← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذكر وصول قاضي القضاة محيي الدين طاهر ابن عمر الخوارزمي برسالة من قبل السلطان جلال الدين خوارزمشاه حين انهزم السلطان الشّهيد جلال الدين بن علاء الدين محمد تكش في حدود الهند من جيش المغول، ووقع في نهر السّند المتلاطم موجه، ثم نجا من تلك الورطة، قام «وفاملك» - وكان في أوّل أمره من أوباش الفتيان في تلك النواحي- بالعناية بأمر السلطان بما قدّمه من خدمات حازت الرّضا والقبول، فلقّب لذلك بملك الوفاء، وفوّض إليه حكم تلك الدّيار. ووصل السلطان إلى مدينة مراغة بشراذم متفرّقة من الجند كانت قد لحقت به بعد أن تمزّق جيشه في تلك المعركة. وقد أرسل قاضي القضاة محيي الدين- وكان من فحول أئمّة خوارزم يشار إليه بالبنان في علم الكلام، ومتفّق عليه في سائر العلوم- لافتتاح سبل المودة مع السلطان «علاء الدين كيقباد»، وكان هذا الأمر من أهمّ المهمّات عنده، فأرسله إلى حضرة السّلطان بهذا المكتوب، وهو من منشآت «شهاب الدين كوسوي»: إمداد السّلام، وإيراد التحيّة، ووظائف الثّناء، ورواتب المدح التي تدفع إلى مشامّ القلب بنسيم العقيدة الصّافية والطويّة النّقية، وترسّخ قاعدة الوداد ومباني الاتّحاد؛ كلّما توجّهت نحو المجلس السامى للسّلطان المعظّم الذي عهده كعهد جمشيد (١) وهو ذو القرنين هذا الزّمان، علاء الدين وقطب الإسلام

стр. 212

والمسلمين، فلك المعالي شمس الأعالي، ظل الله في العالمين، افتخار آل سلجوق ملك الملوك والسلاطين، برهان أمير المؤمنين، دام ساميا وبحمى الملوك حاميا، استبدّت بي الرّغبة في إحراز سعادة الاجتماع، ونازعتني نفسي إلى إدراك كرامة اللّقاء، وهو رهن بمواتاة الحظّ ومساعدة الزّمان على النّحو الذي لا يمكن تقريره بالكتابة مهما كان القلم حادّا وسيّالا/: «الخطّ ما يغني بما لا ينفذ». ولئن كان تعبير الزّمان وتقلّب الأدوار قد سدّ من قبل هذا باب المكاتبة والمراسلة الذي يسلو به الأصدقاء وقت الهجر والفراق، فمن الآن فصاعدا يجب بذل ما في الوسع لرفع حجاب المغايرة والغربة، وفتح باب المودّة، والاتّحاد، فيتّخذ الجانبان شعارا من قول القائل: «تمسّك إن ظفرت بودّ حرّ … فإن الحرّ في الدنيا قليل» إذ المشاركة في مشايعة سنّة الجهاد والمحاربة أمر ثابت بحمد الله ومنّه، والمساهمة في توفيق الدّين والملّة أمر حاصل: «وأولى الناس بودّك وخلّتك من وافقك في دينك وملّتك». فمن جهة سلاطين المغرب فإن ذلك المجلس السامي، دام ساميا، واسطة سدّ الثغور، وقمع أهل الكفر والفجور. ومن جهة ديار المشرق، فنحن نعمل بدورنا لإطفاء نار فتن الكفّار بالسّيف البتّار، إذن- ومع وجود العديد من القرائن من نفس الجنس- لو لم نفتح طريق المباسطة ونصبح متشاركين متشابكين في جذب المنافع ودفع المضار: «فأي النّاس نجعله صديقا … وأي الأرض نسلكه ارتيادا»

стр. 213

هذه الرسالة يتم تحريرها من مدينة «مراغة» - عمّرها الله. وهي في هذه الساعة مركز لراياتنا (١)، حفّت بالميامن والنّصر والظّفر، وذلك في أواخر جمادى الآخرة، جعله الله غرّة للتوفيق وصبحا للسعادة على المجلس العالي. وبحمد الله ومنّه، وبيمن همة دولّة المجلس السّامي- دام ساميا- وتأييده فإنّ أحوال دولتنا وأعمال مملكتنا تستوجب مائة ألف حمد. فلقد اجتمعت كل أسباب التّوفيق وعدّة العمران من اجتماع الكلمة وإجماع الأمّة ووحدة الصفّ ومطاوعة أكابر الملوك ومشايعة الأسر الكبيرة/ وضبط الملك الموروث والمكتسب دفعة واحدة باسم الله تعالى. ولقد دخلت- في مدة غيبة راياتنا السلطانية عن هذه الممالك- مملكة طويلة عريضة من ديار الهند في حوزة عمّالنا، واستقرّت همتّنا كلّها وانعقد عزمنا برّمته على الانتقام من أعداء الدين، وشفاء قلوب أهل الإسلام. وما من شك في أنّ المجلس السّامي- دام ساميا- قد بلغ به الابتهاج والسعادة كلّ مبلغ لما اتصف به حال ملكنا ودولتنا من رونق وازدهار؛ حيث تستمر استنامة الرعيّة واستقامة العمّال. وإن كلّ سعادة تحصل لمجلسكم نحسب أنفسنا ذوي سهم ونصيب فيها. والآن، وقد وجّهنا إلى حضرتكم الصّدر المعظّم العالم المجتهد قوام الملك مجير الملّة والحقّ والدّين، شرف الإسلام والمسلمين، علّامة الزمان باقعة العصر، افتخار خوارزم وخراسان، ملك النّواب، قاضي القضاة في الممالك، أبا الملوك والسلاطين طاهر- أدام الله تمهيده وحرس تأييده، فهو واسطة عقد الأكابر،

стр. 214

وخلاصة زمرة المفاخر، ومن قدماء أعيان الحضرة وبقايا أركان الدولة- قرنت بالخلود بمزيد التّقريب ومزيّة التّرحيب المخصوص، وهو في معظّمات الأمور مشار إليه ومتّفق عليه، وسوف يفصح شفاهة برسائل تفتح الطّريق وتزيل عن مرآة القلب غبار الغربة والمغايرة، ويذكر عيار معاركنا التي يعرفها حقّ المعرفة، مما يوجب رفع حجاب المباينة والغربة وفتح باب الموافقة والوحدة حتى يكون تردّد الرّسل واختلاف المبعوثين والسفراء من الآن فصاعدا أمرا متواترا. وينبغي أن يصغي المجلس السّامي لكلامه- الذي كثيرا ما مرّ على مسامع الملوك والسلاطين- بسمع الرضا، وليعتبر كلّ قوله ورسائله مرسلا منّا، وأن يعتبر ما يعرضه من ملتمسات ويرفعه من مقترحات الكمّ والكيف لمصافّنا صادرا عن خلوص/ النيّة وصفاء الطويّة، [والحمد لله رب العالمين] (١). فبالغ السلطان في إكرامه، فكانا يركبان سويا وقت النّزهة، ورفع السلطان التكلّف وحجاب الأجنبية بينهما. واستقر رأيه على خطبة إحدى الأميرات من بنات السلطان جلال الدين- وقد ولدت له من أخت الأتابك «أبي بكر ابن سعد»، صاحب شيراز- للملك «غياث الدين كيخسرو»، فيجعلان بينهما قرابة ومصاهرة. وأرسل في الجواب هذه الرسالة من إنشاء «مجد الدين الطّغرائي الأسد آبادي»: حيث إن الله ﵎ قد جعل انتظام مفاخر الجواهر واجتماع غرائب

стр. 215

المناقب في الذّات الشّريفة وطينة المجلس العالي للسّلطان المعظّم الإمبراطور الأعظم عاهل بني آدم الإسكندر الثّاني، صاحب قران العالم، جلال الدنّيا والدّين، علاء الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، مظهر الحقّ بالبراهين، ملك الملوك والسلاطين أدام تضاعف جلاله ولقّاه في الدّارين نهاية آماله، وصرف عين الكمال عن كماله بمحمد وآله، فقد تجلّت- بحمد الله- براهين اللّطف العميم والكرم الجسيم كأصدق ما يكون و «ليس من الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد» وهكذا أراد أن تكون المبادرة باستمالة الآراء (١)، والافتتاح باستعطاف الأهواء- وهو رأس مال الملك وأساس التّوفيق- من جانب حضرتكم لكي يصبح التيسير قرينا لأقسام التعطف والتوّدد وأنواع التلطّف والتعطّف لذلك الجناب الكريم، بل جنّات النعيم: «أبى الفضل إلا أن يكون لأهله». ومن ثمّ أمر بافتتاح المكاتبة مع هذا المخلص، وأحرز قصب السّبق في رعاية قواعد الوداد، «غير مدفوع عن السبق العراب». فلما وصل خطاب العظيم، الذي يبعث على المباهاة والافتخار، اضطرم الشّوق/ الذي كان كامنّا في الجوانح ومتمكّنا في الصّدر فبلغت ألسنة نار الالتياع الثريّا: وأبرح ما يكون ألوف يوما … إذا دنت الخيام من الخيام» علم الله أنه منذ أن تواترت الأخبار بحركة الرّايات المنصورة للانتقام من

стр. 216

الكفّار الملاعين، وشفاء صدور أهل الدين، سيّما الآن وقد لقيت بشائر علوّ الهمة، وفيض إمداد التوفيق سندا من مضاء عزيمة المجلس العالي للسلطان المعظم، فأخذت تزداد أمنية المباسطة في حضرته لحظة بلحظة، وتنشط الرغبة في المجازفة بمكاتبته. لكن لا يخفى عن الحضرة أنّ لهذا المخلص جهادا في الأركان الأربعة (للمعمورة) باستمرار رحلة الشّتاء والصّيف تحت ظلال السّيف. وهو نفس المعنى الذي تفضل به المجلس العالي في الخطاب الشريف حيث أشار إلى اقتران الجنس، وفيه كفاية للتمهيد للاعتذار. والأمر الثاني أنّ الله- أكرم تلك الحضرة بكرامة الافتتاح ومزية الابتداء فأراد لهذه اللّطائف أن تكون من نصيبه، ولم يكن من الجائز العمل بعكس ما قضت به الأقدار. أما وقد سمح بالمباسطة فسوف يزداد ملل الحضرة من تواتر المكاتبات. لقد وصل الجانب المحروس الصّدر الكبير للعالم مجير الدّولة والدّين، ظهير الإسلام والمسلمين، وبحر الملوك والسّلاطين، سنا الدّولة القاهرة، ضياء الأمّة الباهر، مجتبى الخلافة المعظّمة، ملك ملوك النّواب، قدوة الأكابر والصّدور، نعمان الزّمان، صدر صدور «خوارزم» و «خراسان»، وافتخار الدّنيا الطّاهر، أدام الله تمكينه، وجعل اليقين قرينه؛ فأبلغ بالمشافهات الشريفة، فهبّت بمطالعة ألطافه العميقة تلك تباشير خلوص العقيدة، وفي الأيّام/ القليلة التي قضاها هنا سلب القلوب بذكر المعالي السلطانيّة، وزاد من تمكّن الأرواح بتلك المكارم الملكيّة، وردّا عليه نال القائد «صلاح الدين» سعادة المثول في خدمتكم. والثّقة أكيدة في أنّه حين يتشرّف بالمثول في خدمة تلك الحضرة العظيمة سيلقى ما يقوله ويبديه بالجملة تعويلها، ولتحسبوه

стр. 217

قول هذا المخلص، فتدعموا بذلك قاعدة المودّة التي أرسيتموها بتواتر المخاطبات وتعاقب المكاتبات: شعر لو كان فيما يراه من كرم … فيه مزيد فزادك الله وذلك طالما استمرّ هذا المخلص على جادّة الخدمة، يسلك طريق التّقارب. والسلام. ولمّا وصل القاضي مجير الدّين إلى سيواس، عرض له مرض مهلك، فودّع الدّنيا وهو يعاني من الألم، فرافق صلاح الدّين التّحف والهدايا، ووصل إلى منطقة «أخلاط» في الوقت الذي كان السلطان مشغولا فيه بمحاصرتها. ذكر وصول رسل السلطان جلال الدين للمرّة الثانية اختار السلطان جلال الدين للردّ على [زيارة] صلاح الدين كلّا من الملك جمال الدين فرّخ الطشتدار (١) - وكان من المقرّبين لأبيه- وجمال الدين السّاوجي، ونجم الدين أبي بكر الجامي، وبعثهم بهدايا توفّرت له في ذلك الوقت وكانت موجودة في الخزانة، والاصطبل، وجعل برفقتهم اثنين من كبار الأمراء الخوارزميين، وزوّدهم بالوصايا البليغة في تعظيم منزلة السلطان وتوقير مكانته.

стр. 218

وعندما بلغوا حدود الرّوم كان السلطان في «علائيّة». ووفقا للأمر عبر بهم المرشدون من تلك الممّرات الوعرة في الجبال والمضايق، مما لا يجول بخاطر العقاب في الأحلام عبوره لما به من أهوال ومخاوف. وأبلغ السلطان بنبأ قدومهم. فأمر بأن ينهض/ الأمراء الكبار لاستقبالهم بجنائب الخاصّ، وأن ينزلوهم بموضع نزه ذي بهجة، فظلّوا خمسة أيام بين الأنهار والكؤوس والمراعي لنفض غبار السّفر وإزالة وعثاء الخطر وعناء التّرحال. وفي اليوم السّادس حين خرج السلطان- الذي علا اسمه فسامت الشمس بالقبّة الزرقاء- أمر بأن يتوجّه «كمال الدين كاميار» و «ظهير الدين التّرجمان» للوفاء باحتياجاتهم، وتقديم الاحترام لهم، [وأن يسألوهم عن المتاعب التي قد شاهدوها في الطّريق والتّقصير الذي أبداه المضيفون] (١) ويدعونهم للمثول بين يدي السلطان. وحين بلغوا الأعتاب الملكيّة استولت عليهم الدّهشة وتملّكتهم الحيرة- برغم ما كان فيهم من غرور وعجب- فقبّلوا الأرض دونما اختيار منهم. فتفضّل وقام نصف قيام إكراما لهم، فسلّموا الكتاب وأبلغوا الرّسالة، ثم انصرفوا إلى مقرّ إقامتهم بعد الفراغ، وتلقّوا الإعزار والإكرام طيلة أسبوع كامل. وفي اليوم الثّامن أمر السلطان فأعد المجلس وتمّ استدعاؤهم للحضور، وجلس السلطان جلسة «جمشيد» (٢) على عرش ذهبيّ مرصّع بالجواهر كان قد صنع له ليلقى به رسل الكبار، ووضع التاج الكيقبادي على رأسه. وبعد حمد ربّ العالمين، والصّلوات على روضة سيّد المرسلين قال للرّسل:

стр. 219

أبلغوا السلطان الغازي الخدمات الوافرة من جانب هذا المحبّ المخلص، واعرضوا غليان مراجل الشّوق المتزايد تزايد هممه العالية تطلّعا لتقريب مراحل الاجتماع، ولتقرّروا أن غاية ما كنّا نتمنّاه وزبدة ما كنّا نرنو إليه أن حسام انتقام السلطان طالما قد انتهى من قهر خصومه في «الأبخاز» ودخل الغمد، وطالما قد فرغ ذهنه العالي من فتح منطقة «تفليس»، فقد كان لابدّ له أن يهجع بضعة أيّام برسم التنزّه والتفرّج في مروج الرّوم كي تستجمّ مراكب/ الفرق ومواشي الجند، ويتبدل التلاقي بالفراق. ورغم أن وعاء مقدرة أمثال هذا المخلص يقصر عن الوفاء برعاية جنابه فحسبه أن يذعن ويطيع. أمّا الآن وقد تحقّق أنه صرف همّته لمحاصرة قبّة الإسلام «أخلاط» بتسويل أصحاب الأغراض، وما هم إلا شياطين الإنس (١)، فإنّ هذا الأمر يبدو بعيدا عن الرّأي السّديد؛ ونحن وفقا لحكم الحق تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ (٢)، نجهر بالقول بأنه أولى به [أن يثني عنانه عن تلك المدينة ويقصد ملكا من ممالك المشركين. وهناك مصلحة أخرى من باب النّصيحة التي هي الرّكن الأهمّ والباب الأعظم للدّين والملك] (٣) وهي أن يسلك مع جيش التّتار طريق المداراة والمهادنة، وأن يقرع- كلمّا تمكّن من ذلك- باب المصالحة من جانبه وبكلّ ما في وسعه (٤)، وإنّه ليجول بخاطري وضميري أن

стр. 220

أرسل رسلا إلى «الإيلچيين» (١)، وأعتذر لهم عمّا بدر من السلطان» «علاء الدين محمد» (٢) - أنار الله برهانه- من تعجيل، وذلك لصالح المسلمين أجمعين، كي تنطفئ جمرة الفتنة- التي استولت على أطراف الخافقين- بلين المقال وبذل المال. ولا شكّ أننا سوف ننقل هذه الفكرة من حيّز القول إلى الفعل، كي يكون ذلك معلوما لديكم. وقد بدا من الواجب إبلاغ هذا الأمر إلى المسامع الشّريفة للسلطان الأعظم لأنه يكون مشاركا ذا نصيب في هذا الصّدد. فإن جعل السلطان إنجاز الأعمال الرائعة رأس مال عمره، بأن يقلع عن سفك دماء أهالي الأرمن، ومحاصرة تلك الديار والدّمن وصرف العساكر عنها ودفعها صوب «أرّان»، وأرسل إلى جيش المغول وطلب الهدنة والصّلح، وتعهّد ألا يتوغّل في دار الإسلام بوجه الغدر وسفك الدماء- وهو أمر مذموم عاقبته شوم- لكي يستريح من/ التشرّد وأكل السّحت؛ فإنني لن أبخل بكلّ ما يجول بالخاطر من الجواهر والذّهب والفضّة، وما إلى ذلك من الخدمات.

стр. 221

أما إن أعرض عن هذه النّصائح، فالنّصيحة واجبة بحّق الإسلام وطريق الصّيانة للعالم، وعلينا بدورنا أن نعمل بما تقتضيه الآية: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (١). ونرى واجبنا جلب المنفعة ودفع الأذيّة، فإذا ما أصابتنا عين لامّة في خضمّ الموقف، نكون قد خرجنا من عهدة أمانة الباري تعالى وتقدّس، وبذلنا المجهود (٢) في ذلك. أما إن أطلّ النّصر بطالعه من حجب الغيب فهو المراد، والبادي أظلم. فلما ودّع الرّسل الخدمة، أمرّ السلطان «ألتونبه چاشني كير» أن يستعد للرّحيل للردّ على [خوارزمشاه] وألّا يبخل ببذل كلّ دقيقة من دقائق الطّنافس والنّفائس. وأمر بأن ينطلق بصحبته ألف من الفرسان المشاهير الأبطال ممن عرفوا بطول القامة وضخامة الجثّة والوسامة وفرط الشجاعة. فلمّا تمّ تدبير الأمور انطلقوا، وتوجّهوا من الحضرة السلطانية مباشرة إلى الطريق. فلمّا تدانت الخيام، وتمّ إبلاغ السلطان جلال الدين أن رسلا من جانب الروم بقوات شرفيّة، أمر أن يخرج أمراء خوارزم الكبار وأبطال الجيش على جنائب الخاصّ لاستقبالهم. وامتثالا للحكم التقوا بالأمير «شمس الدين ألتونبه»، ولم يخلّوا بشرائط التعظيم

стр. 222

والإجلال بوجه من الوجوه./ وإن هي إلا لحظات حتى بدأوا بجرّ الأحمال والأثقال، والجمال والبغال، والأمتعة والفرش وقطعان الغنم والماشية ومائتي جمل بختيّ (١) تحمل لوازم الخزانة والمطبخ ومعدّات الخمر والخيمة، كما لحق بها مائة بغل تحمل الدّنانير الذهبية والخلع الخاصّة والمعدّات الذّهبية. فدهش الخوارزميون جميعا وأثنوا كثيرا على السلطان علاء الدين: (بيت): - إن الملك لجدير بهذا الملك، لأنه إنما يربّي مثل هؤلاء المماليك وقبل أن يبلغ الأمير «شمس الدين» حدود «أخلاط» أصيب بمرض «النقّرس»، فأخذ يضع الدّهانات المخدّرة (٢)، ويتحرّك على محفّة، فلمّا وصل إلى حضرة السلطان أعفي من وضع الجبين على الأرض. وفي اليوم التّالي استدعى السلطان جلال الدين قادة جيش خوارزم وزين الأعتاب والدّيوان بشكل جذّاب، ووقف «فخر الدين علي شرف الملك الخوارزمي» فتولّى أمر سؤال الرّسل وجوابهم، ومع أنّه كان بمثابة الوزير، لكنّه كان يتصدّى للحجابة ويتحمّل عبء رفع «الصّولجان» يوم الاستقبال. فجيء بالأمير شمس الدين جالسا في محفّة، فلما دخل الدّيوان أبدى الأعذار عن عدم تقبيل البساط، فقرنت بالقبول، وقبّل اليد، وأدى رسالة السلطان. فلمّا فرغ من أداء الرّسالة، واتّجه إلى الخيمة، استدعى أمراء خوارزم وأعد خوانا ملكيا وحفلا سلطانيا، فاندهش الأمراء من كثرة النّعمة والتّمكين، وظل مدة

стр. 223

شهر على هذا المنوال لا همّ له بعد التنّزه إلّا سماع الأوتار وشرب الخمر العذبة. وذات يوم التفت السلطان جلال الدين إلى كبار رجاله وقال/ «إننا ما أظهرنا يوما تلطّفا مع رسول الروم، وما أدرنا معه [أنخاب] الصّداقة، والرّأي أن نقيم حفلا نسعى فيه إلى تكريمه. فقالوا جميعا بلسان واحد: إنّ عندهم من معدّات الاحتفال ما لا يتيسّر منه المعشار طيلة أعمار لأي سلطان، ولديهم أطعمة لذيذة وخمر ورديّة تزيل الهمّ والحزن، فيجب أن نبقي على هيبتنا ولا يجدر بنا أن نزرع بذرة هذا العبث. ولمّا طالت مدة إقامة «چاشني گير» تأذّى السلطان علاء الدين لذلك، فأرسل كمال الدين كاميار في مهمّة لكي يتحسّس الأخبار. فلمّا وصل كمال الدين إلى حضرة السلطان جلال الدين، وتجاذب الحديث معه في كل باب، لم يشتمّ رائحة الصّلح من أيّ وجه، فراغ والتمس الإذن بالعودة، فأجابه السلطان لذلك، وردّ ردودا مموّهة حول «أخلاط». وهي أخلاط أباطيل: تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب (١) [وقال إنّ مدينة أخلاط قد ضاق عليها الحصار، ولا يضيع ما تكبّدناه لمدّة طويلة من تعب ومشقّة] (٢). فإن كان قد علق بحاشية الخاطر الكريم للسلطان غبار بسبب ردّ هذه الشّفاعة، فلابد أن يزال بماء تمهيد الأعذار. فعودوا بالسّلامة، وأبلغوا الخدمات المخلصة، وسيقدم رسلنا في أعقابكم، ويأتون

стр. 224

بالمواثيق وإجابات الرّسائل بالتّفصيل. فودّع الأمير «شمس الدين»، و «كمال الدين» السلطان، وخرجا مسرعين. ولما فصلت العير عن معسكر الخوارزميين في الصّحراء، وساروا في الطريق يومين، تركوا متاعهم هناك ولحقوا مجرّدين بالإيوان السلطاني/ في «العلائية». وفي الطريق رأوا «ركن الدين جهانشاه» في «أرزن الروم» وأوصوه بأن يتجنّب الأعداء الذين يتخفوّن في صورة الأصدقاء، وألا ينحرف عن الميل والولاء للسلطان. فتعهّد بذلك، لكنهم ما بلغوا «أرزنجان» إلا ولحق «ركن الدين» بالسلطان جلال الدين وحرّضه على غزو ممالك الرّوم. وحين بلغ السلطان الأمر استعدّ للنزال والقتال، وأرسل «كمال الدين كاميار» لدعوة الملك «الكامل» وباقي أولاد «العادل»، وأمر بمسير عشرة آلاف فارس في صحبة «چاشني گير»، و «كندصطبل»، و «مبارز الدين عيسى»، و «نور الدين كماخي» إلى «أرزنجان» لمزيد من الاحتياط وليحرسوا الممّرات. ولمّا وصل كمال الدين عند الملك الكامل والأشرف، راوغاه في أوّل الأمر، ولم يجيباه بصراحة، فأطلق كمال الدين لسانه بالتّقريع والتّوبيخ، وقال إن لم تبادرا بتقديم هذا الإمداد وتوفير هذا الإسعاد، فلو حدث ما يخشى منه في الغد- والعياذ بالله- ورأيتما حرم السلطان بيد أجنبيّ: لن تفيد ندامة ولا تحرّق إرم. فأصيبا بغصّة من هذا الكلام، ووافقا في الحال، وأعدّا العساكر، وانطلق الملك الكامل بالعسكر إلى «حرّان» فلما بلغها جاء أصحاب الأخبار في إثره من قبل «مصر» وأخبروه أن الفرنجيّ وصل إلى شاطئ البحر بجمّ غفير يربو على المائة ألف فارس، وعزم على غزو المسلمين، فعاد الملك الكامل متعجّلا، وأرسل

стр. 225

رسالة اعتذار إلى السلطان، فلما وصل إلى هناك نصره الله تعالى، وألحق الدّمار بالكفّار، فأرسل الملك الأشرف، والملك الجواد (١)، والملك الغازي، والملك المغيث، والملك العزيز لحضرة السلطان. ذكر استقبال السلطان للملك الأشرف ولقائهما رحمهما الله تعالى أمر السلطان بأن يحمل إلى منزل الملك الأشرف خيمة ملكية كأنّها الجبل يشكو الفلك من ارتفاعها، وأن تضرب على حافّة نهر جار في منطقة المروج، وأن تهيّأ الخزانة وعدّة الفراش والطّست والشراب والمطبخ بمعدات ذهبيّة كأنها مفردات كنز بالغ الروعة، وما يلحق بذلك من أدوات ولوازم تليق بالسلاطين. ونهض السلطان للاستقبال، فلما بدت المظلّة السلطانية نزل الملك الأشرف من فوق الحصان وتطلّع نحو السلطان، فلما اقتربا ورأى السلطان الملك الأشرف واقفا على قدميه نزل، فوضع الملك الأشرف رأسه على الأرض في عدّة مواضع. ثم إنهما ركبا بعد المعانقة والملاثمة، وأخذ السلطان في التلطّف معه، وقال: إن الملك قد تجشّم مشقّة السير، وناله الكثير من التّعب، والمأمول أن تكون ميامن حركات أقدامه وبركات أعلامه سببا في زيادة عظمة إيوانه، فنزل الملك من جديد وقبّل الأرض ثانية، فأشار السلطان بأن يقدّم بغل سريع السّير بطوق ولجام، فركبه الملك وأخذ في تجاذب أطراف الحديث مع السلطان، وكان الأمير كمال

стр. 226

الدين يتولى أمر الترجمة بينهما. وحين اقتربا من المروج أمر السلطان أكابر الدولة بالذّهاب إلى الخيمة مع الملك والنّزول لخدمته. فدخل الملك الخيمة، وقدّم له من النعمة ما يشبع عين الطّمع. فلما قام عن المائدة وتوجّه إلى مخدعه شهد متاع السلاطين من سرير ملكي وطست وأوعية ذهبيّة ومجمرة مرصّعة وحّمام سفري وغلمان كأن وجوههم الشّمس ذوو شعر مسكيّ، فأصبح الملك مائة لسان تثني على سلطان العالم، وأبدى رغبة في الاستحمام من مشقّة الطريق. ثم تبختر متوجّها إلى الإيوان العام، وطلب الملوك والإخوان، وفجأة/ وصل السّقاة، وجيء بآلات الحفل والطّرب، ولما أثّرت الخمر الصافية في عقول أهل المجلس تأثيرا ظاهرا، وثقلت رؤوس خفاف الرّوح من النّوم، ظهر التفرّق في الحرفاء والنّدماء. وفي اليوم التّالي حين تفنّن نقّاشو القدرة فرسموا القرص الذهبي للشّمس على صفحة السّماء الزّرقاء سلك الملك الأشرف وسائر الملوك جادّة الخدمة وجاءوا إلى الأعتاب السلطانية. فخرج السلطان من الإيوان راكبا فانحنوا وهم على ظهور خيولهم، وأخذ السلطان في التعطّف والسؤال عن الأحوال، واعتذر عمّا يكون قد وقع من تقصير في الحفاوة بالقدوم. فنزل الأشرف من فوق الحصان ثانية. وأمر السلطان بأن يقدّم حصان من الخاصّ، فركبه الأشرف. مجمل القول أن السلطان بلغ الغاية القصوى في تكريمه، وبذل الخلع والصّلات والإقامات. ثم إنه دعاه إليه مع إخوته، وأجلس الملك الأشرف معه في مكان واحد، ودارت دورة الخمر الحلوة، فلما أثّرت سورة المدام في طينة السلطان، أمر

стр. 227

بالإمساك، وأمر الوزير بأنه إذا توجّه الملك الأشرف صوب مقر إقامته أرسل في إثره إلى الخيمة بكل آلات الحفل وخلعة ملكيّة قيّمة وحصانا يسابق الريح بطوق ولجام، وبأن يحسن إلى كل إخوانه بما يبقي ذكره أبد الدهر، فأنفذ الصّاحب الأوامر المطاعة. وفي اليوم التّالي حين أخذت براعم الأرجوان تتفتّح في الروضة زرقاء اللون، توّجه السلطان إلي المدينة، فلما اقتربوا من البّوابة نزل الملك من فوق الحصان ووضع «غاشية» السلطان على كتفه (١) كما نزل كلّ ملوك الشام وأخذوا يسيرون في ركاب السلطان إلى أن بلغوا وسط الميدان. فلما رغب السلطان في اللعب بالصّولجان، كان الملك الأشرف كلما تصادف وسقط الصّولجان من يد السلطان، نزل من فوق حصانه/ ونفض عن الصّولجان الغبار بأطراف لحيته الشّريفة، وقبّله ثم سلّمه للسلطان، وعندما كانوا يسحبون حصان السلطان كان الملك يقبّل الأرض، ثم يعاود الرّكوب. ذكر توجّه السلطان والملك الأشرف مع العساكر المنصورة نحو «ياسي چمن» لمحاربة السلطان «جلال الدين» في اليوم التّالي حين طلع الصّبح الصّادق من أفق المشرق، وجرّد ملك الكواكب السيّارة حسامه المصقول من غمده عازما على الغزو، تعالى هدير الطّبول، من تلقاء أعتاب السلطان، وبفأل حسن ويوم ظفر سارت المظلّة المنيرة

стр. 228

للعالم، [وماج الجيش بكلّ الطّوائف من ترك وإفرنج وكرج وأوج وروم وروس وعرب- فوجا فوجا- كبحر من الحديد] (١)، فجاوزوا «سيواس» إلى «آقشهر» في أسبوع بسبب ضخامة الحشد. وحين أبلغ السلطان «جلال الدين» بأنّ السلطان والملك الأشرف وباقي الملوك وأبطال الدّيار نزلوا بالعساكر المشهورة بصحراء «آقشهر» طلب «أرزن الرومي»، وذكر له ما جرى. فأجاب قائلا إن الرّأي هو أن نلحق ب «ياسّي چمن» قبل أن يبلغها ذلك الحشد، فإذا ما تيسّرت لنا السّيطرة على ذلك الموضع أقبلت الغلبة والنّصر يخطران صوب عتبة الإيوان الأعلى. فانطلق السلطان منخدعا بأوهام «أرزن الرومي» وأخذ يسابق الرّيح طول اللّيل، حتى بلغوا جبل «ياسّي چمن» عند الفجر، وحازوا الماء والعشب. ولما علمت الجنود التي كانت قد ذهبت من قبل للمحافظة على ثغور «أرزنجان» وحراسة المضايق بقدوم رايات السلطنة مع ملوك الشام، توجهت بأسرها لخدمة السلطان. ودفع الأمير مبارز الدين جاولي- بالاتّفاق مع سائر الأمراء- بألف من الفرسان إلى قمّة الجبل كطليعة. فلما أقبل اللّيل، وأبعدت الطّليعة عن الجيش، ظلوا يسيرون على الجبل طوال اللّيل حتى اقترب الصّبح. وفي الفجر وجدوا أنفسهم وسط جيوش العدوّ،/ وكان في ملازمة ركاب خوارزمشاه مائة ألف فارس، فحاصروهم، «فكشفت الحرب عن ساقها وأبدت شراسة أخلاقها، وهمّت بسفك الدمّاء وإهراقها» (٢)، وبرغم ما لحق بالخوارزمي من مدد تلو المدد، بينما كان جند السلطان قليلي العدد فاقدي المدد، فقد ثبتوا

стр. 229

وأذاقوا شربة الموت لأضعاف عددهم. وفي النهاية حين فرغت الكنائن من السّهام، ولم يبق في الجعاب نصال تشبه الشّهب، اضطروا إلى الترجّل عن خيولهم، واتّقوا الصّفاح بالكفاح، فصار بعضهم قتيلا وكسيرا وبعضهم الآخر مأخوذا أسيرا. وحين جيء بالأمراء الذين دخلوا في زمرة الأسرى إلى الخوارزمشاه، أمر بوضع الوهق في أقدامهم ورقابهم، وتوقيفهم إلى أن تعرف عاقبة الحرب ولمن النّصر والظّفر. ثم إنه استدعى «أرزن الرومي»، وفاتحه في عنف مقاومة تلك الشّرذمة القليلة، فأجابه بقوله: كان هؤلاء الفرسان يمثّلون ظهر الجيش الرّومي، أما وقد هزم وانكسر بفضل الله، فإن مملكة الرّوم ملك للسلطان. وخرج بضعة أفراد من الاشتباك، وكانوا يعرفون الطريق، فلحقوا بجيش السلطان، وقصّوا عليه القصّة برمّتها، فطلب السلطان الملك الأشرف، ورسم صورة الواقعة على لوح مخيلّته، فلم ينفعل الملك بذلك المقال، وأظهر الثّبات كالجبال، وقال: أجل، إن الجيش الذي ينكسر أولا يكون النّصر حليفه في النّهاية، ويتعين على السلطان أن يطمئن قلبه من هذه النّاحية تماما، فسوف يتمّ الردّ على تلك الطائفة الحاقدة بفضل الحقّ- تعالى- ومواتاة الحظّ. ذكر حركة الرّايات المنصورة للسلطنة وانكسار الطليعة الخوارزمية وفي اليوم التّالي أرسل جيش العرب مع فوج كبير من مشاهير الأبطال كتقدمة، بينما اختار «الخوارزمي» جيشا هائلا ذا عظمة وجلال لتسقّط

стр. 230

الأخبار والتقدّم كطليعة. فتوغّل في المروج، وأرادوا أن ينزلوا على شاطئ النهر ويسيطروا عليه. وفجأة وصلت إليهم طليعة السلطان وأخذ بحر من السيوف ينهمر عليهم، وأدّى التطام الفريقين واصطدام الطّائفتين إلى دقّ الرّؤوس في الخوذات والأبدان في الدّروع كما يدقّ لباب الفستق في الهاون، وحين تحوّل النّهار الأبيض إلى ليل بهيم بسبب ظلمة القتام والغبار أخذت كواكب الأسنّة وشهب النّصال تبرق. وفي النهاية أسفر النّصر عن وجهه، وولّى الجيش الخوارزميّ الفرار، واندفع أبطال الوغى بجلبة وضجيج كالعفاريت خلف أولاد الأفّاقين أولئك، وصعقوا كل من وجدوه بسيل السّيوف فانقلبوا صاغرين. وحين انكشفت صحراء المعركة- وكانت بحرا مواجا من دماء الأوداج- عن أشلاء الأعداء، وفرض [جند السّلطان] سيطرتهم على الماء والعشب، أرسلوا فارسا إلى أعتاب السلطان، وأخبروه بانكسار الخصم، وانهزام الجيش، واحتياز الماء والعشب، والتمسوا تحرك الرّكاب السلطاني إلى ذلك الموضع. وفي الحال ضربوا الخيمة الملكيّة، ورفعوا الأعلام، وتحرّك الجيش كالجبال الحديديّة، وأخذوا خيمة السلطان إلى تلك المروج. فوصل الخبر إلى خوارزمشاه، فزايل الاطمئنان قلبه، وشرع في عتاب الأرزرومي.

стр. 231

ذكر انكسار طليعة الخوارزمي كرّة ثانية وفي اليوم التّالي دخل جند كثيرون من الجانبين كطلائع، وأخذوا يجولون طيلة الليلة في الجبل والوادي، فلما تفرّق جيش الهند (١) من جديد، ونزل ملك النجوم في ميدان الإقليم الخامس، رأى كلّ جيش غريمه فجأة، فاصطفّوا وهجم الخوارزميون أوّل الأمر، فجعلوا من نصال السهام ما يشبه الفكر حين دفعوها إلى ضمائر الصّغار والكبار، وأخذ الرّسل يطلقون هنا وهناك صواعق السّهام والمعابل مزوّدة بريش العقبان حتى أبلغ خبر شدّة القوس وقوّة سواعد الأبطال الرّنين بلسان مبين لمسامع الخصوم خفاف الحركة وفرسان تلك الميادين. فثبت جيش الملك «كثهلان» (٢) و «حراء» للأمر، وحين مالت ريح صولتهم للرّكود، جرّد الجند مرهفات السّيوف وحرّروا مثقبات الرماح، وهجموا عليهم دفعة واحدة كنوازل الأقدار، فأطاحوا بكل من لحقوا به، ولعبوا الكرة في ميدان المعركة بجماجم تلك الطائفة، كما قذفوا بقلانس السّعادة إلى أجواء الفلك. وتبدّل إقبال الخوارزميين إدبارا والكر انكسارا والهجوم فرارا، وأخذ جندهم من راكب وراجل يتعثّرون ويتساقطون، وقد عزموا على الفرار وتولية الأدبار (٣). وأهرق دمع العين على فراق الرّوح، واتّصف ملك الأرواح بصفة

стр. 232

العجز والدّهشة لازدحام النّفوس الشّهيدة، وضاق الجوّ بأفواج الأرواح المفارقة- التي سقطت من المغاربة والمشارقة في تلك الملحمة- كضيق القلوب الولهانة للعشّاق، وضيق صدر البخيل. وقام جند السلطان/ حامدين ذاكرين الله في ذلك المقام، وأرسلوا رجلا لإعلام الحضرة السلطانية بالأحوال، وكان الرّكاب السّلطاني نفسه قد تحرّك، وسارت الجيوش المنصورة وهي تحمد الخالق، فأقبلت على أيمن طائر إلى بلاط الملك المستولي على العالم، وعلم أن الخوارزميين كانوا قد أثخنوا بالجراح في معترك المنايا. وألقت الحيرة والاضطراب خوارزمشاه في الضّيق والحرج فأخذ يحترق كالشمع من الحرقة، ويعزو تلك النّكبات إلى نفثات «الأرزرومي» وسوء تدبيره وشؤمه. فوسوس إليه «الأرزرومي» حينذاك قائلا: اقبض على أولئك الذين وصلوا هاربين مع قادة آخرين، وانزع أرواحهم بالسّيف البتّار لكي يثبت من تبقّوا في الحرب ثبات الصخور، ولا يسع الخصم التحرّك، وتصدق عليه صفة «وقذف في قلوبهم الرّعب». فبادر بالقبض على سبعمائة رجل حرّ بريء من جيشه، ووضع الأغلال في أعناقهم، وأمر بضرب رقابهم جميعا. وسوف يبقى هذا إلى يوم الحساب بمثابة خزي وشنار، وإثم وعار، فقد لزم ما قاله ذلك الغدّار أسود القلب، وكان أعدى أعداء نفسه في ذلك الأمر. ***

стр. 233

ذكر فرار طليعة خورازمشاه للمرة الثالثة من طلائع السلطان وفي اليوم التّالي حين قبّل فلك النّجوم- كعادة العبيد- أعتاب ملك العالم، ظهرت الأعلام الحمراء والصفراء في آفاق الميدان برفقة أولئك الجند من تماسيح القتال، فتحرّك الحشد كله، بينما ركب السلطان/ الفاتح حصانا يشبه مسيره مسير ريح الصّبا في تلك السّهول الرّائعة، وقد أثّر حرّ الهاجرة في أنصار العساكر المهاجرة، وأخذت نفوس الشّجعان تجفّ في الحلوق، فانطلقوا جميعا إلى المناهل والعيون، والأنهار الجارية في تلك المروج. أما السلطان فإنه لم يلتفت إلى المياه والجيش- لنيّة قد عقدها في نفسه ولأنه قد روي إلى الأبد بشربة «أبيت» (١)، وإنّما صعد فوق جبل هو أعلى من همّة الأسخياء وقامة الحسناء، وجال بنظره هنا وهناك، فرأى الصحراء والوديان مشحونة كلها بجند العدوّ وكانوا قد نصبوا خياما في خيام، وتزاحموا تزاحم النّمل والجراد. فهجم عليه جماعة من شجعان الحرب، فخرج إليهم نحو ألف فارس منهم، وبدأت حركة هائلة من الكرّ والفرّ، ولو لم تحجب أستار الظّلام بينهم لما بقي أحد من الجانبين حيّا. وعادت كل فرقة إلى موقعها. وظلّوا طوال الليل في التدبير والترتيب للمقارعة والنزاع وتثقيف اليراع، والرّهف لتحقيق إرهاق شعاع [الحسام] (٢)، وقضى السلطان عظيم الشّان في تلك الليلة وطرا، وبعد تجديد الغسل، دخل في صلاة يناجي ذا الجلال، وأخذ يدعو ب «يا» بلغة بغير لسان في خلوة القرب اللامكاني ويطلب المدد.

стр. 234

ذكر مقابلة الجيشين وانهزام السلطان جلال الدين وأسر أرزن الرومي وأخيه يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان سنة ٦٢٧ أصبح الجيش مبتسما كشفة الصّبح، متألقّا كوجه الشّمس، وأمر السلطان أن يدخل الجند/ في السّلاح، ويصطفّوا صفوفا، ويحدّدوا الميمنة والميسرة، والقلب والسّاقة. وأن يبدي أسود القتال علائم الفداء والتّضحية. ولأنّه لم تبق مسافة فاصلة بينهم وبين العدوّ، بل إنّهم- لتداني الخيام- بدوا كأنّهم «قاب قوسين أو أدنى»، وتلاقوا دفعة وأظهروا كل ما هو ميسور (١) ومقدور. وفي الحال أوصلت أصوات الطّبول الهدير إلى أذن «جبريل»، وأتيح للأعلام أن تحادث «منجوق ذي الجبهة» (٢)، و «عيوّق» (٣)، ووقعت الرّجفة في أسود الأعلام (٤) كما يرتجف قلب البخيل على صورة الدرهم. وامتطى المليك حصانا ضخما يستطيع أن يعبر البحر بوثبة واحدة. وفي النّاحية الأخرى جرت تعبئة الجيش تعبئة ملكيّة، واصطف جيش ضخم يزيد عن مائة ألف للقتال، وتقدّم الملك الأشرف إلى حضرة السلطان وقال: لو أنّ السلطان ركب اليوم بغلا بدلا من الحصان، بل لو وضع للبغل

стр. 235

شكال (١) أيضا، فلا شكّ أن كل ثعلب في هذا الجيش المغوار سيغدو عشرة أسود كواسر، فيتمكّنوا بذلك من الإيقاع بالعدوّ. فقدّموا بغلا ركبه السلطان في الحال. فلما تمت التعبئة، واقترب وقت تداني الجمعين، صعد خوارزمشاه على تلّ مرتفع وألقى نظرة على سواد الجيش المنصور، ثم أخرج آهة باردة تألّما وحسرة، إذ لو كان هذا الجيش في حوزتي، وكنت أمضي إلى الحرب أمام جيش التّتار بهذه الفئة، لكان نصيبهم منّي الدّمار والهلاك، وكنت قد تعهّدت نباتات الأرض بالدماء التي تسيل من تلك الكلاب الضارية. ثم إنه عاد إلى قلب جيشه بدموع منهمرة وصبر نافد. وحمل «الملك الأشرف»، و «كمال الدين كاميار» حملة الأسود، فألقوا بالميمنة على الميسرة/ وأجبروا الجميع على اللّجوء إلى واد ضيق لا هو بموضع للفرار ولا بمكان للحرب، ولم يشتغل السلطان خوارزمشاه بالحرب والطّعن والضّرب، وإنما أسرع في الحال نحو الأعلام وفصل منها «العصابة» (٢) والبيرق والعلم، وربطها بمؤخرة السّرج، وانطلق هاربا حيث واصل السّير بالسرى، والوخدان بالذميل (٣).

стр. 236

وشغل جيش العرب بغارة السّلب، وأخذ أهل الرّوم يتحرّكون في إثر الخصوم في نواحي تلك الدّيار فرقة فرقة كالجبل الهادئ الساكن، وفجأة أدركوا صاحب أرزن الروم، ورأوا معه أخاه العزيز- الذي لم يكن يفارقه- فأخذوهما، وأتوا بهما إلى ملك العالم، فارتمى تحت أقدام المليك خجلا؛، فأمّنه السلطان من ضرب السّيف، وعهد به إلى بعض أمرائه ليبذلوا كلّ جهدهم في حراسته، على ألا ينالوا أبدا من حرمته وتعظيمه، بل يزيدوه حرمة وتعظيما. كان أوّل النّهار ملكا موّفقا، وآخره أسير حرب (١). ثمّ إنّ السلطان اتّجه إلى البلاط، فحمل الملك الأشرف الغاشية على كتفه، وأخذ يسير على قدميه في ركاب السلطان، الذي تعجّب هو وجميع من حضر للطفه البالغ، وكان السلطان يبدي كل لحظة اعتذارا، ويبدع لطيفة من اللّطائف. فلما دخل السلطان البلاط، قبّل الملك الأشرف الأرض، ثم اتّجه صوب خيمته. وانطلق السلطان من الصّفّة- من جديد- إلى الخلوة حيث المصلّى كي «يناجي ربّه». وسجد لله شكرا، وحمد ملك العدل والدين وأثنى عليه. …

стр. 237

ذكر تحرّك رايات السلطان صوب أرزن الروم وفتحها على يد السلطان علاء الدين كيقباد في اليوم التّالي، حين أزمع ملك الكواكب وملك الثّواقب التحرّك في منازل النّهار الصادق، توجّه السلطان مع الملك الأشرف وإخوته إلى «أرزن الروم»، وفي الطريق تناهى إلى سمع السلطان أن فرقة من جيش خوارزم- كانت قد ولّت الأدبار- لكنّها سقطت بالأمس في هوّة سحيقة، وأن أفرادها قد تساقطوا جميعا في تلك الهوّة بخيولهم وأسلحتهم بسبب ريح الهجوم العاصف وخوف الموت. فأصدر السلطان أمرا لجماعة من الجيش المذكور بالذهاب إلى هناك وتقديم تقرير عن الموقف، فلمّا بلغوا المكان، وجدوا أرواحهم قد فارقت الأبدان وانتقلت إلى الدار الآخرة، فأتوا بما كان معهم من عدّة وعتاد إلى دار سلاح السّلطنة. وفي اليوم التالي أزاح العيد السعيد بشفة باسمة النّقاب عن الوجه الذي يزّين العالم، وظهر الهلال من أحد جوانب السماء فبدا كقوس طغراء (١) السلطنة. وفي الصّبح الأول توجّه كبار رجال الشّام نحو بلاط ملك الأنام، فنزل السلطان من على العرش وأمسك بيد الملك الأشرف، وأجلسه بالقرب منه على الطرّاحة التي كانوا قد أعدّوها تحت العرش، ولمّا شربوا المشروبات، وكان الموكب السلطاني قد ازدان ابتهاجا بالعيد، ركبوا خيولهم، وأخذ أبطال الميدان في إظهار أنواع المهارة والفنّ والفروسة، ثم إنهم توجّهوا إلى المصلّى، وتعبّدوا للمعبود المطلق. وسالت الصّدقات كقطرات الأمطار على السّائلين، ثم حضروا خوان الخاصّ. فلما ترك كلّ منهم الخوان إلى خيمته، أرسل السلطان عشر

стр. 238

خلع سلطانية مع عشرة خيول إلى الملك الأشرف وسائر الملوك، ودعاهم إلى الحفل المضيء للعالم. وبسبب بعد عهدهم بمعاقرة الخمر، أخذوا من الأنخاب ما كان ثقيلا. وفي اليوم التّالي لحقوا بمنطقة «أرزن الروم»، فأغلق الأمراء الذين كانوا في المدينة الباب، وفتحوا طريق المقاومة. فأمر السلطان بأن يدخل المدينة رجل أمين يوثق بقوله/ فيدعوهم إلى جادّة الانقياد بلسان الملك، ويهدّدهم نيابة عن بلاطه بوعيد: «إن عذابي لشديد». ووفقا للحكم، دخل أحد المقرّبين من خاصّته في صحبة أحد أمرائه بالمدينة لكي يدفع بأهلها إلى طريق الصّلاح، وبالغ في ذلك كل المبالغة، فقرنوا الأمر المطاع بالإجابة بشرط أن لا يلحق بالأمير وأخيه وبقية الأمراء أذى، ويتمّ التّجاوز عمّا مضى. فأقسم السلطان على ذلك في مكتوب وفقا لطلبهم، وأرسل كتاب عهد وميثاق إليهم، فلما طالعوه قدم «همام الدين الجاندار» وسائر الأكابر من المدينة إلى خدمة السلطان، وحملوا الرّاية داخل المدينة. وفي اليوم التّالي ركب السلطان على حصان فاتح للعالم كالبدر المنير، وسار الملك الأشرف مع أخوته على أقدامهم في الركاب العالي، فلما دخل السلطان الإيوان، وقف الملك الأشرف مع الإخوة مصطفّين، فوضع السلطان قدمه على حافة الصفّة مدّة يسيرة ثم جلس، ثم ما لبث أن قام وأمسك بيد الملك الأشرف ودخل قاعة الخلوة، وقضوا ذلك اليوم في الّلهو. وفي أثناء النّشوة تشفّع الملك الأشرف للملك ركن الدين (١) فوقعت شفاعته موقع القبول، ونال خلعة ثمينة

стр. 239

وحظي بشرف تقبيل اليد، وتفضّل السلطان عليه فأقطعه «آقسرا» وتوابعها كما أقطع أخاه «أيوب حصار». ثم إنّه وجّه فرقة من الجيش صوب «أخلاط» وكان نوّاب السلطان جلال الدين حين سمعوا بالواقعة قد أخلوا المدينة وعبروا إلى «أرّان». وبعد شهر قال للملك الأشرف، يتعيّن على الملك أن يتجشم مشقّة التوجّه نحو «الأرمن» / لكي يدخل «أولتي» مع بضعة قلاع أخرى من بلاد «الكرج» في نطاق سيطرة ديوان الملك الأشرف. فقبّل الملك الأشرف اليد، وطلب منشورا على ذلك وعلى ملك الأرمن، فتعجّب السلطان لفرط تواضعه، وسطّر المنشور، وأطلق الأمير «چاشني كير» مع خمسة آلاف فارس في خدمة الملك نحو «أخلاط»، على سبيل الاحتياط، وأمر له بنفقة تزيد عن الحدّ مما لا طاقة لأيّ سلطان عليه ولا على عشره، والتمس الأعذار وقطع مسافة طويلة بالمظلة والرّاية لوداعهم. توقّف السلطان بعد عودته- أسبوعا- لتفقّد أحوال القلاع والبقاع، وأمر بأن ترسل رسائل الفتح (١) إلى نواحي البلاد. ثم عاد إلى «قيصريّة» بعد نيل المرادات.

стр. 240

ذكر جناية محافظ «علائية» وتأديبه فى ذلك الباب وفي هذه الأثناء وصل من «علائية» مكتوب بأنّ سلطان العالم إن لم يحرّك ركائبه بسرعة فسوف يفلت عنان حكم «العلائية» من يد مماليك/ السلطنة، إذ أنّ محافظ القلعة- ولو علق جسده في حبل المشنقة لكان أولى- قد كفر بالنّعمة ويزمع أن يسلّم القلعة للقبارصة، فاندهش السلطان لهذا الكلام ولازمه التّفكير وقال: أيقع اختياري على من لا أصل له وأجعله رئيسا وحاكما على صدور الناس/ ومن تزكى منهم، ثم يضمر مثل هذا الغدر الذي ليس له من عذر، إن هذا لشيء عجيب. وركب في الحال على بغل يشبه في سيره ريح قمم الجبال، وبرفقته بعض/ الخواصّ، ولحق بالعلائيّة بعد ثلاثة أيام، وأظهر كأنّه لم يسمع بشيء، لكنه شغل في السّر بالتفحص واستكشاف الأمر، فلما تحقّق أنه خائن غادر، وشهد الأئمّة والحفّاظ في مواجهته، وأفشوا مسارب تدبيره وكشفوا عن فكره، وعلم أنه الحقّ الصّراح، أمر السلطان في الحال بأن يحملوه إلى البرج ويمزّقوه إربا إربا، وأن تعلّق جثته بما نالها من خزي جزاء ما فعل. وصار كلّ من كان شريكا له في تلك المقالة قرينا له في نفس الأمر. ولمّا سمع ملوك السّواحل بتلك العقوبة، بعثوا على الفور من كلّ صوب بالخراج والجزية لخدمة مالك العرش والتّاج. وظلّ السلطان طيلة شهرين هناك يقيم الحفلات الملكية تارة، ويبرم أمرا مقرونا بالتّوفيق تارة أخرى. ثم جاء من هناك إلى أنطاكية وظلّ هناك أربعين يوما أخرى، ثم أمر أن تمكث العساكر المنصورة في أوطانها ومساكنها مستريحة مرفّهة مدّة سنة.

стр. 241

ذكر توغّل فرقة حراسة مغولية حتى «سيواس» المحروسة- حماها الله تعالى في سنة ٦٢٩ توغلت فرقة من جيش المغول- يقودها «جرماغون نوين» - في نواحي «سيواس» حتى بلغت رباط «ابن راحت» (١)، فقتلت وأسرت واسترقّت الكثير من الخلائق والمواشي. وحين بلغ هذا الخبر الفاجع مسامع السلطان، أمر «كمال الدين كاميار» - وهو في غاية القلق- أن ينطلق بمن حضر من الجيش من مفاردة حلقة الخاصّ وغلمان الأعتاب السلطانية وملازمي الخرس بعتادهم وعدّتهم. ويعمل- بكل ما أوتي من كفاءة ودراية- على تسكين هذه النّائرة/، فانطلق الأمير «كمال الدين» بتلك الطّائفة من الجيش فلما بلغ «سيواس» كانت فرقة الحراسة المغولية قد عادت أدراجها. فتبعهم الجيش حتى «أرزروم». كان الأمير «مبارز الدين جاشني كير» متولّيا حراسة تلك الثغور، فاستشاره، فأجاب بأن جيش المغول إن كان قد عاد أدراجه فلا ينبغي السير في إثره. فأقام [كمال الدين] في تلك النواحي يوما، ثم أبلغه الجواسيس أنهم اتجهوا إلى ديارهم، وأنهم عبروا «ممريونس» ولحقوا ب «مغان». وفي أثناء توقّف الجيش تجمّع الكثير من الجند، فقالوا لا يجمل بنا الرّجوع دون أن نفعل شيئا، وكان [السبب في] (٢) دخول المغول ممالك السلطان هو إغراء ملكة «الكرج»، فوجدوا في هذا تعلّة لغزوها.

стр. 242

ذكر دخول عساكر السلطان ديار الكرج وفتح القلاع على يد ملك الأمراء «كمال الدين كاميار» أعدّ الأمير «كمال الدين» و «چاشني كير» آلات الحصار، ولم يقتصرا على المشاة الذين كانوا قد جاءوا من مختلف نواحي البلاد، وإنما أخذا خمسة آلاف آخرين من المشاة، وانطلقا بحشد كبير صوب ولاية الكرج. وتمكنا في أسبوع واحد من الاستيلاء بالسيف البتّار على ثلاثين قلعة شهيرة كانت شرفاتها تسامت السّماك وقواعد أبنيتها تعاكس السّمك وتعرقل مسيره، وانتزعوا بالرماح الثّقيلة والسّيوف المهنّدة كلّ حركة في أرواح أهل الكرج. وأنجز الله في تلك السّنة وعده الصّادق لعساكر السلطان من منطقة «الأبخاز» بقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها (١)، ثم إنّهم انطلقوا من هناك إلى قلعة «خاخ» واستولوا عليها بإعمال المنجنيق والسّيف الصّقيل البرّاق./ وأذاقوا أهل «خاخ» نفس الشّربة، وجعلوا الدّنيا الواسعة تضيق بهم كعين النّمل بما رموهم به من الحجارة والسهام الرائشة. …

стр. 243

ذكر تذلل «رسودان» ملكة الأبخاز وطلبها مصاهرة أعتاب السلطنة بتوسّط ملك الأمراء لمّا سمعت «رسودان» ملكة الأبخاز بتوغّل عساكر السلطان وبالنّكسة التي حلّت بالقلاع الواقعة بتخوم بلادها ونجمت في بقاعها بفعل حوافر الخيل الجوّابة التي يمتطيها المقاتلون من بلاد الرّوم، خاصمتها الراحة وجافاها الهدوء والسكينة. وبعد إدارة أقداح الاستشارة رأت المصلحة في أن تدخل من باب الملاطفة والمسالمة مع أرباب الدولة. ومن أجل ذلك فتحت باب المكاتبة مع الأمير كمال الدين، والتمست الأعذار عن ما كانت قد عاينته من خبث أمرائها [بسماحهم لجيش المغول بالتوغّل في بلاد الرّوم] (١)، وأرسلت الأحمال. وقالت: إني خادمة السلطان، أطيع كلّ من يأمر به وأذعن له، وأغلب الظن أن الرّضا بالعفو لا يكون مقرونا بتخريب بلادي، وأن لا يجيز ملك الأمراء- بما يتمّيز به من كمال الكرم ومحاسن الشّيم- أعمال الظّلم. والمتوقّع من ألطافه الإبقاء على بقايا البلاد، وأن يطلع الأعتاب السلطانية على رغبتنا في الصّلح، وحين تلوح آثار العناية والتعطّف سيتم تأكيدها بطريق المصاهرة والقرابة، إذ يجول بخاطري أن تصبح ابنتي المطهّرة- وهي من صلب سلجوق ومن أصل داود (٢) - قرينة لملك الإسلام غيّاث الدّين كيخسرو بحكم ما حصل من جوار بين ديارنا. فقرن ملك الأمراء كمال الدين- بما عرف عنه من دهاء وحسن إدراك- ملتمس الملكة بالإجابة/، ودعا إليه الجند. ثم أبلغ السلطان بنبأ فتح ثلاثين أو

стр. 244

أربعين قلعة مشهورة معمورة، وسبي الذّراري ونهب الأموال والمواشي وتشبّع الجيش بالمال. وكان السلطان- منذ أن بعث بالجيش في إثر المغول- قد كفّ عن إحياء الحفلات وأمسك عن الطّرب، ولبث يترصّد الأخبار السارّة. فأمر في الحال بإحياء الحفل، وتمّ استدعاء حرفاء الطّرب. وتمّت إجابة الأمير كمال الدين بردّ موشح بالتوّقيع الأشرف للسلطان، مشفوع بالإعراب عن الرّضا بما بذل من مساع مشكورة وخدمات مبرورة، وصدر الأمر بأن يسمح للعساكر بالعودة إلى الأوطان، وأن تعدّ مصاهرة الملكة مقرونة بالقبول، وألا يسمح للجيش منذ الآن بإلحاق ضرر بولاية الأبخاز. فاستدعى الأمير كمال الدين الأمراء، وأبلغهم بالأمر، ثم ارتحل. وحين لحق بحدود «أرزنجان» أمر الجند بالانصراف، وسارع هو إلى الحضرة السلطانية، فنال من الإكرامات والكرامات ما لم ينله أحد. ذكر توجه عساكر السلطان نحو الأرمن واستخلاص إقليم أخلاط وباقي بلاد الأرمن وإضافتها إلى سائر الممالك المحروسة حين سمع السلطان أنّ ممالك الأرمن قد صارت مهالك، وأن الملك الأشرف- بحكم ما كان يغلب على طبيعته من محبّة للهو- قد استقر بدمشق بعد «سنجار»، وسلك سبيل الطّرب في جوسق «هرت» (١)، وأنه لا يعير اهتماما لما يحدث بديار الأرمن في الوقت الذي يتابع فيه جيش المغول غاراته دون

стр. 245

انقطاع، ويقبض على بقايا الرعيّة فيأخذهم أسرى. كما كان جانب من الجيش الخوارزمي قد تفرّق مشردا في تلك الأطراف، فأخذ أفراده في قطع الطّريق/، حين سمع السلطان ذلك كلّه أمر- لفرط شفقته ورحمته- «كمال الدين كاميار» بأن يوجّه الحشم المنصور بأسره إلى تلك الحدود، وأن يعمل على إلحاق ديار الأرمن من «أخلاط» و «بدليس» حتى نواحي «تفليس» بسائر الممالك المحروسة. فانطلق الأمير كمال الدين بموجب الحكم مع العساكر كافّة، فلما بلغ أخلاط وجد تلك المناطق «كدار ما بها أدم» واستقبله جماعة ممن بقي من سراة الناس هناك دون قيل وقال وجواب وسؤال، وحملوا الرّاية في الحال إلى المدينة، وأقسموا على الولاء للسلطان، وجعلوا الخطبة باسمه. وغادر الجيش المدينة، وأمر بالنزول على شاطئ البحر، وسيّرت أفواج العساكر بصحبة الأمراء إلى كلّ ناحية، وفرضوا سيطرتهم على ممالك الأرمن بأسرها، بيمن دولة السلطان. وأرسل الأمير كمال الدين بخبر فتح ديار الأرمن، وما وقع لتلك الديار والدّمن من خراب، إلى الحضرة السلطانية، فسرّ السلطان بالفتوح، وأنفذ أمرا- بيمن نقيبة الأمير كمال الدين واستمالته وسائر الأمراء الذين كانوا يتولّون قيادة الجند- بأن يسلّم «الصّاحب ضياء الدين قرا أرسلان»، و «سعد الدين المستوفي الأردبيلي» و «تاج الدين پروانه ابن القاضي شرف» من المال ما يذهبون به نحو أخلاط والأرمن، ويدبّرون أمر تلك البلاد؛ فيعيّنوا أبواب الإنفاق، ويقّيدوا أملاك الغائبين والقتلى، وأن ينصرف الأمير كمال الدين صوب «أرزروم» ويبقى هناك في انتظار الأوامر. فلما وصل الصاحب و پروانه

стр. 246

والمستوفي (١) هناك كان لابد للأمير كمال الدين من مادة الجير لإعادة بناء ما تخرّب من أبنية القلاع/، فأخذ يسلّم حجر الجير والتّبن في نواحي «عادل جواز». وأمر كل واحد من الأمراء بأن يبني بضعة أفران كبيرة، ويباشروا العمل، فأقاموا في يومين أو ثلاثة آلاف قمينة من قمائن الجير، وأخذوا يحملونه بالجمال إلى أرزن الروم، وصل أمر باستدعائه وبالسماح للعساكر بالعودة إلى أوطانها، فسمح للجند في الحال، وانطلق بنفسه عازما على المثول في الأعتاب السلطانية. حين لحق الصّاحب ضياء الدين وتاج الدين پروانه وسعد الدين المستوفي- وفي صحبتهم ألف فارس من المفاردة- بإقليم أخلاط، نصبوا الدّيوان، فسجّلوا كل الأملاك والعقارات، ودعوا المزارعين وأرباب الأراضي للعودة إلى أراضيهم ومياههم، وسلّموهم البذور والماشية، وأسقطوا عنهم التّكاليف المعهودة. كما استدعوا محافظي القلاع، وضبطوا الإيرادات والمصاريف العامّة. ولما وصل الخبر لولاية «الكرج» و «أرّان»، توجّه إلى الأوطان كل من فرّ وتفرّق، وما لبثت الولاية أن عمرت في أقلّ مدة. ثم إنّهم فوّضوا قيادة جيش تلك الممالك «لسنان الدين قيماز»، وكان أميرا شجاعا وقائدا عسكريا ذا دراية وتجربة. فبلغه أن «قير خان» قد نزل «بتطوان» مع جماعة من جند الخوارزمية، وأن الولاية ليست بآمنة من جهته. وكان السلطان قد سمح بدعوته للولاء لأعتابه.

стр. 247

وذات يوم تغيّب «سنان الدين قيماز» مع غلام وركابيّ فقط عن أنظار الأمراء، وتوجّه صوب «طاطوان»، فلما اقترب أدرك رجلا من جيش الخوارزمية وقال: أخبر الخان أنّه حين غلبت قايماز/ الحاجة للّقاء جاء أعزل من السلاح. فعسى أن يسمح له بالتشرّف بالخدمة. فلما سمع «قير خان» ذلك تملّكه العجب، وأرسل واحدا من ملازميه- كان ذا دراية- لاستقباله لكي يتبين صحّة الخبر. فلمّا تحقق أنه هو، ذهب «قير خان» بنفسه لاستقباله مع شخص واحد هو حاجبه، فلما حصل اللقاء وتلاطفا طويلا استأذن الأمير «سنان الدين» وذهب عند زوجة قير خان وأبلغها السّلام وسألها عن نكبات الأيام وواساها ثم عاد إلى قير خان، وطلب طعاما على سبيل التبسّط، فأتوا بما كان حاضرا من الطّعام. وبعد تناول الطّعام انتزع «سنان الدين» مصحف الحمايل من غلافه ثم وضع يده عليه وأقسم أن أمراء السلطان لا يحملون في قلوبهم أيّ ضغن لقير خان وسائر أمراء الخوارزميّة، ولن يسيئوا لهم، وكلّ ما يعّولون عليه أن ينتقلوا من هذا التشرّد إلى حالة من الأمن والاستقرار، وليس أدلّ على ذلك من أنّ السلطان قد قال للصّاحب بأن يدخلكم في دائرة الطّاعة. فإن وافقكم هذا الأمر فيتعين على قير خان وسائر الأمراء أن يقسموا بأنّهم مع السلطان جميعا في السرّ والعلن. فاجتمع «قير خان»، و «بركت»، و «يلان نوغو» (١) و «سارو خان» و «كسلو سنكم» والأمراء الآخرون بأسرهم، وأقسموا على ذلك كلّه، وأتوا بالخمر، فلمّا تداولوا عدة أقداح اعتذر «سنان الدين» وطلب السّماح بالعودة

стр. 248

لإبلاغ الصّاحب وباقي الأمراء، وتم الاتّفاق/ على أن يركبوا عند الصّبح ويدخلوا بساتين المدينة لكي يقوم أمراء الدّولة وأكابرها باستقبالهم ويتمّ هناك إقرار ما يلزم من مهمّات والتّأكيد عليه. وحين دخل سنان الدين قيماز المدينة كانت صلاة العشاء قد قضيت، وقد نهض أركان الدّيوان فسأله الصاحب عن سبب غيبته فأخبره بالأمر، فأثنوا جميعا على فرط كفاءته وشجاعته. وأمر الصّاحب بإعداد مائدة كبرى. وفي اليوم التّالي حين طلع كوكب الشّمس وأطلّ من قلل جبال المشرق، كان قير خان وسائر أمراء الخوارزميّة قد وصلوا إلى أطراف المدينة، فخفّ تاج الدين پروانه وسنان الدين قيماز وسائر الأمراء للاستقبال، وأنزلوهم بأحد البساتين، ووضعوا من الأطعمة ما كانوا قد أعدّوه، وبعد الفراغ طلب تاج الدين پروانه تجديد القسم رغبة في تأكيده. فأعاد قيرخان والأمراء الآخرون القسم على نحو ما فعلوا بالأمس. فلما حصل لپروانه وسائر الأمراء اطمئنان البال، دخل بروانه المدينة ليلا وأعاد على سمع الصّاحب ما كان قد تم تدبيره وجمعه من مهمات، فأمر الصّاحب بأن يعدّوا أضعاف مأكولات الأمس. وفي اليوم التالي خرج بنفسه من المدينة بموكب حاشد تحفّه الزينة والجلال، فلما أبلغ قير خان بوصول موكب الصاحب جاء لاستقباله، فتعانقا. وواسى الصّاحب قير خان، ونزلا ببستان، وكرر الصّاحب لقير خان العهد والميثاق بالأيمان المؤكدة، وقسّم كل ولايات أرزن الروم عليه هو وباقي القادة، والتمس الأعذار لأنه إنما يتم الاقتصار حاليّا على هذا القرار، فإذا ما وصلنا لخدمة السلطان فسوف يجري تعزيز كامل. ثم ذهب إلى المدينة، وكتب على التّوقيعات السلطانية التي كان قد

стр. 249

اصطحبها معه مواثيق باسم كلّ واحد من/ أمراء الخوارزمية. وفي الصّباح الباكر أرسل المواثيق مع ثلاثمائة، من الأعلى والأوسط والأدنى إلى قير خان. وفي اليوم التّالي ارتحل قير خان مع جميع أتباع الخوارزميّة إلى أرزروم. ذكر غارة المغول على الخوارزمية وتفرّقهم حين ارتحل الخوارزميون من إقليم «أخلاط»، وانطلقوا صوب أرزن الروم، ولحقوا «بطو غطاب»، صادفهم في الطريق مرج كأنه من روضات الجنان، فراقهم لخصب منبته ولطف مرعاه، وفتنوا به، ونزلوا جميعا دفعة واحدة، وأنزلوا السّروج عن ظهور الخيول ووضعوها على الأرض، وتخلّوا عن أسلحتهم، ووضعوا رؤوسهم على وسادة الرّاحة، ثم راحوا في نوم عميق. وفجأة أغارت عليهم من أحد الوديان كتيبة مغولية، فجعلت عددا لا حصر له منهم علفا للسيوف، بينما نجا بروحه كلّ من أعطي مهلة في الأجل، وشردوا في الوديان فرادى وجماعات. وحين حسم جيش المغول أمر الخوارزميين، كانت السّماء قد اصفرّت [ومالت نحو الغروب] فجاءوا إلى أبواب «أخلاط» بسيوف رزقاء ملوّثة بالدّم، فلزم الفرسان والكتّاب الذين كانوا في المدينة الحيطة والحذر طول اللّيل، وتأهّبوا للقتال والنّزال. وعندما انبلج الفجر كان جيش المغول قد ارتحل، وترك النّيران في مكانها مشتعلة. فدفع الصّاحب عددا من الفرسان للتحقّق من الأمر، فدقّقوا النّظر في المكامن والمهارب والمسارب والكهوف، فلم يعثروا على أيّ أثر. وفجأة خرجت عجوز وهي تزحف من فتحة أحد الجدران، وأسرعت نحو الفرسان،

стр. 250

فحملوها إلى الصّاحب. كانت تلك المرأة أمّ (١) قير خان، قالت:/ ما إن استغرقنا في النّوم بصحراء «طوغطاب»، حتى هجم علينا فجأة سبعمائة رجل من لابسي الدروع من جيش المغول، كانوا قد ظلّوا يقودون خيولهم من «مغان» إلى تلك المنطقة طوال ستة أيام بلا توقّف، فنجا كلّ من كان متيقّظا وأتيح له الإمساك بدابّة من الدوابّ، فصعد جبلا أو هرب في واد. ثم إنهم أخذونا وساقونا إلى أن رأوا الفرسان. فاتّخذت من ظلمة الليل وقاء عصمني، وتخفّيت في فتحة بأحد الجدران. ومن ذلك الحين وأنا لا أعلم شيئا عن أحوال الخوارزميّة. قال الصّاحب: أليس من العار أن يعجز أربعة آلاف رجل من الخوارزميّة عن التصدّي لسبعمائة رجل من التّتار؟ أجابت العجوز: لو ألقيت قلنسوة مغولي وسط آلاف مؤلّفة من الفرسان الخوارزمية لولوا الأدبار جميعا، هكذا تمكن رعب المغول في قلوب الخوارزميّة. فانفعل الصّاحب لقول أنثى الضبع تلك، وقال يجدر بنا قبل أن ينقلب المغول ويحاصروا المدينة أن ننطلق إلى أرزروم [فاستصوب كلّ أصحابه هذا الرّأي] (٢)، وأخذوا في تدبير الأمور الهامة للمالك، وحملوا من العلف ما يكفي لأربعة أيّام ثم سلكوا طريق أرزن الروم. وهناك جاء الرّسل من كلّ ناحية بأن كل فرد من جنود الخوارزمية قد انتهى به المطاف إلى إحدى النواحي. فأرسل الصاحب مبعوثين لدعوتهم إليه، فجاءوا
следующие страницы →