ بأصلهِ، ووجْهُ ذلك: أنَ هذه العِلةَ التي عارَضَه بها المُعترضُ ليست حُجَّةً عند المسؤولِ لانتقاضِها على أصْله، فكان له ردُّها كما لو عارضه بدليلِ الخطابِ وهو لا يقول به، ولانً المسؤولَ قد لا يكون رد هذا القياسَ إلا بنَقْضهِ، فإِذا مُنعَ من ذلك وقف عليه الكلام. ومنهم مَنْ قال: ليس له نَقْض علَّةُ المُعترض بما يَنْفرِدُ به؛ لأنَ الموضعَ الذي يَنْقُضُ به عليه المعترضُ العِلةَ حُجةٌ للمعترضِ، كما هي حُجة في المسألةِ التي تكلَّما فيها، وذلك مثل أن يستدل الحنفيُّ في أنَ تسميةَ المهْرِ إذا كانت فاسدةً وثبتَ مَهْرُ المَثْلِ، لم يَتَنصَّف

стр. 816

بالطلاقِ؛ بأنَّ عَقْدَ النكاحِ خلا عَنْ تَسْميةٍ صحيحةٍ، فوجب بالطلاقِ قبل الدخولِ المُتْعَةُ، فيُعارضُه الشافعيُّ بأن هذا مَهْرٌ وجَبَ قبلَ الطلاقِ، فوجب أن يتَنصَّفْ بالطلاقِ قَبْلَ الدخول، كما لو سُميَ في العَقْدِ (١). فيقول الحنفيُّ: ينتقضُ ذلك على أصْلي بالمُفَوضةِ إذا فُرِضَ لها المهرُ قبل الطلاقِ. فيقول المعترضُ: هذه حُجةٌ عليك في ذلك الموضع، كما هي حُجةٌ هاهُنا، ولو جاز لك أن تُبطلَها بذلك الموضعِ، لأمْكنَكَ أن تُبطلَها بالمسألةِ التي تكلمْنا فيها، ولا بُدَّ أن يكون لك دليلٌ يمنعك من استعمالِ هذا القياسِ في هذين الموضعَيْن، فتحتاج أَن تُثْبِتَهُ؛ لتسقطَ عنك المعارَضةُ. ويُفارقُ القياسُ دليلَ الخطابِ؛ لأن دليلَ الخطاب ليس بحُجةٍ عنده، والقياسُ عنده حُجةٌ، فلا يتركُه إلا بما هو أوْلىَ منه. فأمَّا إذا قال المستدل: إني لا أعرفُ الروايةَ في المسألةِ التي أَلْزَمه إِياها المعترضُ نَقْضاً، فقد قال بعضُ أصحاب الشافعيُّ: ينبغي أن يقولَ له المعترضُ: ينبغي أن لا تحتج بهذا القياَس، لأنك تعلمُ أنه سليم من النقْضِ. ويمكنُ المسؤول أن يقولَ: هذا القياسُ حُجةٌ ما لم أعلمْ ما يُفْسدُهُ، كالتمسكِ باستِصْحابِ الحالِ، وبالقياسِ، مالم يُعْلَم هل نزل نصٌ في الحُكْمِ في عصرِ النبى ﷺ ، فإنه يجوزُ ما لمْ يَسْمَعْ نُزولَ نَصٍّ، ولايُقالُ: إنه عَمِل بالشكِّ.

стр. 817

ولقائلٍ أن يُجيبَ عن هذا: بأن استصحابَ الحالِ تمسك واجبٌ بأصلٍ موضوع، وهاهنا لا يثبتُ أنَه قاسَ حتى يعلم سلامتَه من النقضِ. فإِنْ قال المستدلُّ: انا أَحملُ هذه المسألةَ على مُقْتضى القياسِ، وأثبتُ فيها مِثْلَ حُكْمِ علتي. قيل: هذا إثبات لمذهب صاحبك بالقياسِ، وليس لك هذا، إلاّ أن يُنْقَلَ عنه أنه عللَ هذا الَحُكْمَ بهَذه العِلةِ فيُجْريها (١). فصل وإذا نُقِضَتِ العِلةُ، فالجوابُ عنها من وجوه: أحدُها: أنَّ لا يُسَلَمَ للناقضِ مسألةَ النقْضِ. وذلك مثل أنَّ يقولَ الشافعيُّ في المخالفِ عند هلاكِ السلعةِ: إنَه فَسْخُ بَيْع يصح ردِّ العَيْنِ، فيصحُّ مع رد القيمة، كما لو اشترى ثَوْباً بَعْبدٍ وتقابَضا، ثم هلك العَبْدُ ووجد مُشْتري الثوبِ بالثوْبِ عَيْباً. فيقول الحنفيُّ: هذا يبطُل بالإقالةِ (٢). فيقول الشافعيُّ: لا أسلمُ الإِقالةَ، فإنها تجوزُ عندي مع هلاكِ السلْعةِ. والثاني: أن لا يُسَلَمَ وجودَ العِلةِ.

стр. 818

ومثالُ ذلك: قولُ الحنفيُّ في المضمضة: إنها تجبُ في الغُسْلِ لأنها عُضْوٌ يجبُ غَسْلُهُ من النجاسة، فوجب غَسْلُهُ من الجنابةِ كسائر الأعضاءِ. فيقول الشافعيُّ: هذا يبطلُ بالعَينِ. فيقول المخالفُ: العَيْنُ عندي لا يجبُ غَسْلُها من النجاسة، فلا يلزمُ النَّقْضُ (١). الثالث: أن يَدْفَعَ النقْضَ بمعنى اللفْظِ، وذلك شيئان: مقتضى اللفظ، وتَفْسيرُ اللفْظِ. فأمَّا مُقْتضى اللفْظِ: فهو مِثْلُ أَن يقولَ الشافعيُّ في مَهْر المُسْتكْرَهَةِ على الزنا: ظَلَمها بإتلافِ ما يتقوَّم فلَزمَ الضمان، كما لو أتْلَفَ ما لَها عليها (٢). فيقول الحنفيُّ: هذا ينتقضُ بالحَرْبى إذا وطِئها. فيقول: قولنا: ظَلَمَها، رجع إلى هذا المستكرِهِ الذي هو من أهلِ الضمانِ، إذْ لا يجوزُ أن يَخْلو قولُنا: ظَلَمها، من فاعل مُعَينٍ تعودُ "هاء" الضميرِ إلِيه، وليس إِلا هذا المُسْتكرِه الذي هو من أهلِ الضمانِ، فصار كأنا قلْنا: هذا الذي هو من أهلِ الضمانِ ظَلمها (٣).

стр. 819

ومثل أن يقولَ الشافعيُّ في ضمانِ المنافعِ بالغَصْب: إِن ما ضُمِنَ بالمُسمَّى في العَقْدِ الصحيحِ، جاز أنَّ يُضْمَنَ بالإتَلافِ بالعُدْوانِ المَحْضِ، كالَأعيانِ. فيقال: هذا يبطُلُ بالحَرْبى، فإنه يضمَنُ المنافعَ بالمُسَمى في العَقْدِ الصحيح، ولا يَضْمَنُ بالإتلافِ. فيقول الشافعيُّ: هذا لا يَلْزَمُ، لأنّا لم نَقُل: إن مَنْ ضَمِنَ بالمُسَمى ضَمِنَ بالإتلافِ وإِنما قُلْنا: ما ضُمِن بالمُسمى ضُمنَ بالإتلافِ، وتلك المنافعُ يجوزُ أن تُضمَنَ بالإتْلافِ، وهو إذا أتلفها مسلم أو ذميٌّ، فلا يلزَمُني النقْضُ. وأمَّا الدَّفْعُ بالتفسير: فهو أَن يحتمل اللفْظُ أَمرَيْن احتمالاً واحداً ففسره بأحدِهما ليدفَعَ النَقْضَ. وأضافَ أصحابُ أبي حنيفة وأصحابُنا الى ذلك، التسويةَ بين الأصلِ والفَرْع في مسألةِ النقْضِ، ومثالُ ذلك: أن يَقولَ في إيجاب الِإحدادِ على المبتوتةِ: بأنها معتدةٌ بائن، فلزِمَها الِإحدادُ كالمتوفّى عنهَا زَوْجُها (١). فيُقالُ له: هذا ينتقضُ بالذميةِ. فيقول: يستوي فيه الأصلُ والفَرْعُ؛ فإن الذميةَ لو كانت متوفىً عنها زوجُها لم يجب عليها الإحدادُ.

стр. 820

فيقول أصحابُ الشافعيُّ: ليس هذا جواباً صحيحاً، لأنا نَقَضْنا بالمبتوتةِ الذميَّة. فقالوا: وينتقضُ أيضاً بالذميةِ المتوفى عنها زَوْجُها، فيصير النقْضُ نَقْضَيْن. ومما دفعوا به أيضاً أن قالوا: هذا موضع استحسان. مثالهُ: أن يقول في الكلام في الصلاةِ ناسياً: إنَّ ما أبْطَلَ العبادة عَمْدُهُ أبْطلَها سَهْوهُ، كالحَدَثِ. فيقول المعترضُ: إن النص دل على انتقاضهِ، فيكون آكَدَ للنقْضَ (١). والثالث من أَجوبتهم: أنَّ قالوا: عندنا تخصيصُ العِلةِ جائز. فيقال: إنكم دخَلْتُم مَعَنا على مراعاةِ طَرْدِها والاحترازِ من نَقْضِها، ولهذا احتَرَزْتُم من سائر النقوض ولم تَرْجعوا فيها الى جواز التخْصيصِ. فصل من فُصولِ النقضِ أيضاً وإذا نَقَضَ المُعترضُ العِلةَ بُحكْم يَتَفقان عليه إلّا أن المُعَللَ يُنكرُ التسميةَ الشرعيةَ، فإن للناقض بيانَ ذلك (٢).

стр. 821

مِثالُه: تعليلُ الحنفيِّ في أنَّ عِوضَ المنافعِ في عَقْدِ الإجارةِ لا يُسْتَحَق بمُطْلقِ العَقْدِ بأن يقولَ: عَقْد على مَنْفعةٍ فأشْبهَ المُضاربةَ (١). فيقول المُعترضُ: ينتقضُ بالنكاحِ. فيقول المعللُ: النكاحُ معقود على الحِل والإباحة دون المنافعِ. فيقول المُعترِضُ: إن العَقْدَ يتناولُ ما يستَوْفيه من المنافعِ، فأمَّا الحِل فَحُكْم شرعيٌ يحصلُ له بالشرْع لا بالعِوَضِ ولا بالعَقْدِ، وأحكامُ الشرعِ لا تحصلُ بالأعواض ولا بمِلْكٍ ولا تَقْبلُ العُقودَ، وكما لا يُقالُ: يُعقدُ على الملكِ في الأَعيان، لكن يُعقدُ عليها فيحصلُ الملكُ، كذلك لا يُقال: يُعقدُ على الحِلِّ، لأن الملكَ والحِل جميعاً حُكْمانِ. وكذلك اذا قال الشافعيُّ: إنَ عقدَ السلَمِ معاوَضَة مَحْضَة، فلم يُشترطْ لها التأجيلُ، كالبَيْع (٢)، فقال السائلُ: ينتقضُ بالكتابةِ، فإن للشافعيِّ أن يقولَ: الكتابة ليست مَحْضَ مُعاوَضةٍ. فللسائلِ أن يبين ذلك، لأنه بيانُ اسم وليس بإثباتِ حُكْم، والأسماءُ لا ترجعُ إلى المذاهبِ، فلا يكون بيانُه استدلالًا على المسؤولِ، بل بياناً لحُكْمِ الوَضْعِ اللغويِّ.

стр. 822

فصل منه أيضاً إذا دفع المُستدل النقْضَ بإطلاقِ الاسمِ في عُرْفِ الاستعمالِ جازَ (١). ومثاله: أن يقولَ الشافعيُّ في الرَّجْعَةِ بالوَطْءِ: إنه فِعْل من ناطقٍ فلم تحصل به الرجعةُ، أو فِعْلٌ من قادرٍ على النطقِ فلم تحصُل به الرجعةُ، كالضرْبِ (٢). فيقول المُعترضُ: ينتقض بلفظِ الرجعةِ، فإنه فِعْلُ اللسانِ وتحصلُ به الرجْعةُ. فيقول المستدل: اللفظُ لا يُسمى فِعْلاً في العُرْفِ والوَضْعِ، ولذلك قالوا: أفعال وأقوال، وفي الشرع أيضاً قد عُلِّقَ على كلُّ واحدٍ منهما من الأحكام ما ميزَ أحدَهما من الأَخَرِ حتى منع أن يكونَ إطلاق الفِعْلِ يقعُ على اَلقولِ. فأمَّا إنْ فَسرَ اللفْظَ بما يدفع النقْضَ، نَظَرْتَ، فإن كان فَسرَهُ بما يقتضيه ظاهِرُ لفْظِهِ اندفع عنه، وإنْ فَسرَهُ بما هو عدول عن ظاهرهِ كأَن خَص اللفْظَ العامَّ أوعَدَل به عن ظاهرهِ من عُرْفِ الاستعمال لم يقبلْ منه ذلك. مثال الأول: أن يقول في زكاة المتولدِ بين الغَنَمِ وفُحولِ الظباءِ:

стр. 823

إنه متولِّدٌ من أَصلين لا زكاةَ في أَحدِهما، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالمتولِّدِ من بين وحْشَيْن (١). فإذا نَقَضَ عليه بالمتولِّدِ من بين الساءمة والمعلوفة قال: أردت بقولي: لا زكاة في أحدهما بحال, وذلك يقتضي نفي الزكاة في أحدهما نفياً مطلقاً فكأنني قلت لا تجب بحال ولمعلوفة تجب الزكاة في أعيانها بحال, وهو إذا سامت, ويقرر ذلك بأن النفي المطلق يقتضي بظاهره عموم الأحوال, فسواءٌ نطق به أم لم ينطق, لأن القول "بحال" تأكيد لايخل بفائدة الإطلاق. ومثالُ الثاني: أنَّ يُعَلِّل الحنفيُّ في المُقِر إذا عطف المُفَسرَ على المُبْهم فيقول: له على مئة ودِرْهَم، أن ذلك يكونُ تَفْسيراً للمئةِ بأنه مُفْسرٌ يثبتُ في الذمةِ عُطِفَ على مُبْهَم فكان تفسيراً له، كقوله: عليَّ مئهٌ وخمسون درهماً (٢)، فينقضه المعترِض بما إذا قال: له عليَّ مئةٌ وثوبٌ. فيقول: أَردتُ بقولي: يثبتُ في الذمَّةِ ثُبوتَه بالإتْلافِ، والثوبُ لا يَثْبُتُ في الذمةِ بالإِتْلافِ. فهذا لا يُقْبَلُ، لأن لَفْظَهُ لا يقتضي ثُبوتاً دون ثُبوتٍ، وقد ثَبَتَت الثيابُ في الذمَّةِ ديَةً في الحُلَلِ (٣)، وهو مَذْهبُنا ومذهَبُ جماعةٍ من السلفِ. فصل ومنه أيضاً إِذا كان التعليلُ للجوازِ لم يُنْقَض بأعيانِ المسائلِ،

стр. 824

وذلك: مثل أَن يقول أَصحابُنا وأَصحابُ الشافعيُّ في الزكاةِ في مالِ الصبيِّ: بأنه حُر مسلم، فجازَ أَن تَجِبَ الزكاةُ في ماله، كالبالغِ (١)، فلا يصح أَن يُنْقَضَ بأموالهِ غير الزكاتيةِ، كالمعلوفةِ وعروض البذْلَة وما دون النصاب، لأن حُكْمَ التعليلِ الجَوازُ، وذلك يقتضي حالةً واحدةً، والمُخالفُ لا يوجبُ الزكاةَ بحال فكان حجة عليه، ولم يلزم المعلِّل الزكاةَ في جمعِ الأحوالِ، ولأن لتلك الأموالِ بأعيانِها حالاً تجبُ الزكاةُ فيها في حقِّ الصبى والبالغِ، وهو إذا عُدِلَ بها إلى السوْم والتجارةِ وانضم إلى ما دون النصابِ ما كملَهُ. ومن ذلك أيضاً: إِذا علَّل للنوعِ ولم يَنْقُضْ عليه بعين مِثْلِهِ. ومثالُه: أن يقول في زكاةِ الخيلِ: إنه حيوان تجبُ الزكاةُ في إناثهِ فوجبت في ذكورهِ إذا انفردت، كالِإبلِ (٢)، فلا ينقض به بذكورِ الِإبلِ والغنمِ إذا كانت معلوفة أو دونَ النصابِ، لأن التعليل للنوعِ والعلفِ وما دون النصابِ حالٌ من أحوالِ النوع، وفي النوع ما يَثْبُتُ الحُكْمُ فيه، وهو إذا كانت ذكورُ الأَنعام نصاباً سَائمة.

стр. 825

فصل واختلفوا في دَفْعِ النقضِ بالتسويةِ بين الأصلِ والفَرْعِ، فأجازه قومٌ، ومنَعَ منه قوم. والذي عليه أصحابُ الشافعيُّ والمحققون أنَّه لا يُدْفَعُ، واليه أذهب (١). وذهبَ أصحابُنا وبعضُ أَصحابِ أَبي حنيفةَ إِلى أنه يَدفَعُ النقْضَ (٢). ومثالُه: تعليلُ مَنْ أَوْجَبَ الِإحدادَ في حق البائنِ بأنها بائنٌ، فوجب عليها الِإحدادُ، كالمتوفى عنها زَوْجُها، فإذا نَقضْتَ عليهم بالذمِّيةِ والصغيرةِ قالوا: يستوي الأصلُ والفَرعُ في ذلكَ، لأن المتوفى عنها الزوجُ إِذا كانت ذميةً أو صغيرةً لم يَجِبْ عليها الإِحدادُ، وغرضُنا بالعلةِ: التسويةُ بين الأصلِ والفَرْعِ. فيقال: إِنَّ هذا نَقْض للعلَّةِ في الأصلِ والفَرْع، والعلَةُ المنتقضةُ فاسدةٌ؛ لأَن الطردَ شَرْط ومتى عُلل بهذه العلَّةِ في الأَصلِ وهي المتوفَى عنها، وفي الفَرْعِ وهي البائنُ، انتقضت بالذميةِ. وقولهم: الغرض التسويةُ. فإنما يصحُّ إِذا كانت التسويةُ بعلَّه، والمنتقضةُ ليست علَّةً تصلح لجَلْبِ الحُكْمِ، فيتعطل بَنْقضِها عن جَلْبِ الحُكْمِ في الَأصلِ والفَرْعَ. والتسويةُ في التعطيل لا تنفع في التعليلِ، على أنَ حُكْمَكَ ليس هو التسوية، وإِنَما حُكمك وجوبُ الإِحدا؛ وإِن كان حكمُكَ هو التسويةَ بين المطلَّقةِ والمتوفَّى عنها، احتَجْتَ إلى أَصلٍ تقيسُ عليه العِلَةَ.

стр. 826

فصل منه أيضاً إذا انتقضت علَّةُ المستدل فزاد فيها وصْفاً، فقد انقطعت حُجتُهُ التي بدأ بها، وعجز عن استتمامِ ما بدأ به من نُصْرَةِ الحُكْمِ فيها، وكان ذلك انتقالاً عمّا احتجَّ به (١). وقال بعضُ أهلِ الجدلِ: لا يُعَد انقطاعاً إذا كان الوَصْفُ معهوداً معروفاً في العلَّةِ، وإنما أَخل به سَهْوٌ أَو سَبَقَ على لسانهِ بَعْضُ أَوصافِها دون بَعْض، وإليه ذهب بعضُ أصحاب الشافعيِّ، واتفقوا في غير المعهودِ أنه يكون انقطاعاً، وعندي أَنَ الأَمرَيْن سواءٌ، إلاّ أَنَ السَّهْو والغَفلةَ وغير ذلك وإن كانت أعذاراً تسقطُ اللاَئمةَ والمَعْتَبَةَ، فإنها لا تُخْرِجُ المعذورَ بها عن العَجْزِ، فإن أكثر الأعذارِ عَجْز، والعَجْزُ انقطاع. ولو كان السَّهْوُ عُذْراً يمنع من الانقطاع، لكان الجَهْلُ عُذْراً أَيْضاً، ومن أين لنا أنه مع كوْنِ الوصفِ معروفاً لنا أنه معروف عند هذا الذي أخَل به؟ فصل منه أيضاً وإذا نقض الناقضُ العلَّةَ بحكم منسوخ كان في زمانِ النبى ﷺ ، أَو بما خُصَ به النبي ﷺ ، مثل أَن يقول: تكلم في صلاته بخِطابِ

стр. 827

الآدميين فوجبَ أن يَبْطُلَ كالعامدِ (١). فيقال: ينتقضُ بالصلاةِ في صَدْرِ الإسلام. أو يقول: نكاح عُقِد بغير لَفْظِ الإنكاحِ والتزويجِ فلم يَصِح، أو فكان فاسداً، كما لَوْ عُقِدَ بلفظِ الِإجارةِ. فيُقالُ: هذا يبطُل بنكاحِ النبيِّ ﷺ . وكذلك لو قال الحنبليُّ أو الشافعي في صَوْم رمضان: صَوْم واجب فلا يصحُّ بِنيةٍ من النهارِ، كصَوْمِ القَضاءِ والنذْرِ وَالكفارةِ. فيقول الحنفيُّ: هذا ينتقض بصوم عاشوراء، فإن النبى ﷺ أمَرَنا بالإمساكِ في أثناءِ نهارِهِ لما دخل المدَينةَ في أول الأمرِ. فقد أختلف أهلُ العِلْمِ في ذلك، فمنهم مَن ألزمَ ذلك واحترزَ عن النقْضِ به حيث رآه نَقْضاً، وعلَّل بأنَ العِلَةَ عامة يجب إثبات الحُكْمِ بها في جميعِ ماشَمِلَتْهُ. ومنهم مَنْ قال: لا تنتقضُ، لأن العلَّةَ وُضِعت لإثبات حُكْم فلا تنتقضُ إلأ بما يُضادها واشتملت عليه، وما نسِخ أو سقط لمْ يَدْخُل في التعليل ولا يَرِد عليه. فصل وقد سبق الكلامُ على دَفْعِ النقْضِ بالاستحسانِ، فإنَّه مِن بَعْضِ ما يرى أصحابُ أبي حنيفة الدفْعَ به.

стр. 828

فصل القَوْلُ بموجب العِلةِ أَوْ فَى سؤال يرِدُ على العلَّةِ (١) لأَنَّه يُسْقِطُ احتجاجَ المُحتج بها؛ لَأن الحُجةَ إِنَما تقومُ على الخَصْمِ فيما ينكرهُ لا فيما يقولُ به. والعلَّةُ نوعان: أحدُهما تعليل لإثباتِ مَذْهب المُعَللِ. والثاني: تعليل لإِبطالِ مَذْهبِ مُخالفِهِ. والَأوَّلُ نوعان: أحدهما: تعليلٌ: عامٌ إيجاباً كان أو نَفْياً، فلا يمكن القولُ بمُوجبِ ذلك، لأن مسألةَ الخلافِ داخلة في العمومِ، ولا يكون قائلاً به حتى يكون قائلاً بعُمومِه، وذلك مِثل أَن يقولَ الحنبلي أو الشافعيُّ في إيجابِ القيامِ على المُصَلي في السفينةِ: بأنّ القيامَ فَرْض يجبُ على المصلي في غير السفينةَ فوجب على المُصلي في السفينةِ كسائرِ الفروضِ. فيقولُ المُعترضُ: أقول بموجب العلَّةِ إذا كانت السفينةُ واقِفَةً. لم يكن ذلك صحيحاً، لأنَ العلَّةَ تُثْبتُ ذلك في كلِّ حالٍ، فإذا سلَّمه في حالٍ بَقِيت العِلةُ حُجَّةً في غير تلك الحالِ، وما هو الا بمثابة شافعيٍّ أو حنبليٍّ استدل بقَتلِ المرتدة بقولهِ: "مَنْ بَدل دينَه فاقتلوه" (٢). فيقول الحنفيُّ: أنا قائل بالخبرِ في الرجالِ، فيقال: ليس هذا قولًا بالعمومِ بل بالخصوصِ، فهو فيما نَفى من الخبرِ حُجة بحالهِ.

стр. 829

وكذلك في النَّفْي العام إذا قال في المائعاتِ: إنَّه مائع لا يرفَعُ الحدثَ، فلا يُطَهرُ المحلَّ النَجِسَ، كالدُّهنِ. فيقول المعترضُ: أقولُ بمُوجبهِ في الخَل النجِس. لم يكن صحيحاً، لأنَّ العِلَّةَ تقتضي أنْ لا يَطْهُرَ بكل حال، لأن النفيَ على العُمومِ. والثاني: أن يكونَ التعليلُ للجوازِ مثل أن يقول المُخالِفُ: إن الخَيْلَ حيوان تجوزُ المُسابقةُ عليه، فجاز أَن يتعلق به وجوبُ الزكاةِ كالِإبلِ. فيقول المُعارِضُ: أقولُ بموجبهِ، لأن زكاةَ التجارةِ تتعلَّق به. فإن قال المستدلُّ: إنّ الألف واللام يستعملان للعهد، والذي سألْتَ عنه هو زكاةُ السَّوْم، فانصرف الحكْمُ الى ذلك. لم يكن صحيحاً؛ لأن العِلةِ يجب انَ تكون مُسْتَقِلةً بألفاظِها غَيرَ مبنيةٍ على غيرِها؛ لاَنها حُجَّةُ المذهبِ لا تختصُّ السائلَ. فإن قال: الألِفُ واللام لاستغراقِ الجنسِ إذا لم يكن عَهْد، فاقتضت العلَّةُ ايجابَ أجناسِ الزكاةِ في الخيل، قيل: الذي يَقتضي لامُ الجنسِ واحدٌ منه، ولو اقتضى جميعه لم يصح، لأن جميع أجناس الزكاةِ لا تجبُ في الخيلِ. فَصل فإن علل الشافعي في إيجاب القَوَدِ في الطرَفِ بأنه أحدُ نَوْعي القِصاص، فجاز أَن يثبت معجلاً، كالقِصاص في النفس.

стр. 830

فقال المُعتَرِضُ: أقولُ بموجب ذلك إذا قطع يَدَهُ، فجاء آخَرُ فقتله فإنه يجبُ القصاصُ في اليدِ مُعجلاً. قيل له: لم يَجِبْ مُعَجلاً، وانما تُعجل بقَتْلِهِ. ويمكن المعترض أن يبين القَوْلَ بموجب العلَّةِ اذا قطع أحدُهما يَدهُ وضَرَب الآخرُ عُنُقَهُ في حالةٍ واحدةٍ، فإن هاهُنا يجبُ القِصاص مُعَجلاً. فصل فأمَّا النوعُ الآخرُ، وهو التعليلُ لإبطالِ مذهب المخالفِ، مثل: أن يقولَ الحنفيُّ: إن الحج عبادة فلا تجبُ بِبَذل الَطاعةِ، كالصلاةِ. فيقول المعتَرضُ: أقولُ بموجب هذه العلَّة، فانها لا تَجبُ عندي ببذْل الطاعةِ، وإنما تَجبُ بالاستطاعةِ لانه لو عَلِمَ أنه إذا امَرَهُ أطاعَ لَزِمَهُ الحج، وإن كانَ لم يَبْذُلْ له الطاعة. ويمكن المستدل أن يقولَ: إنما سألتني: هل يجبُ الحج ببذْلِ الطاعةِ؟ ولأنه إذا عَلِمَ أنه يُطيعُه إذا أمَرَهُ، فقد عَلِمَ أنه باذِل للطاعةِ. ويمكن المستدل أن يقولَ: إنما دلَلْتَ في المَوْضعِ الذي بذل فيه الطاعةَ ولم يكن واثِقاً ببَذْلِهِ قَبْلَ ذلك. ويقولُ أيضاً: إنما صار مُسْتطيعاً ببذْلِ الطاعةِ، فبها تعلق الوجوبُ. وكذلك إذا استدل الحنبليُّ أو الشافعي في أن الإجارةَ لا تَنْفَسخُ بالمَوْتِ، بأن الموْتَ معنىً يزيل التكليفَ، فلا يُبطل الإجارةَ

стр. 831

كالجنونِ (١). فيقول الحنفيُّ: أقولُ بموجب الدليلِ وأنها لا تبطُل بالموتِ، وإنما تبطلُ بزوالِ الملْكِ، ولهذاَ عندي إذا باعَها ورضي المستأجرُ بَطَلَتِ الإجارةُ، فيكون السؤالُ وقعَ عن ذلك وأن الموتَ سبب فيه، وأن زوالَ الملْكِ لا يُبْطلُها بدليل عِتْقِ العَبْدِ المستَأجَرِ. فصل ولا يجوزُ القَوْلُ بموجبِ العلَّةِ في الأصْل، لأنه لو جاز ذلك لم تَسْلَمْ علًة، لأن التعليلَ وقع لإلحاقِ فَرْعٍ بالأَصْلِ، لأن الأصلَ قد ثبتَ حكْمُهُ لا مِنْ جهةِ القياسِ. فصل سؤال على العلَّةِ أفاده الِإمامُ أبو إسحاقَ ﵁ وهو: أن العِلةَ لا تستدعي أحكامَها، وذلك أن تكونَ العِلةُ تَجْلِبُ حُكْمَينِ، فيتعلَّق عليها أحدُهما دون الآخَرِ، مثالُهُ: أن يقولَ الحنفيُّ في صَوْم رمضان: لا يَفْتَقِرُ الى تَعْيينِ النيةِ, لأنه مستحقُّ العينِ، فهو كرد الوديعةِ. فيقول أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ: استحقاقُ العَيْنِ كما يُوجبُ إِسقاطَ التعينِ يُوجبُ إسقاطَ النيةِ، فلو أسْقَطَ التعينَ لأسْقط النيةَ كما

стр. 832

قال زُفَرُ (١) وكما قُلْنا في الوديعةِ. فالجوابُ: أَن يُبينَ اختلافَ الحُكْمَيْن، وذلك أَن يقولَ: النيَّةُ تُراد لِتَحْصيلِ القُربَةِ، والزمانُ يحتملُ القُرْبَةَ وغَيرَ القُرْبَةِ، وهو إمساكٌ لا قُرْبَةَ فيه، بل على سبيلِ الحِمْيَةِ أوالإهمالِ من غيرِ عقيدةٍ، والتعْيينُ يُرادُ للتمييز بَيْنَ أصنافِ القُرَب، ولهذا المعنى لا يكفي في الصلاةِ أن يَنْوي: أصلِّي، حتى يَنْوِي ظهْراً أو عَصْراً، وزمانُ رمضان لا يحتملُ أصنافَ القُرَب، ولهذا المعنى افتقر طَوافُ الزيارةِ إلى النيَّةِ لتحصيلِ القُرْبةِ، ثمَ لا يفتقر إلى التعيينِ، لأنَّه لا يحتملُ الوَقْتُ أصنافَ القُرَبِ.

стр. 833

فصول الاعتراضِ بالقَلْبِ (١) فصل اختلف أهلُ العِلْمِ في القلب: هل هو سؤالٌ صحيحٌ أم لا؟ فمنهم مَنْ قال: ليس بسُؤال صحيح، فاعتَل لفسادهِ بأنَه فَرْضُ مسألةٍ على المستدلِّ، وإِنما الفَرْضُ إلى المُستَدلِّ. ومثالُ ذلك: أنَّ يُعَلِّلَ أصحابُ أبي حنيفة مَسْحَ الرأسِ بأنهُ عُضْوٌ من أَعضاءِ الطهارةِ فوجبَ أن لا يُجْزِىءَ منه ما تقَعُ عليه الاسمُ، كسائرِ الأعضاءِ. فيقول السائلُ: أَقْلِبُ فأَقولُ: فوجب أَن لا يتقدَّرَ بالرُّبْعِ، كسائِر الأعضاءِ. فالمسؤولُ فَرَضَ الكلامَ في إبطالِ مَذْهَبٍ يُخالفُه حيث قال: لا

стр. 834

يجزىء ما يقع عليه الاسمُ، والسائلُ فَرَضَ الكلامَ في إبطالِ تقديرِ المخالف، ويتعذرُ في القَلْب أن يَنْفيَ ما أثْبَتَهُ المُعَللُ، أو يُثْبِتَ ما نفاهُ، لَأن النفْيَ والإثباتَ لَا يتفقان في الأصلِ، وانما يتفق في الأصلِ حكمانِ مختلفان. وأكثرهم قالوا: إنَه سؤالٌ صحيحٌ. ولأَصحابِ الشافعي وجْهان، كالمَذْهَبيْن (١). وقال أبو علي الطبري (٢): هو من أَلْطفِ ما يستعملُه المناظِر. واعتلَّ منْ ذهب إِلى صحتِهِ أَنه احتج عليه بعلّتهِ وأصْلِهِ في حُكْمٍ لا يُمكنهُ أَن يَجمعَ (٣) بَيْنَه وبين حُكْمهِ؛ لأَنَّهما اتَفقا على أَن ما زاد على الرُبْعِ ليس بواجبٍ، وبأنَّ ما خالفَ قولَهما فاسدٌ، فإذا نَفى العلَّةَ بالتقديرِ، لم يَبْقَ إِلاّ أنْ يُجريَ ما يقَعُ عليه الاسمُ، فقد صار ما أَثْبَتَهُ بالعِلَّةِ ينفي الحُكْمَ الذي أَثْبتهُ المستدل، وجرى ذلك مَجْرى أَن يَنْفيَهُ صريحاً. فإنْ قال مَنْ نَصَر القَوْلَ الأوْلَ: إِنَّ حُكْمَ المستدل وحُكْمَ القالبِ يجوزُ أَن يَجْتَمِعا ولا يتنافيا، وذلك أنه يجوزُ أَن يكونَ التقديرُ بالربُعِ، والاقتصارُ على ما تقَعُ عليه الاسمُ فاسِدَيْن، فلا يكون نَفْيُ أَحدِهما إثْباتاً للآخَرِ.

стр. 835

فالجوابُ ما قدمْتُهُ من اتفاقهما على إِفسادِ ما عداهما، فصارا مُتنافيَيْن، فمتى ثَبَتَ فَسادُ أحدِهما ثَبَتَ الآخرُ. فصل إذا ثبتَ هذا: فإنَّ القلْبَ معارضةٌ، وإنَّما يتميزُ من بينِ المعارضاتِ لأنه عارضَهَ بعلتهِ في أصلهِ، والمعارضةُ تكون بعله أخرى في أصلهِ. ويُحكى عن بعضِ أصحاب الشافعيُّ أن ذلك إفسادٌ وليس بمعارضةٍ لأن علتَهُ تعلق عليها حكماَن متضادان (١)، وهذا ليس بصحيح، لأنه إنما يكون كذلك اذا كانا متساوِيين من كلُّ وجهٍ، ولا بُدَّ أنَّ يكون لتعلق أحدِ الحُكْمين بها تَرْجيحٌ على الآخَرِ، أو يتوجه على أحدِهما (٢) إِفسادٌ، فيسلم الآخر،. ويجريان مَجْرى العِلتَيْن إذا تعارضا، فيكون الطريق في الجواب عن القَلْب بأنْ يُعتَرضَ عليه بما يُعترضُ به على العلَّةِ المُبْتدأةِ. فصل وأمَّا إذا كان الحُكْمُ للتسويةِ، مثْل: أَن يُعللَ أصحاب أبي حنيفةَ طلاقَ المُكْرَهِ بأَنَّه طلاق من مكلَّف صادفَ ملْكَه فوجب أَن تقعَ، كطلاقِ المختارِ. فيقول أصحابنا وأصحابُ الشافعيُّ: فاستوى حكْمُ إقرارِه وإيقاعِهِ كالمُختارِ (٣).

стр. 836

فقد اختلف القائلون بصحةِ القلب في هذا القَلْب: هل هو صحيح أَم لا؟ فقال قومٌ: ليس بصَحيح، لأنهِ وُجِدَ في الفَرْعِ استواءُ حُكْمِ الإقرارِوالإيقاع في عَدَم الصحةِ وفى الأصلِ استواء الإيقاعِ والإقرارِ في الصحةِ، فحكمُ الأَصلِ والفَرْع متضادان. ومنهم مَنْ قال: يصح، والحُكْمُ في الأصلِ والفَرْعِ سواء لأن الحُكْمَ إنما هو التسويةُ بين الإيقاعِ والإقرارِ دون صحتهِ وفسادهِ، وهذا حُكْمٌ صحيحٌ يجوزُ أن يَنُص صاحبُ الشريعةِ عليه، فيقول: الإيقاعُ والإقرارُ يَسْتَويان، فكل موضع دل الدليلُ على أحدِهما صح الأمْرُ، ومتى فَسَدَ أحدُهما، فَسَدَ الآخرُ. إذا ثبتَ هذا، فإن من الناسِ مَنْ يقول: التصريحُ بالحُكْمُ أوْلى، فكُل مُصَرح بالحُكْمِ يكونُ تعليلُه أولى مِنْ تَعْليلِ مَنْ لايُصَرِّحُ، كما أن النص مقدمٌ على الظاهرِ والعمومِ، وإليه ذهبَ بَعْضُ الشافعيةِ. وذهب آخرون: إلى أنه لا يُقدمُ ولا يرَجحُ بتصريحِ الحُكْمِ، لأن الحُكْمَ هو التسويةُ على ما قدر، والتسويةُ بين الإقرارِ والإيقاع مصرحٌ به، ولا عِبْرَةَ بعدمِ التصريحِ بالصحة والفسادِ، كما أن وقوعَ الطلاق يُصَرحُ به، ولا يُشبهُ هذا ما ذكروه، لأَن الخاص إذا قضى على العام لا يُبْطُله بل يَبْقى حُجةً فيما لم يتناوَلْهُ الخُصوصُ، وها هُنا متى ثبتَ وقوعُ الطلاقِ، بطَلَ التساوي بين الإقْرارِ والإيقاعِ، ويكون الكلامُ على هذا القَلبِ، كالكلامِ على النوعِ الأولِ. فصل وقد يُشَبهُ بالقَلْبِ ويُجْعَلُ كالنوعِ منه جَعْلُ المعلولِ علَّةً والعِلَّةِ

стр. 837

معلولًا، وذلك مِثل ما قال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في ظِهارِ الذمِّيِّ: مَنْ صح طلاقُه، صح ظِهارُهُ، كالمُسْلمِ (١). فيقول المخالفُ: لا أسلِّمُ هذه العلَّةَ في الأصْلِ، بل صحةُ ظِهارِ المسلم عِلة في صحةِ طلاقهِ، فيكونُ قَلْباً؛ حيث جعل الحُكْمَ في الفَرْعِ علةً لحُكْمِ الأصْلِ. وقد اختلف الناسُ في الجوابِ عن ذلك: فلأصحابِ الشافعيُّ وجْهان: فمنهم مَنْ قال: الجوابُ عنه أن ما ذَكَرَهُ المُخالِفُ من العلَّةِ لا يُعارِضُ عِلةَ المستدلِّ. ويجوزُ أنَّ يكون كلُّ واحدٍ من الحُكمين علةً للآخَر، لأن عِلَلَ الشرْع أدلةَ وأماراتٌ على الحكمِ غَيْر موجبات، فتكونُ إِحدى الَأمارتَين دالّةً على حصولِ الأَمارةِ الأُخرى، فيحسن أَن نقولَ: مَنْ صَحَحت ظهاره فاحكُموا بصحَّةِ طلاقهِ، ومَنْ صحَحت طلاقَه، فاحكُموا بصحةِ ظِهارهِ، وإنما يمتنع هذا في العقلياتِ؛ لأنها عِلَل مُوجبات. وقد وردَ الشرعُ بما يشهدُ لِما قُلْنا في العِلَلِ الشرعيةِ؛ فإنه أمَرَنا بالتسويةِ بين الأولادِ في العطايا والهِباتِ، وبين تسوية ما بين النساءِ في القَسْم، فاذا عَلمْنا أنه قَسَمَ لامرأةٍ وأعطى ولداً عطيةً عَلِمْنا بذلك أَنّه قَسَمَ للأخرى وأعَطى الولدَ الآخَرَ عَطيةً، ويكون وجودُ كلِّ شي من ذلك في حق بعضِ النساءِ وبعضِ الأولادِ دلالةً على وجودِهِ في حقِّ المرأةِ

стр. 838

الأخرى والولدِ الآخرِ. ومنهم مَنْ أَجاب بغير هذا، فقال: بأَنَّ هاتَينِ كالعِلَّتَيْن عارضتان، واعتل في ذلك بأن العلةَ تقتضي الحُكْمَ، فلا يجوزُ أن تقتضي ما يقتضيها وتوجبُ ما يُوجبها. فقيل له: هذا حُكْمُ العِلَلِ العقليةِ الموجبة (١)، فأمَّا هذه فإنَّها أمارَة. فأَجابَ: بأنَّ هذه وإن كانت أمارَةً، فقد جُعلتْ بمنزلةِ المُوجبةِ، ولهذا لم نُجوِّزْ تخصيصَها كما لا تُخَصصُ العقليةُ لأنها بعد جَعْلِها علَّةً وجبَ أن تُعْطى حُكْمَ العِلَلِ، ولو رُوعيَ فيها معنى الأمارةِ دون العلَّةِ لجازَ تَخْصيصُها كما يجوزُ تَخْصيصُ الألفاظ. وبهذا فارقَ ما احتج به الأوَّل من التسويةِ بينه وبين الأولادِ والنساءِ لَأن العِلْمَ بذلك لا من جهةِ العلَّةِ، لكنْ بمحْضِ الأمارةِ، ولهذا يجوزُ أن يُدْفَعَ إليها مَرةً واحدةً، فثبت أنه ليس أحدُهما علةً للآخَرِ؛ اذ لو كان علَّةً لاحتاجَ المعلولُ إلى العلَّةِ وما وُجدَ معه، فما وُجِد عنه ولا لأَجْلِهِ. فإن قيلَ: فمثلُه نقول في مَسْألتنا، إذا لْبتَ صحةُ الظهارٍ من شَخْصٍ ثَبَتَ صحةُ الطلاقِ منه، واذا ثبَتَ صحَةُ الطلاقِ منه ثْبَتَ صحةُ الظهارِ منه. قال: لا يُمكنُ ذلك، لأن العِلةَ يجبُ أن تكونَ جاريةً في معلولاتِها، واذا وجَبَ كونُ السابقِ منهما علةً وجَبَ كونُه علةً حيث وُجدَ، لأن العِلة وجودُهُ دون سَبْقِهِ، ومنْ قال بهذه الطريقةِ، أجابَ عن هذه المُعارضةِ بأَن علةَ المستدلِّ تتعدَّى وتُفيدُ حُكْماً، وهو ظِهارُ الذميِّ،

стр. 839

وعلَّةُ السائل لا تتعدى، وهو ممن يقولُ: إن الواقفةَ ليست بعلةِ، ومَنْ قال: هي عِلة، يقول: المُتعديةُ اولى منها. ومما تترجَّح به علَتُنا أَيضاً: أَنَّ الطلاقَ سابقٌ للظهارِ، لأَنَّه كان موجوداً قَبْلَ الشَّرْعِ، والظهارُ ثَبَتَ حُكْمُهُ في الشَرْعِ (١)، والله أَعلم. فصل من القَلْبِ أيضاً واعلم أن القَلْبَ على ثلانةِ أضْرُبٍ. قَلْب بحُكْمِ مَقْصودٍ. مثالهُ: أن يستدل أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في بيع الفضولي وأنه باطل، لأنه عَقْد على مِلْكِ العَيْنِ بغيرِ ولايةٍ ولا نِيابةٍ فلم يَنْعَقِدْ كما ساغ ملْكهُ لِغَيرِهِ أو لِنَفْسهِ اتّفاقاً منه على إذْنِه بأنْ يقولَ: ابْتَعتُ عَبْدَ زيْدٍ هذا بمئةٍ (٢). فيقول الحنفيُّ: أقلِبُ فأقولُ: فلم يَبْطُلْ لِعَدَمِ الإذْنِ كالشراء. فالجوابُ عنه: الجوابُ عن العِلَلِ المبتدأةِ كيف جاء الإفسادُ وعلى أَيِّ وَجْهٍ تأتى، والذي يكثر من الأجوبةِ فيه أن يقولَ: هذه الأوصافُ لا تؤثرُ في حُكْمِ القَلْبِ، فإنّك لو قُلْتَ: عَقْد فلم يَبْطُلْ لِعَدمِ الإذْنِ. لم يَنْتَقِضْ عليك بشيءٍ.

стр. 840

والثاني: أن يقول: هذه الأوصافُ تقتضي إبطالَ العَقْدِ فلا يجوزُ أَن يُعَلَّقَ عليها الصحَّةُ، لأَن العِلَلَ لا يُعَلَّقُ عليها ضِدُ مُقْتضاها. ومِن أصحاب الشافعيِّ من أجابَ عنه: بأن هذا القَلْبَ فَرْضُ مسألةٍ في غيرِ الموضَعِ الذي نُصِبَ له الدليلُ، وهذا لا يجوزُ. وهذا جواب فاسد، لأنه إنْ كان فَرْضاً إلّا أن في إثْباته إِبطالَ حُكْمَ المُعَللَ. فصل والضرْبُ الثاني: قَلبُ التسويةِ، وقد مضى الكلامُ فيه مُسْتَوْفىً. والضرْبُ الثالث: جَعْلُ المعلولِ علةً، وقد مضى بيانُه ومثالُه والكلامُ عليه. وإنَما قَصدت بإعادةِ هذه الفصولِ الحَصْرَ. فصل ومَّما يُذكَرُ في القَلْب وليس بقَلْب، وإِنما هو معارضَة في الحقيقةِ أنَّ يقولَ المستدل في جَوازِ تقديم الكفَّارةِ على الحِنْثِ: إنه كفر بعد الحَلِفِ فأشبهَ إِذا كفر بعد الحِنْثِ. فيقول المُعارِضُ: إنَّه كفر قَبْلَ الحِنْثِ فأشْبَهَ اذا كفر قَبْلَ اليمين، وهذا عَيْنُ المعارَضةِ، فلا وَجْهَ لاعتقادِهِ قَلْباً (١).

стр. 841

فصول الاعتراض بفسادِ الاعتبارِ (١) اعلم أن فسادَ الاعتبارِ يَتَسعُ القَوْلُ فيه وتكْثُرُ أنواعُه، فمن ذلك: أن يقولَ المستدل على أن قَدْرَ الدرهم من النجاسةِ يجبُ إِزالتُه: إِنها نجاسة مَقْدور على إِزالتِها من غَيرِ مَشَقةٍ، فوجب اعتبار إزالِتها لصحَّةِ الصلاةِ، كالزائدِ على قَدْرِ الدرهم. فيقول المعترض: إِنك اعْتَبرتَ القليلَ بالكثيرِ في التحريمِ، والأصول فَرقَتْ بين القليلِ والكثيرِ، لأنً القليلَ من العملِ لا يفْسِد الصلاةَ والكثيرَ يُفسدُها، وكذلك كلام الناسي وغيرهما، فكان اعتباراً فاسِداً. فالجواب عن ذلك: إِما عن طريق مَنْ يوجب الدلالةَ على صحةِ العلَّةِ في الأصل، ولا يكْتفى فيها بالطرْدِ ولا بسلامتها على الأصولِ، فلا يلزَمه الجوابُ عن ذلك، لأَن الدلالةَ إذا دلَّتْ على صحَّةِ العلَّةِ في الأصْلِ وكانت موجودةً في الفَرْعِ وجَبَ اجتماعُهما في الحكْمِ، وما

стр. 842

ذكره من اختلافِ القليلِ (١) والكثيرِ في الأصولِ، فإِنَّما هو في حُكْمٍ اخر، فلم توجد علَّةُ ذلك الحُكْمِ في القليلِ، فلم يشارِك القليلُ الكثيرَ في حُكْمِهِ، بخلافِ مَسْألتنا. وأمّا مَنْ يَقنَعُ في صحةِ العلَّةِ بجريانِها وسلامتِها على الأصولِ، فيُجيبُ: بأن الأصولَ ليسَتْ مُتفِقَةً فيما ذكَرْتَهُ، بل منها ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ مِثْل الكلام العمْدِ في الصلاةِ، وتركِ شيءٍ من الوضوء، والزيادةِ في الرِّبا، وما أَشبهَ ذلك. وإذا كان من الأحكامٍ ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ، وفيها ما يختلفُ، كانت الأصولُ متعارِضة، فلا مخالفةَ وكانت علتي سليمةً. فإنْ قيل: العِلةُ إذا خالفَت بعضَ الأصولِ، كَفى في إفْسادِها وإنْ وافَقَتْ غَيْرَهُ، ألا ترى أن العلَّةَ تُنْقَضُ بمسألةٍ واحدةٍ وإن كانت جاريةً في غيرِ تلك المسألةِ. فالجوابُ: أن النقْضَ كونُ الوصفِ علةً للحُكْمِ إذا كانت موجودةً فيه، والحكمُ معدومٌ. وفي مسألتِنا اختلفَ القليلُ والكثيرُ في غيرِ الحُكْمِ الذي يُصيبُ العلَّةَ، وإنما يفسدُ اعتباره إذا كان مُخالِفاً لجميع الأصولِ، فإذا كان منها ما يُوافقُ اعتبارَه، لم يُعترضْ بالفسادِ على ما وافَقَ اعتبارَهُ، فلا يُعترضُ على اعتبارِهِ. فإن قيل: إذا كان فى الأصولِ ما يُخالفُ هذا الاعتبارَ وفيها ما يُوافقُه، وجبَ تقديمُ المُعترضِ، كماْ يقدَم الجَرْحُ في الشهادةِ على التزكيةِ والتعديلَ.

стр. 843

فالجوابُ: أَن ذلك ليس بجارح، لِما بيَّناهُ مِنْ أنَّه لم يَجْرَحْ فيما وافق هذا التعليل، لأنه ليس في حُكْمِهِ، وإنما الجارحُ بَعْضُهُ، وقد قَدَّمناه، ولأنَ الجارحَ في الشهادةِ إنَّما قَدَّمْنَاهُ لأنه عَلِمَ ما خفيَ على المُزكين، لأن ما يَجْرَحُ أبداً يستسرُّ به في العادةِ، وما يُمْدَحُ به وُيزكَّى يتظاهرُ به الناسُ في العادةِ. وفي مَسْألتِنا هما سَواءٌ وكان ذلك بمثابةِ أن يختلفَ المُتبايعانِ في شَرْطٍ يُفسِدُ العَقْدَ، فأحدُهما يدَّعيه والآخَرُ يُنكرُهُ، فإنا لا نُقَدمُ ما يَجْرَحُ العَقْدَ بل ما يُصَححُة (١). وفَرْق آخَرُ: وهو أن الشهادةَ لا يُرجحُ فيها بكَثْرةِ العَدَدِ، فإذا تقابَلَ الجَرْحُ والتعديلُ تعذرَ الحُكْمُ بالشهادةِ، والقياسُ يُرجحُ فيه بكَثْرةِ الأصول وِالنظائرِ، فإذا تقابلت الأصولُ بقيَ أصْلُ العِلةِ فرجَحَتْ به. فإن قيل: فقد افترق الحالُ بين قليلِ النجاسةِ وكثيرِها؛ فإنه عُفِيَ عن يسيرِ الدمَ. قيل: إنما افترقا للمشقةِ بازالةِ القليلِ من الدم وتعذُّرِ الاحتراز منه، فلا تُوجدُ فيه علتُنا، فأمَّا قَدْرُ الدرهمِ فليس بيسَيرٍ؛ ألا تَرى أنَّ ما زادَ على الدرهمِ يستوي حكْمُهُ وحُكْمُ ما هو أكثرُ منه (٢). وكذلك انْ قال المُعترضُ: اعتَبرْتَ الصغيرَ بالكبيرِ في الزكاةِ، واعتَبَرْتَ الثيبَ الصغيرةَ بالكبيرةِ في الولايةِ، والبكْرَ الكبيرةَ بالصغيرةِ في الإجبارِ، واعتَبَرْتَ حق الله تعالى بحق الآدميَ وكذلك في إيجابِ

стр. 844

الكفَارةِ والقَتْلِ على الصبيِّ اعتباراً بالدَيَةِ، وكذلك اعتبر الشافعيُّ الحيَّ بالميتِ في [عدم] إِسقاطِ المَضْمَضَةِ والاستنشاقِ في غَسْلِهما. فالجوابُ عن ذلك ما مضى، وُيزادُ في حقِّ الميتِ بأن يقولَ الشافعيُّ: إِنِّي لم أعتبِرْ الحيَّ بالميِّتِ بل الحيَّ بالحيِّ، لأنَّ الغُسْلَ الموقَعَ في الميت إنّما يجبُ على الحيِّ، ولأن ايجابَ الغُسْلِ في حق الميِّتِ آكَدُ لأنَه لا يجبُ إلأ مُسْتَوْعَباً، وغُسْلُ الحيِّ ينقسُم إلى استيعابٍ واقتصارٍ. وكذلك: إن قال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ لحنفي: اعتَبَرْتَ غَيْرَ النبى بالنبيِّ ﷺ في عَقْدِ النكاحِ بلفْظِ الهِبَةِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ مخصوصٌ في النكاحِ بأحكام كثيرةٍ. فيقول المستدل: إِنَّ ما جازَ للنبى جاز لغيرهِ إلا أن يَثْبتَ تَخْصيصٌ له في حكمٍ بعينه، ويحتاجُ المعترضُ أن يُثْبتَ أنَّه مَخْصوصٌ بذلك، لقولهِ تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] حتى يصحَّ سؤالُه وتقربَ الدلالةُ من الآيةِ. وكذلك إِن استدلَّ حنبليٌّ أو شافعيٌّ في أَنَّ النكاحَ الموقوفَ (١) ليس بصحيحٍ، لأنَه عقد لا يملكُ الزوجُ المُكلفُ ايقاعَ الطلاقِ فيه، فكان فاسداً، كنكاحِ المُعْتدةِ. فيقول المعترضُ: هذا اعتبار فاسدٌ، لأن الطلاقَ من أحكام العقدِ وفروعِه، فلا يجوزُ أَن يُستدلَّ بفسادِ الفَرْعِ على فسادِ الأَصلِ.

стр. 845

فالجوابُ: أنَّ ما طريقُه الدِّلالةُ والأمارةُ يجوزُ فيه مِثْلُ ذلك، وعللُ الشرعِ من هذا القبيلِ، فيجعل عدم حُكْمِهِ دليلاً على فسادهِ، لأنَ العَقْدَ يُعْقَدُ لإفادةِ أحكامِهِ، ولهذا لو شرط إِسقاطَ حُكْم من أحكامهِ، فَسَدَ العَقْدُ. وكذلك إنْ قال: اعتبرتَ الوضوءَ بالتيمُّمِ في النيةِ، والتيمُّم بَدَلٌ والوضوءُ اصل، فلا يُعتبرُ الأصلُ بالبَدَلِ. فالجوابُ: نَحْوُ ما مضى. وكذلك إن قال: إنَّ حُكْمَ الأصلِ أقوى من حُكْمِ الفَرْع في قياسِ أصحابنا وأصحابِ الشافعيُّ موضعَ الاستنجاءِ على سائرِ اَلبَدَنِ في وُجوبِ الَإزالةِ فيه. فيقولُ المُعترِضُ: النجاسةُ الموجودةُ في سائرِ البَدنِ آكَدُ حكْماً، ولهذا يجب إزالتُها بالماءِ بخلافِ موضعِ الاستنجاءِ. فالجوابُ: أن العِلةَ الموجبةَ للإزالةِ يشتركُ فيها الأصْلُ والفَرْعُ، فوجبَ اعتبارُهُ به وتأكد الأصلُ في حُكْم آخرَ لا يَمْنَعُ القياسَ، لأن الاصلَ يكونُ اقوى من الفَرْعِ، فإنَه يثبتُ بالنص أو يَقَعُ الإجماعُ على حُكمهِ، ولا يمنعُ ذلك القياسَ عليه (١). ومِثْلُ هذا أيضاً: قياسُ النبيذِ في التحريمِ على الخَمْرِ، وإنْ كان تحريمُ الخَمْرِ آكَدَ فإنه يوجبُ قليلُه الحد والتفسيقَ ويكفُرُ مُسْتَحله، إلا أن العلَّةَ المُوجبةَ للتحريمِ يشتركان فيها، فكان الفَرْعُ معتبراً به.
следующие страницы →