← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بدلا من الماء، فبدت البركة كأنها سماء اتخذت لنفسها في جوف الأرض منزلا. فوضع أمام كل إنسان طبق يناسب منزلته ويلائم رتبته، وحضر الوكلاء والشّهود من الطّرفين. وكان القاضي صدر الدين لهاوري- الذي تولّى عقد النكاح- قد بدأ بالخطبة التي كان أمير المؤمنين المأمون قد قرأها في زواج بعض أقاربه، على سبيل الإيجاز والتبرّك، فالتفت صوب خدم الحرم، وقال: (١) «المحمود هو الله، والمصطفى رسول الله، وخير ما عمل به كتاب الله، قال الله تعالى: وأنكحوا الأيامى … الآية. ولو لم تكن من الصّلة آية منزّلة ولا سنّة متبعة إلا ما جعله الله في ذلك من إلف البعيد وبّر القريب لسارع إليه الموفّق المصيب وبادر نحوه العاقل اللّبيب، والسلطان الغالب عزّ الدين أبو الفتح كيكاوس ابن كيخسرو بن قلج أرسلان من قد/ عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خطب إليكم فتاتكم «سلجوقي خاتون بنت الملك فخر الدين بهرامشاه بن داود»، وبذل من الصداق مائة ألف دينار حمرا، خمسين معجّلا وخمسين مؤجّلا، فشفّعوا شافعنا (٢)، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا وتؤجروا بحمد الله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله أجمعين». فقالوا: «قبلنا الخاطب، وبذلنا المخطوبة، لا زالت سحايب الأفضال عليهما مصوبة» (٣). فلما تمّ إبرام عقدة القعد، واستحكم حبل المواصلة بلغت صيحة بالرّفاء

стр. 107

والبنين أعلى علّيين. وأخذ الذّهب والجوهر يتساقط كالمطر بغير حدّ ولا حصر في الصّفّة وفي ساحة القصر كما تنتثر زهور الرّبيع هنا وهناك بتحريك نسيم السّحر لأوراق الورد النديّة. ووضعت مائدة الخاصة السلطانية ودعي إليها العامة [فمد كل إنسان يده للتّناول والتّجاذب والتّخاطف، ونال بذلك نصيبه مما حفلت به الضّيافة السلطانية من مكنوز وملبوس ومأكول ومشروب] (١)، ثم انفرط عقد الشهود كحبّات العقد فتفرّقوا، بحكم الآية الكريمة: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا (٢)، وذهب القاضي شرف الدين إلى مكان إقامته، فأرسل السلطان في إثره ذهبا وخلعة وبغلا مطهّما. وفي اليوم التالي أمر أمناء الخزانة بإعداد الأمتعة التي سيحملها معهم من يذهبون لاستدعاء الهودج، الذي عهد السلطان بأمر إحضاره إلى الأمير مبارز الدين بهرامشاه، وأمر زوجات الأمراء بالانطلاق إلى «أرزنجان» المحروسة لخدمة الملكة [وبأن يعدن في صحبتها] (٣). فلما تمّ الإعداد للأمر ارتحل أمير المجلس والقاضي شرف الدين وسائر الخواتين، وما إن لحقوا بحدود «أرزنجان» حتى تقدّم القاضي، وأخبر بوجود جيش حاشد في صحبة أمير المجلس والخواتين الشّهيرات، فرتّب الملك لكل إنسان نزلا على قدر مكانته، وخرج في صحبة وصيفات القصر ورجاله، ومعه أعيان أمرائه/ وخواصّه. فلمّا اقترب أمير المجلس من المدينة سار الملك لاستقباله

стр. 108

بالأعلام والبيرق والطبول. ولما تلاقى الجمعان ووقع نظر أمير المجلس على بيرق الملك ترجّل. وحين رأى الملك طلعة أمير المجلس نزل بنفسه وتعانقا ثم ركبا بعد الملاثمة والمعانقة. وأبلغ أمير المجلس سلام سلطان الإسلام، وهنا وضع الملك رأسه على الأرض وقال: ما أنا إلا مملوك لملك العالم. واستمرّ الحديث بينهما على هذا النّحو حتى لحقا بالمدينة، وأنزل الملك أمير المجلس وأمراء السلطان بقصره، وبسط المائدة الملكيّة، ثم أقاموا حفلا، وأداروا الكؤوس الثقيلة. وفي اليوم التالي، أرسل أمير المجلس الأمتعة والأموال والخزائن التي كان السلطان قد بعث بها مع قائمة مفصّلة إلى حضرة الملك، والذي أثنى ثناء جزيلا على علوّ همّة السلطان، وغمر الحمّالين بالإنعام. وظلّ الطّرفان طيلة عشرة أيام مستغرقين في المتعة والسرور حتى تمّ الإعداد للرّحيل. وحين فرغوا من إعداد العدّة أرسل الملك ثلاثمائة خلعة مختلفة المستوى من الأعلى والأوسط والأدنى وثلاثمائة ألف درهم مع خيول مطهّمة إلى أمير المجلس لكي يتولّى توزيعها على الأمراء والخدم والحشم. ثم إنّهم نقلوا الأموال وخزائن الجهاز مع الهودج المعظّم من المدينة ليلا. وفي الفجر دقوا طبول الرّحيل وانصرفوا. فلما وصلوا إلى منطقة «أرمكسو» تقدّم أمير المجلس ومثل بين يدي السلطان، وعرض الأحوال فأمر السلطان بأن تزيّن المدينة، فزيّنوا بيوتات قصر السلطنة بأنواع الزّينة، وأعدّوا عدّة الاحتفالات والمسّرات، وخرج من حضر من زوجات الأمراء لاستقبال الهودج. ولما/ مضى جزء من الليل دخل سائر النّسوة من الطرّفين المدينة في خدمة الهودج العالي، ودخلوا مخدع السلطان وأجلسوا الملكة على منصّة الكرامة

стр. 109

والسّعادة. وتوجه السلطان بتؤدة إلى مخدع العروس، فدخلت الخواتين- وقد توّردت منهن الوجوه واحتجبن بالحجرات، ووضع شمس السلاطين مع قمر الخواتين القدم على العرش، وركعت وصيفات الملكة ركعة الأدب فخلعن الحذاء من قدم السلطان، ووقعن فجأة على كنز ثمين في ذلك الحذاء. وخلع السلطان قلنسوته، وفكّ الحزام الملكي، وبحكم رخصة الشريعة فضّ الختم اللطيف عن تلك الصّحيفة الشّريفة. وفي اليوم التالي، سار متبخترا صوب الدّيوان بعد الاستحمام وشغل طيلة أسبوع بشرب المدام وإكرام الأمراء الكرام. ثم أرسل خمسمائة خلعة وسبعمائة ألف سكة ومائة من الخيول ومائة من البغال المطهّمة، ومائتين من الخيول والبغال المزيّنة مع أطقم الملابس المنوعة في صحبة أمير المجلس إلى القاضي شرف الدين، فقام بدوره بتوزيعها على الأمراء كلّ بقدر مرتبته. ثم مثلوا جميعا أمام السلطان وقد لبسوا الخلع، وقبّلوا اليد؛ وحينذاك حصلوا على الإذن بالانصراف. ***

стр. 110

ذكر تحرك السلطان قاصدا الشام (١) حين انتقل الملك الظّاهر- ملك حلب- إلى جوار الحقّ تعالى، كان ابنه- الملك العزيز- قريب العهد من مفارقة المهد، فاضطر أمراء تلك الدولة لمبايعته، وأجلسوه مكان أبيه، فصارت أمّه، وكانت أخت الملك الأشرف حاكمة البلاد، فنبض في السلطان/ عرق المطالبة بملك حلب- حيث كان في حوزة أعمامه من قبل- وقال لأعاظم مملكته: يبدو لنا أن الوهن قد ظهر الآن في ملك الملك الظّاهر فصار من يتصدّى لملك تلك الدّيار طفل وامرأة، فلو أننا قصدنا ولاية الشام بحشد كبير قبل أن يكوّنوا جيشا ويدبّروا أمرا فإن بيرقنا سوف يرفرف- بعون الحقّ- على شرفات تلك الديار، وتظهر الفسحة في رقعة البلاد. قال الأمراء: جبلت طبيعة الملوك على دفع الأعداء وفتح البلاد، ولكن طالما أن السلطان أنعم علينا- نحن المماليك- برتبة الاستشارة، فلن يبخل علينا بالاستماع لمقالتنا؛ فلئن كان ذلك الولد- برغم صغر سنّه- قد أصبح عزيزا في ديار أبيه فإن آباءه وأجداده طالما أعربوا عن محبّتهم لهذه الأسرة [السلجوقية]، ولطالما أرسلوا الأحمال والتّحف مثلما أرسلوا العساكر وقت طلب المدد. والآن وقد بقي يتيما فلو أن أحدا قصده بسوء لاستعان بهذه الدّولة وطلب العون من هنا. فكيف إذا أرسل ملوك الأطراف يعزّون ويهّنئون وأكّدوا المثل القائل- «صداقة الآباء قرابة الأبناء» (٢)، ثم جرى من جانبكم شحذ منجل القهر والبأس ليحصد بلاد ذلك الحلف؛ لن يقع ذلك موقع القبول عند كبار الملوك والسلاطين وعظماء الزمان.

стр. 111

قال السلطان بعد طول تفكّر: لا شك أن رعاية جانب الملوك من أوجب الواجبات، ولكن إن ارتدي أحد السلاطين سلاح الاقتدار وأسرج حصان الغلبة والسيطرة فإن عليه أن يتنكّب طريق التّصافي: / إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه … ونكّب عن ذكر العواقب جانبا (١) ولا يخفى على الرأي الرزّين لكل إنسان ما تعنيه مقولة: «لا أرحام بين الملوك». فإن كان ملوك الدّيار قد أرسلوا معزّين ومهنّئين، فما أظهروا الشّهامة والطّيبة إلا بسبب عجزهم، ومن ثمّ لا ينبغي أن نجعل تلك المروءة المفتعلة عنوانا لسجلّ يتمّ فيه تدوين ما لا يفيد ولا يجدي. وأصدر السلطان أمرا للأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بأن موكب السلطان سيصل إلى تلك الحدود مصحوبا بالجنود والجيوش، فيتعين عليه إذن إعداد جيشه القديم ومن يلوذ به من أهله وذويه، وأن يكوّن جيشا- بقدر ما يستطيع- من المشاة والفرسان، ويجهّز آلة الحصار. كما أصدر أمرا آخر بنفس المعنى لأمراء ملطية وسيواس، وأمرا إلى أمراء «الأوج» بدعوة العساكر المعهودة وأن يتحركوا على الفور دون تلكّؤ أو تباطؤ، وأمرا إلى الأمراء والقادة الذين كانوا في مصيف «بنلو» لكي يتوجهوا بكامل هيئتهم إلى صحراء «آبلستان». وفي ظرف عشرين يوما تجمّع من أطراف الممالك من الجنود والحشود ما تجاوز حدّ الحصر. فانطلق السلطان مع كوكبة من الخواصّ صوب آبلستان، فلما وصلها أمر بإقامة احتفال عام واستمال أمراء العساكر، فرشّح لكل مدينة من بلاد الشّام أميرا.

стр. 112

وفي اليوم التالي قال السلطان بعد أن أحضرهم جميعا واستشارهم: في أي طريق ينبغي أن نسير؟ قالوا ليس هناك أسهل من طريق «مرزبان» و «رعبان» و «تلباشر»، فالمسافة من هناك إلى «حلب» أغلبها صحراء [ونادرا ما يعترض الطّريق جبل] (١). فانطلقت القوّات نحو ذلك الطّريق، ووصلوا أوّلا إلى قلعة «مرزبان»، فاستخلصوها في ثلاثة أيّام، وفي تلك/ الأيام لحق الأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بجيش كثيف بالسلطان، فأمره بالاتجاه من هناك صوب قلعة «رعبان»، فتيسّر أمر السّيطرة عليها بدورها، وفوّض أمر حراستها لصهر الأمير نصرة الدين، واتّجه من ثمّ إلى قلعة تلباشر، فحاصرها عشرة أيام، فلم يكن لذلك أي أثر، فأمر السلطان بقطع الأشجار وبساتين الكروم المحيطة بالقلعة ببلطة القهر، واستئصالها. فلما شهد أهل القلعة ذلك المنظر تجمّعوا عند ملكها وقالوا: ما معاشنا إلّا من ثمار تلك الأشجار، فإن قطع جيش الروّم ما لنا من كروم ببلطة القهر فمن أين ندبّر رزقنا؟ ومن ثمّ يجب على الملك أن يلتمس لنا العذر إن نحن سلّمنا القلعة الآن. فطلب الملك مهلة وأرسل رسولا إلى السلطان قائلا: إن أساس انتعاشي أنا وأتباعي إنّما هو من هذه القلعة، فإذا ما انتزعها عبيد السلطان منّي فلست أدري من أين تتيسر البلغة ويتحصّل القوت؛ فلو أن السلطان أقطعني من الممالك المحروسة إقطاعا واستولى على هذه القلعة بدلا عن تلك القسوة (٢)، [وجعل أهل القلعة بمأمن من ضرر العساكر المنصورة] (٣) سلّمنا القلعة لمماليك دولة السلطنة.

стр. 113

فأمر السلطان بأن يكتب منشور بمنحه ولاية «هوني» إقطاعا. ووقّع بقلمه عهدا، فعاد الرسول، ورفعوا البيرق، وقرئت الخطبة باسم السلطان، ومنح السلطان قيادة حامية القلعة لأخي الأمير نصرة الدين. ولما تمّ الفراغ من أمر القلعة تناهى إلى المسامع الشريفة أن «ظهير الدين إيلي پوانه» حين أشاح بوجهه عن ولائه للسلطان سارع إلى هذه الديار فقضى بها نحبه، وهو مدفون هنا. فأمر السلطان بالبحث عن مدفنه، وأخرجت عظام رفاته فأحرقت، وأذري ترابها في الهواء، وبذلك تحقّق له التشفيّ. ***

стр. 114

وقوف والدة الملك العزيز على مقدم السلطان لتملّك ديار الشام حين بلغت رايات السلطنة «آبلستان»، أفشى الجواسيس الذين كانوا بالمعسكر ما جرى من أحوال للملكة وجمال الدين لولو- الحاكم ونائب الملكة- فذهلوا بما سمعوا، وبعثوا الرسل بالهدايا الوفيرة إلى الملك الأشرف أخي الملكة، وبيّنوا أن سلطان الرّوم بادر بالهجوم بجيش في عدد النّجوم على تخوم بلادنا، وإنه لو حدث وبسط سيطرته على هذه البلاد فلن تأمن منه على حياتك. ولئن كان قد علق بالخاطر الأشرف غبار من جانب الملك الظّاهر قبل هذا فالواجب إزالته بماء الرّحمة والشّفقة عملا بقول القائل «عند الشّدائد تذهب الأحقاد». فلما بلغت القضيّة الملك الأشرف صادفت هذه الكلمات المعقولة قبولا عنده، فجمع جيشا كبيرا ولحق بحلب، فلما رأى شقيقته قال: ما للملوك من مال ينبغي أن يوجّه لمثل هذا اليوم، ولئن كان يصرف القليل مما ادّخر على مدى مائة سنة في سبيل الدّفاع، فليبذل ذلك كله رخيصا وبسخاء. فأخرجت الملكة ما كان قد ادّخر لأعوام سابقة دون أن تبقي على شيء أو تذر، وجهّزت جيشا. وفي أثناء ذلك فكّرت في حيلة من شأنها أن تجعل ثقة السلطان تنعدم تماما في جنده، ونفّذت تلك الحيلة. فقد وقعت على رجل من سكّان بلاد الروم كان يعرف أسماء أمراء الدولة جميعا وما يحملون من ألقاب/ وكانت له صلة بمعظمهم، وبذلت له مالا وفيرا، وحلفت له الأيمان بأن هذا الأمر لو تحقّق ورجع جيش الروم لسلّمته

стр. 115

أضعاف ذلك. فكتبوا إلى كلّ أمراء الرّوم رسائل جوابيّة مزوّرة، تتضمّن التعبير عن الاغتباط بما أبدوه من وفاء وحسن عهد، وبما وعدوا به من أن يحتالوا لدفع السلطان نحو حدود الشام. فها نحن أولاء أيضا قد عقدنا النيّة على عدم المدافعة. وينبغي بذل ما في الوسع للحيطة من السلطان خشية أن يعلم بشيء من هذا الأمر، وإلا فإن كل المساعي تذهب عند ذاك هباء، وأنه قد أرسل برسم النّفقة لكلّ واحد من الأمراء أنواع من الذّهب المصري والخيول العربية في صحبة فلان، وأنهم سيروا تلك الأحمال المذكورة فعلا (١). وقالت لذلك الرجل: تقدّم إلى حيث يعسكر جيش السلطان، وألق بنفسك في خيمة بعض المقرّبين إليه، وأفش هذا الأمر إليه على سبيل الإنذار، وقل إنني كنت في وسط جيش الشام حين وصلت رسائل سائر الأمراء إليهم، وأنهم قد أتوا بالكثير من الأموال والأمتعة من الشام لكل واحد منهم، وجهّزوها في الموضع الفلاني، وجلسوا ينتظرون الفرصة لكي يسلّموا كل واحد نصيبه منها، وإن لم تصدّقوني اذهبوا إلى الموضع المذكور لمشاهدتها. وبهذه الفرية دخل ذلك الشخص سلّة الحيلة، ورمى بنفسه على أحد غلمان السلطان، وأسّر إليه بالأمر، فأبلغ الغلام حضرة السلطنة في الحال، فأرسل السلطان الأمناء مع ذلك الشخص- الذي كان الغلام قد دلهم عليه- إلى المكان المعلوم فأخذوا الأحمال والخزائن وذهبوا بها إلى السلطان، ووجدوا رسائل مختومة في كيس. فلما قرأ السلطان الرسائل/ نهض وانتفض وساء ظنّه بالأمراء البرآء وأمر بالقبض على ذلك الشخص كي لا يطّلع أحد على الأمر.

стр. 116

وفي اليوم التالي أمر السلطان أمير المجلس بالتقدّم- كطليعة- مع أربعة آلاف رجل، وبأن يتقدّم في أعقابه أربعة آلاف رجل آخر بقيادة سيف الدين آينه [چاشني گير]، وسار السلطان بالقلب في إثرهما مع أربعة عشر ألفا. فلما اقترب أمير المجلس من جيش الشام، كان محمود آلپ- وهو من رؤساء العشائر في «سيواس»، وقد بلغ من العمر ثمانين عاما وشاهد أنواع الحروب وضروبها، وتلقى صنوفا من الطّعن والضرب- كان يسير على تلّ عال، وينظر إلى جيش الشام نظرة التفحّص والاختبار، فلما سبر غور قوات المقدّمة بمسبار الاستقصاء جاء إلى أمير المجلس وقال: الدّخول في صدام مع عساكر الشام بأربعة آلاف رجل أمر يبدو بعيدا عن الكفاية، فحبّذا لو أبلغ «چاشني كير» لكي يصل بالمدد بصورة أسرع، كما يتم إبلاغ قلب الجيش للمسارعة بتحريك الرّكاب السلطاني فيلحق بنا متعجّلا. ولكي ينفذ الحكم الأزلي، ويخرج ريح الغرور من أنف المغلوب فيبدو متغلّبا، لم يلتفت أمير المجلس إليه، وصاح صيحة الحرب، فأخذ محمود يصرخ ويئن قائلا: إن التعجيل ليس مستحبا عند الله تعالى، فلم يسمع الأمير، وأجاب إجابات باردة، ورغم أنه هزم جيش العدو في الهجوم الأول، وبعث بمن يبشّر «چاشني گير»؛ فإن أحد فرسان الروم أسر- بطريق الصدفة- بيد أحد أمراء الملك الأشرف، فحملوه إلى حضرة الملك، وسألوه: هل السلطان موجود مع هذا الجيش؟ فأجاب بأن السلطان بعيد، وما هذه الآلاف الأربعة إلّا طليعة يقودها أمير المجلس، وسوف يصل الأمير «چاشني گير» / بأربعة آلاف في عقبه. فصاح الملك الأشرف في الحال: المستغاث يا مسلمين، لا تفروا، فمدد

стр. 117

هذه القوات بعيد، فكرّوا وهم ممتلئون حميّة وحماسا، وهجم غلمان العادلي والظاهري، وقتل من الجانبين خلق كثير. فسيّر أمير المجلس فارسا إلى الأمير «چاشني گير» ليبلغه بأن العدوّ غلب فليصل مسرعا كي لا تحدث كارثة. قال چاشني گير: «أيظل يكذب حتى الآن (١)، أنذهب نحن الآن ونهزم الجيش وتعلو شهرته هو»، ولم يتقدّم خطوة واحدة، ولم يبلغ السلطان لكي ينفذ القضاء السماوي. وأسر أمير المجلس مع فوج من الأمراء، فلما حملوا أمير المجلس إلى الملك الأشرف، خفّ لاستقباله، واستدعى الجرّاحين فجففوا جراحاته، وألبسه خلعة خاصّة، وأرسله مع سائر الأسرى إلى حلب، وعيّن الموكّلين به، وبعث بوصيّة إلى الملكة أن بالغي في تعظيم أمير المجلس، وأظهري غاية الإعزاز له. ولما وصل الخبر لحضرة السلطنة انتابته الحمى، واستعر جحيم غضبه، وأصدر چاشني گير الأمر بأن يلبس كل العساكر لأمة الحرب، ولا ينامون (٢) الليل. وفي اليوم التالي أرسل الملك الأشرف ألفين من الأعراب وطلب منهم أن يتقدّموا لتفقد أمر السلطان ومعرفة أحواله وما يكون من تحرّكه وانهزامه. فلما

стр. 118

وصلوا رأوا الخيمة الملكية قد ضربت والجيش كلّه قد لبس لأمة الحرب. فلما ظهر الأعراب من إحدى النواحي هرب الجند فقال السلطان: يا كافري النعمة، لئن كان أحد الأمراء قد نكب فلا زال الجيش والسلطان والمظلّة والقائد باقين. فلما سمعوا هذا العتاب السّام المرير هجموا هجمة رجل واحد، وبقفزة واحدة أحالوا فضاء الصحراء- بدماء الأعراب- مكانا للشّقائق الحمراء، وجعلوا سيل الشّقائق يتدفّق على الزمرّد [الأخضر] السّاكن. / فهيّأ الملك الأشرف الصّفوف، وحضّ الجيش على القتال، ثم وقف حيث هو، وقال: إن جاءوا بذلنا ما في وسعنا، وإن رجعوا فهو المراد. وأمر السلطان بأن يتقدّموا بالدّهليز، ثم ظهرت طليعة لجيش العرب، فلقيت ما لقيه السابقون من جراحات وغارات، فتراجعت، وقالوا للملك الأشرف إن دهاليز السلطان أقيم اليوم مرّتين، ثم نصب ثانية. قال: لعل السلطان يريد القتال والأمراء يرفضون. فلما حلّ الليل تقاعس السلطان قليلا. وظل الأمراء والجند هناك، وبمجرد أن انبلج الفجر تحرّك من ثمّ متوجّها إلى آبلستان. وحين علم الملك الأشرف برجوع السلطان انصرف بدوره إلى حلب. فلما تأكّد أن السلطان لحق بآبلستان أنهض الجيش وانطلق إلى «مرزبان» و «رعبان»، وبعد حصارهما أنزل محافظي القلعتين، وكان السلطان قد أقامهما هناك، فلما فرغ من المهمّة أطلق سراح أمراء السلطان ومحافظي القلعتين بكل احترام وتبجيل، وولى وجهه شطر حلب، فخلع على أمير المجلس (١) وبقية الأمراء خلعا وقدّم لكل منهم صلة وبعث بهم إلى حضرة السلطان، وانصرف هو إلى دمشق.

стр. 119

وتوقّف السلطان بضعة أيام في «آبلستان»، فلحق بخدمته هناك أخو نصرة الدين وصهره من قلعتي «رعبان» و «تلباشر» اللّتين سلماهما للملك الأشرف. وكان السلطان قد أثقلت على نفسه تلك الرّسائل الجوابيّة المزوّرة، وحلّ به الاضطراب من هزيمة الطّلائع، فأمر بإعدامهما. وفي اليوم التالي أمر بأن يحضر الأمراء جميعا إلى الديوان وأسرّ إلى خواصّه بأن يتسلّح أمراء المفاردة [وغلمان الخاصّ السلطاني] (١) خفية وينتظروا صدور الأمر. فدخل الأمراء بأسرهم وجلسوا، فطلب السلطان الرّسائل الجوابيّة من «الدواتدار» (٢) وألقى بكل منها لمن كتبت له من الأمراء/. وما إن قرأها أولئك المساكين الأبرياء حتى بهتوا وذهلوا، ونطقوا قائلين: «سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ» (٣)، وأنكروا الأمر وقالوا لا يجوز للمليك أن يلتفت لحيلة الكائدين وينسبنا إلى العقوق والخذلان دون دليل وبرهان، وينزل بنا العقاب، فلن تكون عاقبة ذلك إلا النّدامة، وزاد نواحهم وعويلهم غير أنه ما ترك من أثر، فأمر بوضع الشيلان في أعناقهم جميعا وإدخالهم بيتا بعد وضع القيد في أيديهم ويضرموا حول البيت نارا كنار النّمرود، فأخذوا في إحراق أولئك الأبرياء، وكان الدّخان يتصاعد متجاوزا الفلك الأزرق فيصل زفيرهم وأنينهم إلى عنان السّماء. وكان أحدهم إن استطاع أن يجد ثغرة يقفز منها نحو الباب تلقفه «الفرّانون» الغلاظ الشّداد وألقوا به إلى الموكّلين بالتّنفيذ فيعيدوه إلى النّار ثانية مرغما.

стр. 120

وفي الليل- عند بطلان الحواس- أخذ يتلقى أثناء النوم الكثير من اللوم من عالم الغيب [على ارتكاب ذلك الفعل القبيح والعمل الشنيع] (١)، فكان ينهض مذعورا من نومه كمن يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ (٢)، واستولى عليه الاضطراب وتملّكه النّدم لما فعل، (شعر): - إن ضاع الكأس من اليد وانكسر الدنّ، … فما جدوى العضّ على الشّفة وتقليب اليد. ووجّه السلطان اللّوم إلى بقيّة الأمراء قائلا: لماذا امتنعتم عن نصحي حينذاك، فاعتذروا، وعزوا الأمر إلى القضاء السماوي. وبسبب ذلك الوهم، تمكّن مرض السلّ من السلطان، وقيل إن ماء «سيواس» لا يناسب مزاجه، فحملوه إلى «ويران شهر»، وكانوا يأتون بماء من «الفرات» يومّيا من «ملطيّة» وينقل طازجا يدا بيد إلى الشرابخانه (٣) / غير أنه لم يبلّ من مرضه. فنظم هذا الدّوبيت من إملاء قريحته الشعرية، (شعر): - تركنا الدنيا، ومضينا، غرسنا تعب القلب، ومضينا … - فالنوبة بعد ذلك نوبتكم، لأننا، أخذنا نوبتنا، ومضينا

стр. 121

وأمر بنقش هذا الدّوبيت على قبره الذي كان قد بناه- بأمر نافذ- في دار الشفّاء بسيواس. وهنالك انتقل من دنيا الفرار إلى دار القرار، واختار- وهو بعد في شرخ الشباب- مفارقة الحياة شاء أم أبى. والمأمول أن يمحو ما قدّم من حسنات كلّ ما أخّر من سيئات (١)، والله غفّار الذنوب. ثم إنهم عهدوا به- بعد جلوس السلطان علاء الدين على عرش البلاد- إلى «رضوان»، في تلك الرّوضة المقامة هناك بدار الشّفاء بسيواس. …

стр. 122

ذكر مشاورة الأمراء في اختيار واحد من أبناء الملوك سلطانا حين انتقل السلطان عزّ الدين في الرّابع من شوّال سنة ٦١٧ إلى الخلد الأعلى أخفى أمراء الدولة- كالأمير «سيف الدين آينه» و «شرف الدين محمد پروانه» و «مبارز الدين جاولي» و «ومبارز الدين بهرامشاه» موت السلطان، واستشارو الصاحب (١) مجد الدين بكر- الذي لم يكن له نظير في هذا العالم- ومن أشهر ما قاله من شعر في ضرب «الدوبيت» قوله (شعر): - قانون الوفاء أساس الظلم … إذ كيف تتيسر الحريّة لمن يعبدك كيف تستقيم السعادة مع الوقوع في الحزن بسببك … فبك بطلت إقامة الأوثان «وشمس الدين حمزة بن المؤيد الطغرائى» وكان بكر عطارد ونادرة الأيّام، قد وصل في أساليب الترسّل وقرض الشّعر إلى ميدان شاسع بل تجاوز الفلك التّاسع، ومن محامد ما يحكى عن طبعه اللّطيف هذا الدّوبيت، (شعر): - ورد الدّرج الزمرّدي قد فتح اليوم … والطبق الذّهبي للشقائق الحمراء قد وضع اليوم

стр. 123

- أمن أجل أن الورد لم يتولّ إمارة الرياحين … قد عرض اليوم- على نحو ما- مائة ورقة؟! وملك السادة «نظام الدين أحمد» أمير العارض المعروف بابن محمود الوزير، وكان تلوا للفردوسي (١) في نظم المثنويات، ومن نتاج طبعه، (شعر): قلت: لم يعد بالوسع الخزن على طرّتك … وليس بالإمكان تجرّع المزيد من مسك الكبد (حزنا)، قالت: لا تحزن كذلك بسبب عيني وشفتي … فليس بالوسع في النهاية تناول النّقل والسّكر والصّاحب «شمس الدين الإصفهاني» الذي كان في ذلك الوقت الكاتب الخاصّ، وقال هذا الدّوبيت على البديهة باقتراح السلطان (شعر): - نقل الليل معك يا راحة القلب … لا يمكن وصفه من فرط اللطف / الشفة على الشفة والخد على الخدّ، … وهنالك تطبعت «لورا» بطبع «سوراخان». فلما وصل السلطان إلى هذين الموضعين وهو في طريقه إلى «آقسرا» قرّبه

стр. 124

إليه، وشرّفه بأن أضاف إليه المطبخ والإنشاء الخاصّ. تشاور هؤلاء سويّا في من يجلسونه على العرش، فأشارت جماعة إلى «مغيث الدين طغرلشاه بن قلج أرسلان» صاحب أرزن الروم، وكان ملكا متمكّنا محبّا للرعيّة، بينما أصرّ البعض على تولية «كي فريدون» الأخ الأصغر للسلطان، وكان مقبوضا عليه بقلعة «قويلو». قال الأمير مبارز الدين بهرامشاه- أمير المجلس، وسيف الدين آينه- ملك الأمراء- لا يجوز ذكر شخص آخر مع وجود الملك علاء الدين، فهو المناسب للتّاج والخاتم. قال الصاحب مجد الدين وشرف الدين محمد پروانه: كنا في «توقات» ملازمين له، وهو حقود متكبّر وجسور متنمّر. وسوف ينزل- من الآن فصاعدا- بكل شخص من الضربات ما لا يندمل بمرهم. فلم يلتفت إليهما الأمراء، وقالوا ليس بالإمكان طلب المزيد فوق الملك علاء الدين كيقباد. فوافق الأمراء الآخرون طوعا وكرها، وتعاهدوا سويّا على تنصيب الملك علاء الدين سلطانا. وهنا قال سيف الدين آينه: أما وأني أنا الذي حملت الملك من «أنكورية» إلى «ملطية»، فلا بد وأن يكون قد علق بخاطره غبار من ناحيتي، [فلتأذنوا لي] (١) بأن أذهب بنفسي إليه وأنال منه الأمان على حياتي. وحمل مما تركه السلطان المرحوم خاتما وعمامة كبرهان ودليل، واختار جماعة من الجند توسّم فيهم خفّة الحركة والسّرعة، وانصرف مع عدد/ من خواصّ البيت وبطانة الأعتاب السلطانية متّجها صوب ملطيّة قاصدا قلعة «كندپيرت» - السجن الثاني

стр. 125

للسلطان. وخرجوا من المدينة بعد صلاة العشاء، وظلوا يركضون بخيولهم طول الليل، فوصلوا مع الصباح إلى القلعة. كان السلطان قد جلس بعد أن أقام الصّلاة، وقد رأى تلك اللّيلة في المنام أنه جاءه رجل نوراني ذو منظر رحماني، ففك القيد من قدمه، وأمر بإحضار بغلة ذات هيكل ضخم، ثم وضع يده تحت إبط السلطان وأجلسه فوق البغلة وقال: إن همّة محبّة «عمر بن محمد السّهروردي» مع السلطان «علاء الدين كيقباد» على الدوام. ورغم أن السلطان كان قد رأى هذا المنام وأخذ يفسّره بينه وبين نفسه، غير أنه ما إن رأى ذلك الفوج حتى استبد به الخوف والفزع، وقال لحافظ القلعة: حاول أن تؤخّر هؤلاء حتى أجدّد غسلي وأتوضّأ، وأخلو لحظة إلى نفسي، وأصلي ركعتين استعدادا لوداع الحياة. ولم يكد الحافظ يصل إلى البوّابة حتى كان «چاشني گير» قد بلغ الباب، فسأله الحافظ ما سبب قدوم ملك الأمراء؟ قال (بيت): - تمّ الوفاء بما كان القدر به يعد، … وتمّ ما كانت الأيّام تبغي من عمل فأراه عمامة وخاتما للسلطان المرحوم كانا قد صبغا باللون الأسود (١)، ففتح الحافظ الباب ودخل «چاشني گير» مع أحد الغلمان، وأخذ السّيف من الغلام وسلّمه بغمده للحافظ، ثم انطلق كلاهما إلى المجلس الذي كان السلطان محبوسا فيه، فدخل الحافظ في البداية، وقدّم العزاء، وطلب الإذن بدخول

стр. 126

سيف الدين، وما إن وقع نظر سيف الدين على/ محيّا السلطان المبارك حتى وضع رأسه على الأرض وأجرى الدمع من العين، ثم أخرج الكفن من تحت إبطه وعقده على رقبته، وأخذ السّيف من الحافظ ووضعه أمام السلطان، وقال: أنا راض بكل ما يحكم به المليك عليّ اليوم. كان قلب الملك موزّعا، فلما سمع هذه الكلمات اطمأن قليلا، وشرع في إبداء الاعتذار، ووعد بخير. قال الأمير سيف الدين: إن كان المليك صادقا فيما يقول فلينطق بالقسم وليصبح الخطّ الأشرف مسطورا بنفس المعنى. فأقسم السلطان تحت إلحاحه، وخطّ كتاب الأمان بالخطّ المبارك للسلطان، غير أن الأمير سيف الدين لم يقتصر على ذلك وإنما أخرج مصحفا كان في الحمائل من غلافه ووضعه أمام السلطان وقال: إن خط اليد الأشرف هو بالقطع سبب أمن العالمين وأمانهم، غير أنكم لن تضنّوا علي بتأكيده بكلام الله المجيد، فأقسم الملك ثانية. فلما وثق «چاشني گير» بتلك العهود أطلق لسانه قائلا «أطال الله عمر الملك، انتقلت روح أخيك من عالم التّراب إلى ذروة الأفلاك، وبذلك تؤول المملكة والسلطنة إليك، وينطق العرش والخاتم بقول الحق تعالى: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (١) والمأمول في مكارم رفعة العاهل المعظّم أن يدخل القدم في ركاب دابّة تنهب الأرض نهبا فيزيّن عرش السلطنة». وحين بلغ تخمين السلطان مبلغ اليقين، صلّى ركعتين شكرا لله، تلا فيهما بصوت عال قول الله : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ (٢)، وانفصل

стр. 127

عن السجن مولّيا وجهه شطر الإيوان والعشّ كما ينفصل القمر عن الغمام والسّيف عن الغمد. وقدّم أمير «الآخور» (١) - وكان يسمى «أغلبك» - بغلة سريعة السير على شاكلة تلك التي كان السلطان قد رآها في المنام وقال: «اركبوا» (٢) فركبها ومضى يسابق ريح الصّبا، ويطوي المنازل منزلا بعد منزل، وظلوا ساهرين إلى أن بلغوا بوّابة المدينة عند السّحر. ظلّ أمير المجلس يجول راكبا طوال الليل في القلعة، ويوهم الناس بأن السلطان سليم معافى. وكان قد ندب خمسين غلاما للوقوف على باب المدينة وأمرهم بأن يخبروه بوصول «أغلبك». فلما صاح «أغلبك» مناديا، سارع أمير المجلس وفتح باب المدينة وما إن وقع بصره على السلطان حتى قبّل الأرض والرّكاب. وتوجه أمير المجلس و «چاشني گير» في خدمته نحو تابوت أخيه، وفتحوا التّابوت فرأى وجه أخيه. ثم أجلسوه على العرش، ودعوا القاضي والأئمّة والوجهاء للحضور إلى الدّيوان، ولم يكن لأحد علم بما يجري. وحين استوى السلطان على العرش، ومثل القادة والبواسل كلّ في مكانه، خرج سيف الدين من عند السلطان إلى الدّهليز، وقال: «ليكن معلوما للأئمة والأكابر أن السلطان «عز الدين كيكاوس» قد أصبح مستغرقا في قاموس رحمة الحق (تعالى) ونزل في تابوت «فيه سكينة من ربكم» (٣)، وقد زين أخوه السلطان المعظم «علاء الدين كيقباد» العالم بجلاله الباعث على السعادة،

стр. 128

وأضفى على كرسي المملكة هيبة مستمدّة من العرش المجيد». ثم إنّهم رفعوا الحجب، ودخل كلّ الأئمة والأعيان، وقبّلوا الأرض بالولاء. وكان الأمير «چاشني گير» يأخذ كل واحد من اليد/ ثم دخلوا المسجد، وتلوا القسم- والقاضي يلقّنهم- باسم السلطان علاء الدين. ولبس السلطان الأطلس الأبيض برسم العزاء. ثم أعلنوا الحداد- أسفا ولهفا- ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع أمر السلطان فاستبدلوا الكأس باللباس، وخلع على الأمراء خلعا وافرة، ومنح مناشير الإمارات والمناصب والاقطاعات، ثم عزم على الرّحيل إلى العاصمة «قونية». ***

стр. 129

ذكر توجه السلطان علاء الدين إلى قونية حين تم إحكام قواعد الأمور، عزم السلطان بالطالع المسعود على التوجّه إلى العاصمة «قونية» مقر عرش البلاد، فلازم أمير المجلس ركاب السلطان حتى «كدوك»، وأقام هناك ضيافة ملكيّة رائعة وقد زيّن السلطان المجلس، وأخذوا في الطّرب وهم في غاية البطر من الطعام. وفي اليوم التالي ألبسه السلطان خلعة ثمينة، وأرسله إلى «سيواس»، وجاء هو إلى «قيصرية». وكان سيف الدين أبو بكر ابن «حقّه باز» «سوباشي» (١) قيصرية قد أخبر أعيان المدينة ووجهاءها لكي يقيموا القصور المتحرّكة والسّاكنة ويتوجهوا للاستقبال عند «جبق» فلمّا رأوا راية السلطان، نزلوا وقبّلوا الأرض، ونالوا شرف تقبيل اليد الشريفة، ودخلوا المدينة في الرّكاب السلطاني «كالفراش المبثوث» (٢)، ودخل الملك «كيقباد» المدينة بين «كيخسرو» و «قباد» (٣)، ونال التمكّن في مهاد كرامات الأجداد وانتثر الدّرهم والدّينار بل اللؤلؤ الثمين على المليك كقطرات أمطار الربيع، وجعل «ابن حقه باز» كلّ درّ كريم كان يمتلكه في صندوق الثروة ووصلت إليه يد الإمكان فداء ونثارا لمقدم المليك. وأقام السلطان هناك بضعة أيام ثم انصرف على صهوات الإقبال ومناكب الجلال إلى «آقسرا» فلما بلغ رباط «پروانه» اندفع المقيمون في «آقسرا» وهم في

стр. 130

شوق لرؤية وجه السلطان الذي ازدان به العالم، اندفعوا للاستقبال اندفاع العاشق المهجور للوصال أو من كاد يهلك من الظّمأ طلبا للماء الزّلال. وقبّلوا الأرض ثم أدركوا شرف السعادة فقبّلوا باسطة من ازدان به العالم، وانطلقوا صوب المدينة في خدمة موكب السلطان. وما إن استراح السلطان هناك يومين أو ثلاثة حتى ارتحل إلى العاصمة. وحين حمل بريد الصّبا نسيم الطرّة المسكية للرّايات التي خفقت بيد الطلائع الميمونة لملك العالم- إلى مشام سكّان «قونية» انبعثت لدى الجميع بواعث العزم للتّعرض لنفحات السّعادة الناجّمة عن لقاء سلطان المشارق والمغارب. فوضعوا ما اكتسبوه في أعمارهم وادّخروه طوال حياتهم نثارا لقدوم المليك، وصنعوا خمسمائة جوسق (١)، مائتين جارية وثلاثمائة ساكنة، وزيّنوها جميعا بغرائب السّلاح والخرائد الملاح، وساروا حتى منطقة «أبروق» للاستقبال. فلما اكتحلت العيون بنور مستمدّ من الغبار المتصاعد من حوافر حصان ملك العالم، صار وصفهم «خرّوا سجّدا» (٢) دون إعمال تكلّف، وزلزلت صيحة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ (٣) قواعد القصر المشيّد. ونال «حسام الدين أمير أريف سوباشي» وغيره من الوجهاء شرف الاختصاص، فجلسوا على المائدة وحضروا الحفل السلطاني. ثم إنهم توجهوا ذلك اليوم إلى صحراء «روزبه»،

стр. 131

وقضوا الليل في المرح والسّرور. وفي اليوم التالي طلعت شمس المظلّة السلطانية من أفق الخيمة/ المستولية على العالم، فتملّكت الرّجفة قلب الأرض والزمان وروحهما من أصوات المزامير والأجراس، ونشر عقاب المظلة السلطانيّة جناحي الإقبال على شمس السلاطين فامتدّت ظلال السّعادة، وجرى في ركاب مالك الرّقاب خمسمائة من مقدمي العساكر من القزاونة والدّيالمة والفرنج، ما منهم أحد إلا وهو أشدّ جسارة من النّوازل السّماوية أو أكثر تبجّحا من موت الفجاءة. وحمل مائة وعشرون حارسا- هم في الهيبة كالغضنفر، وفي الخصومة مثل كركين (١)، وفي الحفاظ مثل كيو (١) - حملوا السيوف الذهبية- كقلادة الجوزاء- وأمسكوا بمؤخّرة سرج حصان السلطان من اليمين واليسار. وحين اقتربوا من المدينة ترجّل الأمراء جميعا، ثم عقد الأمير «چاشني گير» أطراف عباءته في وسطه، وأخذ يتقدّم وهو ممسك بعنان السلطان الفاتح للعالم، ودخل المدينة وهو يقرأ: «ادخلوها بسلام» (٢). وأخرجت النسوة الأطهار رؤوسهنّ من المناظر الزجاجيّة وكنّ يقلن: «رب اجعله رضيا» (٣)، وأجرى السلطان على لسانه المبارك قول الحق تعالي: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا

стр. 132

مُبارَكاً» (١)، ووضع قدمه على مسند التّوفيق [وعرش الملك]، وأخذ يتلو مكرّرا قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ (٢)، ورَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ (٣) وعدّ فرضا عليه أن يدعو بعبارة: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ» (٤) وتمكّن في قلب العرش وروحه تمكّن النور في البصر والقيمة في الجوهر، (شعر): - باسمه امتلأت شفة السّكة، بالابتسام، وبذكره صار قلب المنبر حيّا، … - فبهما ازداد التدين رونقا، وتعالت الأرض على الأفلاك ثم بسطوا المائدة، ورفعوها، وأقاموا المحفل، وسرى صوت النّاي وجلجلة/ الدّف في صفّ من الصوّفية المتحلّقين في دائرة. كان السلطان كلّ لحظة يهب روحا جديدة لأحد الحرفاء والنّدماء بالتبسّط والتودّد، وينثر درر الألفاظ الكرام على مفارق الخاصّ والعام. وحين ألقت ريح سورة الخمر نقاب الحيرة عن وجوه من حضروا الحفل نهض أمراء قونية وقادتها واقفين، وقدّم كل واحد منهم هديّة على قدر مكانته ومكنته، فشفعت جميعا بنظرة القبول. وحين ظهرت القناديل الفضّية أسفل القبة العليا تحوّل السلطان عن مقام الأنس والطرب.

стр. 133

وفي اليوم التالي أذن السلطان لرشيد الدين الوزير، وملك الأمراء آينه چاشني گير وسيف الدين أبي بكر «حقه باز» النّائب، وجلال الدين قيصر پروانه بالحضور في الخلوة، وقال: يتعيّن الآن إصدار الأوامر المطاعة للأمراء في مناطق «الأوج» لإعلان قدوم أعلامنا السلطانيّة إلى «قونية» واستقرارنا على سرير الملك، واستمالتهم وحثّهم على المبادرة بالقدوم إلى أعتاب السلطنة، فأمر الكتبة والمنشئون، وتمّ التدوين في الحال، وطارت الرّسائل إلى الأطراف على يد الرّسل. ***

стр. 134

ذكر بعض السيّر الحسنة وما كان يتمتع به هذا السلطان القاهر من خلق زاهر قال الله تعالى «ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا» (١): قد تبيّن للعالمين أنّ الله- منذ أن رقم على ناصية الكائنات رقم الإيجاد، ووضع بيد الملوك من أولي الأمر- وهم من اختصّهم بقوله تعالى: «وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (٢) - زمام تسخير العباد وخطام تذليلهم، لم تلق أعلام الإسلام لظلالها- منذ ابتداء الطلوع حتى انتهاء الوقوع- على عاهل كالسلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن/ قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق، «إن راية الإسلام لم تظلّ على سلطان أحسن دينا وأصدق يقينا وأوسع علما وأغنى غنى وأعظم قدرا وأفخم ذكرا وأمدّ باعا وأشدّ امتناعا وأجلّ جلالة وأكمل عدّة وآلة وأرفع ملكا وسلطانا وأروع سيفا وسنانا وأحمى للإسلام وذويه وأنفى للشّرك ومنتحليه اكتسابا ووراثة، منه» (٣) لقد بلغ في العظمة حدّا جعل ملوك الأمصار- مؤمنين كانوا أو كفارا- من أقصى الأبخاز (٤) إلى أنحاء الحجاز، ومن أوائل «باشقرد» (٥) إلى منتهى تخوم «ولا شكرد» (٦)، ومن صحاري القبجاق حتى براري العراق، لا سيّما

стр. 135

ملوك الشام- يزعمون أنهم غلمان له، ويخطبون الخطبة ويسكّون السّكة باسمه: رأوا طوعه حتما وفرضا ولازما … وإخلاصه في الدّين والملك واجبا كان يملك نفسا نضرة بوابل الطّهر، ويتّصف بعدل أنار العالم جملة كعين الشمس، وكان يطيل النّظر والتّدقيق في أموال الخزانة، ولا يحيد في إنفاق الخزائن إلى أي من طرفي: الإفراط والتّفريط، لكنّه كان في مراعاة شأن الأضياف ورسل الأطراف بحرا مواجا وسحابا ثجّاجا، وكان يبالغ في توجيه العتاب بل وإنزال العذاب لأتفه بادرة تحصل من أكبر القادة في الجيش، وكان يستأصل شجر وجودهم كأعجاز نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (١) من جذوره بفأس البأس والزّجر والتّوبيخ، ويجري عليهم حكم وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (٢)، فلا جرم أن أصبح التطبّع طباعا مركوزة في الذات عند نوّاب الجهات/ وغدا أصحاب الدواوين يستشعرون الخوف ويصطنعون الأمانة. روى الأمير الكبير «جلال الدين قراطاي» وكان قطب الأوتاد وقدوة الزهّاد: «كنت ملازما للحضرة العليا ثمانية عشر عاما في السّفر والحضر ليلا ونهارا، فلم يتناه إلى علمي أن السلطان استراح على فراش النوم- سواء في حالة الصّحو أو السّكر- إلا قليلا، بل كان قد وضع نصب عينه أمر: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٣) وكان يعتبر ذلك سببا لرفع درجاته، ومع أنه كان يعدّ اتبّاع مذهب الإمام أبي

стр. 136

حنيفة- ﵁ في الأصول والفروع فرضا واجبا إلّا أنه كان يحافظ على صلاة الصّبح وفقا لمذهب الإمام الأعظم «الشافعي» ﵁. وكان يقسّم أوقات اللّيل والنّهار على مصالح الملك والمملكة، وكان محالا أن يترك مجالا للهزل في مجلس أنسه، بل كان يشغل المجلس بتواريخ الملوك وذكر محاسن سير الملوك القدماء. وكان أحيانا ينظم بطبعه اللطيف شعرا ظريفا في ضرب «الدوبيت»، ومن بين ما قاله في هذا الضرب: حين كنت أتمتع بالصحو فإنني كنت أتملك عقلي … فلمّا ثملت توارى العقل مني اشرب الخمر فبين السكر والصحو … وقت هو أصل الحياة فإذا ما صدرت من أحد الحرفاء والنّدماء كلمة أو حركة خارج مرتبته ووظيفته فإنه لم يكن يفتح له باب المجلس بعد ذلك أبدا. «وكان ذكر السلاطين القدماء يجري على لسانه بكل إجلال وتعظيم، وكان ممّن يثق فيهم [ويثني عليهم] (١) من سلاطين الإسلام: محمود/ بن سبكتكين (٢) وقابوس بن وشمگير (٣)، وكان يتشبّه بأخلاقهما. ولم يكن يوقّع

стр. 137

باسمه أبدا دون وضوء، وكان دائم الإطلاع على «كيمياء السّعادة» (١) و «سير الملوك» لنظام الملك (٢)، وكان يجيد لعب الشّطرنج، والكرة، والرّمح، وقد اكتسب مهارة وحذقا في الصناعات كافّة من عمارة وصناعة وسكّ النّقود، والنّحت والنّجارة، والرّسم، وصناعة السّروج وكان يحسن معرفة قيمة الجواهر. (بيت): إن كانت النبوّة قد ختمت بخاتم الشّرع … فقد ختمت به السلطنة دون السلاطين» …

стр. 138

ذكر وصول شيخ الشّيوخ شهاب الدين السّهروردي من جانب الخليفة برسالة إلى السلطان حين أبلغ خبر طلوع طلائع الإقبال وظهور البدائع الخاصة بسعادة السلطان علاء الدين كيقباد لحضرة الخليفة وبلاط الإمام «النّاصر لدين الله» تفضّل فأرسل منشور السلطنة ونيابة حكومة ممالك الروم، والخلعة السلطانية وحسام الملك وخاتم الإقبال في صحبة (١) الإمام الربّاني أبي يزيد (٢) الوقت والجنيد (٣) الثّاني، من تصدر الصفّة في قبّة الأولياء، والأتقياء، وارث علوم الأنبياء «خلاصة القدرة خالصة السّدرة عارف الحقائق قارع الشواهق شهاب الملّة والدّين شيخ الإسلام والمسلمين هادي الملوك والسلاطين الداعي إلى جناب مالك يوم الدين أبي عبد الله بن محمد السهروردي ﵁» (٤). وحين أبلغ السلطان بالقدوم المبارك للشيخ إلى «آقسرا» أرسل الأمراء مع إقامات كثيرة (٥)، فلما لحق بمنطقة «زنجيرلو» خفّ القضاة والأئمّة والمشايخ/

стр. 139

والمتصوّفة والأعيان والإخوان بأعداد كبيرة للغاية للتّرحيب به، ثم توجّه السلطان بنفسه بجيش منظّم تنظيما باهرا (١) لاستقباله. فلما وقع نظره على جمال الشيخ المبارك قال: «ما أشبه هذه الطلعة بوجه من أخذ يفكّ القيد عن قدمي في المنام عشية خلاصي من السجن ويأخذ بيدي كي أركب ويقول: سوف تلازمك همّة عمر بن محمد السّهروردي دائما أبدا». فلما اقترب أخذ في معانقته ومصافحته، قال الشيخ: ظلّ بال عمر بن محمد السهروردي قلقا من ناحية سلطان الإسلام منذ ليلة السجن؛ والمنّة لله أن دخل حصول ما لا عوض عنه دائرة التيسير قبل حلول ما لابد منه، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ (٢)، فبادر السلطان- وهو في غاية الارتياح والانشراح- بعد السّلام وأمسك باليد اليمنى المباركة للشّيخ، وتضاعفت أسباب الاعتقاد، وبلغ في تعظيمه أقصى نهايات الغايات، وأراد أن يفعل ما فعله إبراهيم ابن أدهم (٣) حين سلك طريق عيسى بن مريم، وكان الشّيخ يشاهد بنظرته النّورانية أوهام السلطان وخواطره، فيجيب على كل خاطر ويعمل على تسكين البواعث والدّوافع التي استقرت في الطبع منذ يوم «ألست» (٤)، ويفسّر قول الحقّ تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (٥) ويقول: «ولكلّ عمل رجال» ويشجّع على

стр. 140

بسط العدل والتمسك بأهداب الدين، حتى انسلخ السلطان كلّية- بمجرد وصولهم المدينة- من لباس التعصّب والغرور والعجب والغفلة، وصار كروح الملك كلّه خير. وفي اليوم التالي/ دعي الشيخ إلى قصر السلطنة حتى يلبس السلطان خلعة الخلافة ويضع على رأسه العمامة التي كانت قد كورت في بغداد، وعلى ملأ من الناس أتوا بمقرعة الحدود- وهي تقليد من تقاليد دار الخلافة- وأجروها على ظهر السلطان أربعين ضربة، وقادوا جنيبة (١) دار الخلافة ذات النّعل الذّهبي، فاستلم السلطان- بحضور الأنام كافّة- حافر جنيبة الإمام ثم ركب هو والشيخ المعظّم- كلّ منهما- جنيبته، وشاهد الناس جميعا السلطان على تلك الهيئة. فلما عادا ووضعت المائدة ثم رفعت، بدأ منشدو الخاصّ السلطاني «السماع» (٢)، فتواجد (٣) كبار المريدين الذين كانوا قد قطعوا الأغوار والنّجود في صحبة الشّيخ، وتجلّى في كلّ الحاضرين شوق عظيم من ذوق ذلك السّماع، وفعل ذلك فعله في السلطان وجمع من الأمراء- سيما جلال الدين قراطاي- ولما تحوّل الشيخ إلى المنزل المبارك- وكان مهبطا للواردات الرّوحية- تكلّف السلطان [من النّقود والمتاع] (٤) تكلّفا يزيد عن الحدّ والقياس، وبعث به إلى الشيخ.

стр. 141

وطيلة مدّة إقامة الشيخ بقونية استسعد السلطان برؤيته المباركة بضع مرّات. فلما حان وقت انصراف الشيخ ورجوعه أرسل إليه في صحبة «قراطاي» و «نجم الدين الطوسي» من أموال خراج النّصارى والأرامنة مائة ألف وخمسة آلاف دينار من الذّهب السلطاني المسكوك بالسكّة العلائيّة من فئة الخمسمائة والمائة والخمسين مثقالا مضروبا، وكمّية من الأمتعة برسم النّفقة. وخرج لوداعه حتي «زنجيرلو»، وهي تقع على بعد فرسخ بأكمله من قونية. ونال المدد من الشيخ، وحين المفارقة جرى على لسان الشيخ هذان البيتان: / ولم أر كالتّوديع أقبح منظرا … وإن كان يدعو أهله للتّعانق وللصّارم الهندىّ ألين جانبا … ملامسة من كفّ إلف (١) مفارق ولزم بعض الأمراء وضيوف الشّرف السلطاني شروط خدمة الشّيخ حتى جاوز ملطيّة- آخر حدود المملكة. …

стр. 142

ذكر شروع السلطان علاء الدين كيقباد بالفتح وكان أول فتحه قلعة العلائية لما كانت أعلام دولة السلطان تعلو مع الزّمان على شواهق الإقبال وقلال الجلال بيمن الملك المتعال وعناية أعتاب ذي الجلال، وكانت بركات السماء تحلّ في الزّروع والضّروع بفضل حسن إشفاقة ومكارم أخلاقه، حتى وإن كان ما بين الزّجاجة والكأس من مدام وخمر- دما ظهر بينها من التصافي ما لا مزيد عليه، وبلغ المطربون في مجلسه الملكي الذي تتزايد فيه البهجة غاية البراعة من تواتر مداعبة الأنغام على الآلات الموسيقيّة، قال السلطان يوما لندمائه- وكانوا بمنزلة الوزراء والمستشارين- يتعيّن علينا أن ندع الحفلات وما بها من بهجة وطرب ونبادر إلى إعداد العدّة للحرب، فينبغي أن يجعل لقوانين السلطنة مثل هذا الحق. فركع الأمراء الكبار أمام العرش تأدّبا وقالوا إن ملك اليونان خاضع لمليك العالم؛ وإن ثغر أنطالية وإن كان قد تيسّر فتحه، لكنّ [همّا عظيما وخوفا لاحدّ له ينشأ] (١) من جهة قلعة «كلونوروس» - التي تبدو السماء أمامها كالأرض الفسيحة المترامية، هي جبل بغير أمان، لها من البحر خندق ومن صخور الجرانيت حصار، قد تحكّمت من جانب البرّ على ملك «سيس»، بينما فرضت من جانب البحر خراجا ثقيلا على رقبة مصر/، وليس لمثل هذا الصّرح الهائل إلا المليك الذي هو ملجأ العالم. فلو صدر الأمر إلى الجيش المنصور، فالأمل أكيد في أن تصبح كلّ نملة تنّينا وكلّ صعوة عنقاء، وأن تدرج تلك القلعة- التي تبدو مساوية للسّماك مناطحة

стр. 143

للأفلاك- في أنشوطة مماليك الدولة، مما يؤدي إلى انتظام ذلك الدرّ الثمين في سلك لآلىء المملكة الأخر. فوافق السلطان على هذا الرّأي وأمر بكتابة الأوامر إلى جهات «الأوج» لجلب العساكر، وفي التوّ نثر كتبة الدّيوان الأنقاس (١) الشّبيهة بالعبير على القرطاس المضمّخ بالكافور، وزيّنوا وجه الورق الأبيض بسطور مسلسلة كطرر الحسان الشّبيهة بالشمس، وكغرر الأحبّة المماثلة لهيكل المشتري، وشفعت بتوقيع السلطان، ثم بعثوا بها على يد غلمان الحرس في شكل رسائل مرسلة على الخيل السريعة. وفي أقل من عشرة أيام تجمّعت حشود تنقّب الغبار المتصاعد من حوافر دوابّها وجه الشّمس والقمر. أمر السلطان أن يقسّم ذلك الجيش- صائد العالم- ثلاثة أقسام: قسم يثب ويهجم كالنمور من الناحية الصخريّة والحجريّة، وقسم يشتبك في القتال كالتّماسيح من جهة البحر، وجماعة تنطلق كالأمواج العاتية تجاه القلعة في السّفن بينما ينصب على ذلك التل المرتفع- الذي بقي الفلك من حدّته ذاهلا متلفّعا على الدّوام بالغمام الأسود- منجنيق كالجبل تصاب جبال «ألبرز» (٢) بالوهن من حجارته، وأن يصعد البواسل- الذين تكون الصخور الصلدة وقت الحرب عندهم/ كالحرير- ذلك التل. فلما وضع المنجنيق وفق حكم السلطنة سمع «كيرفارد» صاحب القلعة أن

стр. 144

السلطان عبر بجيش كبير تلك المياه المهلكة، ولم يلحق به ولا بجيشه أي أذى من وعورة تلك الطّرق المخيفة. فقال: بهذا الحديث سيكون انفصالي عن ملكي القديم، ولن يكون بوسعي أن أفك عني هذا القيد مهما أحكمت التدبير؛ ما كان بوسع الشمس- وهي راكب وحيد- أن تجتاز من قبل هذا الجبل الوعر إلا بألف قائد ودليل، والآن يجتازه الملك كيقباد اجتياز الريح، فما أيسر عليه- بمدد الله وعونه- أن يحارب السّماء ويقارع الفلك، فما لنا سوى أن نتذرع بالصبر ونجلس على باب الانتظار لنرى ما يستخرجه الفلك من وراء الحجاب، فليس ثمّت علاج آخر. وفي اليوم التالي رفعت الرّايات الصّفراء للملك- الذي طوى الأرض- على القبة اللازورديّة، فاسودّ العالم من غبار الجيش. ورغم أن الزّمان لم يكن بمقدوره أن يلقي نظرة غضب على ذلك المكان الموحش ولم يكن بوسع آذان الفلك أن تسمع أنّ بالإمكان فتحها ببذل المجهود، فأيّ أثر لسهام الفلك على قلعة يتحدث حرّاسها مباشرة مع كوكب عطارد؟! (شعر): - ولكن حين يكشّر الحظّ المشئوم عن أنيابه، يجعل الحجر الصلد على شاكله الشمع. أمر السلطان بأن يصعدوا الجبل فوجا فوجا، فاعتلوا تلك الصخور الصّلدة دفعة واحدة كأنهم عقبان طائرة أو نمور كاسرة، وعلى ذلك الجبل، الذي لم يكن للفكر أن يجد إلى ارتقائه سبيلا- بادرت فرقة بالقتال فأحاطت القلعة كالفرجار بمائة منجنيق ثقيل، واستمرّت الحرب شهرين «حتى عبر شهران/ كيوم واحد» (١). وذات ليلة رأى السلطان في المنام شخصا حسن السّمت أخذ

стр. 145

يحدثه بهذه العبارات (شعر): - ليس لهذه القلعة الشّاهقة من نظير، ولا يمكن لأحد استخلاصها بالحرب. … - لكنّ خالق الكون عون لك، واستخلاص مثل هذه القلعة شأن من شؤونك. - فجيشك إن قصد الفلك، انتزع المخّ من رأس الشمس. … - فإن كان طريق الحرب متّجها صوب البحر، فرّت التماسيح من البحر إلى اليابسة. - ولكنّ مثل هذا الصرح العجيب، يمكن استخلاصه بقوّة الله. فصحا السلطان من النوم فرحا بهذه البشارة، وأثبت الأبيات على قصاصة، وحين انبلج الصبح، وسلك جيش الظلام طريق الانهزام (١)، أذن للأمراء الكبار- الذين كانوا حاضرين في الدهليز الملكي- بالاجتماع به في الديوان، وحكى لهم حكاية المنام، وقرأ عليهم الأبيات، وفرق الكثير من الصدقات من بقر وغنم ودراهم على الفقراء ومطوّعة الغزاة. وفي نفس الليلة بدا لصاحب القلعة بداء في أمر الامتناع والدفاع، فدعا إليه الأعيان والوجهاء، وقال: لن نتمكن من الثّبات أمام قوّة السلطان، ولئن كانت قلعتنا تجالس الفلك وتجاور العقاب، فإنه يبدو من المحال اجتياز حكم القضاء والقدر، والواجب إذن هو استبدال التّقارب بالتّباعد مع ملك يتمتّع بالعزّة
следующие страницы →