← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فصل في تقديمِ ذكرِ الحقيقةِ قبلَ المجازِ واعلمْ أنَّ قولَ القائلِ: حقيقة، ينصرفُ إلى حد الشيءِ، نقول: ما حقيقةُ العالَمِ، وما حَد العالَمِ، وما حقيقةُ الجسمِ، وما حَد الجسمِ؛ فتبْدل الحقيقة بالحد، ويتحدُ الجوابُ عنهما بذكرِ خَصِيْصَةِ المسؤولِ عنهُ. فأمَّا الحقيقةُ في الكلامِ: فهي عبارة عن قول اسْتُعْمِلَ فيما وُضِعَ له في الأصلَ. وأما المجازُ: فهو استعمالُ الكلامِ أو القولِ في غيرِ ما وضعِ لة. وتنفصلُ حقيقةُ الشيء التي هي حده عن حقيقةِ القولِ، بأن حقيقةَ الشيءِ لا نقيضَ لها ولامجازَ فيها، وحقيقةُ القولِ لها نقيضٌ من المجازِ، وهو مشتق من المجاوزةِ به إلى غيرهِ، من قولك: جزْتُ النَهْرَ والساقِيةَ. إذا تجاوزتَه، فهذا معنى الحقيقةِ والمجازِ. فصلٌ في أنواعِ المجازِ وأعيانهِ وهو منقسمٌ إلى: زيادةٍ، إذا حُذفتْ ظَهرتْ مِن الكلامِ حقيقتة،

стр. 947

كقولِه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، الكافُ زائدة، والمرادُ بهِ ليسَ مثلَه شيء، وإذا انحذفتِ الكافُ ظهرت الحقيقةُ. وإلى نُقْصَانٍ، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ومعناه: سلْ أَهْلَ، فحذفَ أهلَها، المراد سؤالهم، وأقامَ القريةَ وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وحَذَفَ حُبَّ العِجْلِ، ولو ذكرَ حُبَّ العجلِ لكان هو الحقيقةَ. وإلى استعارةٍ بضربِ من القياسِ؛ كقولِهم في، الرجلِ البَليدِ: حمارٌ، لنوع مُشابهةٍ في اَلبَلادَةِ، وفي الكريمِ والعالِمِ: بحرٌ، لضربٍ من المُشاكَلةِ في الفَيْضِ. ومنه تسميتُهم الشيءَ بما يَؤولُ إليه، واستبقاءُ اسمِ الشيءِ لما كانَ عليه، كقولِهم في المَولودِ: يَهْنيْكَ الفارسُ، تفاؤلًا بأن يكونَ فارساً، وقد قالَ سبحانه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، ويريدُ به ما يصيرُ خَمراً وإِنما يَعصُر عصيراً، وقولُه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، والمرادُ به ستموتُ وَيمُوتونَ. ومن أقسامهِ أيضاً: تسميةُ الشيءِ بضدِّهِ تفاؤلًا، مثل قولهم في الطَريقِ المَخُوفِ: مَفَازَةً، وفي اللَّسيعِ واللَّديغِ: سليم.

стр. 948

فصل (١) وقد نص أحمدُ ﵁ على كَوْنِ بعضِ القُرآنِ مَجازاً، فقال في قولِه: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ [الشعراء: ١٥]: هذا في مجازِ اللُغَةِ، فقد أعطى هذا القولُ منه تأويلَ ما أضافه إلى نفسِهِ سبحانه من كونه مع خلقِه، وأَنّه بعلمهِ لا بذاتِه، وقال أيضاً في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]: بعلمه، وهذا يُعطي التأويلَ والمجازَ. وقد تعاطى قومٌ من الرَّافِضَةِ وأَهلِ الظَّاهرِ تنزيهَ القرآنِ من المجازِ، وزعموا أَنَ جميعهَ حقيقةٌ، وأَن الذينَ ذهبوا إلى القولِ بالمجازِ ضاقتْ عليهم طُرُقُ الحقيقةِ، وخفِيتْ عليهم الحقائقُ لجَهْلِهِم بها، وأَخذوا في بيانِ كلِّ آيةٍ وأنها حقيقةٌ مع عدمِ حذفِ التقديرِ، وعدمِ حذفِ الزيادة والنُّقصانِ، وأَخذوا في إعطاءِ كلِّ آيةٍ حقيقتَها، وذهبَ إليه بعضُ أَصحابنا، فقالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لا تحتاجُ أَنْ تُحْمَلَ على أهلِها، بل القريةُ في الأَصلِ هو المجمعُ مِن الناسِ، لأَنَّ الِإقراءَ، والاقتراءَ والقروءَ والقراءةَ والقرآنَ كلُّ ذلك اسمٌ للجمع، تقولُ العرب: مَا قَرَأتِ النَاقَةُ سَلاً قطُّ، يريدون مَا جمعتْ في رحمها جنيناً قط، وقَرَأتُ الماءَ في الحَوضِ، يريدُ به جمعته، و ﴿فَإذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨] جَمَعْناهُ، فإذا ثبتَ هذا كانت القريةُ مَجْمَعَ النَّاسِ، والسؤالُ لجماعةِ النَّاسِ سؤال لحقيقةٍ هي القريةُ، فأَمَّا أَنْ يكونَ المرادُ بالقريةِ الجدارَ، ويُحملُ السؤالُ على أهلِ ذلك الجدارِ، فلا. وقولُه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ وهو أَنَ العجلَ حَرقَهُ ونَسَفَهُ موسى في اليمِّ نَسْفَاً، فكان عُبادُهُ يأخذونَ سُحَالَة (٢) العجلِ مع الماءِ

стр. 949

فيشربُونها، ويقولون: إنَ هذا أحبُ إلينا من موسى وإلههِ، كذا وردَ في التفسير (١). وقولُه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فالمرادُ بالمثلِ هاهنا هو مثلُ قولهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥]، وسَاقَ ذكرَها، وكأنَّ ما ذكرهُ منها هو نعتُها، كأنَّه يقولُ: ليس كنعتهِ وصِفتهِ شيءٌ. وقولُهْ ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ليسَ المرادُ به مواضعَ الصلواتِ، لكنَّ الهياكلَ التي يُصلون فيها تُسمى صلوات، فهي اسم مشتركٌ بين الفِعلِ والمسجدِ، واعتلّوا لهذه المَقالةِ بأَن المجازَ لا يَسلكُهُ أهلُ اللُغةِ إلا ضرورةً وحاجةً منهم إلى الاستعارةِ والحذفِ والزيادة، والباري ليس بمحتاجٍ. قالوا: ولو تَكلَّم بالمجازِ، لجازَ أَنْ يُسمَّى مُتَجوِّزَاً، وقد أجمعنا على أَئه لا يجوزُ تسميتُه بذلك، فدلَّ علي أنه لا يجوزُ عليه التكلم بالمجازِ. قالوا: ولأَنَّه لما لم يَجُزْ أَن يتكلم بغيرِ الحقِ، بل كان كلامهُ كلهُ حقاً، وجَبَ أَنْ لا يتكلمَ بالمجازِ ويكونَ كلامه كلهُ حقيقةً، ولا فرقَ عند العقلاءِ بَيْنَ قولِ القائل: ليس هذا الكلامُ حقاً. وبينَ قوله: ليس هذا الكلامُ حقيقةً. فيقولُ العالِمُ من أهلِ اللغةِ، في استثباتِ الكلامِ الذي يَسمَعهُ من غيرهِ: أحقاً تقولُ؟ كما يقولُ: أحقيقةً تقول؟. فصل يتضمنُ الدلالةَ على ما ذكرنا، وهو ردٌّ لجميعِ ما ذكروا، وكلام عليه

стр. 950

لا يجدون عنه محيصاً، وايرادُه على وجهٍ لا يمكنُ التعرضُ بسؤال ولا إلزام ولا مقابلةٍ تنفعهُم. فنقولُ: لو أنَكم تكلمتمْ على كلُّ آيةٍ ذكرهَا الموافِقُون لَنا، حتى تبقى معنا آيةٌ واحدةٌ تعطي المجازَ، لا نطلب مقالتَكم، لأنَ مقالتكم تتضمن النفيَ، فأدنى إثباتٍ يبطل نفيكُم، وقد قالَ تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] فهل تتحقق للجدارِ إرادةٌ؟ فِمنْ قولِكم: لا، لم يبقَ إِلا أنَّ تقديرَه: فوجدَا فيهاجدارَاً مائِلًا كأنه المرِيْدُ من الحيوانِ للانقضاضِ. وقوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] , وعيسى ليس بقولٍ حقيقة، بل هو شخصٌ لحمٌ ودمٌ وأعصابٌ وعروقٌ، وكلام الحقِّ إما حروفٌ وأصواتٌ، كما قال بعضُ المثبتين، وبعضُهم يقول: صفةٌ في النَفسِ، وبعضُهم يقول: أصواتٌ محْدَثَةٌ، ولا أحدَ قال: إنَ كلمةَ اللهِ لحمٌ ودمٌ وعظامٌ. وقوله لمحمدٍ ﷺ وهو حيٌّ ناطقٌ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ وأصحابُه أحياءٌ ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وإِنَّما أرادَ به: ستموتُ. وقال سبحانَه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] والذي أَخبر به عنهم حال التِقاطِهِ أنْ قالوا: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ [القصص: ٩] لكنَّ اللامَ هاهنا كانت لامَ عاقبةٍ كقولِ العرب (١): ولِلْمَوتِ ما تَلِدُ الوالِدَه.

стр. 951

وقالوا: له مَلَكٌ يُنادِي كُل يَوْمٍ ... لِدُوا لِلمَوْتِ وابنُوا لِلخَرابِ (٢) ومعلومٌ أَنَّ المُرادَ به العاقبةُ، لا أَنّهم يلدونَ للموتِ ويبنونَ للخَراب، لكنهم لَما ولَدُوا مَنْ يَموتُ وبَنوا ما يَخْرُبُ، سُمُوا بذلك في الحال لتحققهِ في مُستقبلِ الحالِ. فلو سَلِمَ لكم ما ادعَيْتم في تلك الآيات، ثَبَتَ لنا ما نُريدُ من إِثباتِ المجَار بهذه الآياتِ، وانعدمَ مذهبُكم، لأَنَ وجودَ ذلك في كتاب الله سبحانَه، ولَو في آيةٍ واحدةٍ، يبطلُ به مذهبكم لأنكم تدّعونَ النفيَ على الإطلاقِ. على أنَا لا نتركُ ما ذكرتُموه على الآياتِ بل نُبطلُه بعونِ الله: فأمَّا قولُكم: القريةُ مجمعُ النَاسِ وجمعُهم. فإن كانَ هذا هو الأصلَ فنُحاجُّكم بقولهِ: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧]، فتراه أراد به: حتى إِذا أتَيَا جمعاً مَن النَاسِ استطعما أهلَ ذلك الجَمْعِ، وهل للجمعِ أهل؟ وذِكْرُ الأهْلِ مرتين يدلُّ على أنَّ المرادَ بالقريةِ البُنْيَانُ الذي يسكُنهُ الجَمْعُ، لذلك قال: أهلَها. وأمَّا قولُهم: وأشرِبوا في قلوبِهم عينَ العجلِ وبُرادتهِ، فَهَبْ أنَّ البُرادَةَ تبِعتِ الماءَ فشرِبُوه، أوَصَلَ العِجلُ إلى قلوبِهم عجلاً أم تكونُ

стр. 952

برداة ذهبٍ كان عجلأَ، فتفرقتْ صورتُه عجلاً؟ فإنْ قالوا: نعم. تجاهلُوا. وإِنْ قالوا: لا. قيل: فقد صارَ تقديرهُ، وأُشْرِبُوا في قلوبهم أجزاءَ ذهبٍ كان عجلاً، وهل وصلتْ بُرادتهُ إلى حبّاتِ قلوبِهم؟، وهل تصلُ سُحالةُ الحُلي إلى القلوبِ مباشرةً أو استحالةً، مع كونِ الذهبِ لا يستحيلُ كاستحالةِ الطعامِ, فيصلُ إِلى القلوبِ وصولَ المستحيلاتِ مِن الأغذيةِ، بل يَرْسبُ في المعدةِ، وهل يقالُ في عينِ الشيء: مثلُه إِلا مجازاً؟! وقولكم: المرادُ بمثلهِ هو. فهذا عينُ المجازِ، إِنْ قُدِّرَ في قولِه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْله شَيْءٌ﴾ ولأَنَّه لَيْسَ المِثْلُ من المِثْلِ بشيءٍ، لأن المِثلَ الشَّبَهُ، والشَّبهُ غيرُ، والمِثْلُ النَّعْتُ، وقولُه: ﴿مثَلُ الجَنَّةِ﴾ ليس مِن بابِ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ﴾، فهذا قدرُ مَا سَمِعْتهُ منهم في المناظرةِ. وأَمَّا تعلقهم بأَن المجازَ مِن ضَرورةِ اللَّفظِ، والباري سبحانه لا تتَطَرَّقُ عليهِ الضرورةُ، فهذا كلامٌ ضعيفٌ جداً، ولأن العربَ تتعمدهُ لتحسنَ كلامَها وتزينَ به حقائقَ الكلامِ، وتَعُده من القُدرةِ على النطقِ، ويَعُدونَ المقتصر على الحقائقِ مِن غيرِ توسعٍ، ضيِّقَ العبارةِ قصيرَ اللسانِ، والقرآنُ نزلَ بلغتهِم فجاءَ بطريقتهم. ولأَنَّ الموضوعاتِ في الأصلِ كلها منا حاجاتٌ أو ضروراتٌ، وليستْ مِن الله سبحانه كذلك، فِمن ذلك الكلامُ نفسهُ على قولِ مَن أَثْبَتَه حرفاً وصوتاً (١)،

стр. 953

والخِطابُ عند مَن جعلَ الكلامَ في النَّفسِ (١) ما وقَعَ ولا استُعملَ في حق المخلوقين إلا ضرورةً وحاجة لفهمِ ما في نفوسِهم، وتفهيمِ المُخَاطَبِ بأَغراضِهم، حتى لو أَمْكنَهم إيصالُ الأغراضِ بغير خِطابٍ لأوصلوا، ولذلك إذا تعذرَ الخطابُ عليهم عَدَلوا إلى المكاتبةِ بالخطِ، ثم إِنّ الله سُبحانَه خاطبَ، ولم يكُ خطابهُ على وجهِ الحاجةِ، فهذا على أصلِ قولهم في المجازِ: إِنَّه حاجةٌ مِنَّا وضرورةٌ. وأمَّا قولُهم: إِنَّ الحقيقةَ حقٌ أو كالحق، والمجازُ ضِد الحقيقةِ أو نقيضها، واللهُ سبحانَه لا يتكلمُ بغيرِ الحقيقةِ. ليس بكلامٍ صحيِح، لأَنَّ الحق مِن الكلامِ صدقهُ وموافقتهُ للعدلِ والجائز، وأَنْ لا يكون باطلاً. والحقيقةُ هي الموضوعُ، فيما وُضِعَ له في الأَصلِ وإِنْ كان باطلاً، ألا ترى أَن قول القائلِ مقالة النَّصارى، وكل باطلٍ قالَه مُبْطِل، هو حقيقةٌ فيما وُضِعَ له مِن الباطلِ، وليس بحقٍ، فالكاذبُ والكافرُ غيرُ محِقين فيما قالاه، بل مبطلان، لكن ليس قولُهما إلا الموضوعَ في أصلِ اللغةِ للباطلِ، ولذلك لا تَعُدُّ العربُ من قال في البليدِ: حمارٌ، وفي اللسيعِ: سليمٌ. كذَّاباً، ولا يقال لمن قال في الكريمِ: رأيتُ بحراً: كذبتَ، ويقالُ لمن قال: ليس زيدٌ في الدارِ وهو فيها: كذبتَ، وإِن كان نفيُ كونه في الدارِ، ليس بأكبرَ من تسميتِه بالماءِ الكثيرِ الغامرِ، وذلكَ ليس هو في الحقيقةِ، وما الحقُّ والحقيقةُ إلا كالتزويرِ والاستعارةِ، ومعلومٌ أن المُزَوِّرَ على خطِ غيره، والمتشبِّهَ به في أخذِ مالا يستحقهُ مذمومٌ، والمستعيرُ للأسماءِ واللُغاتِ ليسَ بمذمومٍ، ما هذا إلا لأَنّ هذا لغةٌ تستعملُ، وليس هذا مستعملاً.

стр. 954

وكذلك الرَّامي، إذا أصابَ بِنْتَه أو أَباهُ، لم يكن مُصيباً في موافقةِ الحقِّ بل مخطِئاً غايةَ الخطأ، مرتكباً أكبرَ الحرامِ، وهو مصيبٌ في باب الرمايةِ وبحكمِ الرُّماةِ، فكذلكَ الكذبُ. وتركُ الحقِ كتركِ مقتضَى الشرع في رمي الأب، والتوسعِ الذي هو موضوعُ صناعةِ الكلامِ، كالِإصَابةِ في الرمي، فبانَ تباعدُ ما بينهما. فصل واعلمْ أنَّ كلُّ مجازٍ فلا بُدَّ لهُ من حقيقةٍ، لأنَّ قولَنا: مجازٌ، مثلُ قولِنا: استعارةٌ، ولا بُدَّ للاستعارةِ من مستعارٍ منه، ولا بدّ للمغيرِ من مغيرٍ عليهِ ومُغَير عنهُ، كما لابدَّ للمقيسِ من مقيس عليه، ولابد للمشبهِ من مشبهٍ بهِ. فلو لم يكنْ لنا بحر هو الحقيقةُ، وهو الماءُ الغامرُ الكثيرُ، لمَا كانَ لنا ما يُسمى بحراً بنوعِ عِلْمٍ أوجُودٍ أو سرعةٍ في سعي، ولو لم يكنْ لنا حيوانٌ هو أسد له اسمُ الأسدِ حقيقةً، لمَا أمكننا أن نتَجوَّزَ في الرجلِ المِقْدَامِ في الحربِ باسمِ أسدٍ. فصل فأمَّا الحقيقةُ فلا تفتقرُ إلى مجازٍ، بل لنا حقائقُ مستقلةٌ لايستفادُ منها ولايتجوزُ فيها، وهي ضربان من الأسماءِ: وهي الأسماءُ العامةُ التي لا عمومَ فوقَها بل هي أعمُ العموم، مثلَ قولنا: معلومٌ ومجهولٌ، مظنونٌ ومسهوٌّ عنهُ، ومشكوكٌ فيهِ ومدلولٌ عليه، ومُخبَر عنهُ ومذكورٌ، فهو أوْقَعُ على المعدوم والموجودِ والقديم والمُحْدَثِ، فليسَ شيءٌ إلا ويَصِحُّ كونهُ معلوماً ومنَكوراً مخْبَراً، حتى

стр. 955

ما ليس بشيءٍ وهو المعدومُ، فلا يبقى شيء يقعُ عليه هذا الاسمُ استعارةً ومجازاً، وِإنَما يُتجوز بما تحتهُ مِن الأسماءِ، التي ليستْ أعمَّ العمومِ لوقوعِها على بعض المُسمياتِ، فيُستعارُ بمسمى آخرَ. والضربُ الآخرُ من الأسماءِ: أسماءُ الأعلامِ نحو قولِنا: زيدٌ وعمرو، لأنه اسم موضوع للفرقِ بين الأشخاصِ، لا للفرقِ في الصفاتِ، وإفادة معنى في المسمَّى، حتى إذا أجْريَ على من ليستْ له تلك الصفاتِ قيل: مجاز، نحو قولنا: ضاربٌ وظالمٌ، إذا أُجْرِيَ على من لا ضَرْبَ له ولا ظُلْمَ قيل: إنه مجازٌ، ولا يكون كذباً، وإذا قلنا في زيد: إنه عَمْرٌو كان كذباً، ولم يكن مجازاً، لأنا أوقعنا التسمية على محلٍّ لم تُوقعْ عليهِ بحالٍ، ولا فيهِ ما يُستعارُ إذ لم يُوضعْ لمعنى فيُستعارُ لهُ بوجودِ ذلك المعنى، بخلافِ البلادةِ في الحمارِ المستعارةِ للرجلِ البليدِ، فيحصلُ إيقاعُ اسم زيدٍ على عمروٍ، واسمِ عمروٍ على زيدٍ كذباً، وإشكالًا يزيلُ المقصود الذي وُضِعَ له، وهو الفرقُ. قالوا: وقد يجوزُ في موضعٍ أن يُتجوزَ بالاسمِ العلمِ، ويستعارَ بما عُرِفَ بهِ صاحبهُ من خصيصةٍ يَشْتَهِرُ فيها، ويصيرُ بها كالحيوانِ الموضوعِ له الاسمُ لمعناه وخصيصتِه، وهذا كقولِنا: سيبويه (١)، صار

стр. 956

مشهوراً في النحوِ، وعلي صار مشهوراً في الإِقدامِ والضربِ والطعنِ والثباتِ في الحربِ، وسَحْبَانُ (١) المشهورُ في الفصاحةِ، وباقلٌ (٢) المشهورُ بالفَهاهة (٣)، وحاتمٌ المشهورُ بالسخاوةِ، وأبو حنيفه (٤) بالفقهِ، وجالينوس (٥) بالطب.

стр. 957

فصارَ الناسُ يستعيرونَ للنحوي المُجَودِ اسمَ سيبويه، فيقولونَ، هذا سيبويهُ زمانِه، وللشجاع: هذا عليٌ، وللجوادِ: هذا حاتمُ طَيىءٍ، وللعيّي: هذا باقلٌ، وللفقيهِ: هذا أبو حنيفةَ زمانه، وللطبيبِ: هذا جالينوسُ زمانِه، كما استعاروا أسماءَ الحيوانات لخصائِصها ومعانيها لِمَنْ وُجِدَ في حقِّه ما يُدانيها من أوصافِها وخصائصها، وهذا الضربُ كاَنَّه قياسٌ على الوضعِ اللغوي بالمعنى الذي سَلكه أهلُ اللغةِ. فصلٌ في الفرقِ بينَ الحقيقةِ والمجاز اعلم أن طريقَ العلمِ بذلك عدةُ أمورٍ: أحدُها: أنَّ الحقيقةَ من الكلام جارٍ في جميع ما وُضِعَ لإفادتهِ نحوُ قولكِ: ضاربٌ وعالمٌ وقادرٌ، الوَاقعُ على كلُّ من لْه ضربٌ وعِلمٌ وقُدْرَةٌ. وكذلك قولُك: إنسانٌ وفرسٌ. المفيدُ للصورةِ المخصوصةِ، تابعٌ أبداً لها أينما وُجِدَتْ مِن غيرِ تخصيص، وإلاَ بطلت دلالةُ الكلامِ وانتقضتْ المواضعةُ. فأمَّا المجازُ فمقصورٌ على موضعهِ لا يقاسُ، فلا يقالُ: سل البساطَ والسريرَ، قياساً على قولِهم: سل الربْعَ القريةَ والعيرَ. والثاني: أنْ يكونَ ما جرى عليه الاسمُ حقيقةً يُسْتَحَق منه الاشتقاق، فإذا امتنعَ الاشتقاق منه عُلِم أنه مجازٌ، نحو تسميةِ الفعلِ والحالِ والشأنِ أمراً على وجهِ المجازِ، والأمرُ على الحقيقةِ بالشيءِ

стр. 958

إنَّما هو نقيضُ النهي عنهُ، وهو اقتضاءُ الفعلِ بالقولِ من الأعلى للأدنى، وُيشْتَقُّ منه اسمُ أمرٍ، ولا يُشتقُ من القيام والقعودِ اسمُ أمرٍ، ولا مِن شيء من الأفعال، فوجبَ أن يكونَ تسمية الحال والشأنِ أمراً واقعاً عليه مجازاً، واتساعاً لا حقيقةً، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠] وكيف أمَرُ فلانٍ؟ يعنونَ حاله. والثالثُ: افتراقُهما في الجمعِ، فيقالُ لجمع الأمرِ الذي هو الشأنُ والحالُ: أمورٌ، ويُقال في جمع الأمرِ الذي نقيضُ النهي: أوامرُ، فيقال في الحال أو الشأنِ: كيفَ أُمُور فلان؟ ولا يقال: كيف أوامرهُ؟ فيقال: صالحةٌ. ويقال في أمرِ الاقتضاءِ: كيف أوامرهُ؟ فيقال: سديدةٌ حازمةٌ. والرابعُ: أن يكونَ ما جرى عليهِ الاسمُ حقيقةً، يتعلقُ بغيرِه وما يجري مجرى العزْلَةِ، كالعلمِ والقدرةِ، والأمرِ الذي لكلِّ شيء منه تَعلُّقٌ بمعلومٍ ومقدور ومأمورٍ به، وذلك اتفاق، فإذا سمَّى ما لا تعلقَ له، بأنَّه علمٌ وقدرةٌ وأمرٌ كان ذلك مجازاً، ومنهُ قولُهم في الأمرِ العجيبِ الخارقِ للعاده، كالمطرِ والجرادِ والرياحِ العاصفةِ والزلازل: هذا مِن [أمرِ] اللهِ وعلمِ اللهِ وقدرةِ الله، وإنَما يعنونَ به معلومَهُ ومقدورَه ومأمورَه وفعلَه.

стр. 959

فصلٌ في القول في إثبات الأسماء بالقياس اختلفَ الفقهاءُ والأصوليون في ذلك: فذهب أصحابُنا إلى جوازِه (١)، وهو ظاهر مذهبِ أحمدَ حيثُ جعل النَّبِّاشَ سَارقاً، والنبيذَ خمراً، وجعل اللِّواطَ زنىً، وسمَّى اللائطَ زانياً. قيلَ لأحمدَ: كلُّ نبيذ غَيَّرَ العقلَ فهو خمرٌ؟ قال: نعم. وبهذا قالَ أكثُر أصحابِ الشافعي (٢). وقالَ أصحابُ أبي حنيفة وكثيرٌ من المتكلمينَ وبعضُ أصحابِ الشافعي: لا يجوزُ إثباتُها قياساً، وهو مذهبُ القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعةٍ من المتأخرين (٣).

стр. 960

فهذا مِن طريقِ الجملةِ، ولا يُسْتَغنى عن ذكرِ تفاصيل الأسماءِ قبل إيرادِ الحجاجِ في إثبات ما يثبتُ منها قياساً. فنقولُ وبالله التوفيق. الأسماءُ على ضربن: فضرب منها: أسماءُ أعلامٍ مَحْضة، وألقابٌ وضعتْ للفرقِ بيْنَ الذواتِ والأشخاصِ، دونَ إفادةِ المعاني والصفاتِ، وهي مثلُ قولكَ: زيدٌ وعَمْرٌو. وكلُ اسمٍ لا يُفيدُ معنى ولا صفةً في المسمى، فهذا الضربُ مما أجمعوا على أنَه لا يَدْخُلُه القياسُ، فلو وضَعُوا زيداً لرجلٍ طويلٍ، وعمراً لرجلٍ قصيرٍ، لم يَجُزْ أن نُسمِّيَ رجلًا آخرطويلًا بزيدٍ لطوله، لأنَّ الاسمَ لم يُوضَعْ على ذلك زيد لطولِه، ولا لصفةٍ فيه أصلاً، وكذلك لا نقيسُ رجلًا قصيراً على عمروٍ القصير فنسميه عمراً. الضربُ الآخر: مفيدٌ للفرقِ في هذه الصفة، نحو قولِنا: قَاتِلٌ وضارِبٌ وعَالِمٌ وقَادِرٌ وخَلُّ خَمْرٍ، وما أشبهَ ذلكَ مما وُضِع لإفادةِ معنى في الموصوفِ، وهذا الضربُ الذي وَقَعَ النزاعُ فيه، فإن من نوعهِ ما قيس منه النبيذُ على الخمرِ، واللائطُ على الزاني، والنَباشُ على السارقِ، فالحُجَّةُ لمن جوزَ القياسَ في هذا النَّوع من الأسماءِ أن قال: إنَا وجدنا العربَ وأربابَ اللسانِ، وضَعُوا وضْعَيْنِ دالين على القياس:

стр. 961

أحدُهما: قولُهم: الخمرُ ما خَامَرَ العقلَ، قالَ ذلك عمرُ ﵁ (١)، وعن ابن عباس: كلُّ مخمَّرٍ خَمْر (٢). ولَحظُوا أشكالًا وصوراً وَضَعَت العرب لأمثالِها أسماء فوضَعُوا لها تلكَ الأسماءَ كالصَّهالِ مِن الحيوانِ، سَموهُ فرساً، والنّهاق سموة حماراً، والنعاب سموه غُراباً، وليس شيءٌ من هذهِ الحيواناتِ كانت في وقتِهم، لكن أمثالُها، فَسَاغَ لِمنْ بعدهم أن سموا ما كان في وقِتهم مِن الحيواناتِ بالأسماءِ التي سمى مَن قبلَهم به أمثالَها، وهذا عينُ القياسِ، وليس مع نُفاةِ القياسِ نقل عن أهلِ اللغةِ انهم وضَعُوا ذلك لما يتسلسل من أنواعِها، ويتناسلُ قبيلًا بعدَ قبيلٍ. الوضْعُ الثاني: أنَّهم استعاروا للآدمي أسماءً دَلتْ على لَحظْهم المعاني فيها، فقالوا للبليدِ: حمارٌ، وللمقدام: أسدٌ شجاعٌ، وللكريمِ: بحرٌ، وكذلك العالِمُ، وإنَما استعارواَ هذه الأسماءَ من موضوعاتِها لغير ما وُضِعتْ له، التفاتاً منهم إلى المعنى الذي لحَظُوُه، والوصفِ الذي وجدوا مثلَه في الآدمي، من بَلَادَةِ الحمارِ، وإقدامِ

стр. 962

الأسدِ، وفيضِ البحر، وهل هذا إلا عين القياس؟! وهذا بعينهِ هو الذي يَلْحظ الفقهاء من المعاني في المنطوقِ التي عَدَّوا به أحكامَها إلى المسكوتِ، وهي الطُّعْم في الحِنطةِ الذي وجدوه في الأرُزَ والذُّرَةِ، فعدّوا به تحريمَ التفاضلِ إليهما، فقد بَانَ بهذه الطريقةِ أنَّهم عَدَوا أسماءَ الحقائقِ من الحيواناتِ الماضيةِ، إلى الحيواناتِ الحادثةِ بالخصيصة، واستعاروا أيضاً بعضَ الأسماء لبعض المسَمَياتِ بالخَصيصة. فإن قيلَ مقابل هذا الوضْعِ: بأنهم وضعوا على خِلافِ المُقَايَسةِ، وملاحظة المعنى بخلافِ عللِ الأحكام الشرعية: إنَّ اجتماعَ السوادِ والبياضِ في الحيوانِ، سمَّوا به الغرابَ أَبقعاً، والفرسَ أبلَقاً، والآدمي أبرَصَاً، وسمَّوا الفرسَ الأبيض أشْهبَ، والأسودَ من الخيلِ أدْهَمَ، ولم يوقِعوا على كلِّ حيٍ لونه أسود هذا الاسم، فَبانَ أنَ الوضعَ على خلافِ ما ظننتم. قِيل: هذا النوعُ مِن الوضْعِ لا يَمْنَع القياسَ، فإِنَ الشريعةَ أيضاً قد غايرت الأحكامَ بَيْنَ المتَشاكِلَيْنِ، كما غايرت بين دم الحيْضِ والاسْتِحاضَةِ، وبَيْنَ المنيِّ والمذيِّ, وهما ينحلان عن الشهوة واللذة بالقبلة والملامسة, وفرقت بين مَيتةِ المسمكِ والجرادِ، وبين مَيتةِ الطائرِ والسارحِ، ولم يمنعْ هذا التحكم من قياسِنا، المسكوت على المنطوق الذي لم يتحكمْ فيه بالفرقِ بيْنَ المتشاكلَين، ولا الجمع بين المختلفَيْن. فإن قيلَ: ففيما وضَعَتِ اللُّغة للنبيذِ من الاسمِ غنىً عن طلبِ

стр. 963

اسم آخرَ بالقياس على الخمرِ، يُوازيه من الأحكام الشرعيةِ؛ أنْ نضعَ حكماً للمسكوتِ عنه، فلا نَطْلُبُ له حكماً من اَلمنطوق به. قيل: وَضَعَتْ له اسْماً من النَّبْذِ كما وضعوا للخمرِ أسماءَ من العصيرِ؛ فقالوا: عصيرُ العنب، ولم يمنعْ ذلك من وَضْعِهِم لها اسماً لتغطيةِ العقلِ، كذلك لا يمنعُ القائسينَ من وضعهم للنبيذِ، اسمَ خمر لتغطيته بشدتهِ العقلَ، على تسميتهِ بما اشتق لهُ من النبيذِ. فإن قيلَ: الوضعُ الذي تَعَلقْتُم به مِن تسميةِ الحيواناتِ ليس بوضعِ قياس، لكن ذلك وُضِعَ لكلِ نوع، فلا يبقى من النوعِ ما يحتاجُ ويفتقرُ إلى القياسِ، وما قولُهم للصّهال: هذا فرسٌ، إلا كقولِ النبي ﷺ حيث أشارَ إلى الذهبةِ والحريرةِ، فقالَ: "هذان حرام على ذكورِ أُمَّتي حِلٌ لأناثها" (١)، ومعلومٌ أنَّ عينَ تلكَ الذهبةِ والحريرة من

стр. 964

النوعِ، ليس بمحرَّمٍ بالقياسِ عند أهلِ الشرعِ، فكذلك يجبُ أنْ لا نجعل إشارةَ أهلِ اللُّغة إلى أعيانِ هذه المُسَمَّياتِ بأسمائِها، التي وضعوها لها، اسمَ تخصيص لها، حتى يحتاجَ مَنْ بَعْدَهُمْ إلى وضْعِ أسمائها لأمثالها قياساً، بل الإشارة منهم إذنٌ منهم وتنصيصٌ على الوضع لأسمِائها. قيل: هذه دَعوى وتشبيهٌ بمجردِها، وإلا فأينَ النقلُ عنهم، المُقتضي للوضعِ أنْ يكونَ للنوع كلِه؟ وليس إشارةُ النبي ﷺ إلى الذهبةِ والحريرةِ من هذا بشيء، لأنَّ القرينةَ دَلّتْ على أنه أرادَ النوْعَ، إذ ليس في الحريرة ما يَعُم ذكورَ أمتِهِ وإناثِها، ولا في الذهبةِ، فَضِيقُ المُشَار إليهما عن الحُكمِ، قرينةٌ دَلتْ على أنَّ المنهيَّ عنه متسعٌ لكلِ ذكورِ أُمتِه، والإباحةُ لكل إناثِها، ولا يتسعُ كذلك، إلا النَوعُ كله دُوْنَ الذهبةِ والحريرةِ، اللتين أشارَ إليهما بالحُكْمَيْنِ: الإِباحَةِ لقبيل الإناثِ، والتحم يمِ لقبيلِ الذكورِ. ومما اسْتدَل به مَنْ جَوزَ إثباتَها بالقياسِ؛ أنَّ أهلَ العربيةِ -وهم النحاةُ- جعلوا كلَّ فاعل مرفوعاً، وكل مفعولٍ به منصوباً، ولم يستندوا إلى نقلٍ عن العرب، أنَّها نطقت بذلك، لكن عَرَفُوا ذلك بالقياسِ والاستدلالِ، وذلك أنهم لما رأوهم استمروا على الرفع لكلِ فاعلٍ، والنصب لكلِّ مفعولٍ، جعلوا ذلك عِلَّةً، فقالوا: إنما رفعوا الفاعلَ لكونهِ فاعلاً، ونصبوا المفعولَ لكونهِ مفعولاً، فحمَلوا عليه كلَّ فاعلٍ ومفعولٍ، وإن لم يكْن مما نطقت به العربُ من اللغات المحْدَثَة، وكذلك فَعَلُوا في جميعِ وجوهِ الِإعرابِ من جرِّ المُضافِ [إليه]، والنَصبِ بالحال، والتمييز وما شاكَلَ ذلك.

стр. 965

فصلٌ في ذكرِ ما تَعَلَّقَ به المانعونَ من إثباتِ الأسماءِ بالقياسِ إن جَمِيْعَ المُسَمياتِ قد وُضعَ لها أسماءُ أعيانها، وذواتها وأعراضِها، وأحكامِها، إمَّا بوَضعِ الشرع، كما قال سبحانه: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، أو بوضعِ أهلِ اللغةِ، وما أعقبوا شيئاً حتى أفرَدُوا للمفرداتِ أسامي، وللمُرَكباتِ أسامي، فقالوا في المفرادتِ: حلوٌ، وحامضٌ، وفرسٌ، وحمارٌ، وذئبٌ، وضَبُعٌ، وذكرٌ وأنثى، وأسودُ، وأبيضُ. وقالوا للمركّباتِ بَيْنَ الحُمُوْضَةِ والحلاوة: مُرٌّ، وللمتولَدِ من بَيْنِ الحمارِ والفرسِ: بَغْلٌ، وللمتولدِ من بين الذئب والضَّبُعِ: سمعٌ. وقالوا للمجتمع فيه صورةُ الأنوثةِ والذكورةِ: خنثى، وللمركبِ بين الأسودِ والأبيضِ من الكحلِ: أغْبَر. ومَنْ قال: إنها موضوعةٌ بالطريقين للتعليمِ والوَضْعِ، فقد جَمَعَ بَيْنَ القولينِ، واذا استُوعبَت الأشياءُ بالأسماءِ وَضْعاً سمعياً، غَنِينَا عن القياس، إذ لم يبق شيءٌ يحتاجُ إلى اسمٍ، وما ذلك إلا بمثابةِ ما شَمِلَتْهُ أحكامُ الشرعِ السمعيَّة بنصوصِ الكتابِ والسنةِ، فإنه لا يبقى فيه للقياسِ مَسَاغ. ومن ذلك قولُهم؛ إن الوَاضِعِيْنَ للأسماءِ، لم يضعوها على القياسِ، وذلك أنَهم خالفوا بَيْنَ المُتَشَاكِلَيْنَ في الصُّورةِ، فوضعُوا لهما اسمينِ مختلفينِ.

стр. 966

ومن ذلك أن قالوا: إنَّ القياسَ إنما يُعْلَمُ بأن يَأذنُوا فيه، أو يضعوه على المعنى، فإذا لمُ ينقلْ عنهم إذنٌ، ولا وضع على المعنى، بل على مخالفةِ المعنى، بطل تجويزُ إثباتِ الأسماءِ بالقياسِ، كما أن صاحبَ الشريعة إذا أخْرَجَ الحُكْمَ مَخْرجَ التعليلِ، أو أذِنَ في القياسِ سَاغَ القياسُ، ومع إخراج الحُكْمِ على غيرِ المعنى، وعدم إذنه، لا يجوزُ القياسُ لإِثباتِ الأحكام. ومن ذلك أن قالوا: لو جازَ أثباتُ الأسماءِ المشتقةِ بالقياسِ، لجازَ إثباتُ أسماءِ الألقابِ بالقياسِ، ولَمَّا لم يَجُزْ إثباتُ تلكَ قياساً، كذلك هذه. ومِن ذلك ما عَيَّنُوه في الأسماءِ التي قَصَدَها أصحابُنا بقياسِ الأسماءِ، مثلُ تسميةِ النبيذِ خمراً، والنَّبَّاشِ سارقاً، واللائطِ زانياً، فقالوا: رأيناهم سَموا بعضَ ما حَدَثَتْ فيه الحموضةُ خَلاً، وإْنْ كان مادتُهما واحدةً، كماءِ الحِصْرِمِ مع خل الزبيب والعِنب، فلا يُستدل من تسميتهِم المُشْتَد من عصيرِ العنب خمراً، عَلى تسمَيةِ المُشْتَد من نقيعِ أو طبيخِ التمرِ المُشْتَدِّ خمراً، لأنه يكونُ خروجاً عن وضعهم. ومن ذلك أنْ قالوا: لا يخلو أن يكونوا وضعوا الأسماءَ لأفادةِ المعنى، فما وضعوهُ إن كانوا قد وضعوا للبعضِ ذلك الاسمَ، فيجبُ أن لا نُجريَ ذلك الاسمَ على غيرهِ، لأنَهم وضعوُه للإفادةِ، والفرقُ إفادة لصفتِه في ذاتِه خاصةً، وللفرقِ بينه وبين غيرِهِ، أو يكونوا إنما أجروهُ إجْرأءً على كلِّ محل قامَ به ذلك الوصفُ، فيكون ذلك وصفاً مُطَّرداً لا يدخلُ عليه نقص بإجرائِه على كلُّ ما فيه تلك الصفةِ، فيكون ذلك منهم كالتوقيف، ولنا على إلحاقِ الاسم بكل ما فيه ذلك الوصفُ، فلايبقى للقياسِ

стр. 967

مساغ مع النصَ منهم، وما جرى مجري النصِ، فهذا جملةُ ما وجدناهُ عنهم. فصل في جَمْع الآًجوبةِ عن مُتعلقات المانِعينَ من إثباتِ الأسماءِ قياساً ، وهي خمسة (١). فالأولُ: دعواهم أنَ في الوَضْعِ السمعي شَرعاً ووضْعاً، ما يُغْنِي عن القياسِ، كالنُّصوصِ من الأحكامِ، وليس بصحيحٍ من وجْهَيْن: أحدهُما: أنه ليس في الآيةِ أنه علمَ آدمَ بطريقِ السَمع خاصةً، بل بطريقِ السمعِ وطريقِ الاجتهادِ، ينطبقُ عليهِ اسمُ التعليم؛ لانَّهُ هو المُلْهِمُ لسلوكِ القياس باستخراج المعاني المُشتق منها الأسامي، ولا يَمْنَعُ إضافةُ التعليم إليه، أن يكونَ بعضُها مَوْكُولاً إلئ علماءِ أولادِه القائسينَ، كما قالَ سبحانه: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وإنما كان إيقاعاً على استخراجِ المعنى، وكما قالَ سبحانه في حَقِّ نبينا ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقالَ في القرآنِ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وكانَ بعضُ ذلك سَمْعاً، وبعضُه قياساً أخْرجَه الاجتهادُ في وقتِه، وبعضُه خرَجَ بالقياس بعدَ وفاتِه ﷺ ، فكان التمامُ والتِّبْيَانُ، راجعاً إلى ما ضَمنَه مِن المعانيَ التي خُزجَتْ باستنباطِ علماء أمتِه، وإن كانت الإضافةُ إليه والِإنزالُ عليه، كذلك إضافةُ التَّعليمِ إلى آدمَ لا يَمْنَع أن يكونَ ذلك له سمعاً وقياساً، ولِذُرِّيتِه قياساً. على اننا لو سامحنا في أنَّ الأسماءَ عَمَّتْ سَمْعَاً ووضعَاً، لم يمنعْ

стр. 968

ذلك من أنْ يَشْفَعَ الاسمَ السمعِيَّ الوضعي اسمٌ قياساً، لأنَ الشيءَ الواحدَ قد تَسَمَى باسمين، كما أنَّ الاسمَ المُشْتَرَكَ يقعُ على مُسَمَّييْنِ وأكثر، فإن الأسماءَ لا تتنافى، فإذا وضعوا للنبيذِ، وهو نقيعُ التَّمرِ والزبيبِ والذرةِ والشعيرِ، اسماً من النَّبْذِ، ووجدناهم سَمَّوا عصيرَ العِنَبِ المُشتدِّ اسمَ خَمْرٍ، لتغطيةِ العَقْلِ مضافاً إلى ما سَمَّوهُ به من العصيرِ لأجلِ العصرِ، حَسُنَ بنا أَن نُعْطِي النبيذ بالقياس على عصيرِ العنبِ المُشتدِّ اسمَ الخمرِ، لما فيهِ من تخميرهِ للعقلِ وتغطيتهِ لهُ، وفارقَ الأحكام، فإِنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ للعينِ الواحدةِ حُكمان مُتَضادَّانِ: حُكْمٌ هو التحريم، بكون الوعيد (١)، فيثبت له بالقياس إيجاب الحد، وهو حكم يُعْطي ما أعطاهُ الأولُ، من الصرْفِ عنهُ والمنعِ. ولأن اللغةَ قد تأتي باسمين ضدّينِ ومتنافيين للذاتِ الواحدةِ، من طريقْ التوقيف، كقولِهم: لسيعٌ وسليمٌ، ومهلكةٌ ومفازةٌ، هذا في المجازِ والحقيقةِ، فأمَّا في الحقيقة ...... (٢). ولا يأتي توقيفُ الشَرعِ في شيءٍ واحدٍ لحكمينِ مختلفينِ، فافترقا. والثاني: قولُهم: وضعوا الأسماءَ وضعاً يخالفُ القياسَ، مثلُ تسميِتهم المُتَشَاكِلَيْن في الصورةِ باسمَيْنِ مخْتلفينِ، فغير مُسَلمٍ لهم الوَضْعُ، بدليلِ ما قَدَّمنا من استعارتِهم. للاسمِ بالخصيصةِ والمعنى، ونقلهِم الاسمَ من موضوعٍ إلى مثلهِ، وهذا وضع على القياسِ، وما ورَدَ مما ذكروه، غيرُ مانعٍ لنا من أَنْ نَسْلُكَ مسلَك القياس فيما وجَدْنا

стр. 969

مِن التشاكلِ في المعنى، كما لم يمنعْنا مثل ذلك من وضع الشرْعَ، مِن أنْ نقيسَ مهما وجدنا للقياسِ مَسَاغَاً. وهذا المَسْلَكُ مسلكُ أهلِ الظَّاهِرِ من منْعِ القياس، حيثُ قالوا: إنا رأينا الشرعَ خالفَ بَيْنَ الأحكام في المتساوياتِ، كَميتةِ السمكِ والجرادِ، وميتةِ الأنعام والطيورِ كلَّهَا، فالموتُ سواءٌ بين الجميعِ، وجَعَلَ حُكْمَ السمكِ وَالجرادِ الإباحةَ، وحُكْمَ سائرِ الميتةِ الحَظْرَ. فكذلك خالف بين حكم الكبدِ والطِّحالِ، وسائرِ الدماء، فأباحَ وطَهرَ الكبدَ والطحالَ، وحَرمَ ونَجسَ سائرَ الدماء وعند بعض الفقهاءِ القائسينَ جعل بعضَ الدم طاهراً، وهو دمُ السمكِ، ومأكولًا إلحاقاً بالكبدِ، وسائر دماءِ الحيوَانِ نجسة، وحَرمَ قتلَ الصيودِ في الحَرَم وجعلَ إراقةَ دَمِ بهيمةِ الأنعامِ قُرْبةً إلى الله سبحانه في الحَرَمِ. ولم يمنعْنا ذلك من القياس، كما مَنَعَ أهل الظاهرِ، بل جرينا عليهِ في سائرِ المُتشاكلاتِ في العللِ، فجعلنا حكمَ المتشاكلين واحداً، كذلك لا يَمْنَعنا وصفهُمِ للفرسِ الجامعِ بَيْنَ السوادِ والبياضِ أبلق، والغُراب أبْقعَ، من أن نضَعَ للمُسكِرِ من النبيذِ خمراً، كالمُسْكِرِ من عصيرِ العَنب، وكان هذا لمعنى؛ وذلك أن للشرعِ وواضعِ الأسماءِ التحكمً، ولا يمنعُنا جوازُ تَحكُّمهِ من أن نَعْملَ بمقتضى العقولِ فيما لم يَتحكمْ فيه. والثالثُ. قولُهم: لو جازَ إِثباتُ المشتقةِ [به] جازَ إثباتُ الألقابِ به، لا يَلْزَمُ؛ لأن الألقابَ لا تتضمنُ المعاني، فليس فيها شيءٌ يُلْحَقُ به غيرُها بها، فلو سَمَّينَا مَن ليس اسمهُ زيدٌ بزيدٍ، لأجلِ تَسْميَتهِم ذلك

стр. 970

الرجل بزيدٍ، لكنا مُلحِقيْنَ لهُ به في الاسمِ لا لمعنى ولا لخصيصةٍ، وليس هذا طريقَ القياس، إذ كان حيٌّ (١) مثله قد سُمِّي بعمرو، فليس بأنْ نُسميه عمراً أو بكراً، بأولى من تسميتنا له بزيدٍ، بخلافِ ما نحنُ فيه مِن النبيذِ المُشتدِّ، لأننا إذا ألحقناهُ بالعصيرِ المُشتدِّ، كان لمعنى هو أخصّ بهِ مِن غيرهِ، فلذلك لم يُسَمَ بهِ الخَلُّ والمُريُّ (٢) إذ لا شِدةَ فيها، فَوِزَانُه من مسألتنا، أن يكونوا وضَعُوا زيداً لزيادةٍ في جسمِه أو عِلْمِهِ، فكان يَلزمُنا أن نُسَمِّي كلُّ من شاركهُ في تلك الخَصِيْصةِ بزيدٍ، وصارت أسماءُ الألقاب لما لم يَظْهرْ فيه معانٍ مِن أوضاعِ الشَّرع، التي لا يظهرُ فيها تعليل بل نتِبعُ بمجردِ التوقيفِ، لا يمنعُنا منعُ القياسِ عليها من القياسِ على ماظهَرَ لها المعاني. الرابعُ: تَعلقُهم بأَنَّهم لم يُسمُّوا كلَّ حامضٍ حدَثَ من الكرمِ خلاً، كماءِ الحِصْرمِ، ونقيعِ الزبيبِ، فهو من نَمَطِ الثاني. وقد مضى جوابهُ، وإِنَّما غَيروُا العبارةَ، فذاك ذكروهُ لمخالفةِ الاسمينِ بَيْنَ المتَشَاكِلَيْنِ، وهذا تحته، وفي ضمنِه، لأنَهم ذكروا حامضيْن اتَّفقا في الحُموضةِ فسمَّوا أحدَهما خلا، وسموا الآخرَ بغيرِ الخلِّ. الخامسُ: ممّا تعلقوا به أخلُّوا فيهِ بقسمٍ؛ لأنّهم قالوا: إمَّا أنَّ يكونَ وضعوه للمسمَّى الذي وضعوه له بعينهِ، فليس لنا أن نتعدَّاهُ، أو

стр. 971

قصدُوا وَضْعَاً مُطَّرِدَاً، فقد طردوهُ وأوْجَبُوا طردَه، فصار ذلك كالنَّصِّ منهم، وليس يمتنعُ أن يكونَ وضعُهم للاسمِ في النّباشِ لأجلِ نبشهِ، فاشتقوا مِن نبشِه، وسكتوا عن سرقتهِ، تعويلاً على أن الاسمَ العامَّ، يُلْحَقُ به؛ لما وجِدَ فيه مِن المعنى الذي سُمِّيَ به سارقٌ أحياناً سارقاً، ولا يكونُ ذلكَ مِنهم، كالنصِّ المانعِ من إلحاقِه باسمِ السارقِ قياساً. وقولُهم: إِنَّهم لم يأذنوا، فإذا استقْرَينا وَضْعَهم، فوجدناهم وضعوهُ على المعنى واستمروا عليهِ، فلا حاجةَ بنا إلى إذنهِم، كما لا نَحتاجُ في القياسِ الشرعي لِإثباتِ الأحكامِ إلى إذنِ المُشَرِّعِ، مع كوننا نَجِدُ الحُكْمَ مَوضوعاً على المَعنى.

стр. 972

فصلٌ في معنى قولِهم: الأسماءُ العُرفية اعلمْ وفقكَ الله، أنَ معنى ذلك هو غلبةُ استعمالِ القومِ له في بعض ماوُضِعَ له أو ما جرى عليه مجازاً لا حقيقةً. مثالُه: أن الرؤوسَ اسم لكلِّ ما علا على حيٍّ أو غيرهِ، ثم إن العُرْفَ قد يَغْلِبُ استعمالَهم له في رؤوسِ الأنعام، واستعمالَ اسم الجاريةِ في الحَدَثَةِ من الآدميات والإماءِ، وإنْ كانَ واقعاً على السفينةِ أيضاً، وكذلكَ اسمُ سِرَاجٍ ووتدٍ تقَعُ على كلِ مستضاءٍ به، وكل ماسِكٍ، كالشمسِ والجبلِ، والعرفُ صرَفَ ذلك إلى سُرُجِ الآدَميِّيْن وأوتادِهم. وكذلك تسميتُهم بالفقيهِ مَنْ عَلِمَ الأحكامَ الشرعيةَ خاصةً، ومُعَلمٍ مَنْ عَلَّمَ الخط خاصةً، وانْ كان كلُّ مَنْ تفقهَ عِلماً فقيهاً بحُكْم الاشتقاقِ، وكل من عَلَّمَ صناعةً غير الخطِّ أيضاً مُعَلماً، لكن غَلَبَ الاستعمالُ في البعضِ، فكانَ ذلك الاسم العُرْفيِّ، ولا يجوزُ أن يكونَ الاسمُ العرفيُّ هو ما ابْتُدِىءَ بوضعِه، لأنه يُوجبُ أن تكونَ جميعُ الأسماءِ عُرْفِيَّةً، حيث كانت كلها قد سبَقَ لها ابتداءُ وضْعٍ وتجَدُّدٍ وحُدُوثٍ، ما خلا الأسماءَ في كلامِ الله سبحانه، ولا يجوزُ أن يكونَ

стр. 973

معنى ذلك الأسماءَ التي وضعهَا غيرُ أهلِ اللُّغةِ من العلماءِ لضروب المُسَمَياتِ المعلوماتِ، وأهلُ الصنائع لأدَوَاتِهم التي قَد حَتْها قرائِحهُمَ لأعمالِهم، وما جدَّده أهلُ الحِرَفِ والمِهَنِ، لأن ما يَضَعُونَه من ذلك بمثابةِ ما يضعُه أهلُ اللغةِ من الأسماءِ، فما بال هذا الوضحِ لحوائج هؤلاءِ وأغراضِهم، سُمَّيتْ عُرفيةً، وما وَضَعَه أهلُ اللغةِ لأغراضِهم لم تُسَم عُرفيةً؟ وللجَميعِ عُرف، ووضع بحَسبهِ وحسب داوعيهِ وأغراضهِ، وهَلَأ انقلبَ فكان ذلك عُرفياً وهذا لغوياً، أو كانَ الجميعُ عرفياً؟! ولا يجوزُ أنْ يكونَ معنى العُرفِ أنه المنقولُ من غيرهِ، فذاك هو المجازُ، وهو باسمِ المجَازِ أحقُّ وأخصُّ منهُ باسمِ العُرف. فإن قيل: فما الدَّاعي للعرب إلى أنْ جاءت إلى أسماءٍ وُضِعَت في لُغتهم للعموم، جعلوها بكثرةِ الاستعمالِ للخصُوصِ، والعاقلُ لا يُغَيرُ وضْعاً أصَلياً لغيرِ ضرورةٍ ولا حاجةٍ ولا داعِ معقولٍ، فأوجدوا ذلك المعنى؟. قيل: إمَّا أن الوجودَ أغنانا عن تَكَلفِ ذِكْرِ الدواعي، والقومُ قد استعملوا على ما نقلنا عنهم، وغَلبُوا الاسمَ للبعضِ مما شَمِلَه الاسمُ الكلى العام، وإنْ تكلفنا ذلك، فقد يجوزُ أن يكونوا استهجنوا قولَهم: وَطْئاً وجِمَاعاً، واسمَ ذلك الفعلٍ، فقالوا في الجماعِ: مَسيساً، وإن كان اسماً عاماً لكلِ تلاقي بَشرَتيْنِ، وقد أشارَ ابنُ عَبَّاس إلى ذلك حيثُ قال: إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ يَكْنِي، ومما كَنَى أن كنى عن الجِماع باللمْسِ (١). وتنكَّبوا عن ذِكرِ الحَدَثِ إلى المكانِ، فقالوا: الغائِط

стр. 974

والعَذرة، أو اقتطعوا الأهمَّ والأقربَ إلى استعمالِهم من الأبْعَدِ، كاقتطاعِهم السراجَ والوتدَ إلى موضوعِهم فيما بينهم، دون ما وضَعَه الله سُبحانه من الشَمس والجبالِ. وخَف عليهم قولهم: دابة، وهو الأعمُّ فكان أسهلَ من القَولِ فيه: فرسٌ جوادٌ وطِرْف (١). فصل (٢) واعلم أَنّه ليس في القرآنِ ما ليس بلغةِ العربِ، وإِنَّما أَشْكلَ على قوم بلغاتٍ مُواطِئَةٍ لما عدا العربيةِ، وليس تخلو لغة من مواطأةِ لغةٍ في كلمات وأسماءٍ شاذةٍ، فأمَّا انْ تكونَ مستعملةً من لغةِ غيرِ العرب، فبخلافِه قال جماعةُ الفقهاءِ والأصوليينَ، وذكَرَهُ أبو بكرٍ من أصحابِنا. ورُويَ عن ابن عباسٍ وعكرمةَ، أنَّ فيه بغيرِ العربيةِ نحو، طه والمشكَاةِ وقِسْطاس (٣). والدَلالةُ على ما ذهبنا إليه: ما استدلَّ به العلماءُ من آي الكتاب، إلا أَنَّ آكَدَها قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] فنفى انْ يكونَ أعجمياً، وقَطَعَ اعتراضَهم بتنوعِهِ بين أعجميٍ وعربي. ولا ينتفي الاعتراضُ وفيه أعجميٌ. وقولهُ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: ٥٨]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ

стр. 975

مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]. ولأنَّه تحدَّاهم بِه، فقالَ لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، فلو كان فيه أعجميٌ لما قَطَعَ حُجتَهم في كذبِهم؛ لأَنَّه يكون تحدياً لهم بما ليس من صناعتِهم. ولَأنَ القومَ كانوا اتَهموه بأَنَه يَتَلَقَّفُ ذلك من يسار (١)، وكان أعجمياً حتى نفى ذلك عنه بقولِه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، فلو كانت فيه ألفاظٌ أعجميةٌ، أو بغير العربيةِ، لكان تقويةً لتهمتِهم لهُ، وقد نفَى عنهُ الاختلاطَ بالعجُمةِ؛ ليصرفَ عنه قولهم: لقالوا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ كمانفى عنه الكِتابةَ، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] ولا ريبَةَ أقوى من تخَلْطِهِ بغيرِ العربيةِ، مع تُهْمَتِهم له بأَنه تَلَقَّفَه ممَّن ليس بعربيٍ، وكان تعريضاً لتهمةٍ أخرى، وهو أَنّهم كانوا يجعلونَ ما فيه من العجميةِ، سبيلاً إلى جحدِ كثيرٍ من كلماتٍ عربيةٍ، ويقولون: ليس بعربي، وإِنَّما هو كلامٌ مُخْتَلطٌ، منقول، وأنتَ تَزْعُمُ أنه بِلُغَتِنَا، فَدعواكَ لا تطابقهُ، ومَنْ نفى عنه الشُّبهةَ لا يُعَرضهُ للشُبهةِ.

стр. 976

فإنْ قيلَ: إِنَما نفَى عن القرآنِ العجميةَ وغيرَ العربيةِ، على الوَجْهِ الذي يُشكِلُ به الكلامُ وَيعمى عن الفهمِ لمعانيهِ، فأمّا الكلماتُ المنثورُة بَيْنَ الكلام المديدِ، فلا تُؤثرُ ولا يكونُ له حكمٌ، وكذلك أجمعنا على انً التحَدي لا يقعُ بالأيةِ والكلمةِ والكلماتِ، وانَما يقعُ بالسورةِ التي يَبِيْنُ فيها عُوارُ العجزِ من القدرةِ، والفرقُ بيْنَ القادرِ والعاجزِ. قيلَ: هذا إِنَّما يكونُ صحيحاً، أنْ لو كانت العربُ قادرةً على نظمِ العربي إلى العَجميِ، والنَظْمُ فرعٌ على فهمِ المنظوم والنطقِ به، ولو لم يكنْ منهم تهمةٌ بأنَّ الذي عَلمَه أعجمى، فأمَّا إذا كَانوا هم لا يُحسنونَ ذلك، قَل أو كَثُرَ وكان هو مُتَّهماً عندهم، بأنه تَلَقَّفَه مِن المعروفِ بيسار مولىً مِن موالي العَجَمِ، فإِنَّه لا ينبغي أن يَفْتَحَ لهم باباً بإدخالِ كلماتٍ قَلتْ أو كَثُرَتْ، ألا تراهُ لم يَعْلَمْ مِن الخطِ، ولا معرفةَ كَتْبِ اسمِهِ، ولا فَهْمِ اسمِه، حتى إنَّه سألَ علياً عنه يومَ عُمرةِ القضاءِ حتى محاهُ متابعةً لشرطِهم (١)، ومن يَحْسِمُ مادةَ التهمةِ بَدْءاً في

стр. 977

باب الخطِّ، لا يفتحُها في بابِ اللفظِ، ولأنه يكونُ إعناتاً لهم أيضاً، إذ لَيس عندهم فَهْمٌ لغيرِ العربيةِ قليلٌ ولا كثيرٌ يعم، والكلمةُ من غيرِ اللغةِ تَحرِمُ النظمَ، وتعجِز عنه، فإدخالة على لغتهِم ما يعجزهم خروجٌ عن تعجيزهم في صناعِتهم، كمَنْ تحدى بَنَّاءً ببناءٍ يتضمن نجارة، ومُتَرسلاً برسالةٍ ضمنها المُتَرَسِّلُ بأبيات من شعرٍ، أو تحدى خطاطاً يَخُط الحروفَ العربيةَ بأنْ يَخُطَّ في خلالِها كلماتٍ وأسطراً بالسريانيةِ أو العبريةِ، فإنه يكون مُعْنِتاً، كذلك ها هنا. فإن قيلَ: فقد جاءهم بحروفٍ تشابهُ العجْمةَ بإعجامِها، ولم يكُ ذلك قَدْحاً في بيانهِ، ولا إعناتاً لهم في إِعجامهِ، وهي المقطعةُ في أوائلِ السُّورِ، فكذلك كلماتٌ منثورةٌ في خلالِ السُّورِ، لا يكون مُؤدياً إلى ما ذكرت من الإِعناتِ. قيل: هذا لا يلْزمُ لوجهين: أحدُهما: أنَه لغةُ القوم، وقد جاء هذا في كلامِهم وأشعارِهم فقال قائلُهم: يناشِدُني حاميم والرمْحُ شَاجِرٌ ... فهلاّ تلا حاميمَ قبلَ التقَدُّم (١)

стр. 978

وقال الآخرُ: قُلْتُ لها قِفي فَقَالتْ قافْ (١) أي: وقَفْتُ. فَقَطْعُ حرفٍ من الكلمةِ يُنْبِىءُ عن الكلمةِ لغة القوم، كذلك إذا أتى بكافٍ عن كافي، وهاء من هادي لا يكون خروجاً عن لغتِهم. وقالَ الآخر: لما رَأيْتُ أمْرهَا في حُطِّي ... وأزْمَعَتْ في لدَدي وَلَطَي أخَذْتُ مِنْها بقُروُن شُمْطِ (٢).

стр. 979

يعني بحُطِّي: أبا جاد (١)، لأَن هذا حرفٌ منها. على أنَّ بعض السَّلفِ، كابنِ عباس وعكرمةَ، ذهبوا إلى أنَّ لكل حرفٍ دلالةً على ما اشْتُقَ منه مثلُ: كافٍ مِن كافي، وصادٍ من صادق، وهاءٍ من هادي، وق من قادر وحاءٍ من رحيم ورحمان، فما خلا ذلك مِن معنى لغوي، وما خرجتْ هذهِ الحروفُ عن لغتهم، واللهُ أعلم. فصلٌ جامع لِشُبَهِهِم فمنها دعوى وجود ذلك، كالمشكاة، قيل: لفظةٌ هنديةٌ، واستبرق وسجيل بالفارسيةِ، وطه: يا رجلُ بالنَّبَطِيةِ، وقِسطاس: كلمةٌ روميةٌ، والأب: كلمةٌ لا يعرفها العرب، ولذلك رُوي عن عمرَ أنَّهُ لما تلاها قالَ: هذهِ الفاكهةُ، فما الأب (٢)؟. وبَعدُوا أن يكونَ إستبرقَ من لغةِ العربِ، لأنَّه على وزنِ استفعل، وليس للعربِ اسمٌ على وزنِ ذلك، ولا يُعْرَفُ أيضاً اشتقاقُه من أي شيءٍ هو. قالوا: ولأنَّ النبيَ ﷺ ليس بمخصوص بالرسالةِ إلى أهلِ لسانٍ

стр. 980

واحدٍ، بل بُعِثَ إلى الكُل، فلا يُنْكَرُ أن يكونَ الكتابُ الذي جاء به جامعاً للغةِ الكُلِّ، ليكونَ خطاباً للكل وتعجيزاً للكل. قالوا: ولأنَ النبىِء ﷺ لم يَدعِ أنَّه كلامُه، بل هو كلامُ من أحاط عِلماً باللغاتِ كلَّها، وهو المُنْطِقُ بسائِر اللُّغاتِ، فنظمهُ للغاتٍ عدةٍ، لا يُنْكَرُ في حقَه، وهو مما يَبْعُدُ عن أن يكونَ مِن عنده مع كونهِ لم يُخَالِطْ من أهلِ اللغاتِ إلا العربَ، فالغرابةُ في الألفاظِ، كالغرابةِ في ذكرِ النَّبيين، وقد ضُمَّنَ الكتابُ من النبيين ما لم تعرِفْه العربُ، فإذا ضُمِّنَ من الألفاظِ ما لاتعرِفهُ، دَل على أنه من عندِ من اطلعَ على اللغاتِ كلِّها، كما دَل على أنه من جهةِ العَالمِ بالسير جميعِها، فهذا مؤكدٌ للإعجازِ من هذا الوجهِ، ومُبْعد للتهمةِ عنهُ أنْ يكونَ من عندهِ. فهذا جملةُ ما عرفنا من شُبَهِهِم. فصل يَجْمَعُ الأجْوِبَةَ على مَا ذَكَرُوا أمَّا الأولْ: فدعواهم وجودَ كلماتٍ من غيرِ العربيةِ، فليس كما ظنوا، بل هي كلماتٌ وافَقَتْها الفُرْسُ والنَّبطُ والرومُ فيها، وكم من كلماتٍ اتفقت فيها اللغاتُ، فلا تُنْسَبُ إلى لغةٍ دون لغة. من ذلك قولُهم: سِروالٌ مكانَ سَراويل، والفُرْسُ تُسَمِّي السّما، السماءَ لا غير، وقيل: السور اسم تتفقُ فيه اللغاتُ، ويقولونَ بالفارسيةِ: جِراخ مكان سِراج، وكذلك صابون صابونٌ في كلُّ لغةٍ، ويجوزُ أن تكونَ العَربُ سبقتْ إلى ذلك وتَبعَهم الأعاجمُ والهندُ، ولهذا تقولُ العربُ: باذنجان، ويقول الأعاجمُ: بانكان، كأنَه اسم مُغَيَّرٌ عن صيغتهِ

стр. 981

إلى صيغةٍ تُفارِقُها. على أن في لغةِ العرب من السَّعَةِ ما يكونُ بعضُها بالإضافة إلى بعضٍ كالعُجمةِ لغرابَتها، ولَذلك غُبيَ عليهم الأبُّ، فلمْ يَدْرِ عمرُ ما هو، وقال ابنُ عباس: ما كنتُ أدري ما معنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، حتى سمعتُ امرأةً مِن العربِ تقول: أنا فطرتُه، أي ابتدأتُه، فعَلِمْتُ أنّه أرادَ مُنْشِىءَ السمواتِ والأرض أو مبتدىء السمواتِ والأرض (١). وأما تبعيدهُم الإِستبرقَ عن لغةِ العرب، لكونهِ لا يُعْرفُ اشتقاقهُ، ولكونهِ على وزنِ استفعل، مثل استفرغَ، واَستنفذَ، واستخبرَ، واستبرد، واستنفرَ، واستغفر، واستعلن، فلا يلْزمُ، فإِنَهُ ليس يَلْزَمُ الاشتقاقُ في الأسماءِ؛ وقد أنكرَ المطالبةَ به جماعة من أهلِ العلمِ، وكذلك فيهم مَنْ أنكرَ الاعتبارَ بالأوزانِ، وقالوا: يجوزُ أن يكونَ فيها ما ليس بمشتقٍ من شيءٍ، ولا موزونٍ بشيءٍ، ولا على وزنِ غيرِه، فمدّعي نَفْيَ جوازِ ذلك لا يجدُ عليه دليلاً. وبرهانُ ذلك: أَنّه لو كان كلُّ اسمٍ مشتقاً من شيءٍ غيرهِ لتسلسل، وما يتسلسلُ لا يتحصلُ، كما استحالَ ذلك في الحركاتِ التي ادَّعَتْ المُلْحِدَةُ العدميون، أَنّهُ لا حركةَ إِلاَّ مثلُها حركةٌ، ولا صورةَ إلا مثلها صورة،

стр. 982

فكذلك يقالُ هاهنا، إذ لو كان لا اسمَ إِلأَ مشتقٌ، فالمشتقُ منهُ مِمَّ يُشْتَقّ؟ على أنَّكم إن أنكرتم استبرق، لأنُّه على وزنٍ استفعل واستعجل، فقد سُمعَ مِن لُغَتِهم ما يُزِيْلُ تَعَجبَكم وينفي استغرابَكم، فقالوا: يثرب وهو اسمٌ لبلادٍ ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهو على وزْنِ يَضْرِبْ، وفلانٌ اليَشْكُرِيُ مِنْ يَشْكر، ولعلها قبيلةٌ أو بلدٌ. وقالوا: رجلٌ عَدْلٌ. والعدلُ فِعْلُه، ومن ذلك قولهم: أفكل، وهو اسمُ فعلٍ من الأمراض (١)، وقيل: هو رِعْدَةُ الحمَّى، وقيل: هو نفسُ الحمَّى، قال يزيدُ بن حُجيّةَ حين انصرافِه من عسكرِ علي ﵇ إلى معاويةَ ﵁: وقالُوا عليٌّ لَيْسَ يقْتُلُ مُسْلِماً ... فمَن ذا الذي يَسْحي الرقابَ (٢) ويقْتُلُ وقَالوا الهُدَى هذا فإن نكرَ الهُدَى ... فشَفَتْ يَمِيْني واعْتَرىَ الجِسمَ أَفْكَلُ (٣)

стр. 983

يقولُ: اعْتَراهُ الحُمَى، فسقَطَ ما تعلقوا به. وأما قولُهم: بُعِثَ إلى الكُل فكان كتابُه جامعاً لخطاب الكلِّ، ولغةِ آلكُل، ومُعْجِزاً للكُلِّ. فليس بلازمٍ، لأنه لو رُوْعِيَ هَذا، لكانَ مِن الواجبِ أنْ يجمعَ التركيةَ والزنجيةَ والسنديةَ والهنديةَ. على أنَّ الخِطابَ إذا اعتبرَ للبيانِ، لم يقنعْ الرومُ بكلمةٍ، والفرسُ بكلمةٍ، والنَبَطِيةُ بحرفين، يكونُ كلُّ خطابهِ لهم: يا رجلُ، وانَّما كانَ يجب أنْ يَمُد الكلامَ ويُطَوَّلَه جامعَاً للدعاءِ لهم، والإِنذارِ، وبيانِ الأحكامِ بلُغةِ كلِّ فريقٍ، ولا يخصَّ العربَ بالكلام الجامعِ، ويُفردُ كلُّ طائفةٍ من غيرِهم بالكَلمِةِ، التي لا يَحْصُلُ بها بيانُ التكليفِ لهم، فلا فائدةَ في هذا. وأمَّا الإِعجازُ؛ فليس فيهِ من كلامِهم ما يقتضي التعجيزَ، فإنَّ غايةَ ما فيه عند المُخَالِفِ الكَلِمَةُ والكلماتُ، وذلك مما لا يُتَحدّى بمثله، إذْ لا يتضمنُ فصاحةً ولا تُحُديَت العربُ بمثلهِ، إنَّما تُحُدِّيَتْ بالسورَةِ، حتى قال بعض النَاسِ بالسُّوَرِ الطوالِ دُوْنَ القِصَارِ. ولأن تعجيزَ العرب كفى عن تعجيزِ غيرهم، فاذا عَجزُوا وهم أهلُ الصِّناعةِ كان غيرُهم مِمَّنْ لَيْسُوا من أهل اللسانِ أعجزَ، كما قُلنا في السَّحرةِ في حق موسى، والطَّبِّ في حق عيسى، لما عَجزُوا، وكانَ

стр. 984

عجزهم دليلًا على عجزِ جماعتهم. وأما قولهم: إِنه لم يَدَّعِ أنه كلام، ولكن ادّعى أنَّه كلام الله سبحانه، وأنهُ إذا تعددَت منه اللغات، كان أدل على أنه كلامُ الله الذى يُحيْطُ خَبراً بجميعِ اللغَاتِ، وهو المنشىءُ لجميعِها. فلا يلْزَمُ، لأنهُ لو كانَ القصدُ ذلك، لم يقتصرْ على الكلمةِ بعدَ الكلمةِ، وإِنما كان يُطِيْل الكلامَ مِن كلِّ نوعٍ على وجهٍ يكونُ إعجازاً لأهلِ تلك اللُّغَةِ. فصل في الأسماءِ المسمَّى بها الأحكامُ والعباداتُ هل فيها شيءٌ منقولٌ من اللغَةِ ؟ وذلك مثلُ: وُضوء وصلاةٍ وحجٍ ونكاحٍ. وقد اختلفَ فيها أهل العِلمِ من الفقهاءِ والأصولينَ: فذهبتْ طائفةٌ إلى أنها لم تنْقَلْ عَمَّا وُضِعتْ عليه مِن اللّغةِ وهم الأشاعرةُ (١)، وهو يَحْكي بعضَ أصولِنا في قولنا: بأن الزنا ينشرُ تحريمَ المُصاهرةِ، ومُستَندُنا قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وأخذَ صاحبُنا بها دُوْنَ حَمْلِها على العقْدِ (٢). وقولُه: إنً اللمس راجعٌ إلى اللَّمْسِ باليدِ، وهو أحدُ الوَجْهيَنْ لأصحابِ الشَافِعي.

стр. 985

وذَهَبَ قوم إلى أنَّ فيها ما نُقِلَ عن اللُّغَةِ إلى وضْعٍ شَرْعي، وهم المعتزلةُ والخوارجُ وجمهورُ أصحابِ الشافِعي (١). ويُخرَّجُ مِن كلام صاحبنا وأصحابِه مثلهُ، مثلُ قَوْلِهم في الصلاةِ: إنّها إيمان بقولِه سبحاَنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيتِ المَقْدِس، وجعلُوها إيماناً يحصلُ الإِسلامُ من الكافرِ بفعلِها، ويَخْرُجُ المُسلِمُ من الإِيْمَانِ بتركِها، وجعلوا الأعمالَ كُلها مِن جملةِ الإيمانِ، وجعلُوا أفعالَ الحَجِّ وجملتَه مع إحرامِه حَجَّاً، مع عِلْمِنا بأن أصلَ الإِيمانِ في اللغةِ هو نفسُ التصديق، والحجُّ هو القصدُ، والصلاةُ مجردُ الدعاءِ، وهذا من صاحِبنا وأصحابهِ يُعطي جواز نقلِ الأسماءِ والقول به (٢)، وعليه حَمَلُوا قولَه سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
следующие страницы →