← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وطيلة مدّة إقامة الشيخ بقونية استسعد السلطان برؤيته المباركة بضع مرّات. فلما حان وقت انصراف الشيخ ورجوعه أرسل إليه في صحبة «قراطاي» و «نجم الدين الطوسي» من أموال خراج النّصارى والأرامنة مائة ألف وخمسة آلاف دينار من الذّهب السلطاني المسكوك بالسكّة العلائيّة من فئة الخمسمائة والمائة والخمسين مثقالا مضروبا، وكمّية من الأمتعة برسم النّفقة. وخرج لوداعه حتي «زنجيرلو»، وهي تقع على بعد فرسخ بأكمله من قونية. ونال المدد من الشيخ، وحين المفارقة جرى على لسان الشيخ هذان البيتان: / ولم أر كالتّوديع أقبح منظرا … وإن كان يدعو أهله للتّعانق وللصّارم الهندىّ ألين جانبا … ملامسة من كفّ إلف (١) مفارق ولزم بعض الأمراء وضيوف الشّرف السلطاني شروط خدمة الشّيخ حتى جاوز ملطيّة- آخر حدود المملكة. …

стр. 142

ذكر شروع السلطان علاء الدين كيقباد بالفتح وكان أول فتحه قلعة العلائية لما كانت أعلام دولة السلطان تعلو مع الزّمان على شواهق الإقبال وقلال الجلال بيمن الملك المتعال وعناية أعتاب ذي الجلال، وكانت بركات السماء تحلّ في الزّروع والضّروع بفضل حسن إشفاقة ومكارم أخلاقه، حتى وإن كان ما بين الزّجاجة والكأس من مدام وخمر- دما ظهر بينها من التصافي ما لا مزيد عليه، وبلغ المطربون في مجلسه الملكي الذي تتزايد فيه البهجة غاية البراعة من تواتر مداعبة الأنغام على الآلات الموسيقيّة، قال السلطان يوما لندمائه- وكانوا بمنزلة الوزراء والمستشارين- يتعيّن علينا أن ندع الحفلات وما بها من بهجة وطرب ونبادر إلى إعداد العدّة للحرب، فينبغي أن يجعل لقوانين السلطنة مثل هذا الحق. فركع الأمراء الكبار أمام العرش تأدّبا وقالوا إن ملك اليونان خاضع لمليك العالم؛ وإن ثغر أنطالية وإن كان قد تيسّر فتحه، لكنّ [همّا عظيما وخوفا لاحدّ له ينشأ] (١) من جهة قلعة «كلونوروس» - التي تبدو السماء أمامها كالأرض الفسيحة المترامية، هي جبل بغير أمان، لها من البحر خندق ومن صخور الجرانيت حصار، قد تحكّمت من جانب البرّ على ملك «سيس»، بينما فرضت من جانب البحر خراجا ثقيلا على رقبة مصر/، وليس لمثل هذا الصّرح الهائل إلا المليك الذي هو ملجأ العالم. فلو صدر الأمر إلى الجيش المنصور، فالأمل أكيد في أن تصبح كلّ نملة تنّينا وكلّ صعوة عنقاء، وأن تدرج تلك القلعة- التي تبدو مساوية للسّماك مناطحة

стр. 143

للأفلاك- في أنشوطة مماليك الدولة، مما يؤدي إلى انتظام ذلك الدرّ الثمين في سلك لآلىء المملكة الأخر. فوافق السلطان على هذا الرّأي وأمر بكتابة الأوامر إلى جهات «الأوج» لجلب العساكر، وفي التوّ نثر كتبة الدّيوان الأنقاس (١) الشّبيهة بالعبير على القرطاس المضمّخ بالكافور، وزيّنوا وجه الورق الأبيض بسطور مسلسلة كطرر الحسان الشّبيهة بالشمس، وكغرر الأحبّة المماثلة لهيكل المشتري، وشفعت بتوقيع السلطان، ثم بعثوا بها على يد غلمان الحرس في شكل رسائل مرسلة على الخيل السريعة. وفي أقل من عشرة أيام تجمّعت حشود تنقّب الغبار المتصاعد من حوافر دوابّها وجه الشّمس والقمر. أمر السلطان أن يقسّم ذلك الجيش- صائد العالم- ثلاثة أقسام: قسم يثب ويهجم كالنمور من الناحية الصخريّة والحجريّة، وقسم يشتبك في القتال كالتّماسيح من جهة البحر، وجماعة تنطلق كالأمواج العاتية تجاه القلعة في السّفن بينما ينصب على ذلك التل المرتفع- الذي بقي الفلك من حدّته ذاهلا متلفّعا على الدّوام بالغمام الأسود- منجنيق كالجبل تصاب جبال «ألبرز» (٢) بالوهن من حجارته، وأن يصعد البواسل- الذين تكون الصخور الصلدة وقت الحرب عندهم/ كالحرير- ذلك التل. فلما وضع المنجنيق وفق حكم السلطنة سمع «كيرفارد» صاحب القلعة أن

стр. 144

السلطان عبر بجيش كبير تلك المياه المهلكة، ولم يلحق به ولا بجيشه أي أذى من وعورة تلك الطّرق المخيفة. فقال: بهذا الحديث سيكون انفصالي عن ملكي القديم، ولن يكون بوسعي أن أفك عني هذا القيد مهما أحكمت التدبير؛ ما كان بوسع الشمس- وهي راكب وحيد- أن تجتاز من قبل هذا الجبل الوعر إلا بألف قائد ودليل، والآن يجتازه الملك كيقباد اجتياز الريح، فما أيسر عليه- بمدد الله وعونه- أن يحارب السّماء ويقارع الفلك، فما لنا سوى أن نتذرع بالصبر ونجلس على باب الانتظار لنرى ما يستخرجه الفلك من وراء الحجاب، فليس ثمّت علاج آخر. وفي اليوم التالي رفعت الرّايات الصّفراء للملك- الذي طوى الأرض- على القبة اللازورديّة، فاسودّ العالم من غبار الجيش. ورغم أن الزّمان لم يكن بمقدوره أن يلقي نظرة غضب على ذلك المكان الموحش ولم يكن بوسع آذان الفلك أن تسمع أنّ بالإمكان فتحها ببذل المجهود، فأيّ أثر لسهام الفلك على قلعة يتحدث حرّاسها مباشرة مع كوكب عطارد؟! (شعر): - ولكن حين يكشّر الحظّ المشئوم عن أنيابه، يجعل الحجر الصلد على شاكله الشمع. أمر السلطان بأن يصعدوا الجبل فوجا فوجا، فاعتلوا تلك الصخور الصّلدة دفعة واحدة كأنهم عقبان طائرة أو نمور كاسرة، وعلى ذلك الجبل، الذي لم يكن للفكر أن يجد إلى ارتقائه سبيلا- بادرت فرقة بالقتال فأحاطت القلعة كالفرجار بمائة منجنيق ثقيل، واستمرّت الحرب شهرين «حتى عبر شهران/ كيوم واحد» (١). وذات ليلة رأى السلطان في المنام شخصا حسن السّمت أخذ

стр. 145

يحدثه بهذه العبارات (شعر): - ليس لهذه القلعة الشّاهقة من نظير، ولا يمكن لأحد استخلاصها بالحرب. … - لكنّ خالق الكون عون لك، واستخلاص مثل هذه القلعة شأن من شؤونك. - فجيشك إن قصد الفلك، انتزع المخّ من رأس الشمس. … - فإن كان طريق الحرب متّجها صوب البحر، فرّت التماسيح من البحر إلى اليابسة. - ولكنّ مثل هذا الصرح العجيب، يمكن استخلاصه بقوّة الله. فصحا السلطان من النوم فرحا بهذه البشارة، وأثبت الأبيات على قصاصة، وحين انبلج الصبح، وسلك جيش الظلام طريق الانهزام (١)، أذن للأمراء الكبار- الذين كانوا حاضرين في الدهليز الملكي- بالاجتماع به في الديوان، وحكى لهم حكاية المنام، وقرأ عليهم الأبيات، وفرق الكثير من الصدقات من بقر وغنم ودراهم على الفقراء ومطوّعة الغزاة. وفي نفس الليلة بدا لصاحب القلعة بداء في أمر الامتناع والدفاع، فدعا إليه الأعيان والوجهاء، وقال: لن نتمكن من الثّبات أمام قوّة السلطان، ولئن كانت قلعتنا تجالس الفلك وتجاور العقاب، فإنه يبدو من المحال اجتياز حكم القضاء والقدر، والواجب إذن هو استبدال التّقارب بالتّباعد مع ملك يتمتّع بالعزّة

стр. 146

اللّدنية. وفي الحال اختار رسولا صادق اللهجة وأرسله إلى الأمير «مبارز الدين أرتقش» - وكانت بينهما صداقة وطيدة بحكم الجوار وتداني المزار- كي يصبح وسيطا، «كي يلتقط شوك هذا الحزن- الذي بلغت آلامه القلب والروح- بملقاط الألطاف من قدم زماننا المضطرب، ويلتمس العفو من حضرة الملك لذنب لم نرتكبه». فعرض الأمير مبارز الدين القضيّة على السلطان، فبدت أسارير السرور على جبينه المبارك، وقال: إنّ ما يرضيه لابد وأن يكون موافقا لنا. فأبلغ الأمير مبارز الدين الرّسول بحصول المقصود، فأرسل إلى «كيرفارد» قائلا: «إن الرأي أن يفرغ الروح من الفكر، ويجعل دأبه الإذعان لأحكام ملك الزمان، وينزع من قلبه التعلّق بالقلعة، وينشد من الآن الملجأ والملاذ في الظلّ المبارك للملك». فلما عاد الرسول تبسّم «كيرفارد» تبسّم الربيع، وأرسل رسولا ذرب اللّسان إلى حضرة السلطان كي يسلّم مكتوبا مشتملا على ما سمعه ملك العالم وهو: كانت هذه الصخرة الصلدة منذ زمن «دارا» و «هوشنج» (١) وعهد الإسكندر وقيصر موطنا لآباء هذا المملوك الذليل وأجداده، وحسرة على أعدائه وأضداده، ولم يزمع أي ملك موفّق حربها، ذلك لأن خالق الكون لم ينشئ على الأرض سماء مثلها، وقد زودت من الذّخائر والمتاع بما يكفي إلى يوم الحساب. غير أنّي حين ألقيت بنظرة من بعيد على المظلة المنصورة اعتورني فتور في الأعضاء وتملكتني غشاوة في نور البصر، واستبدّ الضعف بالقوى/ وبدا هذا الموقع المخيف في عين العقل بئرا لاقرار له، فقلت لنفسي: إنّ مناطحة الصّخر والتّشبث بالرّايات الخفّاقة في العلا مهلكة وضياع، والواجب البحث عن مقر ومفر في

стр. 147

ظل شمس الملوك، فإن شملتني العاطفة الملوكية، وكان لي مع نوال الأمن على حياتي/- كسرة خبز من ممالك السلطان، فسوف يكون ذلك غاية التلطّف مع المملوك ونهاية الحدب على الخادم. فاستحسن المليك قوله، وقال: لو كان بالإمكان تدعيم أركان نيّة الصّداقة عنده بأوتاد القرابة لوجب أن يتمّ ذلك بأسرع ما يمكن (١) حتى تزداد ثقته. فلما سمع «كيرفارد» هذا أتى بخريدة من خرائد النساء لتدخل في زمرة من يلزمن الحرم الملكي [وتنتظم في سلك مطهّرات الحريم السلطاني الميمون وفق أمر الشّريعة المحمّدية] (٢). وبذلك التأمت الأمور، وكتب منشور بإمارة «آقشهر قونية» وملكيّة عدد من القري وأرسل إلى «كيرفارد». وفي اليوم التالي نزل من أوج القلعة إلى حضيض خيمة السلطان- وكانت تسامت زحل- وأخذ في إبداء الأعذار، فلحظه السلطان بعين الرأفة، وجعل يبالغ في تكريمه واحترامه، والتمس «كيرفارد» حضور السلطان إلى القلعة فاتجه بالمظلّة والرّاية صوبها، وبادر أهلها باستقباله بالنّثار والدّراهم والدنّانير. فلما صعد إلى أعلى القلعة شاهد الوفير من المزارع والعديد من المصانع وما لا حصر له من الذّخائر، فأدى شكر النعمة لله تعالى على يسر الفتح بتلاوة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ (٣) ونصر عبده، وأمر بأن يبنى هناك على تلك الصّخور الصلدة سور، ثم منح ذلك الموضع شرف التّسمي باسمه والتلقّب بلقبه.

стр. 148

ذكر فتح قلعة «آلاره» على يد مماليك السلطان حين فرغ السلطان من عمارة «العلائية» ثنى عنان الفتح صوب «أنطاليه»، وفي الطريق وقع بصره على قلعة «آلاره»، وكانت قد بنيت وسط سهل فوق حجر صخري ضخم، وبجانبها يجري نهر ذو لون سماويّ وعزم فتّي كنهر النّيل، ومن أعلاها كان على حراسها أن يحنوا ظهورهم لقربها من السماء (١)، ومن أسفلها كان «جبل قاف» يبدو أشد انخفاضا من القيعان. وكان أخو «كيرفارد» قد أعرض كشحا عن اللذّات الدنيويّة، وتجنّبها واختار سلوك التبتّل (٢) وفضّل لبس الصّوف الخشن على الحرير الأطلس. فأمر السلطان أميرا من أمراء الدولة بأن يسير مع فرقة من العساكر المنصورة إلى قلعة «آلاره» ويقول لحاكم تلك البقعة: إن أخاك- وهو المعروف بالكفاءة والشجاعة- لم يستطع إبقاء قلعة «كلونوروس» بعيدة عن أيدينا، منذ شهر مضى، وأغلب الظن أن الضّعف والعجز الناشئين عن الحصار سيعجّل بأجلك، وأنت رجل عاقل قد ركبك الهمّ من جفاء الأيام؛ ومن ثمّ فإنّ انتهاج جادّة السّلامة يناسب حالك، فإن سلكت طريق الصّواب مثلما فعل أخوك وسلّمت القلعة لمماليكنا تيسّرت لك المآرب والمقاصد، أما إن هممت بمخالفة أحكامنا، فلن تجد شوك هذا الخلاف إلا في عين جهلك. وما إن أبلغ برسالة السلطان حتّى هاجمه في الحال مرض «القولنج» لما اعتراه من هيبة السّلطنة وما غلب عليه من فزع وجزع، وأسلم حساب العمر والرّوح

стр. 149

إلى فذلك (١) «ومالك» (٢)، فصعق وجهاء القلعة من هول الحادث، وسلّموها رغبا أو رهبا. وهكذا دخل ذلك الموضع بمجرد/ رسالة ودون إعمال سيف أو حسام في عداد غيره من بلاد المملكة وقلاعها. ولما بلغ خبر الفتح الثّاني سمع المليك أقام الاحتفالات العامة، وأفرغ ذهنه من فكرة الحرب، وشرب الخمر على أوتار الرّبابة والصّنج، فلمّا شارف «أنطالية» خصّ الأمراء كافّة بالخلع والتّكريم، وأذن لهم بالانصراف إلى المشتى والمصيف، وانطلق هو مع خواصّه لقضاء الصّيف في «أنطالية». …

стр. 150

ذكر عمارة سور قونية وسيواس وتوزيعها (١) على أمراء الدولة في سنة ثماني عشرة وستماية ذات يوم، جلى ملك المشرق (٢) بوجهه السّعيد على الفلك اللازورديّ فأخذ السلطان يتجوّل م؟؟؟ صحاري «قونية» ورياضها مع أمراء الديوان والقادة، وفجأة ألقى بنظره صوب المدينة فرآها مدينة قد ازدانت بما فيها من بشر ومتاع، بلغت مساحتها مسيرة يوم، قد غرست في طولها وعرضها المزروعات والأشجار المثمرة (شعر): - ينبع ماؤها من نهر الفرات، يمر ريحها على ماء الحياة. … - سارع النّاس من كل بلد وإقليم، واستوطنوا تلك المدينة الوادعة الهنية. - هي ليست بمدينة، بل عالم بأسره، هي بحر عميق، غير أنها سمّيت: مدينة. لكنها «كالنّصل عرّي متناه من الخلل» قد عطلت من حلل السّور، قال السلطان لأمراء الدولة: من الخطأ البالغ ترك مثل هذه المدينة الشّهيرة معطّلة من حلل السّور كالعرائس الفاتنة المجلوّة. ولئن كانت/ الدنيا- بسبب ما لنا من همّة مظفرة وسنان فتّاك- تعدّ سورا حولنا، فالحزم يقتضي ممّن يتّصف بالدّهاء أن يكون على حذر دائم من الجشع والطّمع، فدورة الأيام لا تدوم على وتيرة، والزمان مولّد للحادثات، والشّمس جالبة للواقعات، (بيت): - يأتي الزمان بآلاف الصور، ولم يكن، أي منها موجودا في مرآة تصوّرنا.

стр. 151

ورأينا منصرف إلى أن يقام سور حول هذه المدينة و «سيواس»، كي لا تؤثر فيها فأس دواهي الدّهر المتقلّب، وينجاب عنها نقاب أحقاد الأحقاب. ثم إنه أمر بإحضار المعماريين والرسّامين الحاذقين، وركب مع الأمراء وطاف حول المدينة، لكل يحدد بالرّسم مواضع البروج والأبدان (١) والبوّابات. ثم أمر نوّاب الخاصّ السلطاني بأن تقام من الحساب الخاصّ أربع بوابات مع بعض الأبراج والأبدان، وقسّم الباقي على أمراء البلاد- كلّ على حدة- وأمر بالإسراع في الأمر واغتنام الفرصة، وأرسل أمرا بنفس المعنى إلى أمير المجلس «بسيواس»، لكي يبني بدوره- بعد الحصول على موافقة الملوك والأمراء في تلك النواحي- سورا كالجبل حول «سيواس». وبدئ في وضع أساس السور بكل من «قونية» و «سيواس»، وتواصل العمل ليلا ونهارا- على قدر الاستطاعة والإمكان- بهدف الإنجاز والإتمام. ولم يتركوا شيئا إلّا فعلوه في سبيل تقوية القواعد وإعلاء الأبدان وتشييد البروج، لما كان بينهم من عصبيّة وحسد. وبعد الإتمام أبلغ السلطان، فركب وطاف على أطراف الخندق، ونظر إليه بعين الاعتبار/ وشعر بالرّضا والاغتباط، ثم أمر بأن ينقش كل واحد منهم اسمه بالذّهب على الحجر، لكي يبقى لمساعيهم اسم ورسم في الدنيا لأجيال عديدة، ثم أقام احتفالا، وباشر البهجة والأنس. …

стр. 152

ذكر ورود محيي الدين ابن الجوزي من حضرة الخلافة برسالة، واستنجاد العساكر وندب بهاء الدين قتلوجه لذلك لما انتهت عمارة قونية وجّه السلطان عنان عزمه صوب «قيصرية» لتفقّد مصالح البلاد، فلما شارف «قيصرية» أخبر أمراء ملطية أن «محيى الدين ابن الجوزي» قد أوشك على بلوغها حاملا رسالة من حضرة الخلافة، فأمر السلطان بأن يتقدّم ضيوف الشّرف السلطاني حتى «سيواس» المحروسة لاستقباله وأن يبذلوا جهدهم في توقير جانبه. وما إن بلغ نزل القوافل «لالا» حتّى خفّ السلطان لاستقباله بالمظلّة والطّبول، وهو في زينة تحسده عليها أرواح الملوك السابقين. وبعد المعانقة أبلغه ابن الجوزي بسلام أمير المؤمنين وتلاطف السلطان وتحادث معه كثيرا. فلما بلغوا البوّابة ودع قادة الآفاق ودلف إلى داخل القصر. وفي اليوم التالي [حين دفع راضة القدر الإلهي بمقتضى قوله تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ (١) برج الأسد تحت تمكين ملك النّجوم السّيارة، وركب السلطان ذو العرش اللازوردي (٢) على الحصان الأخضر الذي يسابق الرّيح] (٣)، كان ديوان مالك الرقاب قد زيّن بزينة جعلتها أشبه ما تكون بروضة أهل الفردوس، وقد اصطفّ الأمراء الكبار عن يمين ويسار، وتجشّم الإمام محيي الدين التوجّه لديوان السلطنة مصطحبا الخلع والجنائب والأدوات المهذّبة والآلات المذهّبة. وأخذ «جلال الدين قيصر پروانه» بيد الرسول اليمنى «وظهير الدين منصور» / بيده اليسرى على سبيل الإعزاز والتكريم،

стр. 153

وأجلساه على كرسي سبق وضعه على درجة العرش، ووضع حمّالو دار الخلافة الأحمال على حافة الصّفّة، وسحبوا الجنيبة- وقد ألبست رداءها المرصع- على الصّفّة. وأنزل السلطان من فوق العرش، وتسلّم في ذلك الحجاب ركاب جنيبة حضرة الخليفة تعظيما وتوقيرا، وارتدى خلعة الخلافة. وأخذ محيي الدين بيد السلطان وأجلسه على العرش ثانية. ثم ما لبث الفرّاشون أن رفعوا الحجاب، فنثر الأمراء والقادة تحفا من الذهب، ومدّوا بساط السّماط. وبعد تناول الطّعام وتبديل الرّفع بالوضع طلب محيي الدين الخلوة، ثم بدأ الكلام فحمد الباري وصلى على روضة المصطفى ودعا لحضرة الإمامة وأثنى على حضرة السلطان ثم قال: إن أمير المؤمنين يبعث بالسّلام لملك الإسلام، ويقول إن جيش التّتار ما إن فرغ من محاربة محمّد خوارزمشاه حتى استمكنت قوّته واستحكمت شوكته، وقد نما إلينا أنهم يقصدون هذه الحدود، فلو أن السلطان سيّر ألفي فارس من بلاد الرّوم إلى هذه التّخوم برسم النّجدة، احتياطا واسما، لكان في هذا مصلحة للملك والملّة. قال السلطان: سمعا وطاعة، يتم اللّازم ويرسل على أسرع حال. فعاد الرسول إلى محل إقامته فرحا مسرورا. وتوجه السلطان- بهيبة ووقار- إلى قصر الخلوة، فاستدعى الأمراء الكبار، وقال: كان اعتقادنا في بعد غور أمير المؤمنين ودرايته أكبر من هذا، إذا لا تجوز مقابلة جيش كسيل العرم لدولة جديدة وحظّ فتيّ- وهو جيش قد هاج وماج كبحر من النار- إلّا بالمداراة. ولعل الأصوب أن يشير أمير المؤمنين/ بأن يتجمّع من كل إقليم رسول بالتّحف والهدايا في موضع معيّن فيلتقون جميعا كالنّجوم في برج السّعادة، وينطلقون في صحبة رسول أمير المؤمنين إلى حضرة الخان، ويعتذرون إليه بأن سلاطين البلاد لو قدموا إلى حضرته بأنفسهم لحل ببلادهم

стр. 154

الاضطراب، ويظهرون الطّاعة، ومن ثم تختمر الآراء والتّدابير وفق ما تقتضيه المصلحة (١)، ويوضع للمصالحة بناء محكم وقاعدة راسخة. غير أننا لو أبلغنا هذه المقدّمات للمسامع الشّريفة لأمير المؤمنين قبل إرسال النّجدة فسوف يحملها على العجز والضعف، ويظن أننا ضننّا بالإنجاد بالأجناد. فإن كانوا قد طلبوا ألفي فارس فلنرسل خمسة آلاف، فيستصحبون بذلك مواليد سنة واحدة. وفي الحال صدرت الأوامر بهذه المهمّة وتحريض العساكر للتوجّه إلى ملطية، بحيث يكون مسيرهم صوب دار السلام بقيادة ملك الأمراء «بهاء الدين قتلغجه». وفي اليوم التالي استدعى السلطان الرّسول للنّزهة، وأعاد على مسامعه الحكاية كما جرت، وسمح له بالانصراف، فلما لحق محيي الدين بمقرّ إقامته أرسل الخزّان في إثره بخمسين ألف سلطاني، ومائة ثوب ثمين، وخمسة بغال سريعة السير، وعشرة خيول، وخمس غلمان من الرّوم، وعشرين ألف سلطاني برسم من يرافقه من كبار الشخصيات. فلما انصرف لم يمض شهر واحد- بل أقلّ- حتى لحق الجيش بأسره بملطيّة المحروسة، وبقوا ينتظرون قدوم الرّاية السلطانية: فسرّح السلطان الرّاية بصحبة «ظهير الدين الترجمان ابن كافي ملطية» مع المبارزين والجنائب/ والحرّاس وخزان السّلاح وكميات هائلة من الميرة والزاد. وكان الأمير بهاء الدين قد تجهّز وأعدّ أسباب السفر، فلما وصل ظهير الدين مع الرّاية وأبلغ الأمر، عيّن الميمنة والميسرة والمقدّمة والسّاقة والقادة ورؤساء

стр. 155

العشائر وبيّنهم، وانطلقوا بنظام لم يشهد أحد له نظيرا. وحين رأى ملوك الديار من «خرتبرت» و «آمد» و «ماردين» و «الموصل» تلك العظمة، عظم قدر السلطان في قلوبهم، فأخذوا في تقديم أنواع الهدايا والضّيافات. وكان الأمير بهاء الدين يبالغ بدوره في احترام الملوك وإكرامهم، كما يوصل إليهم من تشاريف السلطان وإنعاماته ورسائله النّصيب الأوفى. فلمّا وصل إلى الموصل احتجزه بدر الدين لولو ثلاثة أيام، وقدّم له خلال إقامته من الخدمات ما لا يتسع المقام لوصفه، وفي اليوم الرابع أخذه الأمير بهاء الدين إلى حضرته، فأقام احتفالا شده لفخامته وروعته بدر الدين لولو- برغم ما عرف عنه من علوّ الهمة- فأثنى على السلطان ثناء عاطرا [وقال: قد يستدل على ما للسلطان من كمال الخلال وارتفاع ذروة الشّمائل والخصال بمثل هؤلاء المماليك النّجباء] (١). ثم إنه كتب رسالة إلى الملك مظفّر الدين (٢) أن جيشا هائلا يتقدم من قبل السلطان لنجدة عتبة الإمامة، فإن حدث وتوقّف هذا الجيش هناك فسيتكبد الدّيوان العزيز الكثير من النفقات، لذا بات من الأولى صرفهم لكي يعودوا مسرعين من حيث أتوا. وقد أعد الملك مظفّر الدين الأنزال (٣) والتّقدمات وتهيّأ بنفسه للاستقبال، فلمّا رأى الجيش وقائده على هذا النّحو استصوب رأي بدر الدين، وطيّر رسالة على جناح الحمام إلى الدّيوان العزيز، فوصل الجواب من

стр. 156

الدّيوان ببقاء الجيش هناك إلى أن يصل ضيوف الشرف، فليحتجز/ الملك مظفّر الدين عساكر الروم هناك بطريقة تتضمّن الليّاقة والتّكريم. كانت السماحة عند الملك مظفّر الدين طبيعة والسخاء غريزة، فلم يترك شاردة ولا واردة. وبعد بضعة أيّام جاء أحد كبار الأمراء من الدّيوان العزيز لإعذار الأمير بهاء الدين، فذهب عند الأمير مظفّر الدين، وأتى بصحبته إلى الأمير بهاء الدين، وسلّمه رسالة الدّيوان العزيز مع سلام العتبة المقدّسة، فوضع الأمير بهاء الدين رأسه في الحال على الأرض، ثم وضع الرسالة على مفرق رأسه، وكان قد كتب في الرسالة: كانت الأنباء قد تواردت من قبل بأنّ جيش المغول حين فرغ من أمر خوارزمشاه انطلق إلى هذه النّاحية، وكنّا قد استنجدنا بالسلطان احتياطا أما الآن فنحن نسمع أن رأيهم قد تحول عن تلك الفكرة، فسمح بالانصراف لملوك الأطراف الذين كانوا قد قدموا من مختلف الأرجاء، فيتعين على الأمير بهاء الدين العودة بجيشه بسلام. وجيء بخمسين ألف دينار خليفي ومائة جمل ومائة حصان وخمسين بغلا وعشرة آلاف رأس من الغنم، وثلاثمائة خلعة ومائتي بغل محمّلة بأنواع المأكولات والحلوى برسم النّزل. فدعا الأمير بهاء الدين للخليفة وأثنى على ما قدّم من صدقة وإنعام، ووضع جبينه على الأرض، وأعطى ضيوف الشرف خلعا سلطانية، وسجّل ذلك كله ودوّنه، ثم قام بتوزيعه على الجيش. وأمر بأن يركب الجيش بأسره بكامل سلاحه وعتاده من الغداة، وأن يعرضوا أنواع الشّجاعة والشّهامة واللّعب بالرّمح ورمي السّهام واستخدام الأنشوطة والوهق. وفي اليوم التالي انتظم الجند ثم ركبوا، ولبس الأمراء الخلع، فلما ظهرت/

стр. 157

مواكب بغداد وإربل (١) ولّى الأمراء وجوههم- وقد ارتدوا الخلع- صوب دار السّلام، ونزلوا من فوق خيولهم، ووضعوا رؤوسهم على الأرض، ورفع قادة الفرق أصواتهم بالدّعاء لأمير المؤمنين والثّناء على ملك العالم. فلما شاهد رسل أمير المؤمنين والملك مظفّر الدين ذلك التواضع ورأوا حشود العسكر ومهارة الفرسان واستغراقهم التامّ في الذّهب والسلاح قالوا: إن سلطانا نجدته (٢) هذا الوقار وهذه العظمة إن قصد بنفسة ملكا فمن ذا الذي ينجو من بأسه وسطوته، وأثنوا ثناء جزيلا على الأمير بهاء الدين وحشوده، وودع كلّ منهم الآخر، ثم انطلقوا آيبين صوب الرّوم. وحين وصلوا ملطيّة ودخل الأمير بهاء الدين بيته أقام وليمة كبرى، ثم أمر بالانتشار، وأرسل أحد كبار الأمراء في صحبة راية السلطنة، كما أرسل نائبه إلى الحضرة السلطانية واعتذر عن نفسه، ثم ما لبث أن أسرع بعد شهر إلى الدّيوان، ونال شرف تقبيل اليد. …

стр. 158

ذكر أخذ السلطان الأمراء الكبار في قيصرية وإنزال العقوبة بهم لما انقضت مدة على دولة السلطان علاء الدين كيقباد وسلطنته، واستقرّ على عرش الدّعة ونال الإعزاز، سلك الأمراء الكبار كالأمير «سيف الدين آينه چاشني گير» و «زين الدين بشارة أمير آخور» و «مبارز الدين بهرامشاه» أمير المجلس و «بهاء الدين قتلوجه» طريق البطر والأشر بحكم ما لهم من سبق الخدمة وكمال الثروة وكثرة الأتباع والأشياع، وأخذوا يمارسون على السلطان صنوفا من التحكّم، وبلغ بهم الحدّ/ أن اتّخذت التّرتيبات في مطبخ السلطان أن يعدّ في كل يوم ثلاثون رأسا من الغنم كرواتب للخاصّة والعامّة كما كان للأمير «سيف الدين آينه» راتب مطبخ يومي قدره ثمانين رأسا من الغنم، وأمسك في يده بزمام النّقض والإبرام كليّة، وحين كان يترك حضرة السلطان متّجها إلى منزله لم يكن يدور حول قصر السلطنة [وكان بقية الأمراء وأركان الدولة يعدّونه مقصدا وزعيما مطاعا لهم] (١) كما لم يكن بالإمكان مخالفة إشارته في حجابة السلطان. كانت الأحقاد والضّغائن قد ظلت تتراكم من قبل ذلك في القلب المبارك للسلطان، وظل على مداراتهم لأن انتهاز الفرصة لم يتيسّر، لكنه كان ينطق في بعض الأوقات في الخلوات بكلمات مسمومة. وكان كافرو النّعمة من المقرّبين لحضرة السلطان- يبلغون أسراره بأسرها للأمراء (١)، فكانوا بدورهم يسلكون طريق التذلّل والتملّق لكنهم كانوا يتشاورون فيما بينهم خفية بقصد حصد فرع

стр. 159

السلطنة، وكانوا يراعون الحيطة والحذر. غير أنهم اتّفقوا سويّا ذات ليلة في نهاية جلسة شربوا فيها الخمر أن يوجّهوا الدّعوة إلى السلطان من الغد لضيافة ببيت الأمير سيف الدين آينه ثم يضعون في قدمه قيدا ثقيلا، ويأتون ب «كي فريدون» الموجود في «قيلوحصار» ويجلسوه على العرش. فخرج أحد الغلمان- وكان موضع سرّهم- وقد بلغ السّكر منه غايته من ذلك المجلس، وذهب وهو ثمل لا يعقل إلى بيت «سيف الدين ابن حقّه باز» والأمير «كمنينوس» وكان كلاهما محرما للسرّ بمنزلة «ثاني اثنين في الغار» (١). فأجابا بقولهما: إنّ تدبير/ أمرهم سهل ميسور، لكن من الصعب تنفيذه في «أنطالية» باعتبار أن الأمير مبارز الدين ظلّ حاكما لها نافذ الأمر فيها طيلة عشرين عاما مضت، فلو أنّ السلطان يأمر بإرجاء هذا التدّبير لحين النّزول بقيصرية لكان ذلك أكثر صوابا. فاستحسن السلطان هذا الرّأي. فلمّا حلّ موسم الارتحال عن أنطالية عزم على التوجه إلى قيصرية. وهناك أمر- كمقدّمة أولية لهدم بنيان وجود الأمراء- بأن يضرب «شمس الدين القزويني» أمير الحجّاب خمسين ضربة بالمقارع على باب الدّيوان إذ كيف يسمح لأتباع الأمراء وحواشيهم بدخول الدّيوان بسلاحهم وعتادهم. والتعليمات هي أنه لا يسمح بعد اليوم بذلك لكلّ أمير إلّا إن كان أميرا ممّن يلبسون «الجرموق» (٢)، واستمرّت هذه القاعدة، فبدا المجال فسيحا أمام مكر

стр. 160

السلطان ومكيدته. ودبّر السلطان أمرا مع «كمنينوس» و «سيف الدين ابن حقّه باز» و «مبارز الدين عيسى» أمير الجاندار (١) وهو أن الأمراء حين يدخلون دار الحكم في اليوم الفلاني على عادتهم، يأخذ «كمنينوس» في الطّواف خفية وهو مسلّح وبرفقته أعوانه فوق سور حديقة السلطان، ويلبس غلمان الخاصّ السّلاح فيقفون ملازمين [على الرسم المألوف بصفّة القصر] (٢) وفقا للنّظام المتّبع في الحراسة، ويغلق الحجّاب باب القصر بإحكام بعد دخول الأمراء، ولا يسمحون لأيّ مخلوق بالدّخول أو الخروج، وأن يقف الأمير «مبارز الدين» أمير الجاندارية (٢) بشهامته المعهودة هو وإخوته على باب قاعة الاحتفالات بالعدّة والعتاد، فيلقون القبض على كلّ أمير يقصد التوجّه إلى بيته في أعقاب السّكر، ويضعونه في بعض البيوت، وينتظرون إلى أن يصدر أمر بشأنهم. فلما حلّ اليوم الموعود، تمّ تنفيذ ما اتّفقوا عليه؛ وسبق الأمير «سيف الدين چاشني گير» غيره راغبا في الانصراف،/ فتقدم «مبارز الدين عيسى» وإخوته وقالوا: الحكم هو أن يدخل الأمير هذا البيت. فأجاب: لابدّ أن هناك خطأ ما. قالوا: بل هو الصواب. فألقى قلنسوته في الحال على الأرض وقال: من يوم أن قال السلطان في الحديقة بأن الأشجار العجوز ينبغي أن تقلع وتغرس مكانها أشجار غضّه فتيّة قد علمنا أنه سيدبّر مثل هذا الغدر، ولو أنّني كنت قد تداركت الأمر في ذلك الحين لما اعتورني العجز اليوم، قد رضيت

стр. 161

بالقضاء، (بيت): - انتزعت القلب من الجسد والروح والمال والولد، … ورضيت بما هو أسوأ من الموت. ثم خرج زين الدين بشارة «أمير آخور» (١)، فاحتجزوه بدوره في بيت آخر، وفعلوا نفس الشّئ مع بهاء الدين قتلوجه، ثم نهض أمير المجلس متأخّرا عنهم جميعا، فأجبر على سلوك ذلك الطّريق، فلمّا أخذوا جميعا، جاء «ابن حقّه باز» إلى حضرة السلطان وقال: ليسعد السلطان، لقد زجّ غلمان السلطان والأمير بالأمراء- الذين كانوا قد جلسوا [بالصفّة]- في السجن ثم فتحوا باب قصر السلطنة، وذهب النوّاب إلى بيوت الأمراء، وسجّلوا ما يملكون من متاع وزينة، وختموا كل البيوتات بالخاتم، واختاروا من الموكّلين من أغاروا على بيوت أقاربهم والمتّصلين بهم جملة. فلم يقرّ للسلطان قرار من فرط ما تملّكه من ضغن تجاه «جاشني كير»، فأرسل إليه «مجد الدين إسماعيل» والي قيصرية ليسأله: ما الباعث على ما كنت تبديه من تبجّح وتحكّم؟ أجاب بقوله: أنا ربّيتك أنت وأخاك/ على كتفي وفي أحضاني أيّام الغربة، وقصصت شعري الطويل وبعته لنسوة الرّوم من أجلكما برغيف من الخبز لسدّ الرمق (٢)، وقدّمته لكي تأكله أنت وأخوك، وأتيت بجسد أبيك الطّاهر من الرّوم إلى دار الإسلام، وانتشلتك من الحبس على خلاف رأي الأمراء والوزير، ولم يكن لأحد من مماليك أبيك منزلتي في القدمة،

стр. 162

فإن كان ثمّت تجاوز، فهو مبنيّ على هذا، وكانت ثقتي كاملة في العهد والميثاق الذي كنت قد نطقت به يوم السجن، أنا من لا سبيل للسلطان إلى العثور على مملوك مشفق مثله، فإن عجز عنه فلن ينفعه الندم، (بيت): لتقرعنّ على السنّ من ندم … إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقي فلما أبلغوا هذه الكلمات الرقيقة لمسامع السلطان تضاعف ما في قلبه من قسوة وغلظة (١)، وأمر بأن يحملوه إلى أحد الأبراج ويفصلوا رأسه عن جسده. أما «زين الدين بشارة» فجعلوه في بيت وأغلقوا عليه الباب حتى أخذ يتغذّي بأعضائه من فرط الجوع. وأرسل أمير المجلس مع «روزبة» الخادم إلى قلعة «زمندو»، وأجلس بهاء الدين قتلوجه فوق بغل بغير سرج فدفع به إلى «توقات» وهو يبكي وينتحب. وحين أنجزت الأمور استدعى السلطان الأمراء الذين كانوا قد قاموا على إتمامها، فدخل عليه «كمنينوس» وأمير «جاندار» وإخوته، ومثلوا بين يديه، فأجلسهم جميعا في مجلس الأنس، وأمر في تلك الليلة بأن يعهد بمنصب إمارة الأمراء (٢) إلى كمنينوس عوضا من «سيف الدين آينه». وفي اليوم التّالي اتّجه السلطان- على خلاف المعهود- إلى الميدان تصحبه الطّبول والعلم والبوق والمظلّة/، وتنزّه مدة- بكلّ جلال ووقار- في صحراء المشهد، وظلّ يركض بحصانه حتى صلاة المغرب، ويلعب بالكرة. وفي تلك الأثناء رأى السلطان أن الأمير «كمال الدين كاميار» و «ظهير

стр. 163

الدين منصور ابن الكافي» التّرجمان و «شمس الدين ولد قمر خراسان» - وكانوا من أواسط الأمراء- يتخافتون فيما بينهم، فقال: ألم يأن لهذا النفر من الاخسّاء أن يخرجوا ريح الفضول من رؤوسهم؟ وأمر أمير العدل بطرد الثلاثة جميعا من الميدان بالصّولجان، وبأن يتعرّض ما في بيوتهم من متاع وزينة للغارة، وأن ينفوا من بلاد الرّوم. فنزلوا «خرتبرت»، فرحّب بهم ملكها، فتلقّى من جانب السلطان عتابا لصنيعه هذا. فانطلقوا من هناك إلى «أخلاط» فاستضافهم «الملك الأشرف» سنتين، ثم إنهم جاءوا إلى بلاد الرّوم بشفاعته، لكنّهم ظلّوا على حالهم من الذلّة والخذلان فقد تبدّد كل ما كان لدى «كمال الدين كاميار» وذهب هباء منثورا ولم يعد له إلا حصان واحد. وذات يوم خرج السلطان وهو في «علائية» إلى الصيد، فركب كمال الدين في خدمته، وعند الرّجوع وأثناء الصعود إلى القلعة سقط حصانه على الأرض فلم يسع كمال الدين كاميار إلا أن حمل السّرج على ظهره ومضى إلى منزله. فلما وصل السلطان سأل: حصان من هذا؟ فتبسم «نور الدين ابن طلاقي الأخلاطي» وكان من ندماء الخاص، قال السلطان: علام تبتسم؟ أجاب: قد بلغت مني الحيرة كل مبلغ للقول المأثور: «إنه لا يعزّ من عاديت ولا يذل من واليت، ولا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» (١)، ما كان لكمال الدين كاميار من الدنيا بأسرها إلّا هذا الحصان، فجرى عليه- لكبر سنّه- ما جرى. فلم يجب السلطان حينذاك، ولمّا نزل استدعى «كمال الدين كاميار»، ومنحه تشريفا خاصا، وألف دينار أحمر وخمسة من البغال غير المسرجة/

стр. 164

وعشرة من الخيول المسرجة الملجّمة وخمسة غلمان، وأمر الأمراء بأن يعطوه من أموالهم، وأنعم عليه فأقطعه ولاية «زره»، وكان بها في ذلك الوقت مائة ألف من [الخاصّة وستوّن من مماليك الحواشي] (١). لنرجع إلى ما كنّا بصدده؛ حين قدم السلطان من الميدان إلى الإيوان أمر بإنزال العقوبة بكل حواشي الأمراء المقتولين وغلمانهم ومن كانوا على صلة بهم، [وأعطى خاتما «لابن حقّه باز» لتوقيع ذلك الحكم، بحيث إذا حلّ الليل يقضي عليهم جميعا ولا يبقي على أحد منهم] (١). فركب «كمنينوس» في الحال مع غلام وركابّي وجاء إلى الدّيوان، وطلب المثول بين يدي السلطان، ثمّ إنّه دخل ووضع رأسه على الأرض وقال: اليوم، حين ذهب هذا المملوك من قصر السلطنة إلى منزله كان يحيط بي حشد هائل من أتباعي وخدمي وذوي الصّلة بي، أما الآن فقد بقي من أولئك جميعا غلام واحد وركابي [وتفرق الباقون منزعجين] (٢)، قال السلطان: وما السّبب؟ أجاب: ألم يؤذن لسيف الدين النّائب بالقضاء على ذوي الصلة بالأمراء وغلمانهم؟، إنّ الناس حين سمعوا ذلك استبدّ بهم القنوط، وقالوا: لو صدر منك ذنب يستوجب العقوبة غدا فسوف نعامل نحن نفس المعاملة، فيحسن أن نقوم بتدارك الأمر قبل حلول الواقعة. قال السلطان: الحقّ ما قالوه. وأعطى منديل الأمان بحيث يبطل ذلك الحكم. ولمّا كان السلطان قد فرغ من جهة قتل الأمراء (٣)، وامتلأ وعاء الخزائن بالنّقود والجواهر، شرع في فتح البلاد والقلاع المتاخمة لحدود ممالكه.

стр. 165

ذكر فتح قلعة «كاخته» في أيام السلطان «علاء الدين كيقباد» عرض أصحاب الأخبار على حضرة العاهل أن الملك «مسعود» صاحب «آمد» قد انحرف برأسه عن ربقة الولاء للسلطان، واستنصر بالملك «الكامل» وجعل الخطبة والسّكة باسمه، فاستبدّ الغضب لهذا بالسلطان وأمر بأن يتوجّه قادة حدود الروم بأسرها بكلّ معدّات القتال وبأسرع ما يمكن إلى «ملطيّة» المحروسة، ويترقّبون ما سوف يؤمرون. فلحق الجند جميعا بدار الرّفعة «ملطية» ووصل الأمر لتنفيذ ما يلي من مهامّ: ينطلق الأمير «مبارز الدين جاولي» بفوج من الأجناد صوب «كاخته» - وهي من بين ممالك «آمد» - ويهيئ الأسباب المفضية إلى فتحها. ويتّجه الأمير «أسد الدين كندصطبل» بكوكبة من الجنود المشهورين إلى «جمشكزاك» و «كرفراك». وكلاهما تابع بدوره لحكم «آمد» (١). فانطلق الأمير مبارز الدين بالعساكر وآلات الحصار إلى «كاخته» ونصب أحد المجانيق المغربية بمحاذاة البوّابة. كما نصب اثنين من المجانيق أحدهما على يمين القلعة والآخر على يسارها. فلما علم الآمدي بذلك بعث برسالة استغاثة عاجلة إلى الملك الأشرف، الذي دفع بعز الدين بن البدر مع عشرة آلاف فارس من قبائل الأكراد والأعراب نحو «كاخته». فلما أخبر الأمير مبارز الدين بأن الشاميّين قادمون (٢) وقد عقدوا العزم على

стр. 166

القتال، نصب جماعة على أعمال المجانيق، واستعدّ بنفسه للقتال مع الأمراء والأجناد، وقدم إلى الصّحراء في مواجهة الأعداء. وفي اليوم التّالي انطلق الجيشان للمواجهة، وجاء عند ذاك مدد قوامه ستّة آلاف فارس من «آمد» فاختلطوا بعضهم ببعض، فأرسل الأمير مبارز الدين جانبا من/ الجيش [للحراسة] في طريق القلعة، وانطلق بنفسه مع خمسة من الإخوة- وهم من عرفوا بأولاد «فردخلا» وكانوا قد وصلوا لتوّهم من ولاية «لشكرى» - لمواجهة الشاميين. فبادرهم الشاميّون بالهجوم عدّة مرات لكنهم ثبتوا كالجبال الرّواسي. ثم إنهم حملوا حملة واحدة وقتلوا مقتلة عظيمة من جند العدوّ، وأسروا «عز الدين بن البدر» قائد الجيش، ووجّه الباقون مذعورين حيارى وجوههم كلّ واحد إلى ناحية وولوا الأدبار. فلمّا جيء بابن البدر إلى خيمة الأمير مبارز الدين، قابله بكلّ احترام. ثمّ إنه سارع في تلك الحميّا (١) صوب القلعة فلمّا شاهد أهل القلعة ما حدث بلغ نواحهم الأمان عنان السّماء، فنزل جماعة منهم أسفل القلعة، وطلبوا خطّا بالأمان لكي يسلّموا القلعة، فاستمالهم الأمير مبارز الدين وأزال بمصقل اللّطف ما ران على خواطرهم من صدأ المحنة، وأقسم على مشهد من صاحب القلعة قائلا: أنا جاولي وهذا الجيش [وبقيّة أمراء السلطان وعساكره]؛ طالما أنّ أهالي القلعة قد ساروا في طريق الانقياد والإذعان وأنهم سيسلّمون القلعة لمماليك السلطان، فلن يحلق بهم ضرر صغر أم كبر، وسوف أحقّق لهم كلّ رغبة يريدونها من حضرة السلطان، وإن أرادوا الرّحيل بأموالهم وأمتعتهم فلن أمنعهم. فإنّ غرض سلطان العالم هو القلعة فحسب.

стр. 167

وحين سمع الأعيان هذه المعاني من الأمير مبارز الدين، نادوا للصّلاة فصلّوا جماعة (١)، ثم صعدوا، وأنزلوا نساءهم وعيالهم من القلعة، وأعدّوا «كاخته» وهيّأوها ثم سلّموها في اليوم التّالي لمماليك السلطان لكي يرفعوا عليها علم ملك العالم. وصعد الأمير مبارز الدين، فأقام حفلا تلك الليلة بجوف القلعة ووصل/ اللّيل بالنّهار في الطّرب والسّرور. وفي اليوم التّالي صرف «عز الدين بن البدر» مع سائر الأسرى في صحبة مائة فارس إلى حضرة المليك، ورفع تقريرا للديوان عن صورة ما حدث ومحاربة الشاميين وانهزامهم هم والأمير عز الدين، وتمنية أهالي القلعة. فاقترنت تلك المساعي عند السلطان بالرّضا والقبول، وأرسل إليه خلعة ملكية مع ما لا حصر له من الألطاف والإنعام. وفوّض أمر حفاظة القلعة وحراستها إلى واحد من خواصّ الغلمان، ودفع إليه برسالة جوابيّة لكي يحملها إلى البطل. …

стр. 168

ذكر فتح قلعة «جمشكزاك» على يد مماليك السلطان انطلق الأمير «أسد الدين كندصطبل» - قائد جند ملطيّة- وفق الأمر المطاع بخمسة آلاف فارس وآلات الحصار صوب قلعة «جمشكزاك»، فرأى صخرة قد شمخت برأسها إلى السّماء، وبها غار هو من صنع الله، وأسفلها نهر جار لا يقم للنّيل وزنا ويحسب الفيل بعوضة، ومن هذه الناحية من النّهر مدينة أكثر منعة من القلاع الحصينة بل هي أكثر إحكاما وضخامة من القلاع [فنظر الأمير «كندصطبل» في تلك القلعة ثم قال لبقية القادة والمقدّمين] (١): ياله من موقع يهاب العقاب أن يحلّق فوقه، ويبدو من المحال أن يعثر فيه النّقّاب على موضع لثغرة، إنه موقع لا ينال بالحرب والجلاد، فإن دخل في أنشوطة المراد بالوعد والوعيد فهو المراد وإلا فلنجهد قدر الإمكان لعلّه يتيسّر بالتأييد الربّاني والإقبال السلطاني. ثمّ إنه أرسل إليهم رسولا، لكي يفاتحهم في أمر «كاخته» وبأنه لا محيد عن استنزالهم بالقسر، وإهلاك نجدة جند الشام بالقهر، ويتلو عليهم التّعليمات الواجبة النّفاذ. فلما اقترب الرسول من القلعة ألقي عليه وابل من حجارة النّبل والسّهام فأخذ يناديهم قائلا: أنا رسول، قادم لمصلحتكم. فلم يعيروه التفاتا، واضطرّ للرّجوع. فقال الأمير: يجب علينا أن نفتح طريق الحرب طالما أنهم أغلقوا باب الكلام./ ثم أمر فنصبوا العرّادات ولبس الجند لأمة الحرب، وشرعوا في الزّحف بأعداد هائلة على البّوابة، وظلّوا من الفلق إلى الغسق منشغلين بضرب المنجنيق والسّهام والكرّ والفرّ، وانتهى الأمر بعودتهم إلى الخيام عاجزين مضطرّين. وطيلة أسبوع واصلوا اللّيل بالنّهار في قتال مستمرّ (٢).

стр. 169

وفي اليوم الثامن بدا لهم أن يلقوا فوق الغار بعشرة صناديق حديديّة بها عشرة من المقاتلين، لا يترك ضيقها لأحد منهم سبيلا حتى إلى التّفكير (١)، فجعلوا بها ثقوبا تطلق منها السّهام، فأخذوا يرمونهم من سحاب القوس بوابل من السّهام كالمطر، وأخذ «كندصطبل» يدور حول نفسه لفرط العجز وانعدام الحيلة، ولم يكن يرى علاجا لهذا العناء. وفجأة جاء شابّ حسن الطلعة وقال: بالأمس بينما كنت أصعد فوق هذا الجبل وجدت ثغرة في جنب غار القلعة، فلو مارس النقّابون عملهم هناك لتيسّر فتح القلعة في أقلّ مدة. فأمر الأمير بأن يتوجّه الجيش- كما جرت العادة- إلى المحاصرة، وانطلق هو بحصانه فارتقى المنطقة الصخرية، لكي يرى ما يحسن فعله لتدبير الأمر. وحين رأى تلك الثغرة، أمر بأن يشرع خمسون نقّابا ممن عرفوا بالحميّة في إعمال الفأس، وأن يحدثوا ثلمة في السّور بضرب السواعد، فأصبح كل واحد من العمّال المهرة وكأنه «فرهاد» (٢) لعذوبة كلام ذلك الأمير المخلص للسلطان، وما لبثوا في أقلّ مدّة أن أوقعوا الخلل في الحصن الحصين والقلعة الضخمة بضرباتهم القوّية المحكمة، وأحدثوا فتحة عريضة.

стр. 170

ثم أمر بأن يمطر الجيش القلعة بوابل من السّهام، وأن تدلف فرقة من الشّجعان ضخام الأجسام- كبيزن- (١) إلى تلك الفتحة، فينتزعون الفوز والظّفر من فم التنّين. فأجرى الشجعان المضحّون بأرواحهم/ نهرا من دماء سكّان القلعة في الغار، بينما أحال الجيش من الخارج النّهار ليلا أسود مفزعا على من بداخل القلعة بضرب السّهام. وبعد جهد جهيد تحوّلوا لعجزهم إلى المسكنة والتذلّل وطلب الأمان، فأرسلوا شخصا والتمسوا الأمان، فحقّق «كندصطبل» مأمولهم واستبدل الحفل بالحرب وفراغ البال بالجدال. وفي اليوم التالي نزل سكّان القلعة بمتاعهم، ثم هبط مستحفظها كسيف البال قد انكسر جناحاه وأصبح ذليلا عاجزا وطلب العذر عن تماديه في التطاول. وحملت الرّاية على شرفات القلعة، وبعد حمد الخالق وإهداء الصلوات لروضة السّيد المختار جهروا بالدعاء للمليك مع الغلمان من فوق سماء من الحجر مكينة في الأرض (٢). وكتب الأمير «كندصطبل» رسالة مشتملة على تفاصيل ما وقع من حكايات والتّهنئة بالفتح الثّاني الذي سنح بالفضل الربّاني وأرسلها إلى حضرة السلطنة. فأدّى السلطان الشكر على النّعمة الإلهيّة، وعيّن مستحفظا للقلعة، وضاعف ما بها من عدّة. …

стр. 171

ذكر تذلّل الملك مسعود إلى الحضرة السلطانية حين تبيّن للملك مسعود أن القلاع التي كانت سندا لإقباله وجناحا لطائر حاله قد أخذت زخرفها وازّينت براية نصرة السلطان وأعلام سلطنته، شرع في البكاء على عرشه، وندم على ما كان قد فرط منه من تقصير. ورأى المصلحة في أن يبادر- قبل أن يذهب نصف الملك، الذي قد بقي، من اليد دفعة واحدة ويفلت مركب السّعادة من القدم- فيمسك بتلابيب حماية السلطان/ وكرمه ويسلك طريق الإخلاص والتّفاني متبعا في ذلك قدماء الرّجال العظام من أسرته. فاختار رسولا فصيح اللسان بعث معه برسالة ملؤها التمني وطلب الأمان، مع خدمة تليق بالسلطان من اللآلئ والجواهر البرّاقة والخيول والغلمان والملابس الملوّنة وأسفاط العنبر والكافور إلى حضرة السلطان، واستغفر لذنوبه، والتزم بأن يرسل كلّ سنة أموالا وأحمالا مجهّزة إلى الخزانة، ويشدّ حزام الانقياد على وسط الروح إن كلّفه السلطان بمهمة. فلحق الرّسول بالدّيوان، ونال ودّا. قال السلطان: ما ظهر كدر في مشارع عواطفنا إلا بسبب طيش الملك مسعود وحماقته، أما وقد دخل من باب الاعتذار فقد سلكنا نحن بدورنا طريق العفو، فتجاوزنا عن سيّئاته، فإن رفع رأسه بالعصيان ثانية وبذر بذرة الكفران في أرض الإيمان فجزاؤه مثل ما رأى، بل ربما شهد ما هو أسوأ: «وللآخرة أشد عذابا وأسوأ تنكيلا» (١) ثم سمح للرسول بالعودة، وولىّ السلطان وجهه للمصيف في مروج السّواحل التي هي بالجنّة أشبه منظرا.

стр. 172

ذكر مصاهرة السلطان أولاد الملك العادل حين حلّ موسم الربيع، واتّجه السلطان من مصيف أنطالية إلى قيصرية أمر بإطلاق سراح «عزّ الدين بن البدر» ومن معه، وكان قد أوقع به في حرب حصن «كاخته» وجرى أسره، وظلّ محبوسا بقلعة قيصريّة. وقد خلع السلطان عليه خلعة ملكيّة، وأذن له بالتوجّه نحو الشّام بكل إكرام واحترام. وذات يوم في أثناء/ [النظر في المهام] والتدابير، قال السلطان لسيف الدين النّائب ابن حقّه باز: يبدو لي أن مصاهرة أبناء العادل من شأنها أن تعمل على استحكام دعائم التّوفيق، فبذلك يزداد رونق السلطنة. فتكفّل سيف الدين- بعد أن استصوب رأي العاهل- بإنجاز تلك المهمة، وتوجّه إلى ديار الشام بخزانة كاملة، فلمّا بلغ «ملطيّة» توفي لمرض عرض لجوهر بدنه. فانتدب السلطان «شمس الدين ألتونبه جاشني گير» بدلا منه، فلمّا لحق شمس الدين بملطيّة نقل الأمتعة والخزانة إلى بيته، ثم انطلق بعد أخذ الأهبة والاستعداد. وكان «عزّ الدين بن البدر» قد أخبر ملوك الشام بمقدم رسول [من قبل السلطان، شاكرا ما حظي به هو من أيادي السلطان وإنعامه، فأزال كل شائبة علقت بنفس أولاد العادل] (١). فعدّوا الحفاوة بمقدم الرسول على أفضل نحو أمرا واجبا، وبلغوا المرتبة القصوى والدرجة العليا في توقيره وإجلال شأنه. وفي اليوم التّالي بادر أبناء العادل- وكانوا ملوك الشام وأطراف الأرمن وديار بكر، كالملك المعظّم والملك الأشرف والملك الغازي (٢) والملك فخر

стр. 173

الدين (١) - فاستدعوا القاضي بدار السعادة «دمشق»، وأتوا بالأمير «شمس الدين» فرتّب الأمير شمس الدين التّحف والأمتعة التي كان قد جلبها معه ووضع الجواهر والمرصّعات على أطباق فضية وذهبية. ثم إنّهم أبقوا على شمس الدين ألتونبه هناك حتى يفرغوا من ترتيب الأسباب لسفر هودج العروّس، فكتب رسالة في هذا الصدد/ إلى السلطان مشتملة على أن إنجاز الأمور ومدار الأفلاك قد وافقا مراد العاهل، وعرض أنّ ركاب السلطان لو نهض إلى ملطيّة لكان ذلك نوعا من تكريم الملوك وإعزازهم. وبمطالعة الرّسالة ظهرت على السلطان آثار السّرور في أسارير مملوءة بالنّور، وصدر الأمر للأمراء بأسرهم: إن لموكب السلطان عزما على التوجّه إلى ملطيّة فيتعيّن على الجميع التوجّه إليها دون توقف. ونهض هو نفسه بطالع السّعد. وفي الطريق طلعت الخراريج والدمامل على رقبة السلطان فأخذ يعاني ويتألّم ألما عظيما. فلمّا لحق بملطيّة كان هودج العروس قد وصل قبل يومين أو ثلاثة، وجاء أمراء الشام الكبار في خدمته. فاستقبلهم الأمير «كندصطبل» و «شمس الدين ألتونبه» وقصّا عليهم ما حدث من أحوال وحكايات. وقد أثنى السلطان على ما يتّصفان به من كمال الحصافة وتمام النّباهة. وفي تلك الأثناء أثّرت الآلام العظيمة في بدن السلطان، فقال الأطباء

стр. 174

الحاذقون (١) الّذين كانوا موجودين عندئذ: لو وصل إليه حدّ المبضع لكان من المتوقّع حدوث خطر عظيم، والمأمول أن تظهر رأسه بالضّماد والمرهم. ولفرط العجز يئس السلطان من الحياة، ثم أمر باستدعاء «فاسيل» الجراح. فلمّا حضر رأى أن مادّة [الجرح] قد نضجت تماما، فوضع رأسه في معرض الخطر، وأعمل المبضع، فاندفع القيح والصديد في الحال، وأحضر «قراطاي» الطّست، وكان الرّيم كلما اندفع تسللت الراحة إلى نفس السلطان، فلما تطّهر الجرح كليّة غلب عليه النوم، وظلّ ساكنا يوما بليلة، فخاف الناس من تلك الحالة، وظنّوا أن محذورا ربما يكون قد وقع. فلما استيقظ السلطان طلب الجّراح/ لكل يملأ [تجويف] الجرح بالقطن، وكان قد أحسّ قبل ذلك براحة كبيرة، فقال: من يشعر بالارتياح لسلامتي عليه أن يبادر بالإغداق على «فاسيل»، فإذا بهذا الرجل الذي كان يشعر كل صباح بالغصّة لتدبير قوت يومه (٢)، يباهي «قارون»، ويحاكي البحار والمناجم عندما حلّ الليل لكثرة ما تكبّد أمراء الشام والروم والنّسوة من الخواتين من إغداق عليه. وبعد ذلك بأسبوع واحد أو أقلّ اندمل الجرح فعزم السلطان على الخروج للنّزهة. وأمر بالبدء في تهيئة الأسباب لإقامة الحفل فزيّنت المدينة، وكان الأمراء والقادة الشاميّون قد صاغوا سبعة قصور من الذّهب والفضّة وزّينوها بأنواع الجواهر

стр. 175

ووضعوها فوق ظهور البغال، قبل وصول مهد العروس، وأخذ اللّاعبون بحركاتهم الجميلة والمشعوذون (١) بطفراتهم السّريعة المتقنة يستعرضون مهاراتهم وفنونهم. والتمس ملك «خرتبرت» أن يكون عديلا للسلطان، [فبذل له السلطان ذلك]، فتعهّد تلك الضّيافة بصنوف الكرم من بذل الدّينار والّدرهم، وقضوا أسبوعا بأكمله في المتعة واللهو. وفي اليوم الثامن بدأ السلطان الاحتفالات العامة، فدعا إليه أمراء الشام، واعتذر عن ما كان قد وقع لهم من تأخير في الغربة بسبب ما ألمّ به من تعب، فوضعوا رؤوسهم جميعا على الأرض، وحمدوا الله تعالى على سلامة المهجة وحصول البهجة. ولما تلفّعت أمّ الدينا (السّماء) بالرّداء الأزرق القاتم، وتجلّت البنات الشبيهات بالياسمين ذوات القدود الفضّية من سقف القصر الأزرق، وبسط فرّاشو قدر «ولقد زينا السّماء الدّنيا بمصابيح» (٢) سماء لازورديّة مملوءة بعرائس النّجوم السّيارة، وتظاهر الحرفاء بالتّساكر (٣)، تبختر السلطان في حجال الجلال، ولحق بحرم الوصال، ورأى من الواجب فضّ الختام وقضّ الرّخام في الحال/ وبذل بسبب تلك السعادة كنزا لائقا لأولئك الذين قدموا من جانب الشام على

стр. 176

أمل تنسّم نسائم إنعام الملك الموفّق، وجعل الملكة مالكة لكنوز قارون وحاكمة لملك فريدون (١). وفي اليوم التّالي خصّ أمراء الشام بتشاريف ثمينة، وأجلسهم في محفله. كذلك قضى أسبوعا آخر في اللهو مع الأقران. وفي اليوم الثّامن أذن لأمراء الشام بالعودة والانصراف مزوّدين بسائر الألطاف، وتوجّه هو إلى قيصريّة، ومن هناك إلى أنطالية. وكان كلما بلغ مدينة من المدن زينت وأديرت بها آلة اللهو والسّرور. وقضى السلطان الشّتاء وأيام الثلوج في تلك الرّياض والمروج، وحين بدأت رياح الرّبيع في الهبوب، وأخذ البرد في الذوبان كقلوب العاشقين، وشرعت عروق الأرض في الضّرب والخفقان كقلوب المشتاقين صدرت الأوامر لأطراف البلاد إلى الأمراء والأجناد كي يحضروا إلى «قيصرية» المحروسة. …

стр. 177

ذكر السبب في قصد السلطان فتح صحراء «القفجاق»، وأخذ «السغداق» علي يد «حسام الدين چوبان» (١) حين قدمت المظلّة المستولية على العالم من العاصمة إلى قيصريّة، دخل فجأة من باب المحكمة تاجر كان برأسه دوار من جّراء سعيه حول العالم كالكرة وراء النّفع والضرّ، فقد كان يداوم على عبور البحر، ويلقي بنفسه مستسلما فوق الماء كزهرة «النّيلوفر» (٢) رغبة في تحصيل الذّهب؛ فأطلق لسانه بالثّناء كالسوسن، ورفع يده بالدّعاء كالرّمان، وقال: قد اخترت- أنا العبد الفقير- التّعب في طلب الرّزق، ولم أر للسّعادة والطّرب وجها في ليل أو نهار، وصرت أجرى وأركض خلف القوت (الذي ما تحصّل أبدا) فوق رطب الدنيا ويابسها، وأضعت العمر العزيز بددا في الجرى وراء الكثير والقليل لإشباع ما بالبطن من جوع. واتّفق لي أن ادّخرت في قصر الفناء (الدنيا) بضعة دراهم بمئات من ضروب الغصص وصنوف المتاعب والآلام/، وأخذت أتسمّع وأنا في ديار القفجاق والرّوس إلى ما اشتهر به هذا البلاط من عدل وشرف، ومن اغتباطي بذلك ولّيت وجهي صوب هذه الأعتاب، وأردت أن أعبر البحر، فلمّا بلغت معبر «الخزر»، أخذوا مني كل مالي الذي أنقصت عمري في تحصيله. ولم يكن قد أتمّ كلامه بعد حتى بدأ شخص آخر في الجهر بشكواه قائلا: كنت قد عقدت العزم على القدوم إلى هذه النواحي من جهة «حلب»، فلمّا

стр. 178

وصلت إلى ولاية «ليفون» أخذوا المال مني، فإن لم يكن لدى النصارى خوف من هذا البلاط فمن أين لنا بعدل سلطان يعالج لواعج هذا الظلم. وما إن أتمّ كلامه حتى صرخ آخر قائلا: أنا من سكان أنطالية، وضعت كل ما ادّخرته طيلة عمري في سفينة، وبادرت بالسّفر بحرا، فهجم الفرنّجي علينا وأخذ كلّ ما كان معنا وأسر الكثيرين. حين وصلت هذه التظلمات إلى مسامع السلطان، تملّكه الضيق والاضطراب كأسد العرين، وأمر بأن تجبر أحوال التجّار في الحال، والتفت إلى الأمراء ومشاهير الديوان، وقال: «الروّم إن لم تغز غزت»، إنّه مثّل مشهور، لقد تركنا تلك الطوائف آمنة ساكنة لفرط ما بنا من رحمة، فإن لم يقدّروا هذه النّعمة (١) لفرط غبائهم وأخذوا في الإضرار بتجّار الدّيار الّذين قد بذلوا أرواحهم ثمنا لرغيف خبز (١) فصاروا مشرّدين في الأقاليم خوفا ورعبا، فإننا لا شك نعذر بل نمدح ونشكر إن نحن أرسلنا الأبطال وفرسان الرّجال (١) لمعك أذن أولئك الضّلّال. ثم أمر ملك الأمراء حسام الدين- چوبان- وكان من قدماء الأمراء وكبار قادة السلطنة، بأن يسلك طريق «سغداق» /، وسير الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير والأمير كمنينوس بجيش كثيف إلى أرمينيا، وأمر بأن تسوّى كلّ قلعة قائمة على ممر جبلي بالتّراب كخطّ من يظنّ ظنّ السوء، وأن ينكبوا أعداء دين الله نكبة يظلّ أثرها في قلوب الكفار وأرواحهم حتى القيامة، وأرسل

стр. 179

مبارز الدين أرتقش بجيش جرّار نحو الساحل، وسوف نبين فما يلي بالترتيب ما كان لكل واحد منهم من آثار الشجاعة والصرامة (١) …

стр. 180

ذكر عبور جيش السلطان بحر الخزر بقيادة حسام الدين چوبان أقام السلطان زمنا في «كيقبادية» بقيصرية، وظلّ يتطلّع لسنوح الفتوح. وحين عبر جيش الملك البحر قاصدا الخزر، رأى أهل السّغد- وكانت بومة الخذلان وطائر الإدبار قد قبعا على شرفات قصر زمانهم- أنّ غابة من السّفن والقلاع قد جرت فوق سطح البحر، فأرسلوا رسولا لاستقبال ملك الأمراء قائلا: إنما نحن مماليك ملك العالم نطيع أمره، فما الباعث على إرسال جيش كثيف إلى شاطئ البحر، فإن كان قد ظهر فتور في أداء الجزية [ورسم] (١) العبور فيمكن سداد ما عليها من غرامة. وإن كنتم تقصدون الرّوس ندبنا لكم وجعلنا بصحبتكم وخدمتكم شبابا كأشجار السّرو الطليقة لكي يحاربوا الأعداء بالسّيف ولا يضنّون بأرواحهم. وبعثوا برسول عن طريق الصحراء إلى ملك القفجاق أن أعلام عساكر السلطان قد توجّهت في «الجواري المنشآت في البحر كالأعلام» (٢) إلى هذه/ النّاحية، والبحر لا يظهر للعيان من تواثب الجيش وحركته الدائمة. فأرسل ملك القفجاق في الحال إلى ملك الرّوس، وجمعوا من قبائل الرّوس والقفجاق وعساكرها عشرة آلاف فارس، وانتظروا ما يعود به رسول أهل السّغد من جواب من لدن الأمير حسام الدين. ولما وصل الرسول إلى ملك الأمراء بدأ يتكلم كلاما واهنا كبيت العنكبوت،
следующие страницы →