← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أعتقِدهُ (١)، إذا ثبتَ أنه لا يُحكمُ بالنُّكولِ. وكذلك إذا سُئِلَ عن قضاءِ صوم التطوعِ (٢) على مَن أفْسَدهُ، فيقولُ: هذا يَنْبنِي عندي على أنه لاَ يَلزَمُ إتمامهُ بالشروع، فيدُل عليه. فإن طالبَهُ السائلُ بالدَلالةِ على ما سَألهُ إيّاه، كان انقطاعاً مِنَ السائلِ دونَ المسؤولِ، لأن الأصولَ بعضُها يُبْنى على بعضٍ، وليس كلُّها لها مِنَ الأدلَّةِ ما يَخُصُّهُّا. ومنه ما يكونُ انقطاعاً وانتقالاً، وهو: أن يُسألَ عن حُكم، فيَدُل على ما لا يُبْنى عليه، مثالُه: أن يُسألَ عن وجوب الترتيب في الطَّهارةِ، فيقول: نحن نَختلِفُ في الترتيب وفي النِّيةِ، فأدُلَّ على وجوبِ النيه، فإذا وجبَتْ وجبَ الترتيبُ؛ لأن الترتيب لا تَعلقَ له بالنيةِ. وكذلك إذا اسْتدَلَّ بدليلٍ ثم أوردَ آخرَ، فهو مُنتقِل عن دليلِه الذي ضَمِنَ نُصْرَةَ المسألةِ به، فكان انقطاعاً. فصل وانقطاع السائل،: يكونُ بالعَجْزِ عن بيانِ السؤالِ، وبالعجزِ عن المطالبةِ بالدليلِ، وبالعجزِ عما شَرَعَ فيه، وبجحد مذهبِه، أو ما ثبتَ بنصٍّ أو إجماعٍ.

стр. 912

فصولُ التراجيحِ فصل في ترجيحِ الظواهرِ وذلك يَقعُ من وجَهينِ؛ ترجيحٌ في الإسنادِ، وترجيح يقعُ في المَتْنِ. فأمَّا الإسنادُ: فيَختَص به أخبارُ الآحادِ؛ إذ ليس تَحتَمِلُ المتواترةُ اختلافاً، فيقعُ فيه ترجيحٌ؛ لأنها انْتهَتْ إلى العلمِ الذي لا يَحتمِلُ التزايُدَ، انما أخبارُ الآحادِ طريقُها الظن، فكلما قَوِيَ طريقُها -وهو الإسنادُ-، كان الأرجحُ إسناداً أقوى في غَلَبَةِ الظن. فصل ومما يَحصُلُ به التَّرْجيحُ في الِإسناد. أن يكونَ أحدُ الرَاوِيَيْنِ (١) كبيراً والآخرُ صغيراً، فتُقدَّمُ روايةُ الأكبر، لأنه أضْبطُ. والثاني: أن يكونَ أحدُهما أعلمَ، فتُقدمُ روايةُ الأعلمِ؛ لأنه أعلمُ بما يَرْوِي. والثالثُ: أن يكونَ أحدُهما أقربَ إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه أوعى وأعرفُ بإشاراتِ النبى ﷺ ومقاصدِهِ، ويَعلَمُ كيف خرجَ اللفظُ، وماذا

стр. 913

قَصَدَبه، مثلُ: روايةِ عائشةَ ﵂ في شان أحوالِ رسولِ الله ﷺ في بيتِهِ، واغتسالِهِ وطهاراتِهِ، وصلواتِهِ. والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما مباشراً للقِصَةِ، أو القصةً تَتعلقً به، فيًقدمً، لأنه أعرفُ، مثلُ: قِصةِ حَمَل بن مالكٍ (١) وما شاكلَها من القِصَصِ، وكذلك إذا كانت القِصةُ تتعلقُ به، قُدمَ لأنه أعرفُ.

стр. 914

والخامسُ: أن يكونَ أحدُ الخَبرَيْنِ أكثرَ رواةً، فيكونُ أوْلى؛ لأن الأمرَ بين الجماعةِ أحفظُ منه مع الواحدِ، ولأن الشيطانَ من الواحدِ أقربُ، وهو من الاثنين أبعدُ، وكلما زاد في العددِ، زادَ الشيطانُ بُعْداً. ومِنَ الناسِ مَن قال: لا يُرجحُ بالعَدَدِ، كما لا تُرجحُ الشهادةُ بالعدد، وإليه ذهبَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ (١). والسادسُ: أن يكونَ أحدُهما أكثرَ صُحْبةً، فيُقدمُ لأنه أعرفُ بما دامَ من السُّنَنِ، وما نُسِخَ وما لم يُنسَخْ، وبدوام صُحبتِه يَعرِفُ معانيَ الألفاظِ، ومخارج الكلام، ودلائلَ الأحوالِ، فلا يَغمُضُ عليه معنىً، ولايَنْستِر عليه مرادُ رسولِ الله ﷺ بالنطقِ. والسابعُ: أن يكونَ أحدُهما أحسنَ سياقاً للحديث، فيُقدمُ لحُسْنِ عِنايتِه. والثامن: أن يكونَ أحدُهما مُتأخراً، فيُقدمُ لأنه يَرْوي [آخرَ] (٢) الأمرَيْنِ. والتاسعُ: أن يكونَ أحدُهما لم يَضْطَرِبْ لفظهُ، (٣ والآخرُ اضْطَرَبَ، فمن لم يَضْطَرِبْ ٣) لفظهُ، يُقدمُ لأنه أضبطُ. والعاشرُ: أن يكونَ أحدُهما أوْرعَ وأشد احتياطاً في الحديث،

стр. 915

فيُقدمُ لأنه أوثقُ. والحادي عشر: أن يكونَ أحدُهما من رواةِ أهلِ الحَرَمَيْنِ، فيُقدم على غيرِه؛ لأنهم أعرفُ بما دامَ من السنَن، قال زيدُ بن ثابتٍ: إذا وَجَدْتُم أهلَ المدينةِ على شيءٍ، فهو السُّنَّةُ. وأشارَ إلى ذلك الوقتِ. فأمَّا زمانُنا هذا، فنعوذُ بالله من انتشارِ البِدعِ بالحَرَميْنِ. والثالي عشر: أن يكونَ أحدُهُما لم تَختلِفْ عنه الروايةُ، والأخرُ اخْتلَفَتْ عنه الروايةُ، وفي ذلك وجْهانِ لأصحابِ الشافعي (١): أحدُهما: تتعارضُ الروايتانِ (٢) وتَسْقُطانِ، وتبقى روايةُ مَن لم تَختلِفْ عنه الروايةُ. والثاني: يُرجحُ؛ لأن الروايةَ التي لم تَختلِفْ عاضدَتْها الأخرى بما وافقَتْها فيه. فصل وأما الترجيحُ في المَتْنِ فَمِن وجوهٍ أحدها: أن يكونَ أحدُ الخَبَريْنِ موافقاً لدليل آخرَ من أصل أو معقولِ أصلٍ يُقوِّيهِ. والثاني: أن يكونَ عَمِلَ به الأئِمةُ، فيكونُ أوْلى؛ لأنه آخرُ ما مات عنه من السنَنِ. وألثالثُ: أن يكونَ أحدُهما نطقاً والأخرُ دليلًا، فالنُّطْقُ أوْلى؛ لأنه

стр. 916

مُجمَع عليه، ودليلُ النطْقِ مُختلَف فيه. والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما قولًا والآخرُ فعلاً، ففيه ثلاثةُ مذاهبَ: أحدُها (١): أنهما سواء؛ لأن فعلَه كقوله ﷺ في إفادةِ الأحكامِ. والثاني:- أن الفعلَ أوْلى؛ لأن الفعلَ لا يَحتمِلُ التأويلَ، ولا فيه مجاز ولا احتمال. والثالثُ: أن القولَ أوْلى؛ لأن له صيغةً تَتَعدى بلفظِه. والخامسُ: أن [يكونَ] (٢) أحدُهما قُصِدَ به الحكمُ، فيكونُ أوْلى مما لم يُقْصَدْ به الحكمُ؛ لأنه أبلغُ في المقصودِ. والسادسُ: أن يكونَ أحدُهما أظْهرَ في الدلالةِ على الحكمِ، فيُقدمُ لأنه أقوى. والسابعُ: أن يكونَ [مع] (٢) أحدِهما تفسيرُ الراوي، فيُقدمُ؛ لأن الراويَ أعرفُ بالمرادِ. والثامنُ: أن يكونَ أحدُهما ورَدَ على غير سببٍ، فهو أوْلى مما وردَ على سببٍ؛ لأن ما وردَ على سببٍ مُختلف في عمومِه، وما لم يَرِد على سببٍ مُجمَع على عمومِه. والتاسعُ: أن يكونَ أحدُهما ناقلاً، فهو أوْلى؛ لأنه يُفِيدُ حكماً

стр. 917

شرعياً (١) والعاشرُ: أن يكونَ أحدُهما إثباتاً والأخرُ نَفْياً، فالإثباتُ أوْلى؛ لأن مع المُثبِتِ زيادةَ حكم ليست (٢) مع النافي. والحاديَ عشرَ: أن يكونَ أحدُ الخَبَريْنِ مُتأخراً، فيكونُ أوْلى؛ لأنه أحدَثُ الأمرَيْنِ، وقد قال ابنُ عباس-﵁: كنا نَأخُذُ من أوامرِ رسولَ الله ﷺ بالأحدَثِ فالأحدَثِ (٣).

стр. 918

والثاني عشرَ: أن يكونَ أحدُهما أحوَطَ، فهو أوْلى. والثالثَ عشرَ: أن يكونَ أحدُهما حاظراً والآخرُ مُبيحاً، ففيه مذهبان، قد قَدمْنا ذكْرَهما:

стр. 919

أحدُهما: أنهما سواءٌ. الثاني: أن الحاظرَ أوْلى وهما وجهان لأصحابِ الشافعيِّ (١) فصل في ترجيح المعاني وذلك من وجوه: أحدُها: أن يكونَ أصلُ أحدهما منصوصاً عليه، فهو أوْلى، لأنه أقوى. والثاني: أن يكونَ أصلُ أحدِهما ثبتَ بدليل مقطوع به، فيُقدمُ على ماثبتَ بدليل غيرِمقطوع به. والثالثُ: أن يكونَ لأحدِهما أصولٌ، فهو أوْلى، لأنها أقوى في النَظَر؛ لكثرةِ شواهدِها. والرابعُ: أن يكونَ أحدُهما قِيسَ على أصل نُص على القياسِ عليه، فهو أوْلى، لأنه قياسُ الشرْعِ. والخامسُ: أن يكون أحدُهما مقيساً على جنسِه، فهو أولى، لأنه أقربُ إليه. والسادسُ: أن تكونَ إحدى العِلتَينِ منصوصاً عليها، فهو أوْلى، لأنها أقوى. والسابعُ: أن يكونَ وصفُ إحداهما محسوساً، ووصفُ الأخرى

стр. 920

حُكْمياً، ففيه مذهبان، ولأصحابِ الشافعيِّ فيه وجهان: أحدُهما: المحسوسُ أوْلى، لأنه أثبتُ، وهو الغايةُ التي يُرَد إليها المعلومُ، والحِس أدَل على الحكمِ. والثاني: أن الحكميَّ أوْلى، لأن الحكمَ من جنسِ الحُكمِ، والجِنْسُ أدل على جِنْسِه وأقربُ إليه. والثامنُ: أن يكونَ أحدُهما إثباتاً، والأخرُ نفياً، فالإثباتُ أوْلى، لأنه مُجمَع على جوازِهِ، والنفيُ مُختلَف فيه. والتاسعُ: أن يكونَ وصف إحداهما اسماً، ووصفُ الأخرى صفةً، فالصفةُ أولى، لأنه مُجمع عليها، والاسمُ مُختلَف فيه. والعاشرُ: أن تكونَ إحداهما أقل أوصافاً، ففيه مذهبان، قد، قَدمْنا ذِكْرَهما: أحدُهما: القليلةُ الأوصافِ أوْلى، لأنها أسلمُ. والثاني: الكثيرةُ الأوصافِ أوْلى، لأنها أقوى في التشبيهِ بالأصلِ. والحاديَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تَطرِدُ وتَنعكسُ، والأخرى تَطرِدُ ولا تَنعِكسُ، فالتي يَجتمعُ لها الطرْدُ والعكسُ أوْلى. والثاني عشرَ: أن تكونَ إحداهما تُوجِبُ احتياطاً، فهي أولى، لأنها أسلمُ. والثالثَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تَوجِبُ الحَظْرَ، والأخرى تُوجِبُ الإِباحةَ، فقد ذكرنا فيما سبقَ مذهبين، ووَجهْناهما.

стр. 921

والرابع عشرَ: أن تكونَ إحداهما ناقلةً، فهي أولى. والخامسَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما تُسقِطُ الحَد، والثانيةُ تَوجِبُ الحد، وتُوجِبُ الجِزْيةَ، والأخرى تُسقِطُها، ففيه مذهبان: أحدهما: هما سواءٌ. والثاني: ما يُسقِطُ الحد أوْلى، وُيوجِبُ الجِزية أوْلى. والسادسَ عشرَ: أن تكونَ إحداهما توافقُ دليلاً آخرَ لأصل أو معقولِ أصل، فهي أوْلى، لأنها أقوى. تَم جدلُ الفقهاءِ، والله المحمود.

стр. 922

فصول الخطاب فصل اعلمْ وفقكَ الله أنه لما كان مبنى أصول الفقه على خطابِ الله سبحانَه وخطاب رسوله، وفحواهما ودليلهما، ولحنِهما ومعناهما المستنبط منهما، وقياس المسكوتِ عنه على المنطوقِ به بما يوجبُه الاستنباطُ من التعليلِ، وجبَ تقديمُ بيانِ الخطابِ واستيفاءِ القولِ فيه، لاشتمالِه على أبواب الأوامر والنواهي والأخبار، وما تفرعَ عليهما من الإيجابِ والندبِ والكراهةِ والحظرِ، والتقييدِ والإطلاقِ والعمومِ والخصوصِ، والناسخ والمنسوخِ، وفحوى الخطاب ودليلهِ ومعناه، فذلك كلهُ فرعٌ لهذا الأصل. فصل اعلمْ أنَ الخطابَ من الله سبحانه لمن خاطبه من خلقِه من ثلاثةِ طرق: سماعٌ منه سبحانه بلا واسطةٍ، كخطابِه لموسى ومحمدٍ صلى الله عليهما وسلم. وخطابٌ بواسطةِ الملَك؛ كخطابِه لجماعةٍ من الأنبياء صلواتُ الله عليهم. وكل ذلك حروفٌ وأصواتٌ تنتظمُ معاني الخطاب، الذي هو استدعاءٌ لفعلٍ أو تركٍ أو إخبارٍ عن ماضٍ أو مستقبلٍ، متلقى من لدنِ الله جلتْ عظمتهُ، أو من الملَكِ على ما نطقَ به الكتابُ العزيزُ.

стр. 923

والثالثُ: ألقيَ إلى قلوبِ الرسلِ، إمّا إلهاماً في اليقظةِ، وإما مناماً. والثلاثة اجتمعتْ لنبينا ﷺ ، قال له كفاحاً وسماعاً منه بلا واسطةٍ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر ما وردَ به الحديث (١)، ثم قال: فألهمني أن قلت. ففرق بين قال لي، وألهمني فى حال واحدة. وقال له بواسطةٍ، هو جبريلُ ﵇: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [سورة العلق: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]. وأخبرَ ﷺ فيما صحَت به السنَنُ الصحاحُ عنه: "فقال: لي كذا فقلت كذا"، "حيث انقطعَ جبريلُ عني". وكان كما قالَ سبحانه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ٩ - ١٠]. وقال مما ألقاه في نفسِه وروعِه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ

стр. 924

لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقال النبيُ ﷺ : "إن روحَ القدسِ قذفَ في روعي أن لا تخرج نفسٌ من دارِ الدنيا حتى تستوفيَ ما قسمَ اللهُ لها من رزقٍ وأجلٍ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (١). فكانَ في أولِ الأمرِ يرى المناماتِ، فتأتي كفلقِ الصُبح على ما روى في السننِ الصحاح (٢). فهذه طرقُ الخطابِ من الله سبحانَه لهُ، وقد دلَّ على هذِه الأقسامِ الثلاثة قولُه سبحانَه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] ولا يجوزُ أن يكونَ الكلامُ من وراءِ حجابٍ وحياً أيضاً؛ لأنهُ يخرجُ أن يكونَ التقسيمُ صحيحاً، ويدلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وذكر ثلاثةَ عشرَ نبياً كلهم بسياقِ الوحي، فلما انتهى إلى موسى قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فثبتَ أن تكليمَ موسى بغير واسطةٍ، لتخصيصه بالتكليمِ بعد ذكرِ ثلاثةَ عشرَ نبياً من الرسلِ بالوحي.

стр. 925

فصل فأمَّا طرقُ الخطابِ من الرسول ﷺ لنا: فبالنطقِ والإشارةِ المفهومةِ للحاضرينَ، وبالمكاتبةِ للغائبين: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾ الى قوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] والإقرارُ الذي جعلَته الدلالةُ كالقولِ، والإذنِ في القولِ والفعلِ اللذَين يقر عليهما. وقد جَمع اللهُ سبحانَه فوائدَ الخطابِ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. ففائدة منثورِ الخطابُ ومجموعِه: بيانُ ما كلفهم. فصل وأوَّل متلقى به الخطابُ، الإصغاءُ، ثم الفهمُ، ثم الاعتقادُ، ثم العزمُ، ثم الفعلُ، أو التركُ، والانتهاءُ إن كان الخطابُ أمراً أو نهياً، والتصديقُ إن كان خبراً، والرجاءُ الزائدُ على التصديقِ بالوعدِ، والخوفُ الزائدُ على التصديقِ بالوعيدِ. قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فالحضورُ للسماع والإنصاتُ للفَهِم، والإنذار تبليغاً لمبدأ الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] والائتمارُ واجبٌ. ولا يوصَلُ إليه إلا بالإصغاء والفهم بعد السمع، وما لا يتوصلُ إلى الواجبِ إلا به فهو واجبٌ.

стр. 926

فصل وقد اختلفَ الناسُ في أصلِ الخطابِ الموضوعِ للتفاهمِ بينَ الناسِ من أسماءِ الأشياءِ في كلِ لغة (١): فقال قومٌ: هو مأخوذٌ ومتلقى من جهة التوقيفِ الإلهي: إمَّا الوحي، أو المكالمةُ لمن تولى خطابَه أو إلهامه ذلك لخلقه. وهم أهل الظاهِر، وجماعةٌ من الفقهاءِ، وبعضُ المتكلمينَ. وقالَ قوم: هو متلقى من جهةِ مواطآتِ أهلِ اللغاتِ وتواضعِهم عليه. وهم جماعةٌ من المعتزلةِ، وغيرهم من المتكلمينَ. وقال المحققونَ: الكُل طرق للخطاب، فبعضُه بوضعِ الشرع وإلهامِ الله سبحانَه لبعضِ الخلقِ، وبعضُه بالقياسِ المستنبط بقرائِحهم، وإلحاقِ ما لم يوضع له اسمٌ بما وضِعَ لهُ اسمٌ، وإشراكه بِهِ في الاسمِ، لما اجتمعا فيه من نوعِ خصيصةٍ أو صورةٍ، وبعضُها

стр. 927

بالمواضعةِ، ولعل المواضعةَ توافقُ ما جاءَ من جهةِ التوقيفِ والِإلهام، فيتواطأ الوضعُ الذي أحدثَه الناسُ والوضعُ الإلهامي أو لا يواطِئهُ. وهذا بابٌ لا يمكن سدُّه ولا جحدُه، لأن كلًا من الطرقِ قد دل عليه دليل من النقلِ. فدليل التعليمِ لمن علمه قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وهذا صالح للإلهام أيضاً، فإن تعليمَ الله سبحانه لمن علمه يَقعُ بالإلهامِ تارةً، وبالمكالمةِ تارةً، بدليلِ قولِه سبحانَه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] وكان تعليم داودَ لصناعةِ الحديدِ في قولِه تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. ودليلُ الوضعِ بالتواضع، استعاراتُ العربِ للأسماءِ المجازيةِ من الحقائقِ الأصليةِ، من طريقِ المشاكلةِ والمقاربةِ بين المستعارِ له والمستعار منهُ، مثلُ تسميتِهم الكريمَ والعالمَ والفرسَ الجوادَ: بحراً، لمكان الفَيض والنيلِ والاتساعِ. وتسميتِهم المقدام: أسداً وشجاعاً، وما ذلك إلا وضع ناقل للأسماءِ الموضوعةِ إلى غير ما وضعتْ له، بنوع من قياسِ المقايسةِ. وهذا منقولٌ عنهم مستفاضٌ في نثرهِم ونظمِهم. فصلٌ وذهبتْ طائفةٌ من القائلينَ بأنَ الخطابَ مواضعةٌ، أنَ مواضعتَهم سابقةٌ لخطاب الله سبحانَه لهم، إذ لو لم يسبقْ منهم مواضعةٌ، لما فهموا خطابً الله سبحانَه لهم، لكن لما عهدتْ مواضعتُهم فهموا

стр. 928

خطابَ الله سبحانَه بما قد استقر بينَهم وعندَهم من التفاهم للمعاني بدليلِ الخطابِ، فالدلالةُ على فسادِ قوِلهم: أنَ الله سبحانه قادر على أن يضطَرهم إلى فهمِ ما يخاطبهُم به ويلهمَهم فهمَ معانيه، وإذا تحققَ ذلك وصحَ، بطلَ القول باشتراطِ سبقِ المواضعةِ منهم لخطابِه سبحانَه لهم. وآيةُ ذلك: أنه سبحانَه ألهمَ من الهدايةِ إلى أشياءَ، لا يخرجُ بالعلوم الاستدلاليةِ مثلها، من ذلك: إلهامُ الطفلِ تناولَ الثدي ثم التقامَه إَياهُ، لا يرشدهُ أنّ ما فيهِ من اللبنِ ممتنغ عن الجري إلا بنوع جذب ومص، فألهمَه اللهُ سبحانَه الالتقامَ ثم المص، وألهمَ النحلَ عمل المسدساتِ التي يعجزُ عنها كثير من أهلِ الخبرةِ بالهندسةِ، والهامُ البهائم التداوي بالحشائشِ المنتفعِ بها في أوقاتِ الفصولِ التي يختصُ بمعرفِتها بعضُ الناسِ من العلماءِ، وإلهامُها زق أفراخِها زمنَ العجزِ عن النهوضِ، وفطامَها حينَ نهضتها، وإلى أمثالِ ذلك. وهذا إلقاء من اللهِ سبحانه، فهذا يوضحُ أن إلقاءَ الفهمِ لمعاني الخطاب لا يعزبُ عليه سبحانَه، فلا حاجةَ بنا مع معرفةِ الجملةِ، أن نشترطَ سبقَ المواضعةِ من الخلقِ لخطابهِ لهمْ بما يخاطبُهم بهِ في مصالحِهم، لأنَ الفَهم ليس بأكثرَ من الإلقاءِ إلى قلوبِ المخاطبين وجدانَ المعاني المقصودةِ من الخطاب، وذلك بعينه هو إلهامُ القلوبِ ما فاضَ على الأدواتِ من الصنائعَ والأعمالِ والتروكِ والاجتنابِ، بحسب المصالحِ الحاصلةِ للحيوانِ اَلملهمِ ولنوعهِ. ثم إنَا ندخلُ عليهم من نفسِ المواضعةِ فنقولُ: أليسَ قوةُ

стр. 929

المواضعةِ من جهةِ الله سبحانَه؟ فإذا كان هو الممد بالقوةِ التي تتحصل بها، وتصدرُعنها المواضعةُ للخطاب الذي يحصلُ به التفاهمُ فيما بينَهم، كان إمدادُه لهم فهوماً لما يخاطَبهُم به، مغنياً عن اشتراطِ سبقِ مواضعتهم للمخاطبةِ. وفي الجملةِ والتفصيل: أنَّ جميعَ الفهوم التي صدرتْ عنها المصالحُ، هو الذي أمد الخلقَ بها، فكما أنهُ خلقَ الأشياءَ المنتفعَ بها وألهَم الخلقَ الفهومَ للتسبب إليها، وبلوغِ أغراضِهم ومآربهم منها، هو الذي أنزَل الخطابَ وألهمهَم الفهمَ لمعاني الخطابِ. فكما لا يشترطُ تقدمُ التجارب على إمدادِ الله سبحانه بمعرفةِ المصالح والتوصلِ إلى الأغراضِ، كذلك لايشترطُ تقدمُ التخاطبِ بينهم على ما ورد إليهم عنهُ من الخطابِ. وما هذا القولُ من هذهِ الطائفةِ، إلا كقولِ من قَال: بأنَه لا سبيلَ لنا إلى العلمِ بالخطاب من الله سبحانه، إذا لم يسبقْ لنا معرفة له، بمثلها نعلمُ الصوتَ الذيَ نسمعهُ عنة، ولارؤية منّا لهُ مقارنة، نعلم أنّهُ هوَ المخاطِبُ، فلا صلةَ إلى العلم بخطابه. ولا جوابُنا عن هذا القولِ إلا كجوابِنا لهُ -لذلكَ القائِل- وهو: أن في قدرةِ اللهِ سبحانَه، أن يقيمَ لنا من الدلاْئلِ على أنَ الخطابَ خطابهُ، بمثلِ ما دلنا بهِ عليه من الأفعالِ التي لا ينبغي للخلقِ فعلُها من الأفعالِ الخارقةِ، كدك الجبلِ، وإصعاقِ موسى، وقلب العصا ثعباناً. فدل ذلك موسى على أن القائلَ له: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] هو الذي صدر عنه تلك الأفعالُ التي لا تنبغي إلا لله. ودل ما جاء

стр. 930

به من الآياتِ لقومهِ على أنه رسولُ الله. فكما لم نعرفْ في القدرةِ إقامةَ الدلالةِ على أنَّ الخطابَ خطابهُ، لم نعرفْ في القدرةِ تفهيمَ السامعينَ لخطابِه، ما وجهه نحوهم من خطابِه، فيوقعُ لهم الفهمُ عقيبَ الخطابِ. ومما يدل على ذلك: أنَّ الإنسانَ مع كونه خلقا من خلقِ الله، وصنعةً من صنائعِه، قد توصلَ إلى تفهيمِ الحيوانِ البَهيمِ ما يريدهُ منه من الصنائعِ والأعمالِ والاصطيادِ، والسعي والوقوفِ بحروفٍ وأصواتٍ يشيرُ بها فيقفُ إذا أوقفهُ، ويسعى إذا استسعاهُ، ويقدمُ على الصيدِ تارةً إذا أرادَ منهُ الِإقدامَ، ويحجمُ إذا أراده بالِإحجام. وكذلكَ خطابُهم الأطفال بكَخْ للقذرِ، وماح للحَلوِ، وواوا للمؤلمِ، وداح للمليحِ، ولكل شيء نطق يفهمونَ منه. وكذلكَ: ما يتواضعُه الخرسُ من الإِشاراتِ من بعضِهم لبعض، ومن الناطقين لهم، كلُّ ذلك يُعْقِبُه الله سبحانَه بإلقاءِ التفهيمِ إليهم وعنهم مع عدمِ سابقِ مواضعةٍ منهم للإِشارةِ، بل الإشارةْ يتبعها الفهمُ، فأولى أنْ يكونَ اللهُ سبحانه يعقبُ خطابَه لمن خاطَبَه بإفهامِه معنى ما خاطبهُ، وهو الخالقُ الصانعُ القادرُ. فصل والدلالةُ على إفسادِ قولِ من قالَ: بأنَّ الخطاب والتخاطب والأسماءَ كلها توقيف، وأنه لولا ذلك لما تمتْ لهمْ مواطأةٌ على خطابٍ، ولا تخاطبَ يتخاطبونَ به، هو: أنَّ الله سبحانه لما خلَقهم أحياءَ ناطقين، كما خلقهم أحياءَ

стр. 931

قادرينَ، وكان في قوةِ خلقِهم وصحةِ قرائِحهم تواضعُ صورٍ اكتسبوها في الأجسامِ، بحسب دواعيهم وعوارضِ حوائِجهم، مثلُ نجارةِ الباب والدولاب، وصناعةِ الَسيفِ والمنشارِ، وفتلِ الحبالِ أسباباً موصلةً إلىَ إصعادِ الَمياهِ من قعورِ الآبارِ، وأشباهِ ذلك، كان في قوةِ ما وضعهُ فيهم من النطقِ، أنْ يصوغوا من الأصواتِ والحروف صيغاً توصلُهم إلى الأغراضِ من التفاهمِ والتخاطب، بما يعرضُ لهم من الدواعي الواقعةِ من بعضِ إلى بعضٍ، واستعانةِ بعضِهم ببعضٍ. وقد قال العقلاءُ الأولُ: الحاجةُ تفتق الحيلةَ. وهذا كلام حسن، لأنَّ الدواعيَ إلى الأشياءِ تحملُ الحى على التوصلِ، فالجائعُ يدري كيفَ يُحصِّلُ الطعامَ، ولعلَّ الحاجةَ إلى الطعام تفتحُ له أبواباً لتحصيلهِ، ولذلكَ ترى أولادَ المترَفين أبطأ في الشهامَةِ والفراهةِ من أولادِ المرتادين للمعاشِ، لما وطنوا أنفسَهم عليه من الغنى بغيرهمِ عنهم، ولله في خلقِه جواهرُ كامنةٌ أصليةٌ لا تظهرُها إلا حاجتُهم ولا تكشفُها إلا ضرورتُهم. ولما كان من ضرورةِ الأحياءِ إلى التفاهمِ والتخاطبِ، كما كان من- ضرورتِهم تحصيلُ المآكلِ والمشارب وجميعِ المآربِ، وكان فْي قريحتهم ما يحصلونَ به أغراضَهم من أنوَاعِ حاجاتِهم من غير تقديم تعليمٍ، ولاتفهيمٍ من غيرِهم لهم، كانَ في قوةِ نطقهم ما يلجئهم إلىَ مواضعةِ ما احتاجوا إليه من التخاطب للتفاهِم، إذ كانت حاجةُ بعضِهم إلى بعضٍ، كحاجةِ الحى إلى ماَ يستمدهُ للبقاءِ من تناولِ الشراب والغذاءِ والوطاء والوِقَاءِ والكن (١) ودفعِ الأذى، وغيرِ ذلك من الأوطارِ (٢).

стр. 932

حتى إنّهم وضعوا الخطابَ بالمناجاةِ للحاضِر القريب، والمناداة (١). للحاضِر البعيدِ، والمكاتبةَ للغائِب الذي لا ينتهي إليه الصوتُ في الهواءِ، فلا ينكرُ لهؤلاءِ اكتسابُ تخاطبٍ للتفاهمِ. ومما يدلُّ على صحةِ ذلك: أننا نجدُ اليومَ من تجدد لصنائعَ محدثةٍ أِنتجتْها القرائحُ، آلاتٍ وأدوات لم تكنْ، ونضع لها أسماءً بالاصطلاحِ، فيُفْهَمُ بذلكِ الوضع، المرادُ من المستدعي لها، كما تَجددَ من الحوادثِ، وتجددت لها أحكام استخرجها متأخرو الفقهاءِ، لم تكنْ في ابتداءِ الإسلام، وما أحدثوا من المباني والصورِ والملاهي وغيرِ ذلك مما حددوا له أَسماءَ بحسب تجدده، وحركوا سواكنَ الطباعِ الأربع باستخراجِ أصواتٍ. ثم وَضعُ الموسيقى؛ فطريقة لإيقاظ الحزن، وطريقة لإيقاظِ السرورِ، وطريقةٌ للتشجيع والإقدام على الحرب (٢)، هذا وأمثالُه مما يوضَحُ ما ذكرناه من القدرةِ والنحَيزة (٣). فصل يجمع شُبهَ القائلينَ بأن الكل توقيفٌ . قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] فلم يبقَ لنا اسمٌ تقدحُه القريحةُ، ولا تتيحهُ الغريزةُ، ولا يضعهُ المتواضعون. وقال سبحانه للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ﴾ [البقرة: ٣٢] فدلَّ على أنَ آدمَ والملائكةَ لا يعلمونَ إلا بالتعليمِ بهاتين الآيتين، فلم يبقَ كلامٌ يضعهُ الأحياءُ من

стр. 933

تلقائِهمِ. وقال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. وقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ٣ - ٥]، فأضافَ تعليمَ النطقِ والكتابةِ إَليه، فلم يبقَ منطوق به ولا مكتوب يفتعلهُ الإنسان أو يكتسبهُ. وقد كانت الملائكةُ قبلَ خلقِ آدمَ متفاهمةَ مخاطبةَ بدليلِ قولهِ سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا ...﴾ [البقرة: ٣٠]، الآيات. فقد كانوا يفهمون الخطابَ ويخاطبون، ومع ذلك نفوا العلومَ عن نفوسِهم، واستثنوا ما علّمهمْ سبحانَه، فدل بهذِه الآياتِ أن لا شيءَ من الكلامِ بمواضعةٍ، وأنّ جميعهَ تعليم من الله سبحانه. فصل يجمعُ الأجوبة عن جميعِ ما ذكروه . وهو أنّه لا حجةَ في الآيةِ على مقالتنا ولا لمقالتِهم، لأنّا لا ننكرُ أن يكونَ الله سبحانه علمَ آدمَ الأسماءَ، لكنْ من الذي خصَّ التعليمَ بالخطابِ والإسماع له أسماءَ الأشياءِ؟، وما المانعُ من أن يكونَ التعليمُ بالخطاب وبالتفهيمَ والإلهام؛ وجعلُه على صفةِ من يحددُ أسماءَ بالمقايسةِ على ما علمه بالمخاطبةِ، أو يحدث أسماءَ بالمواضعةِ مزيدةً على علمه بالإلهام والمخاطبة. والمدحة لآدمَ بالطريق الذي نقولُه أوفى من المدحةِ والتفضيلِ بما يقولُه المخالفُ. والآية خرجتْ مخرج التفضيلِ لآدمَ عليهم في العلمِ، فالطريقُ الذي نقولُه استخراجُ آدمَ للأسماءِ استنباطاً من صورِ المسمياتِ وإحداثُ أسماءٍ لما لم يسمَّ بالقياسِ على ما سمي، وإلحاقُ كلُّ اسم بمحلٍ يشاكلُ المحَل المسمى بالتوقيفِ.

стр. 934

وذلك يعطي قوةَ الرأيِ والاجتهادِ والتشبيهِ، وهو أوفى من الحفظِ بالتلقينِ. ولذلك مدحَ المعقولاتِ فقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣] والفهومَ، فقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وذَمّ الذي لم يحظَ من الكتابِ إلا بالتلاوةِ فقال: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] يعني، تلاوةً، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فالفضيلةُ الكليةُ في علمِ الأشياءِ بطريقِ فهمِ المعنى، والقدرةِ على إلحاقِ ما لم يسم بما سمّي بمعناه المشاكلِ لهُ به، وما هذا في باب الأسماءِ إلا بمثابةِ فقهِ الحديثِ بالِإضافةِ إِلى حفظهِ، فإنَّ الفقيه بمعانيه الذي يُعدّي الأحكامَ بالمعاني، ويفرِّعُ على الأصولِ، أفضلُ من الحافظِ لنطقِ الأحاديثِ. ومن وجهٍ آخر: وهو أن سؤالَهم كانَ. عن الفسادِ في الأرضِ، عندَ إعلامِهم أنهُ جاعل في الأرض خليفةً، فالحفظُ للأسماءِ نطقاً، ليس بالمنافي لإيقاعِ الفسادِ والمنع منه، لكن الفهمُ للمعاني ووضعُ كلِ مسمى موضعه، هو الدالُّ على فضيلةِ العلمِ المانعِ من جري الفسادِ في الأرض. مع كونِ المستخلفِ عارفاً بمصالحِ أهلِ الأرض. على أن الآيةَ لوَ دلتْ على تعليمِ آدمَ، لم يكُنْ فيها مانعٌ من كونِ أهلِ الأرضِ بعد آدمَ تواضعوا الأسماءَ والتخاطبَ، بما وافقوا بهِ ما علمه آدمُ بقرائِحهم، أو وضعوا لنفوسِهم وضعاً، إمَّا لما كانَ في زمنِ آدمَ، أو لما تجدّدَ بعدَ آدمَ من الأغراضِ، فزادهم الله طريقاً، وجعلَ لهم سبيلًا بحسب ما تجدَّد لهم من الحوادثِ، التي لم تكُنْ في زمن آدمَ كما جدد اللهَ سبحانه لأمةِ مُحَمدٍ ﷺ دفةَ الاجتهادِ، لِإحداث الأقيسة

стр. 935

لما حدثَ، ولم يردْ فيه نطق على ما نطقَ به ﷺ ، حتى لوِ رآهُ النبي ﷺ أو سمعَ به لاستحسنةَ، وكان النبيُّ ﷺ غنياً عنه، بما كان ينزلُ إليهِ من الوحي من اللهِ سبحانَه، فصارتِ الأسماءُ المتجددةُ المتسعةُ باتساع حوائج بنَي آدم، كالأقيسةِ المتسعةِ والعلومِ المتجددةِ بعد موتِ نبينا ﷺ فليسَ هاهنا تمانعُ تقابلِ الَآيةِ في حقِ آدمَ، بقولِه في حقِ نبَينا ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ثم إنَّهُ لما حدثتِ الحوادثُ بعدهُ، نهضتْ قرائحُ القائسينَ بإلحاق المسكوتِ بالمنطوقِ، وكان الكمالُ الأولُ غيرَ مانع من استنباطِ الأواخِر، كذلكَ في بابِ الأسماءِ مع ما علِمهُ آدمُ من الأسماءِ. ولا اختلافَ بين نطقِ الآيةِ وحقيقةِ المذهب الذي ذهبنا إليه بحمدِ الله ومنّه، ولا فيها ما يثبتُ مذهبَ المخالفِ، من نفي ما أثبتناهُ من إحداثِ التخاطبِ واكتسابِ التفاهمِ، بالمواضعةِ المزيدةِ على المتلقاةِ من وضعِ الشرعِ وإفادةِ الوحي. جواب ثالثٌ: وهو أنة يجوز أن يكونَ قولُه: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ راجعاً إلى ما كانَ قد خلقة الله في السماءِ من الملائكةِ والجَنةِ وما فيها وذكرها باسمِ "كلُّ"، لأن المسمياتِ الحاضرةَ التي كان خَلقها سبحانه هي الكلُّ، إذ لم يكنْ من صنائعِ الآدميين وأوانِيهم وآلاتِ إعمالهمِ شىِء حاضر، ووَكلَ تسميةَ ما تجددَ من أسماءِ المسمياتِ إلى أولاد [آدم] عند انفتاحِ أبوابِ قرائِحهم، لاستخراجِ تلكَ الأشياءِ، ثم جعلَ في

стр. 936

قواهم أنْ جدًدوا لها أسماءَ بنطقِهم، كما كان في قواهم التي منحَهم أن جددوا صورَها وأعمالَها الدقيقةَ، والأعمال الدقيقة التي جددتها قرائحهم عند احتياجِهم إليها، كان في قوةِ نطقِهم التي منحهم أن صاغوا لها أسماء، وضَعوها لها وسموها بها، واللهُ أعلم. فصل: لبيانِ الفرقِ بين تفهيمِ اللهِ سبحانه للخطاب، وبين تفهيمِ المخلوقين بعضِهم بعضاً . فصل لبيانِ الفرقِ بين تفهيمِ الله سبحانه للخطابِ، وبين تفهيمِ المخلوقين بعضِهم بعضاً. اعلمْ وفقكَ الله، أنا لما جعلنا أحدَ طرقِ وضعِ الخطاب المواضعةَ، وجبَ علينا أن نبيِّن كيفَ يبتدا الإنسانُ بالتفهيمِ لصيغ مبتكرةٍ، لم يسبقْ من مخاطبه تفهيمُ معناها، فإَنا لما بينا بالدلالةِ قدرة الله سبحانه على اضطرارِ من خاطبهُ من خلقهِ، إلى فهمِ ماخاطبَه به، وكان ذلك يعزبُ في قدرةِ المخلوقِ، إذ لا قدرةَ له إلا على إنشاءِ الصيغِ التي وضعَها لأمورٍ أرادَها بها ووضَعها لها، فأمَّا إنشاءُ الفهمِ لمن خاطَبه بمعاني مرادِه منها فلا قدرةَ لهُ على ذلك، وجبَ علينا بيانُ الطريقِ الذي يحصلُ به تفهيمُ خطابهِ كما بينا طريقَ قدرتِه على وضعِ صيغِ خطابهِ، ونظمهِ للحروفِ المعبرةِ عن مرادهِ. فنقولُ وبالله التوفيق: إن الواضعَ لصيغِ الخطاب لا يزالُ يخاطبُ بالاسمِ نطقاً، ويشيرُ إلى المسمى بتلك الصيغةِ إشارَةً، تنبه المخاطبَ أن هذهِ الصيغةَ لهذا المشارِ إليه، ولا يزالُ كذلكَ، إلى أن يستقرَ في نفسِ المخاطب بهذا الخطاب وهذا الاسمِ، أنه اسم لذلك المشارِ إليه، وهذا دأبُ الأباءِ والأمهَاتِ مع الأطفالِ، والمعلمينَ للبهائم الصنائع، والناقلينَ من اللغاتِ إلى غيرِها بالتراجم.

стр. 937

فصل واعلمْ أنَّ الله سبحانَه، غيرُ محتاج إلى إقامةِ الدلالةِ على كلامِه لمن كلَّمه، بل هو القادرُ على إيقاعَ ذلك في نفس من خاطبهُ، واضطرارهِ إلى ذلك، لكنه إن أقامَ دلالةً من أفعالٍ خارَقةٍ، فإنما يفعلُ ذلك ليثيبَ المستدلينَ باستدلالِهم، كما أنّه كان قادراً على اضطرارِ الخلقِ إلى معرفتِه، من غيرِ استدلالٍ، بافعالِه، ثم إنه جعلَ السبيلَ إلى معرفتِه والطريقَ إلى إثباتِه، ما ذرأ وبرأ، وما ضمَّن مخلوقاتِه من الدلائلِ على حدثِها واحتياجها إلى صانعٍ، ووضعَ فيها من إحكام الصنعةِ ما دل به على حكمتِه وعلمهِ، فكذلك وضعَ الأدلةَ على أنهُ هو الَمتكلمُ لمن كلمهُ مكافحةً، كموسى دكَّ له الجبلَ، وقلبَ عصاهُ ثعباناً، ومحمدٍ ﷺ أسرى بهِ ليلاً في بعضِ ليلةٍ، وقطع به المسافاتِ البعيدةَ، فهذهِ الدلائلُ إمّا لمجردِ المشيئةِ، أو لإظهارِ جواهرِ الرجالِ بعلوم الاستدلالِ، وإثابتهم على ما يلحقهُم في الاستدلالِ من الكلفِ، كماَ كلفهم سائرَ الأعمالِ مع غنائِه عنها. وقد دل على قدرتِه علىٍ اضطرارِ الخلقِ كلّهم إلى معرفتِه، أنه قد وضعَ في عقولهم ما عرفوهُ بديهة بأولِ وهلَةٍ، مثلُ العلوم الضروريةِ، وعرَّفهم بعضَ الأشياءِ بأدنى فكرةٍ، وعرفهم بعضَها بالاستدلاَلِ الغامض، والبحثِ الدقيقِ، والوسائط البعيدةِ المسافةِ، فلا يعتاصُ عليه فعلُ ما فعلُه بوسيطِه أن يفعلَه مبادأةً بغيرِ تلكَ الوسيطةِ. فصل واعلمْ أنَ أمرِ اللهِ سبحانه ونَهيه لمن أمرهُ ونهاهُ حقيقةٌ، وكلامه لمن كلمهُ حقيقة، وأنَ المأمورَ والمنهيَ محدثٌ، ولا يقف كونُه أمراً، على وجودِ المأمورِ والمنهي، لما أجمعَ عليه أهلُ اللغةِ والعقلاءُ في الشاهِد، أن الموصيَ آمرٌ وناهٍ بوصيتِه، لما كان مضيفاً للكلامِ إلى

стр. 938

من يوصيهِ، فالله سبحانهَ أحق بهذِه الحقيقةِ، لأن الموصي يجوزُ أن تحولَ بينَ وصيتهِ والموصى لهُ العوائقُ، وتقطعَ عنها القواطُع، واللهُ سبحانه العالمُ بكونِ ما يُكَوَّنُهُ، وخلقِ ما يخلقهُ، فيتناولُه أمرهُ ونهيهُ، ولو تَعَذرَ ذلك في الشاهدِ، ولم يتحققْ في حق أحدٍ من المخلوقين، أن يكون آمراً ناهياً مكلماً، إلا بوجودِ من يأمرهُ ويخاطبهُ، لما جازَ أن يقفَ كلامُ الله وأمرهُ سبحانَه ونهيهُ، على وجودِ من يكلمهُ ويأمُره وينهاهُ، كما أن أسماءَ المخلوقينَ، لا تتحققُ إلا بايجادِ الأفعالِ، واللهُ سبحانَه سمى نفسه بأسماءٍ مشتقةٍ من أفعال مستقبلةٍ، وأسماؤهُ لم تفارقْه ولا تزايلُه، فهو سبحانه الإِلهُ ولا مألوهَ، والربُّ ولا مربوبَ، ولا أحدَ من المسلمينَ استجازَ أن يقولَ في تشميةِ الباري إلهاً ورباً: إنهُ مجازٌ، أو إنه لم يكنْ رباً قبلَ الخلقِ ولا إلهاً. فثبتَ أنهُ آمرٌ ناهٍ، مخبرٌ متواعدٌ لم يزلْ، كما أنه لم يزلْ متكلماً، ومن طلبَ لأمرِه وجودَ المأمورِ ولنهيهِ وجودَ المنهي، وادّعى أنهُ متى كان آمراً ولأ مأمورَ، لم يكُ مفيداً، وإنَّما يكون مفيداً إذا تعلقَ بالمأمورِ المنهي، فإنما تطلبُ الفائدةُ من حيثُ جعلَ كلامهَ فعلاً، ولا يتحققُ هذا إلا من قائلٍ بحدثِ الكلام وخلقهِ، فأمَّا من لم يَطلبْ لكونهِ متكلماً فائدةً، كذلك يلزمهُ أن لا يطَلبَ لكونه آمراً ناهياً فائدة. فإن قال:- لسنا نطلبُ لكونهِ متكلماً متعلقاً، ءوإنما نطلُب لكونِه متكلّماً مخاطباً. قيلَ لهُ: فهلْ أثبتَه متكلماً لا آمراً ولا ناهياً ولامثْبتاً لهُ بكونهِ متكلماً أقسامَ الكلامِ؛ فإن قال: نعم، فقد خرجَ عن حد المثبتينَ للكلامِ، وليسَ ذاك

стр. 939

مذهَبهُ، ولا مذهبَ أحد من أهلِ اللغةِ، ولا مذهبَ أحدِ من العقلاءِ على اختلافِ لغاتِهم. وإن قالَ: بلْ أثبتهُ متكلماً بأقسامِ الكلامِ. قيلَ: ففي أقسامِ الكلامِ ما لا بدّ لهُ من متعلقٍ، وهو الأمرُ يفتقرُ إلى مأمورٍ، والنهى يفتقرُ إلى منهي، ومع ذلكَ لم تجعلْه آمراً بعد أن لم يكن آمراً، كذلك كونُه مخاطباً ومتكلماً، ولا فرقَ. فصل ولا يجوزُ على كلامِ الله الاختلافُ ولا المناقضةُ، ويجوزُ منهُ وعليهِ المجازُ والاشتباهُ. ولا بُدٌّ أن يوضح معنى كلِّ واحدٍ من هذين المنفيين والجائزين، فالاختلافُ والمناقضةُ تدخُل على الألفاظِ والمعاني، فدخولُها في الألفاظ، مثلُ قوله: زيدٌ حيٌ لا حيٌ، وعمروٌ عالمٌ لا عالمٌ. والمناقضةُ في المعنى: فلانٌ حيٌ ميتٌ، أو عالمٌ جاهلٌ. وهذا القبيلُ قد نفاهُ الله سبحانه عن كلامهِ بقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. ونفاهُ دليلُ العقلِ عنه، لما وجبَ لذاتِه سبحانَه وصفاتِه من الكمالِ وعدمِ النقائصِ، والكلامُ من صفاتِه، وقد نفى سبحانه التفاوتَ عن أفعالِه بقولِه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، فكانَ ذلك تنبيهاً على نفيِ النقائِص عن صفاتِه. وأما المتشابهُ: فما تردَّد بين معنيين، أو معانٍ عدةٍ مختلفةٍ في وضعِ اللغةِ، ودخلَ ذلك على أحكامِه، وبين أفعالَه وصفاتِه.

стр. 940

واختلفَ الناسُ في أعيانِ المتشابهِ، وفي المرادِ بهِ في اصلِ الخطاب بهِ وفي عين المرادِ منهُ، وهل كله معلوم أو بعضُه معلوم؟ واختلفوا أيضاً في إطلاقِ المجاز على كلامِه سبحانه، وفي عين المجازِ. مثالُ أصلِ المتشابه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿أو لمستُم- أو لامستم- النساءَ﴾ [النساء: ٤٣] (١). فالقروءُ تترددُ بين الحيضِ والطهرِ، والعفوُ يترددُ بينَ البذلِ والإسقاطِ، واللمسُ والملامسةُ مردد بينَ اللمسِ باليدِ أو الجماعِ، ويصرفُ إلى أحدِهما بدلالةٍ توجبُ أنهُ أولى بصرفِه إليه، بما قد ذكرناهُ في حجاجَ الفقهاءِ وجدلهم. وأعيانهُ هو ما صرفَ إليه بدلالةٍ، فيصيرُ ما تصرفُ إليهِ الدلالةُ من القروءِ والعفوِ واللمس، هو المرادَ باللفظِ، ويزولُ الاشتباه بقيام الدلالةِ. فهذا تشابهٌ في الكلامِ، لكن في قبيلِ الأحكامِ.

стр. 941

فأمَّا المتشابهُ في باب الأفعالِ والصفاتِ (١)، فمثلُ قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا﴾ [الكهف: ٨٠]، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقوله في حق آدم: ﴿فَوَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وفي- حقِّ موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]، وقولهُ في حقِّ عيسى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]. ويدخلُ في هذا القبيلِ من المتشابهِ، الحروفُ المقطعةُ في أوائل السورِ (٢). فقد اختلفَ الناسُ في هذا، فقومٌ سلكوا فيهِ وبهِ مسلكَ المترددِ في بابِ الأحكامِ، مثلُ القروءِ والعفوِ واللمس، فصرفوهُ بدلائلَ من كتابِ الله ودلائلِ العقولِ، إلى أنَّها إضافات يصرفُها اَلدليلُ هي أحقُّ بالأفعالِ، فقالوا: لأنَّ الاستواءَ الى السماءِ بنفس الذاتِ هو الذهابُ نحوها، وهو في الحقيقةِ عينُ التحركِ إلى فوقِ السماَء صعوداً، والاستواءُ على العرشِ هو التمكُّن والاستقرارُ الذي يكونُ للجسمِ على الجسمِ، كاستواءِ نوحٍ على سفينته، والراكب على دابتِه، وبالنصَ النافي للتشبيهِ ينتفي ذلك عنهُ، وهو قولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وبدليلِ العقلِ الذي نفى كونَه جسماً، وهو الوحدانيةُ في الذاتِ والجسم المؤلف بدليلِ إدخالِ أهلِ اللغةِ عليه لفظة: أفعلْ، وهي أجسمْ، وليسَ ذلك إلا لتزايدِ التأليفِ بزيادةِ الجواهرِ. وبالدليلِ الذي نفى عنه الخروجَ من حالي إلى حالٍ، وهو التغيرُ

стр. 942

الذي لا يجوزُ على القديمِ بحالٍ، وهو الذي ذكرهُ اللهُ عن خليلهِ إبراهيم ورضيهُ له دليلاً على حدَثِ النجوم، حيثُ استدل بالُأفولِ بعد الطلوع، فأشعرَ ذلك عن الله سبحانه أنهُ لا بهذه الأوصافِ حيثُ قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] بعد أن قال في حق المغيراتِ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، فدل على أنهُ إنما صرفَ الصناعةَ والإلهيةَ إلى مَن ليسَ على هذهِ الحالِ، وهو التغيرُ والزوالُ. فلمّا عدلوا عن حقيقةِ الاستواءِ في الأجسامِ، انقسموا فيما صرفوهُ إليه فقال قومٌ: يعنى قصدَ إلى السماءِ وهي دُخانٌ، يعني بخارَ الماءِ، وقولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: استولى على الملك. وقال قومٌ بعد صرفهِ عن الوجهِ الأولِ: لا ندري ما معناهُ في حقِ. الله تعظيماً لأمرِ الله وشأنهِ عن التأويلِ، خوفاً من مزلةِ قدمٍ، كما نزهوُه عن التشبيهِ، ولهم في ذلك أئمة من السلفِ كأبي بكرٍ الصديقِ وعمرَ بن الخطاب، هذا يقول عندَ سؤالهِ عن الكلالةِ: أي سماءٍ تظلني وأي أرض تقلُّنيَ إذا قلتُ في كتابِ الله برأي (١)، وتأويلُ الكلالةِ غايتهُ

стр. 943

خطأ من وارثٍ إلى غير وارثٍ. وعمرُ يقولُ: هذه الفاكهةُ، فما الأب؛ ثم يستغفرُ الله ويقولُ: ماذا عليكَ يا ابنَ الخطاب؟ (١). فالتحرّجُ عن التأويلِ مذهب، والإقدام على نفي التشبيهِ كلُّ المذهبِ، وأما قولُه: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، فراجعٌ إلى حسرتهم على أنفسِهم، يُصدقُه قولُه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] يعني في حقِّ الله. ﴿فَخَشِينَا﴾ [الكهف: ٨٠] يرجع إلى الخضرِ، وأنهُ لما اطلعَ على ما يكونُ منه، خشيَ أن يبلغَ فيكفرَ ويُكفِّرَ أبويه. وقولُه: ﴿آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] يرجعُ إلى موسى، بدليلِ قولهِ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] وهو النهايةُ في الغضبِ، وأبداً يضيفُ الباري إضافةً، ظاهرُها أنها إليه بنونِ العظمةِ وغيرِها، ويريدُ به الإِضافةَ إلى خلقهِ، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، والمرادُ بهِ فقراءُ عبادِ الله. وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] والمرادُ به أنبياءُ الله وأولياءُ اللهِ، وهذا لغةُ العرب ودأبُهم في حذفِ المضافِ، وإقامةِ

стр. 944

المضافِ إليهِ مقامهُ. وقولهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] روحُ ملك، وإضافةُ تجميلٍ وتقريبٍ كقو لِه في الكعبةِ: ﴿بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وتسميته روحَ آدم: ﴿رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، لا أن البَيت مسكنهُ، ولا الروُح صفتهُ، لكن خلقهُ، وبجَّلَهما بالإضافةِ إليه، وكفى بذلك تعظيماً وتشريفاً. وأما قولُه: ﴿لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩]: على مرأى منّي بدليلِ قولِه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]. والحروفُ المقطعةُ؛ فقد فسرَها قومٌ بالاشتقاقِ، كالكافِ من كافي، والهاء من هادي (١). وقال قومٌ: لا يعلمُ تأويلُها إلا الله (٢)، كما قالتْ جماعةٌ من أهلِ السُّنةِ في التشابهِ بينَ الأفعال والإضافاتِ. وليس في آياتِ الأَحكامِ اشتباهٌ يُعْجِمُ على العلماءِ بحيثُ يمنع الحكمَ والعملَ، إذ ليسَ المقصودُ بآياتِ الأحكامِ إلا الأعمال. وأما آياتُ الاعتقادِ، فإنه يجوزُ أن يكونَ أحدُ أقسامِ التكليفِ فيها التسليمَ للهِ، ورَدَّ معناها إليه، وهو الأشبهُ بقولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أنه سَلْبٌ للعلماءِ الراسخين عِلْمَ تأويلِ المتشابه، لأنَه قال: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران: ٧] ولم يعْطِفْ إيمانَهم بالواوِ، ولو كانوا علموا، لعطفوا إيمانَهم على علمِهم بواوِ العطف، وقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، توطئةٌ للقلوب على تسليم المتشابهِ لمن جاءَ من عندِه المحكمُ. وإنّما يتجاذَبُ المختلَفون من أهلِ الاجتهادِ المعانِي بحسب ما حظي كلٌ منهم مِن الفهمِ، فهذا يحملُ الآيةَ على ما أرادهُ اللهُ منها بالحجةِ،

стр. 945

وهذا يصْرِفُهُ إلى غيرِ الحق بالشُّبهةِ، وللمصيب أجرُ الاجتهادِ وأجرُ الإصابةِ، وللمخطِىءِ أجرُ الاجتهادِ، ولا مأثَمَ علَيه في الخطأ، وهذا فرضُ المجتهدين في المتشابهِ في آي الأحْكامِ.

стр. 946

فصل في تقديمِ ذكرِ الحقيقةِ قبلَ المجازِ واعلمْ أنَّ قولَ القائلِ: حقيقة، ينصرفُ إلى حد الشيءِ، نقول: ما حقيقةُ العالَمِ، وما حَد العالَمِ، وما حقيقةُ الجسمِ، وما حَد الجسمِ؛ فتبْدل الحقيقة بالحد، ويتحدُ الجوابُ عنهما بذكرِ خَصِيْصَةِ المسؤولِ عنهُ. فأمَّا الحقيقةُ في الكلامِ: فهي عبارة عن قول اسْتُعْمِلَ فيما وُضِعَ له في الأصلَ. وأما المجازُ: فهو استعمالُ الكلامِ أو القولِ في غيرِ ما وضعِ لة. وتنفصلُ حقيقةُ الشيء التي هي حده عن حقيقةِ القولِ، بأن حقيقةَ الشيءِ لا نقيضَ لها ولامجازَ فيها، وحقيقةُ القولِ لها نقيضٌ من المجازِ، وهو مشتق من المجاوزةِ به إلى غيرهِ، من قولك: جزْتُ النَهْرَ والساقِيةَ. إذا تجاوزتَه، فهذا معنى الحقيقةِ والمجازِ. فصلٌ في أنواعِ المجازِ وأعيانهِ وهو منقسمٌ إلى: زيادةٍ، إذا حُذفتْ ظَهرتْ مِن الكلامِ حقيقتة،

стр. 947

كقولِه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، الكافُ زائدة، والمرادُ بهِ ليسَ مثلَه شيء، وإذا انحذفتِ الكافُ ظهرت الحقيقةُ. وإلى نُقْصَانٍ، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ومعناه: سلْ أَهْلَ، فحذفَ أهلَها، المراد سؤالهم، وأقامَ القريةَ وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وحَذَفَ حُبَّ العِجْلِ، ولو ذكرَ حُبَّ العجلِ لكان هو الحقيقةَ. وإلى استعارةٍ بضربِ من القياسِ؛ كقولِهم في، الرجلِ البَليدِ: حمارٌ، لنوع مُشابهةٍ في اَلبَلادَةِ، وفي الكريمِ والعالِمِ: بحرٌ، لضربٍ من المُشاكَلةِ في الفَيْضِ. ومنه تسميتُهم الشيءَ بما يَؤولُ إليه، واستبقاءُ اسمِ الشيءِ لما كانَ عليه، كقولِهم في المَولودِ: يَهْنيْكَ الفارسُ، تفاؤلًا بأن يكونَ فارساً، وقد قالَ سبحانه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، ويريدُ به ما يصيرُ خَمراً وإِنما يَعصُر عصيراً، وقولُه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، والمرادُ به ستموتُ وَيمُوتونَ. ومن أقسامهِ أيضاً: تسميةُ الشيءِ بضدِّهِ تفاؤلًا، مثل قولهم في الطَريقِ المَخُوفِ: مَفَازَةً، وفي اللَّسيعِ واللَّديغِ: سليم.

стр. 948

فصل (١) وقد نص أحمدُ ﵁ على كَوْنِ بعضِ القُرآنِ مَجازاً، فقال في قولِه: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]: هذا في مجازِ اللُغَةِ، فقد أعطى هذا القولُ منه تأويلَ ما أضافه إلى نفسِهِ سبحانه من كونه مع خلقِه، وأَنّه بعلمهِ لا بذاتِه، وقال أيضاً في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]: بعلمه، وهذا يُعطي التأويلَ والمجازَ. وقد تعاطى قومٌ من الرَّافِضَةِ وأَهلِ الظَّاهرِ تنزيهَ القرآنِ من المجازِ، وزعموا أَنَ جميعهَ حقيقةٌ، وأَن الذينَ ذهبوا إلى القولِ بالمجازِ ضاقتْ عليهم طُرُقُ الحقيقةِ، وخفِيتْ عليهم الحقائقُ لجَهْلِهِم بها، وأَخذوا في بيانِ كلِّ آيةٍ وأنها حقيقةٌ مع عدمِ حذفِ التقديرِ، وعدمِ حذفِ الزيادة والنُّقصانِ، وأَخذوا في إعطاءِ كلِّ آيةٍ حقيقتَها، وذهبَ إليه بعضُ أَصحابنا، فقالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لا تحتاجُ أَنْ تُحْمَلَ على أهلِها، بل القريةُ في الأَصلِ هو المجمعُ مِن الناسِ، لأَنَّ الِإقراءَ، والاقتراءَ والقروءَ والقراءةَ والقرآنَ كلُّ ذلك اسمٌ للجمع، تقولُ العرب: مَا قَرَأتِ النَاقَةُ سَلاً قطُّ، يريدون مَا جمعتْ في رحمها جنيناً قط، وقَرَأتُ الماءَ في الحَوضِ، يريدُ به جمعته، و ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨] جَمَعْناهُ، فإذا ثبتَ هذا كانت القريةُ مَجْمَعَ النَّاسِ، والسؤالُ لجماعةِ النَّاسِ سؤال لحقيقةٍ هي القريةُ، فأَمَّا أَنْ يكونَ المرادُ بالقريةِ الجدارَ، ويُحملُ السؤالُ على أهلِ ذلك الجدارِ، فلا. وقولُه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وهو أَنَ العجلَ حَرقَهُ ونَسَفَهُ موسى في اليمِّ نَسْفَاً، فكان عُبادُهُ يأخذونَ سُحَالَة (٢) العجلِ مع الماءِ

стр. 949

فيشربُونها، ويقولون: إنَ هذا أحبُ إلينا من موسى وإلههِ، كذا وردَ في التفسير (١). وقولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فالمرادُ بالمثلِ هاهنا هو مثلُ قولهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥]، وسَاقَ ذكرَها، وكأنَّ ما ذكرهُ منها هو نعتُها، كأنَّه يقولُ: ليس كنعتهِ وصِفتهِ شيءٌ. وقولُهْ ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ليسَ المرادُ به مواضعَ الصلواتِ، لكنَّ الهياكلَ التي يُصلون فيها تُسمى صلوات، فهي اسم مشتركٌ بين الفِعلِ والمسجدِ، واعتلّوا لهذه المَقالةِ بأَن المجازَ لا يَسلكُهُ أهلُ اللُغةِ إلا ضرورةً وحاجةً منهم إلى الاستعارةِ والحذفِ والزيادة، والباري ليس بمحتاجٍ. قالوا: ولو تَكلَّم بالمجازِ، لجازَ أَنْ يُسمَّى مُتَجوِّزَاً، وقد أجمعنا على أَئه لا يجوزُ تسميتُه بذلك، فدلَّ علي أنه لا يجوزُ عليه التكلم بالمجازِ. قالوا: ولأَنَّه لما لم يَجُزْ أَن يتكلم بغيرِ الحقِ، بل كان كلامهُ كلهُ حقاً، وجَبَ أَنْ لا يتكلمَ بالمجازِ ويكونَ كلامه كلهُ حقيقةً، ولا فرقَ عند العقلاءِ بَيْنَ قولِ القائل: ليس هذا الكلامُ حقاً. وبينَ قوله: ليس هذا الكلامُ حقيقةً. فيقولُ العالِمُ من أهلِ اللغةِ، في استثباتِ الكلامِ الذي يَسمَعهُ من غيرهِ: أحقاً تقولُ؟ كما يقولُ: أحقيقةً تقول؟. فصل يتضمنُ الدلالةَ على ما ذكرنا، وهو ردٌّ لجميعِ ما ذكروا، وكلام عليه

стр. 950

لا يجدون عنه محيصاً، وايرادُه على وجهٍ لا يمكنُ التعرضُ بسؤال ولا إلزام ولا مقابلةٍ تنفعهُم. فنقولُ: لو أنَكم تكلمتمْ على كلُّ آيةٍ ذكرهَا الموافِقُون لَنا، حتى تبقى معنا آيةٌ واحدةٌ تعطي المجازَ، لا نطلب مقالتَكم، لأنَ مقالتكم تتضمن النفيَ، فأدنى إثباتٍ يبطل نفيكُم، وقد قالَ تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] فهل تتحقق للجدارِ إرادةٌ؟ فِمنْ قولِكم: لا، لم يبقَ إِلا أنَّ تقديرَه: فوجدَا فيهاجدارَاً مائِلًا كأنه المرِيْدُ من الحيوانِ للانقضاضِ. وقوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] , وعيسى ليس بقولٍ حقيقة، بل هو شخصٌ لحمٌ ودمٌ وأعصابٌ وعروقٌ، وكلام الحقِّ إما حروفٌ وأصواتٌ، كما قال بعضُ المثبتين، وبعضُهم يقول: صفةٌ في النَفسِ، وبعضُهم يقول: أصواتٌ محْدَثَةٌ، ولا أحدَ قال: إنَ كلمةَ اللهِ لحمٌ ودمٌ وعظامٌ. وقوله لمحمدٍ ﷺ وهو حيٌّ ناطقٌ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ وأصحابُه أحياءٌ ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وإِنَّما أرادَ به: ستموتُ. وقال سبحانَه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والذي أَخبر به عنهم حال التِقاطِهِ أنْ قالوا: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص: ٩] لكنَّ اللامَ هاهنا كانت لامَ عاقبةٍ كقولِ العرب (١): ولِلْمَوتِ ما تَلِدُ الوالِدَه.
следующие страницы →