فَصْل منه أيْضاً
إِنا نَجِدُ مسائلَ معارِضَة للأصولِ فيختلفُ قول العلماءِ فيها: منها:
إذا قطع الرجلُ عُضْواً باطشاً من رَجُلٍ، واختلفا في سلامتهِ وشَلَلِهِ، فالأصلُ سلامةُ العُضْوِ، والأصلُ براءةُ ذِمة الجاني ممَّا زاد على صورة العُضْوِ من البَطْشِ الزائدِ على غرامةِ عَيْنهِ دون بَطشِهِ.
فمن الناس من يجعلُ القول قَوْلَ الجاني، لأَنَّ الأصْلَ براءةُ ذمَّتِه، ومنهم من يجعلُ القولَ قَوْلَ المجنيِّ عليه، لاَنَّ الأضلَ بقاءُ العُضْوِ على سلامته الأَصليةِ وعدَمُ شلَلِهِ وتعطُّلِهِ.
ومن ذلك: إذا ضَرَبَ ملفوفاً في كساءٍ فَقُد بِنِصْفٍ، ثم اختلف الضاربُ له وأولياءُ المضْروبِ في حياتهِ، فقال الجاني: كان ميتاً، وقال الأولياءُ: كان حيّاً، فإِنَ الأصْلَ بقاءُ الحياةِ، والأصل براءةُ الذمة.
ومن ذلك: آنيةُ المجوسِ والنصارى، الأصل فيها الطهارةُ، والغالبُ أنهم يستعملون فيها الخَمْرَ والمَيتَةَ والخِنْزيرَ.
فصل
واعلَمْ أَن الأَصْلَ يُتْرَكُ لدليلٍ شَرْعيٍّ بنُطْقٍ أو استنباط.
فالأَصلُ أَن لا وضوءَ من ملامَسَةِ امرأةٍ ولا مسِّ ذكَرٍ، فأَوْجَبْناه بدليلِ الكتابِ والسُّنَةِ. والأَصْلُ أَن لا وُضوءَ على مَنْ مَسَّ الدبُرَ ولا على المرأةِ إِذا مَست زَوْجَها، فأَوجبناه بالقياس.
وإذا قال الرجلُ لزَوْجَتهِ: إنْ حِضْتِ، فأنْتِ طالق. فقالت: قد حِضْتُ، وكذبَها، فهي تدعي الحَيْضَ ووقوعَ الطلاقِ، والأصلُ
стр. 877
عدمُهُما، إِلا أنه جُعِلَ القَوْلُ قولَها لِتَعدُّرِ إِقامةِ البينةِ وأَنَّ الحَيْضَ هي
أَعلمُ به منه.
وسواءٌ كان الأَصْلُ الثابتُ يثبتُ عَقْلاً كبقاءِ الحياةِ وبراءةِ الذمةِ، أَو يثبتُ شَرْعاً، كبقاءِ طهارةِ الماءِ وطهارةِ المُتَطَهرِ، فهذا من المُتَفقِ عليه، فأَما المختلفُ فيه، فهو استصحابُ حُكمِ الِإجماعِ.
فصل في استصحاب حكمِ الِإجماعِ
فكَقْولِ اَصحابِ الشافعيِّ في المتيمَّم إِذا رأى الماءَ في الصلاةِ: الأَصلُ انعقادُ صلاتهِ وصحتُها بالإِجماعِ. فمَنْ قال: بَطَلَت برؤيةِ الماءِ. يحتاج إِلى دليلٍ.
وكما يقولُ أَهلُ الظاهرِ في الرجلِ إِذا قال لامرأته: أَنْتِ عليَّ حرامٌ. ولا نيَّةَ له: لا حُكْمَ لهذا القَولِ، لأَن الأَصلَ استدامةُ النكاحِ وبقاؤه وصحته وجوازُ الاَستباحةِ فيه إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِن الزوْجةَ تحرمُ بهذا القَولِ، فعليه الدليلُ.
وكما يقول أَصحابُ الشافعيِّ في العَيْنِ المَغصوبةِ إِذا ارتَهَنَها الغاصبُ: لا يَبْرأُ من الضمانِ، لأَنَ الأَصلَ بقاءُ الضمانِ، وأَنَّ هذه العَيْنَ دَخَلَت، في ضَمانِ الغاصبِ بالغَصْبِ إِجْماعاً. فَمَنْ قال: إِنَّه قد بَرِىء بحدوث الرهن عليه الدليلُ.
فهل يصحُّ التعلُقُ بمثْلِ هذا أم لا؟
стр. 878
الصحيحُ عندي أنه لا يصح التعلقُ به، وهو على خلافٍ بين الجَدليين، ولأصحابِ الشافعيِّ كَرَّم الله وجْهَهُ فيهِ قولان:
أحدهما: يصح، وهو قولُ أهْل الظاهرِ.
والثاني: لا يصحُّ. وهوالأصحُّ عند الأئمَّةِ منهم الذين رأيْناهُم واستَفَدْنا مِنْهُم.
وجْهُ المذهبِ الأول: أنَ الإجماعَ انعقد في مسألةٍ على صِفةٍ، والخلافُ وَقَعَ في مسألةٍ على غيرِ تلك الصفةِ.
وذلك أنَ الإجماعَ انعقد على صحةِ الصلاةِ قَبْلَ رؤيةِ الماءِ، والخلافُ حصل في مسألة أخرى وهي صحَةُ الصلاةِ وفسادُها بعد رؤيةِ الماءِ، وانعقادُ الإجماعِ على مسألةٍ لا يكونُ إجماعاً على مسألةٍ أخرى.
فإِن قيل: يَلْزَمُ عليه استصحابُ حالِ العَقْلِ، لأنَّ الأصْلَ بقاءُ الطهارةِ قَبْلَ حدوثِ الشك، فأمَّا مع حدوثِ الشك، فلا.
قيل: لا فَرْقَ بَيْنَهما، لأنَّا لانَتْرُكُ اليقينَ فيهما من غَيْر دليلٍ ناقلٍ، وحدوثُ الشكِّ ليس بدليلٍ، وكذلك رؤيةُ الماءِ المجرَّدةُ.
وقَوْلُهُ: أنْتِ حرام. بمُجَرَّدِهِ ليس بدليلٍ، فأن دلَّ دليل آخَرُ أنَّ رُؤيةَ الماءِ تُفْسدُ الصلاةَ، و "حرام" يقطعُ النكاح، انتقلنا عن الأصْلِ، وإن لم يدل دليل وشَكَكْنا، تَرَكْناهُما على حالةِ الأصْلِ، فأمَّا أن يُجْعَلَ الإِجماع على ما قَبْلَ رؤيةِ الماءِ إجْماعاً على حالةِ رؤيةِ الماءِ بَعْدَها، فلا يتمُّ ذلك. ولو دلَّنا دليل على أنكم إذا شكَكْتُم في الحَدَثِ وجَبَ عليكم الوُضوء، لَتَرَكْنا الأصْلَ للدليلِ.
стр. 879
فَصْلٌ
ومن ذلك: القَوْلُ بأقل ما قِيلَ.
وهو كما نقول: إذا أتْلَفَ رجل ثَوْباً على آخَرَ، فَشهِدَ عليه شاهِدان أنَه يساوي عَشَرَةَ دراهمَ، وشهد آخَرانِ أنَه كان يساوي خَمْسةَ عَشرَ دِرْهماً، فإِنَه، يجِبُ على المُتْلِفِ عند أصحاب الشافعيُّ أقَل الثمَنيْنِ.
وكما نقول: في دِيَةِ اليهوديِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلمِ في روايةٍ (١)، وكذلك أصحابُ الشافعيُّ، فنقول: الأصل براءةُ الذمةِ، والأقَلُّ قد ثبت بالإِجْماعِ، وما زادَ فلا دليلَ عليه، فلا يلزمه إِلّا بأمْرٍ ثابتٍ ودليلٍ صحيح.
فصل من ذلك أيضاً
وهوحكمُ الأشياءِ قَبلَ وُرودِ الشَرْع. وهذا مفروض متوهم، لأنَه لم يَنفك العالمُ مِنْ شَرْع. وهذا بأصولِ الدياناتِ أخصُّ منه بالفِقْهِ وأصولهِ. ولكن ذكرْناه لأن الفقهاء بَنَوْا عليه مسائلَ.
فَعنْ صاحبنا ﵁ فيه: إنها على الحَظْرِ، وبه قالت المعتزلةُ البغداديون.
وعَنْهُ رِواية أخرى تقتضي الإِباحةَ، وهو اختيارُ ابي الحسنِ التميمي (٢).
стр. 880
ولأَصحابِنا وأَصحابِ الشافعيِّ فيها ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
أَحدُها: أَنّها على الِإباحة وهو قَولُ أَبي العباسِ (١) وأَبي إِسحاق المَرْوَزيِّ (٢)، ما لم يعلم الإِنسانُ فيه ضررا لِنَفْسِهِ أَو لغيرِهِ.
والوجْهُ الثاني: وهو قَولُ أَبي علي بن أَبي هُرَيرةَ (٣): أَنها على الحَظْرِ (٤)، فلا يجوزُ لأَحدٍ أَن يَنْتَفعَ بشيءٍ إِلا ما يدفَعُ به ضَرَراً.
والوجهُ الثالثُ: وهو قَوْلُ أَبي عليٍّ الطبريِّ أنها على الوقف لا يُحكَمُ فيها بحَظرٍ ولا إِباحةٍ، وهو قول أَبي الحسَنِ الأَشعريّ (٥) وقال بعضُ أَهلِ العلم: فأيُّ شيءٍ حُكِمَ به من حَظرٍ أَو إِباحةٍ أَو وقفٍ، كلُّه حُكْمٌ قَبْلَ ورودِ الشَّرْعِ، وتَوْجيهُ ذلك يردُ في مسائل الخلافِ إِنْ شاءَ الله (٦).
стр. 881
فَصْلٌ
ومن هذا القبيلِ أيضاً: القوْلُ بأنَّ شرعَ من قَبْلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يَثبت نَسْخُهُ، وذلك استصحابٌ لحكْمِ الشرائعِ الأولِ، ومجيءُ النسْخِ، كقيام دلالةِ الصرْفِ عن التمسُّكِ بالأصلِ.
وهو على ثلاثة أضرُب:
ما نُهينا عنه: فيُحْكمُ بنسْخِهِ كالتمسكِ بالسَّبْتِ (١)، وأكلِ الخِنْزيرِ، والتقرب بالخَمرِ.
والثاني: ما أمِرْنا بفعلهِ: فهو شَرْع لنا بالخطاب الذي جاءَنا به قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إِلى قولِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
والثالثُ: ما لم نؤمَرْ به، ولم نُنْهَ عنهُ، ففيه مَذْهبان، ولأصحابِ الشافعيُّ وجْهانِ:
أحدُهما: انَه شرْع لنا ما لم نُنْهَ عنة، لأن الشَريعةَ الأولى شريعة لله سبحانه ثابتة، لا يجوزُ تَرْكها إِلا بصريح نَسخٍ، وبعْثَة رسولنا ﷺ ليس بصريحِ نَسْخ؛ لإِمكانِ الجَمْعِ بين شريعتِهِ وشريعةِ من قبله، فكيفَ وقد وَرَدَ أمْرُ الله سبحانه لنبيِّنا ﷺ باقتدائِه بهم، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال
стр. 882
سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ (١) [النحل: ١٢٣]
فصل
وقد اختلفَ الناسُ: هل كان مُتَعَبداً بشيءٍ قَبْلَ بَعْثتِهِ؟
فقال قَوْم: كان مُتَعبداً بمِلةِ إبراهيمَ وما وصلَهُ منها وعرَفَهُ، حيثُ كان يتحنثُ في غارِ حِراءٍ، يعني: يَتعبدُ.
ومنهم مَنْ قال: لم يَكْنُ مُتَعبداً بشرعِ غَيْرِه مِنَ الأنبياءِ.
وقال قوم: كان يَعرِفُ بدليلِ العَقْلِ إثباتَ الصانعِ والوَحْدانيةَ، ويَسْتَقِبحُ عِبادةَ الوَثَنِ، كما عَرَفَ ذلك إبراهيمُ قبلَ النبوةِ بما ذكرهُ الله عنه في كتابه في استقراءِ الكواكِب، ولمَّا رَأى زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيلٍ يَمتِنعُ مِمّا يُذبَحُ للوثنِ، امْتَنعَ هو (٢).
وسنُوضحُ هذا إنْ شاءَ الله في مسائل الخلافِ على الاستيفاءِ.
стр. 883
فصلٌ
مُحققٌ في استِصْحابِ الحالِ أيضاً
اعلم- وفًقَكَ الله- أنَّ استصحابَ الحالِ هو البقاءُ على حكمٍ اسْتَندَ إِلى دليلِ عَقْلٍ أو حُجَّةِ سَمْع، ومتى لم يَكُنِ الحالُ المعتمدُ رجوعاً إِلى حُجَّةٍ، لم يَصِحَّ التعلقُ بها.
وهذا دليل يَفْزعُ إِليهِ المجتهد عند عدم الأَدِلَّةِ.
وقد ذهبَ قومٌ من الفقهاء الأعاجم إِلى أنه ليس بدليلٍ (١)، وإِنما هو حقيقةُ الجَهْلِ، ورَدّ للسؤالِ على السائلِ، وطلبُ الدليلِ منه، لأنه يقول: الأصلُ كذا، فَمنِ ادَّعى نَقْلَنا عنهُ، فعليهِ الدليلُ، فكان محصولُ الكلامِ: لا أعلمُ ما يَنْقُلُني، فَهَلُمً دليلًا (٢) اتبِعُهُ.
وليس هذا بكلام من فَهِمَ التمسُّكَ بأحكام الأدِلَّةِ والبقاءَ عليها، وإِنما الجهلُ ما صورةُ العبارةِ عنه: لا ادري.
فأمَّا مَن قِيلَ لهُ: ما مذهبُكَ في أمَ الولدِ؛ هل تُباعُ؟ فقال: تُباعُ. فقيلَ له: ولم قُلْت،: إِنها تُباعُ؟ فقال: لأنَّ الأصلَ فيها الرِّق وجوازُ البَيْعِ، فإِنا نَتمسكُ بهذا الأصل إِلى أنَّ يقومَ دليلٌ بالمَنْعِ، فإِنَه (٣) قد
стр. 884
تعلَّقَ بدليل وتمسَّكَ به، ثم قال بعد التمسكِ: فمن ادعى بغير ذلك، فعليهِ الدليلُ.
فما (١) جَهِلَ ولا تعلَّقَ بجهلٍ، وانما تعلَّقَ بحُكْمٍ بدلالةٍ، وقال: لا أنْصرِفُ عنه إلا بدلالةٍ تَصرفُني، فكان كمن قال: أنا مُتمسِّكٌ بهذه الآيةِ، فلا أتركها حتى يَرِدَ ما ينسخُها، لا يقالُ: إِنه جَهِلَ، ولا إِنه ما اسْتَدلَّ، فكان كأهلِ قُباء لَمَّا كانوا مُستقبلينَ قِبلةَ اليهودِ، لو جاءَهم مَن قال لهم: لِمَ استقبلْتم بيتَ المقدسِ في صلاتِكم، ولِمَ لا تَسْتقبِلُونَ (٢) الكعبة؟ فقالوا: لأنَّ محمداً رسولَ الله ﷺ اسْتَقبلَها، وقد ثبت عندنا وجوبُ اتباعِهِ بما قامَ على نبوَّتهِ من الإِعجاز، فلا نَعدِلُ عن هذه القبلةِ إلى غيرِها إِلا بأمرِهِ باستقبال غيرِها، ونهيه لنا عن استقبالها.
فإِنه لا يقالُ: هؤلاءِ جُهالٌ ما استدلُّوا، ولا أنهم (٣) اخبَروا بالجهلِ عن أنفسِهم، بل يقالُ: أدْنى (٤) كلامِهم تَمسُّكٌ بدليلِ الحكمِ الذي اسْتَداموه وتَمَسكُوا به، وإِنما نَطقُوا بالجهل بالدليل الصارفِ لهم عَمَّا تَمسكوا به من الحكمِ الأوَّلِ، فقالوا: ولا نعلمُ ما يصرِفنا عمَّا نحن عليه، فكان كمَنْ قال: هذه الدارُ في يَدي وتصرفي، فلا أسلمها غيرِي إِلا بأنْ تَقُومَ بينةٌ باسْتِحقاقِها، فإنه متمسك بما يُسْتدلُّ بمثلِه في الأملاكِ، وهو اليد والتَّصرف، وقد شَهِدَ لذلك قولنا: هذا الحكمُ شَرْعُ
стр. 885
إِبراهيمَ وموسى وعيسى، فلا يَزالُ شرعاً لكلِّ مَن سَمِعَهُ، ولازِماً لكلِّ من وصلَهُ، إِلا أنْ يَنطِقَ مُحمدٌ ﷺ بصريحِ نسخِهِ، فينصرفَ عن شريعةِ صادقٍ بقول هو نَسْخٌ مِن صادقٍ.
ومن قال ذلك، لم يُقلْ: إنَه ما اسْتدَلَّ وِإنما تَعلقَ بالجهلِ واستَطعمَ الدليلَ، ولا إنه رَدَّ الدليلَ على السائلِ، بل اسْتدل على الحُكْمِ الذي تمسَّك به، وقال لغيرِه: فإنْ كان عندكَ ما يَنقُلُني عَمّا تمسكت به لصِحةِ دليلِهِ، فهاتِهِ لأصيرَ إِليه إن كان صالحاً لصَرْفي ونَقْلِي عما أنا عليه.
وقد أشارَ الشرعُ إلى ذلك، حيثُ قال النبي ﷺ : "إن الشيطانَ ليَأتي أحدَكُم، فينفُخُ بين أليَتَيْهِ، فلا يَنصَرِفَنَ حتى يَسْمَعَ صوتاً، أو يَشَمَ رِيحاً (١) فأمَرَنا بالتمسك بما تَيَقَناهُ من الأصلِ، وأن نُلْغِي حكمَ الشَك إِلى أن تقومَ دَلالةُ الحدثِ، وهي صَوْتهُ وريحُهُ، وهذا بعينهِ هو ما نحن فيه مِنَ التمسك بالحكمِ الذي يَثْبُتُ بدَلالةٍ، إلى أن تَصْرِفَنا عنه دَلالةٌ.
стр. 886
فصل
يُوضحُ أن المُتمسكَ المُستصحبِ للحالِ مُستدِلُ
فنقولُ: إِنَه إِذا سُئِلَ عن وجوب الكَفَّارةِ بقتلِ العَمدِ، فلا (١) شَك أنَّه إِذا قال: إِنَ الذِّمَمَ خُلِقَتْ بَرِيئةً، ودَلالةُ العقل أوْجبتْ سلامةَ كلُّ ذِفَةٍ وبراءَتَها، فأنا مُتمسِّكٌ بذلك إِلى انْ يَصوِفني عنه دليلْ يُوجبُ شَغْلها. فلا شَك أنه قد استدل، حيثُ أسندَ مذهبه إِلى دَلالةِ العقلَ.
فصل
وأمّا الاحتجاجُ على إسقاطِ الفَرائِض والغَراماتِ والكفّارات وما جَرى هذا المَجْرى مِما يَشْغَلُ الذِّمَمَ ببراءَةِ الذِّمَمِ، والأصلُ أنَّه لا فَرْضَ، فاحتجاجٌ صحيح؛ وذلك أنَّ الناسَ في مُجوزاتِ العقولِ في الأصل على ثلاثةِ مَذْاهِبَ:
منهمِ مَن قال بالحَظْرِ، وهو وجهٌ لأَصحابِنا وعليه عَوَّلَ (٢) المُحقِّقون منهم.
ومنهم منَ قال بالِإباحةِ، وهو وجهٌ آخرُ لأَصحابِنا.
ومنهم مَن قال بالوقْفِ. وسنذكرُ الخلافَ فى ذلك فى مسائِلِه مستَوفىً إِن شاء الله (٣).
ومعنى الوقفِ: هو اعتقادُ [ما] (٤) ذُكِر مِن هذه الأَشياءِ غيرَ محظورةٍ ولا مباحةٍ.
стр. 887
واستصحابُ الحالِ على هذه المذاهبِ الثلاثةِ صحيحٌ:
فالقائلُ بالإباحةِ يَسْتَصحِبُ ما دَل العقلُ عليه؛ مِن أن هذه الأمورَ غيرُ مفروضةٍ، وأنه لا سبيلَ إلى إيجابها إلا بالسمْعِ، وإلا فبراءةُ الذمة مُستِقرٌّ من ناحيةِ العقلِ.
والقائلُ بالحظر يقولُ: إِنَّ الأموالَ والدِّماءَ والفُروجَ وغيرَ ذلك من هذه الأفعالِ ممنوع محظورٌ، إلا انْ يَنقُلهُ السمعُ وُيغيرَ حُكمهُ.
ومن قال بالوقفِ قال: الأصلُ أنَّ لا فَرْضَ، وان الذمة بَريئةٌ من كلُّ فرض مما سموه عقلياً وسمعيا. فإذا سُئِلَ هذا القائلُ عن وجوب الكَفَّارةِ، أو غُرْمِ قيمةِ مُتْلَفٍ أو صلاةٍ، أو بعضَ العباداتِ، صَح أنَ يقولَ: قد دَل الله سبحانه في الأصلِ على براءةِ الذمة، فلا نَشْغَلُها بوجوب شيءٍ إلا بسَمْعٍ. وهذا عَيْنُ الاستصحاب؛ لأنه تعلق بحالٍ قد دَلَ دليلُ العقلِ عليها، فهو كالرجُّوعِ إِلى التعلُّقِ بالحالِ الذي دَل السمعُ من النًص والظاهرِ عليها.
فصل
في ذِكرِ الطعْنِ في التَعلُّقِ باستصحابِ الوقفِ
فقال قومٌ: إنما يَسُوغُ هذا الاستصحابُ لقائل يقولُ بالحظْر والإِباحةِ، لأن ذلك قولٌ بمذهبٍ وحكمٍ قد ثبَتَ، والقول بالوقفِ ليس برجوعٍ إلى حُكم ثابتٍ.
وما اصابوا في هذا، والدلالةُ على فسادِه: أنَّ القول بالوقفِ هو نفْسُ القولِ ببراءةِ الذِّمَّةِ وزوالِ الفرضِ من ناحيةِ العقل، فقد شارَكَ
стр. 888
في هذا المعنى الذي إليهِ يرجِعُ أصحابُ الإباحةِ وأصحابُ الحظر؛ لأنهم جميعاً يقولون: إن الذمة بريئة، وأهلُ الوقفِ يقولونَ: إِن الذمة بريئة، غير أنهم لا يقولونَ مع ذلك: إن الأفعالَ التي سماها مخالفوهم مجوزات العقولِ محظورة ولا مباحةُ، وليس معنى وصفِ الشيءِ بأنه محظورُ أو مباح براءةَ الذَمةِ منه؛ لِما بينه القومُ في مقالتِهم بأدِلَتهم في باب الإِباحةِ والحظرِ، وإذا ثبتَ هذا، صحَ التَعلقُ ببراءةِ الذَمةِ لكل فريقٍ من هؤلاءِ الثلاثةِ المُختلفينَ في حكمِ الأصلِ: هل هو الحظرُ، أو الِإباحةُ، أو الوقفُ؛ ولا وجهَ للتَّعاطِي لإِخراجِ بعضِهم.
فصل
وكما أن التمسك بالأصلِ في براءَةِ الذمة واجبٌ، صَح أيضاً بإِجماعِ الفقهاءِ التعلقُ بتأبيدِ الفرض في كلُّ وقتٍ، إذا دَلتِ الدلالةُ على وجوب تكررِهِ، إِما من ناحيةِ لفظَهِ على من أثبتَ للعموم صيغةً، أو بدلالةٍ تقَترِنُ به على مذهب أصحاب الوقفِ والخصُوص، إِلا أنَّ ينقلَ عن ذلك دَلالةُ نسخ فيماَ يتعلَّقُ بالأزمانِ، أو دلالةُ تخصيص فيما يتعلَقُ بالأعيانِ، فيجِبُ المصيرُ اليه، وإِلا فالثبوتُ على الحالةِ التي تُوجِبُ عُمومَها في الأعيانِ والأزمانِ واجب تمسكاً واسْتصحاباً، فما كان من الأحوالِ المُستصحبةِ جارياً هذا المجْرى لَزِمَ التعلُّقُ بها، وما لم يَكنْ من هذا في شيءٍ فليس بصحيحٍ.
فصل
وأما ما يتعلَقُ به القائلونَ بالتَمسكِ بالصلاةِ بالتَيممِ والمُضِى فيها
стр. 889
وإن طلعَ الماءُ عليه اعْتِداداً بالِإجماعِ على الشُّروعِ فيها، وتمسكاَ به، وتركَ الاحتفالِ (١) بما تَجددَ مِنَ القُدُرةِ على الماءِ الطَّالعِ، وإهمالَ الخلافِ الواقعِ، وأَمثالُ هذه المسألةِ من الفِقْهيّاتِ، فهذا ليس بتمسكِ صحيحِ ولا نافعِ لمن تَمسكَ به، لأن المعُوَّلَ عليه في هذا ليس بتمسك بأصلِ باقِ (٢)، بخلافِ التمسكِ ببراءةِ الذمةِ في مسألةِ كفارةِ قتل العمْدِ، والزيادةِ على ثُلْثِ الديةِ في قتلِ الكتابى خطأً، وإِنما كان التمسُكُ بهذا غير جائزٍ ولا صحيحِ؛ لأَن التمسك ها هنا إنما هو بما كان إِجماعاً، فالحالتانِ قد افْترقَتا؛ إِذ كانت الحالةُ الأُولى حالةَ إجماع، والحالةُ الثانيةُ حالةَ خلافِ، ومُحالٌ بقاءُ حُكم الِإجماع مع طَرَآنِ (٣) الخلافِ، وكيف يكونُ ذلك وسُلطانُ الِإجماعِ عدمُ التَّسويغِ؟ وتجددُ الخلافِ موجِب للتَسويغِ، فيُفضي إِلى أَن يكونَ ما اتفُقوا عليه هو نفسَ ما اخْتلفوا فيه، وهذا مُحالٌ، فانقطعَ الِإجماعُ الأَولُ عن الخلافِ الثاني؛ لأَن الأَولَ إِجماعٌ على الدخولِ بالتيممِ مع عَدمِ الماءِ، والخلافُ المُجدد هو المُضِيُّ والاسْتِدامةُ في صلاةٍ بتيممٍ مع وجودِ الماءِ.
стр. 890
يُوضِّح هذا: أنَّ المسألةَ الأولى مسألة إِجماع لا يَسوغ الخلاف فيها، فلو مَنَعَ مانعٌ من الشروع (١) في الصلاة بالتيممِ مع عدمِ الماءِ كان للِإجماعِ (٢) خارقاً، وبخرقِهِ الِإجماعَ فاسقاً.
والمسألةُ الثانيةُ مسألةٌ من أَصابَ فيها الحَقَّ بإيجابِ الانتقال -وهو مذهبُنا- (٣)، فلهُ أَجْرانِ لاجتهادهِ وإِصابةِ الحَقِّ، ومَنْ أوْجبَ المُضِيَّ فيها (٤)، فله أجرٌ لمكانِ اجتهادهِ في طلب الحقِّ، فأين المسألةُ الأُولى من الثانيةِ؟ وكذلك لا نُجِيزُ (٥) لعاميٍّ أَنَ يقِّلدَ مَن يَمنعُ الدخولَ بالتيمُّم في المسألةِ الأُولى، ونُجِيزُ للعاميِّ تقليدَ مَن أَوْجبَ المُضِيَّ فيها بعدَ طلوعِ الماءِ، فهذا مما لا خفاءَ به.
فإذا ثبتَ بهذا انَهما مسألتانِ، فإِذا لم يَكنْ بُدٌّ في تصحيح الأولى من دليلِ عقلٍ أو حجة سَمْعٍ أو إِجماعٍ أو غيره، وجبَ أنه لا بُدَّ
стр. 891
في المسألةِ الثانيةِ من دليلٍ من الأدلةِ التي ذَكْرناها، فعلى مَنْ أوْجبَ الخروجَ من الصلاةِ دليلٌ، وعلى مُوجِب المضِيً فيها دليلٌ، وعلى مَن جَوزَ المُضِيَّ فيها ولم يوجِبْهُ دليل، إنَ ذهبَ إِليه ذاهب، سِيما مع وقوع الخلافِ.
فإِن قيلَ: فسبيلُ ما تَمسَّكْتُم به في براءةِ الذِّممِ سبيلُ ما ذَكَرْتُم؛ لأَن دليلَ العقلِ إنما دَل على براءةِ الذِّمه من الكفّارةِ، وما زادَ على ثُلْثِ الدِّيةِ، ما لم يُوجب القَتْل، حتى لو أَوجبه مُوجِبٌ قبلَ القتلِ لأَثِمِ وحَرجَ (١)، ولمّا تجدَّدَ القتلُ، ساغَ الخِلافُ، وزالَ ما كان من حُكم ذلك الأصلِ.
قيل: الأصلُ هناكَ -وهو براءةُ الذمة- دل عليه دليلُ العقلِ، والخِلافُ المتجدد عليه لا يُزيلُ سُلطانَهُ، وليس في قوى الخلافِ ذلك، فأمّا ما نحن فيه مِن الأصلِ الثابتِ بإجماع المُجتهدينَ، فإنه إِنما تناولَ مسالةً مخصوصة -وهي دخول في الصلاةَ بالتيمُم عند عَدم الماءِ-، فلَما تَجددَ طلوعُ الماءِ صارتْ مسألةً ثانيةً علىَ ما قَدَّمْنا، وساغ فيها الاجتهادُ، فزالَ سلطان الِإجماعِ بما بَينَا من الأحكام في مسألةِ عدم الماءِ، ثُم في الثانيةِ من سوغانِ الاجتهادِ، وجوازِ استِفتاءِ العامِّيِّ لمَنَ شاءَ مِنَ المُختلفين فيه، بعدَ ما كان مُتعيناً عليه اتِّباعُ المحرمِ بالصلاةِ على الصَفَةِ المذكورةِ، والدخولُ فيها من غيرِ تأخير لها عن وقِتها.
فإِن قال المُستصحِبُ للحال: نحن على ما أجمَعُوا عليه مِنَ الدخولِ في الصلاةِ، والتمسك بها إِلى أن ينقُلنا عنها ناسخ.
стр. 892
قيل: ما أجْمَعُوا قَط على وجوبِ المُضِى في صَلاةٍ، ولاعلى صِحتها مع طلوع الماء بل هم في ذلك مختلفُون؛ لأن القائلين بوجوب الخروجِ من الصلاة مع القُدْرةِ على التَوَضَي بالماءِ، انما قالوا في الأَصلِ: إن المُضى في الصلاة واجب أو صحيح بشرِيطةِ عدمِ الماء ولم يقولوا: إِنَ المتيمِّم يَمْضِي في صلاتِه وإن وجدَ الماء، فهو إِذا وجَدَ الماءَ على غيرِ الحالِ التي أجْمعُوا عليها، فقد زالَ الإجماعُ، وعند زوالِه يَجِبُ إِقامةُ الحجَّةِ، وقد أوْضَحْنا مِن قبل أن هذا ليس هو موضعَ الإجماعِ الذي ظنُّوه، فلا معنى للتَّعَلقِ به.
فإِن قالوا: لم يَحصُلْ بعدَ الإِجماع إلا حُدوثُ حادثٍ من رُؤْيةِ الماءِ ووجودِهِ، والحوادثُ لا تَقْلِب الأحكَامَ التي تَثبُتُ بالدليلِ.
قيل لهم: تُقابَلون بأن يقالَ لكم: لم يَحصلِ الإجماع قَط على صحَة المُضِيِّ، ولا ايجابه في الصلاة مع وجودِ الماءِ ولا طلوعِهِ، وإنما أَجْمَعَتِ [الأُمَّةُ] (١) على ذلك عند عدمِهِ، فلا إِجماعَ هاهنا يرجع (٢) إليه.
على أن قولَكمُ: لا يغير الحادثُ أحكاماً، ليس بصحيح، لأنه قد غير أحكاماً من تسويغ الاجتهادِ بعدَ أن لم يَكنِ الاجتهاد سائغاً، وجوزَ للعاميِّ التقليدَ لمَنْ أوْجَبَ الخروجَ من الصلاة بعد أن لم يكُنْ جائزاً، وزالَ سلطان الِإجماعِ بتَجددِ الخلافِ بعد أَن كان ثابتاً.
ثم يقالُ لهم: الحادثُ إذا اخْتلفَ عند وجودِهِ، هل يقْتضِي قَطعَ
стр. 893
العبادةِ، أم لا؟ فعلى من يُوجِبُ القطعَ دليلٌ، وعلى من يُسقِطُهُ دليل؛ لأن الِإيجابَ في هذا والِإسقاطَ من العباداتِ السَمْعيةِ التي لابد فيها من دليل، اللهم إلا أن يكونَ الدليلُ الموُجِبُ لِصحةِ الصلاةِ دليلًا (١) يُوجِبُ المُضِى في الصلاة وإن وُجِد الماءُ بلفظٍ يَقْتضِي ذلك أو إِجماعٍ عليه، فإِذا لم يَكُنْ هاهنا إِجماع على هذا ولا لفظٌ يَقْتضِيهِ، وإنما أجمعتِ الأمةُ على المُضِي في الصلاةِ مع عدم الماءِ لا مع وجودهِ، وقد اخْتلفتْ عند طلوعِ الماءِ عليه، فوجب إِقامةُ الدليلِ لزوالِ الإِجماعِ ووقوعِ الخلافِ، وهذا ظاهرٌ لا إشكالَ فيه.
فإن قالوا: إِن الإجماعَ على دخولِ الصلاةِ بالتَّيمُّمِ، وصِحَّةِ ما أدى منها مع عدمِ الماءِ على معنى أنه قُرْبة يُثابُ صاحبُها، لم يَقَعْ إِلا عن دليل سَمْعيٍّ، فيجبُ أن يكونَ ذلك الدليلُ في معنى اللَّفظِ الذي يُوجِبُ المُضيَّ في الَصلاة إلى آخرها وإن وُجِدَ الماءُ؛ لأن الأمَةَ لا تُجْمعُ إلا عن دليلٍ، ولا تُجمعُ على تَخْمينٍ ولا تَقْليدٍ ولا واقع، ولا يكونُ الدليلُ في مثلِ هذا إلا سَمْعياًّ، فيجِبُ أن نُقيمهُ مَقامَ اللفظِ المُوجِبِ للمُضِيِّ في الصلاةِ.
قيل لهم: لعَمْرِي إن الأمةَ لما أجمعَتْ على ما ذَكَرْتُم إنما أجمعتْ على دليلٍ، ولكن مِن أين لنا أن ذلك الدليلَ هو لفظ يُوجبُ المُضِيِّ في الصلاة وإن طَلَعَ الماءُ؛ ولعل الدليلَ هو لَفْظٌ، مضمونُهُ: صَل ما لم تَجِدِ الماءَ، أو إلى أن تَجِدَ الماءَ، فإِذا وجدْتَهُ، فاخْرُجْ واسْتَأنفِ الفَرْضَ، ولعلَّهُ قياسٌ صحيحٌ اقتضى المُضِى في الصلاة ما
стр. 894
لم يَجِدِ الماء، ولم يُوجبْهُ مع وجودِه، والقياسُ معنىً ليس بلفظ يُوجِبُ ما ظننْتُموهُ، فمِن أينَ لنَا أنَّ المعنى القِياسِيِّ (١) الذي أداهُم إلى وجوبِ الصلاةِ أو صِحتِها مع عدم الماءِ، يُوجبُهُ مع وجودِ الماءِ؟ والقياسُ طريق من طرقِ الأحكام يَجوزُ عندنا أنَّ تُجْمعَ الأمةُ على الحُكْمِ عنه (٢)، وليس يَصِحُّ الجمعُ بين مسألةٍ دَل القياسُ عليها عند المُجمِعينَ على صحته، وبين أخرى مُختلَفٍ فيها، إِلا بوجْه يُوجِبُ رَد المُختلَفِ فيه إِلى المُتَفَقِ عليه، ومتى تَعاطَوْا هذا ورَجعُوا إِليه، تَركوا التَّعلقَ بالإِجماع، وأخذوا في المقاييسِ الدالةِ على صِحَّةِ المُضِيِّ في الصلاة، وَهذا ما أرَدْناهُم عليه.
وقد اعْتَلُّوا لصحةِ مَقالَتِهم التي طَعَنا فيها، ودَللْنا على فسادِها؛ بأن قالوا: إن الشَرْعَ قد قَررَ ذلك؛ حيث قال النبي ﷺ : "إن الشَيطانَ ليَأتِي أحدَكُم، فينفُخُ بين ألْيَتَيْهِ، فلا يَنْصَرِفَن حتى يَسْمعَ صوتاً، أو يَشمَ رِيحاً" (٣) فأثبتهُ ﷺ على حُكمِ اليقينِ، وأسْقَطَ حُكمَ الشَك، فكذلك يَجِبُ أنَّ نكونَ على ما أجمعنا عليه، ونُسقِطَ حُكمَ الاختلاف، لأن المجمعَ عليه مُتيقن، والمُخْتلَفَ فيه متوهَّمٌ، فوجَبَ تَرْكُ الشك لليقينِ.
فيقالُ لهم: الجوابُ عن هذا من وجوهٍ:
احدها: أنَّ تَوهمَكم أنَّ الأمَةَ مُجمعَة على صحة المُضي في
стр. 895
الصلاةِ مع وجودِ الماءِ، وأن ذلك مُتيَقَّنٌ وهذا مُتوهمٌ، غلط ظاهرٌ، قد كَرَّرْنا دَفْعَكم عنه، فلا معنى لرجوعكُمْ إِليه، وتعلُّقكم به في كلِّ فَصلٍ، وإنما المُجمعَ عليه المُضِيُّ في صلاةٍ لم يَطلع فيه الماءُ، ولا إِجماعَ على المُضِيِّ فيها مع وجودِه، فأين الإِجماعُ، وأْين اليقينُ في هذا؟ وهذا غيرُالوضعِ المُجمعِ عليه.
الوجهُ الثاني من الجواب: أنَا إِنما اسقطْنا حُكمَ الشكِّ في الطهارة بسَمْعٍ، وأوجَبْنا المُضِيَّ على حالة اليقينِ بسَمْعٍ، لأن رسول الله ﷺ سَوَّى بين الحالتين، وأوْجبَ المُضِى على اليقين بالسمع وتركَ الاحْتِفالِ (١) والاعتبارِ بالشك بسمعٍ، ولم يُسقِط حكمه لأنه شكٌّ.
والسمعُ من قولهِ: "فلايَنصَرِفَنَّ حتى يسمعَ صوتاً أويَشَم ريحا"فأوْجبَ إسقاطَ حُكمِ الشك بهذا القولِ ولو لم يَقُلْهُ ﵊.
واخْتلَفَ المسلمون عند حدوثِ الشكِّ: فأجاز مجيزون المُضِيَّ في الصلاة، وحَظَرَهُ آخرون، لا حتياجِ (٢) حاْظر ذلك إلى دليلٍ، ومُجوِّزِهِ إلى دليل.
وهذا هو الشاهدُ لنا، أن الأمَّةَ اخْتلفَتْ عند طلوع الماءِ على المُتيمِّم، فمنهم المُجِيزُ والمُوجِبُ للمُضِيِّ في الصلاة، ومنهم المُوجِبُ للخروجِ منها، فاحتاجَ كلُّ واحدٍ مِنَ الفريقين إلى دليلٍ، كما احْتِيجَ في إسقاطِ حُكمِ الشكِّ إلى قوله ﵇: "فلا
стр. 896
يَنْصرِفَنَّ"، الذي لولاه للَزِمَتِ الحجة لمُسقِطِ حكمِ الشك.
ويقالُ لهم أيضاً: نحن مُتيقِّنونَ عند طلوعِ الماءِ بوجُودِ الخلافِ في حُكمِ الصلاةِ، وزوالِ حُكمِ الإجماع، ومُتيَقَنونَ أيضاً أن أحدَ مذاهب المُختلفينَ لا يَصِح بالدعاوى ولا بالخلافِ والشهواتِ، فيَجبُ أن تُتَيَقَّنَ الحاجةُ إلى الدليلِ عند وجودِ الخلافِ، وهذا مثلُ الَذي قُلْتُموهُ، بل هو أوْلى وأصح.
ويقالُ لهم أيضاً: إِن الأمةَ لما اخْتلفتْ في المُضِي في الصلاة عند القُدْرةِ على الماء؛ لوقوع القُدْرةِ على الماء، زالَ ما كُنا عليه من اليقينِ قبلَ القُدْرةِ على الماءِ، لوقوعِ الاختلافِ، وارتفاع الإِجماع، وعدمِ اليقينِ، فجُعِلَ الأمرُ مشكوكاً فيه، فالمُضِيُّ في الصَلاة مشكوك فيه عند رُؤْيةِ الماءِ، كما أن وجوبَ الخروجِ مشكوكٌ فيه عند رؤيةَ الماءِ، فلا معنى لترجيحِ أحدِ القولينِ على الآخرِ بنفسهِ مع هذه التَسْويةِ بينهما في الشَك.
قالوا: ومما يُصحِّحُ قولنا ثُبوتُ (١) القولِ بأقل ما قِيلَ في أرُوشِ الجِنايات وقِيَمِ المُتلَفاتِ، كدِيَةِ اليهوديِّ وما جَرى مَجْراة، وأننا إذا قلنا: إِن قيمةَ المتلفِ ما بين خمسةٍ وعِشْرينَ (٢) مثلًا، أخَذْنا بأقلِّ ما قيل، وألْغَيْنا الخِلافَ، وكذلك إذا قال قائلون: إنَّ دِيَةَ اليهودِي دِيَةُ
стр. 897
مسلم، وقال آخرون: نصفُ دِيَةِ المسلمِ، وجبَ الرجوعُ إلى ما عليه الاتَفاقُ، وهو أقَل ما قيل، وألْغِىَ موضعُ الخلافِ، وكذلك يجبُ الرجوعُ إلى المُضِيِّ في الصلاة؛ لموْضعِ الِإجماعِ، واطراحِ الخلافِ.
قيل لهم: في هذا أمورٌ كثيرةٌ:
أوَّلُها: دخولُكم في هذا على ظَنٍّ منكم أن الأمَةَ قد أجْمعَتْ على المُضِيِّ في الصلاة وإن وُجِدَ الماءُ، كما أجْمَعْنا على اسْتِحقاقِ أقلَ ما قيلَ في دِيَةِ اليهودِيِّ، وهذا تَوَهم قد دُفِعْتُم عنه دَفْعَةً بعد أخرى، وثانيةٍ بعد أُولى، وليس بمثلٍ لِما ذَكَرْتُم.
والثاني: أن التعَّلقَ في هذه المسائلِ بأقلِّ متعلق، بموضعين: أحدُهما صحيح، والأخرُ مُطَّروح، إذا سُلِكَ فيه السننُ الذي ذَكَرْتُم، فالصحيحُ: هو وجوبُ أخذِ أقلِّ ما قيل؛ لانه مُستحَق، والساقطُ: إِيجابُ براءةِ ذِمتِه مما زادَ عليه، فإِنَّا لا نُسقِطُ الزائدَ على قَدْرِ ما أجمعُوا عليه، لوقوعِ الخلافِ فيه، وإِن أوْجَبنا أقَل ما قيل.
وبان باسْتِصحاب (١) هذه الحالِ إذا ذُكرَ على هذا الوجهِ، وجوبُ استصحاب حال أخَرى في مُقابَلتها، وهي أن الجنايةَ لما وقعتْ، أجمعَ المسَلمون على اشتغالِ الذمةِ بجميعِ قِيمتها دون بعضِها، فاذا أجمعوا على أقَل ما قيل أخَذْناهُ، ولم نُسقِطْ ما زادَ عليه مما اخْتُلفَ
стр. 898
[فيه] (١)؛ لأن إجماعَهُمْ على الأقلِّ المُسْتَحَق (٢)، ليس هو إجماعاً منهم على أنه كلُ المُسْتَحق، وقد تَيَقَّنا اشتغال الذمة بكل المُستحَق، ولا تَصِحُ براءتُها إِلا باداءِ الحقَّ، ولا دليلَ يَدُلُّ على أن ذلك المُؤَدى هو كلُّ الحق، وليس قولُ مَن قال: إن المُستحَق هو ثُلْثُ الديةِ، دليلاً (٣) على أنه هو كلُ الحق؛ إذ في الأمةِ مَن يقولُ: إن المُستحَق أكثرُ من ذلك، والذَمَةُ لا تَبْرأ بالخلافِ، وإنما تَبْرأ بالدليلِ القاطعِ، وهذا يُسقِطُ ما قالوه إِسقاطاً ظاهراً.
ولكن يَصِحُ أن يُوجَبَ (٤) أقل ما قيل، ويُرجَعَ (٥) في إسقاطِ ما زادَ عليه إلى شيءٍ من (٦) الاخْتلافِ في اسْتحِقاقِهِ؛ وهو أنْ يقولَ: الأصلُ أنَّ الذِّمَّةَ بريئةٌ، فلا يُوجَبُ اشتغالُها إلا بدليلٍ سَمْعىٍّ، وقد تَصَفَحْنا السمعَ، فَعلمْنا أنه لا دليلَ على اشتغالِ ذِمَّتِه بشيءٍ يَزِيدُ على أقلِّ ما قيل؛ لأنَّهُ لو كان عليه دليلٌ، لوجَبَ أنْ نَعْلَمَهُ عند طَلَبهِ والبحثِ عنه، وأن لا يُخْلِينَا الله مما يَدُلُّنا على ذلك من ظاهرٍ أوَ قياسٍ أو إِجماعٍ أو حُجَّةِ عقلٍ، فإِذا لم يَكُنْ في أَدلةِ العقْلِ والسمعِ ما يُوجِبُ اشتغال ذِمَتِهِ بأكثرَ من القدْرِ المجْمَعِ على استحقاقِهِ، وجَبَ براءةُ
стр. 899
ذِمتِه، وليس المرادُ بقولنا: إنَّ أقل ما قيل مُجمعٌ على استحقاقِه، أنَّهُ مجمعٌ على أنه كُل المُستحَقِّ، وإِنما المرادُ به: أنه مُستحق به، وما زادَ عليه فيُختلَفُ فيه، فعلى الزائدِ الدليلُ وإلا فالأصلُ براءةُ الذمة.
فصل
واعْلَمْ نفَعَك الله أن هذه الطريقةَ التي ذَكَرْناها في وجوب أخْذِهِ أقل ما قيل، وإلغاءِ ما بعدَهُ إذا لم يَدُل على وجوبِه دليلٌ، طريقةٌ مُعتمدةٌ، وفي إِسقاطِ جميعِ ما يُسألُ عنه من إيجاب صَلواتٍ وزكواتٍ وحُدودٍ وكَفاراتٍ وغيرِ ذلك.
وصورةُ الاستدلالِ بذلك، وتحريرة: أنَّ نقولَ: الدليل على سُقوطِ فَرْضِ ما سَألْتَ عنه: أنه قد صح براءةُ الذمة في الأصلِ، وأن الإِيجابَ فرضٌ مُحددٌ مُتلَقى من جِهةِ السمعِ، وقد فَتَشْنا السمعَ، وبَحَثْنا عن طُرُقِ الأدلَّةِ ومواضعِها ومَأخَذِها، فعَلِمْنا أنه لا دليلَ في السمعِ على إيجابِ ما سألْتَ عنه. وهذا إِنما هو استدلال بوجودِ العِلْمِ بفَقْدِ الدليلِ وعَدَمِهِ، الذي لا يَثْبُث الحكمُ الا بوجودِه، وليس برجوعٍ إلى أنَّا لم نَجِدْ على ذلك دليلاً؛ لأن القولَ بأنَا لم نَجِدْ دليلًا ليس بُمتَضمن لِعلِمنا بعدم الدليلِ، وإنما هو إخبار عن عدمِ وجودِنا له، وقد يكون الدليل موجَوداً وإن لم يَجِدْة الناظرُ، وقولُنا: قد عَلِمْنا أنه لا دليلَ على ما سألتَ، قطع على فقدِ الدليلِ. فاذا سُئِلْنا: من أين علِمْتمِ ذلك؟ أخبَرنا بطريقِ العلم به، وهو أن الدليلَ الشرعى لو كان موجوداً، لوجَبَ علمنا به مع شدة طَلَبنا له وبَحْثِنا عنه، وتوَفرِ دواعِينا على إِصابتهِ، وتَديُنِنا بالانقيادِ له، بلَ يَجِبُ أن يَجِدَه مَنْ لم
стр. 900
تَكمُلْ فيه هذه الخِلالُ عند طَلَبه، فكيف مَنِ اجْتَمَعتْ له، وتوفَرتْ هِمَمُه ودواعيه على إصابتِه؟! فهذَا دليل وثيقٌ في إسقاطِ فرضِ جميعِ ما سألَ عن الأدلةِ على زوالِ فَرْضِه، إذا كان الدليلُ عليه مفقوداً، فمن ظَن أن هذه الطريقةَ هي الرجوعُ إلى أنا لا نعلمُ على ذلك دليلاً، أو أنا لم نَجِدْهُ، فقد أبعدَ وأخطَأ.
وقد يُستدل بمثلِ هذه الطريقةِ بعَيْنِها على إسقاطِ القضايا العقليةِ التي لا دليلَ في العقلِ عليها، ولا ضرورةَ تُلْجِىءُ إلى إثباتِها، وذلك كاستدلالِنا على كذب المُتنبىءِ المُدَعِي للرسالةِ، إذا لم يَظهَرْ على يدِه من الآياتِ ما يَدُل عَلى صدقِه، ولم يكُنْ ما يُخبِرنُا عنه من ثبوتِ رسالته مما يُضْطَرُّ إلى العلمِ به.
ووجه الاستدلالِ على كذبِه: أن نقولَ: لو كان صادقاً، وليس إلى العلمِ بصِدْقِه من جهةِ الاضْطِرارِ سبيلٌ، لوجبَ أن يكونَ على ذلك دليلٌ منصوبٌ، ولا دليلَ عليه إلا الآياتُ الباهرةُ، وإذا عَلِمنا أنه لا آيةَ له، عَلِمْناكذبَهُ.
وكذلك فقد يُستدَل على سقوطِ إثباتِ أوصافٍ وحقائقَ للقديم والمُحْدثِ أكثرَ مما عَلِمْناها؛ بأنها إذا كانت مما لا تُعلَمُ اضْطِرارَاً، ولم يَكُنْ عليها دليل موجود، وجَبَ القَطْعُ على أنه لا أصلَ لها.
وكذلك قد يُستدَل على نفيِ قديمٍ عاجزٍ ومَيْتٍ بمثلِ هذا، في نظائرِ هذه الأمورِ، فيجِبُ أن يُتَنكَبَ في ذلك أجمعَ القولُ بأنا لا نَعلَمُ عليه دليلاً، ولم نَجدْ عليه دليلاً، ونقولَ مكانَ ذلك، وبدلاً منه: قد عُلِمَ أنه لادليلَ عليَه. فنأتي بلفظِ الإثباتِ.
стр. 901
فصل
وقد اخْتلَفَ أهلُ العلمِ في النَّافي: هل عليه فيما نفاه [دليلٌ] (١)، أم لا؟
فقال قوم من المتكلمين والفقهاءِ: إن المُنكرَ النافي لا دليلَ عليه، سواءٌ كان ما أنْكرَهُ ونفاهُ مِنَ القضايا العقلية أو مِنَ القضايا الشَرعيةِ (٢).
وقال آخرون من الفقهاءِ والأصوليين: إن النافي لا دليلَ عليه، إذا كان ما نفاهُ من الأحكامِ السمعيةِ دونَ العقليةِ (٣).
وقال المُحقَقُونَ من أهلِ النظَرِ من الفقهاءِ والأصوليِّين (٤): إن
стр. 902
النافيَ إذا ادَّعى العِلْمَ بانتفاءِ ما نَفاهُ، لَزِمَهُ إقامةُ الحُجةِ والدليلِ عليه، كما يَلْزَمُ المدَّعى العِلْمَ لإِثباتِ ما أثْبتَهُ الحُجَّةُ والدليلُ، إذا كان الأمرُ المثُبَتُ والمنْفِى المُختلَفُ فيه مما لا يُعلمُ نفيُه وإثباتُه باضْطِرارٍ ودَرْكِ الحواسِّ، فإِنَ ما ثَبَتَ باضْطِرارٍ مِن نفيٍ أو إثباتٍ نَمنَعُ (١) المُطالبةَ بالدليلِ عليه، والتعرُّضَ لإِقامةِ الدليلَّ عليه؛ إِذ كان الدليلُ هو المُرشِدَ إلى المطلوب، وما عُلِمَ باضْطِرارٍ فقد تَحصَّلَ، فمُحالٌ أن يُرشِدَ إلى ما تَحصَلَ، كما أن من المُحَّالِ طَلَبُ ما قد ظُفِر بهِ وتَحصَّلَ.
والدَلالة على ما ذَهَبَ إليه المحُقَقون -وهو ما نَعْتَقِدُهُ-: أن التوحيدَ مما أجْمَعَ المسلمون على وجوب الدَلالةِ عليه حسَبَ ما أجْمعُوا على إِثباتِ الصانعِ، وحقيقةُ (٢) التَوحيدِ: نَفْيُ ما زادَ على الواحدِ في قِدَمهِ وصُنعِهِ، وكونُه لا يُشْبِهُ الأشياءَ، [وهو] (٣) نفى للمِثْلِ.
والدَلالةُ على ذلك، وقد اسْتدَلَّ الباري عليه بقولِه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الإسراء: ٤٢]، ولأنَّ النَافِي لِمَا نَفاهُ لا يَخْلو من أحدِ أمريْنِ: إمّا أن يدعى العِلمَ بما نَفاهُ، أو لا
стр. 903
يَدَّعِيَ العِلمَ بانْتِفائِهِ؛ لكنَّهُ يُخبِرُ أنه جاهل بذلك أو شاكٌ فيه.
فإِن كان مِمن يُخبِرُ بجَهلِه وشكِّهِ، فلعَمْري أنَّ الدَّلالةَ لا تَلزَمه كما لا يَلزَمُهُ إِقامةُ الدليلِ على أنه لا يَجِدُ ألَمَ البَردِ والحَر وحلاوةَ العَسَلِ؛ لتجويزِنا داخلًا دخَلَ على مِزاجهِ، فافسَدَ دَرْكَهُ، ولأن أهلَ النَظرِ قاطبةً لا يُوجبُونَ على الجاهلِ والشَاكِّ دليلًا على ما ادَّعى من جهلِه وشَكِّهِ، ولاَ يَسألونَ عن الطريق المُؤَدِّي إليهما، لأنه لا دليلَ عليهما، ولا طريق إلى إثباتِهما، فلا نقولُ للجاهل: لم جَهِلْتَ؟
وللشاكِّ: لم شَكَكْتَ؟ وإنما تكَلمَ الناسُ مع ابي حنيفة في شَكِّه [فى سؤرِ] (١) الحِمارِ لا في عَيْنِ الشك، لكِنْ تكلموا معه في الحُكمِ الذي رَتَبهُ عليه.
قلت: وليس ما نحن فيه من جميع ما ذَكرُوا في شيءٍ، بل إذا جَهِلَ، وأخْبَرَ عن نفسِه بذلك، قلنا له: أيقِظْ عقلَكَ بما تُوقَظُ به العقولُ مِنَ النَّظَر، يَظْهَرْ مِن جوهرِ العقلِ ما يَنْتَفِي به الجهلُ: فالذُّهولُ عن النظَرِ، آفةٌ (٢) يُمكِنُ إزالتها، كما أنَّ العارضَ على المِزاجِ من الآفَةِ يُمكِنُ عِلاجُه (٣)، فهو إِذا لم يَكُنْ عليه دليل، كان
стр. 904
عليه البحثُ الذي هو علاجُ ما عرضَ أو تأصلَ مِنَ الجهلِ.
وإن كان النافي مِمن يَدعي العِلْمَ بصِحةِ ما نَفاهُ، تَطرقَ لنا عليه أنَّ نقولَ: من أين غلبَ نفيُ ما نَفيْتَهُ؟ أباضْطِرارٍ أم باسْتدلالٍ؟ فإن ادَّعى الضرِورةَ وكان ذلك الأمرُ مِمّا نَشْرَكُه فيه، سقطَ الاستدلالُ، وإن لم نشْرَكْهُ فيه مع دَعْواهُ الضرورةَ، كان عندنا أحدَ رجلين:
إمَّا أن يكونَ صادقاً فيما أخْبَرَ لآفَةٍ دَخَلَتْ عليه، كمن تَدخُلُ عليه الأفةُ في الِإثبات لأشكالٍ يراها مُتخيلَةً له، ولا نَشْرَكُهُ فيها لعدمِ ما عَرَضَ له في أمْزِجَتِنا؛ فإن في الأمراض ما يُشَكلُ الأشْخاصَ ولا أشْخاصَ، كذلك في باب النَفْي.
وإنِ ادَّعى أن ذلك عَلِمهُ بطريق الاستدلالِ، طُولِبَ بالدلالةِ بالأدلةِ عليه؛ لأن كلُّ معلوم بالاستدلالِ إنما يُعْلَمُ بدليل، فالدليلُ الذي نَصَبَهُ لنفسهِ في النفيً يجِبُ أن يُقيمَه لنا إذا طالَبْناهُ.
فإِن قيل: أليس المُنكِرُ لما كان نافياً لم تَلْزَمْهُ البينه، والمدعى لما كان مُثبِتاً لَزِمَتْهُ؟
قيل: المُنكرُ أسندَ إلى أصل هي أدلة العقلِ على براءةِ الذمَمِ، على أنه ما أخْلاهُ الشرعُ من بينةٍ هي يَمِينهُ، وإلا فقد كان يَكْفِي قولُه في جواب المُدَعِي وقولُه [فيما] (١) اسْتَحَق عليه: بأنه (٢) ما يَسْتَحِقُّ على شيئاً. والله أعلم.
стр. 905
فصولٌ تَتضمَّنُ بيانَ الأَسئِلةِ الفاسدةِ لتُجْتنَبَ
فصل
من الأسئلةِ الفاسدةِ أن تقولَ: لو كانت هذه عِلَّةً في كذا وكذا، لكانت في كذَا وكذا، وهذا إنما يكونُ فاسداً عندي، إذا كان الحُكمُ الذي جَعَلَ اسْتِدعاءَهُ من مُقْتَضى العِلةِ ليس من الحُكمِ الذي أوْجَبَهُ بها في شيءٍ، فأمَّا إن كان نظراً وحُكماً يَصلُحُ أن يكونَ حكماً للعِلة، فقد جعلهُ الشيخُ الإمامُ أبو إسحاق (١) سؤالًا حسناً، وهو أن تكونَ العِلةُ لا تستدعي أحكامَها، فأفْسَدَها بذلك.
فمثالُ الصحيحِ: أن يقولَ الحنفيُّ في الزكاةِ في مال الصبِى: غيرُ المكلف، فلا تَجِبُ الزكاةُ في مالِهِ، كمن لم تَبلُغْهُ الدعوة. فقال: إن هذه العِلةَ لم تَستاع (٢) عدمَ إيجابِ العُشْرِ في زَرْعِه، وزكاةِ الفِطْرِ
стр. 906
في مالهِ، وهما نَظِيرا زكاةِ رُبْعِ العُشْرِ، ولا تستدعي نفيَ رُبْعِ العُشرِ فهذا سؤالٌ حسنٌ صحيحٌ.
ومثالُ الفاسدِ: أن يُعَلِّل حنبليٌّ أو شافعيٌ في تحريمِ النَّبيذِ: بأن فيه شِدَّةً مُطرِبة، فكان مُحرماً، كالخمرِ. فيقول المُعارِضُ: لو كانت هذه عِلةَ التحريمِ، لكانت عِلَّةً في التفسيقِ.
وكذلك إذا عَلَّلَ في المضمضةِ والاستنشاقِ: بأنهما لا يَجبانِ في الوضوء، فلا يجبان في الجنابةِ. فيقول: لوكان ذلك عِلَّةً للمضَمضةِ، لكان عِلَّةً لِمَا تحتَ اللِّحْيةِ.
وإنما كان كذلك؛ لأن التفسيقَ أَبطَأُ من التَّحريمِ، والتحريمَ أسرعُ من التفسيقِ؛ لأن لنا محرماتٍ لا تُفَسِّقُ، ولأن مسائلَ الاجتهادِ لا يُفسَّقُ بها، وباطنُ اللِّحْيةِ مُستتر بحائل ليس من أصلِ الخِلْقةِ.
فهذا وجهُ فسادِهِ عند مَن يقولُ: بأن العِلَّةَ إذا لم تَستدعِ أحكامَها كانت فاسدةً.
فأمَّا مَن يَرى: أن سؤالَ العِلَة لا تستدعي أحكامَها (١). ليس بسؤال لازم، يَعتل في فسادِ السؤالِ الأولِ والثاني: بأنه لا يَمتنعُ أن تكونَ العِلةُ عِلَّةً في أحدِ الموضعين دون الأخير، فلا يُعترَضُ بذلك.
ومنها (٢): أن يقولَ: أَخَذْتُ حكمَ الأسبق من الُمتأَخرِ، كقول أصحابِ أبي حنيفةَ في الاعتراضِ على أصحابنا وأصحابِ الشافعي حيث قاسوا الوضوءَ على التيمم في إيجابِ النية، فقالوا: إن فَرْضَ الماءِ نَزَلَ قبل
стр. 907
فرضِ التيمُّمِ، فمتى وَجَدْنا فَرْعاً اخِذَ له الحكم من أصلٍ لم يَسبِقْهُ (١)؟
وفساد هذا السؤالِ: من جهةِ أن الادلة لا ينكر فيها مثل هذإِ، وإن تَضَمَّنَ الأول دَلالةً ويسلبها الثاني، فنَأخذ مِن تضمن المتأخر إيجابَ النِّيَّةِ ايجابها استدلالاً للمقدَّم، ويتبيَّن وجوبُها في الماءِ بما ضَمنَ الله بَدلَها من إِيجابِ النَيَّةِ، وهَو التيمُّم.
فصل
ومنها: أنَّ تَعترِضَ على العِلةِ: بأنك اعتبَرْتَ فسادَ الأصلِ بفسادِ الفرعِ. وذلك مثل قولِ أصحابنا وأصحابِ الشافعيُّ في النكاحِ الموقوفِ (٢): إنه لا تتعلَّق به الاستبَاحة، فكان باطلاً.
стр. 908
فيقولُ: الاستباحةُ حُكمُ العقدِ وتُسْتَفَادُ به، فلا يكونُ نفيُها يُوجبُ نَفْيَ العقدَ.
وهذا اعتراض فاسد، من حيث إن العقدَ يُرادُ لأحكامِه التي تُستفادُ به؛ إذ ليس يرادُ العقدُ لعَيْنهِ، فإذا وُجِدَ ولم تَتعلقْ به أحكامُهُ لا من جهةِ شرطٍ يحتاجُ إِليه، دَل على فسادِه، كما أننا نَعلمُ صِحَةَ العقدِ ونَستدِلًّ عليه بوجودِ أحكامِهِ ومقاصدِهِ.
فصل
ومن ذلك: أن يُفَرقَ بين الأصلِ والفرعِ بما لا يقَدَحُ في العِلةِ.
مثلُ قياسِ أصحابنا وأصحاب الشافعيُّ النبيذَ على الخمرِ في التحريمِ، فيُفرَقُ بينهَما بالتَفسيق.
وقد بَينّا أنه لا يُوجَدُ الفِسْقُ من التحريمِ، ولا يُنفى التحريمُ بنفيِ التَفسيقِ؛ لأنه يجوزُ أن تَجْلِبَ العِلةُ التحريمَ دون التفسيقِ، فلا يكونُ افتراقُهما في التفسيقِ مانعاً من صِحتِها وجَلْبِها للتحريمِ.
فصل
والفرقُ بين المسألتين يَقَعُ على ضربين:
أحدهما: أن يكونَ بياناً للأصولِ المُفْرَدةِ المُلتزَمةِ لا بعلةٍ، فإنه يَكفِيهِ بيانُها وكشفُ معانيها، ولا يَحتاجُ إلى أصل؛ لأن هذا الفَرْقَ هو مُتطوع به؛ إذ كان لا يَلْزَمُه على طريقةِ مَن لا يرى الكَسْرَ سؤالًا صحيحاً، وهذا هو الجوابُ عن الكَسْرِ، وقد ذَكَرْتُ المذهبينِ فيه (١).
стр. 909
والثاني: الفرقُ القادحُ في الجمعِ، فهذا يَحتاجُ إلى أصل يَرجعُ إليه؛ ليَصِحً قَدْحُهُ، ويكونَ الأصلُ شاهداً لصحِة القَدْحِ؛ إذ الفَرْقُ (١) كالجَمْعِ، والجامعُ لا بُدَّ له من الدلالةِ على صحةِ جمعِه، فالفارقُ كذلك، ومَن أحبَّ أن يُسقِطَ عنه كُلْفَةَ الفرقِ، والدلالةِ عليه، ورَدِّهِ إلى أصلِه، طالبَ المُستدِل بصحةِ الجمعِ.
وإنما احتاجَ الفارقُ إلى أصل؛ لأن فرقه دعوى لا بُرهانَ عليها، وليس شيء من الأصولِ إلا وهو مفارقٌ للآخرِ في شيءٍ يقعُ به الافتراقُ صورةً، فلو لم تُعتبرِ الدَلالةُ والرد إلى أصل، لكَثُرَ الفرقُ واتسعَ لقُرْب مُتناولِه، كما أنه لولا احتياجُ الجامع إلى دَلالةٍ، لاتسعَ القياسُ الجاَري (٢) من تأثيرٍ وجلْبٍ.
وقد قال بعضُهم: لا يَحتاجُ الفارقُ في فرقِه إلى أصل، واختارهُ بعضُ أصحاب الشافعيِّ، وتعلَّقَ بأن الشافعيَّ رحمةُ الله عليه فَرقَ بين الجُنُب إذا كانَ إماماً ولم يَعْلَمْ به المأمومُ، وبين الكافرِ: بأن الجُنُبَ يكون إماماً بحالٍ، بخلاف الكافرِ.
وهذا لا يَلزَمُ؛ لأن كلامَ الشافعيِّ يَرجعُ إلى أن الجُنُبَ من أهلِ الإِمامةِ، فأشبَهَ المُتطهَرَ، والكافرُ بخلافِ ذلك.
وقد قال الشافعيُّ رحمةُ الله عليه في اعْتِدادِ (٣) المبتُوتَةِ: إنها قياسُ المُتوفَى عنها؛ لاجتماعِهما في كونِهما في عِدةٍ لا رَجْعةَ للزَوجِ
стр. 910
عليها، وإن اختلفا في أنَ إحداهما فارقَها زوجُها.
واعترضَ المُزَني (١)، فقال: كلُّ ما قِيسَ على أصلٍ فهو يُشبِهُهُ من وجهٍ وُيفارِقُه من وجهٍ آخرَ، ولو لم يَكُنِ القياسُ إلا باستيفاءٍ، بطَلَ، فقالَ أصحابُ الشافعيِّ: الفرقُ الذي ذَكَرَهُ الشافعيُّ يَقْدَحُ في الجمعِ؛ لأنه يَرجِعُ إلى الرجْعةِ؛ فلهذا عارضَ به القياسَ.
فصل
في بيانِ الانقطاعِ
وقد سَبقَ حَدُّهُ وأمثلتُه مُسْتوفىً في جَدَلِ الأُصولِ (٢)، ونشيرُ إليه هاهنا:
فانقطاعُ المُستدِلِّ: أن يَعجِزَ عن بيانِ مذهبهِ، أو يَعجِزَ عن بيانِ الدليل بعدَ بيانِ مذهبه، أو يَعجِزَ عن الانفصالِ عَمّا عارضَهُ السائلُ به بعد بيانِ مذهبهِ وإقَامةِ دليلِهِ، وكذلك إن جَحَدَ مذهبَه الذي يُلزِمُه الحُجَّةَ، وكذلك إن جَحَدَ ما ثَبَتَ بالإِجماعِ أو النصِّ، وكذلك إن انْتقَلَ عما سُئِل عنه إلى غيرِهِ.
وفي هذا القَبِيلِ من الانتقالِ ما لا يكوَنُ انقطاعاً، مثلُ: إن سُئِلَ عن رَدِّ اليَمين، فيقولُ: هذا مَبْنِي عندي. على الحكم بالنَكولِ، فأنا
стр. 911
أعتقِدهُ (١)، إذا ثبتَ أنه لا يُحكمُ بالنُّكولِ.
وكذلك إذا سُئِلَ عن قضاءِ صوم التطوعِ (٢) على مَن أفْسَدهُ، فيقولُ: هذا يَنْبنِي عندي على أنه لاَ يَلزَمُ إتمامهُ بالشروع، فيدُل عليه.
فإن طالبَهُ السائلُ بالدَلالةِ على ما سَألهُ إيّاه، كان انقطاعاً مِنَ السائلِ دونَ المسؤولِ، لأن الأصولَ بعضُها يُبْنى على بعضٍ، وليس كلُّها لها مِنَ الأدلَّةِ ما يَخُصُّهُّا.
ومنه ما يكونُ انقطاعاً وانتقالاً، وهو: أن يُسألَ عن حُكم، فيَدُل على ما لا يُبْنى عليه، مثالُه: أن يُسألَ عن وجوب الترتيب في الطَّهارةِ، فيقول: نحن نَختلِفُ في الترتيب وفي النِّيةِ، فأدُلَّ على وجوبِ النيه، فإذا وجبَتْ وجبَ الترتيبُ؛ لأن الترتيب لا تَعلقَ له بالنيةِ.
وكذلك إذا اسْتدَلَّ بدليلٍ ثم أوردَ آخرَ، فهو مُنتقِل عن دليلِه الذي ضَمِنَ نُصْرَةَ المسألةِ به، فكان انقطاعاً.
فصل
وانقطاع السائل،: يكونُ بالعَجْزِ عن بيانِ السؤالِ، وبالعجزِ عن المطالبةِ بالدليلِ، وبالعجزِ عما شَرَعَ فيه، وبجحد مذهبِه، أو ما ثبتَ بنصٍّ أو إجماعٍ.
стр. 912
فصولُ التراجيحِ
فصل
في ترجيحِ الظواهرِ
وذلك يَقعُ من وجَهينِ؛ ترجيحٌ في الإسنادِ، وترجيح يقعُ في المَتْنِ.
فأمَّا الإسنادُ: فيَختَص به أخبارُ الآحادِ؛ إذ ليس تَحتَمِلُ المتواترةُ اختلافاً، فيقعُ فيه ترجيحٌ؛ لأنها انْتهَتْ إلى العلمِ الذي لا يَحتمِلُ التزايُدَ، انما أخبارُ الآحادِ طريقُها الظن، فكلما قَوِيَ طريقُها -وهو الإسنادُ-، كان الأرجحُ إسناداً أقوى في غَلَبَةِ الظن.
فصل
ومما يَحصُلُ به التَّرْجيحُ في الِإسناد.
أن يكونَ أحدُ الرَاوِيَيْنِ (١) كبيراً والآخرُ صغيراً، فتُقدَّمُ روايةُ الأكبر، لأنه أضْبطُ.
والثاني: أن يكونَ أحدُهما أعلمَ، فتُقدمُ روايةُ الأعلمِ؛ لأنه أعلمُ بما يَرْوِي.
والثالثُ: أن يكونَ أحدُهما أقربَ إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه أوعى وأعرفُ بإشاراتِ النبى ﷺ ومقاصدِهِ، ويَعلَمُ كيف خرجَ اللفظُ، وماذا
стр. 913
قَصَدَبه، مثلُ: روايةِ عائشةَ ﵂ في شان أحوالِ رسولِ الله ﷺ في بيتِهِ، واغتسالِهِ وطهاراتِهِ، وصلواتِهِ.
والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما مباشراً للقِصَةِ، أو القصةً تَتعلقً به، فيًقدمً، لأنه أعرفُ، مثلُ: قِصةِ حَمَل بن مالكٍ (١) وما شاكلَها من القِصَصِ، وكذلك إذا كانت القِصةُ تتعلقُ به، قُدمَ لأنه أعرفُ.
стр. 914
والخامسُ: أن يكونَ أحدُ الخَبرَيْنِ أكثرَ رواةً، فيكونُ أوْلى؛ لأن الأمرَ بين الجماعةِ أحفظُ منه مع الواحدِ، ولأن الشيطانَ من الواحدِ أقربُ، وهو من الاثنين أبعدُ، وكلما زاد في العددِ، زادَ الشيطانُ بُعْداً.
ومِنَ الناسِ مَن قال: لا يُرجحُ بالعَدَدِ، كما لا تُرجحُ الشهادةُ بالعدد، وإليه ذهبَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ (١).
والسادسُ: أن يكونَ أحدُهما أكثرَ صُحْبةً، فيُقدمُ لأنه أعرفُ بما دامَ من السُّنَنِ، وما نُسِخَ وما لم يُنسَخْ، وبدوام صُحبتِه يَعرِفُ معانيَ الألفاظِ، ومخارج الكلام، ودلائلَ الأحوالِ، فلا يَغمُضُ عليه معنىً، ولايَنْستِر عليه مرادُ رسولِ الله ﷺ بالنطقِ.
والسابعُ: أن يكونَ أحدُهما أحسنَ سياقاً للحديث، فيُقدمُ لحُسْنِ عِنايتِه.
والثامن: أن يكونَ أحدُهما مُتأخراً، فيُقدمُ لأنه يَرْوي [آخرَ] (٢) الأمرَيْنِ.
والتاسعُ: أن يكونَ أحدُهما لم يَضْطَرِبْ لفظهُ، (٣ والآخرُ اضْطَرَبَ، فمن لم يَضْطَرِبْ ٣) لفظهُ، يُقدمُ لأنه أضبطُ.
والعاشرُ: أن يكونَ أحدُهما أوْرعَ وأشد احتياطاً في الحديث،
стр. 915
فيُقدمُ لأنه أوثقُ.
والحادي عشر: أن يكونَ أحدُهما من رواةِ أهلِ الحَرَمَيْنِ، فيُقدم على غيرِه؛ لأنهم أعرفُ بما دامَ من السنَن، قال زيدُ بن ثابتٍ: إذا وَجَدْتُم أهلَ المدينةِ على شيءٍ، فهو السُّنَّةُ. وأشارَ إلى ذلك الوقتِ.
فأمَّا زمانُنا هذا، فنعوذُ بالله من انتشارِ البِدعِ بالحَرَميْنِ.
والثالي عشر: أن يكونَ أحدُهُما لم تَختلِفْ عنه الروايةُ، والأخرُ اخْتلَفَتْ عنه الروايةُ، وفي ذلك وجْهانِ لأصحابِ الشافعي (١):
أحدُهما: تتعارضُ الروايتانِ (٢) وتَسْقُطانِ، وتبقى روايةُ مَن لم تَختلِفْ عنه الروايةُ.
والثاني: يُرجحُ؛ لأن الروايةَ التي لم تَختلِفْ عاضدَتْها الأخرى بما وافقَتْها فيه.
فصل
وأما الترجيحُ في المَتْنِ فَمِن وجوهٍ
أحدها: أن يكونَ أحدُ الخَبَريْنِ موافقاً لدليل آخرَ من أصل أو معقولِ أصلٍ يُقوِّيهِ.
والثاني: أن يكونَ عَمِلَ به الأئِمةُ، فيكونُ أوْلى؛ لأنه آخرُ ما مات عنه من السنَنِ.
وألثالثُ: أن يكونَ أحدُهما نطقاً والأخرُ دليلًا، فالنُّطْقُ أوْلى؛ لأنه