← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقرّر المناصب. وما إن عزموا على التوجّه إلى العاصمة «قونية» حتى سمعوا فجأة بأن الملك علاء الدين قد ولّى وجهه شطر هذه الديار، فبهتوا جميعا، وتملّكهم الإحباط واستبدّ بهم العجز. ***

стр. 72

ذكر محاصرة علاء الدين كيقباد «عز الدين كيكاوس» في قيصرية حين سمع الملك علاء الدين كيقباد بخبر وفاة أبيه، دعا إليه مغيث الدين طغرلشاه ملك «أرزن الروم» - وكان عمّه وبينهما صلة نسب- كما أرسل الرّسل إلى «ليفون تكفور» واختار له «قيصريّة»، وسلك «ظهير الدين إيلي» بالوعود الجميلة في سلك مؤيّديه، واجتمع له من كل صوب جيش حاشد، واتّجه صوب قيصريّة، وثبت لمحاصرة أخيه، وانقضت مدّة طويلة في تلك المحاصرة، وهلك أمراء مشهورون من الجانبين/ وتسّرب العجز والاضطرار لأهل القلعة، واستولى الملل على المزاج اللطيف للسلطان. وبمقتضى ما كان قد جرى في السابق من عهود بين السلطان وظهير الدين [پروانه]، وما أبداه من عناية بالغة في حقه، وما كان يشهده من حال يخالف الآمال، ويرى جفاء محل الوفاء، كتب هذا «الدوبيت» - من إملاء قريحته الشعرية الموزونة- على ورقة الشكوى، وأرسل بها في الخارج عند پروانه، (شعر): أنا شمع، ذهب جسدي بسرّ القلب … ما افترّ ثغري، ليلة، إلّا عن بكاء پروانه الذى قال: ما أنا لك إلّا رفيق الغار … حتى هو، رضي بضرب عنقي واستدعى [السلطان] «مبارز الدين جاولى چاشنگير» (١) - و «زين

стр. 73

الدين بشارة» أمير آخور (١) «ومبارز الدين بهرامشاه» أمير المجلس، وكانوا يلازمونه في «ملطية» - وقال: يتراءى لي أن نفتح باب المدينة في منتصف اللّيل، وندفع بكل قوّتنا إلى الخارج مهاجمين ونلقي بأنفسنا إلى «قونية»، فندخل الصّيد المنشود إلى الشّباك بدعم من أمراء وعساكر «الأوج». وحين نما هذا الأمر إلى علم جلال الدين قيصر، وكان حاكم قيصرية وشحنتها وكان موضع ثقة السلطان الشّهيد وإعزازه لما كان يتمتّع به من دهاء وذكاء شديدين، أبدى تعلّة، وذهب إلى حضرة السلطان حين أقبل الليل، وطلب الخلوة، ثم قال: سمع الخادم أن مثل تلك الفكرة غير الصّائبة قد عرضت بخاطر ملك العالم، ويتعيّن ألا تعودوا لذكر مثل هذه الفكرة المفضية إلى انعدام الصّلاح وفقدان الفلاح. وقد راودت خادمكم هذا فكرة لو تم تنفيذها لانحلت العقدة على النحو المطلوب. فسأل السلطان: وما هي الفكرة؟ قال: لو أتعب السلطان نفسه واتجه إلى الحريم السلطاني/ وأتى لي خفية بحلية ثمينة من حلي النساء لكي أضعها الليلة حيث يتيسّر بها المطلوب. فدخل السلطان الحريم، وأخذ من أخته شقّة مما تضعه النسوة على رؤوسهن يقدر ثمنها بإثني عشر ألف دينار ذهبي. وأعطاها لجلال الدين قيصر. فخرج من المدينة في جنح الليل ومعه أحد الغلمان، وقال لحارس الباب: ترقّب عودتي، فإن سمعت صوتي افتح الباب. وانطلق إلى المعسكر الذي تعسكر فيه قوات ليفون، بحكم ما كان بينهما من صداقة. وحين بلغ طليعة جيش ليفون قال: أبلغوا تكور أن جلال الدين قيصر

стр. 74

شحنة «قيصرية» يطلب الإذن باللّقاء. فأبلغوه في الحال، فقابله «تكور» وبالغ في تعظيمه. قال جلال الدين إن عندي لك أمرا دقيقا جللا، أعرضه عليك إن خلا المكان. فأمر تكور بإخراج جملة الخدم من الخيام. قال جلال الدين: معلوم لتكور أن لا شركة له بأي وجه من الوجوه في ملك السلاجقة، فلا يلزمه أن يتعب نفسه، ويصبح شباكا لصيد يصيده غيره. فإذا كان الملك هو مغيث الدين (١) ويطلب ملك أخيه، ويريد الملك علاء الدين أن يحل محلّ أبيه، فلست أدري ما شأن تكور؟. إن الخادم من فرط محبّته للمصلحة يرى أن ينأى بنفسه عن هذه الورطة غير المفيدة، ويعمد إلى الحفاظ على ملكه وحكمه. ثم قدم له تلك الشّقّة المرصعة بالجواهر، وقال: هذه ثمنها اثنا عشر ألف دينار مصري أقدمها لك فداء لكي تجعلنا آمنين من بأسك. فإذا ما ارتحل جيشك، فإنني أتعهد إن استقر الملك/ للسلطان عزّ الدين كيكاوس بأن يرسل اثني عشر ألف مدّ من الغلال بصفة مخزون احتياطي لقلاع الأرمن، ويتعّهد السلطان أن لا يلحق بملك تكور أذى بأي وجه من الوجوه طيلة مدّة سلطنته طالما ظلّ تكور وفّيا لعهوده، وأن تتدعّم الصداقة بتجدّد الأيام. وحين سمع «تكور» هذا الكلام ورأى تلك التّحفة المرصّعة بالجواهر قبل النصائح المعقولة، وقال: إنما يطمئنّ بالي حين يذهب أحد الأمناء عندي إلى السلطان فيحلف على ما قلت برمّته، ويكتب ميثاقا. [قال جلال الدين يتعين

стр. 75

أولا على تكور أن يعهد عهدا ويكتب ميثاقا] (١) ويرسله على يد رسوله في صحبتي. ففعل تكور مثل ما قال. وولّى جلال الدين وجهه صوب المدينة يرافقه رسول تكور. فلما وصل إلى حضرة السلطان، بشّر السلطان بحصول المقصود، وأذن السلطان لرسول تكور بتقبيل يده، فقصّ عليه ما جرى. فأخذ السلطان القلم بيده وخط بالخط الأشرف ميثاقا، وصرف الرسول في جنح الليل. ولما رأى تكور الوثيقة وأبلغه الرسول بمشافهات السلطان، أمر قادة خدمه وحشمه بإعداد العدة للرحيل خفية دون ضجيج، حتى إذا ما تجاوزوا حدود «دولو» عند الغسق وضعوا الأحمال على الإبل وانطلقو بأجمعهم منصرفين، وعند انبلاج الصبح كانوا قد لحقوا بتخوم الأرمن. وفي صباح اليوم نفسه أبلغ مغيث الدين طغرلشاه وعلاء الدين كيقباد أن معسكر تكور قد خلا من الخيام «كدار ما بها أدم»، فذهب التفكير بكل واحد منهم مذهبا من هذا الحدث العجيب، وخاف بعضهم بعضا- كالذئاب- فتفرقوا أيدي سبا بحيلة جلال الدين قيصر الثعلبية الماكرة. وظنّ الملك علاء الدين أن تلك الطوائف قد اتفقت مع أخيه قلبا وقالبا وأنهم يريدون أن يزجّوا به في قيد عقال أخيه أسيرا. وقال مغيث الدين: سوف يفتك بي إخوة [السلطان] بسبب ملك أرزن الروم (٢)./ وفي اللّيلة التّالية سلك بدوره طريق الانهزام على مناكب الظّلام. وارتفعت أصوات الطّبول من المدينة برحيل خيل المحاصرين، ولما لم تكن بالملك علاء الدين قدرة على المقاومة سلك طريق «أنكورية» واستولى عليها، واستظهر بما تتمتّع به من مناعة وحصانة.

стр. 76

وأعطى السلطان عزّ الدين «الحجوبية» (١) لجلال الدين قيصر، ووهب المدن الواحدة تلو الأخرى لخادم من خواصّه: «نكيدة» لزين الدين بشارة، و «ملطية» لحسام الدين يوسف، و «آبلستان» لمبارز الدين جاولي. وفارق «ظهير الدين إيلي پروانه» الملك علاء الدين، ولحق بنكيدة، فلم يستطع البقاء فيها بسبب مضايقة الأوباش والسّفلة، ومن ثمّ لجأ إلى قلعة «لولو»، فلم يطق البقاء هناك أيضا، فتوجه إلى الشام عن طريق «سيس»، فلما وصل إلى «تلباشر» اعتلّت صحته، ولم يلبث بعد بضعة أيام أن لفظ أنفاسه، فدفنوه هناك. ثم إن زين الدين بشارة- آمير آخور- عزم على التوجه إلى نكيده، واستمال الأهالي والأعيان بفنون الإحسان، وأرسل إلى ليفون رسلا، وأبلغه باستقرار أمر السلطنة للسلطان عزّ الدين. فأرسل ليفون الردّ مشفوعا بالهدايا. وولى السلطان وجهه شطر «آقسرا»، ومن هناك توجه إلى «قونية»، وخرج أعيان المدينة لاستقباله حتى منزل «أبروق»، وأدخلوا السلطان المدينة بكل إجلال وتكريم، وأجلسوه على العرش، وقدّموا مائة ألف درهم وخمسة آلاف دينار أحمر رسما لحقّ القدوم. وحلفوا جميعا على الولاء للسلطان، فجدّد السلطان لهم ما بيدهم من وثائق الأملاك، والإقطاعات، وأطلق سراح المسجونين، وارتقى القلّة الفارعة للمعالي بعد الفراغ من الأفكار.

стр. 77

ذكر مكارم أخلاق السلطان الغالب عز الدين كيكاوس كان السلطان عز الدين امبراطورا سخاؤه كقطر السحاب بلا حساب، ودهاؤه- كطلعة المشتري- يتألق في قلب اللّيل البهيم، قامته تحسدها أشجار السرو النامية على حافة الغدير، وخدّه تغار منه محاسن طراز الربيع (١)، قوسه كاستدارة حواجب الأحبّة مهلكة للروح، وسهمه كدعاء المظلومين يعلو على الأفلاك ويتولدّ عنه الضرر، عقله كدين الإسلام كامل، وعدله كظل الغمام على الخاصّ والعامّ هاطل، كان يعتقد أن إجزال العطاء على القريض من الفرائض، وكان يبلغ في صلاته للشّعراء أقصى الغايات، بعثت إليه ابنة حسام الدين سالار من «الموصل» بقصيدة تشتمل على اثنتين وسبعين بيتا فأنعم عليها بمائة دينار أحمر في مقابل كل بيت، ورفع الصدر نظام الدين أحمد أرزنجاني من مرتبة الإنشاء إلى مرتبة عارض بلاد الرّوم بالقصيدة التي كان قد قالها في جواب «شمس طبسي» وأنشدها في المحفل. لبس لباس الفتوّة من حضرة الخليفة الناصر لدين الله، وشرب كأس المروءة من حانة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (٢). حين بلغ خبر جلوسه على العرش سمع «لشكرى» فكّر مع مستشاريه على أي وجه يبادر بمراسلة السلطان عزّ الدين، وكيف يمكن العذر عن ذلك الغدر- وإن لم يكن رضاه مقرونا به. قال بعضهم (٣) إن مقتضى الحزم أن تطلق «آينه

стр. 78

چاشنى كير» من وثاق الأسر، وتصرفه بتحف مدهشة وهدايا منتقاة في صحبة رسلك- إلى عبودية بلاط السلطنة كي/ يتوسّط في رفع غبار الوحشة ورتق خرق العداء، فما هو إلا من بطانة الدّار وخواصّ العشّ، فكلمات اعتذاره- ولو كانت بدون عرض (١) توشك أن تكون سهما يصيب الغرض. ثم يجب بعد ذلك الاشتغال بجمع الرجال وتهيئة أسباب القتال. فإن انفتح طريق الصّلح بهذه الوسائل فهو المراد، أما إن دخلوا من طريق المشاحنة والمخاشنة ووضعوا أساس المحاربة نكون قد فرغنا من تناول الأسباب وأخذنا الأهبة والاستعداد. استصوب «فاسليوس» هذا الرّأى وبعث هدايا لا نهاية لها من كلّ نوع في صحبة سفير كان موسوما في بلاد الرّوم بفصل الخطاب والكلمات العذاب، وعدّ استمالة جانب سيف الدين آينه- بكل ما يدخل في حدّ الإمكان- أمرا ضروريا لازما، حتى صقل مرآة ضميره تماما من صدأ الدّخل (٢) والتزم بإتمام مهامّ المصالحة، وتوجّه مع الرّسل لحضرة السلطان. وحين بلغوا حدود البلاد بادر الأمير سيف الدين في التوجّه إلى البلاط قبل الآخرين، ونال شرف تقبيل اليد، وأعلن عن وصول الرسل وخلاصة الرسالة، ومحا الغبار الذى كان قد علق بأطراف خاطر السلطان بكمّ رداء الاستعطاف، وابتغى مراضي السلطنة في العفو عن جرائم الماضي، فأقلع السلطان عن الضّغن والانتقام، وعزا مصيبة أبيه إلى القضاء والقدر، وأمر بأن يؤذن للرسل في المثول بين يديه في مجلس عام. فأبلغوا الرّسائل والمشافهات، وعرضوا التّحف والطّرف، فاقترنت الرسائل بالمحمدة والرضا، وأمر بالحفل والطرب، [ودعا

стр. 79

الرسل فجيء بهم إلى مجلس الأنس] (١). وفي اليوم التالي سمح لهم بالمثول بين يدى السلطان في خلوة (٢)، فأقسموا له على رضاء ملك الروم فأمر بأن يجهزوا من الخزانة أضعاف ما كان قد أرسله [فاسليوس] وكلفّ الأمير سيف الدين ثانية بتلك الرسالة كي يعود ويسلّم المهمّات ويحضر طلل/ السلطان الشّهيد إلى العاصمة. فانصرف الأمير سيف الدين وبصحبته الرّسل والتّحف، فلما اقتربوا خرج ملك الروم لاستقبالهم، وبالغ في توقير الأمير، وأقسم- بموجب المسوّدة التي كانت قد ابيضّت بحضرة السلطان. وأعد في الكرّة الأخرى أضعاف ما كان قد أرسله في المرّة الأولى، وأرسل عشرين ألف دينار صدقة يتم توزيعها عند دفن السلطان [الشّهيد]، كما بعث بجثّة السلطان مع جند كثيرين إلى حدود بلاده. فعاد الأمير «سيف الدين آينه» والرسل والتحقوا بخدمة البلاط وعرضوا ما حدث، فعمر الجانبان بوفور السرور والحبور. وحين أتوا بجثّة السلطان إلى قونية ودفنوه بجنب جده وأبيه وأخيه، ذهب السلطان لزيارة السلاطين، وضمّ ثلاثين ألفا إلى ما كان ملك الروم قد أرسله، ففرّق بعضه هناك على المساكين، وأرسل البعض الآخر إلى الزّوايا والصّوامع، وأجرى الباقي في أطراف البلاد. …

стр. 80

ذكر توجه السلطان إلى أنكورية ومحاصرة أخيه الملك علاء الدين حين ظلت فرش الكرامة مبسوطة زمنا على هذا النّمط في إيوان سلطنة عزّ الدين كيكاوس، وغدت المهمّات والمصالح مضبوطة، جال بذهن السلطان: ما دام أخي في أنكورية متحصّنا بذلك المكان المنيع للغاية، فلن ننعم بالأمن الشّامل والفراغ الأصلي، ومن ثم ينبغى أن نعدّ اقتلاع جذور هذه الفتنة من أوجب/ الواجبات. ثم أصدر الأوامر إلى الأمراء وقادة الأطراف كي يشخصوا بجمع حاشد إلى العبوديّة، وفي أيّام قلائل حضر العساكر كافة إلى ضواحى قونية المحروسة. وما إن حصل للسلطان الفراغ من ترتيب أسباب المحاصرة ومعدّات القتال حتى توجّهوا إلى حدود أنكورية بالطّالع المسعود. وحين بلغ ذلك الملك علاء الدين شغل بتقوية القلعة كما عني بأمر الجيش وتجديد عهد الولاء والوفاء مع أهالي المدينة. فلما بلغ السلطان أنكورية اصطفّ الجيش صفّا صفّا، بهيبة تزيغ لها عيون أولي الأبصار، فأحكموا الحصار على المدينة. وخرج الأمير «مبارز الدين عيسى الجاندار» (١) وإخوته من المدينة فوقفوا في الميدان، وبسبب خصومة حدثت في المكتب لمبارز الدين في «سيواس» مع «نجم الدين بهرامشاه الجاندار» ظل كلاهما يسلك مع الآخر طريق المعاكسة والعداء؛ فصاح مبارز الدين بأعلى صوته داعيا نجم الدين للمبارزة، فطلب نجم الدين

стр. 81

بهرامشاه الإذن من حضرة السلطان عزّ الدين ودخل الميدان. فانخرط كلاهما على الفور في القتال بالحراب كأنّهما أسد وفهد، فزاد ما تكسّر من رماحهما عن تفاريق العصّي وشتيت الحصيّ، ولم يصب أي من الغريمين بخدش- ولو خطأ- من هذا الطّعان. فما كان منهما إلا أن مدّا أيديهما إلى علوة السرج، وانتزع كل منهما دبّوسا، فعجزا عن ذلك أيضا، فلما لم يظهر القاهر من المقهور والغالب من المغلوب أرادا امتشاق السيوف من أغمادها ليفصلا في الدعوى بحدّ الحسام، فهو البرهان القاطع. فأمر الملك علاء الدين من داخل المدينة بأن ينادى على مبارز الدين، فلما بلغ نداء النقّباء سمعه رجع، كما ذهب بهرامشاه إلى حضرة السلطان، فأعرب السلطان عن إعجابه/ بثبات قدمه، وخلع عليه. وظلّت الاشتباكات قائمة على هذا النّمط بين الطّرفين كل يوم من أوائل الربيع حتى أوائل ربيع السنة التالية، ووضع السلطان مقابل المدينة أساس مدرسة على أمل أن يوقف عليها أوقافا ويغدق على فقهائها إن تيسر له الظّفر، وإن ظل الأمر على ما هو عليه أمر بإقامة مبنى المدرسة. فلما استخلص أنكورية وفى بالعهد والنذر وأوقف عليها. ولمّا وصلت النوبة لعلاء الدين أصدر أمرا بهدم القبّة وإبطال الأوقاف، لكن أطلال تلك المدرسة لاتزال باقية. لنرجع إلى ما كنّا فيه. أقام كل أمير بيتا، وقضوا ذلك الشتاء. وحين وصلت راية ملك الكواكب السيّارة إلى نقطة الاعتدال الربيعي، وامتلأت ستائر الأبواب بريح الصّبا، وتجلّت عرائس الرّياض، تجاوز ضيق المحاصرين وقلّة المؤن والمحاصيل الحدّ، فأخذ سكان المدينة والمحاصرون بالقهر يتجرّعون السمّ من ساقي الدّهر، فشرعوا في قرع باب الصّلح برضا الملك علاء الدين.

стр. 82

وأرسلوا رسولا إلى الأمير سيف الدين آينه طالبين الأمان، فجاء الأمير سيف الدين بالرّسول لتقبيل يد السلطان، ولما عرض الرّسول المشافهات والمراسلات واستغاثة أهل المدينة وما كانوا قد قدّموه من شفاعة بشأن الملك علاء الدين، بدت أسارير السّرور في الجبين المبارك للسلطان، واستدعى الأمراء الكبار مثل ملك الأمراء حسام أمير چوبان وملك الأمراء سيف الدين أمير قزل- وكانا من كبار أعوان المملكة- فأقسم السلطان في حضورهم بأغلظ الأيمان بألا يلحق بالملك/ علاء الدين أي ضرر- بأى وجه كان- من قبله، أو من قبل رعايا دولته، وأن يصرف- خالي البال- لبعض القلاع التي للسلطان ثقة بها، وألا يبخلوا عليه بالعدّة الضرورية من ملبوس ومفروش ومطعوم وزوجة، وألا يأخذ السلطان أهل المدينة بالمقاومة التي أبدوها. وتمّ توقيع العهود بعد ذكر الحلف باليمين المبارك للسلطان، وسلّمت للرّسول. وحين وصل الرّسول إلى المدينة، وأذاع الأمر، طلب أهل المدينة أعلام السلطان، ودعوا إليهم بالأمير سيف الدين آينه، فدخل الأمير سيف الدين المدينة- بأمر حضرة السلطان- بصحبة جند لابسين ملابس القتال ومعهم أعلام سلطان الدّهر وراياته، ورفع العلم بكل إجلال على قلّة القلعة، واستمال أهالي المدينة صغيرا كان أو كبيرا. ونقلوا الملك علاء الدين من قصر السلطنة إلى بيت بعض المجنّسين، واختاروا الموكّلين. وبعد ذلك صحب الأمير سيف الدين الأعيان والكبار إلى البلاط، فنالوا شرف تقبيل اليد، واعتذروا بلسان الاستغفار، ثم دخلوا المدينة مع الأمير سيف الدين، وأعدّوا الأموال والأمتعة التى سيجعلونها نثارا على موكب السلطان [عند دخوله المدينة].

стр. 83

ثم دخل السلطان المدينة بالفأل السعيد، وجلس على العرش، وأسعد (١) طبقات الناس بأنواع الاصطناع. ثم عهدوا بالملك علاء الدين إلى سيف الدين آينه، فأخذه إلى ملطيّة المحروسة، وحبسه بقلعة «منشار» (٢)، ورتّب الرّواتب ووظائف بيت الثيّاب والمطبخ والشرابخانه، وأخذ من الأمراء والقادة حجّة بأنه قد سلّم الملك إليهم بسلام، ثم عاد. ورجع السلطان إلى العاصمة. …

стр. 84

ذكر عصيان سكّان أنطالية وفتح ذلك الثّغر مرة ثانية على يد مماليك السلطنة بعد مدة حمل خبال وبطر الرّاحة وأشر النّعمة كفّار أنطالية على أن يضربوا كأس العهد والميثاق بحجر التمرّد والعصيان، فأخرجوا رؤوسهم- كيهود خيبر- من ربقة الطاعة وأقدامهم من دائرة الاستقامة، ونفروا من رعاية حقوق دولة السلطنة فلبسوا السلاح، وفي جوف الليل- وبسبب ما وقع من لبس- كبس كل جماعة منهم حاكما من الحكّام، وجعلوا الشّريف والوضيع والكبير والرّضيع جرحى وقتلى لسيف الانتقام. وشغلوا حتى استولى الفلق على الغسق بإجراء الدّماء أنهارا من أبدان الحكّام صوب البحر، فما حلّ الصّباح إلا وكانت أرواح الشّهداء قد وجدت الأنس برياض القدس. وبعد ثلاثة أيام بلغ الخبر مسامع السلطان، فظهر تغيّر عظيم في باطنه المبارك، ووقّع في الحال الأوامر باستدعاء واستحضار العساكر والأمراء، وأرسلها بيد الرّسل المسرعين إلى كافة الممالك، فلا غرو أن حلّت بصحارى قونية أعداد رجال كحبّات الرّمان، ونصب الدّهليز المبارك بصحراء «روزبه» بنيّة فتح أنطالية بفأل اليمن وطالع السّعد، وساروا في اليوم التالي. أما الرّوم من أهل أنطالية فقد تحقق فيهم عند ذاك قول الحق تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ (١)، فتوسّلوا- بسبب الاضطرار والمحنة- بملوك الفرنج، فسارعوا بشحن بضعة سفن بالمحاربين وأرسلوها لمددهم، فلما شاهد الفجرة من فوق السور ما أتاهم من مدد فوق سطح البحر/ دقّوا طبول البشائر وتغنّوا بلحن السعادة بالوتر السفلي لورود أولئك الذين هم حطب جهنّم،

стр. 85

وأدخلوهم القلعة بالحفاوة البالغة والإعزاز التام، فشغل أولئك المناحيس بتدبير عدّة القتال، فركّبوا المجانيق من داخل المدينة. وحين وقعت ظلال المظلّة السلطانية على تلك الأطلال أمر في التوّ بأن يحيط الجند بتلك الخطّة كما يحيط قطر الدائرة بالنقطة، فزحفوا مع حملة السهام زحفا ارتعدت منه عظام دي وبهمن (١)، ولم يستطع أحد منهم أن يظهر وجهه لأحد من السّور خوفا من ذلك الزحف. وفي اليوم التالي حين وصلت أسلحة الحصار ومعدّاته ووصل المشاة، أمر فأمسكوا المغازل بالليل وصنعوا السلالم وهيّأوا المنجنيق للعمل. فلم يكن لأولئك الملاعين من حيلة إلا إلقاء الحجارة، إذ لم يكن بوسعهم أن يتحركوا فوق السّور خشية أن يصابوا بالجراح من سنان السهام. ولما طالت مدّة [المقارعة] (٢) أمر السلطان بإعداد سلالم عريضة يمكن لعشرة من المشاة أن يرتقوها دفعة واحدة، وأن يصعد شجعان الجند فوق السّور فيفصلون في أصل هذا النزاع بحكم الحسام القاطع. فعدّوا امتثال الأمر لازما، وأعدوا السّلالم على نفس المنوال، وعيّنوا الجماعة التي تحمل السلالم تحت السّور، والطّائفة التي تصعده، والفوج الذي يرمي بالسّهام. وفي اليوم التالي سار الجيش بأسلحته، أما عقاب مظلّة المتمكّن في الأرض فقد بسط أجنحته، وتحرّكت الرّاية المنصورة، وطلب السلطان أبطال الحشم،

стр. 86

وبذل لهم الوعود الجميلة حتى حملوا بأسرهم حملة كعزرائيل، فأجروا من العيون النضّاخة في عروق الكفّار أنهارا صوب البحر./ وجرى قول الحق جلّ وعلا تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١) مجرى التداول. ونصبوا السّلالم، وصعد الشّجعان بالدّبوس الثقيل والسّلاح الخفيف عشرة عشرة من كل برج كالشّمس التى امتشقت الحسام، فقتلوا الفرنجة الذين كانوا على السّور، ونزلوا وفتحوا البّوابة، فدخلت العساكر، وتجاوز تدفّق الدّماء الحدّ، وعدّوا الإبقاء والعطف على الصّغير والكبير من المحظورات، وغنموا أموال أولئك الكفرة وعيالهم حيث أخذوهم رقيقا. وفي اليوم التالي دخل السلطان المدينة، وجلس على عرش المملكة، فقيّد الصقر المسيطر على الفضاء بقيد الصّيد ثانية، وأمر بإقامة الاحتفالات العامة، وخصّ الأمراء والقادة ورؤساء العشائر والبواسل من العساكر المنصورة، فجعلهم ينالون الحظوة بمكارم وعواطف غير محصورة. واستمر الاحتفال بعد انتهاء القتال سبعة أيام، ثم ألقى نظرة على سائر البيوتات، فما كان فيها معدوما جعله موجودا، وما كان قليلا أحاله كثيرا، وبلغ بحدّ النّقصان غاية الكمال، وبادر بترميم السّور وزاد من ارتفاعه وسدّ كل ثلمة فيه. وعهد من جديد بقيادة الجيش للأمير مبارز الدين أرتقش كي يستميل القلوب بحكم اطّلاعه على أحوال السّواحل، ويعيد المتمرّدين والمشرّدين إلى الماء والأرض. فضمّ أموال الخونة وأملاكهم إلى ديوان الخاص، وسجّلها في دفاتر الديّوان الأعلى، وأضاف بعضها إلى الإقطاعات. وولّى السلطان وجهه صوب قونية، وكتب رسائل الفتح والظّفر لأطراف العالم، وأرسل من تلك الغنائم تحفا لا حصر لها إلى ملوك الأطراف.

стр. 87

ذكر تحرّك السلطان نحو سينوب وفتحها فى عهده المبارك حين أطلّ وجه الربيع من وراء نقاب السحاب المضمّخ بالكافور وبسط فراشو (١) الطبيعة بساطا متعدّد الألوان على وجه الجبال والصحاري حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ (٢)، خطر للسلطان أن يتوجه إلى «سيواس»، فوجّه عنان من يزدان به العالم إلى تلك الناحية. وبينما كان السلطان جالسا ذات يوم في محفل ملكي وصل فجأة رسل من محافظي ثغور «سينوب» وسلّموا رسالة مختومة لحضرة السلطان بأن «كيرالكس» تكور «جانيت» قد بالغ في الجناية، وتوّغل في ممالك السلطان، وأحدث الكثير من التّخريب والدّمار. ورغم أن السلطان قد استبد به الانفعال بسماع ذلك الخبر، فقد تجنّب إظهار انفعاله كي لا يفسد متعة الرّفاق. وفي اليوم التّالي دعا بالأمراء وفاتحهم في الأمر، فأبعدوا النجعة بأسرهم في بيداء الغضب وغيضة الغيظ، وقالوا: لو أذن لنا سلطان العالم فإن خنجر مماليك السلطنة المتعطّش لدماء الخبثاء يروى من مقسم المفرق في رأس ذلك الحقير، ويصبح ما زرع ببلاده حصيدا لمنجل القهر الذى تمسك به الجنود المنصورة. فسأل السلطان بعض من كانوا قد رأوا «سينوب»، فأجابوا بأنه لا يمكن أخذها بالحرب، اللهم إلا إذا حوصرت زمنا طويلا حتى يلحق بأهلها الملل لقلة المؤن ونفاد الزّاد، وألا يصل إليهم مدد من البر أو البحر، فعند ذاك وبهذه الوسيلة

стр. 88

يمكن أن يتاح فتح المدينة. فالرأى أن يبادر الجيش بالهجوم عليها، فيأخذون عيالهم رقيقا، ويخرّبون ضواحيها وأطرافها كلّية، ويتعاملون معهم على هذا النّحو سنوات. فاستقرت/ آراء الأمراء في حضرة السلطان على هذا كله. وفي اليوم التالي توجهوا إلى «سينوب» بعدد كبير وعدة وافرة. فأخبر الجواسيس أن «كيرالكس» يجول بتلك الديار- في غير حيطة ولا حذر- في رحلة للصيد وبصحبته خمسمائة فارس. وحين سمع القادة هذا الخبر أسرعوا كالوهم في المسير، وفجأة التقوا به في مكان الصّيد، وأمسكوا بتلابيب روحه- كموت الفجاءة- في موضع أنسه ومجلس سلوته (١). ورغم أنه حمل على القادة بضع حملات، فإنهم جاءوا به في النّهاية مقيّدا وأسيرا إلى مضارب خيام العساكر المنصورة، أما جنوده فقد قتل بعضهم وجاء الباقون «مقرّنين في الأصفاد» إلى بيت السّلاح الخاصّ، واختير لهم موكلون يتمتّعون باليقظة والانتباه. ثم أرسلوا في التوّ واللحظة رسولا وأبلغوا المسامع السلطانية بالنّصر الرّباني والفتح الفجائي. وما إن علم السلطان بالرسالة حتى رفع أعلام الفرح رفعا تجاوزت به ذروة العيّوق ومنزل الشّعرى (٢)، وأمر ببذل أقصى الاهتمام للمحافظة على ذلك المخذول المجدول (٣)، لأن موكب السلطان سوف يتجشّم التوجّه إلى تلك النّاحية

стр. 89

على الأثر، ويمكن عرض ما يقتضيه الرّأي وتستدعيه المصلحة على الأمراء (١). وفي اليوم التالي توجّه السلطان نحو «سينوب»، فلما لحق بتلك الحدود استقبل جميع العساكر الرايات السلطانية وقد لبسوا السلاح، وقبّلوا أرض العبودية من بعيد. وحين نزل السلطان بخيمته المباركة أمر بإحضار «كيرالكس» مقيّد الأقدام. فلما اقترب من العرش قبّل الأرض بذلّة وضراعة، فعني السلطان- لفرط مروءته- بالتودّد إليه، وقال: لا ينبغي أن تتعب خاطرك، فما دامت سلامة الذّات حاصلة غدت شاملة للمرادات. وجلس لحظة ثم أذن بأن يذهب بالأوثاق إلى الوثاق. وفي اليوم التالي أمر السلطان بأن يركب جميع الجند وهو يلبسون لأمة الحرب/ فيلتفّوا حول القلعة التي تقوم منها على اليابسة. وأرسل إلى «كيرالكس» قائلا: مادام موكبنا السلطاني قد لحق بهذه الحدود فإن العودة دون حصول المقصود أمر محال، فيجب أن يرسل شخصا من أهله إلى المدينة لكي يقدم النّصح للمحصورين. فاختار تكور شخصا من الأمراء الكبار كان مقيّدا في سلك باقي الأمراء، ففكّوا قيوده بأمر السلطان، وحملوه إلى تكور، فأرسل تكور برسالة على لسانه بأن يسلّموا المدينة. فأطال أولئك المدابير اللسان بالهذيان، وقالوا إن كان «كيرالكس» قد أسر فإن له أبناء لائقين، سنقيم واحدا منهم ملكا، ولن نسلم هذه البلاد

стр. 90

للمسلمين. فأمر السلطان بإرسال الرّسول مرة ثانية من باب إلزامهم الحجّة، فلم يكن لذلك بدوره جدوى. وفي اليوم التالي أمر بأن يطوفوا بتكور وهو مقيّد بقيود ثقيلة حول حدود المدينة ويأخذوا في تعذيبه فإما أن يسلّموا المدينة أو يقضى على «كيرالكس». فأخذ الجلّادون في تعذيبه، وارتفعت صرخاته وأخذ ينوح قائلا: أيها الكفرة، لأجل من تبقون على المدينة وهم سيقتلونني وسيأخذونكم أسرى مقيّدين بالقهر والقسر، فما جدوى المقاومة؟ «فكان تأثيره فيهم كتأثير الرّخاء في الصّخرة الصّماء». وظلّ الأمر على هذا النحو طيلة النهار إلى أن حلّ الليل. وفي اليوم التالي أمر السلطان بتعليق «كيرالكس» مقلوبا وشرعوا في عصره حتى فقد الوعي كالصّريع. فلما رأى أهل المدينة أن أمر الملك قد تجاوز الحدّ صاحوا مطالبين بعودة رسول تكور إلى المدينة، «فعندنا كلام نقوله». وحين دخل الرسول المدينة قالوا: لو أقسم السلطان ألا يقتل «تكور» وسمح له بالذهاب سالما إلى ولايته، وأعطانا الأمان لأرواحنا/ وأهلنا وأموالنا وأطفالنا وسمح بأن نذهب حيث نريد، فإننا نسلّم المدينة. فأقسم السلطان على ذلك كلّه في حضور «تكور» والرسول، ولما حمل الرسول المواثيق إلى المدينة سكن أهلها واطمأنّوا، وطلبوا علم السلطان، وحمل جماعة من أهل تكور وفوج من الحشم المنصور سنجق (١) السلطان- بكل إجلال- إلى المدينة يوم السّبت السادّس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٦١١، ونصبوه على السور.

стр. 91

وفي اليوم التالي صدر الأمر الأعلى فركب الجند ووقفوا في مقابل المدينة صفّا صفّا، وخرج أعيان المدينة وكبراؤها بصحبة الأمراء- الذين كانوا قد ذهبوا في الليل- وقبّلوا الأرض، ورأوا تكور في خدمة ركاب السلطنة واقفا على الأقدام، فسلّموا مفاتيح المدينة إلى مماليك السلطان بحضور تكور. واستمال السلطان بعضهم فألبسهم الخلع (١)، ثم عادوا وأعدوا النّثار، ودخل السلطان المدينة وفق الاختيار (٢)، وجلس على العرش، وأقيمت الاحتفالات. وترك السلطان تكور واقفا مدة على سبيل التعظيم، ثم أمره فجلس في مكان أعلى من سائر أمراء الدولة، وبالغ في تكريمه والتمكين له، وأمضى طيلة النهار وشطرا من الليل في السرور والسعادة. وفي اليوم التالي استدعى «تكور» قبل المسير، وطلب منه العهد والميثاق فنطق تكور بالقسم وفقا للمسوّدة التي كان قد خطها حرس (٣) الديوان، وهى: بما أن السلطان يؤمّن حياتي أنا «كيرالكس» ويقّرر لي ولأولادي ملك جانيت (خارج سينوب) ومضافاتها فعليّ أن أسدّد كل سنة عشرة آلاف دينار، وخمسمائة حصان، وألفي بقرة، وعشرة آلاف حصان وخمسة/ أحمال من أنواع التحف، وأنني لن أضنّ بتزويده بالجند- بقدر ما يتسع له الإمكان- وقت طلب المدد. وقد شهد على ذلك كلّه أماثل الطرفين من قائم وقاعد. وحين أودعوا وثيقة القسم بالخزانة قدّم السلطان تشريفة نفيسة لتكور، وأمره بأن يمتطي صهوة جواده، وكان تكور رجلا طوالا نحيف البدن، فبمجرد أن

стр. 92

وضع السلطان قدمه في الركاب أخذ الغاشية (١) من الركابي ووضعها على كتفه ومشى، فلما سار مدّة أمره السلطان بأن يعطي الغاشية للركابي، ويركب هو الحصان. وظلا يسيران في الطّريق جنبا إلى جنب يتجاذبان أطراف الحديث. سار السلطان ساعة على أطراف السّواحل، ثم عطف العنان صوب المدينة وطلب الخوان وزين المحفل. وبذل الكثير من الإعزار لتكور حين أثرّ فيه الخمر، وأذن له بأن يحمل معه كل من يريد من أهله ومن يتّصلون به، وأن يسلك الطريق نحو إقليمه [دون مانع أو منازع] (٢). وبعد الوداع ركب سفينة وأبحر صوب «جانيت». ثم إن السلطان أصدر أمرا بأن يتم اختيار سيّد من كفاة الأغنياء ويبعث به إلى «سينوب»، ويشترى ملكه وعقاره- برضاه- من ديوان الخاص السلطاني، ويعطى قيمة ذلك كله. وبموجب هذا الحكم بعث إلى سينوب بسادة أعيان من نواحي البلاد. ثم إن النواب دعوا جميع الفارّين وأعادوهم إلى الماء واليابسة، وحوّلوا الكنيسة إلى مسجد جامع، ونصبوا الخطيب والمنبر والمؤذّن، وعيّنوا حارس القلعة والمحافظين، وبادروا بترميم ثغرات السّور، وسمي أحد الأمراء قائدا للجيش، وجعل بصحبته جيش مهيب للدفاع عن ذلك الثغر.

стр. 93

/ وما لبث أن توجه من هناك إلى «سيواس»، فيتيسّر للأمراء عند ذاك الإذن بالعودة إلى الأوطان. ذكر إرسال السلطان للشيخ مجد الدين اسحاق إلى دار السلام لإعلان فتح سينوب وفي أثناء ذلك كان قد نما إلى السمع الأشرف أن الملك الأشرف (١) قد اقتنص باسم حضرة الخليفة بجعة بحرّية من الأجواء العليا إلى حضيض الفضاء ببنادق القوس، [وكما هى العادة المعهودة لأرباب هذه الحرفة سطّروا مكتوبا مشحونا بشهادة شهود عدول] (٢) وأرسل [مع الطائر] إلى حضرة الخليفة مع تحف وفيرة في صحبة رسول. فما كان من الخلافة إلا أن زوّدت الملك الأشرف بودّ متواصل وعناية متواترة. وحين تيسّر للسلطان فتح «سينوب» بعث الشيخ العالم قدوة الآفاق مجد الدين إسحاق وقد زوّده بالأحمال والتحف من الجواهر والبسط المنسوجة بخيوط الذّهب، والحرير الأطلسيّ المعدني والصّلبان الذهبية المرصّعة، وأواني الفضّة، لإبلاغ الخبر المبارك بذلك الفتح الجسيم الذي قرّت به أعين السلطنة وتقررت به أمور الإسلام، وطلب سروال الفتوّة. فلما وصل الشيخ مجد الدين إلى مقرّ الخلافة وعاصمة الإمامة بالغ الخليفة في إكرام مقدمه، وأرسل معه حين أذن له بالانصراف سروال العصمة والطهارة،

стр. 94

ومئزر المروءة من البدن المطهّر المكرم لأمير المؤمنين، وكتاب الفتوّة (١) مع العمامة الميلاء كالعمامة (٢) السّوداء والدّراعة مشفوعا بالمقرعة ومنشور السلطنة بالتوصية بإقامة حدود الشّريعة بالمملكة، وخمسة بغال سريعة السير منعّلة بنعال النّضار مع الطّوق واللّجام، وخمسة من الخيول العربيّة المبرقعة ببراقع من أطلس أسود مخيط بالذهب، وعشر من الإبل الحجازية، وغير ذلك من أصناف الألطاف وأنواع الأنعام. فزادت مسرّة السلطان بتلك التّشريفات وما كان من حسن الالتفات، وتفاخر بها وتباهى على الفلك. …

стр. 95

ذكر توجه السلطان نحو طرسوس حين قفل السلطان راجعا بالسّعادة والحبور من فتح «سينوب»، وصلت جيوش الشتاء، فتّمرغت الشمس في تراب المذلّة كأنها رزق أرباب الفضيلة، ولبست الجوشن- كعادة القمر- من خوف سنان الزّمهرير تحت درع ثبت الغدر (١). فجلس السلطان كأنه كسرى الإقليم الرابع على فراش وثير محاط بالوسائد من جهات أربع، ووضع مثلّث البخور على مدخنة السّرور، وأمضى الشّتاء كله على هذا النّمط برطل يستوعب عشرة أمنان (٢)، وبحسناء من أرض الختن (٣). فلما حملت شمس المشرق عدّة العمل وارتحلت من قصر المشتري صوب شرفة برج الحمل، عزم السلطان على التوجّه إلى قيصرية المحروسة. وأخذ يأمر خواصّ الأمراء والمقرّبين للبلاط الأعلى بتمهيد قواعد العدل طيلة أيام الحياة. ومضى أمر القضاء صادرا بأن يسير أمراء الأطراف بجميع العساكر إلى منطقة الرّعي في «بنلو» ولحق الأمراء الكبار بالبلاط، ووفقا للأمر تجمّع كافّة القادة وعامّة الأبطال بعدّتهم الكاملة في مراعي بنلو، وسارع أمراء الخلوة بأصناف الهدايا إلى حضرة السلطنة. وفي تلك الأثناء عاد محصّلو خراج «سيس» وقد جأروا بالشكوى من ليفون تكور. فنبضت عروق الحميّة والنّخوة في السلطان عند سماعه لهذه النّبوة، واستدعى الأمراء الغائبين، وعرض القضية، فقالوا جميعا بلسان واحد إنّ عرك

стр. 96

أذن عديم الأدب هذا من أوجب المهام، ولكن يتعذّر التدخّل في هذا الموسم في ولايته لفرط الحرارة/ فإن أذن السلطان اتّخذ الجيش المنصور من ريف «بنلو» ورياضها مغنى إلى أن يحين الخريف، وتسمن الدواب، حتى إذا همدت سورة الهاجرة في كل مكان تمّ التحرّك بيمن التأييد الربّاني وجلال الدّولة السلطانية بأكبر ما يمكن من حشود، فيتم تأديبه الذي يعدّ من الضرورات. فقرن السلطان ذلك الرأي بالرّضا. وحين حلّ أول الخريف: (شعر): - نثرت الرياح المسك والقرنفل بدل التراب، … ظهر اللؤلؤ والزبرجد بدل فاكهة الغصون. تحرّكت العساكر المنصورة، وسارعت- كمسارعة الوثني صوب الصّنم- إلى البلاط الأعلى، وجاءت المظلّة الملكية من طريق وادي «كوشي» إلى «كوكري»، فكان المعسكر هناك. وحين وصل الخبر إلى تكور بأنّ السلطان قد عزم على التوجّه إلى ولاية «سيس»، اضطرب اضطراب الزئبق، وشرب الغصص على تقصيره في الخدمة، ورأى نفسه بسبب تلك الحادثة متورّطا في مهلكة الضلال ومتخبّطا في مسبعة الآجال، ولم يجد مجالا للمشورة في مضيق تلك الدّاهية، فاضطرّ إلى جمع جيش من كل ناحية، واتّجه للحرب «كالباحث عن حتفه بظلفه». ***

стр. 97

ذكر محاصرة قلعة جنجن وفتحها على يد مماليك السلطان حين لحق موكب السلطان بجيش ضاقت به الجبال والصحاري/ بقلعة- جنجين- ولم يكن لليفون معقل أكثر منعة منها- بدا للسلطان أن يجعل من هاتين القلعتين فاتحة [ومقدّمة النصر]. فأمر بنصب المجانيق فزلزلوا حال المقيمين في القلعة من صوت القصف المزمجر، وظلت ثلاثة أيام متواصلة تمطر أرواحهم العاجزة بحصيات الموت. فاستغاثوا طالبين الأمان من فرط العجز، وطلبوا ثلاثة أيّام مهلة، فإن لم يصل مدد من جهة تكور بانقضاء الأيّام المعدودة سلّموا القلعة. فلما وصل الرّسول إلى تكور أجاب قائلا: إنّما أنا عاجز في أمر نفسي ولا طاقة لي على تدارككم. وحين سمع أهل القلعة ذلك الجواب طلبوا الأمان في الرّوح والأهل والمال والعيال. ووفقا لملتمسهم صدر الأمر كتابة بأن يرفعوا العلم على القلعة، ويصعد نوّاب الديوان، فأحضروا احتياط البيوت [من أسلحة وذخائر وسائر المعدّات] (١)، ونصبوا قائدا للقلعة وحرّاسا. ثم إن السلطان توجّه صوب قلعة «كانجين» فتلقّاه أهلها بالمدافعة والممانعة، فأمر السلطان بتشغيل المجانيق، فأوقعوا في القلعة الخلل وفي أمر الكفار الزّلل، وأعدّوا السّلالم، وباشروا الحرب السلطانية، ووفقا لحكم أعتاب السلطنة قاموا بزحف عظيم وصعدوا نحو القلعة محدقين بها من كل صوب، ولم يكن رماة السّهام من الخارج يتيحون الفرصة لأهل القلعة لإلقاء نظرة على الجيش، وألقى البواسل أنفسهم في موجة واحدة من الهجوم بداخل القلعة، (وما أكثر ما جرى

стр. 98

من قتل وسفك للدماء، حتى جرت جماجم القتلى كالزّوارق في شطّ دماء الأوداج) (١). ثم فتحوا باب القلعة فدخل بقيّة العساكر، وحلّ/ بالمتحصّنين في القلعة الكثير من النّكال بالغارة والنّهب والسّبي والقتل. ولما فرغوا من تلك المهمّة صعد نواب الدّيوان إلى القلعة، وأخذوا في تسجيل الذّخائر والأسلحة، ونصبوا قائد القلعة والرجال لحفظها، ثم التفتوا لمعركة «ليفون» الملعون. وكان هو نفسه قد جاء للقتال وقد اعتراه التردّد وساوره الخوف. وقبل طلوع الصّبح الصّادق ذهب أمير المجلس مع رجل أو اثنين من خواصّه متنكّرين قرب عساكر الكافر، كي يطّلع الأمير على كيفية حال طلائع ليفون. وكان أمير المجلس عندئذ هو أمير طلائع [السلطان] وتحت قيادته ثلاثة آلاف من الفرسان المشهورين. وفجأة حاصرهم الكفار وقضوا على خيولهم برمي السّهام، فمشوا إلى تلّ للاحتماء به وأخذوا يدفعون أذى الكفّار بالسّهام والسّيوف والحراب. ولما طلعت الشّمس، توجه أمراء الطّلائع لخدمة أمير المجلس، فما رأوه في مقامه المعلوم، وبعد أن اتضح الأمر اتّجهوا نحو معسكر تكور، ومن بين العسكر الخاصّ بأمير المجلس ركب مائة فارس وكانوا جميعا من الأبطال المغاوير، وكان يدخل بهم في معركة ضدّ ألف رجل، وكان يغدق عليهم الإقطاعات والإطلاقات، فصعد هؤلاء بخيولهم على جبل كان مشرفا على جيش الكافر،

стр. 99

وفجأة رأوا شخصا قد ارتقي تلا وقد أحاط به الكفّار من كل جانب فألقوا جميعا بأعنّة خيولهم دفعة واحدة، وعمدوا إلى تشتيت الكفّار الذين كانوا قد أحاطوا به وتبديدهم، وسحبوا حصانا وأركبوا أمير المجلس، فلما لحق بجنده رآهم قد اصطفّوا للقتال. ولما كان قد اطّلع على مزاج حال الكفار/ خاطب السلطان قائلا: لقد وقف المملوك وقوفا كاملا على قوّة الجيش الأرمنيّ وشوكته، فليأمر سلطان العالم بأن تتّجه القوات- التي قد ركبت بالفعل- للقتال على هذه الهيئة. فصدر أمر حضرة السلطنة. فانقلبوا جميعا في الحال صائحين كالرّعد، وعمّ الهياج البحر. واصطفّت كلّ فرقة في صحراء النّزال كجبل حديدي وبحر نارىّ، ووجّهوا وجوههم- وكلّ منهم يرغي ويزبد- إلى الخصوم كأنهم الحظّ المشئوم. وجاء ليفون بدوره- وبما كان قد أجراه من حشد وتعبئة- بالفرسان والمشاة بمحاذاة الكماة من جنود السلطان. ودعا «ليفون» البارون «فاسيل» والبارون «أوشين» و «كندصطبل» إلى التقدّم بعد أن كانوا خلف الفرسان وأمام المشاة. وفي الهجوم الأول، أطاح أمير المجلس بكند صطبل- وكان مشهورا بالشجاعة والصّرامة- على الأرض بطعنة من رمح، وأمر الأمير بوضع قيد في رقبته وسلّمه لأحد الفرسان قائلا له: اذهب عند السلطان وقل إنني أوقعت به. وفعل مع البارون أوشين، ونوشين الفعل نفسه واللعبة المتقدّمة ذاتها، وسلّم هذين الشخصين بدورهما إلى اثنين من الفرسان فحملوهما إلى حضرة السلطان في قلب الجيش، فأمر بخلعة ثمينة للفرسان الثلاثة.

стр. 100

وفي النهاية أمسك النحس المصاحب لإخفار العهد بتلابيب آمالهم، فسلكوا طريق الهزيمة: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١) حسم أمير المجلس الأمر بثلاثة آلاف فارس، ولم تعد هناك حاجة إلى [تحرّك] (٢) بقية الجيش. فقرأ أمير المجلس قول الحق تعالى وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (٣) وعاد إلى حضرة السلطان، فرفع السلطان منزلته عن كافة الأمراء، وخلع ما كان يلبسه وألبسه له. / حظي الجيش تلك الليلة بالرّاحة من تعب الحرب، وعناء الطّعن والضّرب، وعند الفجر تحرّك الجيش كلّه- كأنّه ريب المنون- في الجبل والصّحراء لطلب ليفون، وأخذوا يركضون يمينا ويسارا، وما عثروا على أحد إلا جعلوه قتيلا أو أسيرا للقيد والتّنكيل. واستمرّت الغارة في ولاية الأرمن على هذا النّحو أسبوعا. وفي اليوم الثّامن قفلت العساكر راجعة من أطراف ولاية الأرمن بالكثير من الغنائم ومن بينها الخيول والبغال والأسرى، وعلم أن ليفون قد لحق ببعض الحصون. وبعد أن صار الجيش منصورا والعدوّ مقهورا والمخالف محصورا اتجه السلطان بالجيش إلى الممالك المحروسة بغنائم ليس بوسع ظهر الأرض حملها، حتى بلغ ثمن رأس الماشية في «قيصريّة» درهمين، وثمن خمسة أو ستّة من الأغنام درهما واحدا، على حين بلغ ثمن الغلام والجارية الأرمنيّة البهيّة الطّلعة خمسين. وبحصول المراد أذن السلطان للأمراء والأجناد بالانصراف، وأقام بنفسه في قيصريّة.

стр. 101

ذكر وصول رسل ليفون بالتضرع والاستعطاف وتضعيف الخراج والتنصّل من التمادي الذي أجيز في الخدمة حين قفل السلطان راجعا إلى الممالك المحروسة خرج ليفون من مهربه، وتشاور مع بقايا الخواصّ في تدارك تلك الرزيّة، فلم يجدوا جميعا من وسيلة سوى طريق إظهار التذلّل. فجهزّ هدايا من كل نوع وسيّرها في صحبة الكفاة، وكان مضمون رسالته: «إذا كان المغرضون قد نقلوا عنّي سوءا إلى مسامع ملك العالم فها أنذا قد نلت جزائي، فالأمراء صرعى والملك قد أدبر والجيش بأسره قد تبدّد بالقتل. والمتوقّع- لما عرف به السلطان من مرحمة سابغة- أن يتجاوز عن ذنبي ويصفح عنه/. (والحقيقة أن السلطان كان سينزع عني «ولاية سيس» ويعطيها لآخر، فما أنا إلا مملوك وابن مملوك، وأنا بعد هذا أضع حلقة العبوديّة في أذني (١)، وأضاعف الخراج، وأبعث كل عام- بخلاف المعهود- بخمسمائة فارس بكامل عدّتهم لكي يوجّههم السلطان حيث شاء). وتشفّع [تكور] بعدد من الأمراء الكبار لقضاء هذه المهمة، حتى توسّطوا جميعا- بالاتفاق- لدى عتبة العرش الأعلى، وأزالوا ما علق بالخاطر الأشرف للسلطان العادل من غبار الوحشة. وتقرر أن يرسل إلى الخزانة العامرة كلّ سنة عشرون ألف دينار برسم الخراج، مع التّحف والأحمال التي تكون لائقة بذلك، وأن يؤدي ما بقي عليه من خراج العام الماضي. وألا يهمل بعد اليوم في أي أمر من أمور الولاء مهما دقّ وصغر. ووفقا لهذه الشّروط أقرّه السلطان على ملك «سيس»، وحلف الأيمان،

стр. 102

واختار الصّاحب ضياء الدين قرا أرسلان- وكان في ذلك الوقت أمير الدّواة- للإجابة على ليفون وتحصيل بقايا الخراج، وبعث معه بمنشور مجدّد لملك تلك المملكة. وحين علم «ليفون» بقدومه استقبله بنفسه وأنزله بقصره، وبلغ الغاية القصوى في إكرام جانبه. وفي اليوم التالي قرئ أمر السلطان مع منشور تقرير المملكة على رؤوس الأشهاد، ووضع ليفون جبينه على الأرض وأخذ في الدّعاء، ونثر الكثير من الأموال. وفي اليوم التالي كتب الصاحب ضياء الدين المسوّدة لكي يقسم تكور على ذلك كلّه ويوقّع على الوثيقة. وأرسل إلى الخزانة العشرة آلاف دينار الباقية وعشرة آلاف لستة أشهر تالية كتقدمة من خراج المستقبل، مع تحف أخرى. وحين/ وصل ضياء الدين إلى «قيصرية» وعرض بقيّة الخراج والهدايا والتّحف والمواثيق التي بعث بها تكور، بالغ السلطان في الإحسان إلى الرّسول، وأطلق سراح الأمراء المحبوسين، وبعث بالفرامين إلى أطراف الممالك بأن أسباب النزاع قد زالت منذ اليوم، فافتحوا الطرق أمام التجار والمتردّدين ولا تلحقوا أذى بأيّ مخلوق. ثم سرّح الرسل وهم يشعرون بمسرّة بالغة. ***

стр. 103

ذكر تزوّج السلطان بكريمة من ذرّيات الملك فخر الدين بهرامشاه بن داود ملك أرزنجان لما كان السلطان قد التزم بانتهاج الأوامر الإلهية والامتثال للأحكام النبوية في كل آرائه وعزائمه، فإنه كان يريد- بحكم النصّ: «تخيروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس» أن يزدان حريمه الكريم بوجود جوهرة تتألّق في الليل البهيم قد ربّيت في صدف العصمة، حسيبة الأبوين، كريمة الطرفين، وأن يجلسها إلى جانبه على سدّة السلطنة بهذه الصّفة الموزونة المتناسبة، فأجال بريد الفكر حول أطراف الدنيا، ولم يجد أسرة أشدّ احتراما وجلالا من أسرة الملك فخر الدين بهرامشاه، لأن تلك الصّدفة المشتملة على درّة الغوّاص ويتيمة الدهر كانت قد استخرجت من «عمان» الفضل والإحسان (١) والأصلاب الطّاهرة والأنساب الزّاهرة للسلطان قلج أرسلان، وانبعثت من جرثومة سلجوق (٢) ولما لم يجد بعد طول الاستخارة ويمن الاستشارة فوق هذا الاختيار مزيدا، رتب الأفانين من الهدايا الثّمينة والتّحف النّفيسة الضّنينة من الخزانة العامرة، وندب واحدا من أولي الألباب للمفاتحة في هذه الخطبة (٣)، وأرسل تلك الأحمال والهدايا في صحبته. فلما وصل الخبر للملك [فخر الدين] ابتهج واستقبل الرسول بنفسه، وأنزله بالإعزاز والتّكريم في بيت الضيافة، وعدّ المبالغة في احترام جانبه من

стр. 104

أوجب الواجبات/. وفي اليوم التالي دعا الحاشية لاجتماع عام، وأحضر الرسول. فأعطاه الرسول رسالة السلطان بعد أن قبّلها، وأبلغ المشافهات، وأوضح الملتمسات، وسلّم الهدايا مشفوعة ببيان تفصيلي لها إلى الخزّان. فصاح الملك على ملأ من الناس قائلا: بأي لسان يمكن شكر مثل هذه الموهبة. فلئن كنت قد تلقيت أمرا بأن تنتظم ابنتي في زمرة السراري والجواري لكان ذلك مدعاة لفخر أعقابي وخلفي من بعدي فكيف وقد منّ عليّ بمثل هذا الفضل، قبلت على الرأس والعين، ولكن لو أذنتم لي في مهلة قدرها ثلاثة أشهر لتهيئة ما تتمّ به الواجبات، وتجهيز ما يليق بالبنات لكان ذلك مقرونا بالصّواب. وحمّل الملك الرسول بأنواع الجوائز، وكتب بخطّه رسالة جوابية مشتملة على الانقياد والامتثال وتقلّد المنّة، وبعث بها في صحبة الرسول. ثم عمد إلى تجهيز الواجبات وإعدادها، وأحضر كلّ صانع حاذق وصائغ فائق، واستمرّ العمل ليلا ونهارا مدة ثلاثة أشهر. وهذّب ورتّب الأكاليل المجوهرة والخلاخل المعنبرة والخواتيم والمعاصم الثّمينة والملبوسات الفاخرة المرصّعة بفنون الجواهر، والبغال ذات النّعال الذهبية، وخيولا مسيرها كمسير ريح الصبا، وبخاتيّ (١) في ضخامة الجبال، في قافلة مملوءة (٢) بما لا يشمله الحصر من الأحمال والنقود والمتاع. وسيّر [الملك فخر الدين] الصّدر القاضي شرف الدين- وكان من أكابر

стр. 105

العلماء- بتحف وفيرة للإبلاغ بأن أسباب الصّلاح (١) وإبرام عقد النّكاح قد تهيّأت. فلما وصل إلى «سيواس» بذل مبارز الدين بهرامشاه أمير المجلس أنواع المكارم تكريما لقدومه الكريم، وتوجّه في صحبته إلى حضرة السلطان، وتقدم إلى «كدوك»، وعرض الأمر، فأرسل السلطان أركان الدولة لاستقبال القاضي شرف الدين، ودخلوا المدينة في أبهّة كاملة وجلال بالغ. وفي اليوم التالي حين مثل القاضي بين يدي السلطان، رأي من الإكرام/ ما ليس له حدّ، وسأله السلطان وبالغ في السؤال عن حال الملك فخر الدين، فتحدّث القاضي شرف الدين- بعبارة كانت عين البراعة- فحمد الله- تعالى- ومدح السلطان ثم أبلغ بحال الملك، ودعا له، وأشبع الأسماع بتفاصيل الحكايات، وعرض الودائع والتّحف، التي قرنت بالقبول والشّكر. ومن هناك نزل القاضي بكل إعزاز في «الوثاق» (٢)، ثم تتابعت عليه أفضال السلطان وكراماته. وفي اليوم التالي جاء قضاة الأمصار والأئمة الكبار- وكانوا قد تجمعّوا لهذه المهمّة- إلى قصر السلطان. وكان السلطان قد أمر بقطع نقدية من الذّهب فئة الألف، والخمسمائة، والمائتين، والمائة، والخمسين مثقالا فعبّئت في سكارج السّكر، ووضعت في أطباق من ذهب وفضّة، كما أمر بأن تملأ البركة [الزرقاء] (٣) المعنبرة بالزّهر والمعرّقة بالمرجان [والتي تتوسط الإيوان] (٣) بماء الورد

стр. 106

بدلا من الماء، فبدت البركة كأنها سماء اتخذت لنفسها في جوف الأرض منزلا. فوضع أمام كل إنسان طبق يناسب منزلته ويلائم رتبته، وحضر الوكلاء والشّهود من الطّرفين. وكان القاضي صدر الدين لهاوري- الذي تولّى عقد النكاح- قد بدأ بالخطبة التي كان أمير المؤمنين المأمون قد قرأها في زواج بعض أقاربه، على سبيل الإيجاز والتبرّك، فالتفت صوب خدم الحرم، وقال: (١) «المحمود هو الله، والمصطفى رسول الله، وخير ما عمل به كتاب الله، قال الله تعالى: وأنكحوا الأيامى … الآية. ولو لم تكن من الصّلة آية منزّلة ولا سنّة متبعة إلا ما جعله الله في ذلك من إلف البعيد وبّر القريب لسارع إليه الموفّق المصيب وبادر نحوه العاقل اللّبيب، والسلطان الغالب عزّ الدين أبو الفتح كيكاوس ابن كيخسرو بن قلج أرسلان من قد/ عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خطب إليكم فتاتكم «سلجوقي خاتون بنت الملك فخر الدين بهرامشاه بن داود»، وبذل من الصداق مائة ألف دينار حمرا، خمسين معجّلا وخمسين مؤجّلا، فشفّعوا شافعنا (٢)، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا وتؤجروا بحمد الله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله أجمعين». فقالوا: «قبلنا الخاطب، وبذلنا المخطوبة، لا زالت سحايب الأفضال عليهما مصوبة» (٣). فلما تمّ إبرام عقدة القعد، واستحكم حبل المواصلة بلغت صيحة بالرّفاء

стр. 107

والبنين أعلى علّيين. وأخذ الذّهب والجوهر يتساقط كالمطر بغير حدّ ولا حصر في الصّفّة وفي ساحة القصر كما تنتثر زهور الرّبيع هنا وهناك بتحريك نسيم السّحر لأوراق الورد النديّة. ووضعت مائدة الخاصة السلطانية ودعي إليها العامة [فمد كل إنسان يده للتّناول والتّجاذب والتّخاطف، ونال بذلك نصيبه مما حفلت به الضّيافة السلطانية من مكنوز وملبوس ومأكول ومشروب] (١)، ثم انفرط عقد الشهود كحبّات العقد فتفرّقوا، بحكم الآية الكريمة: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا (٢)، وذهب القاضي شرف الدين إلى مكان إقامته، فأرسل السلطان في إثره ذهبا وخلعة وبغلا مطهّما. وفي اليوم التالي أمر أمناء الخزانة بإعداد الأمتعة التي سيحملها معهم من يذهبون لاستدعاء الهودج، الذي عهد السلطان بأمر إحضاره إلى الأمير مبارز الدين بهرامشاه، وأمر زوجات الأمراء بالانطلاق إلى «أرزنجان» المحروسة لخدمة الملكة [وبأن يعدن في صحبتها] (٣). فلما تمّ الإعداد للأمر ارتحل أمير المجلس والقاضي شرف الدين وسائر الخواتين، وما إن لحقوا بحدود «أرزنجان» حتى تقدّم القاضي، وأخبر بوجود جيش حاشد في صحبة أمير المجلس والخواتين الشّهيرات، فرتّب الملك لكل إنسان نزلا على قدر مكانته، وخرج في صحبة وصيفات القصر ورجاله، ومعه أعيان أمرائه/ وخواصّه. فلمّا اقترب أمير المجلس من المدينة سار الملك لاستقباله

стр. 108

بالأعلام والبيرق والطبول. ولما تلاقى الجمعان ووقع نظر أمير المجلس على بيرق الملك ترجّل. وحين رأى الملك طلعة أمير المجلس نزل بنفسه وتعانقا ثم ركبا بعد الملاثمة والمعانقة. وأبلغ أمير المجلس سلام سلطان الإسلام، وهنا وضع الملك رأسه على الأرض وقال: ما أنا إلا مملوك لملك العالم. واستمرّ الحديث بينهما على هذا النّحو حتى لحقا بالمدينة، وأنزل الملك أمير المجلس وأمراء السلطان بقصره، وبسط المائدة الملكيّة، ثم أقاموا حفلا، وأداروا الكؤوس الثقيلة. وفي اليوم التالي، أرسل أمير المجلس الأمتعة والأموال والخزائن التي كان السلطان قد بعث بها مع قائمة مفصّلة إلى حضرة الملك، والذي أثنى ثناء جزيلا على علوّ همّة السلطان، وغمر الحمّالين بالإنعام. وظلّ الطّرفان طيلة عشرة أيام مستغرقين في المتعة والسرور حتى تمّ الإعداد للرّحيل. وحين فرغوا من إعداد العدّة أرسل الملك ثلاثمائة خلعة مختلفة المستوى من الأعلى والأوسط والأدنى وثلاثمائة ألف درهم مع خيول مطهّمة إلى أمير المجلس لكي يتولّى توزيعها على الأمراء والخدم والحشم. ثم إنّهم نقلوا الأموال وخزائن الجهاز مع الهودج المعظّم من المدينة ليلا. وفي الفجر دقوا طبول الرّحيل وانصرفوا. فلما وصلوا إلى منطقة «أرمكسو» تقدّم أمير المجلس ومثل بين يدي السلطان، وعرض الأحوال فأمر السلطان بأن تزيّن المدينة، فزيّنوا بيوتات قصر السلطنة بأنواع الزّينة، وأعدّوا عدّة الاحتفالات والمسّرات، وخرج من حضر من زوجات الأمراء لاستقبال الهودج. ولما/ مضى جزء من الليل دخل سائر النّسوة من الطرّفين المدينة في خدمة الهودج العالي، ودخلوا مخدع السلطان وأجلسوا الملكة على منصّة الكرامة

стр. 109

والسّعادة. وتوجه السلطان بتؤدة إلى مخدع العروس، فدخلت الخواتين- وقد توّردت منهن الوجوه واحتجبن بالحجرات، ووضع شمس السلاطين مع قمر الخواتين القدم على العرش، وركعت وصيفات الملكة ركعة الأدب فخلعن الحذاء من قدم السلطان، ووقعن فجأة على كنز ثمين في ذلك الحذاء. وخلع السلطان قلنسوته، وفكّ الحزام الملكي، وبحكم رخصة الشريعة فضّ الختم اللطيف عن تلك الصّحيفة الشّريفة. وفي اليوم التالي، سار متبخترا صوب الدّيوان بعد الاستحمام وشغل طيلة أسبوع بشرب المدام وإكرام الأمراء الكرام. ثم أرسل خمسمائة خلعة وسبعمائة ألف سكة ومائة من الخيول ومائة من البغال المطهّمة، ومائتين من الخيول والبغال المزيّنة مع أطقم الملابس المنوعة في صحبة أمير المجلس إلى القاضي شرف الدين، فقام بدوره بتوزيعها على الأمراء كلّ بقدر مرتبته. ثم مثلوا جميعا أمام السلطان وقد لبسوا الخلع، وقبّلوا اليد؛ وحينذاك حصلوا على الإذن بالانصراف. ***

стр. 110

ذكر تحرك السلطان قاصدا الشام (١) حين انتقل الملك الظّاهر- ملك حلب- إلى جوار الحقّ تعالى، كان ابنه- الملك العزيز- قريب العهد من مفارقة المهد، فاضطر أمراء تلك الدولة لمبايعته، وأجلسوه مكان أبيه، فصارت أمّه، وكانت أخت الملك الأشرف حاكمة البلاد، فنبض في السلطان/ عرق المطالبة بملك حلب- حيث كان في حوزة أعمامه من قبل- وقال لأعاظم مملكته: يبدو لنا أن الوهن قد ظهر الآن في ملك الملك الظّاهر فصار من يتصدّى لملك تلك الدّيار طفل وامرأة، فلو أننا قصدنا ولاية الشام بحشد كبير قبل أن يكوّنوا جيشا ويدبّروا أمرا فإن بيرقنا سوف يرفرف- بعون الحقّ- على شرفات تلك الديار، وتظهر الفسحة في رقعة البلاد. قال الأمراء: جبلت طبيعة الملوك على دفع الأعداء وفتح البلاد، ولكن طالما أن السلطان أنعم علينا- نحن المماليك- برتبة الاستشارة، فلن يبخل علينا بالاستماع لمقالتنا؛ فلئن كان ذلك الولد- برغم صغر سنّه- قد أصبح عزيزا في ديار أبيه فإن آباءه وأجداده طالما أعربوا عن محبّتهم لهذه الأسرة [السلجوقية]، ولطالما أرسلوا الأحمال والتّحف مثلما أرسلوا العساكر وقت طلب المدد. والآن وقد بقي يتيما فلو أن أحدا قصده بسوء لاستعان بهذه الدّولة وطلب العون من هنا. فكيف إذا أرسل ملوك الأطراف يعزّون ويهّنئون وأكّدوا المثل القائل- «صداقة الآباء قرابة الأبناء» (٢)، ثم جرى من جانبكم شحذ منجل القهر والبأس ليحصد بلاد ذلك الحلف؛ لن يقع ذلك موقع القبول عند كبار الملوك والسلاطين وعظماء الزمان.
следующие страницы →