← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشّربة لك، فإن شئت آثرت بها خالدا. فقلت: ما كنت لأوثر على سؤرك أحدا. ثمّ قال رسول الله ﷺ : من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا، فليقل: اللهمّ بارك لنا فيه، وزدنا منه. قال: قال رسول الله ﷺ : ليس شىء يجزى مكان الطعام والشراب غير اللبن». ــ بعلى فى حقه وعن فى خالد أنه كأنه أقرب للنبى ﷺ من خالد وهو محتمل لصغره وقرابته، فقدم جبرا لخاطره، ويحتمل أن التخالف لمجرد التفنن فى العبارة، فهما بمعنى واحد وهو مجرد الحضور معه. (الشربة لك) أى لأنك صاحب اليمين فالحق لك، ومن ثم قال: «الأيمن فالأيمن، أو الأيمنون الأيمنون» (١) واستفيد منه تقديم اليمين ندبا ولو صغيرا مفضولا. (فإن شئت) فيه تطيب لخاطره، وبيان أن له الإيثار، وأنه لا ينافى الكمال، نعم قد يشكل على ذلك قول أئمتنا يكره الإيثار بالقرب، وقد يجاب: بأن محل الكراهة حيث آثر من ليس أولى منه بذلك، وإلا فكما هنا، وكتقديم غير الأفقه مثلا على الأفقه فى الإمامة فلا كراهة. (ما كنت) بيان لعذره فى عدم الإيثار، ودفع لما (٢) يتوهم أنه كان الأولى [له أن يمتثل] (٣) تمثيل إشارته ﷺ بإيثار خالد رضى الله عنه، وقوله: (على سؤرك) أى ما بقى منك. (أحدا) أى يفوز به غيرى، ووقع لشارح أنه قال أى «سؤر أحد» فلا يتجه إذ المطابق للتأليف أن يقول: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا. انتهى، وهو فى غاية الخفاء، وكان مراده أنه قصد بقوله: سؤر أحد فى غاية الركاكة؛ لأن السؤر البقية، شارح آخر قاله المتجه المطابق للتأليف أن يقول: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدا وأنت خبير بأن فى كل من هذين نظرا واضحا، أما الأول فلأن قوله أى سؤر أحد فى غاية الركاكة، لأن السؤر البقية فيخل التقدير إلى: ما كنت لأوثر ببقيتك بقية غيرك فكون بقية الغير مؤثرة ببقيته، يحتاج لتأويل وتكلف، لا حاجة إليه، بل عليه ما حصلت أبلغيه ولا مطابقة لما قاله ابن عباس، وأما الثانى: فزعمه أنه توقف

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المطابقة لما سبقه على ما قدره ممنوع بل المطابقة حاصلة، ولو على موجود إما لأنها بمعنى الباء أو ضمن أوثر معنى أترك وسببه أن المطابقة المعنوية أولى من اللفظية فكأنه أشار بعدوله عن هذه العبارة، على مزيد المحافظة على آثاره ﷺ ، وأنه متى تمكن من ترك الاستعلاء غيره عليها قبل استحقاقه بها منعه عن ذلك. (فليقل) أى حال الأكل، فإن آخره إلى ما بعد فيه الأولى أن يكون بعد الحمد كما هو ظاهر. (لبنا) الظاهر أن يأتى بهذا، وإن كان وحده رعاية للفظ الوارد ما أمكن، وردتا منه فيه أنه لا خير من اللبن، بخلاف بقية الأطعمة [ومن ثم كان الذى يتجه أن المرأة تأتى فى دعاء الافتتاح بنحو حنيفا مسلما على إرادة الشخص رعاية للفظ الوارد. ووجه ذلك أنه يجزى مكان الطعام والشراب كما فى الحديث الآتى وليس غيره كذلك فكان خيرا من سائر الأطعمة وليس] (١) فيها خير منه، وبهذا اندفع قول بعضهم، ولا يلحق ما عدا اللبن من الأشربة به، أو بالطعام، ووجه اندفاعه أن الحديث، وكلام الأئمة صريحان فى اختصاص ذلك باللبن، لأنها كلها تسمى طعاما، ولم يستثن منه إلا اللبن. (يجزى) أى يكفى هكذا إلى آخره بيّن أن هذا الحديث روى مسندا أو مرسلا، ولم يبين حكم ذلك لشهرته وهو أن الحكم للإسناد، وإن كثرت رواية الإرسال لأن مع المسند زيادة علم، قال المصنف: وهو حديث حسن. هى خالة خالد. . . إلخ. فدخولهما عليها لأنهما محرماها وذكر يزيد استطرادا. ...

стр. 283

٣٢ - باب: ما جاء فى شرب رسول الله ﷺ ١٩٩ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أنبأنا عاصم الأحول، ومغيرة. عن الشعبى، عن ابن عباس: «أنّ النّبىّ ﷺ شرب من زمزم. وهو قائم». ــ (باب ما جاء فى صفة شرب رسول الله ﷺ بتثليث الشين فبالفتح جمع شارب، وبمعنى المشروب، وبالكسر المشروب وبالضم المصدر، وهو المراد فى الترجمة. ١٩٩ - (شرب) رواية الشيخين قال: أتيت النبى ﷺ بدلو من ماء زمزم فشرب وهو قائم. ورواية البخارى عن على: «أنه شرب قائما، وأن النبى ﷺ صنع مثل ما صنعت» (١). (وهو قائم) إنما فعله مع أن عادته الشرب قاعدا ونهيه عن الشرب قائما، وقوله: «لا يشربن أحدكم قائما فمن نسى فليستق» (٢)، روى ذلك مسلم لبيان أن نهيه ﷺ عن الشرب قائما ليس للتحريم، بل للتنزيه، وأن الأمر بالاستقاء ليس للإيجاب، بل للندب، وقول من قال: يسن الشرب من ماء زمزم قائما اتباعا له ﷺ ، إنما يسلم له، إن لو لم يصح النهى عن الشرب وأما بعد صحته قائما يكون الفعل مبينا للجواز فهو

стр. 284

٢٠٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن جعفر، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما وقاعدا». ــ كبوله ﷺ قائما فى بعض الأحيان لا يقال النهى مطلق وشربه من زمزم تمّ، ومضى فلم تتوارد على محل واحد، لا نقول ليس النهى مطلقا، بل هو عام، والشرب من زمزم قائما من أفراده، فدخل تحت النهى، فوجب حمله أنه لبيان الجواز ولو سلمنا أنه مطلق، لكان محمولا على التقيد، فلم يفد المقيد غير الجواز أيضا، لا يقال النبى ﷺ ميزه عن فعل المكروه، كالمحرم، فكيف يشرب قائما؟ لأنّا نقول شربه قائما لبيان الجواز، وهو واجب عليه، فلم يفعل مكروها، بل واجبا، وهكذا يقال فى كل فعل فعله لبيان الجواز مع نهيه عنه، أو عما يشمله، واعلم أن كلا من حديث نهيه وفعله المذكورين صحيح، وأن الجمع بينهما ما قررناه، وحيث أمكن الجمع بين حديثين، وجب المصير إليه، ودعوى النسخ ليست فى محلها، وتضعيف خبر النهى غير مسموع مع إخراج مسلم له، والاستدلال لعدم الكراهة بفعل الخلفاء الأربعة غير جائز على قواعد الأصوليين، مع أنه لا يقام ما صح عنه ﷺ سيما فى الشرب قائما ضرر، ومن ثمة ندب الاستسقاء منه حتى للناس، لأنه يحرك خلطا يكون القىء دواءه، قال ابن القيم: وللشرب قائما آفات منها: أنه لا يحصل به الرى التام، ولا يتسقر فى المعدة حتى يستقر الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب قائما، وعند أحمد عن أبى هريرة: «أنه رأى رجلا يشرب قائما [فقال له: قه] (١)، قال: لمه؟ أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه، الشيطان» (٢). ٢٠٠ - (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. (عن جده)

стр. 285

٢٠١ - حدثنا على بن حجر، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الشعبى، عن ابن عباس، قال: «سقيت النّبىّ ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم». ٢٠٢ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء ومحمد بن طريف الكوفى، قالا: أنبأنا ابن الفضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: «أتى علىّ رضى الله عنه بكوز من ماء وهو فى الرّحبة، فأخذ منه كفا فغسل يديه ومضمض واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب منه وهو قائم ــ المراد جده بواسطة، أو جد أبيه وهو عبد الله الصحابى الجليل الأفضل. (عن أبيه) والأكثر عنه ومن غيره تلقيا وأخذا للعلم عنه ﷺ وح، فحديثه موصول ورواته محتج بهم وكذا احتج بهذا السند أكثر الحفاظ لا سيما البخارى، فإنه خرج له فى العذر ونقل عن أحمد وعلى بن المدينى وإسحاق أنهم احتجوا به، وإنما يكون ذلك لقرائن أثبتت عندهم سماعه من جد أبيه عبد الله، وكأنه خالف الأقلين نظرا لاحتمال الانقطاع، ويرده ما تقرر: أنه لا عبرة بهذا الاحتمال مع كون الأكثرين على خلافه وزعم أنه أخذ هذا الإسناد من صحيفة لا اعتداد بها، لم يثبت هو، ولا ما يشير إليه فلا يعول عليه، ومن ثمة أعرض المتأخرين كالمتقدمين عن ذلك، واحتجوا به. (قائما وقاعدا) أى مرة قائما لبيان الجواز ومرارا كثيرة بل هو الأكثر المعروف المستقر من أحواله ﷺ قاعدا. ٢٠٢ - (فى الرّحبة) أى رحبة مسجد الكوفة، ورحبة المسجد منه فلها أحكامه، وهى

стр. 286

ثمّ قال: هذا وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل». ٢٠٣ - حدثنا قتيبة بن سعيد، ويوسف بن حماد، قالا: حدثنا عبد الوارث بن معبد، عن أبى عصام، عن أنس بن مالك رضى الله عنه: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يتنفّس فى الإناء ثلاثا إذا شرب. ويقول: هو أمرأ وأروى». ــ عندنا المحوط عليه لأجله، وإن لم يعلم دخولها فى وقفه سواء فصل بينهما طريق علم حدوثه، أو شك فيه أم لا، وقيل: هى صحنه، وهو ضعيف أما حريمه: فهو ما هيئ لإلقاء القمامات المسجدية، وله حكم المسجد، (مضمض) أى وأخذ كفا فمضمض (ثم شرب) يحتمل أنه غسل يديه ثم شرب وح، فالمراد بهذا الوضوء أنه المتجدد، وتجديد الوضوء بعد الغسل بالرمز الأول سنة مؤكدة لقوله ﷺ : «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» (١)، وعلى هذا فالمراد بمسح الوجه والذراعين الغسل الحقيقى كما قيل به فى قوله تعالى: وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ (٢) بالجر والعطف. فالمراد بالوضوء فى كلامه الوضوء اللغوى، وهو مطلق التنظيف، معنى قوله: (وضوء من لم يحدث) أى لم يرد طهر الحدث به، الإشارة لما بعد الشرب. (هكذا رأيت) من بعض المشار إليه الشرب قائما، وهذا سبب إيراد هذا الحديث من هذا الباب. ٢٠٣ - (يتنفس فى الإناء ثلاثا) أى بأن يشرب، ثم يزيله عن فمه، ثم يتنفس، ثم يشرب، ثم يفعل ذلك، ثم يشرب، ثم يفعل كذلك، فلا ينافى النهى عن التنفس فى جوف الإناء، لأنه يضر الماء إما لتغير الفم بمأكول، أو بسواك، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، وورد بسند حسن: «أنه ﷺ كان يشرب، ويقول: إذا أدنى الإناء من فيه

стр. 287

٢٠٤ - حدثنا على بن خشرم، أنبأنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، ــ سمى الله، فإذا آخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاثا». (هو أمرأ وأروى) ورواية مسلم: أمرأ وأهنأ وأبرأ، ونبه ﷺ بذلك على مجامع ما فى ذلك من الفوائد والحكم، فإن معنى أروى من الرى بالكسر من غير همز: أشد ريا وأبلغه وأنفعه، واشتقاقه من روى، بمعنى أنه مأخوذ منه، إذ الأخذ أوسع دائرة من الاشتقاق الغير المتأنى هنا، لأن الإرواء حقيقة صفة الشارب لا الماء، وإنما هو مشتق من الإرواء، لأن المراد أكثر إرواء، واسم التفضيل لا يشتق من المزيد فيكون شاذا، أو يكون إسناد روى إلى الماء مجازا، وفى القاموس: روى من الماء واللبن، أو من ريا وروى وتروى وارتوى بمعنى والاسم الرى بالكسر، ثم قال: وماء روى كفتى، وروى كإلى، وروى اسما انتهى، وأبراء أفعل من البرء بالهمز وهو الشفاء أى تبرئ، فالعطش لتردده على المعدة الملتهبة دفعات فتسكن كل دفعة ما عجزت عنه التى قبلها، وأيضا فهو أسلم لحرارة المعدة من أن يهجم عليها البارد دفعة واحدة فربما أطفاء الحرارة الغريزية لكثرة بردها، أو ضعفها فتضعد المعدة والكبد، ويؤدى لأمراض معدية خصوصا لأهل البلاد الحارة فى الأزمنة الحارة، و «أمرأ» بالهمز من مرى الطعام والشراب فى بدنه إذا خالطه بسهولة ولمدة ونفع، وأيضا فذلك أقمع على العطش، وأقوى على الهضم، ومن آفات الشرب نهلة واحد: أنه يخشى عنه الشرق، لانسداد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فإذا شرب على دفعات، أمن من ذلك، وقد روى البيهقى وغيره: «إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصا، ولا يغبه غبا، فإنه يورث الكباد» (١) وهو بضم الكاف وتخفيف الموحدة: وجع الكبد. ٢٠٤ - (رشدين) براء مكسورة فمعجمة ساكنة فمهملة فتحتية فنون. (مرتين) لا

стр. 288

عن أبيه، عن ابن عباس: «أنّ النّبىّ ﷺ كان إذا شرب تنفّس مرّتين». ٢٠٥ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن عبد الرحمن بن أبى عمرة، عن جدته كبشة، قالت: «دخل علىّ النّبىّ ﷺ فشرب من فى قربة معلّقة قائما. فقمت إلى فيها فقطعته». ٢٠٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا عزرة بن ثابت الأنصارى، عن ثمامة بن عبد الله، قال: «كان أنس بن مالك يتنفّس فى الإناء ثلاثا. وزعم أنس أنّ النّبىّ ﷺ كان يتنفس فى الإناء ثلاثا». ــ ينافى ما مر لأنه فى بعض الأحيان، لبيان جواز النقص عن ثلاث أو أراد مرتى التنفس الواقعتين أثناء الشرب، وأسقط الثالثة، لأنها بعد الشرب. ٢٠٥ - (كبشة) بموحدة ومعجمة، قال المصنف: حسن غريب صحيح. (من فى قربة معلقة) بين به أن نهيه ﷺ عن ذلك للتنزيه. (فقطعته) أى لتصون موضعا أصابه فم النبى ﷺ أن يبتذل ويمسه (١) كل أحد، وتحفظه للتبرك والاستشفاء به. ٢٠٦ - (عزرة) بمهملة مفتوحة فزاء ساكنة فراء. (وزعم) أى قال قائل وسبب تعبيره أن قوله كان آه يخالف ما مرّ. (أنه كان يتنفس فى الإناء ثلاثا) فأتينا به بما يفيد دوام

стр. 289

٢٠٧ - حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن البراء بن زيد ابن ابنة أنس بن مالك: «أنّ النّبىّ ﷺ دخل على أمّ سليم، وقربة معلّقة، فشرب من فم القربة وهو قائم. فقامت أمّ سليم إلى رأس القربة فقطعتها». ٢٠٨ - حدثنا أحمد بن نصر النيسابورى، أنبأنا إسحاق بن محمد الفروى، حدثتنا عبيدة بنت نابل، عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص، عن أبيها: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يشرب قائما». ــ التنفس أى فى الإناء هنا زعم، انتهى، وهو عجيب من قائله كيف، وقد وقع فى ورطة بنسبة الزعم على حقيقته إلى الصحابى بمجرد السفساف بل الصواب: أن لا زعم هنا، وأن معنى كان يتنفس آه ما مر آنفا، على أن ما ورد من أنه كان يتنفس مرتين فيه ما يفيد دوام التنفس فى الإناء أيضا، فلا فرق بينهما فى ذلك، وإنما هو فى ذكر المرتين والثلاث، واستدلاله بذلك؛ لبقاء الزعم على حقيقته، غلط فاحش كما هو واضح. ٢٠٧ - (الفروى) [نسبة لفروة جده] (١) بفتح الفاء وسكون الراء. (قائم) حال منه ﷺ (فقطعتها) أى رأس القربة، وأنث الرأس مع تذكيره، لإضافته لمؤنث وفى نسخة: «فقطعته»، وهى القياس، وقطعها بعلل بما مرّ. ٢٠٨ - (نابل) أى بالباء الموحدة بعد الألف.

стр. 290

٣٣ - باب: ما جاء فى تعطر رسول الله ﷺ ــ (باب ما جاء فى تعطر رسول الله ﷺ أى: استعماله العطر وهو الطيب. اعلم أنه ﷺ كان طيب الرائحة دائما، وإن لم يمس طيبا، ومن ثمة قال أنس: «ما شممت ريحا قط ولا مسكا ولا عنبرا أطيب من ريح رسول الله ﷺ » رواه أحمد والبخارى لفظ: «مسكة، ولا عنبرة»، والمصنف فى باب الخلق بلفظ: «مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ » (١)، وروى الطبرانى: «أنه ﷺ نفث فى يده ثم مسح على ظهر عتبة وبطنه فعبق به طيب حتى كان عنده أربع نسوة كلهنّ تجتهدن أن تساويه فيه، فلم تستطع مع أنه كان لا يتطيب» (٢)، وروى هو وأبو يعلى: «أنه سلت لمن استعان به على تجهيز بيته من عرقه فى قارورة، وقال: مرها فلتصب به فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة ذلك الطيب، فسموا بيت المطيبين» والدارمى والبيهقى وأبو نعيم: «أنه لم يكن يمر بطريق فيتبعه أحد، إلا عرف أنه مساكة من طيب عرقه ولم يكن يمر بحجر إلا سجد له»، وأبو يعلى، والبزار بسند صحيح: «أنه كان إذا مر من طريق وجدوا منه رائحة الطيب، وقالوا: مر رسول الله ﷺ من هذا الطريق»، ومسلم: «أنه نام عند أم أنس فعرق فسلتت عرقه فى قارورتها فاستيقظ، فقال لها: ما الذى تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب»، وأما الخبر المروى فى مسند الفردوس وغيره: «أن الورد الأبيض خلق من عرقه، والأحمر من عرق جبريل، والأصفر من عرق البواق» فقال النووى: لا يصح، وقال آخرون إنه موضوع، وروى الطبرانى بسند حسن، أو صحيح: «أن عائشة قالت: يا رسول الله: إنى أراك تدخل الخلاء ثم يأتى الذى بعدك، فلا يرى لما يخرج منك أثر، فقال: يا عائشة: أما

стр. 291

٢٠٩ - حدثنا محمد بن رافع، وغير واحد، قالوا: أنبأنا أبو أحمد الزبيرى، حدثنا شيبان، عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: «كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها». ــ علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء؟»، ورواه ابن سعد من طريق آخر، والحاكم فى مستدركه من طرق أخرى فقول البيهقى: هذا من موضوعات الحسن ابن علوان، لا ينبغى ذكره ففى الأحاديث الصحيحة المشهورة فى معجزاته، كفاية عن كذب ابن علوان يحمل على متنه الذى ذكره بخصوصه، وهو: «أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة، وما يخرج منها تبلعه الأرض؟»، أو على أن الحكم عليه بالوضع خاص بتلك الطريق دون بقية الطرق، أو على أنه لم يطلع على تلك الطرق وهو أظهر. ثم ما ذكر إنما هو فى الغائط، أما البول فقد شاهده غير واحد، وشربته بركة أم أيمن مولاته وبركة أم يوسف خادمة أم حبيبة صحبتها من أرض الحبشة، وكان له قدح من عيدان تحت سرير فيه فشربته الثانية، فقال لها: صحّه يا أم يوسف فلم تمرض سوى مرض موتها» وصح عن الأولى قالت: «قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة فى جانب البيت فبال فيها فقمت من الليل عطشانة فشربت ما فيه فضحك حتى بدت نواجذه قال: «أما والله لا يتّجعنّ بطنك أبدا»، وبهذا استدل جمع من أئمتنا المتقدمين وغيرهم على طهارة فضلاته ﷺ وهو المختار، وفاقا لجمع من المتأخرين، فقد تكاثرت الأدلة عليه وعده الأئمة من خصائصه، قيل: وسببه شق جوفه الشريف.

стр. 292

٢١٠ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا عزرة بن ثابت، عن ثمامة بن عبد الله، قال: «كان أنس بن مالك لا يردّ الطّيب. وقال أنس: إنّ النّبىّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب». ٢١١ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن أبى فديك، عن عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا تردّ: الوسائد، والدّهن، واللّبن». ــ ٢١١ - (ثلاثة) مسوغة ما فهم من السياق أى قليلة المؤنة أو تهدى إلى الغير. (لا ترد) بالفوقية، وقيل: بالتحتية أيضا بالضم خبر بمعنى النهى، قيل: ويجوز الفتح فيكون نهيا صريحا. (الوسائد) جمع وسادة وهى ما تجعل تحت الرأس عند النوم. (والدهن) أى الذى له طيب كالزيت فى نسحة. (واللبن) وخصت هذه الثلاثة للمعنى السابق فى بعضها، وهو الطيب ويؤخذ من ذلك أن المراد بالوسادة التى لا منة فى قبولها، وح

стр. 293

٢١٢ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الحفرى، عن سفيان، عن الجريرى، عن أبى نضرة، عن رجل، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «طيب الرّجال ما ظهر ريحه، وخفى لونه، وطيب النّساء ما ظهر لونه وخفى ريحه». ــ يلحق بهذه الثلاثة كل ما لا منة عرفا فى قبوله ثم رأيت من حمل الوسائد على أن المراد أنها إذا بسطت لأحد ليجلس عليها، فلا ينبغى له الامتناع من ذلك. ٢١٢ - (الحفرى) بمهملة ففاء مفتوحتين منسوبة لحفر محل بالكوفة منزله فيه. (عن رجل) سيأتى فى المسند الآتى بدله «الطفاوى» بمهملة مضمومة ففاء مفتوحة مسنوب لطفاوة حى من قيس غيلان وهو مجهول أيضا ففى الحديث مجهول على تقدير (طيب الرجال) يستعمل بمعنى ما يتطيب به وهو المراد هنا ويستعمل مصدرا أيضا، قيل: وتصبح إرادته أيضا هنا. انتهى، وهو بعيد. (ما ظهر ريحه وخفى لونه) كماء الورد والمسك والعنبر والكافور وطيب السنا، قاله عيسى بن أبى عروة راوى الحديث عن قتادة أراهم حملوا هذا على ما إذا أرادت الخروج، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت. انتهى، وفيه نظر لأنها عند الخروج لا يشرع لها تطيب مطلقا بل مكروه، وح

стр. 294

٢١٣ - حدثنا محمد بن خليفة، وعمرو بن على، قالا: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الصواف، عن حنان، عن أبى عثمان النهدى، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أعطى أحدكم الرّيحان فلا يردّه، فإنه خرج من الجنّة». ــ بل وقد يحرم إن علمت أنه يجر إلى الفتنة كما هو ظاهر من كلام أئمتنا، وفى الحديث: «كل عين زانية» (١) أى غالبا فالمرأة إذا تعطرت فمرت بالمجلس أى بالرجال فهى كذا وكذا، بمعنى زانية، ثم رأيت من ثم من أيد احتمالا بحرمة التطيب عليها عند خروجها مطلقا أى سواء مرت برجال أو لا، وله وجه، لكن لا يوافق كلام الأئمة (ما ظهر لونه وخفى ريحه) كالزعفران قال غير واحد: كالحسناء، وهو عجيب منهم، إذ هم شافعيون، والمقرر من مذهبهم أن الحناء ليس من أنواع التطيب، خلافا للحنفية، ويتأكد للرجال الطيب فى يوم الجمعة، والعيد، وعند الإحرام، وحضور المحافل وقراءة القرآن، والعلم والذكر، ويكره للنساء عند خروجهن للمسجد وغيره، ويتأكد لكل منهما عند معاشرة الحليل. ٢١٣ - (ابن زريع) زاى مضمومة فراء مفتوحة، (حنان) بفتح المهملة وتخفيف النون. . (الريحان) فسره أهل اللغة وغريب الحديث: بأنه كل مشموم طيب الريح، وقيل: يحتمل أن يراد به الطيب كله اى ليوافق ما مر، ورواية أبى داود: «من عرض عليه طيب» (٢)، وفى البخارى: «كان ﷺ لا يرد الطيب» (٣). (فلا يرده) بضم الدال

стр. 295

٢١٤ - حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمذانى، حدثنى أبى، عن بيان، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبد الله قال: «عرضت بين يدى عمر بن الخطاب، فألقى جرير رداءه، ومشى فى إزار. فقال له: خذ رداءك. فقال للقوم: ما رأيت رجلا أحسن صورة من جرير، إلا ما بلغنا من صورة يوسف ﵇». ــ على الفصيح المشهور خبر بمعنى النهى على حد قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ (١) وقيل بفتحها، قال عياض: وهو غلط، وقال النووى فى شرح مسلم: هو اختيار من لا يحقق العربية، أى لأن المضارع المجزوم، إنما يجوز فتح آخره إن لم يتصل بضمير الغائب، وقول عياض: إن الفتح غلط لا يرده ما فى الشافية وشرحها أن وجوب الضم إنما هو على الأفصح لا غير، قيل: وبفرض صحة الفتح الضم أبلغ منه، لأن الخبر بمعنى النهى أبلغ من صريح النهى. انتهى، وفيه نظر. (فإنه خرج من الجنة) فى خبر مسلم تعليله بغير ذلك ولفظه «من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح» والمحمل كالمجلس المراد به. ٢١٤ - (مجالد) بالجيم. (عرضت) أى نفسى كعرض الجيش على الأمير ليعرفهم ويتأملهم حتى يرد من لا يرضيه، أو هو بالبناء للمفعول أى عرضنى عليه من ولاه ذلك لينظر فى قوتى وجلادتى على القتال، وكان سبب ذلك أنه كان لا يثبت على الخيل حتى ضرب ﷺ صدره ودعا له بالتثبيت، وكان ذلك قبل موته ﷺ بنحو أربعين يوما، ثم يحتمل أن جريرا غاب إلى خلافه فمر مختصر فأمر عمر بعرضه عليه لتبين حاله، وما

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقع له فى ركوب الخيل. (وألقى جرير ردائه) إن كان من كلام جرير وهو الظاهر، فهو التفات، والقياس فألقيت ردائى فمشيت فقال وإن كان من كلام قيس فظاهر أنه اعتراض منه، وإن كان بالفاء أوله، لكن السياق يأباه وإنما فعل جرير ذلك إظهارا لقوته وتجالده (١). (فقال) عطف على فعرضت. (ما رأيت) هى هنا علميّة بدليل الاستثناء إذ الأصل فيه الاتصال ويلزم البصرية أنه منقطع. (رجلا) يعلم من ذكر صورة المفضل أن يراد من رجلا المفضل عليه صورته، فزعم أنه على حذف مضاف أى صورة رجل غير محتاج إليه، ووجه مناسبة هذا الباب أن طيب الصورة يلزمه غالبا طيب ريحها ففيه إيماء إلى التعطر، فقول بعضهم لا خفاء أن هذا الحديث يعقد تحت عنوان الباب ليس فى محله، ثم ما ذكره عمر رضى الله عنه مشكل لاقتضائه أن صورة جرير أحسن من صورة محمد ﷺ وقد مر عن كثيرين من الصحابة ما يرد ذلك، وقد يجاب: بأن صورته ﷺ قد علم واستقر فى العقول أنها أجمل (٢) من سائر المخلوقات حتى من صورة يوسف ﵇، فلم ينقل أن صورته، كان يقع من ضوئه على الجدران (٣) ما يصيره كالمرآة تحكى ما يقابله، وقد حكى ذلك عن صورة نبينا ﷺ ، لكن ستر الله عن أصحابه كثيرا من ذلك الجمال الباهر، لأنه لو برز إليهم لم يطيقوا النظر إليه كما قال بعض المحققين، وأما جمال يوسف ﵇ لم يستر منه شىء، وإذا تقرر أنها أحسن فلم يشملها قول عمر: ما رأيت رجلا، وكأن المراد بهذا النفى ما عداه ﷺ ، سواء كانت رأى علمية أم بصرية وإذا كان الكلام مفروضا فى من عداه، فعمن لم يعلم، أو ينظر فيمن عداه صورة أحسن من صورة جرير، إلا صورة يوسف على أن الظاهر باعتبار ما سبق من جمال دحية من أنه كان إذا دخل بلد أخرج لرؤيته حتى العذارى من خدرها أنه كان أجمل من جرير وح، فيشكل ما ذكر عن عمر أيضا اللهم إلا أن يقال كلامه صريح فى أنه أجمل باعتبار الوجه حتى من دحية، ولا محذور فى ذلك على أن يمكن الجمع بأن دحية كان أجمل باعتبار الوجه، وجرير كان أجمل باعتبار البدن بدليل: أن عمر لم يقل ما مر إلا عند تجرد جرير عن الرداء.

стр. 297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تتمة: مناسبة لهذا الباب أن الطيب من دواعى الجماع، ولذا قال بعض أئمتنا: يسن لمريد الإحرام الجماع، لأنه يسن له التطيب وهو من دواعيه، وقالوا: يسن لمريد الذهاب للجمعة لينكف ببصره أى ولأنه يسن له التطيب أيضا، والحاصل أن كل من سن له التطيب سن له الجماع، فزيادة تعطره ﷺ التى امتاز بها يدل على امتيازه بزيادة الجماع، وهو كذلك ففى البخارى: «كان ﷺ يدور على نسائه فى الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشر امرأة، قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين» وعند الإسماعيلى عن معاذ: «قوة أربعين» زاد أبو نعيم عن مجاهد: «كل رجل من رجال أهل الجنة» وصح: «يعطى الرجل فيها قوة مائة رجل» وإذا ضربت فى أربعين بلغت أربعة آلاف، وبه فضل سليمان لأنه لم يعط إلا قوة مائة، وإنما ضم لذلك القناعة فى الأكل مع استلزامها قلت: ليجمع الله له من صفات الكمال مع تضادها ما لم يجمعه لغيره، وروى الطبرانى: «ما احتلم نبى قط، وإنما الاحتلام من الشيطان» (١). ...

стр. 298

٣٤ - باب: كيف كان كلام رسول الله ﷺ ٢١٥ - حدثنا حميد بن مسعدة البصرى، حدثنا حميد بن الأسود، عن أسامة ــ (باب كيف كان كلام رسول الله ﷺ اعلم أنه ﷺ أفصح الخلق لسانا وأعذبهم كلاما وأسرعهم ردا وأحلاهم منطقا وأحكمهم جنانا وأوضحهم بيانا كيف ذلك ولسانه أعظم سيف من سيوف الله يبين عنه مراده ويقصم بساطع نوره حجج المبطلين ويهدى به الله عباده قال ﷺ : «أنا أفصح العرب وإن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد ﷺ » (١) وقد قال عمر: «ما لك أفصحنا، وقد خرجت من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست» أى متممات فصاحتها كما يدل عليه السياق والقرينة الخارجية «فجاءنى بها جبريل فحفظتها» (٢) رواه أبو نعيم وروى العسكرى بسند ضعيف جدا: أنهم قالوا: نحن بنو أب واحد ونشأنا فى بلد واحد وإنك تكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره فقال: إن الله أدبنى فأحسن تأديبى، ونشأت فى بنى سعد بن بكر» (٣)، وروى الحاكم وصححه: «إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد ﷺ ». ٢١٥ - (يسرد) أى لم يكن ﷺ يستعجل ويوالى بين جمل كلامه بحيث يأتى بعضها

стр. 299

ابن زيد، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قالت: «ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنّه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه». ٢١٦ - حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو قتيبة: سلم بن قتيبة، عن عبد الله ابن المثنى، عن ثمامة، عن أنس بن مالك، قال: «كان رسول الله ﷺ يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه». ــ أثر بعض لأن ذلك يورث لبسا أى لبس على السامعين، بل كان يفصل بينهما بحيث لو أراد المستمع عدها أمكنه، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه فى ذهن سامعه، سيما وهو ﷺ مع هذا التأنى يوضح مراده ويبينه بيانا تاما حتى لا يبقى فيه شوبة. (فصل) إما بمعنى فاصل بين الحق والباطل، وإما بمعنى مفصول بعضه من بعض، والأول أبلغ والثانى أنسب بسياقها هذا، قيل: فيه إثبات سرد لكلماته ولقلة سرد الكلمات، واتصالها لا كسردهم. انتهى، وهو عجيب فإنها بينت مرادها بقوله ولكنه. . . إلخ التصريح فيه لما قررته أنه لم يكن فى كلامه اتصال يسمى به أصلا. ٢١٦ - (يعيد الكلمة) الصادقة بالجملة، أو الجمل على حد كلا أنها كلمة ونحو الكلمة مما لا يتنبه للفظه، أو لمعناه إلا بإعادته، أو أن ذلك محمول على ما إذا عرض للسامعين ما خلط عليهم فيعيده عليهم ليفهموه، أو على ما إذا كثروا، ولم يستيقن سماع جميعهم فيعيد ليسمعه الكل وتوقف بعضهم فى هذا بما ليس محلا للتوقف وقال: الكلام فيه محتاج لتوقيف، وقد علم بما قررته فيه أن مدلول اللفظ فلما يتوقف على توقيف، وإنما سبب توقف ذلك البعض أنه ذهب عنه أن الكلمة تطلق على ما مر

стр. 300

٢١٧ - حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلى، عن رجل من بنى تميم، من ولد أبى هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله، عن ابن لأبى هالة، عن الحسن بن على، قال: سألت خالى هند بن أبى هالة، وكان وصافا، قلت: «صف لى منطق رسول الله ﷺ ، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة. ليست له راحة. طويل السّكت، لا يتكلم فى غير حاجة، يفتح الكلام ويختمه باسم الله، ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافى ولا بالمهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذمّ منها شيئا، غير أنّه لم يكن يذمّ ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدّنيا، ولا ما كان لها، فإذا تعدّى الحقّ لم يقم لغضبه شىء حتّى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلّبها، وإذا تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم. يفترّ عن مثل حبّ الغمام». ــ (ثلاثا) معمول لمحذوف أى يتكلم بها ثلاثا. (لتعقل عنه) أى لكمال هدايته وشفقته على أمته، وفى هذا وما قبله دليل على أنه يندب للمعلم أن يتأنى فى كلامه ويتحرى فى إيضاحه وبيانه ويعيده ثلاثا حتى يفهم عنه. ٢١٧ - (وصافا) أى للنبى ﷺ لما علم من الرواية السابقة أوائل الكتاب. (متواصل الأحزان) وهذا وما بعده زيادة ما طلب منه وصفه ارتباطه وتعلقه ووضوح ما بينهما من المناسبة والملازمة كما تشغله وتواصل أحزانه ﷺ لمزيد تعلقه واستغراقه فى شهود جلال الله وكبريائه، وذلك يستدعى دوام الصمت وعدم الراحة إذ من لازم اشتغال القلب انتفاؤها فقوله: (ليست له راحة) من لوازم ما قبلها صرح به للاهتمام به وتنبيها لما ينقل عنه وجعله بعضهم تأسيسا، فقال: لا يستريح لاشتغاله بالخيرات، وما ذكرته أوضح

стр. 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأنسب وكذا قوله: (طويل السكت) بكسر أوله أى الصمت فهو من لوازم ما قبله وصرح به للتذكر. (لا يتكلم فى غير حاجة) عصمة أن ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى. (يفتح الكلام ويختمه باسم الله) ليكون كلامه محفوفا ببركة اسمه تعالى ومن ثمة بين ذلك لكل متكلم اتباعا له ﷺ والمتصل له تلك البركة التامة أن المراد باسم الله فى الأول البسملة غالبا لندبها فى كل ذى بال غير ذكر وغير ما يجعله الشارع له ابتداء بغيرها كالأذان والصلاة وفى الآخرة الحمدلة، أو غيرها كالاستغفار وفهم بعضهم أن المراد باسم الله تعالى البسملة حتى فى الآخر فقال: لم يشتهر اختتام الأمور باسم الله، وهو غلط عجيب وفى نسخة: «بأشداقه» جمع شدق بكسر أوله، وهو طرف الفم أى أنه يستعمل جميع فمه فى التكلم، ولا يكتفى بأدنى تحرك للشفتين كما هو شأن المقصرين والمتكبرين. (ويتكلم بجوامع الكلم) أى بالكلمة القليلة الحروف الجامعة للمعانى الكثيرة بحيث يعجز الحصر عن استقصائها وقيل: هى القرآن. (فصل) أى فاصل بين الحق والباطل وآثره عليه لأنه أبلغ كعدل أبلغ من عادله. (لا فضول) أى زيادة فى كلامه على المحتاج إليه. (ولا تقصير) فيه عن أداء المراد، بل هو على غاية المطابقة لما اقتضاه المقام من إيجاز أو إطناب أو مساواة إذ هو شأن الفصيح، ولا أفصح منه بل لا مساوى له فى فصاحته ﷺ ، وقد جمع الناس من كلامه المفرد والموجز البديع الذى لم يسبقه إليه أحد دواوين كقوله «المرء مع من أحب»، «أسلم تسلم»، «وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين»، «السعيد من وعظ بغيره»، «ليس الخبر كالمعاينة» رواه أحمد، «المجالس بالأمانة» العقيلى، «الفأل موكل بالمنطق» (١) رواه جماعة، ولم يصب ابن الجوزى فى حكمه عليه بالوضع (٢)، «أىّ داء أدوى من البخل» (٣) البخارى، «لا ينطح

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيها عنزان» أى: لا يقع فيها نزاع، «الحياء خير كله» (١)، «الخيل فى نواصيها الخير» (٢)، «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٣)، «الحرب خدعة» (٤)، «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب» (٥)، «تنتفق عليها»، «يا خيل الله

стр. 303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اركبى» (١) رواه جماعة، «كل الصيد فى جوف الفراء» وهو مرسل جيد والفراء بفتح الفاء حمار الوحش، «إياكم وخضراء الدمن المرأة الحسناء فى بيت السوء» (٢) رواه جماعة، «لا يجنى جان إلا على نفسه» (٣) أحمد وغيره، «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فإن كل ذى نعمة محسود» (٤) الطبرانى، «المستشار مؤتمن» (٥) أحمد، وسيأتى عند المصنف، «الندم توبة» (٦) الطبرانى، «الدال على الخير كفاعله» (٧) العسكرى وغيره،

стр. 304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «حبك للشىء يعمى ويصم» (١) أبو داود وغيره، وهو حسن خلافا لمن زعم وضعه (٢)، «لا ترفع عصاك عن أهلك أدبا» (٣) أحمد، «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٤) مسلم، «زر غبا تزدد حبا» (٥) الطبرانى وغيره، «إنكم لن تشبعوا الناس بأموالكم

стр. 305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فشبعوهم بأخلاقكم» (١) أبو يعلى والبزار، «من شاد هذا الدين غلبه» العسكرى، «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (٢) الحديث فى البخارى، «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأمانى» (٣) صححه الحاكم، واعترض بأن فى سنده واهيا (٤)، «الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه» البيهقى وغيره، «القناعة مال لا ينفذ وكنز لا يفنى» (٥) الطبرانى وغيره، «الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة، والتودد للناس نصف العقل، وحسن

стр. 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السؤال نصف العلم» (١) رواه كثيرون، وضعفه البيهقى، لكن له شواهد: «الاقتصاد نصف المعيشة، وحسن الخلق نصف الدين» (٢) الطبرانى، «وخيرة السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ فى اقتصاد» العسكرى (٣)، «لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق» (٤) ابن حبان فى صحيحه والبيهقى، «التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين» (٥) الديلمى، «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (٦) حديث حسن، وإن نازع

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه جمع، بل قال أحمد باطل، «النساء حبائل الشيطان» (١) الديلمى، «حسن العهد من الإيمان» (٢) صححه الحاكم، «جمال المرء فصاحة لسانه» (٣) رواه جماعة، «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا» (٤) له طرق حسنة (٥) «لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعز من العقل، ولا وحشة أشد من العجب» (٦) ابن ماجه «الذنب لا ينسى، والبر لا

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يبلى، والديان لا يموت، فكن كيف شئت» (١) الديلمى، «ما جمع إلى شىء أحب من علم إلى علم» (٢) العسكرى، «وأفضل الإيمان التحبب إلى الناس ثلاث-من لم تكن فيه فليس منى، ولا من الله-: حلم يرد به جهل الجاهل، وحسن الخلق يعيش به فى الناس، وورع يحجزه عن معاصى الله» العسكرى، «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور» (٣) البيهقى وغيره، «صنائع المعروف تقى مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد فى العمر» (٤) سنده حسن، «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٥)، مسلم «إن الدنيا عرض حاضر يأكل فيها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق

стр. 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يحكم فيها ملك عادل قادر يحق فيها الحق، ويبطل الباطل فكونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها» أبو نعيم، «اليمين حنث لو ندم» (١) أبو يعلى وغيره، «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (٢) الترمذى، «من يضمن لى ما بين لحييّه، وما بين رجليه أضمن له الجنة» (٣) البخارى، ومن جوامعه أنه جمع متفرقات الشرائع فى أربعة أحاديث: «إنما الأعمال بالنيات» (٤)، «البينة على المدعى واليمين على من أنكر» (٥)، «لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٦) الشيخان، «الحلال بين والحرام بين» (٧) مسلم. (ليس بالجافى) أى القديم البر، بل بره عام للأقارب والأجانب إذ هو رحمة مهداة وَماأَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (٨). (ولا بالمهين) المحتقر المبتذل، بل كان يغشاه من أنوار الوقار والمهابة والجلالة ما ترتعد به فرائص الجبابرة وتخضع عند رؤيته جفاة

стр. 310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأعراب، وذل لعظمته عظاء الملوك. (يعظم النعمة) الظاهرة والباطنة الدنيوية والأخروية. (وإن دقت) أى صغرت: قلت. (ولا يذم منها شيئا) عنده من كمال شهوده وعظمة النعم المستلزم لعظم النعمة بسائر أنواعها (غير) تأكيد للمدح على حد بيد أنى من قريش (ذواقا) فعال بمعنى مفعول من الذوق أى: متذوقا مأكولا كان أو مشروبا، لأن ذمه شأن المتكبرين، والاعتناء بمدحه شأن ذوى الشرة والنهمة والحرص (ولا تغضبه الدنيا) الزائلة الفانية عنده حتى يؤثرها على الكمالات الباقية، وهو ﷺ معصوم من ذلك منزه عنه. وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مامَتَّعْنابِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيالِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١) وكيف تغضبه وهو (ما كان خلق لها) أى للتمتع بلذاتها وشهواتها، بل لهداية الضالين، وإرشاد المسترشدين وتكميل من لا غناء له عن الكمال، والشقاء فيمن استحق العقاب والنكال. (لم يقم لغضبه شىء) أى لم يقاومه شىء، لأنه إنما كان يغضب للحق وهو لا قدرة للباطل على مقاومته بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذاهُوَ زاهِقٌ (٢)، (لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها) لأنه لم يبق فيه حظ من حظوظها وشهواتها وإرادته، وإنما تحصنت حظوظه وأعراضه وإرادته لله سبحانه فهو قائم بها يمتثل لما أمر به فيها. خُذِ اَلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ (٣). (وإذا أشار) إلى شىء إنسان وغيره. (أشار) إليه (بكفه كلها) ولا يقتصر على الإشارة إليه ببعضها، لأنه شأن المتكبرين والمختالين، قيل: ولأن إيثار بعض الأصابع بالإشارة به دون بعض، فيه مزيد مؤنة لا يحتاج إليها. انتهى. وفيه ما فيه (قلبها) أى إلى ظاهرها بأن يجعل باطنها أعلى كما هو شأن كل متكبر متعجب وطبعه وبين بذلك المراد من أنه ﷺ كان يتحرى ضد التعجب، على خلاف المعتاد فيه، من قلب الكفّ، كما ذكر من غير أن يزيد على ذلك بكلام، أو غيره، لأن القصد إعلام الحاضرين تعجبه من الشىء، وهو حاصل بمجرد قلب كفه، أو من الهيئة التى كانت عليها حالة التعجب، سواء كانت إذ ذاك إلى ظاهرها وباطنها وكأن حكمة قلبها الإشارة إلى تقلب ذلك الأمر المتعجب منه وتغيره إلى الحال الأكمل ببركته ﷺ (وإذا تحدث اتصل) حديثه المفهوم من (تحدث بها)

стр. 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أى بكفه، بمعنى أن حديثه يقارن تحريكها ثم بين ذلك التحريك المقارن للحديث بقوله: (وضرب براحته اليمنى باطن إبهامه) وكان هذا عادتهم أن الإنسان عند حديثه يحرك يمينه (ويضرب بها بطن إبهام يسراه) وكان حكمة ذلك أن فى تحريك اليمين مع الحديث وضرب الإبهام بها اعتناء بذلك الحديث، ودفع ما يعرض للنفس من الفتور عنه بذلك التحريك والضرب، ونظيره ما يعتاده كثيرون من مزيد التحريك جدتهم كله عند قراءة القرآن لدفع ذلك الفتور، أو لما يجدونه من أريحته نحو القرآن ولذته، وحكمة تحريك اليمين كلها والاكتفاء من اليسار بضرب باطنها إعمال كل الأشرف، ليدل على مزيد الاعتناء بذلك الحديث، والاكتفاء من غير الأشرف ببعضه، وخص بطن الإبهام، لأنه أقرب إلى العروق المتصلة بالقلب المقصود ولم يقطنه، واستحضاره لتتميم الحديث وتصنيفه، وهذا الذى قررته فى هذا المحل هو ما ظهر لى، ولعله أولى وأحسن مما قاله غيرى من الأراء البعيدة المتكلفة، منها قول بعضهم: وإذا تحدث اتصل بها يعنى إذا تحدث اتصل بطن (١) إبهامه بكفه ففى قوله اتصل ضمير راجع إلى بطن إبهامه اليسرى والتركيب من قبيل تنازع الفعلين فى الفاعلية والمفعولية مع إعمال الثانى وإضمار الأول، ومنها قول آخر: الباء فى «بها» للتعدية وحذف المفعول بواسطة إلى، أى أوصل كفه إليه أى: إلى بطن إبهامه اليسرى، ومنها قول آخر: فى هذا التركيب حزازة، لأن المقصود إيصال الراحة اليمنى إلى بطن إبهامه اليسرى، ويجعل ضربها إلى الكف لا يحصله هذا المعنى إلا بمزيد تكلف، ومنها قول آخر: اللائق بهذا المقصود جعل ضمير بها إلى راحته اليمنى ويلزم عليه الإضمار قبل الذكر وهو ممتنع، ومنها قول آخر منهم: من ضرب بطن إبهامه اليسرى براحته اليمنى الاتصال المذكور بلا حفاء فيلغى قوله اتصل بها ويكفى وإذا تحدث ضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، ومنها الجواب عن هذا الاعتراض: بأن الاتصال مستمر والضرب أحيانا، هذا حاصل ما رأيته للمتكلمين فى هذا المحل بحسب آرائهم فقط وكله غير مقبول، لأن منه ما هو بعيد عن اللفظ، بل لا يناسبه وما هو بعيد عن المعنى، وما هو خارج عن أسلوب الفصاحة وقوانين البلاغة فتأمل ذلك وحقق النظر فيه ليظهر لك صحة ما ذكرته إن شاء الله تعالى، ومع ذلك ففوق كل ذى علم عليم جعلنا الله ممن امتن عليه بحقائق العلوم بمنه وكرمه (وإذا غضب أعرض) [وعفى

стр. 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عنه] (١) بظاهره وباطنه لقوله تعالى وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ (وأشاح) أى زاد فى الإعراض والعفو والصفح فقابله بالجميل وتقنع من الرد والتأدب معه بالقليل (وإذا فرح غض طرفه) أى أطرفه، لأن الفرح لا يستخفه ولا يحركه ولا يجعله متكلما، وإنما غاية تأثيره فى ذلك الغض. (جل ضحكه) أى أكثره (التبسم) يأتى الكلام عليه فى الباب بعده، وغير مخل لأنه ربما ضحك حتى بدت نواجذه كما يأتى (يفتر) من أفتر بفاء ففوقية: ضحك ضحكا حسنا (عن مثل حب الغمام) وهو البرد الذى على هيئة اللؤلؤ شبه أسنانه ﷺ فى بياضه وصفائه، وقيل: حب الغمام اللؤلؤ نفسه لأنه يحصل من الغمام كالبرد، ورد: بأنه مخالف للغة. ...

стр. 313

٣٥ - باب: ما جاء فى ضحك رسول الله ﷺ ٢١٨ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا الحجاج-وهو ابن أرطأة-عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: «كان فى ساق رسول الله ﷺ حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسّما، فكنت إذا انظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل». ــ (باب ما جاء فى ضحك رسول الله ﷺ ٢١٨ - (حموشة) بضم أوله المعجم أى دقه، ودقتها مما يتمدح به وقد أكثر أهل القافية من ذكر مما يبين ذلك وفوائده. (لا يضحك) أى فى أكثر أحواله لرواية: «جل ضحكه» السابقة، ولا ينافيه رواية البخارى عن عائشة: «ما رأيته مستجمعا قط ضاحكا حتى أرى لهواته» (١) إنما كان يتبسم، لأن معناه ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك، بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته عليه، واللهوات بفتح اللام جمع لهات، وهى اللحمة التى بأعلى الحنجرة من أقصى الفم «إلا تبسما» جعله من الضحك مجازا، إذ هو مبدأه فهو كجعل السّنة من النوم بمعنى فتبسم ضاحكا أى: شارعا فى الضحك، إذ هو انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور إن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، وقد يرد على ذلك قول القاموس: الضحك: التبسم، وفسر الضحك بما يبدو فيه جميع الأسنان والأربع من الأضراس والثنايا كذا قاله شارح، وهو عجيب، والذى فى القاموس تبسم يتبسم تبسما وابتسم وتبسم، وهو أقل الضحك وأحسنه انتهى، وهو موافق لما تقرر، لأنه يرد عليه، لأن مراده بكونه أقله أنه مبتدأه وبكونه أحسنه، لأنه ليس فيه رفع صوت، ولا

стр. 314

٢١٩ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: «ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ ». ٢٢٠ - حدثنا أحمد بن خالد الخلال، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحانى، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبى حبيب، عن عبد الله الحارث، قال: «ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسّما». ــ بدو للأسنان، وقوله وفسر الضحك. . . إلخ لم أره فى النسخة التى عندى. (فكنت) يصح ضم التاء وفتح الفاء فيه وفيما بعده (قلت: أكحل) من الكحل محركا وهو أن يعلو منابت الشعر سواد خلقى، أو أن يسود مواضع الكحل ذكره فى القاموس، والأول هو المشهور. (وليس بأكحل) حقيقة وإنما يظن به عند ابتداء الرؤية والنفى باعتبار الحقيقة ويؤخذ من ذلك أن اسوداد العين بحيث يوهم أنه أكحل أشرف من حقيقة الكحل، لأنه ﷺ لا يعطى إلا الأفضل مطلقا وقوله «وليس» آه يبنى على المذهبين المشهورين فى ليس فعلى ما عليه الأكثرون: أنها لنفى الحال تكون هنا لحكاية الحال الماضية، وعلى ما عليه الأقلون: أنها لمطلق النفى تكون هنا كذلك. ٢١٩ - (جزء) بجيم مفتوحة فزاى ساكنة فهمزة. (أكثر تبسما من رسول الله ﷺ أى تبسمه أكثر من ضحكه بخلاف سائر الناس، فإن ضحكهم أكثر من تبسمهم وح، فلا ينافى هذا ما مر أنه كان متواصل الأحزان، وأنه كان متواصلها باطنا وفيما يبدو من ظاهره كان يكثر التبسم للناس تألفا لهم. ٢٢٠ - (الخلال) بالمعجمة. (السيلحانى) نسبة لسيلحون قرية بفتح أو كسر أوله

стр. 315

٢٢١ - حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبى ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّى لأعلم أول رجل يدخل الجنة، وآخر رجل يخرج من النّار. يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، تخبأ عنه كبارها. فيقال له: عملت يوم كذا كذا وكذا. وهو يقرّ لا ينكر وهو مشفق من كبارها. فيقال: أعطوه مكان كل سيّئة عملها حسنة فيقول: إنّ لى ذنوبا ما أراها هاهنا». قال أبو ذرّ: «فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه». ــ المهملة فتحتية فلام مفتوحة فمهملة. (إلا تبسما) مر أن الحصر فيه إضافى لا حقيقى، لما صح أنه ﷺ ضحك فى بعض الأوقات حتى بدت نواجذه. (ليث) أى أن غرابته شك من تفرد الليث به الجمع على جلالته وإمامته، فهى غرابة فى السند لا تنافى الصحة. ٢٢١ - (عن أبى ذر) جنادة بضم الجيم وتخفيف النون (لأعلم) أى بالوحى وهو ظاهر. (يؤتى بالرجل) أى الذى هو أول من يدخل الجنة، أو آخر خارج من النار، قيل: إن أول داخل الجنة النبى ﷺ وعليه فلا يصح أن يراد بالرجل أول داخل لأنه ﷺ لا ذنب له ويحتمل وهو الظاهر أن تكون هذه قضية أخرى فهى استئناف لا تعلق لها بما قبلها ثم رأيت شارحا جزم به، (اعرضوا) يؤخذ من قوله الآتى ما أراها هنا أن المعروض هو صحائف الأعمال. (وتخبأ) عطف على «فيقال» فاندفع ما قيل فيه عطف خبر على إنشاء توهما من غير تأمل أنه عطف على اعرضوا، إذ يلزمه أن يكون من مقول القول وهو فاسد كما هو واضح على أنه يحتمل أن هذا خبر بمعنى الأمر أى فيقال للملائكة: اعرضوا وخبئوا عنه ذلك ويخفى. (عنه كبارها) أى الذنوب للحكمة

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الآتية. (مشفق) أى خائفا لتعديه بمن وأما التعدى بعلى فهو بمعنى الرأفة والحنو. (أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة) أى لتوبته النصوح أو لكثرة طاعاته أو لغير ذلك مما يعلمه الله. «فيقول. . .» إلخ أن ما قال ذلك مع أنه كان مشفقا من الصغار فكيف بالكبار، لأنه لما قوبلت صغائره بالحسنات طمع أن يقابل كبائره بها أيضا فزاد رجاؤه فسأل لتتم عليه النعمة، فمن أجل هذا الطمع الدال على سعة فضل الله ورحمته. (ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه) بالمعجمة أى أضراسه وقيل: أربع آخر الأسنان كل منها يسمى ضرس العقل، لأنه لا ينبت إلا بعد البلوغ، وقيل: أنيابه، وقيل: ضواحكه، وفى القاموس: هى أقصى الأسنان أو الأنياب، أو التى تلى الأنياب أو الأضراس قيل: ضحكه إلى أن يبدو أواخر أسنانه بعيد من شيمته، فلذا قيل: المراد المبالغة فى كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر عنه، ويؤيد قول الصحاح يقال: ضحك حتى بدت نواجذه إذا أسفرت منه، وفيه دليل على أن الضحك فى مواطن التعجب سيما ما هو فى مثل تعجبه ﷺ لا يكره ولا يخرم المروءة إذا لم يتجاوز به الحد المعتاد، ولا ينافى هذا ما مر عن عائشة لأنها إنما نفت رؤيتها، وأبو ذر راوى هذا الحديث أخبر بما شاهده والمثبت مقدم على النافى والحاصل من مجموع الأحاديث كما قاله بعض محققى المتأخرين من المحدثين أنه ﷺ كان فى أغلب أحواله لا يزيد على التبسم، ربما يزيد على التبسم ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار. قال بعضهم: والذى ينبغى أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك وروى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، ومرّ «أنه ﷺ كان إذا ضحك يتلألأ كالبدر» (٢) بضم أوليه أى يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، واعلم أنه ﷺ كان محفوظا من التثاؤب كما فى تاريخ البخارى ومصنف ابن أبى شيبة، زاد الثانى أن ذلك عامّ فى الأنبياء.

стр. 317

٢٢٢ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن بيان، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: «ما حجبنى رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآنى إلا ضحك». ٢٢٣ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير، قال: «ما حجبنى رسول الله ﷺ ، ولا رآنى منذ أسلمت إلا تبسم». ٢٢٤ - حدثنا هناد بن السرى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلمانى، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ــ ٢٢٢ - (ما حجبنى) منعنى من الدخول عليه فى الأوقات التى يدخل عليه فيها خواص أصحابه وخدمه. (ولا رآنى) أى (منذ أسلمت) إذ المحذوف الثانى لدلالة الأول كثير، ومذهبنا أن القيد يرجع إلى الجمل المتقدمة عليه والمتأخرة عنه، وأوّل ذلك شارح بما لا يقبله طبع سليم. (إلا ضحك) أى تبسم كما فى الرواية الآتية الموافقة للبخارى، وأراد بذلك إظهار خصوصيته ﷺ ، وأنه كان يشهد فيه من مشاهد الفضل والرحمة المقتضى لفرحه المستلزم لتبسمه. قُلْ بِفَضْلِ اَللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. (١) ٢٢٤ - (عبيدة) بفتح فكسر. (زحفا) هو المشى على الأست مع إشرافه بصدره،

стр. 318

«إنّى لأعرف آخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا. فيقال له: انطلق فادخل الجنة. قال: فيذهب ليدخل. فيجد النّاس قد أخذوا المنازل، فيرجع. فيقول: يا ربّ قد أخذ النّاس المنازل. فيقال له: أتذكر الزمان الذى كنت فيه. فيقول: نعم. فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى. فيقال له: فإنّ لك الّذى تمنيت، وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بى وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ، ضحك حتّى بدت نواجذه». ٢٢٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن على ابن ربيعة قال: «شهدت عليا رضى الله عنه أتى بدابة ليركبها، فلمّا وضع رجله فى الركاب ــ وفى رواية: «حبوا» وهو المشى على اليدين والرجلين والركبتين، أو والمقعد ولا تنافى، لأن أحدهما قد يراد به الآخر، أو أنه يزحف تارة ويحبو أخرى. (أتذكر. . .) إلخ أى: تقيس زمنك هذا الذى أنت فيه بزمنك الذى كنت فيه فى الدنيا، إن الأمكنة إذا امتلأت بالساكنين، لم يكن للآتى مكانا فيها، بل لم يك مع امتلائها لساكن كثيرة، والفرق أن تلك دار ضيق ومحنة وهذه دار سعة ومنة. (أتسخر منى) فأصدر منه هذا على جهة المندهش لما ناله من السرور، وسارع بما لا يخطر بباله فلم يكن ح ضابطا لما قال، ولا عالما بما يترتب عليه بل جرى على عادته فى مخاطبة المخلوق، فهو كمن قال ﷺ فى حقه أنه لم يضبط نفسه فى الفرح فى الدعاء فقال: أنت عبدى وأنا ربك، وفى رواية: «أتسخر بى» والأولى أفصح وأشهر. ٢٢٥ - (شهدت عليا) حضرته. (بدابة) أصلها لغة ما يدبّ على وجه الأرض، ثم

стр. 319

قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثمّ قال: سبحان الذى سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون». ثم قال: الحمد لله، ثلاثا. والله أكبر، ثلاثا. سبحانك إنّى ظلمت نفسى فاغفر لى، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت. ثم ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، ثمّ ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إن ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لى ذنوبى، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيرى». ــ خصصها العرف العام بذوات الأربع. (بسم الله) قيل: كأنه مأخوذ من قول نوح لما أراد أن يركب السفينة. «بسم الله» إلخ انتهى، وليس فى محله؛ لأن عليا رضى الله عنه نقل ذلك عن النبى ﷺ وبين أنه تأسى فى ذلك فكيف مع ذلك يقال كأنه مأخوذ. . . إلخ. (الحمد لله) أى على هذه النعمة العظيمة، وهو بتسيير الدابة وتسخيرها للركوب، ويؤيده ذكر الذى إلخ. تنبيها على سر قوله لك هنا المتأيد به ما ذكرته بقولى؛ وكان إلخ. (سبحان) تنزيه من أن يكون له شريك فى ملكه، وكان وجه مناسبته أن تسخير الدواب لنا نعمة عظيمة لا يقدر عليها غير الله كمناسب شهود تنزيه عن شريك حينئذ. وقيل: إنه تنزيه عن الاستواء الحقيقى على العرش المذكور به الاستواء على الدابة. (مقرنين) مطيقين لولا تسخيره. (منقلبون) لراجعون إلى الدار الآخرة وناسب ذكره لأن الدابة سبب من أسباب التلف والهلاك إذ كثيرا ما يسقط راكبها عنها فيندق عنقه، فكان شهود الراكب للموت وقد اتصل به سبب من أسبابه حاملا له على تقوى الله فى ركوبه ومسيره. (ثلاثا) أى كرر الحمد ثلاثا لعظمة تلك النعمة التى لا يقدر عليها غير الله سبحانه، والتكبير كذلك لمزيد إعظام الله وتنزيهه. (سبحانك) زاد فى تكريره توطئة لما

стр. 320

٢٢٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا ابن عون، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن عامر بن سعد قال: قال سعد: «لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: كيف؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان يقول كذا وكذا بالتّرس، يغطّى جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه رماه فلم يخطئ هذه منه «يعنى جبهته» وانقلب وشال برجله فضحك النّبى ﷺ حتّى بدت نواجذه. قلت: من أىّ ضحك؟ قال: من فعله بالرّجل». ــ طلبه بعد ليكون بعد اعترافه بالظلم أنجح لإجابة سؤاله ومحقق آماله. (إنى ظلمت نفسى) قيل: سبب ذكره تذكر ركوبه فى قضاء حاجته نفسها لا للجهاد فى سبيله انتهى، وهو غفلة عن أنه يسن قوله ذلك حتى للمجاهد، وكل من ركب لعبادة ولو ذا جبة والوجه أن سببه أن تذكر النعمة يحمل على شهود التقصير فى شكرها وأن العبد ظلم نفسه بعدم القيام بها فناسب ذكر هذا هنا. (ثم ضحك. . .) إلخ تعجبه تعالى المراد به لاستحالته ذاتية، وهى استعظام الشىء والرضى به المستلزم بجزيل الثواب وهذا الرضى المقتضى لفرح النبى ﷺ ومزيد النعمة عليه. ٢٢٦ - (ضحك) ولما تذكر على ذلك اقتضى مزيد فرحه وبشره فضحك. (الخندق) معرب ولذا اجتمع فيه الخاء والقاف والدال وهى لا تجتمع فى كلمة عربية. (قال) عامر: (قلت) لسعد: (كيف) أى ما سبب ضحكه ﷺ ؟ قال سعد. (وكان سعد راميا) الظاهر بل الصريح بمقتضى السياق الآتى أنه من كلام سعد فيكون التفاتا ويحتمل على بعد أنه
следующие страницы →