← История

История · id 122237

أخبار سلاجقة الروم = مختصر سلجوقنامه

مجهولون

Полный текст (439 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والمستوفي (١) هناك كان لابد للأمير كمال الدين من مادة الجير لإعادة بناء ما تخرّب من أبنية القلاع/، فأخذ يسلّم حجر الجير والتّبن في نواحي «عادل جواز». وأمر كل واحد من الأمراء بأن يبني بضعة أفران كبيرة، ويباشروا العمل، فأقاموا في يومين أو ثلاثة آلاف قمينة من قمائن الجير، وأخذوا يحملونه بالجمال إلى أرزن الروم، وصل أمر باستدعائه وبالسماح للعساكر بالعودة إلى أوطانها، فسمح للجند في الحال، وانطلق بنفسه عازما على المثول في الأعتاب السلطانية. حين لحق الصّاحب ضياء الدين وتاج الدين پروانه وسعد الدين المستوفي- وفي صحبتهم ألف فارس من المفاردة- بإقليم أخلاط، نصبوا الدّيوان، فسجّلوا كل الأملاك والعقارات، ودعوا المزارعين وأرباب الأراضي للعودة إلى أراضيهم ومياههم، وسلّموهم البذور والماشية، وأسقطوا عنهم التّكاليف المعهودة. كما استدعوا محافظي القلاع، وضبطوا الإيرادات والمصاريف العامّة. ولما وصل الخبر لولاية «الكرج» و «أرّان»، توجّه إلى الأوطان كل من فرّ وتفرّق، وما لبثت الولاية أن عمرت في أقلّ مدة. ثم إنّهم فوّضوا قيادة جيش تلك الممالك «لسنان الدين قيماز»، وكان أميرا شجاعا وقائدا عسكريا ذا دراية وتجربة. فبلغه أن «قير خان» قد نزل «بتطوان» مع جماعة من جند الخوارزمية، وأن الولاية ليست بآمنة من جهته. وكان السلطان قد سمح بدعوته للولاء لأعتابه.

стр. 247

وذات يوم تغيّب «سنان الدين قيماز» مع غلام وركابيّ فقط عن أنظار الأمراء، وتوجّه صوب «طاطوان»، فلما اقترب أدرك رجلا من جيش الخوارزمية وقال: أخبر الخان أنّه حين غلبت قايماز/ الحاجة للّقاء جاء أعزل من السلاح. فعسى أن يسمح له بالتشرّف بالخدمة. فلما سمع «قير خان» ذلك تملّكه العجب، وأرسل واحدا من ملازميه- كان ذا دراية- لاستقباله لكي يتبين صحّة الخبر. فلمّا تحقق أنه هو، ذهب «قير خان» بنفسه لاستقباله مع شخص واحد هو حاجبه، فلما حصل اللقاء وتلاطفا طويلا استأذن الأمير «سنان الدين» وذهب عند زوجة قير خان وأبلغها السّلام وسألها عن نكبات الأيام وواساها ثم عاد إلى قير خان، وطلب طعاما على سبيل التبسّط، فأتوا بما كان حاضرا من الطّعام. وبعد تناول الطّعام انتزع «سنان الدين» مصحف الحمايل من غلافه ثم وضع يده عليه وأقسم أن أمراء السلطان لا يحملون في قلوبهم أيّ ضغن لقير خان وسائر أمراء الخوارزميّة، ولن يسيئوا لهم، وكلّ ما يعّولون عليه أن ينتقلوا من هذا التشرّد إلى حالة من الأمن والاستقرار، وليس أدلّ على ذلك من أنّ السلطان قد قال للصّاحب بأن يدخلكم في دائرة الطّاعة. فإن وافقكم هذا الأمر فيتعين على قير خان وسائر الأمراء أن يقسموا بأنّهم مع السلطان جميعا في السرّ والعلن. فاجتمع «قير خان»، و «بركت»، و «يلان نوغو» (١) و «سارو خان» و «كسلو سنكم» والأمراء الآخرون بأسرهم، وأقسموا على ذلك كلّه، وأتوا بالخمر، فلمّا تداولوا عدة أقداح اعتذر «سنان الدين» وطلب السّماح بالعودة

стр. 248

لإبلاغ الصّاحب وباقي الأمراء، وتم الاتّفاق/ على أن يركبوا عند الصّبح ويدخلوا بساتين المدينة لكي يقوم أمراء الدّولة وأكابرها باستقبالهم ويتمّ هناك إقرار ما يلزم من مهمّات والتّأكيد عليه. وحين دخل سنان الدين قيماز المدينة كانت صلاة العشاء قد قضيت، وقد نهض أركان الدّيوان فسأله الصاحب عن سبب غيبته فأخبره بالأمر، فأثنوا جميعا على فرط كفاءته وشجاعته. وأمر الصّاحب بإعداد مائدة كبرى. وفي اليوم التّالي حين طلع كوكب الشّمس وأطلّ من قلل جبال المشرق، كان قير خان وسائر أمراء الخوارزميّة قد وصلوا إلى أطراف المدينة، فخفّ تاج الدين پروانه وسنان الدين قيماز وسائر الأمراء للاستقبال، وأنزلوهم بأحد البساتين، ووضعوا من الأطعمة ما كانوا قد أعدّوه، وبعد الفراغ طلب تاج الدين پروانه تجديد القسم رغبة في تأكيده. فأعاد قيرخان والأمراء الآخرون القسم على نحو ما فعلوا بالأمس. فلما حصل لپروانه وسائر الأمراء اطمئنان البال، دخل بروانه المدينة ليلا وأعاد على سمع الصّاحب ما كان قد تم تدبيره وجمعه من مهمات، فأمر الصّاحب بأن يعدّوا أضعاف مأكولات الأمس. وفي اليوم التالي خرج بنفسه من المدينة بموكب حاشد تحفّه الزينة والجلال، فلما أبلغ قير خان بوصول موكب الصاحب جاء لاستقباله، فتعانقا. وواسى الصّاحب قير خان، ونزلا ببستان، وكرر الصّاحب لقير خان العهد والميثاق بالأيمان المؤكدة، وقسّم كل ولايات أرزن الروم عليه هو وباقي القادة، والتمس الأعذار لأنه إنما يتم الاقتصار حاليّا على هذا القرار، فإذا ما وصلنا لخدمة السلطان فسوف يجري تعزيز كامل. ثم ذهب إلى المدينة، وكتب على التّوقيعات السلطانية التي كان قد

стр. 249

اصطحبها معه مواثيق باسم كلّ واحد من/ أمراء الخوارزمية. وفي الصّباح الباكر أرسل المواثيق مع ثلاثمائة، من الأعلى والأوسط والأدنى إلى قير خان. وفي اليوم التّالي ارتحل قير خان مع جميع أتباع الخوارزميّة إلى أرزروم. ذكر غارة المغول على الخوارزمية وتفرّقهم حين ارتحل الخوارزميون من إقليم «أخلاط»، وانطلقوا صوب أرزن الروم، ولحقوا «بطو غطاب»، صادفهم في الطريق مرج كأنه من روضات الجنان، فراقهم لخصب منبته ولطف مرعاه، وفتنوا به، ونزلوا جميعا دفعة واحدة، وأنزلوا السّروج عن ظهور الخيول ووضعوها على الأرض، وتخلّوا عن أسلحتهم، ووضعوا رؤوسهم على وسادة الرّاحة، ثم راحوا في نوم عميق. وفجأة أغارت عليهم من أحد الوديان كتيبة مغولية، فجعلت عددا لا حصر له منهم علفا للسيوف، بينما نجا بروحه كلّ من أعطي مهلة في الأجل، وشردوا في الوديان فرادى وجماعات. وحين حسم جيش المغول أمر الخوارزميين، كانت السّماء قد اصفرّت [ومالت نحو الغروب] فجاءوا إلى أبواب «أخلاط» بسيوف رزقاء ملوّثة بالدّم، فلزم الفرسان والكتّاب الذين كانوا في المدينة الحيطة والحذر طول اللّيل، وتأهّبوا للقتال والنّزال. وعندما انبلج الفجر كان جيش المغول قد ارتحل، وترك النّيران في مكانها مشتعلة. فدفع الصّاحب عددا من الفرسان للتحقّق من الأمر، فدقّقوا النّظر في المكامن والمهارب والمسارب والكهوف، فلم يعثروا على أيّ أثر. وفجأة خرجت عجوز وهي تزحف من فتحة أحد الجدران، وأسرعت نحو الفرسان،

стр. 250

فحملوها إلى الصّاحب. كانت تلك المرأة أمّ (١) قير خان، قالت:/ ما إن استغرقنا في النّوم بصحراء «طوغطاب»، حتى هجم علينا فجأة سبعمائة رجل من لابسي الدروع من جيش المغول، كانوا قد ظلّوا يقودون خيولهم من «مغان» إلى تلك المنطقة طوال ستة أيام بلا توقّف، فنجا كلّ من كان متيقّظا وأتيح له الإمساك بدابّة من الدوابّ، فصعد جبلا أو هرب في واد. ثم إنهم أخذونا وساقونا إلى أن رأوا الفرسان. فاتّخذت من ظلمة الليل وقاء عصمني، وتخفّيت في فتحة بأحد الجدران. ومن ذلك الحين وأنا لا أعلم شيئا عن أحوال الخوارزميّة. قال الصّاحب: أليس من العار أن يعجز أربعة آلاف رجل من الخوارزميّة عن التصدّي لسبعمائة رجل من التّتار؟ أجابت العجوز: لو ألقيت قلنسوة مغولي وسط آلاف مؤلّفة من الفرسان الخوارزمية لولوا الأدبار جميعا، هكذا تمكن رعب المغول في قلوب الخوارزميّة. فانفعل الصّاحب لقول أنثى الضبع تلك، وقال يجدر بنا قبل أن ينقلب المغول ويحاصروا المدينة أن ننطلق إلى أرزروم [فاستصوب كلّ أصحابه هذا الرّأي] (٢)، وأخذوا في تدبير الأمور الهامة للمالك، وحملوا من العلف ما يكفي لأربعة أيّام ثم سلكوا طريق أرزن الروم. وهناك جاء الرّسل من كلّ ناحية بأن كل فرد من جنود الخوارزمية قد انتهى به المطاف إلى إحدى النواحي. فأرسل الصاحب مبعوثين لدعوتهم إليه، فجاءوا

стр. 251

جميعا في خدمته، وقصّوا عليه ما حدث. فبالغ الصّاحب في استمالتهم وقال: المأمول إلا تتعرّضوا بعد ذلك لأي نكبة بجلال دولة السلطان، وأن تكون هذه آخر النّكبات وخاتمة المصائب. وأعطى لهم جميعا الثّياب والذّهب، فانطلقوا راضين صوب قيصريّة. وحين وصلوا إلى أعتاب السلطنة في قيصريّة، أثنى السلطان على الخدمات الرّائعة والآراء السّديدة للوزير وطيّب خاطر الخوارزميّة، ومنح «أرزنجان» لقير خان، و «أماسية» لبركت، و «لارندة» «لكسلوسنكم» / و «نكيدة» «ليلان نوغو» بصفة إقطاع. ذكر الحشد الذي جمعه الملك الكامل لغزو بلاد الرّوم، وانهزامه وعودته منكوبا مقهورا إلى القاهرة في سنة ٦٣٠ لم يقتصر الملك الكامل- لعقله النّاقص وشقائه الخالص- على ملك مصر وحكم بلاد اليمن، بل كان يريد الاستيلاء على مملكة الرّوم لتضاف إلى بلاده. وبدّل التوجّس والتّفرقة بالتّقارب والوحدة، فدعا كفرعون بالآية: فَحَشَرَ فَنادى (١) وأمر بأن يشنّ الأخوة هجوما مباغتا على بلاد الرّوم كسيل العرم، فلا يقع للسلطان علم بالأمر إلا بعد أن يغزو «الكامل» بلاد الروم ويجلس على العرش. وقد أنهي هذا الأمر في الحال إلى ديوان السلطان، فلما أحيط علما بهذا

стр. 252

التخبّط من جانب الكامل قال: إذا كان غرور الملك، [بمقتضى قول الله عن فرعون]: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (١) قد حمله على التّفرعن (٢) والإعراض عن قبلة المودّة، فقصد محاربة هذه الأسرة السلطانية، فإنّ المأمول أن يولّي وجهه صوب القاهرة مقهورا بأسرع ما يمكن وأن يلوذ بالفرار إلى مصر جزاء لما هو مصرّ عليه من الشرّ ويمزّق ثيابه ويلقي بها في النّيل حسرة على ما كان من ملكه للشام. وفي الحال أمر «كمال الدين كاميار» بأن يتوجّه دون إبطاء بمن حضر من الجند حول الأعتاب السلطانية إلي ممّر «آقچهـ» ويتّخذ اللازم لصيانتها، وألّا يبخل بشيء مما هو معروف عنه من حزم ودراية، لأن المواكب السلطانية ستنطلق في الأثر. فواصل الأمير كمال الدين مع الأمراء والقادة السّير بالسّري حتّى وصل إلى أوّل «الممر» / فسدّ المنافذ بالشجر والحجارة وشحنها بالمقاتلين. وبعد يومين أو ثلاثة وصل السلطان بعساكر وفيرة وبصحبته أمراء الرّوم وخوارزم، وما لا حصر له من العتاد والعدّة. وعندما كان يولي جيش الحبش الأدبار منهزما خوفا من جيش الصّين والختن (٣) كان الخوارزميّة والرّوم يخرجون من تلك الممّرات ويشتبكون في القتال والنّزال مع رجال الشام، فيقتلون ويجرحون الكثيرين من النّاس دون أن يلحق بهم- بقدر الله- أذى من قبل جيش الشام. وكان السلطان حينذاك

стр. 253

رطب اللّسان بقول الله تعالى: وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١). وذات يوم قال السلطان: ينبغي الوقوف بكل جدّية أمام جيش الشّام عند الصّبح، ولنفصل في هذا الخصام بحكم الحسام. فأخذوا في التأهّب والاستعداد طول الليل. وفي السّحر حين ركب قائد السيّارات حصان الفلك الأسود، وجرّد في معرض ميدان الأفق الشرقي خنجرا من شعاع جال مسرعا هنا وهناك، لبس السلطان بنفسه لأمة الحرب، وراح الأمراء الكبار بأسرهم في الحديد، وولّوا وجوههم صوب الخصم فرووا السيوف زمنا بأوداج الأعداء. ولم تكن الحرب العوان قد كشفت عمّن كان النصر معوانا له ومن لحق به الخذلان، ولم يكن الكاسر قد سلب المنكسر كرة الظّفر حتي شوهد فارس أقبل ثم وضع رأسه على الأرض، وقال: أيها المليك، تولت عداك (٢) فعند الصبح سلك الملك الكامل مع إخوته طريق الشّام، ففرح السلطان بتلك البشارة. وأراد الملك الكامل وإخوته الدخول من طريق «دوزخ دره» «وباغنبك»، وكانت العساكر المنصورة تحرس هذين الممرين، فلما بلغوهما وبدا من المتعذّر فتح ثغرة في الحصار المضروب اضطرّوا إلى التّنادي بالمثل القائل «الفرار بقراب أكيس» (٣)، واتجهوا إلي طريق حصن «منصور»، فلما بلغوه أضرموا النار في القلعة وخرّبوها، وولّوا وجوههم شطر مصر والقاهرة خوفا من بأس الدولة القاهرة: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (٤).

стр. 254

ذكر محاربة ملوك الشام وشمس الدين صواب لعساكر السلطان وانهزامهم وتحصّنهم بقلعة خرتبرت لما رجع الملك الكامل خاوي الوفاض من بلاد الرّوم سار إليه ملك خرتبرت لفرط عجزه، وكان قد تولّى بالولاء له وانخرط في زمرة المحبّين لدولته وقال: لقد اكتسبت عداء السلطان بسبب مودّتي لكم، فيلزم من باب المروءة أن تكون صيانة ملكي في ذمتكم. فندب الملك الكامل كلا من ملك حماة وملك حمص والأمير شمس الدين صواب- وكان زعيم الدار [وخادم حرم الملك الكامل] (١) والاعتماد كلّه على شجاعته- مع خمسة آلاف فارس للمحافظة على «خرتبرت». وحين رجع الملك الكامل جاء السلطان إلى ملطيّة، واستدعى العساكر التي كانت قد توجّهت لحراسة الممرّات، وأمر بمدّ الجسور على نهر الفرات، وأن تعبر العساكر بأسرها. فلما بلغوا صحراء خرتبرت، كان ملوك الشام قد نزلوا تحت «العقبة» (٢)، وأخذوا الأهبة للقتال، فشرع مبارز الدين جاولي وبهرامشاه الجاندار وياقوت ميرداد وسائر الشّخصيات الكبيرة في تعبئة الميمنة والميسرة، وتقابل الجانبان، واصطفا صفوفا حتى انتصف النهار ولم تصدر عن الطّرفين حركة- لأنهم كانوا/ ينتظرون الأمير كمال الدين. وكان قد نما إلى سمع الأمير كمال الدين أن ملوك الشام يزمعون التحرك

стр. 255

للقتال عن طريق «البيرة»، فوجّه الجيش صوب ذلك الطّريق على سبيل الاحتياط. فلما وصل إلى هناك ولم ير أحدا انصرف إلى خرتبرت [وظل الأمير «مبارز الدين جاولي چاشني كير» و «شمس الدين ألتونبه چاشني كير» يتريثان ويتابطآن حتى تلحق بهما بقيّة العساكر] (١)، وأرسلا إلى [كمال الدين] رسولا فتباطأ ولم يتعجّل، فلما رأى الرّسول أنه سوف يحدث تهاون في الإمداد، صاح في الجند بأن عساكر الشام قد ولّت الفرار، وأن عساكر الروم التي كانت في مواجهتها قد نالت ما لا حصر له من الغنائم. وبهذا الإطماع انضمّ خمسة آلاف فارس بكل من «چاولي چاشني گير» و «ألتونبه چاشني گير». ولما رأت العساكر المصطّفة أن جندا قد وصلوا لمددهم هجموا، فردّ الشاميون هجومهم. فهجم عليهم «تاج الدين پروانه ابن القاضي شرف» مع عساكر «نكيدة»، وجاء «سعد الدين كوبك» من الميسرة إلى الميمنة، فألحقا بجند الشام هزيمة كاملة، وقتلت من الشاميين مقتلة عظيمة، ولم يقتل أحد في الحرب من هذا الجانب إلا أحد الفرنج، وأسروا سبعمائة من جند الشام وأرسلوهم إلى دهليز الفاتح. ثم إن الشاميين نزلوا وسط عقبة خرتبرت، وعاد الروم إلى مضارب الخيام. وفي اليوم التّالي وصل «كمال الدين كاميار» بجيش جرّار، فلما شاهد جند الشام من فوق العقبة عقاب مظلّة الفاتح، تدافعوا في هلع وذهول حتى دخلوا قلعة «خرتبرت» فدخل جند الرّوم المدينة بتؤدة، وبالغوا في النّهب وحرق الديار، وخرق الأستار/. وكان السلطان قد بقي في ملطيّة في انتظار من يبشره بالفتح.

стр. 256

ذكر والد ووالدة مؤلّف أصل هذا المختصر الأمير ناصر الدين أمير ديوان الطّغرا وهو مما ينبغي إيراده وفق مقتضى الحال كانت والدته «بيبي» المنجّمة، وهي بنت «كمال الدين السّمناني» رئيس أصحاب الشّافعي في نيسابور، وهي من قبل والدتها حفيدة «محمد بن يحيي» (١) برعت في علم النّجوم، ولما كان طالعها مشتملا على سهم الغيب فقد جاءت أحكامها في الغالب موافقة للقضاء والقدر. وعندما جاء «كمال الدين كاميار» في سفارة إلى السلطان جلال الدين عند باب «أخلاط»، رآها مقرّبة لخدمة السلطان، ووجدها مرجوعا إليها في أحكام النّجوم، وبعد عودته عرض هذه الحكاية على سبيل التندّر في أثناء المحاورة، ولما حدث للسلطان جلال الدين ما حدث، حيث حلّت به النّكبة من جيش المغول انتهى الأمر بهذه المرأة وزوجها إلى دمشق، فلمّا بلغ خبر ذلك للسلطان «علاء الدين» أرسل إلى الملك الأشرف رسولا لاستدعائهما، فأتى بهما إلى بلاد الرّوم معزّزين مكرّمين. ولما ذهب الجيش إلى خرتبرت حكمت بيبي المنجّمة بأنه في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية يصل من يبشّر بالنّصر والظّفر، فأخذ السلطان يترصّد ذلك اليوم ويتطلّع إلى وصول الرّسول في تلك السّاعة. وفجأة وصل الرسل بنبأ مفاده أن عساكر الشام قد خذلت ولجأت إلى «خرتبرت»، ولو تحرّكت الرّايات نحوها في أيّ لحظة سيتم فتح القلعة دون أدنى منازعة. فتزايدت ثقة السلطان بمهارتها في ذلك العلم من موافقة ذلك الحكم. وأطلق غلمان الخاصّ في الحال

стр. 257

لإحضارها، فلمّا دخلت قال: وافق حكم بيبي خاتون القدر الربّاني/. وألبسوها خلعة، وأمرها السلطان بأن تعرض كل ما تتمنّاه من أمنيات، فالتمست إسناد ديوان الإنشاء الخاصّ بالسلطان لزوجها «مجد الدين محمد الترجمان». وكان من سادات «كورسرخ»، ومن الشخصيات الهامة بجرجان، فتحقق لها ذلك دون أدنى تردّد، وظلّ دائما ملازما في الحضر والسّفر، وكان يحظى بالعطف الملكيّ، وبلغ أمره في تلك الدولة مبلغا بحيث لم يكن السلطان يرى من هو أصلح منه لحمل الرّسائل إلى البلاطات الكبرى كبغداد والشّام والخوارزمّيين «وجلال الدين مسلمان» (١) و «إيلچي» (٢) وقد انتقل إلى جوار ربّه في شعبان سنة ٦٧٠ هـ. نرجع إلى ما كنا بصدده، أمر السلطان فدقّوا في الحال طبول البشائر، وفي اليوم التّالي تحرّك موكب السلطان صوب خرتبرت، وما إن بلغوها حتى نصبوا ثمانية عشر منجنيقا، فأجالوا مجال الأمل وضيّقوا مدّة الأجل بتواتر الحجارة على المحصورين بالقلعة. ومن غرائب الاتّفاقات أنهم كانوا قد علّقوا حملا في تنّور بمطبخ ملك خرتبرت لكي يقدّم للملك وملوك الشام، فدخل المسؤول عن المطبخ وذكر أن حجر المنجنيق سقط على التنّور وأخذ الحمل وغيّبه في الأرض [ولم يعد له من أثر] (٣). وكان ملك حماة رجلا عاقلا، فقال: يا أصحاب الدولة، إنّ الدخول من

стр. 258

باب المقاومة أمر بعيد عن الحكمة والسداد. والرأي أن يذهب واحد منا إلى حضرة السلطان ويمسك بتلابيب كرمه فلعله يؤمّننا على أرواحنا. فاتفقوا جميعا على أن يأتي ملك حماة- الذى كان قد أشار بهذا الرأي- إلى خدمة السلطان، فحظي بالعاطفة الملكية وقرنت شفاعته بالإجابة بشرط ألا يخرج ملوك الشام وأمراؤه من القلعة شيئا قلّ أو كثر، وأن يقنعوا بخروجهم سالمين. وتمّ تسطير كتاب الأمان على هذا النحو، لكنّ/ حجارة المنجنيق واصلت العمل. وفي اليوم التالي خفقت عذبات (١) أعلام سلطان ممالك الشّرق على شرفات السّماء الزّرقاء (٢). فعلت الأصوات من القلعة طالبة الأمان، وطلبوا أن ترفع إليهم الراية السلطانية، فحمل «خاصّ طغرل» الرّاية إلى أعلى، ونصبها على جدار البوّابة، وكانت أصوات البشارات من الدّاخل والخارج تصل إلى أسماع الكواكب السيّارة. وخرج أمراء الشام وملوكهم من القلعة ونزلوا بموضع كان ضيوف الشّرف قد حدّدوه من قبل، فأرسل السلطان لكلّ خلعة على قدر مرتبته، وأمر بأن يحضروا إلى الحفل المضيء للعالم بعد صلاة العشاء، فدخل ملوك الشام وأمراؤه جملة وقد لبسوا الخلع، ونالوا من الطّعام والشّراب نصيبا ليس هناك ما هو أهنأ منه، بخلاف شمس الدين صواب الذي لم يلتفت إلى الخلعة، ولم يتناول كسرة خبز في الخوان. فضاق السلطان بتنّمره وتجبرّه، وقال للأمير «كمال الدين» إنه لم يلبس ثوبنا الأسود ولم يأكل خبزنا. فأجاب كمال الدين: قد أكل بكلتا يديه وبلغ به الشبع مبلغه. فتبسّم السلطان لسماع تلك اللطيفة.

стр. 259

وفي اليوم التّالي نودي في الجند: كلّ من يبيع دوابّ للشاميين لن يكون جزاؤه إلا القتل والصّلب. وما كان هذا الاستخفاف [بالملوك وهو أمر لم يكونوا يستحقونه] (١) إلا بسبب فساد رأي «صواب». وفي اليوم التّالي حصل الملوك على الإذن بالانصراف فيمّموا وجوهم شطر أوطانهم. وكانت الرّطوبة قد غلبت علي مزاج «صواب» فعجز عن المشي، فأخذ غلمانه يحملونه بالتّناوب على درع كرجي، حتى بلغوا به حدود الشّام. وفي اليوم الذي نال فيه الملوك الإذن [بالانصراف] أصعد السلطان النوّاب والأمناء إلى القلعة لتدبير أمورها (٢). ثم اتجه صوب قيصريّة، وأصدر أمرا «لكمال الدين كاميار» و «إياز الشرابسالار» لكي يطهّرا الملكين اللذين أنجبهما من الملكة العادلية/ ويقوما بختانهما وفق رسوم الختان السلطانية. وانطلق بنفسه عازما على بلوغ مشتى أنطاكية وعلائية. ذكر فتح حرّان والرّها والرّقة وتوابعها ولواحقها حين عزم موكب ملك النّجوم على الانصراف- بالأمر الإلهي- من برج القمر إلى برج الحمل، وكسا بصنعته أطراف قلل الجبال بالحليّ والحلل. انطلق السلطان من أنطاكية وعلائية إلى قيصرية التى كانت مجمعا للعساكر. وأمر الأمير كمال الدين وسائر أركان الدّولة أن يعقدوا العزم على فتح حرّان، والرّها، والرقّة ومضافاتها، ويجعلوا من ديار العادل والكامل وقصورهما مجاثم للسّكون، ومرابض للظّباء والأنعام.

стр. 260

فانطلق ملك الأمراء كمال الدين بخمسة آلاف فارس كالبرق اللّامع. وما إن بلغ تلك النّواحي حتى نصب المجانيق، ورغم أنّ شرفة «حرّان» كانت تسامت برج النّجوم، وتستنكف عن أن يذكر بين يديها جبل «قاف» كما كانت أمواج خندقها توقع الرّعدة في روح البحر الأخضر، فإن الرّجفة أخذتها من كل جانب بسبب تواتر الهجمات ووقع أحجار المجانيق في بيوت ساكنيها والحجرات. لكنهم- إنصافا لهم- صابروا مدة شهرين. فلما عجزوا عن تجرّع ما للصبر من كاسات مريرات، وشرع عسكر الكرج والفرنج في إيذاء كرائم حريم المسلمين في المدينة، صرخوا طالبين الأمان لتسكين هذه الفتنة وخوفا على أرواحهم. وأرسلوا الأكابر لخدمة ملك الأمراء. فاشترطوا عليهم إلا يحملوا خارج القلعة شيئا سوى الأطفال والعيال، وأن ينزلوا منها عارين كالحليب/ ويخرجوا خروج الشّعرة من العجين. فرفعوا الرّاية السلطانية وصعد الأمراء إلى القلعة وهي خالية، فأثبتوا في الدفاتر ما لا حصر له من الأموال والخزائن، وشحنوها في الصناديق ثم ختموا عليها (١)، وأبلغوا السلطان. فأمر- بعد أن أثنى على ما بذلوه من مساع- بأن يرسلوا الخزائن بكل حيطة إلى الخزانة العامرة، ويتركوا بالقلعة ما لابد من وجوده بها، ويرسلوا ما تبقى مما انتقوه لكي ينقل إلى ملطيّة المحروسة. ثم إنّ عليهم المبادرة بترميم ثغرات القلعة، والتّوجه بعد إنجاز المهامّ إلى الأعتاب السلطانية. وبعد عودة ملك الأمراء والعسكر من فوق قلعة حرّان وصل رسل ملطيّة فجأة بخبر مفاده أن الملك الكامل عاد إلى حرّان واستولى على القلعة ثانية بحصارها، ووضع المحافظين والجند والنواب في أجولة وحمّلها على الجمال

стр. 261

وأرسلها إلى مصر، وزجّ بهم في السّجن المؤبّد. ومع أن السلطان انفعل بهذا الخبر لكنه استشهد بالمثل القائل «فيوم لنا ويوم علينا»، وقال إنّ استرجاع حرّان ليس بالأمر المهمّ، والرأي أن تنطلقوا لمحاصرة «آمد». أجاب «كمال الدين كاميار» إن أمر السلطان سليم، وإن العساكر المنصورة لو قصدت قلاع الأفلاك لمرّغت أبراجها في التراب بغير عناء، ولكن لما كانت «آمد» مدينة لها قلعة هي جبل صلد، ولم يقيّض لأيّ سلطان سبق أن يفتحها، فهيهات هيهات أن تتمّ السّيطرة عليها، لكنّ أغلب الظنّ أنّها تفتح في ثلاث سنوات متتابعة بحيث يتمّ في السنة الأولى إحراق مزروعاتها، ونهب مواشيها وأسر رعاياها ومزارعيها ونكبهم. ولا يسمح لمدّة سنة أخرى أن يصل إليهم مدد يشكل مخزونا احتياطيّا لديهم. وفي السّنة الثّالثة يمكن أن يمسكوا بتلابيب الأمان ويسلّموا المدينة./ ونظرا لأنه أحجم بهذه العبارة عن محاصرة «آمد»، [فقد توقّف السلطان في الأمر] (١). ذكر تصدّي تاج الدين لمحاصرة آمد وعودته خائبا ذات يوم، وفي أثناء معاقرة الخمر وتداول الأقداح قال «تاج الدين پروانه» ابن القاضي شرف الدين الأرزنجاني، ترويجا لسوقه ونيلا من مكانة كمال الدين كاميار- وكان أهل العالم بأسرهم يحسدونه- قال وقد وجد السلطان في حالة من الانشراح والارتياح: لو أذن السلطان للملوك بأن يتوجّه بالجند القدامى بمن فيهم الخوارزميين إلى «آمد» فسوف يستولي عليها خلال ستّة أشهر بل أقل.

стр. 262

فأكرمه السلطان حين ألزمه بذلك، وفوّض إليه زعامة الجيوش، وسيّر في صحبته الجند ومعهم الآلات الحربّية والعتاد والعدّة المزّينة. فلمّا وصل إلى هناك، قضى مدّة في حصارها، فما ظهر لذلك من أثر، وعمد «قيرخان» وسائر أمراء خوارزم- انطلاقا من الحقد الذي ملأ قلوبهم من جهة الملك الغازي وبدر الدين لولو والملك المنصور صاحب ماردين، لكونهم لم يلتفتوا إلى السلطان جلال الدين عندما لجأ إليهم- عمدوا إلى الإغارة على تلك البلاد، وأشاعوا بها الخراب حتى أبواب «سنجار» حيث أعملوا فيها القتل والسّبي والحرق والنّهب. وتم إبلاغ الأمر لحضرة السلطان، لكنه كان مصّرا على فتح «آمد»، وأرسل الصاحب شمس الدين الإصبهاني بجيش آخر مع ما لا يدخل في الحصر من مال وعتاد حتى إنه حمل على الجمال برسم المنجنيق حصى مستديرا من الحديد فئة المنّين (١) والثلاثة أمنان والخمسة أمنان، فامتنع ذلك الفتح عليه أيضا، وظلّ خائفا من غضب السلطان [وحلّ فصل الشتاء] (٢) فاتّخذوا من ذلك وسيلة لكي يزعموا للحضرة أنّ أمر «آمد» كان لابدّ أن يحسم، لكنّ حلول الشّتاء المفاجئ أضعف من حماس العساكر وحدّ من حركتهم. فنالوا بهذه الوسيلة رخصة التفرّق والعودة، لكنّ السلطان قال: لابدّ لي من مزاولة الأمر ومباشرته بذات نفسي في العام القابل، وأتمّ تلك المهمّة على أكمل وجه. ولما وصل الأمراء إلى الخدمة لم ينطق بعتاب وتجاوز عمّا فات.

стр. 263

ذكر ورود رسل بلاط [أو كتاي قاآن] (١) إلى السلطان علاء الدين كيقباد حكى الأمير شمس الدين عمر القزويني المعروف بسروران (٢) [وهو من أكابر منطقة قزوين] (٣) فقال: عرضت لي حادثة من أحداث الأيّام ووقائع الدّهر، ففارقت وطني القديم الذي كان مقطع السّرّة ومجمع الأسرّة، وسلكت طريق التّجارة. فلما بلغت مدينة «أرزروم» ورأيتها مشحونة بالنّعمة والرّاحة، أقمت هناك مدة، وحصلت مالا ومتاعا وفيرا ونعمة متزايدة. وفجأة عزمت على السّفر إلى «تركستان» (٤) فصنّعت ألوانا من الجواهر والمرصّعات، وقضيت مدة في استكمالها ثم قلت لنفسي هذا متاع لا يليق إلا بخزانة إمبراطور. فأسرجت مطيّة السفر، وفتحت على نفسي الطّريق إلى تلك الحضرة، فلما بلغتها أبرمت صفقة ناجحة وزاولت تجارة رابحة. وكان الإمبراطور حاضرا وقت عرض الأمتعة فقال لي: من أين جئت؟ قلت: من بلاد الرّوم. قال: تلك البلاد التي بيد السلطان علاء الدين كيقباد؟ قلت: نعم. قال: ما طريقته في السّياسة والملك؟ قلت: على النّحو الذي يروق للإمبراطور. وليس في الإسلام سلطان مثله: عدل شامل، وعقل كامل،

стр. 264

وملك معمور، ومال موفور، ورعيّة مسرورة (١). فقال: من الظلّم أن نحرم هذا السلطان من عنايتنا، ولندعوه لكي يصبح على ذمّتنا، ويبقى ملكه ورعيته عامرين، فإن أرسلتك رسولا إليه فاذهب. فقلت: ما أنا إلا امرؤ تاجر، لا علم لي بدقائق الرّسالة والسّفارة، فلعلي أهمل دقيقة لا علم لي بها، فألام عليها. قال: طالما وقع نظرنا عليك، واخترناك لمثل هذا العمل، فإن الله سيجري على لسانك ما يرتضيه النّاس كافة. ثم أرسلني إلى خدمة السلطان مع اثنين من خدم المغول هما «بدون» و «أرمتاي»، وعملة تذكارية ذهبية، وأخرى فضية، مع أمر ملكي مضمونه ما يلي: نص الأمر الملكي الذّى جاء إلى السلطان علاء الدين كيقباد يعلم العاهل العادل السلطان علاء الدين أنّنا قد انتهجنا منهجا حسنا في الحكم وسياسة الرعيّة، والقادمون والذّاهبون عنك راضون. فلقد سمعنا، ورضينا كلّ الرضا، وأرسلنا إليك ما يعبّر عن رضانا ومودّتنا، وأردنا أن تبقى على الدوام سعيد القلب في ملكك. ولمّا كان الله تعالى قد جعلنا عظماء وأعزّنا ووهب سطح الأرض لقبيلنا، ولما كنت أنت تسلك الطريق المرضيّ، فقد أصبح واجبا علينا إظهار حالنا لك، وإطلاعك عن طريق الرّسل والمؤتمرين بالأمر. ونحن إن أظهرنا أحوالنا ولم يسمع لنا كان جزاء من لا يسمعون أو يلوون رؤوسهم أن يقتحم جيشنا ولايتهم، فيقتلهم ويأسر النّساء والأطفال، ويغير على الأموال ويخرّب المتاع، وينزل به السّوء والضّرر، ولا نكون نحن السّبب في ذلك.

стр. 265

كتب في سنة «بيچين» ٦٣٣ من مقام بلاط «سبزه». فواصلت السّير إلى أن لحقت ببلاد الرّوم بعد أن طويت سجلّ مسالك الديار، فلما بلغت قيصرية كان السلطان بالعلائية، وكان مبارز الدين چاولي قد أرسل رسولا/ وعرض على السلطان حالنا. فأبقونا هناك حتى الربيع. وكان الأمراء يأتون لرؤيتنا كل يوم بعد التنزّه وقبل [إقامة الدّيوان] (١) وكانوا يرعون جانبنا أبلغ الرّعاية. ولما تبسّم وجه الرّبيع، وقدم السلطان من علائية إلى قيصرية استدعانا وعاملنا بكلّ احترام وتكريم، فلما سلّمت المرسوم (يرليغ) نهض واقفا وطالعه بنفسه. ولمّا نزل من فوق العرش وأحضرني إلى قاعة الخلوة وحدي دون الغلامين كان أول لفظ سمعته منه قوله: لله الحمد والشكر أن يكون الرّسول الذي وصل إلينا ممن اصطفاهم الله، فهو مسلم، فأصبح من أعزّ الله عزيزا علينا، ومذكّرا لنا. ثم إنه قال: إن التديّن يقتضيك أن تصدقني القول فيما أسألك عنه؟ قلت: سأفضي بكلّ ما أعرفه لحضرة السلطان في جميع الأحوال. قال: هل يطمعون في ملكنا لو صرنا نوابا عنهم؟ قلت: معاذ الله لا تكلف موالاتهم إلا أن يذهب المندوب للخدمة كلّ عام، ويحمل إليهم شيئا قليلا مما يرثّ من الملابس في الخزائن ومن المتاع ما يكبر سنّه بمرور الوقت في الرّوث والاسطبلات، والذّهب الذي يتعرض للتلف تحت الأرض، وأن يكون

стр. 266

في صّفهم ظاهرا وباطنا. فقبل السلطان النّيابة وأمر فأعدت التّحف والهدايا والطّرف الروّمية. وفجأة في الثالث من شوال سنة ٦٣٤ انتقل السلطان إلى جوار الحق- تعالى-. وجلس ابنه «غياث الدين كيخسرو» على العرش. فأرسل إليّ أنا والغلامين وقال: خاطبك أبي قائلا لك: يا أخي، وأنا أدعوك بقولي: يا أبي. وسأسلك بدوري طريق النّيابة. وبعث بالهدايا التّي كان السلطان علاء الدين قد أعدها بصحبة فخر الدين [المعروف بابن الحمّار المصري] (١) إلى ملطية. فلمّا/ وصل إلى ولاية خراسان كبسنا الملاحدة بجيش حاشد، وحملونا إلى «كردكوه» (٢)، فظللنا محبوسين مدة ثلاثة أشهر ويومين. ولما وصل خبرنا إلى الخدمة، صدر أمر إلي «جرماغون نوين» (٣) فخلّصنا من أيديهم. فلما وصلنا إلى الخدمة، وعرضنا أحوال الإعزاز والإجلال وقبول الطاعة، وترتيب التّحف، ووفاة السلطان علاء الدين، قال: «قيران»، «قيران»، «قيران» ثلاث مرات. ثم صدر الأمر بأن أذهب إلى الرّوم وأكون نائبا، فلمّا بلغت العراق كان «بايجو نوين» (٣) قد اصطدم في «كوسه طاغ» بجيش غياث الدين، وسارت الأمور في وجهة غير التي قدّمناها.

стр. 267

ذكر وفاة السلطان علاء الدين كيقباد (١) كانت شمس معالي السلطان علاء الدين كيقباد وجلاله في الحكم والسّداد قد بلغت درجة الكمال، لا بل حائط الزوال، وأذعن لحكمه عظماء الآفاق، وبدأ في مشاركة أمير المؤمنين المستنصر في المملكة بمقتضى ملك الأعمام، وخوطب بالسلطان الأعظم والقسيم المعظّم. وكان بحكم غبار الوحشة الذي علق بخاطره المبارك، قد أمر بجمع الجند في قيصرية لغزو ولاية الشام، وفوّض أمر العناية «بسيواس» إلى «قيرخان» بعد أن كان أمرها موكّلا إلى فخر الدين إياز «الشرابسالار». وكان أخصّ الخواص، وانتقل إلى جوار الحق. كما أقرّ ملك أرزنجان ثانية للملك غياث الدين. ورشّح «ألتونبة چاشني گير» لتولّي مهمة الأتابك (٢) وملك الأمراء لدولته. كما قرّر ولاية عهد/ سلطنة الرّوم للملك عزّ الدين قلج أرسلان، وألزم سائر الأمراء بمتابعة ذلك حتى اطمأنّ الجميع رغبا ورهبا فبايعوا، وأقسموا الأيمان المغلّظة الوثيقة على الولاء له والانقياد. فلما بزغ هلال شّوال سنة ٦٣٤، كان قد حشد في صحراء المشهد من الجند ما لم يكن بالإمكان حصره، وقد حضروا في ساحة العيد، واستعرض كلّ شخص ما يتقنه من فنون، ثم إنهم أخلوا الميدان، وانطلق السلطان خلف الأمير جلال الدين قراطاي قابضا على رمحه [زاعما أنه سيلقي به من فوق ظهر الحصان على الأرض] (٣) فلم يمكّنه الأمير جلال الدين من ذلك بروغانه،

стр. 268

وقد لعبا هذه اللعبة عدة مرات، ثم توّجه إلى خيمة ذات ثلاث قباب، وأدّوا صلاة العيد، ثم وضعوا الخوان، ورفعوه. وفي اليوم الثّالث من شوال أمر باستدعاء كلّ الرسل الموجودين بقيصرية لحضور الحفل السلطاني، وتجمّع الأمراء والأكابر والأماجد التّابعين للسلطنة، وجيء بآلات الطرب، وتصاعدت أصوات المطربين ذوي الألحان البديعة، وبدأ السّقاة ذوو النّطق الذهبية والسّيقان الفضّية في الدّوران على رؤوس الحرفاء كأنهم أشجار سرو سائرة، وصاح النّاي سريع الوقع بنداء (بيت): خذوا بنصيب من نعيم ولذّة … فكلّ وإن طال المدى يتصرّم وغراب البين ينعب بالنحيب مبلّغا أسماع الجلّاس ورضّاع الكاس بصوت مهول. نشيد: (شعر): كم جموع قد رأت أبصارنا … يمزجون الخمر بالماء الزّلال ثم صاروا في غد أيدي سبا … وكذاك الدّهر حال بعد حال وفجأة جاء «ناصر الدين على چاشني كير» بطائر قد شوي لحمه جيّدا ولا زال ساخنا إلى الحفل، فقطّعه وقدّمه للسلطان. وما إن تناول السلطان بضع لقيمات حتى ظهر تغيّر/ كامل في مزاجه الكريم، فأخذ أهل المجلس في التفرّق ذاهلين. وتجشّم السلطان- لفرط ما به من اضطراب والتهاب- الركوب إلى قصر «كيقبادية»، وقد أصابه فئ شديد. وقال لقراطاي: قد انتهى أجلي فبادر

стр. 269

باستدعاء «كمال الدين كاميار» لتزويده ببعض الوصايا، فأسرع غلمان الخاصّ في طلبه، فوصل الحضرة عند صلاة العشاء. وكان قد ظهر الكلال على القوّة الناطقة للسلطان حتى إنه كان يستخدم الإيماءات والإشارات، فما أدرك الأمير كمال الدين شيئا منها، ومن ثمّ سارع بالعودة إلى البيت. وكانت اللّيلة التي انتقل فيها السلطان من قصر «كيقبادية» إلى جنّة الرّضوان هي ليلة الاثنين الرابع من شّوال سنة ٦٣٤، وبعد يومين حمل جسده المطهّر إلى «قونية»، ودفن جنبا إلى جنب آبائه وأجداده. لقد أصبح قلب البرق بسبب ذلك مشوّيا، وامتلأ عين السّحاب بالدمع، وأخذت أمور الملك والملة منذ ذلك اليوم في التّراجع، وأصابها الفساد، ولحق الوهن بما يمسك السلطنة من نظام. وكان من عجائب الاتّفاقات أن الملك الكامل والملك الأشرف- وكلاهما كان يمنّي نفسه بالسّيطرة على بلاد الروم- قد لقيا حتفهما في هذه الأيّام نفسها. ووقع الهرج والمرج في أحوال ممالك الرّوم، فلم يذق حلق إنسان شربة هنيئة بهذه الممالك النّزهة العامرة، التي كانت موئل الغرباء وملجأ الضعفاء. ولم تنبثق من الأرواح والقلوب مئات الآلاف من أنهار الحماسة والفتوّة. ***

стр. 270

ذكر تمكّن السلطان «غياث الدين كيخسرو» «ابن كيقباد» على سرير السلطنة حين نصب السلطان علاء الدين كيقباد خيمة الرّوح في ظلّ الرّحمة/ الإلهيّة، وولّى وجهه صوب رياض جنّات النّعيم، نما إلى علم الملك «غياث الدين» ما اعترى حال السلطان من فساد. فسيّر في الحال الدّعاة إلى كل أمير من أكابر الدولة ودعاهم لموالاته ومناصرته. فوجد كّلا من «شمس الدين ألتونبه چاشني گير»، و «تاج الدين پروانه» ابن القاضي شرف، و «جمال الدين فرّخ» أستاذ الدار، و «سعد الدين كوبك»، و «ظهير الدّولة ابن الكرخي» سمح العنان سريع الإجابة في ذلك. وفي اليوم التّالي، كان الأمير «كمال الدين»، و «حسام الدين قيمري»، و «قيرخان» وأمراء آخرون يتنزّهون في الميدان دون أن يكون لديهم علم بما آل إليه حال السلطان، فرأوا غياث الدين مع الأمراء الذين كانوا قد أجابوا دعوته، وقد أسقط اللّجام وانطلق ليدخل المدينة، فذهبوا في الحال إلى قصر السلطنة، فلما رأوا المؤيّدين كثيرين، أقسموا على الوفاء لغياث الدين والولاء له. وحمل «ألتونبه چاشني كير»، و «جمال الدين فرخ لالا» السلطان وأجلسوه على العرش، وقبّلوا يده، ونثروا النّثار. فأمر بإطلاق سراح المسجونين في الحال، وإحكام بوّابات المدينة. ولما سمع «حسام الدين قيمري» أنّ الأمراء قد أجلسوا غياث الدين على العرش خلافا لقرارهم مع السلطان وعهدهم له (١)، أخذ منه الغضب كلّ

стр. 271

مأخذ، وقال للأمير كمال الدين وقيرخان إن الملك عزّ الدين موجود في «كيقباديّة» ولابد لنا من الحفاظ على عهدنا مع السلطان السّابق، وذلك بأن نجلس عزّ الدين على العرش. فمن عارضنا أحللنا دمه بطعن السيف، وألحقنا بوجوده الدّمار؛ الجيش معنا، وولاية العهد بأيدينا/ ولن نسمح أبدا بأن يحيق بنا هذا العار. وإذا عارضنا مؤيدّو غياث الدين حاصرنا مرادهم وحطمناه في حلوقهم. فوافق «قيرخان» «قيمري» في الأمر، بينما توقّف كمال الدين كاميار، والتمس لنفسه حججا وتعلّات. وفجأة جاء من المدينة خبر إلى كمال الدين بأن الأمر قد تعدّاكم، ولن يؤبه بكم. وكل من يسارع في المجيء يجد لنفسه مخرجا آمنا، وكل من أسلم نفسه لريح لا تنبعث من مهبّ موافقة السلطان غياث الدين لن يسلم من جرحه بمرهم النّدم. على أنّ الأمير كمال الدين لم يلتفت إلى ذلك أيضا، وظلّوا يطوفون بأطراف المشهد حتى صلاة العشاء. فلما رأوا أن لا جدوى من المماطلة والمضايقة، وليس بالإمكان تصوّر مزيد على حكم وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ (١)، دخل الأمراء الثلاثة المدينة، وهنّأوا السلطان بالسلطنة. وقد تقدم «تاج الدين پروانه» مسرعا لكي يلقّن الأمير كمال الدين القسم، فوضع يد الرفض على صدر مرامه، وأمسك المصحف المجيد بيده، وذهب عند العرش وأقسم بعبارة فيها من البلاغة والفصاحة ما تحيّر معه كل العقلاء وأصحاب الفضل الذين كانوا هناك. ثم حلف «قيرخان» و «قيمري» وغيرهما من الملوك والرّؤساء جميعا. وتقرّر الملك للسلطان غياث الدين كيخسرو، وأرسلت الأوامر إلى الأطراف متوّجة بتوقيع: الملك لله، وحرّر السجناء.

стр. 272

ذكر القبض على قيرخان وفرار الجيش الخوارزمي نحو الشام بدأ «سعد الدين كوبك» لخبث طينته وفساد دخله في مكره السيء، فألصق بقيرخان- وكان من كبار أمراء العساكر الخوارزمية-/ تهمة عند غياث الدين، فعرض عليه أنه سيضرب صفحا عن الولاء له، وسيغري به الأعداء إذا ذهب عن هذه المملكة إلى مكان آخر، حيث إنّه قد وقف على ما للملك والجيش من كمّ وكيف. والرأي أن يقيّد لكي يلزم الآخرون جادّة الإخلاص رغبا ورهبا، ولا يفكّرون في مفارقة هذه الحضرة. ولفرط السّذاجة، وبسبب الغرّة التي هي من لوازم الصّبا والشباب، أمر السلطان بإحضاره فحبسوه في مسجد قصر السلطنة، وحملوه باللّيل مقيدا إلى قلعة «زمندو»، فابتلي هناك بمرض وتوفّي. فلما سمع الأمراء الآخرون بذلك، لاذوا جميعا بالفرار، فعمّ التّزلزل وفشى الاضطراب في البلاد، وتعرّضت الولاية بأسرها للنهب والغارة. فندب السلطان «كمال الدين كاميار» لاستعادتهم، فانطلق بالجند [الموجودين بالحضرة] (١) متوجها إلى «ملطيّة»، وأرسل «أرتقش» قائد جند ملطيّة في إثرهم حتى «خرتبرت». وكان الخوارزميّون قد عبروا الفرات عن طريق «عرب كير»، فاعترض أرتقش مع سيف الدين بيرم «سوباشي» خرتبرت- طريق الخوارزميين، فأرسلوا

стр. 273

رسولا برسالة مضمونها: قد انتقلنا من التشرد إلى الهناء والدّعة في ظلّ السلطان السّابق، فلما انتقل إلى جوار ربّه ألقيتم بقائدنا «قيرخان» في السجن دون جرم جناه. فتركنا خدمة هذه الأسرة الملكيّة خوفا على أرواحنا وانطلقنا نجوس خلال الدّيار طلبا للرّزق، والمصلحة أن تعودوا أدراجكم، وألّا تلجئونا إلى الإعراض عن رعاية حقوق النّعمة وأكل الخبز والملح. غير أنّهم لم يعبأوا بهذه النّصائح لفرط/ ما بهم من غرور وعجب، واصطفوّا في مواجهتهم للقتال. فأصبح «شمس الدين بيرم» (١) في تلك المعركة مضغة لأنياب الذئاب [وصاروا طعمة للنّسور والعقبان] (٢)، وتمّ أسر «سيف الدولة أرتقش»، واستولى الخوارزميّون على الكثير من الخيول والأمتعة من تلك المعركة، وانطلقوا مسرعين لا يلوون على شيء صوب ديار الشّام، فاستولوا على «حرّان» و «الرّها»، و «الرّقة»، و «سروج»، وغيرها من المواضع. ولمّا علم «كمال الدين كاميار» بهزيمة الجيش اتخذت بومة الحزن لنفسها عشا في قلبه وروحه حال قيامه وقعوده، فأعوزه ما يستعين به على التقدّم للأمام، وما وجد مجالا للعودة. بيد أنه اضطرّ إلى العودة وأنهى الحال كما جرت للسلطان. وأتيحت «لكوبك» اللّعين في تلك القضيّة من الثّغرات الكبار ما أعانه على هدم ما أعلاه الأمير كمال الدين من مبان، وبلغ بالأمر في السرّ الحد الذي سيأتي ذكره حيث أذاق كمال الدين وعددا آخر من الأمراء شربة الهلاك.

стр. 274

ذكر شروع «كوبك» في قتل أكابر بلاد الرّوم سنحت «لكوبك» الفرص في أثناء غيبة الأمراء، فملأ وعاء غضب السلطان بما بدر من الأتابك «شمس الدين ألتونبه» من مساوئ، وكسب كوبك إلى صفّه في هذا المسعى «تاج الدين پروانه». وما ذلك إلّا لأنّ شمس الدين كان يطلق لسانه في بعض الأوقات قائلا: لابد من إبعاد هذا الكلب عن الحضرة وإلّا أصاب كلّ إنسان بجراحات. وكان الأمير «كمال الدين» يحول دون تنفيذ هذا الأمر. وذات يوم كان ديوان السلطنة مزدانا بأركان الدّولة، وأخذ «شمس الدين ألتونبه» يختال على أكابر رجال الديوان. فخرج «تاج الدين پروانه» و «كوبك» من عند السلطان، فوثب «كوبك» وقد أدخل خاتم السلطان في إصبعه/ فأمسك بشيبة «شمس الدين ألتونبه» البيضاء، وأخرجه من صفّ الأكابر وسلّمه لأحد الحرّاس لكي يذهب به إلى الخارج ويقتله شهيدا. ولم يجرؤ أحد على أن ينبس ببنت شفة. قال الصّاحب شمس الدين [الإصفهاني] لكمال الدين كاميار: إن لم نتدارك هذا الأمر سيتجرّأ كوبك ويصل شرّه إلى الآخرين، وينبغي الحيلولة دون هذه السّياسة. لكنّ كمال الدين لم يعبأ بالأمر، ولم يجد من المصلحة أن ينطق الصّاحب عن كوبك بكلمة واحدة. وراجت منذ ذلك اليوم سوق وقاحته، ثمّ إنه قلب «لتاج الدين پروانه» ظهر المجن، وأخذ يسعى سّرا وجهرا للقضاء عليه. ولذلك أبعد الأمير تاج الدين نفسه عن السّاحة، وطلب الإذن بالانصراف، وانطلق إلى «أنكورية» - وكانت إقطاعا له- وظل هناك يمضي وقته ويشغل نفسه باحتساء المدام وبذل الإنعام على الخاصّ والعامّ.

стр. 275

ذكر قتل الملكة العادليّة وحبس ابنيها عزّ الدين قلج أرسلان وركن الدين حين نشر سلطان الرّبيع أعلام التّمكين، وضربت عساكر الرّياحين خياما بلون الدّم في صحراء تفوح برائحة المسك، وانتقل السلطان من «أنطاكية» إلى «قيصريّة»، أمر «كوبك» بأن يفرّق بين الملكين ووالدتهم الملكة العادليّة، ووفقا للحكم أرسل الملكة إلى قلعة «أنكورية»، حيث خنقوها بعد مدة بوتر القوس (١)، بينما حمل الملكان إلى قلعة «برغلو» حيث تمّ حبسهما. كان السلطان «غياث الدين» قد أخلف [أبناءه] «عزّ الدين كيكاوس» من سيّدة «بردولية» (٢)، و «ركن الدين قلج أرسلان» من جارية روميّة، و «علاء الدين كيقباد» من ملكة الكرج، فقد فوّض «مبارز الدين أرمغانشاه» لكي يكون أتابك «عز الدين كيكاوس»، وأمره بالقضاء على أخويه (٣).

стр. 276

وكان «مبارز الدين أرمغانشاه» رجلا خيّرا حسن السيرة فتوقّف في قتلهما، ويقول بعضهم إنّه قتل غلامين بدلا منهما، وحمل علامة إلى السلطان. بينما تقول طائفة بأنّه قضى عليهما، مجمل القول أنّه لم يتم التأكد من قتلهما على يد مبارز الدين أرمغانشاه. (١) ذكر قتل «كوبك» لتاج الدين پروانه رحمه الله تعالى أسرّ الوشاة الأراذل والنمّامون الأشرار إلى «كوبك» أن «تاج الدين پروانه» لما وصل «آقشهر» ارتكب الفاحشة مع مطربة من مغنّيات ملك «خرتبرت» دون وجه من وجوه البيعة. وما إن سمع هذا الأمر حتى استفتى الأئمّة والقضاة: ما تقولون في حدّ الزاني المحصن في الشرع سيمّا في بيت وليّ النعمة. فأفتوا بأنّ جزاء الزّاني المحصن هو الرّجم. وفي وقت الخلوة بالسلطان أظهر «كوبك» تلك الفتاوى وقال له: لو تسامحتم فى هذا الأمر فسوف يتجرّأ الخدم ويطلقون أيديهم في أسر مخدوميهم. وبتأثير سورة الخمر تعجّل السلطان في إنزال العقوبة بپروانه، وسلّم الخاتم لكي يقوم «كوبك» بتلقينه جزاءه وفقا للشرع، وتم توقيع الأمر بذلك. فانتقل كوبك كأنه البرق المحرق والسيل المغرق إلى «أنكورية» في يومين، ونزل بها ومازال عليه غبار السفر بقصر السلطان، فاستدعى «تاج الدين پروانه» وأمراء المدينة وأئمتها، وأسمعهم صيغة/ الأمر. وأوثق قيده في الحال، واشتغل بضعة أيام في تتبع ما لپروانه من أموال وأسباب، فلمّا فرغ من ذلك أتى إلى

стр. 277

ميدان «أنكوريه» بذلك الأمير الوسيم الذي كانت الشّمس المنيرة تتوارى خلف حجاب السّحب غيرة من وجهه الأزهر، وكان عطارد يعضّ على أصابع النّدم لبراعته في الخطّ والبلاغة [فقد كانت له مشاركة كاملة في كل العلوم، وإن غلبت عليه العناية بعلوم الفقه والعربية] (١)، ولم يكن لذي روح أن يتجاسر على أن يلقي بورقة ورد على صدره الشّبيه بالياسمين- فدفنه حتى صرّته، وأمر العوام قسرا برجمه بالحجارة وإرسال روحه الطيّبة العذبة إلى الفردوس الأعلى، ثم إنّه أتى بمجمل أمواله من نقود وعقود إلى الخزانة. ولما أهدر «كوبك» دم هؤلاء الثلاثة (٢)، ولم يعترض أحد أو ينكره عليه، بلغ أمره حّدا جعل قلوب أغلب الأمراء تدين بالولاء والانقياد له رغبا ورهبا. ولم تكتحل عيون العظماء بنوم هادئ خشية منه وخوفا. كانت أمّه «شهناز خاتون» من بنات الأغنياء بمدينة «قونية»، وكان «غياث الدين كيخسرو» - والد علاء الدين كيقباد- مفتونا (٣) بذؤابتيها المفتولتين، إذ كان قد وقع في حبّها لجمالها النّادر الذي تملّك الحزن «ليلى» بسبب روعته، فأضحت في حزنها كالمجنون. فجيء بها إلى السلطان خفية، ثمّ أعادوها معزّزة مكرّمة. ولم يكن لأحد علم بشيء من هذا، اللهم إلّا جدته. فلما زفّت أمّه ونقلت إلى بيت أبيه كانت حاملا فيه لشهرين، وتحايلت فجعلت نفسها عذراء، ولفرط دهاء جدّته أظهرت أنّها حملت في ليلة الزفاف، «فلما انقضت سبعة أشهر ولدت». وهو يريد بهذا التّقرير المزوّر أن يدخل في روع الناس أنّه/ من أصل سلجوقيّ.

стр. 278

كذلك حمل السلطان بالتدليس والدّجل على أن يغيّر لون المظلّة الأسود إلى اللون الأزرق لكي يتناهى إلى علم حضرة الخلافة أن سلطان الرّوم قد شعر بالعار من شعار آل العباس، فأبعد شوب لونهم عن مظلّته، حتى إذا أصاب سهم مكيدته الهدف المطلوب بعد ذلك جعل هذا السبب عكّازا للاعتذار. ذكر فتح قلعة سميساط على يد «كوبك» كان «سعد الدين كوبك» يريد أن يلقى في قلوب الشاميين الرعب والهلع بطريق الاقتدار وفتح الدّيار والأمصار، فدفع بجند بلاد الرّوم صوب ديار الشام، وحاصر سميساط، ولما لم يكن للملوك الموجودين بها قبل بالمقاومة طلبوا الأمان، وبعثوا برسالة إلى كوبك: «معلوم لدينا أنه لا قبل لأحد بالحرب والنّزاع مع دولة السلطان، وما كانت هذه المقاومة التي أبديناها خلال هذه الأيّام القليلة إلا من كدر أصاب حظّنا المشئوم. فلو أنّ ملك الأمراء أعطانا الأمان، وعهد إلينا بصليب الصّلبوت الذي كان- من قديم- بعهدة أجدادنا في هذه القلعة، وكان المسيحيون من الفرنجة والرّوس والنّصارى والكرج يأتون لزيارته (١) [فيحصل لنا من ذلك من الفتوح ما نتبلّغ به برغم كثرة ما لنا من الأتباع والأشياع والأولاد والحفدة] (٢)، ولم يتعرض أحد لأطفالنا وعيالنا؛ فإننا نسلّم القلعة. فعدّ كوبك إجابة ملتمسهم أمرا لازما، ومنع الجيش من القتال، وكتب عهدا وأرسله. وفي الحال أخلى الملوك القلعة، وأنزلوا متاعهم، ورفعوا الرّاية

стр. 279

عالية في يوم الجمعة سلخ ذي القعدة سنة ٦٣٥، وتمّ فتح سميساط وبضع قلاع/ أخرى في أقل مدّة، فتضاعف بذلك ما كان لكوبك من عظمة وهيبة. وبرغم كل ما اشتمل عليه من خبث الطويّة وسوء العشرة مع الأكابر كان فريدا في الإحسان إلى الرعية وبسط العدل، وكان في السّخاء أكثر تدفقا من البحر، وأبلغ إدرارا من السّحاب، وبرغم كل ما انطوى عليه طبعه من تنمّر كان في خلوته بالنّدماء والحرفاء كالوردة الضحوك. ومن بين عقوباته الغريبة أنه بينما كان في غزوة من الغزوات اقتحم جمل من حمولات الجند زراعة أحد الزرّاع، فجاء المزارع ينوح ويبكي على باب خيمة «كوبك»، فأمر في الحال بأن يأتوا بصاحب الجمل، وذلك بأن يمرّوا بالجمل على المعسكر بأكمله، فلم يجرؤ أحد على الإقرار بملكيّته للجمل. ولما لم يظهر له صاحب أمر بتعليق الجمل على شجرة صفصاف كانت قد نمت على رأس ذلك الحقل. ومن ثمّ لم يكن أحد يجرؤ على أن يلتقط شيئا رآه ساقطا في الشارع، وكان يتمّ إبلاغ من عرف من الناس بجمع اللّقي والمفقودات بأن يحملوها إلى دهليز السلطنة، فإن كانت ثوبا أو ما في حكمه علّقت في حبال الخيمة وأطنابها، وإن كانت حيوانا تعهّدوه، وسار مناد ينادي في الجيش: ممن ضاع الشيء الفلاني؟ فكان الخصم يسمع، ويأتي ببّينة، ويأخذ الشيء في الحال.

стр. 280

ذكر أخذ كوبك ل «قيمري» و «كمال الدين كاميار» (رحمهما الله تعالى) وحين قفل «كوبك» راجعا من فتح قلعة «سميساط» اتهم «حسام الدين قيمري» بإحدى الجرائم، وحبسه مقيّدا في قصر السلطنة بملطية المحروسة واستولى على ما لا حصر له من الأموال لحساب السلطان/ وقرّر له كلّ يوم نصف منّ من اللحم، ومنّين من الخبز، وثلاثة أرادبّ من الحوائج. فلما انتقل إلى قونية أودى هذا السفّاك المغتال- بما أشاع من أراجيف- بكمال الدين كاميار في حضيض قلعة «كاوله» برغم كل ما كان له من مكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف فرفعه بذلك إلى أوج الشهادة. وقد كان كمال الدين من أكابر الدهر وفضلاء العصر، وكان في الفقه ممن اقتبسوا عن نظام الدين الحصيري (١)، وفي أجزاء الحكمة من المستفيدين بشهاب الدين [السّهروردي المقتول] (٢) ومن بين الأبيات التي عارض بها كاميار الحكيم شهاب الدين قول السهروردي (شعر): يا صاح أما رأيت شهبا ظهرت … قد أحرقت القلوب ثم استترت طرنا طربا لضوئها حين طرت … أورت وتوارت وتولّت وسرت فعارضها الأمير كمال الدين كاميار بقوله: يا صاح أما ترى بروقا ومضت … قد حيّرت العقول حين اعترضت حلّت ولحت ولوّحت وانقرضت … لاحت وتجلّت وتخلت ومضت

стр. 281

ذكر قتل السلطان لكوبك وتشفّي صدور الناس كان فوران إعصار كوبك يتزايد كلّ يوم، وكانت صواعق عذابه الشّديد وبطشه المبيد تحرق كل ساعة بيدر عمر أحد العلماء. من أجل ذلك استبدّ الألم بالسلطان لفراق أكابر دولته، فضلا عن أن الوّساوس ساورته لأن «كوبك» كان يدخل عليه بسيف الحمائل. فأرسل غلاما من غلمان الخاص إلى «سيواس» عند «قراجة» أمير الحرس، أن «كوبك بك» أهلك أركان السلطان، وهو يدخل خلوتي الآن مجترئا بالحزام والسّيف، ويتملّكنا الذهّول لتهوره وتجبره، فعلى «قراجة» أن يأتي بأسرع ما يمكن للمبادرة بتدارك أمره. / فقدم «قراجة» في صحبة الغلام متّجها إلى حضرة السلطان حتي «قباد آباد»، ثم أطلق الغلام قبله إلى السلطان للإعلان عن قدومه، وأبدى بعض التريّث والتباطؤ. ثم نزل فجأة- في المساء- بمنزل «سعد الدين كوبك». ولم يكن «كوبك» يخشى أحدا سواه، فلما رآه سأله: هل وصلت إلى خدمة سلطان العالم؟ أجاب: كيف يتسنّى لي أن أذهب إلى خدمة السلطان وأحسب نفسي من المقرّبين إليه دون إذن من ملك الأمراء، إنّني أعد جانب ملك الأمراء المعظّم هو المعاذ والملاذ. ومن أمثال هذه الأكاذيب والأباطيل نفخ في ذلك الملعون، فلما اطمأنّ كوبك من جهته أمر فأقيم مجلس الأنس، وطربوا، وأنعم عليه تلك الليلة بأنعام وفيرة، وأخذه معه على الصباح إلى حضرة السلطنة، فدخل هو أوّلا (١)، وأعلن عن مقدمه، ثم إنه أدخله وأوصله إلى أن قبّل يد السلطان.

стр. 282

وبعد ذلك اتفق أمير المجلس مع السلطان على أنّه إذا ما حضر «كوبك» مجلس الأنس، يدفع السلطان الأنخاب لأمير الحرس فيحتسيها، ويستأذن في الخروج بحجّة الرّغبة في التبوّل، ويكون مع رفاقه مترصّدين خروج «كوبك»، فإذا خرج أعملوا فيه السيف، وخلّصوا العالم من بلائه. فشرب أمير الحرس الأنخاب وجلس في الدّهليز يترصّد خروجه، فلما خرج «كوبك» نهض واقفا احتراما له، فلما مرّ من أمامه أراد أن يضربه على قفاه بالعصا، فسقط العصا علي كتفه، فأمسك برقبة أمير الحرس، فسحب «طغان» أمير العلم سيفه وجرى خلف كوبك [فجرحه] فألقى بنفسه- خوفا على حياته- في «شرابخانة» السلطان، فلما رآه السّقاة مضرجا بدمه تجمّعوا عليه وبيد كل منهم سكّين أو سيف أو خنجر/ وانتزعوا روحه النّجسة ونفسه الخبيثة من جسده وألقوا بها في دركات الجحيم. ولما أرسلوا روحه إلى سجّين، أمر السلطان بتعليق جثته النّجسة في مكان مرتفع كي تصبح عبرة لأولى الأبصار: فجعلوا أجزاء أعضائه في قفص حديديّ، وعلّقت في حبل متدل، وكان السلطان علاء الدين قد علقّ على نفس الحبل من كان لقبه «كمال» مشرف «قباد آباد» بسبب خبث «كوبك» وسعايته، فظلت جثّة «كمال» معلّقة هناك، وكان السلطان [علاء الدين] قد غضب على «كمال» وتعجّل في عقوبته، فتملّكه الندم فور تنفيذ العقوبة، وأخذ أقرباء كمال وعشيرته يتضرّعون لإنزاله من هناك ودفنه، لكنّ السلطان كان يقول: والله لا ينزل حتى يعلّق حاسده وقاصده مكانه (١).

стр. 283

ولمّا علّقت جثّة «كوبك» على المشنقة بادر أقارب كمال، فأنزلوا جثّته المقدّدة ودفنوها. وهذه من بين الكرامات التي يحكونها عن السلطان علاء الدين. فلما تدلّى القفص من الحبل، كان عدد من النّاس قد تجمعوا لمشاهدة جثّته الممزقة إربا، وفجأة سقط القفص فأهلك رجلا. فقال السلطان: لا زالت نفسه الشّريرة تعمل عملها في هذا العالم. ولمّا فرغ السلطان من تلك المهمّة، استدعى «جلال الدين قراطاي» (وكان «كوبك» قد أبقى عليه معزولا في إحدى النواحي) واستماله وسلّم إليه «الطست خانه» وخزانة الخاصّ. وجرى إسناد نيابة السلطان إلى شمس الدين (وكان خط العزل قد رسم على صحيفة عمله حين أسندت الوزارة إلى الصاحب مهذّب الدين). ذكر وصول هودج ملكة الكرج إلى قيصرية وانتظام العقد والزفاف سبق أن ذكرنا أن «كمال الدين كاميار» حين دفع بالجيوش إلى ديار/ الكرج، كانت «رسودان» - ملكة الكرج- قد أرسلت إليه رسلا، وجرى في تلك الأثناء حديث المصاهرة حيث التمست مصاهرة الملك غياث الدين، فراقت تلك الصّلة للسلطان علاء الدين وقرنها بالقبول. فلما وصلت نوبة السلطنة إلى غياث الدين، ندب شهاب الدين المستوفي الكرماني- ولم يكن له في خبرته ودرايته ثان في العالم الفاني- لإنجاز هذه المهمّة، فلما وصل إلى هناك، كانوا قد أعدّوا كل شيء، فتوقّف عدة أيام

стр. 284

لترتيب ما تبقّى من أمور، ومن ثمّ توجه بالفأل السعيد بصحبة هودج من يشبه عهدها عهد «بلقيس» لخدمة سلطان هو أشبه ما يكون بسليمان. وحين بلغ «أرزنجان»، بعث برسول سريع على براق لكي يبشّر بوصول هودج سيّدة العالم، فأمر السلطان بأن ينهض قادة الجند ممن هم على الطّريق الذي تمر عليه الملكة للحفاوة والتّرحيب، وألّا يدعوا شرطا من شروط البشر والبشاشة إلا ويفوه حقه. وقدم السلطان بالمظّلة الجليلة إلى «قيصرية» المحروسة وأقام حفلا. فلما ظهرت دراري الثّواقب وسواري الكواكب كالمشاعل، تبختر السلطان متوجّها إلى حجلة (١) الوصال وحجرة الخلوة. فرأى قمرا يتصدّر موضعا وسرورا يحتلّ سريرا، فطوّق بساعده وحيدة الدّهر تلك، وحقّق أمنية القلب. ذكر اعتناء السلطان بدعوة الخوارزمية للعودة ذكرنا من قبل أن «قيرخان» حين أصبح مقيّدا بسبب خبث «كوبك»، وزج به في قلعة «زمندو» انطلق باقي أمراء خوارزم صوب ديار الشام، وظل «ملوك الشام» و «ديار بكر» و «ربيعة» و «مضر» و «الجزيرة» خائفين محترزين خشية ما يصدر عنهم من ركضات وسطوات وفجآت وبغتات/، وأخذوا يبعثون بالأحمال الوفيرة من كلّ صوب إلى بيت كلّ قائد منهم، ويدفعون عدوانهم عن بلادهم بالأيمان والمواثيق. غير أنهم كانوا يتوغّلون في بعض الأوقات داخل الحدود، ويحولون دون تردّد القوافل جيئة وذهابا.

стр. 285

فلما عرض الأمر على حضرة السلطان، أرسل إليهم «مجد الدين التّرجمان»، الذي كان قد نال عندهم حظوة في عهد السلطان جلال الدين، ودعاهم [في رسالته] (١) إلى العودة لبلاد الرّوم على سبيل استمالتهم وإنالتهم المقصود. فلمّا لحق بهم، وأبلغهم رسالة (٢) السلطان لزموا حسن الاستماع، ولبسوا خلع السلطان، ووضعوا الجبين على الأرض وقبّلوا حوافر الجنائب. واجتمعوا في اليوم التالي، واستدعوا الرسول، وقالوا: قد تفرّقنا بسبب واقعة «قيرخان»، وفي الطريق أرغمنا على الاشتباك مع الأمراء الذين كانوا قد جاءوا لاستردادنا، فأنزلنا بهم هزيمة نكراء، ولا زلنا إلى الآن نخوض في تيه تلك العثرة، فكيف يتسنّى لنا أن نضع أقدامنا على بساط تلك الحضرة برغم كلّ ما صدر عنّا من تجاوزات. لكنّنا نعد هذه البلاد التي ابتلعناها بالغلبة من جملة ممالك السلطان، فنتولّى تصريف أمورها إذا ما أنعمت علينا بها بمنشور سلطاني باعتبارها إقطاعا. ويكون لكم علينا أن نجعل أرواحنا فداء في مواجهة كل عدوّ تعهدون به إلينا، كما نجعل الخطبة والسّكة باسم السلطان، ولن نسمح بالقطع- أن تتعرض ممالك السلطان لأي اعتداء من جانب عساكرنا. فقرّ القرار على هذا كله، وبادروا بتغيير الخطبة والسّكة، وقد راق ذلك الرأي للسلطان. …
следующие страницы →