فصول
الاعتراض بفسادِ الاعتبارِ (١)
اعلم أن فسادَ الاعتبارِ يَتَسعُ القَوْلُ فيه وتكْثُرُ أنواعُه، فمن ذلك: أن يقولَ المستدل على أن قَدْرَ الدرهم من النجاسةِ يجبُ إِزالتُه: إِنها نجاسة مَقْدور على إِزالتِها من غَيرِ مَشَقةٍ، فوجب اعتبار إزالِتها لصحَّةِ الصلاةِ، كالزائدِ على قَدْرِ الدرهم.
فيقول المعترض: إِنك اعْتَبرتَ القليلَ بالكثيرِ في التحريمِ، والأصول فَرقَتْ بين القليلِ والكثيرِ، لأنً القليلَ من العملِ لا يفْسِد الصلاةَ والكثيرَ يُفسدُها، وكذلك كلام الناسي وغيرهما، فكان اعتباراً فاسِداً.
فالجواب عن ذلك: إِما عن طريق مَنْ يوجب الدلالةَ على صحةِ العلَّةِ في الأصل، ولا يكْتفى فيها بالطرْدِ ولا بسلامتها على الأصولِ، فلا يلزَمه الجوابُ عن ذلك، لأَن الدلالةَ إذا دلَّتْ على صحَّةِ العلَّةِ في الأصْلِ وكانت موجودةً في الفَرْعِ وجَبَ اجتماعُهما في الحكْمِ، وما
стр. 842
ذكره من اختلافِ القليلِ (١) والكثيرِ في الأصولِ، فإِنَّما هو في حُكْمٍ اخر، فلم توجد علَّةُ ذلك الحُكْمِ في القليلِ، فلم يشارِك القليلُ الكثيرَ في حُكْمِهِ، بخلافِ مَسْألتنا.
وأمّا مَنْ يَقنَعُ في صحةِ العلَّةِ بجريانِها وسلامتِها على الأصولِ، فيُجيبُ: بأن الأصولَ ليسَتْ مُتفِقَةً فيما ذكَرْتَهُ، بل منها ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ مِثْل الكلام العمْدِ في الصلاةِ، وتركِ شيءٍ من الوضوء، والزيادةِ في الرِّبا، وما أَشبهَ ذلك. وإذا كان من الأحكامٍ ما يستوي فيه القليلُ والكثيرُ، وفيها ما يختلفُ، كانت الأصولُ متعارِضة، فلا مخالفةَ وكانت علتي سليمةً.
فإنْ قيل: العِلةُ إذا خالفَت بعضَ الأصولِ، كَفى في إفْسادِها وإنْ وافَقَتْ غَيْرَهُ، ألا ترى أن العلَّةَ تُنْقَضُ بمسألةٍ واحدةٍ وإن كانت جاريةً في غيرِ تلك المسألةِ.
فالجوابُ: أن النقْضَ كونُ الوصفِ علةً للحُكْمِ إذا كانت موجودةً فيه، والحكمُ معدومٌ. وفي مسألتِنا اختلفَ القليلُ والكثيرُ في غيرِ الحُكْمِ الذي يُصيبُ العلَّةَ، وإنما يفسدُ اعتباره إذا كان مُخالِفاً لجميع الأصولِ، فإذا كان منها ما يُوافقُ اعتبارَه، لم يُعترضْ بالفسادِ على ما وافَقَ اعتبارَهُ، فلا يُعترضُ على اعتبارِهِ.
فإن قيل: إذا كان فى الأصولِ ما يُخالفُ هذا الاعتبارَ وفيها ما يُوافقُه، وجبَ تقديمُ المُعترضِ، كماْ يقدَم الجَرْحُ في الشهادةِ على التزكيةِ والتعديلَ.
стр. 843
فالجوابُ: أَن ذلك ليس بجارح، لِما بيَّناهُ مِنْ أنَّه لم يَجْرَحْ فيما وافق هذا التعليل، لأنه ليس في حُكْمِهِ، وإنما الجارحُ بَعْضُهُ، وقد قَدَّمناه، ولأنَ الجارحَ في الشهادةِ إنَّما قَدَّمْنَاهُ لأنه عَلِمَ ما خفيَ على المُزكين، لأن ما يَجْرَحُ أبداً يستسرُّ به في العادةِ، وما يُمْدَحُ به وُيزكَّى يتظاهرُ به الناسُ في العادةِ. وفي مَسْألتِنا هما سَواءٌ وكان ذلك بمثابةِ أن يختلفَ المُتبايعانِ في شَرْطٍ يُفسِدُ العَقْدَ، فأحدُهما يدَّعيه والآخَرُ يُنكرُهُ، فإنا لا نُقَدمُ ما يَجْرَحُ العَقْدَ بل ما يُصَححُة (١).
وفَرْق آخَرُ: وهو أن الشهادةَ لا يُرجحُ فيها بكَثْرةِ العَدَدِ، فإذا تقابَلَ الجَرْحُ والتعديلُ تعذرَ الحُكْمُ بالشهادةِ، والقياسُ يُرجحُ فيه بكَثْرةِ الأصول وِالنظائرِ، فإذا تقابلت الأصولُ بقيَ أصْلُ العِلةِ فرجَحَتْ به.
فإن قيل: فقد افترق الحالُ بين قليلِ النجاسةِ وكثيرِها؛ فإنه عُفِيَ عن يسيرِ الدمَ.
قيل: إنما افترقا للمشقةِ بازالةِ القليلِ من الدم وتعذُّرِ الاحتراز منه، فلا تُوجدُ فيه علتُنا، فأمَّا قَدْرُ الدرهمِ فليس بيسَيرٍ؛ ألا تَرى أنَّ ما زادَ على الدرهمِ يستوي حكْمُهُ وحُكْمُ ما هو أكثرُ منه (٢).
وكذلك انْ قال المُعترضُ: اعتَبرْتَ الصغيرَ بالكبيرِ في الزكاةِ، واعتَبَرْتَ الثيبَ الصغيرةَ بالكبيرةِ في الولايةِ، والبكْرَ الكبيرةَ بالصغيرةِ في الإجبارِ، واعتَبَرْتَ حق الله تعالى بحق الآدميَ وكذلك في إيجابِ
стр. 844
الكفَارةِ والقَتْلِ على الصبيِّ اعتباراً بالدَيَةِ، وكذلك اعتبر الشافعيُّ الحيَّ بالميتِ في [عدم] إِسقاطِ المَضْمَضَةِ والاستنشاقِ في غَسْلِهما.
فالجوابُ عن ذلك ما مضى، وُيزادُ في حقِّ الميتِ بأن يقولَ الشافعيُّ: إِنِّي لم أعتبِرْ الحيَّ بالميِّتِ بل الحيَّ بالحيِّ، لأنَّ الغُسْلَ الموقَعَ في الميت إنّما يجبُ على الحيِّ، ولأن ايجابَ الغُسْلِ في حق الميِّتِ آكَدُ لأنَه لا يجبُ إلأ مُسْتَوْعَباً، وغُسْلُ الحيِّ ينقسُم إلى استيعابٍ واقتصارٍ.
وكذلك: إن قال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ لحنفي: اعتَبَرْتَ غَيْرَ النبى بالنبيِّ ﷺ في عَقْدِ النكاحِ بلفْظِ الهِبَةِ، لأنَّ النبيَّ ﷺ مخصوصٌ في النكاحِ بأحكام كثيرةٍ.
فيقول المستدل: إِنَّ ما جازَ للنبى جاز لغيرهِ إلا أن يَثْبتَ تَخْصيصٌ له في حكمٍ بعينه، ويحتاجُ المعترضُ أن يُثْبتَ أنَّه مَخْصوصٌ بذلك، لقولهِ تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] حتى يصحَّ سؤالُه وتقربَ الدلالةُ من الآيةِ.
وكذلك إِن استدلَّ حنبليٌّ أو شافعيٌّ في أَنَّ النكاحَ الموقوفَ (١) ليس بصحيحٍ، لأنَه عقد لا يملكُ الزوجُ المُكلفُ ايقاعَ الطلاقِ فيه، فكان فاسداً، كنكاحِ المُعْتدةِ.
فيقول المعترضُ: هذا اعتبار فاسدٌ، لأن الطلاقَ من أحكام العقدِ وفروعِه، فلا يجوزُ أَن يُستدلَّ بفسادِ الفَرْعِ على فسادِ الأَصلِ.
стр. 845
فالجوابُ: أنَّ ما طريقُه الدِّلالةُ والأمارةُ يجوزُ فيه مِثْلُ ذلك، وعللُ الشرعِ من هذا القبيلِ، فيجعل عدم حُكْمِهِ دليلاً على فسادهِ، لأنَ العَقْدَ يُعْقَدُ لإفادةِ أحكامِهِ، ولهذا لو شرط إِسقاطَ حُكْم من أحكامهِ، فَسَدَ العَقْدُ.
وكذلك إنْ قال: اعتبرتَ الوضوءَ بالتيمُّمِ في النيةِ، والتيمُّم بَدَلٌ والوضوءُ اصل، فلا يُعتبرُ الأصلُ بالبَدَلِ.
فالجوابُ: نَحْوُ ما مضى.
وكذلك إن قال: إنَّ حُكْمَ الأصلِ أقوى من حُكْمِ الفَرْع في قياسِ أصحابنا وأصحابِ الشافعيُّ موضعَ الاستنجاءِ على سائرِ اَلبَدَنِ في وُجوبِ الَإزالةِ فيه.
فيقولُ المُعترِضُ: النجاسةُ الموجودةُ في سائرِ البَدنِ آكَدُ حكْماً، ولهذا يجب إزالتُها بالماءِ بخلافِ موضعِ الاستنجاءِ.
فالجوابُ: أن العِلةَ الموجبةَ للإزالةِ يشتركُ فيها الأصْلُ والفَرْعُ، فوجبَ اعتبارُهُ به وتأكد الأصلُ في حُكْم آخرَ لا يَمْنَعُ القياسَ، لأن الاصلَ يكونُ اقوى من الفَرْعِ، فإنَه يثبتُ بالنص أو يَقَعُ الإجماعُ على حُكمهِ، ولا يمنعُ ذلك القياسَ عليه (١).
ومِثْلُ هذا أيضاً: قياسُ النبيذِ في التحريمِ على الخَمْرِ، وإنْ كان تحريمُ الخَمْرِ آكَدَ فإنه يوجبُ قليلُه الحد والتفسيقَ ويكفُرُ مُسْتَحله، إلا أن العلَّةَ المُوجبةَ للتحريمِ يشتركان فيها، فكان الفَرْعُ معتبراً به.
стр. 846
فإن قيل: فقد اعترض الشافعي فى مناظرتِه محمدَ بن الحسن (١) بمثلِ هذا الاعتراضِ، حيث قال محمدُ بنُ الحسنِ في الزِّنا: إِنه ينشر الحُرْمَةَ واعتبرهُ بالوَطْءِ المُباح، بأنَّ هذا جماع وهذا جماع، فقال الشافعيُّ: هذا جماع حُمِدْت به، وهذا جماعٌ رُجِمْتَ به.
فالجوابُ: أنّ هذا خَرَجَ مَخْرجَ الفَرْقِ بين الجِماعَيْن، لأن الجماعَ إذا حُمِدْتَ به كان له حُرْمَة تقتضي المحْرميَّةَ في حقِّ الموطوءَةِ، والذي يوجبُ الحدَّ لا حُرْمةَ له فلا يتعلَّق به التحريمُ.
فصل
ويحصل فسادُ الاعتبارِ من وَجْهَيْن، بعد انتشارِهِ في الكتابِ بما ذكَرْتُ من الوجوهِ:
احدُهما من جهةِ النص.
والثاني من جهةِ الأصولِ.
فما يُعرفُ بالنصَ، هو أن يَعْتَبِرَ حُكْماً بحُكْمٍ، وقد ورَدَ النصُّ بالتفرقةِ بينهما، كاعتبارِ أصحابِ أبي حنيفة تخليل الخَمْرِ بالدباغ (٢).
فيقول الشافعيُّ: النصُّ فرقَ بينهما، لأنَّ النبى ﷺ نَدَبَ إلى الدباغِ في شاةِ مولاة ميمونةَ (٣) ونهى أبا طلحة عن التخليلِ لخَمْرِ
стр. 847
الأيتام (١). وما فرقَهُ النص لا يجمعُه الرأيُ والاجتهادُ.
وجوابُ الحنفي عن هذا: أَن يُبَيّنَ صحةَ اعتباره وأن الشرع ورد باعتبارِ أَحدِهما بالآخَرِ؛ فإنه قال: يُحِل الدِّباغُ الجِلْدَ كما يُحل الخَل الخَمْرَ، ويتكلَّم على خبر النهى عن التخليلِ بما يُسْقِطُ الحجةَ منه.
وألحَقَ أَصحابُ أَبي حنيفة بهذا حَمْلَ المُطْلقِ على المُقَيدِ، حيث قِسْنا كفارةَ الظهارةِ على كفارة القَتْلِ في اعتبارِ الإيمانِ، فقالوا: القُرآنُ فرقَ بينهما فلا يجوزُ اعتبار أَحدِهما بالآخَرِ، وهذا غيرُ صحيح، لأن النص ما فرقَ بينهما في اعتبارِ الإيمانِ بل ذكره في أحدِهما وسكت عنه في الآخر (٢)، وأبداً يُقاسُ المسكوتُ على المنطوقِ.
وأَمَّا ما يُعرفُ بالأُصولِ، فَمِنْ وجوهٍ: أَحدُها: أَن يَعْتبرَ حُكْماً بحُكْم، وأحدُهُما مبنى على التوسعةِ والآخر على التَّضْييقِ، كاعتبارِ الكفَّارةِ في رمضان بالقضَاءِ، والقطعِ بالضمانِ، فيُقالُ: هذا اعتبارٌ باطلٌ، لأنَّ أَحدَهُما مَبْناهُ على التَّضْييقِ والآخَرَ على التوسعةِ، فلا يُعتبرُ أَحدُهما بالآخَر.
стр. 848
أو يَعتبرَ الابتداءَ بالدوامِ، كاعتبارِ ابتداءِ النكاحِ باستدامته في الإحرامِ، فيُقالُ: الاستدامةُ أقوى والابتداءُ أضْعَفُ، فلا يُعْتَبَرُ أحدُهما بالآخَرِ.
أو يَعتبر الرق بالعِتْقِ، أو العِتْقَ بالبيعِ، وبُنيَ أحدُهما على الضعفِ والآخَرُ على القُوةِ، فلا يجوزُ اعتبارُ أحدِهما بالآخَرِ.
والجوابُ: أنَّ يُبَيِّنَ أنهما في الموضع الذي علل سواءٌ (١).
والثاني: أن يعتبر فرْعاً بأصْلٍ، وهما مختلفان في نظائرِ الحُكْمِ كاعتبارِ الصبى بالكبيرِ في إيجاب الزكاةِ، وهما مختلفانِ في أصولِ الفُروضِ، كالصلاةِ والصيامِ والحج.
وكاعتبارِ المرأةِ بالرجلِ في إيجاب القَتْلِ بالردةِ، وهما مختلفان في القَتْلِ بالكُفْرِ الأصليِّ، وما أشبه ذلكَ.
والجوابُ: أن يُبَينَ أن ما ذُكِرَ أنه نظير للحُكْمِ ليس بنظيرٍ، وإِنَّما نظيرُ الحُكْمِ غيرُهُ، وهما يتفقان فيه (٢).
وأضاف اصحابُ ابي حينفة وُجوهاً أُخَرَ، فقالوا: لا يجوزُ اعتبارُ المُتقدم بالمُتَأخِّرِ، كاعتبار أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ الوضوءَ بالتَيَممِ في اشتراطِ النَيةِ لان آية التيمُّم نزلت مُتأخرَةً عن آيةِ فَرْض الوضوءِ، ووجَبَتْ فيه النيَّةُ قَبْلَ أَن يُشْرَعَ التيممُ، فلا يجوزُ أَن يُجعَلَ
стр. 849
وجوبُ النيةِ في التيممِ علةً لوجوبِها في الوضوء؛ لأنَه يؤدي إِلى أن تتأخرَ العلَّةُ عن الحكمِ، والأصلُ عن الفَرْع، وهذا لا يجوزُ.
والجوابُ: أَنّا لم نَجْعَل التيمُّمَ عِلَّةً لوجوبِ النيَّهِ في الوضوءِ وإنَّما جعلناه دليلاً، فقُلنا: لمَا أوْجَبَ الله تعالى التيممَ بعد الوضوء وأوجَبَ فيه النية، وهو بَدَلٌ عَنْهُ وقائمٌ مقامَهُ، دلنا ذلك على أن النيةَ واجبةٌ في الوضوءِ، لأنَه الأصْل، إذ البَدَل لا يُفارق [المُبْدَلَ] (١) في باب النيةِ في الأصول، بدليلِ الكفاراتِ إثباتاً والعِدَدِ سَلْباً، وهذا مِنْ طريقِ الدَلالةِ، والدَلالةُ يجوز تأخُّرها عن المَدْلولِ، فَيضمنها الله دلالةً على السابقِ لها في الوجودِ، وهذا كما ضَمَن المحْدَثاتِ دلائلَ دلتْ على محْدِثِها وصانِعها، فدلت المحدثات على القديمِ سبحانه. واستدللنا بالمُعْجزِ المتاخِّرِ على نبؤَةٍ سابقةٍ تثبتُ بمُعْجزٍ قَبْلَ المُعجزِ الثاني والثالثِ.
ومما الحقوه وأضافوه إِلى فسادِ الاعتبارِ: أنَه لا يجوزُ الاستدلالُ بنَفي وقوع الطلاقِ في النكاحِ الموقوفِ على نَفْيِ أصلِ النكاحِ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.
ومما أضافوه أيضاً أن قالوا: لا يجوز أن يعَلقَ الحكْمَ على معنى مُتَوهمٍ، كاستدلالِ الشافعيِّ في نكاحِ المسلمِ الأمةَ اليهوديةَ: أَن هذا يؤدي إِلى أن يسترق الكافرُ ولَدة منها (٢)، فقالوا: الاسترقاقُ معنىً مُتَوهَّمٌ، فلا يجوزُ إبطال العَقْدِ بسَبَبِهِ.
والجوابُ: أنَّ الولدَ مِنْ مقاصدِ النكاحِ، ولهذا قال ﷺ :
стр. 850
"تناكحوا، تكثُروا (١) "فجاز أن يُجعلَ علَّةً للحكم ولأنَّ العلَّةَ كونه مما يؤدي إلى أن يسْتَرق ولدة منها، وهذا معنىً فتَحقق غيرُ فتَوهم، ولأن هذا متفق على استعمالهِ. فأمَّا ما نَحْن فيه فاستعملناه هاهنا وهم استعملوه في السلَمِ في المعدومِ، فقالوا: ربما مات المُسلم إليه ولا نجدُ المُسلم فيه.
فصل في فسادِ الوَضْعِ (٢)
وهو: أنَّ يعلقَ على العلَّةِ ضِدُّ ما تقتضيه. وانما يعرف ذلك من وَجْهَيْن:
من جهةِ الرسولِ، ومن جهةِ الأصولِ.
فأمَّا جهة الرسولِ، فَمِثْلُ: قَوْلِ الحنفيُّ في تنجيِسِ سؤرِ السَّبُعِ: لأنَه سَبُع ذو نابٍ، فكان سؤرُهُ نَجِساً، كالخِنزير.
فيقول له الشافعي: كوْنه سَبعاً جُعِلَ في الشرع علةً للطهارةِ؛ والدليلُ عليه ما روي أن النبيَّ ﷺ دعِيَ إلى دارِ قَوْم فأجابَ، ودُعي إِلى دارِ قوم فلم يجبْ، فقيل له: دعاكَ فلان فأجَبْت، ودعاك فلانٌ فلم تجِبْ! فقال: "إنَ في دارِ فلانٍ كَلْباً"، فقيل: وفي دارِ فلانٍ هِرة،
стр. 851
فقال: "الهرةُ سَبُع (١) ". فجعل كَوْنَ الهِرةِ سَبُعاً علةً في الطهارةِ، فلا يجوز أنَّ يُجْعلَ علةً للنجاسةِ.
والجوابُ أَن يتكلم على الخَبَرِ بما يُسقطه لتسلمَ له العلَّةُ.
وأما ما عُرفَ من جهةِ الأُصولِ، فمِثْلُ: أن يقولَ الحنبليُّ أو الحنفيُّ في قَتْلِ العَمْدِ: إنه معنى يوجبُ القَتْلَ، فلا يُوجبُ الكفارةَ، كالردَّةِ.
فيقول الشافعيُّ: علقْتَ على العلَّةِ ضد مقتضاها (٢)، لأن كَوْنَهُ موجباً للقَتْلِ سببٌ للتغليظ، فلا يجوزُ أَن يُجْعَلَ سبباً لأسقاطِ التخيير بالتكفير.
والجواب للشافعيِّ أن يقولَ: إِنه لا يقتضي إلا ما عُلقَ عليه، لأنه إِذا تغلًظ بوجوبِ القَتْلِ وجب أن يُستغنى عن تغليظٍ آخَرَ.
وأجاب بعضُهم عنه: بأن هذا يبطلُ بالأصلِ، وهو الردةُ، فإنها أوجبتِ القَتْلَ، ثم لم تُوجب الكفارةَ.
وهذا ليسس بصحيحٍ؛ لأَن السائلَ لم يقلْ: إِنَّ وجوبَ القَتْلِ علَّةُ لإيجابِ الكفارةِ. وإنما قال: سببٌ للِإيجابِ، وسببُ الِإيجابِ لا يصلُحُ أَن يُعَلقَ عليه الِإسقاطُ. وإِن كان لا يتعلَّقُ به الِإيجابُ كالشاهِد الواحدِ على الِإيجابِ، لا يُحْتَج به في الِإسقاطِ، وإن كان لا يتعلَقُ به الإيجابُ، وكذلك هاهُنا.
стр. 852
فَصْلٌ في اعتراضِ العلَّةِ على أصلها
وذلك من وَجْهين:
أحدُهما: أَن تُسْقِطَ أَصْلَها، كعِلَّةِ أَصحابِ أَبي حنيفة في جواز الصلاةِ بلفظ التعظيم: أنّه لفْظ يقصَدُ به التعظيمُ لله سبحانه فأَشْبَهَ لَفْظَ التكبيرِ، فإن الأَصلَ ثبت بقوله ﷺ : "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمُها التكبيرُ، وتحليلُها التسليم (١) " وهذا يقتضي تخصيص التحريمِ بلفْظِ التكبيرِ، وهذه العلَّةُ تُبطُل هذا، فأبْطَلَتْ أَصْلَها.
والثاني: أَن تَخُصَّ أَصلَها، كقولهم في الرِّبا: إِنه مكيل جِنْسٍ، فإِنَّ الأصلَ ثبت بقولهِ ﷺ : "لا تَبيعوا البُر بالبُر (٢) " وهو علَة في القليلِ والكثيرِ، وعلَّتكم تخصُّ الأصْلَ في القليلِ، فلا تصحُ، لأنه لو كان ذلك علةً، لَعَمت جميع الأَصلِ، لأنَّ المطلوبَ علَّةُ الأصل.
والجوابُ: أن يتكلم على الخبرِ في المَوضعَيْن، ويُبَينَ أَن الخبرَ في الأول لا يقتضي الحَصْرَ، والخبر في الثاني لا يتناول القليل، ليبقى القياسُ بحاله.
فصل في الكَسْرِ والاعتراض به على العلَّة (٣).
وهو نَقْض المعنى. وهو وجود معنى العلَّةِ ولاحُكْمَ، كما أنَّ النَقْضَ
стр. 853
وجودُ ألفاظِ العلَّةِ ولا حُكْمَ.
وقد اختلف فيه أهل العلم: فقيل: ليس من الأسئلةِ اللازمةِ.
وقيل: هو لازمٌ.
فمن لم يجعله سؤالًا، لم يلْزَمْ عنده الجواب عنه، لأنه يعتقد أنه ليس بكلامٍ على الدليلِ.
ومن اعتقده سؤالاً ألزمَ الجوابَ عنه.
ومثالهُ: قَوْلُ أَصحابِنا وأَصحابِ الشافعيِّ في بَيع ما لم يَرَهُ: إنه مَبيع مجهولُ الصفةِ عند العاقدِ حال العَقْدِ، فلم يصحَّ بيْعُهُ، كما لو قال: بعتُك عبْداً (١).
فيقول المخالفُ: هذا ينكسرُ به إذا تزوج امرأةً ولم يَرَها، فإنها مجهولة الصفةِ عند العاقدِ حالَ العَقْدِ، ثم يَصحُّ. فمَنْ مَنَعهُ قال: هذا ليس بكلام على دليلي، لأنَك غَيرْتَ الوصْفَ، وإِذا غيرت الوصْفُ لم يكن الذي تكلمت عليه دليلي.
ومن أجاب عنه واعتقده سؤالًا قال: ليس النكاحُ كالبَيْع؛ وأَخَذ يبعد بالمعنى حسب الإِلزامِ بالمعنى، ويوضح في تَبْعيدهِ: أَن النكاحَ لا يُعْقدُ فيه على الصفات، ولذلك لا تُفْرَدُ صفاتُه بالعَقْد ولا يلزمُ اشتراطُها، ولا يثبتُ الخيارُ فيه بالرؤيةِ بخلافِ سائرِ السلع.
فيُجيب الحنفي: بأن النبيَّ ﷺ حث على تأملِ صفاتِ المنكوحةِ
стр. 854
قَبْلَ النكاح، وقال: "تُنكحُ المرأةُ لجمالِها (١) ". وُيقرِّب النكاحَ من البَيْعِ بحيث يَنْدفغَ الفَرْق وَيقْرب النكاحُ من البَيْعِ بالمعنى.
واعتلَّ مَنْ مَنَع كَوْنَه سؤالًا بما نُحَقَقه في مسائلِ الخلافِ إن شاءَ الله، ولكنا نُعَجِّلُ منه طرفاً هاهُنا بأن نقول: الكَسْرُ كلام على بعضِ الدليلِ أو على غيرِهِ، لأَنَّه لا يَقَعُ إلاّ ممَّن يُسْقِطُ من العلَّةِ وصْفاً، أَو يُغَيِّرُ وصْفاً، فالكلامُ على بعْضِ الدليلِ ليس بكلام على الدليلِ، ويكون ما اسقطه أو غَيَّرُه هو الفَرْق بين مسألةِ الإلزام وبين المسألةِ المُستَدَلِّ عليها.
قال: وُيخالفُ نَقْضَ اللَّفْظِ، لأنَه أبْطَلَ العلَّةَ التي ذكرها، ولهذا لم يقبَلْ منه الفَرْقُ، لأنه يكونُ زيادةً على ما ذكره من الدَّليلِ.
ولِمَنْ نَصَرَ صحةَ الكَسْرِ أنَّ يقولَ: انما نُوردُ الكَسْرَ على علًةٍ فيها وصْف ليس بمؤثّرِ في الحُكْمِ ولا يتعلًقُ به المعنى, فلا نكون قد نَقَضْنا من العلَّةِ شَيْئاً، ومتى كانت جميعُ أوصافِ العلَّةِ مؤثرةً فلا كَسْرَ.
فيقول النافي لصحًةِ الكَسْرِ: فإِذا كان في العلَّةِ وصْف غَيْرُ مؤثرٍ وجَبَ إِسقاطُه والطَعْنُ في العلَّةِ لعَدَمِ التأثيرِ، ولا معنى لإِيرادِ الكَسْرِ.
فيقول المُثبتُ للكَسْرِ: عَدَمُ التأثير سؤال لإِفسادِ العلَّةِ، والكَسْرُ طريق أيضاً لإِفسادِ العلَّةِ، فأيَّهما أوْرَدَ، نابَ مَنابَ صاحبهِ.
فيقول النافي للكَسْرِ: هذا غيرُ مستقيمٍ، لأنَّه مُتَرَتِّبٌ على سؤالٍ
стр. 855
قَبْلَهُ تَفْسُدُ به العلَّةُ، وهو بيانُ أن هذا الوَصْفَ لا يتعلقُ به الحُكْمُ، والمعنى مُتعلَق بما سِواه ليتم له إيرادُ الكَسْرِ، وإن ثَبَتَ أنه لا تأثيرَ لوصفٍ من الأوصافِ [فى]، العلَّةِ، فقد فَسَدت العلَّةُ بعدمِ تأثيرِ ذلك الوصْفِ، ولا معنى لإيرادِ الكَسْرِ.
стр. 856
فصول المُعارضة (١)
فصل
إذا عارَضَ المُعترضُ العلَّةَ بُنْطقٍ، نَظَرْتَ، فإِن كان نَصّاً كان مُقَدماً عليها، لأنَّ نَصَّ خَبَر الواحدِ مُقَدَّم على القياسِ، وبيانُ ذلك في أصولِ الفِقْهِ وتراتيبِ الأدلةِ وقد مضى (٢).
وإن كان النُّطْقُ ظاهراً أو عموماً، فقد اختلف أهلُ الجَدَلِ فيه، ولأصحاب الشافعيُّ فيه وجْهان: فمنهم مَنْ يقولُ: يُقَدَّمُ النطْقُ، لأن النبيَّ ﷺ قال لمعاذ: "بمَ تحكمُ؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تَجدْ؟ " قال: بسُنَّةِ رسول الله، قال: "فإن لمَ تَجدْ؟ " قال: أجتَهِدُ رأيي، قال: "الحمدُ لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللهَ لِما يرضاه رسولُ الله" (٣). فأخر الرأيَ عن الكتابِ والسنَّةِ.
ومنهم مَنْ قال: يقدم القياسُ، لأنه تناولَ الحُكْمَ بنصهِ وصريحِه وحقيقتِهِ، فكان مقدماً على ما تناوله بظاهرهِ أو عُمومِهِ، كما أنَّ نَص خَبَرِ
стр. 857
الواحدِ يخصُّ عُمومَ القرآنِ وإِنْ كان طريقهُ الظنَّ، وطريقُ القرآنِ العِلْمُ والقَطْعُ، لأَنه تناوله بَنصَه.
إِذا ثبتَ هذا، فإنَّ أَصحابَ أَبي حنيفة يقولون: لا يُبْتَدأُ التخصيصُ
بالقياسِ، فإن كانَ العمومُ مخصوصاً بغيرِهِ، خَصَصْناه به.
مثال ذلك: تعليل أَصحابنا وأَصحابِ الشافعيِّ في مسألةِ امرأةِ الصبي إذا مات وهي حاملٌ: أنها تعتد بالَأشهر دون الحَملِ، لأَنَّ هذا الحَمْلَ مَنْفيّ عنه قَطْعاً ويقيناً، فلم يُعْتَدَّ به، كما لو حَدَثَ بعد مَوْتِهِ.
فقال أَصحابُ أَبي حنيفة: هذا القياسُ يخصُّ عُمومَ القُرآنِ، وهو
قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
فلا يُصْرَف عن ظاهرِهِ بالقياس.
ووَجْهُ ما ذكرْناه: أَنّه لا فَرْقَ في تَخْصيص العُموم بين ابتداءِ التَخْصيصِ وثانيهِ، لأنَّ للفْظِ المخصوصِ دلالةً فيما لم يُخصّ، كما أن لِلَّفظ في الابتداءِ في الكُلِّ. لا يُخالفُ أَبو حنيفةَ في ذلك وإِنَّما عيسى بن أَبان (١) يقولُ: إِذا خُصَ بطلت دلالتُه، فلا معنى لما ذكروه، وعلى أَنه في هذه الآيةِ قد خُصت في الحَمْلِ الحادثِ بعد الموت.
فصل
وأما إنْ عارضَ بعلةٍ نُظرَتْ: فان كانت من غير أَصلِه، مثل أَن يقولَ الحنبليُّ أَو الشافعي في إزالةِ النجاسةِ: إنَّها طهارة فلا تصحُ بالخَلِّ، كالوضوءِ.
فيعارضه السائل؛ بأنها عين يزول حكمها بالماء، فوجب أن تزول بالخل، حَالطيب على توب المحرم.
стр. 858
كان على المُسْتدِلِّ أن يتكلم على العلَّةِ التي عارضَه بها بما يتوجه عليها من أَنواعِ الإفْسادِ أَو يُرجحَ عليه، كما لو كان السائلُ هو المستدِل ابتداءً.
فصل
وأما إنْ عارَضَهُ بعِلةٍ من أصلهِ، نُظرَتْ، فإن كانت العلةُ التي عارضه بها واقعةً مِثْلَ أن يُعَللَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيُّ في ظِهارِ الذميِّ بأنه يصح طلاقُه، فصح ظِهارُهُ، كالمُسْلمِ.
فيقول الحنفي: المعنى في المسلمِ أنه يصحُّ منه الكفارةُ.
فيقول المستدل: هذه علةٌ واقفةٌ (١)، والواقفةُ عندك ليست صحيحةً، وعلى أني أقولُ بالعلتَيْنِ، لأن حُكْمَ هذه العلَّةِ التي ذكرتها لا يُنافي حُكْمي.
ومن الناسِ مَنْ قال: لا حاجةَ به إلى تسْليم العلَّةِ له، بل يقولُ: هذه العلةُ التي ذكرْتها لا تُنافي علتى ولا تَمْنَع تَعلقَ الحُكْم بها، لأَنَها تُوجبُ حُكماً مِثْلَ حكمِ علتي.
فإنْ قال: إذا ثبتَ تَعلقُ الحُكْمِ بهذه العلَّةِ، ثبتَ أنَّ حُكْمَ الفَرْع بخلافِ ذلك، لأنه لا يُوجَدُ فيه.
قال له المُسْتَدِلُّ: ليس يَلْزَمُ في العِلةِ أنَّ تنعكسَ، ويجوزُ أنَّ يثبت الحكمُ في عَكْسِها لعلةٍ أخرى، فيكون الحكمُ في الأصلِ ثابتاً
стр. 859
بعلتَيْن تُوجدُ إحداهُما في الفَرْع دون الأخرى.
فإن قال السائلُ: فقد أقْرَرْتَ بصحةِ علتي التي عارضْتُ بها، وأنا لا أقر بصحةِ عِلتِك التي ادعَيْتَها، فيلزمك الدليلُ، صار هذا مطالبةً بتصحيحِ العلَّةِ وخَرَجَ عن حُكْمِ المعارضةِ.
فصل
وأما إنِ كانت العلةُ التي عارضَ بها مُتَعدِّية، نظرت، فإن كانت معلولاً بها داخلة في معلولاتِ علَتِهِ، لم تصح المعارَضةُ، لأَنَّها علَّةُ المُعَلِّلِ وزيادةٌ.
وذلك مثل: أَن يُعَللَ أَصحابُنا في إحدى الرواياتِ وأصحابُ الشافعي البُر: بأَنَّه مَطْعومُ جنْسٍ، فيقول المالكيُّ: إنَّه جِنْسٌ فكان القُوتُ داخلا في الطعْمِ، كأنَّه قال: مطعوم (١)، وكذلك قال أصحابُنا في طعامِ الكفارةِ: لا يجوزُ أَن يُعْطى منه مسكينٌ واحدٌ مُديْنِ في يَوْمَيْن؛ لَأنه مسكين استوفى قُوتَ يوْمِهِ من كفارة، فأَشْبَهَ إذا أَعطاه ذلك عن يَوْمَيْن في يَوْمٍ واحدٍ سَلَفاً لحاجتِه من الغَدِ (٢). فيقول الحنفيُّ: المعنى في الأصلِ أنَّه استوفى قُوتَ يَوْمِهِ من كفارةٍ.
لم تصِح هذه المعارَضةُ، لأنَّ يَوْمَهُ داخلٌ في علَّةِ المعلِّل من أصحابِنا، وهو اليوم المُنكَرُ، قال أبو عليِّ الطبري من أَصحابِ الشافعي: وكذلك إِذا قيل في حرمان الميراثِ بقَتْلِ الصبيِّ
стр. 860
لمَوْروثِهِ: إنَّه قاتل فاشْبَهَ البالغَ (١).
فقال أصحابُ أبي حنيفة: المعنى في البالغِ أنه مُتهم بالقَتْلِ؛ لأن المتهم في استعجال الميراثِ بالتسَبب إلى القَتْلِ ولم يَحْصُل منه، مِثْلَ إن عدا على موروثه بحديدةٍ أو أطَعمه سُماً قاتلًا، فتدواى فَسلِمَ منه، هذا مُتهَم في تَعْجيلِ الإرْثِ ولا يُحْرَمُ الإرْثَ. وكذلك لو جَرَحَهُ جراحةً يموت بمِثْلِها، فلا زال يُداويها حتى بَرأ، ثم مات من غَير سرايتِها، فإنَّه مُتَّهَم، ولا يُحْرَمُ الإِرْثَ، فإِذا كانت التهمةُ بالقَتْلِ، فهي داخلة في علةِ مَنْ عللَ بالقَتْلِ خاصةً.
فأَما إن لم تكن معلولاتُها داخلة في معلولاتِ علَتِهِ، مثل أَن يُعَلِّلَ البُر بأنه جِنْسُ مطعومٍ ونَقيسُ عليه الفواكه.
فيقول الحنفي: المعنى في البُر أنه مَكيلُ جِنْسٍ. فيحتاج المستدل أن يتكلم على علَّةُ المُعارِضِ بما يتوجه عليها من إفسادٍ، أو ترجيحِ علته على ما علل به من الكَيْلِ. ويوضِّح أنَّ الطعْمَ وَصْف ذاتيٌّ، والكيل مِقْدار وعَلَم على التساوي، فَيَبْعُدُ أنَّ يكونَ علةً. ومتى عجز عن واحدٍ منها، كان مُنْقَطِعاً بمساواتهِ المُعْترِضَ، وليس يخرجُ من الانقطاعِ إِلا بترجيحٍ لِعلتِهِ.
قال بعضُ الشافعيةِ: ولا يُمكنُ أنَّ نقولَ بالعلتَيْن؛ لأَن الإجماعَ انعقد على أنَّ العلَّةَ في البُر واحدة، وليس كما وقع له، بل قد ذهب
стр. 861
صاحبُنا ﵁ في رِوايةٍ إلى أَنَ العِلَةَ ذاتُ وَصْفَيْن، وهما (١): الطعم والكَيْلُ (٢)، فيمكن الحنبلي أن يقولَ بما علل به المعارضُ إذا نَصَرَ هذه الروايةَ؛ لأن ما جعله المخالفون علةً هو عِنْدَ صاحبِنا وَصْف، فالعِلةُ ذاتُ وَصْفَيْن: طُعْمٌ، وكَيْلٌ.
فصل
ولا تحتاجُ علَّةُ الأصلِ إلى أصلٍ تُردُّ إِليه، لأن الأصل ثبت حُكْمُه لا مِن جهةِ القياسِ على غيرِهِ، وإنما ثبت بالنُّطْقِ، والعلَّةُ مُسْتَنْبَطَة منه (٣)، فإن كان الأصلُ ثبت حكمُه بالقياسِ على قول مَنْ أجاز القياسَ عليه، فانما يكون القياسُ عليه بغيرِ العلَّةِ التي أُثْبِتَ حُكْمُهُ بها، وتكونُ العلةُ التي ثبت حُكْمُهُ بها جاريةً مَجْرى النُّطْق فيه، لَأنَ القياسَ دليلٌ شرعيٌ، كما أَن النُّطْقَ دليلٌ شرعيٌ، وإِذا قيس عليه بالعلَّةِ التي ثبت الحُكْمُ بها، فلا يكون أصلًا لما قِيسَ عليه، لأن الذي قيسَ عليه مُقاس على الأصْلِ الذي انتُزِعَتْ منه العلةُ، ولا يكونُ أَحدُهما بكَوْنِهِ فَرْعاً أوْلى من الآخَرِ.
وأما الفَرْعُ فلا بُد لعلتِهِ من أصْل، لأن الفَرْعَ ثَبَتَ حُكْمُه بغَيْرِهِ.
فصل
وليس من شَرْطِ علةِ المعارَضةِ في الأصلِ أن تُعْكَسَ في الفَرْعِ،
стр. 862
بل يجوزُ أنَّ تُذْكَرَ عِلةٌ في الأصْلِ ويُذكَرَ في الفرع علَّةُ أخرى (١).
وذكر بعضُهم: أَنه متى لم يعكِسْها في الفَرعِ، لم يحصل الفَرْقُ، لأنَه يمكنه أنَّ يقولَ بعلة الأصل وليس، ما اعتبره هذا القائلُ صحيحاً، لَأنَّ علةَ الَأصْلِ لا بُدَّ أَن يَحْصُلَ بها الفَرْقُ، لأَنها غيْر موجودةٍ في الفَرْعِ، ويكفي عَدَمُ وجودِها في الفَرْع، لأَن يَخْرُجُ بعدَمِ وجودِها أنَّ يكون فَرْعاً، وأَن يكون مُعَلِّلاً بما يَحْصُلُ به العَكْسُ، وهو إذا ذكر علَّة في الفَرْعِ وليست موجودةً في الأصْل فقد خَرَج أنَّ يكون فرْعاً، فصار بذلك فرْقاً صحيحاً. فلا وجْهَ للمطَالبة بالعَكْسِ، وقد حصل الفَرْقَ بما ذكَرْنا مع عَدمِ العَكْسِ. وأما قولُه: أَنَّه يُمكنه القولُ بها في الأصل، فليسٍ بصحيح؛ لأن علةَ الأصلِ التي لم يعكسْها يجوزُ أَن تكون مُنْتَقَضَة على أَصْلِ المعللِ، لأنها تتعدى إلى فُروعٍ لا يقول بها، وإِنما يصح ذلك في العلَّةِ الواقِفةِ، ولأن علَّةُ المُعارِض لا بُدَّ أن تكون مُنعكسة على أصْلِهِ، وإنما في الفَرْع يُعْدَلُ عن ذلكَ، لأن المستدل لا يُسَلَمُ له حصول العكس في الفَرْع، وذلك يكونُ في العلَّةِ إذا كانت حُكْماً أوْ صِفةً شرعيَّةً، مثل أن يُعَللَ أصحابُ أبي حنيفة طهارةَ جِلْدِ الكَلْبِ بالدَباعِ: بأنَّه حيوانٌ يجوزُ الانتفاعُ به حال حياتِه، فطَهُرَ جِلْدُهُ بالدباغ، كالفَهدِ.
فيقول الشافعيُّ: المعنى في الفَهْدِ أنه يجوز بَيْعُهُ حال حياتهِ ولا يُغْسَلُ الإناءُ مِنْ ولوغهِ عَدَداً، ويُقْتنى إعجاباً به واستحساناً له لا لأجْلِ الحاجةِ إليه، وليس كذلك الكلب، لأَنَّه نَجِسُ العَيْنِ لا يجوزُ بَيْعُهُ،
стр. 863
وَيقفُ اقتناؤهُ على الحَاجةِ، فهذا العكْسُ كله لا يقولُ به الحنفيُّ ولا يُسَلِّمُهُ (١).
فصل
وإذا عارَضَه في الأصل بعلةٍ مُجْمَع عليها، وذلك مثل: أن يُعَلِّلَ الشافعيُّ في أَن صفةَ الطلاقِ لا تنعقه قَبْلَ النكاحِ: بأَنَّ مَنْ لا تقَعُ طلاقُهُ المباشِرُ لا تنعقد صفتُه بالطلاقِ كالصبيِّ. فيقول الحنفيُّ: المعنى في الأصلِ أنه غيرُ مكلفٍ فلم تنعقد صفتُه بالطلاقِ، والبالغُ مُكلَّفٌ أَضافَ الطلاقَ إِلى مُلْكِهِ، فأَشْبَهَ الزَّوْج.
كان للمستدل أن يقولَ: أنا أقولُ في الأصلِ بالعلًتَيْن. ويتكلَّم على علَّةُ الفَرْع، كما يتكلَّمُ عليها إِذا ابتدأ الاستدلال بها، فيقول: لا تأثيرَ لقولِك: أضافَ الطلاقَ إلى ملْكِهِ في الأصل لأن الزَّوْجَ يَقَعُ طلاقُهُ وإِنْ لمْ يُضِفْهُ إلى ملْكِهِ.
وربما قيل على المعارَضةِ: إِنَّ اختلافَ الصبى والبالغِ في التكليفِ لا يمنعُ استواءَهما مع عَدَم الملْكِ، كما استويا في الطلاقِ المُباشر.
ولربَّما قيل بلَفْظٍ آخر: وهو أنَّ الصبى إن كان غَيْرَ مكلف، فهذا غَيْرُ مالكٍ، وعدَمُ الملْكِ في مَنْعِ التصرفِ كَعَدَمِ التكليف.
فصل
واذا كان القياسُ على أصول عدة، فعارضَ في بَعْضِها، لم يكْفِهِ
стр. 864
ذلك في المعارَضةِ؛ لأَنَّ الحجَّةَ باقيةٌ بما بقي من الأصولِ ولو أصلٌ واحدٌ.
مثالُ ذلك: أن يستدلَّ أصحابُنا في رواية وأصحابُ الشافعيُّ في نجاسةِ شَعْرِ الميتة، بأَنَّه شعر نابتٌ على ذاتٍ نَجِسَةٍ فكان نجساً، كشَعرِ الكَلْبِ.
فيقول الحنفيُّ: المعنى في الكَلْب أنَّ شَعْرَهُ في حالِ حياتهِ نَجِس، فكان نَجِساً بعد مَوْتِهِ. كان للمسَتدل أنَّ يقولَ: هذه معارضةٌ فاسدةٌ، لأنَّها في بَعْضِ الأَصْلِ، وأَنا قِسْتُ على شَعْرِ الكَلْبِ حالَ حياتهِ وبعد مَوْتِهِ، فإِذا عارضني في بَعْضِ أصلي كان التعليلُ باقياً مُسْتَقِلًا بما بقي لي من الأصْلِ.
فصل
إِذ تعارَضَتْ علَّتان ولم يتوجه على إحداهُما إفسادٌ، وهذا إِنَّما يكونُ في قَوْل مَنْ يعتبرُ جَرَيانَ العلَّةِ وسلامتَها على الأصولِ خاصةً في صحَّتِها. فَأمَّا من اعتبر تأثيرَ العلَّةِ والدلالةَ على صحَّتِها فيقل وُجودُ ذلك. فإِذا تعارَضَت العلَّتان لم يكن بُدٌّ من ترجيحِ إِحداهُما على الأخرى، فيُعملُ بالراجحةِ.
فمِما يُرجَّحُ به: أن تكونَ موافقةً لعمومِ كتاب أو سُنةٍ أو قولِ صحابيٍّ، وذلك مِثل أن يُعَللَ مَنْ قال: أنَّ بَدَلَ العبْدِ تَحْملُه العاقلةُ بأَنه يتعلَّقُ بقتلِه القَصَاصُ والكَفارةُ، فحُمِّلت العاقلة بَدَلَه، كالحُر.
ويُعَقَلُ مَنْ قال: إنَها لا تَحْملُه: بأنَّه مالٌ تَجبُ قيمتُه بالِإتْلافِ فلا تحملُه العاقلةُ، كسائرِ الأَموالِ، فرجح مَن قال بهذا قياسُه بأَنه مُوافق
стр. 865
للكتاب، فمن [ذلك] قوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
ويمكنه أن يُرَجحَ بنوعٍ آخَرَ، وهو أنَ المُتْلفاتِ مُعْظَمها يجبُ على المُتْلفِ، وإِنَّما ثبتَ التحمُّلُ في حق الحُر خاصةً لِما يحصلُ بقَتْلهِ من النائرةِ بين الحيَيْن أو العشيرة فكان إلحاقُ هذا العَبْدِ بسائرِ الأموال أولى.
ويُمكنُ مَنْ ألْحقَهُ بالحُرِّ أن يقولَ رد العَبْدِ إلى الحُر أَولى، لأنَّه يُرَد إِلى شَكْلِهِ وجنْسِه، وذلك مثل قَوْلِ أَصحابِ أَحمدَ والشافعيِّ: إن اللعانَ يَمينٌ؛ لأنَّه ذكر الله تعالى على وَجْهِ تأكيدِ الخَبَرِ، فكان كسائرِ الاَيْمانِ، فكان إِلحاقه بها اوْلى مِنْ إِلحاقهِ بالشهاداتِ.
فصل
ومن ذلك: أن تكونَ إحدى العِلَّتيْن تَخُصُّ أَصلَها الذي انتُزِعَتْ منه، وذلك مِثْلُ علَّةُ أصحابنا في إِحدى الرواياتِ، وعلَّةِ أصحاب أبي حنيفة في البُرِّ أنَّه مَكيلٌ، فإِنها تُخرجُ الذي لا يُكالُ من الرِّباَ على أصلِ أصحاب أبي حنيفة خاصَّةً، فإِنَّ أصحابَنا مع المُوافقةِ لهم في التعليلِ بالكَيْلِ، يخالفونهم في اليَسيرِ.
وعلَّةُ أصحاب الشافعيُّ وأصحابنا في الروايةِ الأخرى: الطُّعْم، وهي تَجْمَعُ الكُلَّ، فلا تَخُص أَصْلَها.
فصل
ومن ذلك: أن يكونَ حكم العلَّةِ موجوداً معها، وحكم الأخرى يوجد قَبْلَها، فتكون المصاحِبَة للحكْمِ أوْلى.
стр. 866
مثالُه: قَوْلُ أصحابنا وأصحاب الشافعيِّ في البائن: لا نَقَقَةَ لها، بأنَّها أَجنبيّة منه، فاَشبَهَتِ المقضيّهَ العِدَّةِ.
وقَوْلُ أصحابِ أبي حنيفة: إِنَّها مُعْتدَّةٌ مِنْ طلاقٍ، فأشبَهَتِ الرجعيَّةَ، والنفقةُ تجبُ للزوجةِ قَبْلَ أن يطلقها طَلْقَةً رجعية، فعلتنا المُصاحبهُ أَولى، لكونها لم يَسْبِقْها حُكْمُها بَلْ صاحبَها.
فصل
ومن ذلك: تَقْديم أصحاب الشافعيِّ تَمْييزَ المستحاضةِ على عادتِها، لأن التمييزَ صفةٌ قائمةٌ فيَ الحالِ، والعادةُ زمانٌ مَضى.
فصل
وذكر أَبو عليٍّ الطبريُّ من أَصحاب الشافعيِّ: أَنَّ العِلَةَ إذا اتفق الفَرْعُ مع الأصل في الاسمِ بالجِنْسَ والمَعْنى كانَتْ أوْلى.
مثالُ ذلك: أن يُعَللَ في رَهْنِ المَشاعِ أو هِبَتِهِ بأنَّه رَهْنٌ، فأشْبَهَ اذا رَهَنَ من اثنين أو وهب من شريكهِ، كذلك اذا علل في المُكاتَب أَنّه لا يجوزُ عِتْقُهُ في الكفَّارةِ بأنَّه مُكاتَبٌ، فلا يُجْزىء في الكفارةِ، كما لو كان قَدْ أدى مِنْ كتابتِهِ نَجْما (١).
وكذلك إذا مات فإنه مات مكاتَباً فأشْبَهَ إذا لم يكن له وَفاءٌ، وإنما كانت هذه أَوْلى، لأنَّ الغَرَضَ تَقْريبُ الأصلِ من الفَرْعِ، فإذا اشتركا في الاسم كان أقْرَبَ، وهذا صحيحٌ فيما يكون للاسمِ فيه تعلق
стр. 867
بالحكم. فأَما إذا لم يكُن فيه تَعَلق بالحُكْمِ، فلا وَجْهَ للترجيحِ به.
فصل
ومما يُرجَّحُ به: أَن تكونَ إِحداهُما مَرْدودةً إِلى أَصْلٍ مُجْمَعٍ عليه، والأخرى إلى أصْلٍ مُخْتَلفٍ فيه، أو تكونَ إحداهما مُفَسرة والأخرى مُجْمَلةً، كقَوْلِ أصحابِنا في الأكْلِ في الصوم: إِنَّه إفطارٌ بغيرِ جماع. وقولِ أصحابِ أبي حنيفة: أفْطَرَ بمَتْبوع جِنسهِ أو أفطر على ما فيَ البابِ من جِنْسِهِ، فإن هذا إجْمالٌ.
وكذلك إذا كانَ مع إحدى العلتين زيادة، كأن تكونَ إحداهُما فيها احتياطٌ للعرض، أو تكون إحداهُما ناقِلةً عن العادةِ والأخرى مُثْبِتَةً على حُكْمِ العادةِ، فالناقلةُ أوْلى؛ لأن معَها إفادةَ حُكْمٍ.
وكذلك إذا كانت إحداهما تُوجِبُ والأخرى تَنْدبُ، فالتي تُوجبُ معها زيادةٌ.
وكذلك إِذا كانت إحداهما حاظِرةً، والأخرى مبيحة. ويُحكى عن بَعْضِ أصحابِ الشافعيِّ أنهما سواءٌ.
وسمعتُ بَعْضَ أَئمة الأُصوليين يقول في ذلك قَوْلاً حَسَناً: وأَنَّ الاحتياط بالإيجاب لا وَجْهَ له، بل يجوزُ أن يَقَعَ في الأفعالِ، والعلَلُ موجبة للأحكام، فلا بُدَّ من اعتقادِ الإيجاب، وقد سوَّت الأصولُ بين اعتقادِ ما ليسَ بواجبٍ واجباً وبين اعتقادِ إسقاطِ الوجوبِ فيما هو واجبٌ، فلا وجْهَ للترجيحِ في الاعتقادِ بينهما.
فأمَّا في الفِعْلِ الأحوط من غيرِ اعتقادٍ، فذاك غَيْرُ ما نَحْنُ فيه
стр. 868
من العِلَلِ الموجبةِ للأحكامِ، وهذا الكلامُ مؤَيدٌ [من] هذا (١) الوجْهِ لأصحاب الشافعيِّ.
فَصلُ
ومن ذلك أنَّ تكونَ إِحدى العلتين تَسْتوي في معلولاتِها، وذلك مِثْلُ: أنَّ يُعَللَ [الشافعي] العِتْق على المالكِ بالوِلادةِ أو التعْصيب، وُيعَلِّلَ أصحابُنا وأصحابُ أبي حَنيفه بأنه ذو رَحِم مَحْرَمٍ في النَسَبَ، وهذا يختص بالنساءِ والولادةِ، والتعْصيبُ يستوي فيه نساءُ الأقارِب ورجالهُم.
ومن ذلك: أن تكونَ إحداهُما متعدِّيةً والأخرى واقِفةً، فالمتعدية أوْلى؛ لأنَها تُفْسِد أحكاماً في فُروعِها.
فصل
ومن ذلك: أن تكون إِحدى العلتين لا نظيرَ لها في الأصولِ وللأخرى نظائرُ، فالتي لها نظيرُ أوْلى، وذلك مِثل ما قالوا في رَدِّ شهادةِ القاذفِ بعد تويتِهِ مع زوالِ فِسْقِهِ بها، وليس في الأصول ما يُوجبُ رد الشهادةِ مع زوالِ ما أوْجبَ ردها، ولا لنا فِسْقٌ يَمْنَعُ فيزولُ، ويبقى ردُ الشهادة بعد زواله.
فصل
واعلم أن المُعارضةَ في الَأصْلِ، هي الفَرْقُ الذي يقصدُ به المُعارِضُ قَطْعَ الأصلِ من الفَرْع. ويَنْقَسم كما ينقسمُ أصل القياسِ:
стр. 869
فقد يكونُ بقياسِ علَّةٍ، وقد يكونُ بدِلالةٍ، وقد يكونُ بقياسِ شبَهٍ.
فأمَّا الفَرْقُ بقياس العِلَّةِ: فالكلامُ عليه أن يتكلم على علةِ الأصل والفَرْع بكل ما يتكلمَ به على العِلَل المُبْتَدأةٍ. والذي ينبغي أنَّ يُعْنى به أَن يَنْظُرَ إلى علَّةِ الأَصْلِ، فإِن كانت علَّةً اتفقا على صحتها، وقد بينا مثالَ ذلك في قوْلِ أَصحابِنا في الطلاقِ هل تنعقد صفتُه قَبْلَ النكاح معلقا على النكاح؛: مَنْ لا يملكُ الطلاق المباشر لا تنعقدُ صفةُ طلاقِه كالطفل. فيعارضُه الحنفيُّ: بأَنَ الأَصل غيرُ مكلف وهذا مكلفٌ، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه باستيفاء (١).
وإِن كانت علَّةُ الأصلِ مُخْتلفاً فيها، مثل أن يقيسَ الشافعيُّ في الربا في الفاكهةِ على البر، فالذي ينبغي أن يُعْنى به، أن يتكلمَ على علَّةُ الأصْلِ بأن يقولَ: لا يجوزُ أن يكون الكَيْلُ علةً، لأن الكَيْلَ يتخلص به من الرِّبا، فلا يجوزُ أنَّ يُجعَلَ علَماً يقتضي تحريمَ الرِّبا، ولأن الكَيْلَ لا يُوجَدُ الحكم بوجودهِ، ولا يُعْدَمُ بعَدَمِهِ، ولأنْ التعليل بالكيْلِ يعودُ على أصْلهِ (٢) بالِإبطالِ، وما أَشْبَهَ ذلك.
واما الفَرْقُ بقياسِ الدلالة فضرْبان (٣):
أَحدُهما: أَن يفرق بحكْمٍ من أَحكامِ الفرع، وذلك مثل: أَن يقولَ الحنفيُّ في سجودِ التلاوةِ: إنَّه سجود يجوز فِعْلُهِ في الصلاةِ، فكان
стр. 870
واجباً، كسجود الصلْبِ وسجودِ السهْوِ، فيقول الحنبلي أو الشافعي: المعنى في سُجودِ الصلب أنه لا يجوزُ فِعْلُهُ على الراحلةِ في غَيْرِ حالِ العُذْرِ، وسجودُ التلاوةِ يجوزُ فِعْلُه على الراحلةِ مع عَدَمِ العُذْرِ، فهو كسُجودِ النفل.
والجوابُ عنه: أن يتكلم على علَّةُ الأصْلِ وعلة الفَرْع بكُل ما يتكَلمُ به على العِلَلِ. والذي يختص به أنَّ يُبَيَنَ علةَ جوازِ فِعْلِهِ على الراحلةِ. وهو أَنه وُجِد سَبَبُهُ على الراحلةِ، وهي القراءةُ. وسجود الصلب لم يوجد سببُه على الراحلة. ولذلك لم يَجُزْ فِعْلُهُ على الراحلةِ.
والثاني: أن (١) يُفرقَ بنظيرٍ من نظائرِ الحُكْمِ، وهو مِثْلُ أن يقولَ الحنبلي أَو الشافعي في الزكاةِ في مالِ الصبي: إنّه حر مُسْلمٌ، فأَشبَهَ البالغَ.
فيقول الحنفيُّ: البالغُ يتعلَقُ الحج بمالهِ فتعلًقتِ الزكاةُ بمالهِ، وهذا لا يتعلق الحجُّ بمالهِ، فلم تتعلق الزكاةُ بمالهِ (٢).
والجوابُ: أن يتكلمَ على العِلتَيْن بكُلِّ ما يتكلم به على العِلَل، والذي ينبغي أَن يُعْنى به؛ أَن يبين أَن الزكاةَ ليست بنظيرٍ للحج.
وأما الفَرْقُ بقياس الشبه، فهو مِثْلُ أنَّ يقولَ الشافعي في نفقةِ غير الوالدِ والولد: إنها لا تجبُ؛ لأنَ كلُّ قرابةٍ لا تَجِبُ بها النفقةُ مع
стр. 871
اختلافِ الدينِ، فلا تجبُ؛ بها النفقةُ مع اتفاقِ الدينِ كقَرابةِ ابنِ العمِّ (١).
فيقول المخالفُ (٢): المعنى في الأصلِ أنَّ تلك القَرابةِ لا يتعلق بها تحريمُ المناكحةِ، وهذه القرابةُ يتعلَقُ بها تحريمُ المُناكحةِ، فهي كقَرابةِ الولدِ.
والجوابُ: أنَّ يتكلمَ على العلتين بكُل ما يتكلم به على العِلَلِ، والذي يَخْتَص بهذا انْ يُقابلَ الفَرْقَ بَجْمعٍ مِثلهِ، فيقول: إن افترقا في المُناكحةِ فهاهُنا ايْضاً قرابةُ الأب والأخ اجتمعا في تحريمِ أحدِهما على الآخرِ، ورد الشهادةِ، وأحكامَ كثيرةٍ، فيجب أن يجْتَمعا في إسقاط النفقةِ، والله أعلمُ.
فصل
والفَرْقُ سؤالٌ (٣) صحيحٌ، خلافاً لبعضِ الخُراسانِيةِ؛ وذلك أَنَّ الفِقهَ هو الجَمْعُ بملاحظةِ المعنى، والفَرْقُ قطع لِما بينَ الأصلِ والفَرْع بأخص منه. وقد يكونُ الجامعُ جَمعَ بالأعم، فيُفَرقُ المُفَرقُ بالمعنىَ الأخَص، وقد يُخطىءُ الجامعُ، فيصيبَ المُفَرقُ، وقد يُصيبُ الجامعُ فيُخطىء المُفَرِّقُ، فلا يُخْرِجُ ذلك الفَرْقَ عن كَوْنهِ سؤالًا، كما لو لم
стр. 872
يَخْرجِ الجَمْعُ عن كونهِ دليلًا وقياساً صحيحاً، وما قرع الناسُ في دَفْعِ الشُّبْهَةِ عن الحُجةِ إِلاّ بإظهارِ الفَرْق، كقولِ النبيِّ في الأَسودِ العَنْسيِّ لما قيل له: إِنه يتكلم بالشيءِ قَبْلَ كونه، فقال:" إنه إِذا شُككَ، شَك (١) "، وقوله: "الهِرُّ سَبُعٌ ليست بنجِس (٢) " لما تعلقوا بكونِها في بَيْتِ مَنْ أجابَهُ.
فصول
الكلام على استصحابِ الحال
وهو البقاءُ على حُكْمِ الأصل. وهو أصْلٌ من أصولِ الدينِ، ودليل من أدلةِ الشَّرْعِ (٣)، يبْنى عليه عدة مسائلَ.
قال بعضُ أهلِ الأصولِ: والأصلُ فيه قولُه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] وفي هذه الآية تقديم وتأخيرٌ، وتقديرُها: يا أَيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله عنها، إن تسألوا عنها تُبْدَ لكم، وإن تُبْدَ لَكُمْ تسؤكُم. أي: إِن تسألوا عنها، تَظْهَرْ لكم بنزولِ القرآنِ، وان تظهر لكم تَسُؤْكُم، ومعنى عفا الله عنها: لم تُذْكَرْ. والعَفْوُ: الترْكُ. عن عطاءٍ
стр. 873
عن ابن عباس: فما لم يذكر في القرآن، فهو عفا الله عنه. وكان ابنُ عباس يُسْأل عن الشيءِ الذي لم يُحَرَّم فيقول: هو عَفْوٌ. وعن عُبَيْد ابن عُمَيْرٍ يقول: ما أحل الله فهو حلالى، وما حرم فهو حَرام، وما سكَتَ عنه فهو عَفوٌ. وهذا عَيْنُ استصحابِ الحالِ.
ومن السنة: ما روي في سُنَن أبي عبد الرحمن عن أبي سعيد عن النبى ﷺ : [قال] "إذا شك أحدُكُم في صلاته، فَلْيُلْغ الشَك، ولْيَبْنِ على اليَقين (١) " وهذا عينُ استصحابِ الحالِ الذي يُعَوِّلُ عليه المستدلون به في المسائلَ.
وعن عبد الله بن زيدٍ قال: شُكي إِلى النبى ﷺ الرجلُ يُخَيلُ إِليه في صلاته أنه يخرجُ منه شيء، قال: "لا ينصرف حتى يسمعَ صوتاً أو يَجد ريحاً" أخرجه البخاريُّ ومسلم (٢).
وجعل النبي ﷺ اليمينَ على مَنْ أنْكرَ لأن معه الأصْلَ (٣)، وهو براءةُ ذمَّتِهِ، وقَبِلَ قَوْلَه مع اليمين، لاحتمالِ ما يدعيه المدعي.
ومن المبنيِّ على حُكْمِ الأصلِ: أنَ إنساناً لو وجَدَ ماءً قليلاً في مفازَةٍ وجَوزَ نَجاسَتَهُ بولوغِ كلْبٍ أو سَبُعٍ أو خِنزيرٍ، فإنه يجبُ عليه التطهرُ به، ويجوزُ له شُرْبُهُ مُمْسكاً بحكْم الأصلِ وهو طُهوريتُه وما خُلِقَ عليه، فلا يَعْدِلُ عنه إلَا بدليل يُوجبُ نَجاسَتَه وانتقالَه عن الحاق الأولى.
стр. 874
وكذلك حُكْمُ الثوب والمكانِ والطعامِ مع تجويزِ نجاسةِ ذلك كلَه بالعوارضِ النَّجِسَةِ من أَبوالِ الحيوانِ النجِسَةِ وورود النجاساتِ.
وعلى عكْسِ ذلك: لو عَلِمَ نجاسةَ محَل من ثَوْبٍ أَو ماءٍ أَو بَدَنٍ، ثم جَوز طهارَتَه بعارض طهرهُ من مجيء مطَر أَوْ إِراقةِ ماءٍ، لم تَجُزْ الصلاةُ عليه، تعويلاً على النجاسةِ المعلومةِ، وإِلْغاء لِما جَوَزْناه من المُزيلِ لها، فإِنَّ ذلك شَكٌ، فلا يرتفعُ ما تَيَقَّنَّاهُ بالشكِّ.
وإِذا غابَ عبْدُ إِنسان وخَفِيَ عليه حالهُ، ثم أَهل هلالُ شوَّال، وجَبَ عليه زكاةُ فِطْرِه، لأَنَّ الأَصْلَ بقاءُ حياتِهِ. وكذلك إِذا طالت غَيْبَةُ الحُرِّ وخَفِيَتْ حالُه لا يجوزُ لزَوْجَتِهِ أَن تَتَزَوَّجَ، ولا يجوزُ قسمةُ مالهِ، لأنَ الأَصْلَ بقاءُ حياتِهِ.
وإذا أَوْقَفَ لأَجْلِ الحَمْلِ وصيَّةً أو ميراثاً، فخرج على حالٍ لا نعلم: أَحيٌّ هو أَو مَيِّتٌ؟ فلا إِرْثَ له ولا وصيّهَ، لأنَّ الَأصل عدمُ الحياةِ قَبْلَ العلمِ بولوجِ الروحِ فيه، فالقولُ قَوْلُ مَنْ يدَّعي عَدَمَ الحياةِ.
ولو تسحر وجل وشَك: هل كان طَلَعَ الفَجْرُ وقْتَ سُحورهِ أو لم
стр. 875
يطلُعْ؟ بنى على بقاءِ الليلِ وعَدَمِ طلوع الفَجْرِ؛ لانه الاصْلُ.
ولو أكل، وهو شاك في غُروب الشمسِ، أفْطَرَ، وكان عليه القَضاءُ تمسكاً ببقاءِ النهارِ الذي هو الأصلُ.
ولهذا تعلَّق مَنْ تعلقَ بإفطارِ يومِ الشكّ، وهو أن الأصْل بقاءُ شعبانَ ما لم يتحققْ دخولُ شهر رمضان بدليل، هو طلوعُ الهلال. ولو شك في يوم الثلاثين من رمضانَ فعليه الصومُ بقاءً على حُكْمِ الأصلِ وهو شهُر رمضان، لأن الأصلَ بقاؤه.
وكذلك ما قاله أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ إذا تيقن الطهارةَ وشك في الحَدَثِ، يُصَلي؛ لأنَّ الأصْل بقاءُ الطهارةِ، ولو تَيَقنَ الحدثَ وشَك في الطهارةِ، بنى على الحَدَثِ؛ لأنه الأصلُ.
وإِذا ادَّعى رجلٌ على رجلٍ دَيْناً، فالأصلُ براءةُ ذمتهِ، ويكونُ القولُ قَوْلَه. وإذا ادعى من ادعيَ عليه أنه قضى ما كانَ عليه وأبْرَأه منه المُسْتَمحِق، كان البناءُ على الاصل، وهو بقاءُ الديْنِ، ولا يَسْقُطُ بدَعوى القضَاء والإبْراءِ من غير بَيِّنَةٍ.
وإذا شك لى: هل صلى أم لا؟ فعليه أنَّ يُصَليَ، لأن الأصْلَ اشتغالُ ذمتِهِ بالصلاةِ، فان فاتَتْه صلاة من خمْس لا يعرِفُ عَيْنَها، لَزِمَهُ قَضاءُ خمسِ صلوات، لأنه كلما صلى واحدةً بقيَ شاكاً في براءةِ ذمته بأداءِ تلك الواحدةِ، لتجويزِ أن تكونَ الفائتةُ غَيرَها.
стр. 876
فَصْل منه أيْضاً
إِنا نَجِدُ مسائلَ معارِضَة للأصولِ فيختلفُ قول العلماءِ فيها: منها:
إذا قطع الرجلُ عُضْواً باطشاً من رَجُلٍ، واختلفا في سلامتهِ وشَلَلِهِ، فالأصلُ سلامةُ العُضْوِ، والأصلُ براءةُ ذِمة الجاني ممَّا زاد على صورة العُضْوِ من البَطْشِ الزائدِ على غرامةِ عَيْنهِ دون بَطشِهِ.
فمن الناس من يجعلُ القول قَوْلَ الجاني، لأَنَّ الأصْلَ براءةُ ذمَّتِه، ومنهم من يجعلُ القولَ قَوْلَ المجنيِّ عليه، لاَنَّ الأضلَ بقاءُ العُضْوِ على سلامته الأَصليةِ وعدَمُ شلَلِهِ وتعطُّلِهِ.
ومن ذلك: إذا ضَرَبَ ملفوفاً في كساءٍ فَقُد بِنِصْفٍ، ثم اختلف الضاربُ له وأولياءُ المضْروبِ في حياتهِ، فقال الجاني: كان ميتاً، وقال الأولياءُ: كان حيّاً، فإِنَ الأصْلَ بقاءُ الحياةِ، والأصل براءةُ الذمة.
ومن ذلك: آنيةُ المجوسِ والنصارى، الأصل فيها الطهارةُ، والغالبُ أنهم يستعملون فيها الخَمْرَ والمَيتَةَ والخِنْزيرَ.
فصل
واعلَمْ أَن الأَصْلَ يُتْرَكُ لدليلٍ شَرْعيٍّ بنُطْقٍ أو استنباط.
فالأَصلُ أَن لا وضوءَ من ملامَسَةِ امرأةٍ ولا مسِّ ذكَرٍ، فأَوْجَبْناه بدليلِ الكتابِ والسُّنَةِ. والأَصْلُ أَن لا وُضوءَ على مَنْ مَسَّ الدبُرَ ولا على المرأةِ إِذا مَست زَوْجَها، فأَوجبناه بالقياس.
وإذا قال الرجلُ لزَوْجَتهِ: إنْ حِضْتِ، فأنْتِ طالق. فقالت: قد حِضْتُ، وكذبَها، فهي تدعي الحَيْضَ ووقوعَ الطلاقِ، والأصلُ
стр. 877
عدمُهُما، إِلا أنه جُعِلَ القَوْلُ قولَها لِتَعدُّرِ إِقامةِ البينةِ وأَنَّ الحَيْضَ هي
أَعلمُ به منه.
وسواءٌ كان الأَصْلُ الثابتُ يثبتُ عَقْلاً كبقاءِ الحياةِ وبراءةِ الذمةِ، أَو يثبتُ شَرْعاً، كبقاءِ طهارةِ الماءِ وطهارةِ المُتَطَهرِ، فهذا من المُتَفقِ عليه، فأَما المختلفُ فيه، فهو استصحابُ حُكمِ الِإجماعِ.
فصل في استصحاب حكمِ الِإجماعِ
فكَقْولِ اَصحابِ الشافعيِّ في المتيمَّم إِذا رأى الماءَ في الصلاةِ: الأَصلُ انعقادُ صلاتهِ وصحتُها بالإِجماعِ. فمَنْ قال: بَطَلَت برؤيةِ الماءِ. يحتاج إِلى دليلٍ.
وكما يقولُ أَهلُ الظاهرِ في الرجلِ إِذا قال لامرأته: أَنْتِ عليَّ حرامٌ. ولا نيَّةَ له: لا حُكْمَ لهذا القَولِ، لأَن الأَصلَ استدامةُ النكاحِ وبقاؤه وصحته وجوازُ الاَستباحةِ فيه إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِن الزوْجةَ تحرمُ بهذا القَولِ، فعليه الدليلُ.
وكما يقول أَصحابُ الشافعيِّ في العَيْنِ المَغصوبةِ إِذا ارتَهَنَها الغاصبُ: لا يَبْرأُ من الضمانِ، لأَنَ الأَصلَ بقاءُ الضمانِ، وأَنَّ هذه العَيْنَ دَخَلَت، في ضَمانِ الغاصبِ بالغَصْبِ إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِنَّه قد بَرِىء بحدوث الرهن عليه الدليلُ.
فهل يصحُّ التعلُقُ بمثْلِ هذا أم لا؟
стр. 878
الصحيحُ عندي أنه لا يصح التعلقُ به، وهو على خلافٍ بين الجَدليين، ولأصحابِ الشافعيِّ كَرَّم الله وجْهَهُ فيهِ قولان:
أحدهما: يصح، وهو قولُ أهْل الظاهرِ.
والثاني: لا يصحُّ. وهوالأصحُّ عند الأئمَّةِ منهم الذين رأيْناهُم واستَفَدْنا مِنْهُم.
وجْهُ المذهبِ الأول: أنَ الإجماعَ انعقد في مسألةٍ على صِفةٍ، والخلافُ وَقَعَ في مسألةٍ على غيرِ تلك الصفةِ.
وذلك أنَ الإجماعَ انعقد على صحةِ الصلاةِ قَبْلَ رؤيةِ الماءِ، والخلافُ حصل في مسألة أخرى وهي صحَةُ الصلاةِ وفسادُها بعد رؤيةِ الماءِ، وانعقادُ الإجماعِ على مسألةٍ لا يكونُ إجماعاً على مسألةٍ أخرى.
فإِن قيل: يَلْزَمُ عليه استصحابُ حالِ العَقْلِ، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الطهارةِ قَبْلَ حدوثِ الشك، فأمَّا مع حدوثِ الشك، فلا.
قيل: لا فَرْقَ بَيْنَهما، لأنَّا لانَتْرُكُ اليقينَ فيهما من غَيْر دليلٍ ناقلٍ، وحدوثُ الشكِّ ليس بدليلٍ، وكذلك رؤيةُ الماءِ المجرَّدةُ.
وقَوْلُهُ: أنْتِ حرام. بمُجَرَّدِهِ ليس بدليلٍ، فأن دلَّ دليل آخَرُ أنَّ رُؤيةَ الماءِ تُفْسدُ الصلاةَ، و "حرام" يقطعُ النكاح، انتقلنا عن الأصْلِ، وإن لم يدل دليل وشَكَكْنا، تَرَكْناهُما على حالةِ الأصْلِ، فأمَّا أن يُجْعَلَ الإِجماع على ما قَبْلَ رؤيةِ الماءِ إجْماعاً على حالةِ رؤيةِ الماءِ بَعْدَها، فلا يتمُّ ذلك. ولو دلَّنا دليل على أنكم إذا شكَكْتُم في الحَدَثِ وجَبَ عليكم الوُضوء، لَتَرَكْنا الأصْلَ للدليلِ.
стр. 879
فَصْلٌ
ومن ذلك: القَوْلُ بأقل ما قِيلَ.
وهو كما نقول: إذا أتْلَفَ رجل ثَوْباً على آخَرَ، فَشهِدَ عليه شاهِدان أنَه يساوي عَشَرَةَ دراهمَ، وشهد آخَرانِ أنَه كان يساوي خَمْسةَ عَشرَ دِرْهماً، فإِنَه، يجِبُ على المُتْلِفِ عند أصحاب الشافعيُّ أقَل الثمَنيْنِ.
وكما نقول: في دِيَةِ اليهوديِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلمِ في روايةٍ (١)، وكذلك أصحابُ الشافعيُّ، فنقول: الأصل براءةُ الذمةِ، والأقَلُّ قد ثبت بالإِجْماعِ، وما زادَ فلا دليلَ عليه، فلا يلزمه إِلّا بأمْرٍ ثابتٍ ودليلٍ صحيح.
فصل من ذلك أيضاً
وهوحكمُ الأشياءِ قَبلَ وُرودِ الشَرْع. وهذا مفروض متوهم، لأنَه لم يَنفك العالمُ مِنْ شَرْع. وهذا بأصولِ الدياناتِ أخصُّ منه بالفِقْهِ وأصولهِ. ولكن ذكرْناه لأن الفقهاء بَنَوْا عليه مسائلَ.
فَعنْ صاحبنا ﵁ فيه: إنها على الحَظْرِ، وبه قالت المعتزلةُ البغداديون.
وعَنْهُ رِواية أخرى تقتضي الإِباحةَ، وهو اختيارُ ابي الحسنِ التميمي (٢).
стр. 880
ولأَصحابِنا وأَصحابِ الشافعيِّ فيها ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
أَحدُها: أَنّها على الِإباحة وهو قَولُ أَبي العباسِ (١) وأَبي إِسحاق المَرْوَزيِّ (٢)، ما لم يعلم الإِنسانُ فيه ضررا لِنَفْسِهِ أَو لغيرِهِ.
والوجْهُ الثاني: وهو قَولُ أَبي علي بن أَبي هُرَيرةَ (٣): أَنها على الحَظْرِ (٤)، فلا يجوزُ لأَحدٍ أَن يَنْتَفعَ بشيءٍ إِلا ما يدفَعُ به ضَرَراً.
والوجهُ الثالثُ: وهو قَوْلُ أَبي عليٍّ الطبريِّ أنها على الوقف لا يُحكَمُ فيها بحَظرٍ ولا إِباحةٍ، وهو قول أَبي الحسَنِ الأَشعريّ (٥) وقال بعضُ أَهلِ العلم: فأيُّ شيءٍ حُكِمَ به من حَظرٍ أَو إِباحةٍ أَو وقفٍ، كلُّه حُكْمٌ قَبْلَ ورودِ الشَّرْعِ، وتَوْجيهُ ذلك يردُ في مسائل الخلافِ إِنْ شاءَ الله (٦).