أمل تنسّم نسائم إنعام الملك الموفّق، وجعل الملكة مالكة لكنوز قارون وحاكمة لملك فريدون (١).
وفي اليوم التّالي خصّ أمراء الشام بتشاريف ثمينة، وأجلسهم في محفله.
كذلك قضى أسبوعا آخر في اللهو مع الأقران.
وفي اليوم الثّامن أذن لأمراء الشام بالعودة والانصراف مزوّدين بسائر الألطاف، وتوجّه هو إلى قيصريّة، ومن هناك إلى أنطالية. وكان كلما بلغ مدينة من المدن زينت وأديرت بها آلة اللهو والسّرور.
وقضى السلطان الشّتاء وأيام الثلوج في تلك الرّياض والمروج، وحين بدأت رياح الرّبيع في الهبوب، وأخذ البرد في الذوبان كقلوب العاشقين، وشرعت عروق الأرض في الضّرب والخفقان كقلوب المشتاقين صدرت الأوامر لأطراف البلاد إلى الأمراء والأجناد كي يحضروا إلى «قيصرية» المحروسة.
…
стр. 177
ذكر السبب في قصد السلطان فتح صحراء «القفجاق»، وأخذ «السغداق» علي يد «حسام الدين چوبان» (١)
حين قدمت المظلّة المستولية على العالم من العاصمة إلى قيصريّة، دخل فجأة من باب المحكمة تاجر كان برأسه دوار من جّراء سعيه حول العالم كالكرة وراء النّفع والضرّ، فقد كان يداوم على عبور البحر، ويلقي بنفسه مستسلما فوق الماء كزهرة «النّيلوفر» (٢) رغبة في تحصيل الذّهب؛ فأطلق لسانه بالثّناء كالسوسن، ورفع يده بالدّعاء كالرّمان، وقال: قد اخترت- أنا العبد الفقير- التّعب في طلب الرّزق، ولم أر للسّعادة والطّرب وجها في ليل أو نهار، وصرت أجرى وأركض خلف القوت (الذي ما تحصّل أبدا) فوق رطب الدنيا ويابسها، وأضعت العمر العزيز بددا في الجرى وراء الكثير والقليل لإشباع ما بالبطن من جوع. واتّفق لي أن ادّخرت في قصر الفناء (الدنيا) بضعة دراهم بمئات من ضروب الغصص وصنوف المتاعب والآلام/، وأخذت أتسمّع وأنا في ديار القفجاق والرّوس إلى ما اشتهر به هذا البلاط من عدل وشرف، ومن اغتباطي بذلك ولّيت وجهي صوب هذه الأعتاب، وأردت أن أعبر البحر، فلمّا بلغت معبر «الخزر»، أخذوا مني كل مالي الذي أنقصت عمري في تحصيله.
ولم يكن قد أتمّ كلامه بعد حتى بدأ شخص آخر في الجهر بشكواه قائلا:
كنت قد عقدت العزم على القدوم إلى هذه النواحي من جهة «حلب»، فلمّا
стр. 178
وصلت إلى ولاية «ليفون» أخذوا المال مني، فإن لم يكن لدى النصارى خوف من هذا البلاط فمن أين لنا بعدل سلطان يعالج لواعج هذا الظلم.
وما إن أتمّ كلامه حتى صرخ آخر قائلا: أنا من سكان أنطالية، وضعت كل ما ادّخرته طيلة عمري في سفينة، وبادرت بالسّفر بحرا، فهجم الفرنّجي علينا وأخذ كلّ ما كان معنا وأسر الكثيرين.
حين وصلت هذه التظلمات إلى مسامع السلطان، تملّكه الضيق والاضطراب كأسد العرين، وأمر بأن تجبر أحوال التجّار في الحال، والتفت إلى الأمراء ومشاهير الديوان، وقال: «الروّم إن لم تغز غزت»، إنّه مثّل مشهور، لقد تركنا تلك الطوائف آمنة ساكنة لفرط ما بنا من رحمة، فإن لم يقدّروا هذه النّعمة (١) لفرط غبائهم وأخذوا في الإضرار بتجّار الدّيار الّذين قد بذلوا أرواحهم ثمنا لرغيف خبز (١) فصاروا مشرّدين في الأقاليم خوفا ورعبا، فإننا لا شك نعذر بل نمدح ونشكر إن نحن أرسلنا الأبطال وفرسان الرّجال (١) لمعك أذن أولئك الضّلّال.
ثم أمر ملك الأمراء حسام الدين- چوبان- وكان من قدماء الأمراء وكبار قادة السلطنة، بأن يسلك طريق «سغداق» /، وسير الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير والأمير كمنينوس بجيش كثيف إلى أرمينيا، وأمر بأن تسوّى كلّ قلعة قائمة على ممر جبلي بالتّراب كخطّ من يظنّ ظنّ السوء، وأن ينكبوا أعداء دين الله نكبة يظلّ أثرها في قلوب الكفار وأرواحهم حتى القيامة، وأرسل
стр. 179
مبارز الدين أرتقش بجيش جرّار نحو الساحل، وسوف نبين فما يلي بالترتيب ما كان لكل واحد منهم من آثار الشجاعة والصرامة (١)
…
стр. 180
ذكر عبور جيش السلطان بحر الخزر بقيادة حسام الدين چوبان
أقام السلطان زمنا في «كيقبادية» بقيصرية، وظلّ يتطلّع لسنوح الفتوح.
وحين عبر جيش الملك البحر قاصدا الخزر، رأى أهل السّغد- وكانت بومة الخذلان وطائر الإدبار قد قبعا على شرفات قصر زمانهم- أنّ غابة من السّفن والقلاع قد جرت فوق سطح البحر، فأرسلوا رسولا لاستقبال ملك الأمراء قائلا: إنما نحن مماليك ملك العالم نطيع أمره، فما الباعث على إرسال جيش كثيف إلى شاطئ البحر، فإن كان قد ظهر فتور في أداء الجزية [ورسم] (١) العبور فيمكن سداد ما عليها من غرامة. وإن كنتم تقصدون الرّوس ندبنا لكم وجعلنا بصحبتكم وخدمتكم شبابا كأشجار السّرو الطليقة لكي يحاربوا الأعداء بالسّيف ولا يضنّون بأرواحهم.
وبعثوا برسول عن طريق الصحراء إلى ملك القفجاق أن أعلام عساكر السلطان قد توجّهت في «الجواري المنشآت في البحر كالأعلام» (٢) إلى هذه/ النّاحية، والبحر لا يظهر للعيان من تواثب الجيش وحركته الدائمة. فأرسل ملك القفجاق في الحال إلى ملك الرّوس، وجمعوا من قبائل الرّوس والقفجاق وعساكرها عشرة آلاف فارس، وانتظروا ما يعود به رسول أهل السّغد من جواب من لدن الأمير حسام الدين.
ولما وصل الرسول إلى ملك الأمراء بدأ يتكلم كلاما واهنا كبيت العنكبوت،
стр. 181
وقال: المتوقع من ألطاف ملك الأمراء أن يعود لكي نزيل- بقدر الإمكان- مخالفة التّقصير التي ارتكبناها، ونحن نقدّم الآن خمسين ألف دينار في مقابل الأمان الذي يعطيه لنا هذا الجيش.
فاستبدّ الضّيق بملك الأمراء وسط البحر، وقال: أنا ما جرّدت الجيش لكي أقايض سوق القتال بذهب كاسد، أو يرجح عندي خبط أصحاب الفشل بالقول الفاسد لكلّ رسول وقاصد لإحباط العمل، فحين تلقّيت أمر ملك العالم خضت لجّة البحر بسفينة القلب، فكل من يلوي عنقه عن أمر السلطان لن أجعل طوق عنقه إلا رباق الخذلان. أما من يدخل رأسه في دائرة الطاعة فلن يذوق مني إلا لذّة المن والسلوى. وأعاد الرّسول يائسا. وعبرت العساكر كلّها البحر بالتّوفيق والسّلامة، وحطّت رحالها من الرّطب على اليابسة.
ثم إن الأمير حسام الدين أقام حفلا، وظل إلى منتصف الليل يعطي الطّرب حقّه مع أمراء العساكر. وعند الفجر جاء فارس من الطّليعة وقال: ظهر الجيش الغدّار للتّرك. فلما سمع القائد ذلك أمر بأن ينهض الجيش وأن يرتفع نداء الطّبول ليصل إلى سمع «جبريل» ﵇ ثم قال للقادة: يجب علينا قبل أن تصل إليهم قوّات في ميدان المعركة لمددهم من الرّوس والسّقسين أن نضع على أبداننا الدّرع مكان الكفن، وأن نبذل في مواجهتهم أقصى ما يمكننا من جهة، لكن/ بشرط أن نصطبر حين ينتظم الجيش وتتشكّل الصّفوف وتئنّ الأرواح خشية مفارقة الأشباح (الأبدان)، إلى أن يشن الترك هجومهم الثّاني، فتسكن ريح صولتهم. فإذا ما علمنا طريقة قتالهم حملنا عليهم دفعة واحدة كي نظفر بحسن الذّكر.
ومن الجانب الآخر كان التّرك يقولون: لقد عبر جيش كالنّار بمعونة الهواء
стр. 182
فوق سطح الماء إلى هذا التّراب (١)، وقصد هذه الولاية فينبغي أن نستثير أبداننا ونركّز بأفئدتنا على الحرب والقتال.
وحين خرج الطّاووس المشرقيّ من الحجاب الفستقيّ، بدأ القتال بالنزّال بين الجانبين، فأخذوا يفصلون الأرواح عن الأشباح من الصّباح حتى الرّواح، ويملأون بالسّيوف والرّماح أرض الرّوس الواسعة بدماء الأوداج، وكما جبلت الورود الصفراء (٢) في هذا الفضاء اللازورديّ مضت عساكر الطّرفين إلى مضارب الخيام.
فأقام الأمير حسام الدين حفلا، ونادى على الأمراء والقادة الشّامخين برؤوسهم، وقال في أثناء العقار: كل واحد منكم أكثر إعزازا مني في خدمة عرش السلطنة، ولكن لابد من التّوافق والتّآزر إذا حمي الوطيس. واليوم، ظهر بعض الفتور عن تصعيد القتال مع الأعداء، فإن لم نضحّ بأرواحنا غدا وفعلنا ما فعلناه اليوم لن يبقى لنا اسم ولا ذكر في الدنيا، فنكون بذلك كخصومنا سواء بسواء.
فأثنى عليه العظماء والقادة، وقالوا: أجل، نحن مماليك سلطان العالم، لكنّك لو أمرتنا لاجتزنا بحصان الامتثال لأمرك ذروة قصر الإثني عشر بابا (٣) والقبة الزّرقاء كومضة البرق. فنحن إنّما نذعن لكلّ ما تأمر به.
стр. 183
وفي الجانب الآخر، كان التّرك قد شهدوا من جيش الرّوم ما ثخن من جراح (١)، واستغرق سائرهم بالبدن والرّوح/ في نهر من الدّم، فقالوا: أهل السّغد والخزر يقترفون الذنب وتحلّ علينا نحن غرامته (٢) ونقمته، ولكن أما وقد وقع ما وقع فلا يجوز التّسليم مهانة وذلّة.
وفي الصّباح الباكر حين ألقت الشمس درعا ذهبية في هذا البحر اللازورديّ على الماء سارع حامل أعلام الجيش المنصور برفع الرّاية، فتحرّكت الجنود، وأخذت السّحابة التي كان وبلها المناصل والمعابل في الإمطار، فهجم الأمير حسام الدين هجمة الأسد، ودفع الجيش في إثره الخيول دفعة واحدة، فلما نصبوا طرّة الرّاية (٣) في مقابلة ريح النّصر في جيش التّرك، ومزجوا بضرب الحسام دماء عروق أولئك الكفّار العاقّين بالتّراب، وسلك التّرك طريق الهزيمة، وعدّوا الفرار العاجل نصرا مؤزّرا. ودفع الجيش بتلك الحملة الشّجاعة لملك الأمراء حسام الدين جوبان عن عشّ القلب ما كان يتردّد عليه من أحزان، ورفع راية السّرور فوق السّماوات العلى، وتوجّه الجيش بحسن الطّالع صوب المخيّم الذي كان وكرا لعقاب الظّفر وقد نال المقاصد والأماني.
…
стр. 184
ذكر تذلّل ملك الرّوس وطلبه الصلح من ملك الأمراء حسام الدين چوبان ﵀
حين علم ملك الرّوس بفساد حال رجال القبجاق، قال: إنّ جلب البلاء على النّفس وسلوك طريق الحرب مع هؤلاء القوم ذوي المخالب الحادة أمر بعيد عن العقل والكفاءة، وحيثما انتظم الأمر بالشّعر والنّثر كان الّلجوء لسفك الدّماء بالحسام والسّنان فجاجة ونقصا.
فاختار رسولا ذا هيبة وفهم، صحيح العقل، وكتب رسالة تشتمل على ما يلي:
أطال الله في عمر السلطان علاء الدين كيقباد ألف عام. ليكن معلوما لملك الأمراء أنني مذ سمعت أنّ رايات ملك العالم الغالبة وجيشه قد توجّهت إلى هذه/ النواحي، اضطربت الروح في جسدي، وأنا لا أدري ما الأمر؟ ومن الخصم والمنازع؟ فإن كان جيش القبجاق قد وقع بحماقته في الضّلالة، وأهرقوا الكثير من الدّماء الزكيّة على الأرض هدرا، فما أنا إلا مملوك للسلطان، بكلّ إخلاص ويقيني أنكم إن استخلصتم هذه الدّيار بالسيف البتّار فلن يسلم لكم ضبطها وإصلاحها دون قائد، فاعتبروني أنا نفسي المملوك الذي استعملتموه لها.
وإنني أتوقّع من حضرة ملك الأمراء أن يبذل شفاعته في هذا الباب، وأن يرسل للسلطان مبيّنا له خشوع هذا المملوك المسكين وخضوعه.
ثم إنه أرسل الرّسول بتحف كثيرة من الجلود والكتّان الرّوسي وعشرين ألف دينار لملك الأمراء. فلما اقترب السّفير من الجيش، ودقّق النّظر في الجند
стр. 185
والضّبط والرّبط وخيمة العظمة وديوان الرّفعة (١) سكت وقد طار لبّه وهمس مناجيا الله قائلا: يا ربّ الأرباب.
وحين أبلغ ملك الأمراء بوصول رسول ملك الرّوس أمر بأن يتقدم المضيفون لإنزاله في خيام الإكرام بمنتهى الحفاوة. وفي اليوم التالي أرسل في طلب الرّسول. وكان قد أمر قبل ذلك بتزيين الباب وخيمة القيادة بكل أبّهة ممكنة بأن يصطفّ هناك عدد من الشّباب المختارين وقد لبسوا السّلاح، وأن تنتظم خيول الدّورية بالطّوق واللّجام بمحاذاة الخيمة، وأن تغرق باقي الجيوش فوجا فوجا في الحديد المذهّب من مفرق الرّأس إلى حافر الحصان فتقف في كل ناحية وقد وضعت الرّماح على الأكتاف.
استراح المبعوث الرّوسي زمنا عند باب خيمة القيادة ثم دخل حضرة ملك الأمراء، فوضع رأسه بكل مذلّة على الأرض، وسلّم الرّسالة والتّحف فقبلها ملك الأمراء جميعا وفرّقها في الحال على الجيش، وأبقى عليه عنده ثلاثة أيام ثم دعا الأمراء في اليوم الرّابع/ وقال: طالما أنّ الروسي سلك طريق المداهنة فعلينا نحن إذن الإبقاء على أحكام السلطنة وشرعتها، ثم نعرض أمره على حضرة السلطان. فما الذي ترونه صوابا في هذا الشأن؟ قالوا جميعا: ما من فكر ولا رأي أفضل من هذا. فعندئذ استدعى الرّسول وقال له: إن السلطان لا يلقي أحد أبدا في هاوية الهوان دون ذنب اقترفه، بيد أنه لا يسمح بإهمال ولا إمهال في البطش بالمتمرّدين، (بيت):
- لو جعلت من نفسك مملوكا له لأصبحت ملكا،
стр. 186
ولو أذعنت لأمره لأصبحت موفّقا مسدّدا.
والمأمول أن يغدو كل ما يبتغيه ملك الرّوس ميسّرا، وأن يعود ما يرسيه من أسس المحبّة بالنّفع عليه.
ثم صرف الرّسول مزوّدا بالخلع والهدايا، وبخلعة من الخاصّ السّلطاني وقلنسوة سلطانية مغرقة، إضافة إلى رسالة مشحونة بفنون التّعاطف. ثم إنه أرسل بعد ذلك إلى «سينوب» و «قسطمونية» من الغنائم مالا يدركه الحصر.
***
стр. 187
ذكر فتح «السّغداق» على يد حسام الدين چوبان في أيام السلطان «علاء الدين كيقباد» ﵀
حين سمع أهل «السّغد» خبر كسر جيش «القفجاق» صارت قلوبهم واهنة وظهور آمالهم مكسورة، وشرعوا في إعداد العدّة وإرهاف الأسياف وتثقيف الأسنّة، وتأهبّوا للحرب.
وبعد أسبوع نزل القائد بجيش جرّار على باب المدينة، وفي اليوم التالي حين أخذ وجه الملك السّيّار في التألق من تحت المظلّة السوداء للّيل، تحرّك الجيش فوجا فوجا كجبل من الحديد، واندفع الشباب المحاربون بالسلاح/ والعدّة من داخل المدينة نحو الجيش، وظلوا في حراب وطعان وضراب حتى نسخت آيات النّور بالظلام وطلعت كواكب الفلك الأزرق. ورغم أنّ عددا لا يدركه الحصر من العساكر المنصورة صار مجروحا وأصبحت دماؤهم في ميدان المعركة مسفوحة فإنّ نقش وجود السّغديين قد أمّحى من لوح الوجود بحدّ السيف البتّار.
وفي اليوم التالي حين أضاءت مظلة الشّمس الذّهبية فوق المهد المظفّر للفلك، وتبددت ظلمة الدّيجور بأشعّة النّور، تحّرك الجيش من جديد، وخرج المشاة من المدينة للقتال وقد انطوى الدّرع على الدّرع، بينما أثار الفرسان الأبطال الغبار (١)، وتقاطر بعضهم وراء بعض، وحاربوا بالنّفط والأقواس والسّهام والحجارة. فولّى جند الإسلام الأدبار- بحكم ما كانوا قد تواضعوا عليه فيما بينهم- وأعطوا ظهورهم [للعدوّ] دفعة واحدة، فصار السغديّون من الفرح
стр. 188
كأنّهم الأسود في الشجاعة، وانطلقوا في إثرهم. فلما ابتعدوا عن المدينة عطفت عليهم العساكر المنصورة، وأعملت فيهم السّيوف الجسورة، وانهمر سيل من دماء الكهول والشّباب في الأودية والشّعاب.
ولما حلّ اللّيل، أوى السلطان ذو السّلب الذّهبى (١) إلى فراش حريريّ أسود، بينما ولّى ملك الأمراء وجهه- بتأييد الإله وعظمة دولة السّلطان وقوّة الجيش- إلى حيث يستريح. وبعد تناول الطّعام جعل الرأي للمدام، وقال: أما وقد طفحت الأرض بدماء الثّمالى الأشرار، فلا بأس من أن نعدّ دم الدّنّ- لإصلاح شأن البدن- حلالا وإن كان حراما، فلم يبق من دم العدوّ صاف ولا عكر.
وحين رأى كبار السّن في المدينة أن لم يعد من الشّباب إلا أسماؤهم، إذ فجرّ حدّ السيف من سحاب وجودهم سيولا، قالوا: إن بضعة آلاف من الشّباب البارع في القتال المتقن لدقائقه قد ولّوا وجوههم شطر إقليم العدم، فكانوا كالهشيم تذروه رياح هيبة هذا الجيش، ولم يكن بوسعهم الصّمود لغارة واحدة، فلا حيلة لنا بعد هذا إلّا التضرع/ والتذلّل. فهذا الذي حدث لنا ما نجم إلا عن ضعف الرّأي وفساد التصوّر، ولن يفيد «جزع وقلق بعد ما جرى الكتاب وسبق» (٢).
ثم إنهم أرسلوا بضعة أشخاص ممن عرفوا بالخبرة وطول التجربة إلى ملك الأمراء، فقبّلوا الأرض حين سمح لهم بالسّير، وقالوا: أجل، قد بلغت
стр. 189
جرائمنا وزلاتنا أقصى الغايات، لكن الأمر يسهل علينا إن جعلنا لطف ملك الأمراء لنا شفيعا، فالواجب عليه في هذا الاقتدار الاقتداء بمالك ذي الفقار (١) حيث يقول: «إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه»، سوف نقدّم كل ما يأمر به من خراج، ونؤدي كل ما يفرضه علينا من جزية (٢)، ونتحمل غرم أموال التّجار التي ضاعت في هذا السّاحل، ونبادر بطاعة كل من يسمّيه لإمارتنا وخدمته عن صدق نيّة وإخلاص طويّة.
حين رأى ملك الأمراء ذلك التضرّع قال: ما تسبب في حدوث هذه الواقعة إلا شؤم رأيكم وسفاهة الشباب الذين سقطوا بصحراء الملحمة «كلحم على وضم» (٣) فعليكم بالانتظار الآن حتى أبعث واحدا من الأعيان لحضرة السلطان، وأتشفّع لديه كي يمنّ عليكم، فإن فعل أمنتم من جور دورة الفلك الجافي، وما وقعتم بعد ذلك أسرى لمثل هذه المحنة، بل لن تروا بعد من أذى أبدا.
فلمّا تبدّت للرّسل ألطاف ملك الأمراء من خلال تلك الألفاظ آبوا إلى المدينة سعداء، وقصّوا على أهلها ما كانوا قد رأوه وسمعوه، وظلّوا الليل بطوله:
كل من كان لديه شىء أتى به؛ فجمعوا خزانة هائلة من كل نوع من النّاطق والصّامت والصّاهل والنّاطق (٤).
وعند الفجر حين أطفئ قنديل القمر، وأشعل شمع الخميلة الزّرقاء، أمر
стр. 190
ملك الأمراء بأن يلبس الجند بأسرهم السلاح، وجلس هو مع القادة أمام خيمة القيادة، فاندفع النّاس صغيرهم وكبيرهم/ من باب المدينة، واختلطوا [بالجند] كما يختلط الذّئب بالحمل لعدل ملك الأمراء. وقدّمت الهدايا، وصاح قادة السّرايا: ليرفع سائر الجند يد التّنغيص والشّحناء عنهم من الآن فصاعدا.
ثم أمر ملك الأمراء بتجهيز سفينة سريعة للغاية- كانت تسبق القمر في السير- لكي تقلّ أخماس الخاصّ السلطاني مع الهدايا الأخرى في صحبة رسول قد تحلى بآداب خدمة الملوك برسالة مشتملة على ذكر كل ما جرى من أحوال.
فلما وصل الرّسول إلى الدّيوان وأبلغ البشارة بفتح «السّغداق» وكسر جيش «القفجاق» ومهادنة ملك الروس، أمر السلطان وهو يشعر بارتياح بالغ بأن يطلق سراح المسجونين، كما أمر بتسليم ذلك التّاجر [الذي كان قد سبق له أن استغاث واستعدى، والتمس العون من عدل السلطان ومرحمته] (١) إلى الرّسول. أمّا الرّسالة التي كتبت لملك الأمراء فقد اشتملت على شكر المساعي الجميلة التي تجلّت من جانبه هو والعساكر في تلك المعركة. ثم إنه سيّر الرّسول بالخلع السلطانية التي تم إعدادها لملك الأمراء وسائر القادة من خزانة ثياب السلطنة.
وقال السلطان: قد تجاوزنا بشفاعة ملك الأمراء عن سفاهة السّغديين، ومنحناه ما اقترفوه من ذنب، لكن بشرط أن يحلّ المحراب والمنبر وشريعة النبي ﵊ شعارا وقانونا عوض الوثن والنّاقوس، وأن يرّدوا ما قد أخذوه من تجّار الديار. فإن هم أدّوا هذه المهمات على الوجه الأكمل، يعود ملك الأمراء بالجيش في حفظ الله العادل.
стр. 191
وما إن وصل الرّسول حتى تلي الأمر على رؤوس الأشهاد، وتحصّل للرّجل التّاجر عوض كلّ درهم دينار. وخرج الجيش بأسره في أبهّته وزينته، وأقيم منبر كأوائل الربيع مزيّن بالثياب الفاخرة [الملوّنة] (١)، ووضع المصحف المجيد/ فوق طبق ذهّبي، فأخذه ملك الأمراء ووضعه على رأسه وأمسك راية السلطان بكفّه، ودخلوا المدينة بكلّ أبّهة وجلال، وأذّن المؤذّن على مكان عال، وحطّم النّاقوس المعمول به عند النّصارى تحطيما كاملا.
وفي أقلّ من أسبوعين [شمّروا عن ساعد الجد وأخذوا في تشييد مسجد جامع كبير فأتمّوا بناءه] (٢)، ثم نصبوا مؤذّنا وخطيبا وقاضيا، وأخذوا من أبناء كبار الأعيان عددا من الصّبية رهينة، وتركوا أحد القادة مع فوج من الجيش حامية هناك، وحين تّم إعداد السّفن وتجهيزها رجعوا بضمان السّلامة في صحبة ملك الأمراء إلى حضرة السلطان (٣).
…
стр. 192
ذكر توغّل مبارز الدين جاولى مع كمنينوس في ولاية الأرمن وفتح القلاع
حين قصد الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير وكمنينوس بلاد أرمينيا وفقا للأمر الأعلى، رأوا طريقا صخريّا وعرا ضيّقا، وبعد المنطقة الصخريّة غابة، وفي كلّ مكان قلاع وبقاع وأماكن ومساكن، فتشاوروا، ثم أجمعوا على ألا يجتازوا قلعة إلّا إذا فرغوا منها. فوصلوا أولا إلى «جنجين»، وكانت قلعة حصينة ومعقلا مكينا ضخما. فأمر «چاشني گير» بأن يصعد الجند الجبل فوجا فوجا، وأن يثبّتوا الأعلام ويدقّوا أوتاد خيام كأنّها الجبال الرّواسي على قلالها، ويضربوا طوقا (١) حول القلعة ذائعة الصيت.
وفي اليوم التالي حبسوا الأنفاس عن أهل القلعة، الذين كتبوا رسالة- لما لحقهم من عجز ومذلّة- إلى ليفون [تكور] (٢) أفصحوا فيها عن ما هم فيه من عجز وانعدام حيلة، فاستعان ليفون بالفرنجة وكتب رسائل استغاثة، فتجمّعت منهم جماعة، حميّة وعصبيّة/، ولحقوا بليفون.
استقرّ جيش المليك على الجبل بينما نزلت جنود الخصوم في الصّحراء.
فلمّا حلّ اللّيل، وأقاموا الحفل، قال الأمير مبارز الدين في أثناء المعاقرة: إن هذا الجيش الذي قد جمعه ليفون من كلّ مكان ليس له في نظرنا وزن بوجه من الوجوه، وفي الغد عند انتصاف النّهار حين تتوسط الشمس ميدان السماء نحيط مع جملة الشّجعان بالكفّار، ونبذل ما في الوسع، والمأمول أن يتحقق وعد الحقّ [تعالى] بنصرة أعوان الدين.
стр. 193
[وعند السّحر، ومع طلوع طاووس الخميلة الموشّاة بالزّخارف، أقبل الصبح بضحكة طير الحجل البري، فمضى الجيش يرغي ويزبد كالأسد الهصور وارتفعت في الجوّ من ألوان الأعلام روضة ورد أخرى. وشرعت الرّدينيات (١) في العمل، وحين شمّروا الأردان (٢) عن الأبدان، أخذت السّمهريات (٣) بالأبصار كأنها اليقظة والسّهر، وحل السّهم من صميم القلوب محل الفكر والتذمّر، وأصبح السّيف البتّار محمول الأعناق بدل الرؤوس، وسلب جيش الإله بعظمة المليك لباس الوجود من قلب العدو بحملة واحدة] (٤)، فانطلق الصّراخ من أعماق الكفّار وقامت القيامة.
ثم إنهم شنّوا حملة واحدة على عساكر السلطان، فأمر القائد بأن يحكم الفرسان كافّة الإمساك بالعنان، فأحكم الجند الصّفوف إحكام جبل «ثهلان» وفقا لأمر البطل، حتى أخمدت ريح الفشل جيش ليفون. وعندئذ انطلقوا جميعا كالشّهب الرّاصدة للعفاريت وراء ذلك القبيل من عبدة الطّواغيت، فضاقت بهم الصّحراء على اتّساعها بسبب ضربات السّهام، وأخذ الفرسان يتعقّبونهم بخيولهم، فما من أحد وجدوه منهم إلّا أطاحوا به.
وفرّ ليفون إلى الجبل مع عدد من أولئك/ الظّلمة مطأطئا رأسه كالمتظلّمة.
أما جيش السلطان فقد عاد بفضل الباري من المعركة بالكثير من الغنائم والعديد
стр. 194
من أسرى الفرنج وكفّار تلك الدّيار، ووقف بحذاء القلعة. فلما شاهد أهلها تلك المحنة من عل استبدت بهم الحيرة وركبهم الاضطراب.
وأمر الأمير مبارز الدين بإقامة الحفل، فتغنّى المطربون بمقدّمة رائعة في زوال نوبة دولة الكفار، وشنّفوا الأسماع بشجاعة أبطال الحرب بأحلى نغم وأصدق قول.
وفي الصّباح نزل أحد القساوسة من القلعة وقد تخضّبت عيناه بالدماء، وقبّل الأرض أمام قائد جيش السلطان وقال: قد بقينا جميعا عاجزين عن العمل، ونثرنا نقد العمر في ريح الخيبة من تعب الحصار، لقد سعيت ورأسي بين كفّيّ إلى القائد، لأنظر ما هو صانع.
فقال الأمير مبارز الدين: لا ذنب لكم في الأمر، وإن كنتم تبغون صلاح أمركم فيتعيّن عليكم أن تتركوا السلاح وذخائر القلعة حيث هي، وتحملوا كل أمتعتكم الشّخصية وترتحلوا إلى حيث تريدون، ولتكونوا آمنين من ناحية الجيش.
فطلب القسّيس الحجّة على ذلك، فكتب في الحال كتاب الأمان. فأخلوا الحصن، ونصبت راية السلطنة على شرفات القلعة بالظّفر والبهاء.
وكتبت في الحال رسالة مشتملة على كسر الأعداء وخفض عيش سائر الجند، ورفع لواء السعادة، وضمّ تلك القلعة إلى سائر الممالك. وذكر الأمير فيها أنّ المعاقل والحصون في هذه المناطق كثيرة، والأمل أن يتيسر فتحها جملة،/ لكن لا بدّ من إرسال المعدّات والأسلحة.
وما إن انطلق الرسول، حتى وصل مبعوثو ليفون فجأة، وعبّروا عن الذلّ بألف ضراعة قائلين: إن كان السلطان يعاقب على قدر الجرم، فحسب هذا
стр. 195
المملوك المقترف للذّنب ما ناله من تنغيص وتوبيخ في هذا التاريخ. إنني ألتزم بأن أرسل كلّ سنة قصيرة عن طويلة ألف فارس وخمسمائة قوّاس، وأشرّف السّكة بألقاب السلطان الموفّق، وأضاعف الخراج.
فبعث ملك الأمراء رسولا بالرسالة إلى حضرة السلطنة. وقد بلغ ما فتحه من القلاع الأخرى بتلك الولاية حتى عودة الرسولين ثلاثين قلعة نصب على كلّ منها محافظا. ثم إنه أرسل رسالة أخرى إلى السلطان بأن الولايات قد اتّصل بعضها ببعض، ولم يبق فيها من حصن غريب.
وضرب السلطان صفحا عن جرائم ليفون، وأرسل عهدا، كما أنفذ أمرا مشتملا على إزجاء الشكر لمحامد ملك الأمراء وكمنينوس ومساعيهما. وأمر بأن يتمّ استيفاء أموال التجار بأسرها من الوجوه التي تيسّرت بفتح القلاع، وأن يتمّ تسليم القلاع والولاية للأمير قمر الدين، ويسمح للجند بالعودة إلى الأوطان، ويشخص ملك الأمراء وكمنينوس بمفردهما إلى الحضرة السلطانية لإبلاغ ما حدث مشافهة، وينالا أتمّ حظوة باللقاء الميمون للسّلطان.
***
стр. 196
ذكر فتح قلاع السّواحل على يد مبارز الدين أرتقش
يوم أن انطلق ملك الأمراء حسام الدين أمير چوبان ومبارز الدين جاولي إلى السّغداق وأرمينيا، إنصرف مبارز الدين أرتقش الأتابك (١) - وكان مملوكا للسلطان- نحو السّواحل/، فاستحوذ على أربعين قلعة مشهورة مثل «مافغا» و «اندوشنج» (٢) و «أنامور».
ورغم أن الفرنجة قد شحذوا في أوّل الأمر أسنان الخصام كالتّماسيح وأزمعوا الحرب، لكنّ تواتر الضّرب من قبل أهل الحرب على يوافيخهم حملهم على إرخاء عنان الانهزام مضطرّين، وسلّموا الحصون والقلاع، وركبوا السّفن في جنح الظّلام، وسلكوا طريق الأمصار.
فلما رأى سكّان القلاع أن بقاعهم قد خلت من الحامي والحارس والرّامح والتّارس اضطرّوا لطلب الأمان وسلّموا القلاع للمماليك.
وقد عرض الأمير مبارز الدين أخبار الفتوح وقال إن أمور السّواحل قد ضبطت وفق رأى المماليك ورغبتهم، فإن أذن لنا السلطان انطلقنا صوب جزر الفرنج.
فأمر السلطان بأن تؤدى أموال التجّار بالتّمام والكمال، وأن يسمح للجيش بالعودة إلى قاعدته- وأن يشخص مبارز الدين إلى الدّيوان حاملا معه كلّ جليل وحقير من المهمّات. ووفقا للأمر الأعلى [اتخذ ما كان ضروريا لتدبير الأمر، .. ثم عزم
стр. 197
على الارتحال للمثول في الحضرة السلطانية] (١) حيث قبّل اليد، ونال تلك السّعادة في قيصريّة المحروسة.
وكان فصل الخريف قد حلّ حين فرغ الأمراء جميعا من مهامّ الفتوحات وهرعوا إلى البلاط في قيصريّة، وكانت الأشجار قد تعوّدت على نثر الذهب بدلا من نثر الفضّة، واتجه السلطان إلى «أنطالية» فقضى الشتاء هناك في مرح وحبور.
…
стр. 198
ذكر وفود الملك علاء الدين داود شاه صاحب أرزنجان على حضرة السلطان ووصف أرزنجان ونواحيها
لما جلس الملك علاء الدين داود شاه بعد أبيه الملك فخر/ الدين بهرامشاه على سدّة الملك والقيادة، انقاد له ملك مدينة أرزنجان وولايتها التي تعد أفضل البقاع وأنزه الأماكن والرّباع، حيث يجري نهر الفرات دبرها، وهبّات نسيم صباها ملؤها البنفسج والورد البرّيّ. ومع أنه كان ذا نصيب وافر من كل أنواع العلوم، فإنه انشغل بارتكاب المناهي ومتابعة الملاهي والاستبداد بالرأي والاستماع لهذيانات قرناء السوء. ولم يكن يعير أذنا صاغية لنصائح كبار السّن والمشفقين أولي الرأي والتدبير. وعقد العزم على التّنكيل بأمراء مملكته وتصفيتهم، فقتل بعضهم وكبّل البعض الآخر، وآثرت طائفة الارتحال عن ديارها وأموالها حذر الموت، فأزمعت الجلاء مولّية وجهها شطر السلطان، فعرضوا عليه سوء أعمال الملك وقبح فعاله فأكرم السلطان وفادتهم.
وكتب رسالة خطّية للملك علاء الدين بوجوب إطلاق سراح الأمراء السّجناء وردّ ما قد أخذه منهم، فإن استرضاهم وعمل على تهدئة خواطرهم أرسل إلينا بذلك (١).
فاعتذر الملك بأنّ هؤلاء الجماعة سلكوا معي طريق الجفاء واللّامبالاة، ووافقوا خصومي، وحين تحققت من أمرهم عاملتهم بما يستحقّون، فبدأ رسول السلطان بتوجيه العتاب، حتى حمله بالوعد والوعيد على إطلاق سراحهم، وكفّ يده عن أموالهم وممتلكاتهم. وأعاد الرسول مقضيّ الوطر.
стр. 199
وحين وصل الأمراء الأسرى إلى أعتاب السلطنة حظوا بالمودّة الكاملة والعطف البالغ، وعيّن كل واحد منهم إقطاعات مشبعة مغنية باقتراح «كمال الدين كاميار».
ولمّا سمع الملك علاء الدين أن كبار رجال مملكته قد انتظموا في سلك مماليك دولة السلطنة، وأن التكبّر والغرور قد أخذ من أتباع أولئك الأمراء لذلك كل مأخذ فشرعوا في التحكّم في نّواب أرزنجان والإزراء بهم؛ بلغ به الضيق مبلغا من الحسد والغيرة لذلك فأعدّ- وهو في حالة من الحزن والألم والخوف- من أسباب السفر ما يليق بأبواب السلاطين وما تتم به استمالة خواطر الأكابر من التّحف والهدايا. وانطلق صوب بلاط السلطان، فلما لحق بحدود قيصريّة سارع ضيوف الشّرف الخاصّ لاستقباله، وحملوا إليه الكثير من الأنزال والأحمال.
وفي اليوم التالي خرج السلطان لاستقباله، وحين وقع نظر الملك على مظلّة السلطان، نزل من فوق الحصان، فتقدّم الأمراء بأمر من السلطان وأركبوه ثانية، فلمّا اقترب أراد أن ينزل مرّة أخرى فمنعه السلطان، وتشّرف الملك بتقبيل اليد، وهو على ظهر الحصان، فاحتضنه السلطان، وأخذ يسأله عن المشاقّ التي تكبّدها في الطّريق، فالتمس الأعذار بعبارة عذبة حلوة، وكان السلطان قد تجشّم الركوب متبادلا معه الحديث سائلا إّياه عما طرأ من أحوال.
ولما اقترب من المدينة لوى السلطان العنان صوب «كيقبادية» بينما ذهب هو مع الأمراء وضيوف الشّرف إلى النّزل الذي كانو قد حدّدوه سلفا. فنصبوا خيمة الملك التي كان قد أحضرها معه من «أرزنجان»، وهي ذات حبال حريريّة، وظلّت الموائد ممدودة بأنواع الأطعمة ثلاثة أيام. وفي اليوم الرّابع حمل الأمير «نجم الدين ولد الطّوسى» إلى الملك- بأمر السلطان- عشرة آلاف دينار وحزاما
стр. 200
مرصّعا وقلنسوة مغرقة بالجوهر وجبّة ملكيّة نسجت بخيوط الذّهب وحصانا عربيّا من جنائب الخاصّ، ورحب به.
وبعد ذلك أحضر ضيوف الشّرف السّندات/ لوكلاء نفقة الملك، فكانت:
سندا بألفي رأس من الغنم، وسندا بألفي حمل من القمح، وسندا بمائتي حمل من الحمر، وعشرين ألف درهم نقدا قيمة الحوائج من الشّمع والسّكر وغيره (١). فأزجى الملك الشّكر على النّعم الجزيلة لعاهل العرش والسيف وقضى ذلك اليوم مع أهله في سرور ورغد.
وفي اليوم التّالي لبس الخلعة السلطانية وركب حصانه، فلما وصل عند السلطان أعاد تقبيل اليد، قال السلطان: لعلّ الملك قد استراح من عناء الطريق، وهجع على فراش الراحة، فأثنى الملك علاء الدين على عاهل الزمان والمكان ثناء كثيرا، ثم تنزّها سويا في صحراء المشهد. وحين عطف السلطان العنان نحو الإيوان، أدى الملك الخدمة ثم ذهب إلى خيمته.
فلما انقضى نصف النهار قدم «نجم الدين ولد الطّوسي» من قبل السلطان بخلعة أعلى قيمة من الأولى، كما أحضر أمير الإسطبل خيولا عربيّة مزيّنة بطوق ولجام من الذهب، وأبلغا سلام السلطان، إذ أن الملك قد تكبد المشقة زمنا، (بيت):
- ما دمنا نشرب الخمر اليوم معا، فلنضرب عن الدنيا صفحا بإرادة من قلوبنا.
لبس الملك الخلعة وركب على مركب من مراكب الخاصّ، فلما بلغ
стр. 201
الإيوان وجاء نظره على السلطان وضع رأسه على الأرض فنهض السلطان وبالغ في إعزازه وتكريمه، وحين دارت الكؤوس بضع دورات أخذ الملك يثب من مكانه بسبب غرور الشباب والشعور بالسّعادة، وترك عنان الكلام في يد اللّسان الذي تنتج منه معظم آفات الروح، وأخذت تصدر عنه كلمات لا ينبغي أن تقال، وحركات لا يصحّ أن تفعل، وكان السلطان يكرمه بجر ذيل العفو على هفواته. وظلّ عشرة أيام يحضر كل يوم في الحفل الملكي الذي تستنير به الدّنيا.
وفي اليوم الحادي عشر أتى الأمير/ «نجم الدين» من قبل السلطان بخزانة يكفي ما بها نفقة ألف ملك، والتمس العذر.
وفي اليوم التالي كتبت على يد «سعد الدين كوبك» الترجمان معاهدة محكمة بخطّ السلطان الذي هو الجوهر المنثور (١)، جاء فيها: طالما أنّ داود شاه يحفظ عهدنا من صميم القلب، ولا يصادق خصومنا، ولا يرسل إلى كل دار من الديار من المكاتبات ما يدلّ على الشّحناء والبغضاء، فلابد أن يشهد من جانبنا المدد والتوفيق والجاه، أما إن باشر خلاف ما تم الاتفّاق عليه وما هو متوقّع منه فسوف يلقى من الجزاء ما يستحقّه. وأرسل المعاهدة إلى الملك وأمره بالانصراف قرير العين إلى عشّه وداره، فقدم في اليوم التالي لوداع السلطان، وتوجّه صوب مستقرّه، وظلّ السلطان مدّة في قيصريّة، ثم انطلق إلى السّاحل.
…
стр. 202
ذكر «قباد آباد» وأمر السلطان بإعمارها
حين طوى السلطان تلك المراحل على الصّافنات الجياد، واجتاز العاصمة، وصل إلى متنزّهات «أكريناس» فرأى موضعا لو أن «رضوان» بلغه لاختار مفارقة الجنان وعضّ بنان الحيرة (شعر)
- أرضها من الخضرة فيروزيّة الّلون، امتلأت- بما عليها من زهور الشّقائق- ببقع الدّم. … - في كلّ ركن عين لماء الورد، كأنها قطرات من النّور لاقطرات من الماء
- الجو معبّأ برائحة المسك والأرض مملوءة بالمناظر، يرتع الصّيد من كل نوع فيها بلا وجل. … - وهناك بحر أخضر ماؤه عذب كاللّبن، مملوء بموج كأنّه حرير الصين.
- وهناك عين جارية على طرف البحر يغدو كبير السن برؤيتها شابا.
فأصدر السلطان أمرا إلى سعد الدين كوبك- الذي كان أميرا للصّيد والتّعمير- بأن يبدأ ببناء عمارة تزري بجمالها ببيدر الفردوس، وتحطّم بإبداعها رونق السّدير والخورنق (١)، على أن يعلي بناءها. وخطّ السلطان وفق تصوّره واختياره رسما لتلك العمارة، وعيّن لكل موضع قصرا.
فأتم سعد الدين كوبك إنشاء ما يبعث على البهجة من مناظر جميلة، ويبثّ النشّاط في الرّوح من جواسق مريحة، عقدها المقوّس يسامت قبّة الفلك الأعلى،
стр. 203
قد غار وجه الفلك من ترابها الفيروزي واللّازوردي، فصار ذا لون أزرق مزعفر.
هي أكثر زينة من أرواح ذوي العفّة، وأعظم اتساعا وأعظم وأوفى متاعا من صحراء القناعة؛ وذلك في أقلّ مدّة وأقصر زمان وفقا للأمر النافذ.
ثم إنّ السلطان لوى عنانه بعد تزويقها وتنميقها صوب «أنطالية» و «علائية».
***
стр. 204
ذكر أسباب أطماع السلطان في انتزاع أرزنجان من قبضة تملّك علاء الدين داود شاه
حين انطلق ملك أرزنجان منصرفا من خدمة السلطان ولحق ببلاده حمله بطر/ الشباب على أن يرسل رسالة إلى الملك ركن الدين جهانشاه ابن مغيث الدين ابن قلج أرسلان صاحب «أرزن الروم» قال فيها: رغم أنّي نلت في هذه المرّة من حضرة السلطان الكثير من الذّهب وطلاوة القول (١)، فإني لا آمن من قبل أمرائي المقيمين هناك، والمتيقّن أنهم لابد أن يحرّضوه على طردي من هذه المملكة، فإذا ما تيّسر له ذلك فلن يبقي عليك أو يحابيك، رغم كونه ابن عمّك أيهّا الملك، وسوف أفرّق حقائب الخيل والخزائن خفية بين جموع الجند، وأصرف همّتي هذا الشّتاء كلّه على ذلك. فإن كنت حريصا على الإبقاء على رأسك وملكك، فأظهر الوفاق معي في هذه القضية، وابذل ما في وسعك من عمل.
وكانت عنده مطربة تضرب على العود، هي فريدة دهرها ووحيدة عصرها في الجمال، وخفّة اليد، والدّعابة، والغناء وحسن الألحان، وروعة الصّوت، ودقّة الأداء. فبعث بها مع الكثير من الهدايا إلى الملك الأشرف. وكان فحوى رسالته إليه: أنني أجعل قلعة «كماخ» فداء لأتباعك ومما ليكك كي تسلمني بدلا منها في بلادك موضعا خصيبا (٢) أقضي به ما بقي لي من عمر- قلّ أو كثر ممّا لا علم لآدمي به- وأنا فارغ البال آمن.
كما بعث برسالة بنفس المعنى مع الكثير من الهدايا إلى السلطان الغازي
стр. 205
جلال الدين خوارزمشاه (١). وأرسل مكتوبا إلى علاء الدين «نو مسلمان» (٢) يقول فيه: إنهم لو اغتالوا السلطان وبعثوا روحه الطاهرة إلى عليين، فإنه سيسلّمهم قلعة «كماخ» بما تشتمل عليه من ذخائر، وسيجعل من «أرزنجان» - وهي مستقرّ دولة آبائهم من قديم- مركزا لدعوتهم [الإسماعيليّة].
فلما بلغت هذه/ المعاني سمع السلطان أغرق في الضحك وقال: لقد اختلط عقل هذا المسكين وانقلب به عرشه، (بيت):
- لأن أمره لم يتيسّر بالذّهب، … فإنّني أمتشق له سيفي البّراق
وحين وضع ماشطو الغيب لعروس الرّبيع المسك في الأكمام والورد في الجيوب، اعتزم السلطان على الرّحيل من السّاحل متوجّها إلى منطقة «قباد آباد» وظلّ هناك شهرا، وعزم من ثمّ على التوجّه إلى «قيصريّة» دون إبطاء.
وقد نهض «الملك الأشرف» بفعل تحايل المطربة وخداعها، وأرسل
стр. 206
«الحاجب» لمدد الملك [علاء الدين]، فجاء وأقام بأرزنجان مدّة، ثم عاد خائبا.
ولقد حال آمراؤه الكبار بينه وبين إظهار الآراء الفاسدة إعلان البضاعة الكاسدة، وقالوا إن الصواب أن نحمل أبناء الملك إلى السلطان رهينة ونلتمس الأعذار عن تلك الأفعال، ونرفض بعضها بالإنكار والجحود، فاستحسن الملك ذلك، وأرسل الأبناء في صحبتهم إلى حضرة السلطان.
وكان السلطان قد سمع من قبل بتلك الأمور، فأمر أمراء السلطنة بالتوجه كلّ واحد على حدة بالجيش الذي يتولّى كل منهم قيادته إلى حدود «أرزنجان» و «كماخ»، حتّى تجمع فجأة في تلك المناطق من العساكر المنصورة حشد هائل، وأغلقوا طريق القلاع كي لا يلجأ علاء الدين فجأة إلى قلعة منها فيطول الأمر. ووفقا للأمر الأعلى تجمّع على باب كل حصن جيش هائل.
وحين ارتدّ الملك خائبا من كل النواحي أخذ يبحث عن وسيلة يذهب بها/ إلى حضرة السلطان. وفجأة أبلغ بأن موكب السلطان قد اجتاز تخوم «سيواس» بجنود لا حصر لها، ولحق بحدود أرزنجان، فجاء للاستقبال مضطرا دون إعداد هديّة أو تقدمة مع عدد من خواصّه، والتقى في الطّريق بالأمراء الكبار، فسارع الأمراء إليه وتعانقوا، وأبدوا أبلغ التّعاطف، وأرسلوه إلى حضرة السلطان في صحبة الصّاحب ضياء الدين.
لم يذكر السلطان شيئا قطّ مما كان قد نقل إليه عنه، بل توددّ إليه، وأنعم عليه فأقطعه «آقشهر قونية» مع «آبكرم»، وبعث به في صحبة غلمانه وقادة جيشه القدماء إلى «آقشهر».
كان الملك «علاء الدين داود شاه» قد ازدان بأنواع العلوم سيّما النّجوم، وكان يتقن أجزاء المنطق والطّبيعي والإلهي إتقانا كاملا، كما كان يتمتع بنصيب وافر من الرياضي. وكان ينظم شعرا كالماء الزّلال بل كالسّحر الحلال. وفي
стр. 207
تلك الأيّام أرسل هذا الرباعي لحضرة السلطان:
أيها المليك، إنّ قلب أعدائك قد أوجعه الألم، ووجه الخصم قد اصفرّ خوفا منك
والحقّ أنه برغم ما أعانيه من غصص وآلام
فحسبي أن يكون لي في ملكك «آب كرم» (أي ماء حار) وخبز بارد
غير أنّه بدد ذلك الملك القديم بشؤم القرناء الأشرار، والنّدماء المفسدين والجلساء الجاهلين.
لنعد إلى ما كنّا فيه. وفي اليوم التّالي دخل السلطان المدينة بعون الله، فلمّا استخلص ممالك «أرزنجان» أعطاها للملك «غياث الدين كيخسرو» جدّ سلاطين الوقت، وصرف مبارز الدين أرتقش لكي يكون أتابكا له، وخصّص لهم الكثير من الخزائن وما لا حصر له من الجند ولما كان قد علق بالخاطر الشّريف للسلطان غبار من جهة «الملك الكامل» وأولاد/ «العادل» [كانت همّتة منصرفة دائما نحو غزو الشام للمبادرة باجتثاث جذور أبناء «صلاح الدين» و «العادل» و «شيركوه». فلما منح أرزنجان للملك غياث الدين] (١) فوّض ولاية العهد للملك «عزّ الدين» (٢) حفيد الملك العادل، وحمل الأمير على الحلف بذلك.
كما فوّض ولاية الشام إلى الملك «ركن الدين»، وكان أيضا من [أبناء] الملكة «العادلية» (٣). وقد ارتجل «نظام الدين أحمد
стр. 208
الأرزنجانى» (١) في ذلك الوقت هذا الرّباعي:
قد أضأت صبحا من أجل «الشام» (٢) … حين جدّدت رسوم الإسكندر
وجعلت الشّمس راية للملك … وقننت (٣) قوانين السلطنة
وحين فرغ السلطان من مهمات أرزنجان واتخذ الاحتياطات اللازمة للقلاع، أمر الجيش بأن يهاجم «أرزروم» و «وكوغونية»، «حتى يرى أي طريق يسلكه معنا الملك ركن الدين جهانشاه والملك مظفّر الدين محمد».
ولما علم الملك «ركن الدين» بورود العساكر تقدّم بقدم التّواضع والتّذلل وسيّر الكثير من التحف لخدمة الجيش، وأرسل أميرا من أمرائه مع كنز رائع إلى حضرة السلطان، وأعطاه رسالة مضمونها: ما أنا إلا مملوك مسكين، فإن كان الأرزنجاني الجاني قد تمرّد، فقد نال جزاءه. أنا مملوك طالما كنت حيّا، أقود حصان الإخلاص مسرعا في طريق الولاء للسلطان، والمأمول أن تتلى في شأني الآية الشريفة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٤) وألّا يوجّه السلطان عتابا لي- أنا المملوك البريء- على ذنب «داود شاه».
стр. 209
فلما وصل الرّسول لحضرة السلطان، وعرض المشافهات والتّحف/ شمله السلطان بعنايته لفرط كرمه، وقرّر له أرزن الروم وفقا لملتمسه، وأصدر أمرا بأن يكف الجيش عن النهب والغارة في ولايته.
ذكر فتح «كوغونية» واستنزال الملك مظفّر الدين
أصدر السلطان أمرا بأن ينطلق «الأتابك أرتقش» بجيش حاشد لمحاصرة «كوغونية» ويستحوذ عليها بالصّلح أو بالحرب. ومن إن وصل «الأتابك أرتقش» في أول يوم حتى انخرطوا في حرب هائلة، وقتل عدد كبير من الناس من الدّاخل والخارج، ورغم ما كان لدى الملك من ذخائر ومصانع تزوّده ببحار جارية من الماء، فإنّه خشي من انقسام أهل القلعة، وفكّر في وخامة العاقبة، وأرسل رسولا إلى الأتابك لكي يشفع له عند السلطان، كي يمنحه إقطاعا في الممالك المحروسة بدلا من القلعة، فبعث الأتابك الرسل إلى الحضرة السلطانية في هذا الشّأن فاستبشر السلطان بهذه البشرى، واستدلّ بها على بعد غور الملك وكفاءته، وأنعم عليه- على سبيل التملّك- ب «رمّان» و «نهر كالي» - في حدود الشام- و «أربسوي» التي كانت منشأ أصحاب الكهف ومقام «دقيانوس» (١). كما فوّض إليه «قيرشهر» المحروسة كإقطاع معاف ومسلّم، وكتب بذلك كلّه ميثاقا ومعاهدة وأرسلها إليه هو وأولاده الثّلاثة: فخر الدين سليمان، وعز الدين سياوش، وناصر الدين بهرامشاه، مع خلع نفيسة في صحبة الرّسول.
ولمّا رأى مظفر الدين المواثيق والمعاهدة استبشر وشعر بالتّمكين، وأخلى القلعة، وانطلق هانئ البال إلى «قيرشهر» المحروسة وأمضى/ الأيام حتى آخر العمر في دعة وراحة، لدرجة أن السلطان «غياث الدين كيخسرو» (٢) رغب في خطبة كريمة من بناته، فرفض، وقال: إن السلطان [غياث الدين] قد شغل
стр. 210
بالتهتّك والخرف، ولا يصلح أن يكون صهرا لأسرتنا. وبسبب هيبته وحرمة مكانه لم يتلقّ عقابا من جانب السلطان بل إنّهم اعتذروا له. وانتقلت كريمته المعصومة إلى الحرم الجليل للسلطنة بحكم الشّرع. وكان أبناؤه من بعده ينظر إليهم بعين التعظيم والإجلال من قبل سلاطين الرّوم.
ذكر إرسال السلطان غياث الدين ليتولّى ملك أرزنجان
حين فرغ من فتوح القلاع لوى عنان الفتح نحو «سيواس» المحروسة، وأمر «مبارز الدين أرتقش» أن ينهض بإعداد عدّة الملك لغياث الدين كيخسرو، فدخل الخزانة بتصويب «نجم الدين الطوسي» وأعدّ وهيّأ من العدّة ما لو بعث «بهمن» و «شابور» (١) لرؤيتها لعضّ كلاهما أصابع الدّهشة والخجل. فلمّا أعدّت الأدوات وتم تنظيمها، توجّه [أرتقش] إلى تلك الحدود بالطّالع والسّعيد، يصحبه من الجند ما لا يدخل حدّ الحصر، وحين بلغوها تجشّم الملك مشقّة الخروج للاستقبال، ثم جلس على عرش التّوفيق، ومدّ بساط العدل والمرحمة، وخصّ الكافّة بالعطف.
ولما بلغ السلطان خبر حدبه على الرعيّة تضاعفت العوامل الباعثة على مساندته عنده.
وبعد أن لحق غياث الدين بأرزنجان، أقام السلطان مدة قليلة لاستقبال الرّسل القادمين من أطراف العالم، ثم عزم على التوجّه إلى «قباد آباد» و «أنطالية» و «علائية» وظلّ هناك من أوائل الرّبيع حتى شهر «نيسان».
стр. 211
ذكر وصول قاضي القضاة محيي الدين طاهر ابن عمر الخوارزمي برسالة من قبل السلطان جلال الدين خوارزمشاه
حين انهزم السلطان الشّهيد جلال الدين بن علاء الدين محمد تكش في حدود الهند من جيش المغول، ووقع في نهر السّند المتلاطم موجه، ثم نجا من تلك الورطة، قام «وفاملك» - وكان في أوّل أمره من أوباش الفتيان في تلك النواحي- بالعناية بأمر السلطان بما قدّمه من خدمات حازت الرّضا والقبول، فلقّب لذلك بملك الوفاء، وفوّض إليه حكم تلك الدّيار. ووصل السلطان إلى مدينة مراغة بشراذم متفرّقة من الجند كانت قد لحقت به بعد أن تمزّق جيشه في تلك المعركة.
وقد أرسل قاضي القضاة محيي الدين- وكان من فحول أئمّة خوارزم يشار إليه بالبنان في علم الكلام، ومتفّق عليه في سائر العلوم- لافتتاح سبل المودة مع السلطان «علاء الدين كيقباد»، وكان هذا الأمر من أهمّ المهمّات عنده، فأرسله إلى حضرة السّلطان بهذا المكتوب، وهو من منشآت «شهاب الدين كوسوي»:
إمداد السّلام، وإيراد التحيّة، ووظائف الثّناء، ورواتب المدح التي تدفع إلى مشامّ القلب بنسيم العقيدة الصّافية والطويّة النّقية، وترسّخ قاعدة الوداد ومباني الاتّحاد؛ كلّما توجّهت نحو المجلس السامى للسّلطان المعظّم الذي عهده كعهد جمشيد (١) وهو ذو القرنين هذا الزّمان، علاء الدين وقطب الإسلام
стр. 212
والمسلمين، فلك المعالي شمس الأعالي، ظل الله في العالمين، افتخار آل سلجوق ملك الملوك والسلاطين، برهان أمير المؤمنين، دام ساميا وبحمى الملوك حاميا، استبدّت بي الرّغبة في إحراز سعادة الاجتماع، ونازعتني نفسي إلى إدراك كرامة اللّقاء، وهو رهن بمواتاة الحظّ ومساعدة الزّمان على النّحو الذي لا يمكن تقريره بالكتابة مهما كان القلم حادّا وسيّالا/: «الخطّ ما يغني بما لا ينفذ».
ولئن كان تعبير الزّمان وتقلّب الأدوار قد سدّ من قبل هذا باب المكاتبة والمراسلة الذي يسلو به الأصدقاء وقت الهجر والفراق، فمن الآن فصاعدا يجب بذل ما في الوسع لرفع حجاب المغايرة والغربة، وفتح باب المودّة، والاتّحاد، فيتّخذ الجانبان شعارا من قول القائل:
«تمسّك إن ظفرت بودّ حرّ … فإن الحرّ في الدنيا قليل»
إذ المشاركة في مشايعة سنّة الجهاد والمحاربة أمر ثابت بحمد الله ومنّه، والمساهمة في توفيق الدّين والملّة أمر حاصل: «وأولى الناس بودّك وخلّتك من وافقك في دينك وملّتك».
فمن جهة سلاطين المغرب فإن ذلك المجلس السامي، دام ساميا، واسطة سدّ الثغور، وقمع أهل الكفر والفجور. ومن جهة ديار المشرق، فنحن نعمل بدورنا لإطفاء نار فتن الكفّار بالسّيف البتّار، إذن- ومع وجود العديد من القرائن من نفس الجنس- لو لم نفتح طريق المباسطة ونصبح متشاركين متشابكين في جذب المنافع ودفع المضار:
«فأي النّاس نجعله صديقا … وأي الأرض نسلكه ارتيادا»
стр. 213
هذه الرسالة يتم تحريرها من مدينة «مراغة» - عمّرها الله. وهي في هذه الساعة مركز لراياتنا (١)، حفّت بالميامن والنّصر والظّفر، وذلك في أواخر جمادى الآخرة، جعله الله غرّة للتوفيق وصبحا للسعادة على المجلس العالي.
وبحمد الله ومنّه، وبيمن همة دولّة المجلس السّامي- دام ساميا- وتأييده فإنّ أحوال دولتنا وأعمال مملكتنا تستوجب مائة ألف حمد. فلقد اجتمعت كل أسباب التّوفيق وعدّة العمران من اجتماع الكلمة وإجماع الأمّة ووحدة الصفّ ومطاوعة أكابر الملوك ومشايعة الأسر الكبيرة/ وضبط الملك الموروث والمكتسب دفعة واحدة باسم الله تعالى. ولقد دخلت- في مدة غيبة راياتنا السلطانية عن هذه الممالك- مملكة طويلة عريضة من ديار الهند في حوزة عمّالنا، واستقرّت همتّنا كلّها وانعقد عزمنا برّمته على الانتقام من أعداء الدين، وشفاء قلوب أهل الإسلام.
وما من شك في أنّ المجلس السّامي- دام ساميا- قد بلغ به الابتهاج والسعادة كلّ مبلغ لما اتصف به حال ملكنا ودولتنا من رونق وازدهار؛ حيث تستمر استنامة الرعيّة واستقامة العمّال. وإن كلّ سعادة تحصل لمجلسكم نحسب أنفسنا ذوي سهم ونصيب فيها.
والآن، وقد وجّهنا إلى حضرتكم الصّدر المعظّم العالم المجتهد قوام الملك مجير الملّة والحقّ والدّين، شرف الإسلام والمسلمين، علّامة الزمان باقعة العصر، افتخار خوارزم وخراسان، ملك النّواب، قاضي القضاة في الممالك، أبا الملوك والسلاطين طاهر- أدام الله تمهيده وحرس تأييده، فهو واسطة عقد الأكابر،
стр. 214
وخلاصة زمرة المفاخر، ومن قدماء أعيان الحضرة وبقايا أركان الدولة- قرنت بالخلود بمزيد التّقريب ومزيّة التّرحيب المخصوص، وهو في معظّمات الأمور مشار إليه ومتّفق عليه،
وسوف يفصح شفاهة برسائل تفتح الطّريق وتزيل عن مرآة القلب غبار الغربة والمغايرة، ويذكر عيار معاركنا التي يعرفها حقّ المعرفة، مما يوجب رفع حجاب المباينة والغربة وفتح باب الموافقة والوحدة حتى يكون تردّد الرّسل واختلاف المبعوثين والسفراء من الآن فصاعدا أمرا متواترا.
وينبغي أن يصغي المجلس السّامي لكلامه- الذي كثيرا ما مرّ على مسامع الملوك والسلاطين- بسمع الرضا، وليعتبر كلّ قوله ورسائله مرسلا منّا، وأن يعتبر ما يعرضه من ملتمسات ويرفعه من مقترحات الكمّ والكيف لمصافّنا صادرا عن خلوص/ النيّة وصفاء الطويّة، [والحمد لله رب العالمين] (١).
فبالغ السلطان في إكرامه، فكانا يركبان سويا وقت النّزهة، ورفع السلطان التكلّف وحجاب الأجنبية بينهما. واستقر رأيه على خطبة إحدى الأميرات من بنات السلطان جلال الدين- وقد ولدت له من أخت الأتابك «أبي بكر ابن سعد»، صاحب شيراز- للملك «غياث الدين كيخسرو»، فيجعلان بينهما قرابة ومصاهرة.
وأرسل في الجواب هذه الرسالة من إنشاء «مجد الدين الطّغرائي الأسد آبادي»:
حيث إن الله ﵎ قد جعل انتظام مفاخر الجواهر واجتماع غرائب
стр. 215
المناقب في الذّات الشّريفة وطينة المجلس العالي للسّلطان المعظّم الإمبراطور الأعظم عاهل بني آدم الإسكندر الثّاني، صاحب قران العالم، جلال الدنّيا والدّين، علاء الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، مظهر الحقّ بالبراهين، ملك الملوك والسلاطين أدام تضاعف جلاله ولقّاه في الدّارين نهاية آماله، وصرف عين الكمال عن كماله بمحمد وآله،
فقد تجلّت- بحمد الله- براهين اللّطف العميم والكرم الجسيم كأصدق ما يكون
و «ليس من الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد»
وهكذا أراد أن تكون المبادرة باستمالة الآراء (١)، والافتتاح باستعطاف الأهواء- وهو رأس مال الملك وأساس التّوفيق- من جانب حضرتكم لكي يصبح التيسير قرينا لأقسام التعطف والتوّدد وأنواع التلطّف والتعطّف لذلك الجناب الكريم، بل جنّات النعيم: «أبى الفضل إلا أن يكون لأهله».
ومن ثمّ أمر بافتتاح المكاتبة مع هذا المخلص، وأحرز قصب السّبق في رعاية قواعد الوداد، «غير مدفوع عن السبق العراب». فلما وصل خطاب العظيم، الذي يبعث على المباهاة والافتخار، اضطرم الشّوق/ الذي كان كامنّا في الجوانح ومتمكّنا في الصّدر فبلغت ألسنة نار الالتياع الثريّا:
وأبرح ما يكون ألوف يوما … إذا دنت الخيام من الخيام»
علم الله أنه منذ أن تواترت الأخبار بحركة الرّايات المنصورة للانتقام من