. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الآتية. (مشفق) أى خائفا لتعديه بمن وأما التعدى بعلى فهو بمعنى الرأفة والحنو. (أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة) أى لتوبته النصوح أو لكثرة طاعاته أو لغير ذلك مما يعلمه الله. «فيقول. . .» إلخ أن ما قال ذلك مع أنه كان مشفقا من الصغار فكيف بالكبار، لأنه لما قوبلت صغائره بالحسنات طمع أن يقابل كبائره بها أيضا فزاد رجاؤه فسأل لتتم عليه النعمة، فمن أجل هذا الطمع الدال على سعة فضل الله ورحمته. (ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه) بالمعجمة أى أضراسه وقيل: أربع آخر الأسنان كل منها يسمى ضرس العقل، لأنه لا ينبت إلا بعد البلوغ، وقيل: أنيابه، وقيل: ضواحكه، وفى القاموس: هى أقصى الأسنان أو الأنياب، أو التى تلى الأنياب أو الأضراس قيل:
ضحكه إلى أن يبدو أواخر أسنانه بعيد من شيمته، فلذا قيل: المراد المبالغة فى كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر عنه، ويؤيد قول الصحاح يقال: ضحك حتى بدت نواجذه إذا أسفرت منه، وفيه دليل على أن الضحك فى مواطن التعجب سيما ما هو فى مثل تعجبه ﷺ لا يكره ولا يخرم المروءة إذا لم يتجاوز به الحد المعتاد، ولا ينافى هذا ما مر عن عائشة لأنها إنما نفت رؤيتها، وأبو ذر راوى هذا الحديث أخبر بما شاهده والمثبت مقدم على النافى والحاصل من مجموع الأحاديث كما قاله بعض محققى المتأخرين من المحدثين أنه ﷺ كان فى أغلب أحواله لا يزيد على التبسم، ربما يزيد على التبسم ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه والإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار. قال بعضهم: والذى ينبغى أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك وروى البخارى فى الأدب المفرد وابن ماجه: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، ومرّ «أنه ﷺ كان إذا ضحك يتلألأ كالبدر» (٢) بضم أوليه أى يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، واعلم أنه ﷺ كان محفوظا من التثاؤب كما فى تاريخ البخارى ومصنف ابن أبى شيبة، زاد الثانى أن ذلك عامّ فى الأنبياء.
стр. 317
٢٢٢ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن بيان، عن قيس بن أبى حازم، عن جرير بن عبد الله، قال:
«ما حجبنى رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآنى إلا ضحك».
٢٢٣ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس، عن جرير، قال:
«ما حجبنى رسول الله ﷺ ، ولا رآنى منذ أسلمت إلا تبسم».
٢٢٤ - حدثنا هناد بن السرى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة السلمانى، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ :
ــ
٢٢٢ - (ما حجبنى) منعنى من الدخول عليه فى الأوقات التى يدخل عليه فيها خواص أصحابه وخدمه. (ولا رآنى) أى (منذ أسلمت) إذ المحذوف الثانى لدلالة الأول كثير، ومذهبنا أن القيد يرجع إلى الجمل المتقدمة عليه والمتأخرة عنه، وأوّل ذلك شارح بما لا يقبله طبع سليم. (إلا ضحك) أى تبسم كما فى الرواية الآتية الموافقة للبخارى، وأراد بذلك إظهار خصوصيته ﷺ ، وأنه كان يشهد فيه من مشاهد الفضل والرحمة المقتضى لفرحه المستلزم لتبسمه. قُلْ بِفَضْلِ اَللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا. (١)
٢٢٤ - (عبيدة) بفتح فكسر. (زحفا) هو المشى على الأست مع إشرافه بصدره،
стр. 318
«إنّى لأعرف آخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا. فيقال له: انطلق فادخل الجنة. قال: فيذهب ليدخل. فيجد النّاس قد أخذوا المنازل، فيرجع.
فيقول: يا ربّ قد أخذ النّاس المنازل. فيقال له: أتذكر الزمان الذى كنت فيه.
فيقول: نعم. فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى. فيقال له: فإنّ لك الّذى تمنيت، وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بى وأنت الملك؟ قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ ، ضحك حتّى بدت نواجذه».
٢٢٥ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى إسحاق، عن على ابن ربيعة قال:
«شهدت عليا رضى الله عنه أتى بدابة ليركبها، فلمّا وضع رجله فى الركاب
ــ
وفى رواية: «حبوا» وهو المشى على اليدين والرجلين والركبتين، أو والمقعد ولا تنافى، لأن أحدهما قد يراد به الآخر، أو أنه يزحف تارة ويحبو أخرى. (أتذكر. . .) إلخ أى:
تقيس زمنك هذا الذى أنت فيه بزمنك الذى كنت فيه فى الدنيا، إن الأمكنة إذا امتلأت بالساكنين، لم يكن للآتى مكانا فيها، بل لم يك مع امتلائها لساكن كثيرة، والفرق أن تلك دار ضيق ومحنة وهذه دار سعة ومنة. (أتسخر منى) فأصدر منه هذا على جهة المندهش لما ناله من السرور، وسارع بما لا يخطر بباله فلم يكن ح ضابطا لما قال، ولا عالما بما يترتب عليه بل جرى على عادته فى مخاطبة المخلوق، فهو كمن قال ﷺ فى حقه أنه لم يضبط نفسه فى الفرح فى الدعاء فقال: أنت عبدى وأنا ربك، وفى رواية:
«أتسخر بى» والأولى أفصح وأشهر.
٢٢٥ - (شهدت عليا) حضرته. (بدابة) أصلها لغة ما يدبّ على وجه الأرض، ثم
стр. 319
قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله. ثمّ قال: سبحان الذى سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنّا إلى ربنا لمنقلبون». ثم قال: الحمد لله، ثلاثا. والله أكبر، ثلاثا. سبحانك إنّى ظلمت نفسى فاغفر لى، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت. ثم ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت، ثمّ ضحك. فقلت: من أى شىء ضحكت يا رسول الله؟ قال: إن ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لى ذنوبى، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيرى».
ــ
خصصها العرف العام بذوات الأربع. (بسم الله) قيل: كأنه مأخوذ من قول نوح لما أراد أن يركب السفينة. «بسم الله» إلخ انتهى، وليس فى محله؛ لأن عليا رضى الله عنه نقل ذلك عن النبى ﷺ وبين أنه تأسى فى ذلك فكيف مع ذلك يقال كأنه مأخوذ. . . إلخ.
(الحمد لله) أى على هذه النعمة العظيمة، وهو بتسيير الدابة وتسخيرها للركوب، ويؤيده ذكر الذى إلخ. تنبيها على سر قوله لك هنا المتأيد به ما ذكرته بقولى؛ وكان إلخ.
(سبحان) تنزيه من أن يكون له شريك فى ملكه، وكان وجه مناسبته أن تسخير الدواب لنا نعمة عظيمة لا يقدر عليها غير الله كمناسب شهود تنزيه عن شريك حينئذ. وقيل:
إنه تنزيه عن الاستواء الحقيقى على العرش المذكور به الاستواء على الدابة. (مقرنين) مطيقين لولا تسخيره. (منقلبون) لراجعون إلى الدار الآخرة وناسب ذكره لأن الدابة سبب من أسباب التلف والهلاك إذ كثيرا ما يسقط راكبها عنها فيندق عنقه، فكان شهود الراكب للموت وقد اتصل به سبب من أسبابه حاملا له على تقوى الله فى ركوبه ومسيره. (ثلاثا) أى كرر الحمد ثلاثا لعظمة تلك النعمة التى لا يقدر عليها غير الله سبحانه، والتكبير كذلك لمزيد إعظام الله وتنزيهه. (سبحانك) زاد فى تكريره توطئة لما
стр. 320
٢٢٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا ابن عون، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن عامر بن سعد قال: قال سعد:
«لقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه. قال: قلت:
كيف؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان يقول كذا وكذا بالتّرس، يغطّى جبهته، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه رماه فلم يخطئ هذه منه «يعنى جبهته» وانقلب وشال برجله فضحك النّبى ﷺ حتّى بدت نواجذه.
قلت: من أىّ ضحك؟ قال: من فعله بالرّجل».
ــ
طلبه بعد ليكون بعد اعترافه بالظلم أنجح لإجابة سؤاله ومحقق آماله. (إنى ظلمت نفسى) قيل: سبب ذكره تذكر ركوبه فى قضاء حاجته نفسها لا للجهاد فى سبيله انتهى، وهو غفلة عن أنه يسن قوله ذلك حتى للمجاهد، وكل من ركب لعبادة ولو ذا جبة والوجه أن سببه أن تذكر النعمة يحمل على شهود التقصير فى شكرها وأن العبد ظلم نفسه بعدم القيام بها فناسب ذكر هذا هنا. (ثم ضحك. . .) إلخ تعجبه تعالى المراد به لاستحالته ذاتية، وهى استعظام الشىء والرضى به المستلزم بجزيل الثواب وهذا الرضى المقتضى لفرح النبى ﷺ ومزيد النعمة عليه.
٢٢٦ - (ضحك) ولما تذكر على ذلك اقتضى مزيد فرحه وبشره فضحك. (الخندق) معرب ولذا اجتمع فيه الخاء والقاف والدال وهى لا تجتمع فى كلمة عربية. (قال) عامر:
(قلت) لسعد: (كيف) أى ما سبب ضحكه ﷺ ؟ قال سعد. (وكان سعد راميا) الظاهر بل الصريح بمقتضى السياق الآتى أنه من كلام سعد فيكون التفاتا ويحتمل على بعد أنه
стр. 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من كلام عامر، وكان هذا من كلام سعد على كل تقدير. (يقول) يفعل. (فنزع) إلخ هذا أيضا من كلام سعد وفيه التفات. (منه) أى من مجمل السهام (بسهم) الباء زائد لصحة المعنى وتعدى نزع بدونها وكأن المعنى أنه أخذ سهما من كنانته ومسكه أو وضعه فى الوتر فلما رفع رأسه رماه. (فضحك النبى ﷺ أى من قتل سعد وغرابة إصابته لعدوه فرحا بذلك وسرورا بما يترتب عليه من إطفاء نار الكفر، وذل أئمة الضلال، لا من رفعه رجليه حتى بدت عورته، لأن كشف عورة الحربى والنظر إليه قصدا حرام، نعم قياس مذهبنا: أنه يجوز السخرية واللهو بالحربى بسائر وجوههما، ومنها: التشفى ببدو سؤته زيادة فى نكاله، لا من حيث كونه عورة.
***
стр. 322
٣٦ - باب: ما جاء فى صفة مزاح رسول الله ﷺ
٢٢٧ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أسامة، عن شريك، عن الأحول،
ــ
(باب ما جاء فى مزاح) بكسر الميم مصدر مازح فهو بمعنى المازحة كالقتال بمعنى المقاتلة، وهو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له وبه فارق اللهو والسخرية. (رسول الله ﷺ قيل: الأنسب الترجمة بباب كلام رسول الله ﷺ فى المزاح، وأنه لا يفصل بينه وبين باب كيف كان كلام رسول الله بباب الضحك. انتهى، وليس كما زعم هذا القائل لأن مزاحه ﷺ وقع بغير الكلام أيضا كما يأتى فى احتضائه لزاهر فتعين حذف كلام، وسر الفصل أن المزاح يتولد عنه الضحك غالبا فناسب ذكر الضحك ثم ذكر بعض أسبابه، اعلم أنه ﷺ كان مع أهله وأصحابه وغيرهم، ومع الغريب والقريب على غاية من سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، وإفشاء السلام، والبدار به من لقيه، والوقوف مع من يستوقفه والمشى مع من أخذ بيده حتى من الولدان والإماء، والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا، وإجابة الداعى ولين الجانب حتى يظن كل أحد من أصحابه أنه أحبهم إليه، وهذا لميدان (١) ليس فيه إلا واجب أو مستحب، ولو لم يكن من مباستطه إلا أن الاستضاءة بنور هدايته والاقتداء به فى ذلك وتألفهم، حتى يزول ما عندهم من هيبته فيقدرون على الاجتماع عليه والأخذ عنه، كما يأتى تحقيقه وبسطه لكان ذلك هو الغاية العظمى فى الكمال، فكيف وقد انضم لذلك من عظيم البشرى ما تسمع بعضه، ومنه: أنه مج مجة فى وجه محمود بن الربيع وهو ابن خمس سنين يمازحه بها، فكان فيها من البركة أنه لما كبر لم يبق فى ذهنه من الروايات غيرها فعدّ بها من الصحابة، ونضح الماء فى وجه بنت أم سلمة فلم يزل رونق الشباب فى وجهها، وهى عجوز كبيرة.
٣٢٧ - (يعنى يمازحه) أى كرامة منه ﷺ وتلطفا به حيث سماه بغير اسمه مما قد
стр. 323
عن أنس بن مالك قال:
إنّ النّبىّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين».
قال محمود: قال أبو أسامة: يعنى يمازحه.
٢٢٨ - حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبى التياح، عن مالك، قال:
«إن كان النّبىّ ﷺ ليخالطنا، حتّى يقول لأخ لى صغير: يا أبا عمير ما فعل النّغير؟».
ــ
يوهم أنه ليس له من الحواس إلا الأذنان، وإن كان المقصود به المزاح فإنه سمعه يعى ما وصل إليه، فينقاد له ويعمل بمقتضاه، وقيل: معناه الحث على حسن الاستماع والوعى لما يقال لا المزاح، لأن السمع بحاسة الأذن، ومن خلق الله له أذنين سميعتين كان ذلك أدعى لحفظه ووعيه جميع ما يسمعه.
٣٢٨ - (التياح) بفوقية مفتوحة فتحتية مشددة ثم حاء مهملة. (عن أنس) وأخرج حديثه بهذا الشيخان بلفظ: «كان ﷺ أحسن الناس خلقا» وكان لى أخ يقال له أبو عمير وكان له نغير يلعب به فمات فدخل على النبى ﷺ فرآه حزينا فقال: ما شأنه؟ فقالوا:
مات نغيره فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير؟»، (إن) مخففة من الثقيلة أى إنه، (ليخالطنا) أى أنسا وأهل بيته. (حتى) غائية انتهت مخالطته فيهم كلهم حتى الصبى، وحتى الملاعبة معه، وحتى السؤال عن فعل النغير. (لأخ لى) أى لأمه. (عمير) قيل:
تصغيرا لعمر بالإشارة إلى أنه يعيش قليلا وبه يندفع الأخذ منه أنه يجوز تكنية الصغير بأبى فلان وأن يتصور منه الإيلاد، وفيه: اندفاعه من باب أبى الفضيل مما تقرر: أن عميرا تصغير عمر لا أنه اسم شخص آخر، انتهى ملخصا، وفيه نظر، ومن أين له
стр. 324
قال أبو عيسى: وفقه هذا الحديث: أن النبى ﷺ كان يمازح. وفيه: أنه كان غلاما، فقال له: «يا أبا عمير».
وفيه: أنه لا بأس أن يعطى الصبى الطير ليلعب به وإنما قال له النبى ﷺ : «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» لأنه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النبى ﷺ فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟».
ــ
الجزم بأن عمير تصغير عمر وليس بعلم، مع أن المشهور أنه علم متعارف كثيرا، وح صح الأخذ ولم يندفع بما ذكر فتأمله. (النغير) بنون فمعجمة تصغير النغير جمع نغرة كبرة، وهو طائر كالعصفور. (ما فعل النغير) أى ما شأنه وحاله؟ (وفيه أنه كنى. . .) إلخ أى فلا يدخل ذلك فى باب الكذب، لأن القصد من الكنية التعظيم والتعادل لاحق فيه اللفظ من إثبات أبوه أو بنوه للصغر قال البغوى: وفيه جواز السجع فى الكلام، والنهى عنه، محمول على ما فيه تكلف. (لا بأس. . .) إلخ قيل يؤخذ منه: أن صيد المدينة مباح بخلاف صيد مكة اه وهو غلط، وأى دلالة على ذلك، فإن ذلك الطير من أين فى الحديث أنه اصطيد فى الحرم، وليس احتمال اصطياد فيه، أولى من احتمال اصطياده خارجه، وفيه أيضا: أنه لا بأس بحبس الطير فى القفص لرؤية لونه، أو سماع صوته واللعب المباح به، إذا قام بمؤنته وإطعامه على ما ينبغى، ولا بأس بتصغير الأسماء، والترفق، والتلطف، ولا بالدعابة والمزاح ما لم يكن إثما، وجواز دخول بيت به امرأة أجنبية إذا كان هناك مانع خلوة من نحو امرأة أخرى معها، وهما ثقتان يخشهما أو أحدهما، وإلا حرمت خلوة الرجل بها، أو محرم، وإن كان مراهقا، أو أعمى، على بحث فيهما بينته فى حاشية مناسك النووى وغيرها، وفى أخذ هذا من الحديث نظر، لأنه ﷺ كان بالنسبة للنساء كالمحرم، فكان يجوز له الخلوة بهن، بل قال أئمتنا: إن سفيان وغيره كانوا يزورون رابعة ويجلسون إليها، قالوا: فلو وجدنا رجلا مثل سفيان وامرأة مثل رابعة أبحنا له الخلوة بها للأمن من المفسدة والفتنة، ح ويوجه: بأنه لا يشترط تحقق الأمن، بل يكفى مظنته ألا ترى أنهم جوزوا خلوة رجل بامرأتين دون عكسه؟ مع أنه قد يختلى بهما، وتقع منه الفاحشة فيهما أو فى أحدهما، لكنه بعيد، إذ المرأة تستحى من مثلها ويبعد وقوع الفاحشة منها بحضرتها بخلاف الرجل فعلمنا أن الشرط المظنة دون التحقق، وهو ﷺ متحقق منه الأمن فهو كالمحرم النسبة إلى سائر
стр. 325
٢٢٩ - حدثنا عباس بن محمد الدورى، أنبأنا على بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة، قال:
«قالوا: يا رسول الله إنّك تداعبنا. قال: إنّى لا أقول إلا حقا».
ــ
النساء، وجواز سؤال الإنسان عما السائل بما لم بحاله تعجبا منه، وكمال خلقه ﷺ ، وعطفه ورأفته، وتواضعه، وأن رعاية الضعفاء ومزيد التآنس بهم والتلطف بهم وإدخال السرور عليهم من مكارم الأخلاق المطلوبة المندوبة، وقوله: (ليلعب به) استشكل بأنه تعذيب للحيوان، وقد صح النهى عنه إلا لأكله، ويرد بمنع كون مجرد لعبه به تعذيبا له، بل ربما يكون فيه رفق بالطير بكون الصبى مبالغ فى إكرامه وإطعامه فى مقابلة لعبه وإعجابه به وقوله: (فمازحه) أى باسطه بذلك لتسلية ما حصل من الحزن الشديد على عادة الصغار إذا فات عليهم ما يلعبون به، وكأن هذا الصغير كان له قوة ذكاء وفطنة، فلذا خاطبه ﷺ بذلك لذلك، وهذا الذى قررته أصوب مما قيل، ذكره على وجه المباسطة فيه ما يغضبه ويؤلمه، وإن كان فيه تجديد حزنه ليوطنه عليه ويسليه إياه، ويحتمل أن يراد بالنغير نفس أبى عمير، ويكون تصغير نغير بمعنى الممتلئ من الغضب، يعنى: (يا أبا عمير). (ما فعل) الممتلئ من الغضب من موت نغيره انتهى، وهو كلام غير ملائم الأطراف إذ كيف يلتئم عند المباسطة ذكر الغضب المؤلم الموجب لتجديد الحزن، وأيضا كيف يلتئم ذكره هذه الأشياء لمجرد التسلية عليها، وإنما المسلى هو الدعاء والأمر بالصبر ونحوهما، كما يصرح به كلام الأئمة فى حكمة ندب التعزية ومعناها، وقوله يحتمل، اه فى غاية الركاكة والغرابة، واستعمال النغير فى خلاف مدلوله، فلا يلتفت لهذا الاحتمال، ولا يعول عليه.
٢٢٩ - (إنك تداعبنا) من المداعبة بدلل وغيره محلقين، فى القول بالمزاح وغيره،
стр. 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكأنهم قصدوا بذلك، إما السؤال عن المداعبة هل هى من خواصه، فلا يتكلمون به؟ فبين لهم أنها ليست من خواصه، وأن جوازها منوط بقول الحق، وأما استبعادهم وقوع المزاح منه ﷺ لجليل مكانته، وعظم مرتبته، فكأنهم سألوه عن حكمته فأجابهم، وهذا أولى من قول الطيبى، فكأنهم أنكروه فرد عليهم من باب القول بالموجب بأن المداعبة لا تنافى الكمال، بل هى من توابعه وتتماته إذا كانت جارية على القانون الشرعى بأن نكون على وفق الصدق والحق، وبقصد تألف قلوب الضعفاء، وخيرهم، وإدخال غاية السرور والرفق عليهم والمنهى عنه منها كما فى حديث الترمذى فى جامعه وقال: غريب «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه» (١) إنما هو الإفراط فيها والمدوامة عليها، لأنه بررت كثرة الضحك، وقسوة القلب، والإعراض عن ذكر الله، وعن التفكر فى مهمات الدين، بل ربما يأول كثرته إلى إيذاء ويورث حقدا، وربما يسقط المهابة والوقار ومزاحه ﷺ سالم من جميع هذه الأمور، ويقع منه على جهة الندرة لمصلحة تامة من مؤانسة بعض أصحابه فهو بهذا القصد سنة، وما قيل: الأظهر أنه مباح لا غير فضعيف، إذ الأصل فى أفعاله وجوبا أو ندبا التأسى به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك، ولا دليل هنا يمنع منه، فتعين الندب كما هو مقتضى كلام الفقهاء والأصوليين، وهذا الحديث حسنه المصنف، وقال: رجاله موثوقون، هذا وقد ألقى الله سبحانه عليه غاية المهابة ولم يؤثر فيه مزاحه، ولا مداعبته، «فقد قام رجل بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة فقال: هون عليك، فإنى لست بملك ولا جبار، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة فنطق الرجل بحاجته فقام ﷺ فقال: أيها الناس إنى أوحى إلى أن تواضعوا ألا فتواضعوا لا يبغى أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد كونوا عباد الله إخوانا» (٢)، وروى مسلم عن عمرو بن العاص صحبت رسول الله ﷺ «ما ملأت عينى قط حياء منه وتعظيما، ولو قيل لى: صفه لما قدرت» فإذا كان هذا حاله، وهو من أجلاء أصحابه، فما ظنك بغيرهم، ومن ثمة لولا مزيد تألفه ومباسطته لهم لما قدر أحد منهم أن يجتمع به هيبة وفرقا منه سيما عقب ما كان يتجلى عليه من مواهب القرب وعوائد الفضل، لكن كان لا يخرج إليهم بعد ركعتى الفجر، إلا بعد الكلام مع عائشة،
стр. 327
٢٣٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا خالد بن عبد الله، عن حميد، عن أنس ابن مالك:
«أنّ رجلا استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: إنّى حاملك على ولد ناقة. فقال:
يا رسول الله، ما أصنع بولد النّاقة؟
فقال رسول الله ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النّوق؟».
٢٣١ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت،
ــ
أو الاضطجاع بالأرض، إذ لو خرج إليهم على حالته التى تجلى بها من القرب فى مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك ومن بعضه لما استطاع بشر أن يراه فكان يتحدث معها أو يضطجع بالأرض ليستأنس بجنسهم، أو بجنس أصل خلقهم، وهى الأرض، ثم يخرج إليهم بحالة يقدرون على مشاهدتها رفقا بهم ورحمة لهم.
٢٣٠ - (أن رجلا) كان به بله. (استحمل) طلب الحمل فقال له ﷺ مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك. (إنى حاملك على ولد ناقة) فسبق لخاطره استصغار ما يصدق عليه البنوة. (الإبل) أى صغرت أو كبرت. (إلا النوق) جمع ناقة وهى أنثى الإبل أى فكأنه يقول: لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه مع المباسطة له الإرشادة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغى لمن سمع قوله أن يتأمله، ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك عون، وما أشير [به] (١) إليه.
٢٣١ - (زاهرا) أى ابن حزام الأشجعى شهد بدرا. (الهدية) حاصله (من البادية) أى
стр. 328
عن أنس بن مالك:
«أنّ رجلا من أهل البادية، كان اسمه زاهرا، وكان يهدى إلى النّبى ﷺ هدية من البادية، فيجهّزه النّبىّ ﷺ إذا أراد أن يخرج. فقال النبىّ ﷺ : إنّ زاهرا باديتنا، ونحن حاضروه. وكان رسول الله ﷺ يحبّه وكان رجلا دميما. فأتاه النبىّ ﷺ يوما وهو يبيع متاعه واحتضنه من خلفه ولا يبصر. فقال: من هذا؟ أرسلنى. فالتفت، فعرف النبىّ ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبىّ ﷺ حين عرفه. فجعل النّبىّ ﷺ يقول: من يشترى العبد؟ فقال: يا رسول الله إذا والله تجدنى كاسدا. فقال النّبى ﷺ : لكن عند الله لست بكاسد» أو قال:
«أنت عند الله غال».
ــ
من ثمارها ونباتها وغير ذلك (فيجهزه) أى فيعطيه من الطرف والمستحسنات ما يتجهز به إلى أهله مما يعينه به على كفايتهم والقيام بتمام مصالحهم. (أن يخرج) أى إلى وطنه.
(باديتنا) أى نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع الثمار والنبات فصار كأنه باديته وقيل: تأوه للمبالغة، وقيل: من إطلاق اسم المحل على الحال. (حاضروه) أى نعد له ما يحتاجه من البلد، وقيل: المراد أنه لا يقصد له الرجوع إلى الحضر إلا مخالطتنا، لا أن يهيأ له ما يريد من الحضر، لأنه لا يليق بالمنعم ذكر إنعامه انتهى، وفيه نظر، لأن ما قلناه هو مقتضى مقابلة باديتنا بنحن حاضروه، وزعم أنه لا يليق ليس فى محله، لأن محل ذلك إذا كان فيه منّ إيذاء للمنعم عليه، كأن كان لا يحب ذكر المنعم لما أنعم به عليه أما إذا كان يحب ذلك، بل هو مطلوب أى مطلوب وقد قال ﷺ :
«تهادوا تحابوا» (١). والبادى: المقيم بالبادية والحاضر: المقيم بالحاضرة، وهى المدن والقرى فيما يقبح الوجه كريه المنظر. (واحتضنه) أى أدخله فى حضنه، وهو ما دون الإبط إلى الكشح. (من خلفه) أى جاء من ورائه وأدخل يده تحت إبطى زاهرا فاعتنقه.
стр. 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ولا يبصره) جملة حالية (فجعل) فطفق. (لا يألوما) مصدرية. (ألصق) أى لا يقصر فى إلصاقه ظهره بصدر النبى ﷺ تحصيل الثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عند (من يشترى العبد) وفى نسخة: هذا العبد ووجه تسميته عبدا واضح، فإنه عبد الله ووجه الاستفهام عن الشر الذى يطلق لغة على مقابلة الشىء بالشىء، وعلى الاستبدال أنه أراد من يقابل هذا العبد بالإكرام والتعظيم، أو من يستبد له منى بأن يأتينى بمثله؟ وقيل: المراد من يشترى مثل هذا العبد؟ وفيه ركاكة لا تخفى ويصح أن يريد التعريض له بأنه ينبغى له أن يشترى نفسه من الله ببذلها فى جميع مطالبه وما يرضيه. (إذا) جواب شرط محذوف أى إن بعتنى إذا والله تجدنى. (كاسدا) أى رخيصا لا يرغب أحد فى مقابلتى ولا الاستبدال وفى رواية: «إذا هذا والله» بزيادة هذا. (عند الله) متعلق بكاسد قدم عليه وعلى عامله للاهتمام والاختصاص، وكان من فوائد مزحه ﷺ معه تلك البشرى العظيمة له وهى إخباره بعلى قدره ومرتبته عند الله، وذلك ببركة صحبة النبى له الناشئة عن مزيد تودد زاهر، وتقربه إليه ﷺ وفى الحديث: جواز مصادقة أهل البادية ومهاداتهم، والدخول إلى السوق، والاعتناق من خلفه، وتسمية الحر عبدا.
ورفع الصوت فى مقام العرض على البيع ومداعبة الأعلى الأدنى وعدم المبالاة بمنع المعانق من معانقيه فى مقام المداعبة، ومداعبة الأعلى للأدنى بمثل هذا المتنزل الذى فيه المعانقة من خلفه، والنداء على السمع وغيرهما، ومدح الصديق بما يناسبه لقوله «باديتنا»، وقوله أنت عند الله غال، أو لست بكاسد، وإعلامه بمحبته له، وقبول الهدية، والمجازاة عليها وجواز ذكرها حيث لا منّ ولا إيذاء ولا اعتناء بنفع الصديق الأخروى، فإنه ﷺ لما وجده مشغولا عن ربه ببيع متاعه فعل معه ما استيقظ به إلى شهود جمال ربوبيته، وبثّ لقيه من معارفه ما حمله على أنه إذا علم به لم يرض بمجرد ذلك العناق بل زاد فى تمكين ظهره بذلك الصدر المكرم ليزداد إمداده له وتلقيه منه.
فائدة: روى أبو يعلى: «أن رجلا كان يهدى إليه ﷺ العكة من السمن أو العسل، فإذا طولب بالثمن جاء بصاحبه، فيقول للنبى ﷺ أعطه متاعه، فما يزيد على أن يبتسم ويأمر به فيعطى» وفى رواية: «أنه كان لا يدخل المدينة طرف إلا اشترى منها، ثم جاءه بها فقال: يا رسول الله: هذا هدية لك، فإذا طالبه صاحبه بثمنه جاء به، فقال: اعط هذا الثمن فيقول له: ألم تهده لى؟ فيقول: ليس عندى، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه».
стр. 330
٢٣٢ - حدثنا عبد بن حميد، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال:
«أتت عجوز النبىّ ﷺ . فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلنى الجنّة.
فقال: يا أمّ فلان، إنّ الجنّة لا تدخلها عجوز.
قال: فولّت تبكى.
فقال: أخبروها أنّها لا تدخلها وهى عجوز. إنّ الله تعالى يقول: إِنّاأَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً».
ــ
٢٣٢ - (فضالة) بفتح الفاء: (عجوز) قيل: هى عمته صفية أم الزبير رضى الله عنها. (فلان) كأن الراوى نسيه فعبر عنه بذلك. (أنها) إلخ سد مسد ثانى وثالث مفاعيل أخبر، قيل: ضمير أنها إما بعده إما إليها أو إلى العجوز المطاقة انتهى، والثانى بعيد جدا (وهى عجوز) أى والحال أنها عجوز بل شابة، قيل: كأنه ﷺ فهم أنها تطلب أن تدخل الجنة على هيئتها وقت موتها فرد اعتقادها منها، ويحتمل أن لا تكون مداعبة ويكون عدها مداعبة عن فهم الحاضرين، انتهى، وما قاله أولا فيه نظر، إذ لا يحتاج فى عده مداعبة إلى دعوى أنه ﷺ فهم ذلك، بل لفظها أوهم ذلك، واحتماله المذكور ليس فى محله، لا سيما وفيه سر أدبه على الصحابة الحاضرين، بجعله نفسه أفهم أنه غير مداعبة، وهم فهموا المداعبة وهو فهم غير صحيح، وفى ذلك من قلة الأدب ما لا يخفى، بل عنه أيضا عدم حفظ القواعد الأصولية المصرحة: بأن فهم الصحابى مقدم على فهم غيره لأنه أعرف فرواه لمشاهدته من القرائن الحالية والمقالية ما لم يشاهده غيره، فوجب تقديم فهمه على فهم غيره، وتأمل مزحه ﷺ تجده لا يخلو عن بشرى عظيمة، أو فائدة غزيرة، أو مصلحة تامة، فهو فى الحقيقة غاية الجد، وليس مزاحا إلا باعتبار الصورة فقط إِنّاأَنْشَأْناهُنَّ أى: خلقناهن من غير توسط ولادة، ثم يحتمل أن
стр. 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المراد ثم ربيناهن حتى وصلن الحد المتمتع، ويحتمل وهو الظاهر، أنهن خلقن ابتداء كاملات من غير تدريج فى التربية والسن، وهذا بناء على ما يصرح به السياق القرآنى لأن الضمير للحور، توجه للمطابقة بين هذا وما نحن فيه أنه يعلم به أن أهل الجنة كلهم أنشأهم الله خلقا آخر يناسب البقاء والدوام وذلك يستلزم كمال الخلق، وتوفر القوى البدنية كلها، وانتفاء صفات النقص عنها أَبْكاراً أى كلما جامعها الرجل وجدها بكرا. عُرُباً متحببات إلى أزواجهن بحسن التبعل. أَتْراباً عن سن ثلاثين، أو ثلاثة وثلاثين إذ هى أكمل أسنان نساء أهل الدنيا.
***
стр. 332
٣٧ - باب: ما جاء فى صفة كلام رسول الله ﷺ «فى الشعر»
٢٣٣ - حدثنا على بن حجر، حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة:
«قال: قيل لها: هل كان النبىّ ﷺ يتمثّل بشىء من الشّعر؟ قالت: كان بشعر ابن رواحة. ويتمثل، ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد».
ــ
(باب ما جاء فى صفة كلام رسول الله ﷺ فى الشعر)
أصله من شعرت، أى أصبت، أو علمت علما دقيقا كدقة الشعر لفطنته ودقة معرفته فى الشعر، وليت شعرى: أى علمى، وأما فى التعارف فصار الشعر اسما للكلام الموزون المقفى، والشاعر: علم على المختص بإيجاد ذلك الموزون، وفى القاموس:
الشعر العلم، وشاع فى الموزون لشرفه بالوزن القافية.
٢٣٣ - (قالت كان يتمثل) فى رواية: «قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر، غير أنه يتمثل مرة ببيت أخى قيس بن طرفة فيجعل آخره أوله، ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله، فقال ﷺ ما أنا بشاعر» (١) وح فالمراد بالتمثيل فى هذه الرواية الإتيان بمادة البيت، أو المصراع، وجوهر لفظه دون ترتيبه الموزون وفى القاموس: تمثل: أنشد بيتا ثم آخر ثم آخر، وتمثل بشىء ضربه مثلا، وظاهر قوله ثم آخر ثم آخر: أنه لا يسمى تمثيلا، إلا إن أنشد ثلاثة أبيات، ويرده: هذا
стр. 333
٢٣٤ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا الثورى، عن عبد الملك بن عمير، حدثنا أبو سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«إنّ أصدق كلمة قالها الشّاعر، كلمة لبيد: ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل.
وكاد أميّة بن أبى الصّلت أن يسلم».
ــ
الحديث، فإن عائشة من أفصح العرب، وقد أنطقت التمثيل على إنشاء شطر بيت (بشعر) عبد الله (ابن رواحة) الخزرجى الأنصارى وكان ممن يذب عن الإسلام ككعب ابن مالك وحسان وهذان أشد شعرائه ﷺ وكان ابن رواحة يحدو بين يدى النبى ﷺ (ويتمثل، ويقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود) والمصراع الذى قبله: ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا، ونسخة: «يقول» أوفى من نسخة «بقوله»: لإيهامها أن هذا من شعر ابن رواحة، وليس كذلك كما تقرر عن عائشة: أنه من شعر أخى قيس بن طرفة وإنما قلت: لإيهامها لاحتمال أنها أعادت الضمير فى قوله على غير مذكور لشهرة قائله والعلم به عندهم.
٢٣٤ - (كلمة) تطلق لغة على الجملة، والجمل المفيدة، ومنه ما هنا، وقوله تعالى:
كَلاّ إِنَّهاكَلِمَةٌ (١) أى قول: رَبِّ اِرْجِعُونِ (٢). (لبيد) أى ابن أبى ربيعة الصحابى، ورواية مسلم: «أشعر كلمة تكلمت بها العرب: كلمة لبيد» (٣) وفى رواية:
стр. 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«إن أصدق بيت قالته الشعراء» وذلك لأنه أوفق لأصدق الكلام كُلُّ مَنْ عَلَيْهافانٍ (١)، كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ (٢). (ألا كل شىء ما خلا الله باطل)، «وكل نعيم لا محالة زائل» قال شارح: باطل يعنى: آيل إلى البطلان وكان باطلا لكونه بين العدمين وحينئذ يشكل بصفات الله لو كان من القائلين بوجود الصفات، لكن الظاهر أن يكون منهم، لأن الرجاء أن يكون الحق مع أهل السنة، فلا يمكن أن يرضى بأن تكون شهادة رسول الله ﷺ لغيرهم فالمعنى بالبطلان كونه فى معرضه، لكونه من أنباء الإمكان، ولأهل التوحيد تمسك به لكونه ظاهرا فى مذهبهم انتهى، وهو مع طوله لا تحقيق فيه لما فيه من التدافع، لأن قوله: «باطل» مساو لقوله تعالى: هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ. والمراد: قبوله للبطلان والهلاك إذ المتعقل إما واجب لعدم فهو المراد بالبطلان والهلاك ما بالفعل، فينعدم كل مخلوق ساعة لتصدق تلك الكلية ثم توجدا. كالمجال الذاتى، أو البقاء، كذات الله وصفاته، أو محتمل لهما كالعالم، وإنما لم يذكر فى الآية والبيت، الصفات، لأنها معلومة من ذكر الذات لما هو مقرر عند الأشعرى: أنها ليست غير قابلة، أى بالنسبة لجواز الانفكاك، كما أنها ليست عينا، أى باعتبار المفهوم فلكونها غير قابلة للانفكاك، كان المتبادر من ذكره ذكرها، وهذه نكتة بديعة تدفع تعلق المبتدعة بالبيت. والآية، وتعلم بأنهم، أهل التعطيل، لا أهل التوحيد الذى زعمه هذا الشارح موهما به حقيقة مذهبهم، لا سيما مع قوله: غفلة عما قررته ظاهر الآية يؤيدهم، ولم يتعقبه ولا قوله أهل التوحيد، وكان الواجب أن يقول عقب هذا فى زعمهم، فإذا حذفه أوهم ذلك قصورا عن أن يأتى بمطابق عقيدته الموافقة لأهل السنة (أمية بن الصلت) بن ربيعة الثقفى أدرك الإسلام ولم يوفق له مع أنه كان فى الشعر ينطق بالحقائق، وفوض فى المعانى البديعة ولذلك استشهد ﷺ بشعره وقال فى حقه: أنه كاد يسلم، لا سيما وقد سمع مدحه ﷺ للبيد بسبب الشعر الذى افتخر به إلخ لا يشكل هذا وأمثاله الصادرة منه ﷺ على ما فى القرآن فى غير آية، من نفى الشعر عنه، ومن ثمة قال الأئمة: إنه كان يحرم عليه إنشاؤه، بل قال الماوردى من أئمتنا: يحرم عليه روايته، إما لأن ذلك من باب الرجز، وليس بشعر عند الأخفش، ورد به قول الخليل: أنه شعر، إذ
стр. 335
٢٣٥ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان البجلى قال:
«أصاب حجر إصبع رسول الله ﷺ فدميت. فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت».
ــ
لو كان شعر لم يقع منه ﷺ لتحريمه عليه كما يأتى، وأما لأن معنى وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ (١)، وَماهُوَ بشاعر (٢) ولا يقال لمن يتمثل ببيت شاعر، وأما لأن شرط تسميته شعرا، كما صرح به العروضيون أن يؤتى به بقصد رفعته ونفعيته وهو ﷺ لم يقصد ذلك بدليل أنه كان ربما كثيرا غيره، وأخرجه عن النظم كما مر، وقد وقع الموزون الذى لم يقصد به ذلك حتى فى القرآن ك لَنْ تَنالُوا اَلْبِرَّ (٣)، نَصْرٌ مِنَ اَللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ (٤) وهذا لا يسميه أحد من العرب شعرا لفقد القصد فيه، ولا يشكل أيضا ما قاله الماوردى على تمثله بأبيات لغيره، لأنه لا يسمى رواية، إلا إن قال: قال فلان كذا وأما مجرد التمثيل والحكم بالأصدقية على شعر مخصوص، فلا يسمى رواية، وكان الفرق أن قوله: قال فلان فيه رفعة للقائل بسبب قوله وهذا يتضمن لرفعة شأن الشعر، والثناء عليه من حيث كونه شعرا، والمطلوب منه ﷺ الإعراض عن الشعر، وذمه من تلك الحيثية، لأن قلة الرفيع يأباه ويسفهه.
٢٣٥ - (هل) بمعنى ما. (إلا) مستثنى من محذوف عام أى: ما أنت. (إصبع) موصوفة بشىء إلا بأن. (دميت) بفتح فكسر وبخطاب المؤنث ولتوجعها خاطبها حقيقة معجزة له، أو على سبيل الاستعارة تسلية لها وتخفيفا لما أصابها، إذ لم تبتل بقطع ونحوه مع أن ما ابتليت به لم يكن فى سبيل الله ورضاه، لأن ذلك كان فى غزوة أحد
стр. 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على ما قيل، وقيل: كان قبل الهجرة، قال شارح: ويؤيده ما فى البخارى: «بينما النبى ﷺ يمشى إذ أصابه حجر فعثر فدميت إصبعه، فقال: هل أنت. . .» (١) الحديث هكذا حكاه شارح، وهو عجيب، إذ لا تأييد فيه لهذا القول ولا لقائله، لأنه لا تصريح فيه، بل ولا اقتضاه أن ذلك كان قبل الهجرة أو بعدها، وهذا أولى بل أصوب من قول شارح آخر اعتراضا منه على الأول، ولا يخفى أن سوق كلام البخارى: أنه دميت إصبعه من العثار لا من إصابة الحجر، وإنما العثار من إصابة الحجر انتهى، وليس فى محله، لأنه قصد به رد ذلك التأييد، وليس فيه رد له بوجه على أنه كلام ساقط، والصواب أن يروى رواية البخارى والشمائل واحد، بناء على اتحاد الواقعة فيهما، وغاية الأمر أن راوى البخارى ذكر السبب الأول لظهور الدم، وهو إصابة الحجر والثانى وهو العثار بذلك الحجر الذى أصابه، فالدم هنا من إصابة الحجر قطعا، وهو ما فى رواية الترمذى، وأما قوله: وإنما. . . إلخ فغير متعقل، إذ العثار لا يحصل دما، وإنما الذى يحصله المعثور به، وهو الحجر الذى أصابه كما تقرر، وإن فهم هذا لم يقع منه هذه العبارة التى لا تليق ممن له أدنى مسكة من تدبر، وقيل بضمير الغائبة فى «دميت ولقيت» وعليه فهو ليس بشعر أصلا، لكن المشهور بل الصواب الرواية الأولى. (ما) موصولة أى الذى لقيه فى سبيل الله ما ترجى بذلك، أو نافيه أى: لم يقل فى سبيل الله شيئا، بل غيره فتمنى أن مثل ذلك، لو وقع لك يكون فى سبيل الله، وهذا إنما يأتى على القول بأنه كان قبل الهجرة، أو استفهامية، أى أىّ شىء لقيته فى سبيل الله؟ ورد: بأن الاستفهام له صدر الكلام، ويرد: بأن أصله؛ وما لقيتى فى سبيل الله.
стр. 337
٢٣٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب قال:
قال له رجل: أفررتم عن رسول الله ﷺ يا أبا عمارة؟ فقال: لا، والله ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكن ولّى سرعان النّاس، تلقّتهم هوازن بالنّبل، ورسول الله ﷺ على بغلته، وأبو سفيان بن عبد المطّلب آخذ بلجامها. ورسول الله ﷺ يقول: أنا النّبىّ لا كذب. أنا ابن عبد المطّلب».
ــ
٢٣٦ - (رجل) جاء أنه من قيس لكن لم يعرف اسمه. (لا) أى لم نفر جميعا، بل فر بعضنا، وبقى بعضنا، ثم أكد بقاء البعض بقوله: (ما ولى رسول الله ﷺ ويلزم من بقائه بقاء طائفة معه، لما جبلوا عليه من إيثارهم نفسه الكريم على نفوسهم، وهذا من بديع أدب البراء رضى الله عنه، وبلاغته لأن الاستفهام ربما يتوهم منه، وإن دفع ذلك التوهم بتعبير السائل يعنى رسول الله ﷺ أنه هو معهم، وزاد فى التأدب بنفى التولى دون الفرار نزاهة لمقامه الرفيع عن أن يستعمل فيه لفظ الفرار فى النفى، فضلا عن الإثبات لأنه أشنع من لفظ التولى، إذ هو يكون لتميز أو تحرف بخلاف الفرار، فإنه لا يكون إلا للخوف والجبن غالبا وإلا ففرار الصحابة هنا لم يتمحض لذلك قطعا، ومن ثمة قال الطبرانى هنا: الانهزام المنهى عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالمتحيز إلى فئة، ويحتمل أن البراء أشار إلى قيام الحجة الواضحة والبينة الظاهرة على عدم فرار أكابر الصحابة بأن رسول الله ﷺ إذا لم يقع منه تولّ فهم كذلك لمثابرتهم على بذلهم نفوسهم وعلمهم بأن الله تعالى لا يخذله، وأنه يعصمه من الناس، ولا ينافى ذلك ما فى مسلم عن سلمة بن الأكوع، «من قوله: فارجع منهزما. . . إلى قوله: مررت على رسول الله ﷺ منهزما فقال: لقد رأى ابن الأكوع
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فزعا» فقال العلماء: قوله: منهزما حال من ابن الأكوع كما صرح به أولا بانهزامه، ولم يرد أنه ﷺ انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: ما انهزم، ولم يقل أحد قط أنه انهزم فى موطن من المواطن، ومن ثمة أجمع المسلمون على أنه لا يجوز عليه الانهزام فمن زعم أنه انهزم فى موطن من مواطن الحرب، أدب تأديبا عظيما لائقا لعظم حرمته، إلا أن يقوله على جهة التنقيص، فإنه يكفر فيقتل ما لم يتب على الأصح عندنا، ومطلقا عند مالك وجماعة من أصحابنا، وبالغ بعضهم فنقل عليه الإجماع، بل وأطلق ذلك قتل عندهم على ما أشار إليه بعض محققيهم. (سرعان الناس) بفتح الراء، ويجوز إسكانها أى: أوائلهم الذين يسارعون إلى الشىء غفلة من خطرة وفيه تصريح بأن الفرار لم يكن من جميعهم، وإنما كان أولا ممن فى قلبه مرض من مسلمة الفتح ومؤلفتهم (١)، وأخلاطهم الذين لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، بل كان فيهم من يتربص بالمسلمين الدوائر ونساء وصبيان خرجوا للقيه، فلما انكشفوا عن العدو، ظن من فرّ من الصحابة، أنه لم يبق فيهم غناء فكدّوا ليعرفوا الخبر، فأطلق على فعلهم الفرار أخذا بالظاهر. و (تلقتهم هوازن) قبيلة بحنين، ولد وراء عرنة، ودون الطائف، قيل: بينه وبين مكة ثلاث ليالى، وكان مسيره ﷺ إليها يوم السبت لست ليال خلون من شوال، لما فرغ رسول الله ﷺ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة أهلها، واجتمعت أشراف هوازن وثقيف وقصدوا حرب المسلمين، فسار ﷺ إليهم فى اثنى عشر ألفا عشرة من أهل المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، وهم الطلقاء أى عن الاسترقاق، وخرج معهم ثمانون مشركا منهم: صفوان بن أمية، وكان ﷺ استعار منه مائة درع بأداتها، وورد بسند حسن: «أنه رجلا اطلع على جبل، فأخبر النبى ﷺ بأن هوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم، وبغنمهم، ونسائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» (٢) وقوله: «عن بكرة أبيهم» يريدون به الكثرة لا أن هناك بكرة حقيقية ويستقى عليه الماء، والظعن: النساء واحدتها ظعينة، ولكثرة المسلمين قال رجل من الأنصار-وزعم أنه الصديق رضى الله عنه من كذب من المبتدعة-: والله لن
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبى ﷺ ثم ركب بغلته البيضاء، ولبس درعين والمغفر والبيضة، واستقبلهم من هوازن لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك فى غلس الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادى، فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بنى سليم مولية، وتبعهم أهل مكة والناس، ولم يثبت معه ﷺ يومئذ إلا عمه العباس، وأبو سفيان ابن عمه الحارث، وأبو بكر، وأمامة فى أناس من أهل بيته وأصحابه، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة إلى أن يصل إلى العدو، لأنه كان يتقدم إلى العدو وأبو سفيان آخذ بركابه، وجعل يأمر العباس بمناداة الأنصار وأصحاب الشجرة، أى شجرة بيعة الرضوان فناداهم، وكان صيتا يسمع صوته من ثمانية أميال، فلما سمعوه، أقبلوا كأنهم الإبل حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك، فتراجعوا حتى أن من لم يطاوعه بعيره نزل عنه ورجع ماشيا، فأمرهم ﷺ أن يصدقوا الحلة واقتتلوا مع الكفار، ولما نظر إلى قتالهم قال: الآن حمى الوطيس، وهى تنور الخبز ضربه مثلا، إذ لم يسمع من أحد قبله لشدة الحرب التى شبه حرها حره وتناول حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه» (١) أى: قبحت «ثم رمى بها فامتلأت عين كل مشرك منها»، وفى رواية مسلم: «من تراب الأرض» فأحداهما مجازا، ورمى بكل أو خلطهما ورمى بهما، وفى رواية عند أحمد وأبى داود والدارمى: «أن المسلمين لما ولوا نزل ﷺ عن فرسه وضرب وجوههم بكف من تراب فحدث أبناؤهم عنهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد، إلا امتلأت عيناه وفيه ترابا سمعنا صلصلة رمى السماء كإمرار الحديد على الطشت الجديد» (٢) بالجيم، ولأحمد والحاكم عن ابن مسعود «أن سرج بغلته مال، فقال: ارتفع يرحمك الله، فقال: ناولنى كفا من تراب فضرب وجوههم، وامتلأت أعينهم ترابا، وجاء المهاجرون والأنصار بسيوفهم بأيمانهم كأنهم الشهب فولى المشركون الأدبار» (٣)، وفى رواية: «عن رجل كان منهم لما
стр. 340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقيناهم لم يقدموا (١) لنا حلب شاة فجعلنا نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ فتلقانا عدة رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا:
شاهت الوجوه، ارجعوا فانهزمنا وركبوا أكتافنا» (٢)، وفى سيرة الدمياطى: «كان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمرا رخوها بين أكتافهم، وأمر ﷺ أن يقتل من قدر عليه، فأفضوا إلى الذرية، فنهاهم عنه وقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» (٣)، واستلب أبو طلحة وحده ذلك اليوم عشرين رجلا، وكان فى إمساكه لقلوب هوازن عن الدخول فى الإسلام بعد الفتح المجعول علامة على دخول الناس فى دين الله أفواجا، إتماما لإقرار رسول الله ﷺ ، ومزيد النصرة بقهر هذه الشوكة العظيمة التى لم يلقوا قبلها مثلها، وأذيقوا أولا مرارة الهزيمة لتتواضع رءوس رفعت بالفتح، ولم يدخل بلده وحرمه على هيئة تواضع رسول الله ﷺ وليقين من قال: لن نغلب اليوم من قلة، أن النصر إنما هو من عند الله، وأنه المتولى بنصرة دينه ورسوله دون كثرتهم التى أعجبتهم بأنها لم تغن عنهم شيئا فولوا مدبرين، فلما انكسرت قلوبهم أنزل الله على رسوله وعليهم، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها (٤) ولم يقاتل الملائكة معه إلا هنا وفى بدر، واختصتا أيضا برميه وجوه المشركين بالحصى، وأمر ﷺ بطلب العدو، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم نحو بجيلة، وقوم منهم فروا إلى أعلى، واستشهد من المسلمين أربعة، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا (بالنبل) بالفتح السهام الأولى له من لفظه، أو جمع نبلة، ويجمع على نبال بالكسر، وأنبال وحين أرشقوهم بها ولى أولاهم على أخراهم من العمل، قول بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة لما مر، ومن ثمة لما بلغ ذلك النبى ﷺ شق عليه حتى أنزل الله سكينته على المؤمنين، وأنزل جنودا لم
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تروها من جنود الملائكة ما كان سببا للنصرة والطفر (على بغلته) زاد مسلم البيضاء، وهى دلدل وركوبه لها مع عدم صلاحيتها للحرب كر، أو فر، ومن ثمة لم يسهم لها، ومع أنها فى العادة إنما هى من راكب الطمأنينة، وأن الملائكة الذين قاتلوا معه فى ذلك اليوم لم يكونوا إلا على الخيل لا غير، ومع أنه كان له أفراس متعددة فى مواطن الحرب، سيما عند اشتعال نارها كهذا الاشتعال الذى هو النهاية المقصودة فى الشجاعة والثبات، إعلاما بأن سبب نصرته، وظفره، ومدده السماوى، وتأييده الإلهى الخارق للعادة وبأنه ظاهر الزمان والمكان، ليرجع إليه المسلمون، وتطمئن قلوبهم بمشاهدة جمال ذاته وجليل آياته كركضه بها فى نحر العدو مع فرار الناس عنه، ولم يبق معه إلا أكابر الصحابة، وأهل بيته، وكنزوله عنها إلى الأرض مبالغة فى الثبات والشجاعة، أو مواساة فى مثل هذا المقام للماضين معه من أصحابه. (بلجامها) ليكفها عن أن تقع به فى نحر العدو وتارة بركابها، والعباس بلجامها (أنا النبى لا كذب) أى: حتما فلا أفر ولا أزول، إذ صفة النبى يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبى والنبى لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، بل أنا متيقن أن ما وعدنى الله من النصر حق، فلا يجوز علىّ الفرار، ومن الشاهد هنا أيضا ما قيل: من فتح باء كذب وكسر الباء من المطلب. (أنا ابن عبد المطلب) فيه دليل لجواز قول الإنسان فى الحرب أنا فلان ابن فلان، ومنه قول على رضى الله عنه «أنا الذى سمتنى أمى حيدره» أى: أسد وقول سلمة أنا ابن الأكوع، والمنهى عنه قول ذلك على وجه الافتخار، كما كانت الجاهلية تفعله، وانتسب لجده عبد المطلب دون أبيه عبد الله، لأنه توفى شابا فى حياة أبيه، فلم يشتهر كاشتهار أبيه، إذ كانت شهرته ظاهرة شائعة، ومن ثم نسب إليه فى نحو قول ضمام: أيكم ابن عبد المطلب؟ وأيضا، فاشتهر عندهم أنه بشر بأن النبى ﷺ سيظهر، ويكون له شأن عظيم لما أخبر به سيف بن ذى يزن، وأنه رأى رؤيان لعلى ظهوره، فأراد النبى ﷺ يذكرهم بجميع ذلك بأنه لا بد من ظهوره على الأعداء ليقوى نفوس المؤلفة ونحوهم.
стр. 342
٢٣٧ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس:
أنّ النّبىّ ﷺ دخل مكة فى عمرة القضاء وابن رواحة يمشى بين يديه وهو يقول:
خلّوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام من مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدى رسول الله ﷺ وفى حرم الله تقول شعرا؟
فقال النبى ﷺ : «خلّ عنه يا عمر، فلهى أسرع فيهم من نضح النّبل».
ــ
٢٣٧ - (القضاء) المراد به القضية أى المقاضات والمصالحة، لا القضاء الشرعى، لأن عمرتهم التى تحللوا فيها بالحديبية لم يلزمهم قضاؤها، كما هو شأن المحصر عندنا.
(خلوا) أى دوموا على التخلية، لأنهم يومئذ تركوا مكة للنبى ﷺ وأصحابه.
(نضربكم) بسكون الباء لضرورة النظم. (تنزيله) أى القرآن، وإن لم يتقدم له ذكر، لأنه ذكر ما يفهمه نحو توارت بالحجاب أو النبى ﷺ أى إرسال الله إليكم، فهو كالأمر النازل من السماء أى على عدم الإيمان بذلك. (الهام) جمع هامة، وهى الرأس.
(مقيله) هو مكان القيلولة، وهو محل راحة الإنسان، وكأنه شبه به العنق بجامع محل الرأس، وبقاءه، ويزيل الرأس عن العنق، وأراد بالمقيل: النوم لما علمت أنه محل الاستراحة، وهى موجودة فى النوم أى يمنع الرأس عن النوم، والاستراحة به لشدة ما يقاسيه من ألم الضرب، وفوات المراد، وروى هذا عبد الرزاق أيضا من وجهين، لكنه أبدل عجز الأول بقوله: «قد أنزل الرحمن فى تنزيله»، وزاد فى آخره «بأن خير القتل فى سبيله. نحن قتلناكم على تأويله. كما قتلناكم على تنزيله»، وأخرج الطبرانى والبيهقى بلفظ المصنف لكنه ابتدأ بعجز الأول، وجعل عجز الثانى «يا رب إنى مؤمن بقيله»، وزاد ابن إسحاق على هذا: «إنى رأيت الحق فى قبوله». (ويذهل الخليل عن
стр. 343
٢٣٨ - حدثنا على بن حجر، حدثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن جابر ابن سمرة، قال:
«جالست النبىّ ﷺ أكثر من مائة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشّعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، وربّما تبسّم معهم».
٢٣٩ - حدثنا على بن حجر، أخبرنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ أنه قال:
ــ
خليله) أى يمنع من أن يتفقده، ويسأل عنه لشغله عنه بما هو أهم من ذلك، وهو خشية فوات نفسه وذهاب نفسه. (فلهى) أى هذه الأبيات أو الكلمات. (فيهم) أى فى إيذائهم، ونكايتهم. (أسرع) وصولا، وأبلغ نكاية. (من نضح النبل) رمى السهام، وفيه دليل لجواز، بل ندب استماع، وإنشاد الشعر الذى فيه مدح الإسلام، ومكارم الأخلاق، والحث على صدق اللقاء، ومبايعة النفس لله، وعدم المبالاة بأعدائه.
٢٣٨ - (وهو ساكت) فيه حل استماع وإنشاد الشعر الذى لا فحش فيه ولا خفاء فيه، وإن كان مشتملا على ذكر شىء من أيام الجاهلية، ووقائعهم فى حروبهم، ومكارمهم ونحو ذلك، ويحتمل أن أشعارهم التى كانوا يتناشدونها فيها الحث على الطاعة، وذكر أمور الجاهلية للندم على فعلها، فيكون من القسم الأول الذى هو سنة لا مباح فقط، لكن قاعدة أن التأسيس خير من التأكيد، يريد أن المراد هنا الإباحة، وثم السنة كما قررته خلافا لشارح.
٢٣٩ - (أشعر كلمة) أى أحسنها وأجودها وأدقها، فهو أبلغ من قولهم شعر شاعر
стр. 344
«أشعر كلمة تكلمت بها العرب، كلمة لبيد: ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل».
٢٤٠ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا مروان بعد معاوية، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال:
«كنت ردف رسول الله ﷺ ، فأنشدته مائة قافية من قول أميّة بن الصّلت، كلما أنشدته بيتا قال لى النبىّ ﷺ : هيه. حتى أنشدته مائة-يعنى بيتا-فقال النبىّ ﷺ : كاد ليسلم».
ــ
ومما ذكره بعد ذلك، وكل نعيم لا محالة زائل، ولما سمع هذا عثمان قال: كذب لبيد، نعيم الجنة لا يزول، فلما عقب لبيد ذلك مبينا لمراده وهو نعيم الدنيا بقوله: نعيمك فى الدنيا غرور وحسرة، فسمعه عثمان قال: صدق لبيد قافية أى بيت كما فى رواية مسلم، والرواية الآتية، والأول فيه إطلاق الجزء على الكل.
٢٤٠ - (قال) رواه البخارى فى المفرد أيضا. (هيه) بكسر فسكون من غير تنوين وأصله أن يستعمل بلا استزادة من حديث، أو عمل معهود، فإن نونت لاتصالها بغيرها كأيه حديثا كانت للاستزادة من غير معهود، وكان تنوينها للتنكير وفى استحسانه ﷺ لشعر أمية، وأمره بالاستزادة، دليل لما قدمناه من الندب بشرطه الموجود هنا لاشتمال شعره على الإقرار بالوحدانية وعلى الحكم الدقيقة والمعانى العويصة، وأنه لا فرق فى الشعر حيث سلم من الخناء والفحش بين شعر الجاهلية وغيرهم والمذموم مما سلم من ذلك، إنما هو الإكثار والغلبة على قائله (يعنى بيتا) مراده يعنى مائة بيت، وفى نسخة:
«بيت» بالجر على الحكاية تفسير المضاف إليه مائة للمحذوف إن مخففة من الثقيلة واسمها إن عملت ضمير الشأن، فزعم أن من قال التقدير أنه كاد لا يعرف شيئا من النحو، ليس فى محله إذ مراده إذا عملت كما ذكرته، ومجرد حذف هذا القيد لا بخبر أن يقال فى حق من حذفه لا يعرف شيئا من النحو، (كاد) قرب. (يسلم) من سبب ذلك.
стр. 345
٢٤١ - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى، وعلى بن حجر-والمعنى واحد- قالا: حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
«كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبرا فى المسجد يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول الله ﷺ -أو قال: ينافح عن رسول الله ﷺ -ويقول رسول الله ﷺ : إنّ الله يؤيّد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر-عن رسول الله ﷺ ».
ــ
٢٤١ - (كان ﷺ يضع لحسان. . .) إلخ، فيه حل إنشاد الشعر فى المسجد، بل ندب إذا اشتمل على مدح الإسلام وأهله وإهجاء الكفار وتحقيرهم والتحريض على قتالهم، وندب الدعاء إن قال شعرا كذلك (يفاخر عن رسول الله ﷺ الظاهر من هذه العبارة عند من له ذوق سليم أنه يذكر مفاخر رسول الله ﷺ ومثالب أعدائه ورد لقولهم فى حقه، وما قيل بنسب نفسه إلى الشرف والكبر والعظمة لكونه من أمة رسول الله ﷺ الممتاز بالفضل على الخلائق من كل وجه فهو بعيد متكلف، وليته لم يذكر الكبر بأن ذكره فى هذا المقام فيه ما فيه. (ينافح) بالحاء المهملة أى: يدافع ويناضل ويتناول المشركين لهجائهم ومجاوبتهم. (بروح القدس) بضم الدال وسكونها وهو جبريل سمى بذلك، لأنه يأتى الأنبياء بما فيه الحياة الأبدية والطهارة الكاملة ومعنى تأييده، لأن يلقى فى روعه أفصح الشعر وأبلغه وأليقه بالمقام. (ما ينافح) بالحاء المهملة أى يدافع ويهجو المشركين ومجاوبتهم على أشعارهم، أى ما دام كذلك وفى رواية: «إن جبريل مع حسان ما نافح عنى» (١) قيل: ولما دعى له ﷺ أعانه جبريل بسبعين بيتا، وهو حسان بن ثابت بن المنذر ابن عمرو بن حزام الأنصارى عاش مائة وعشرين سنة، نصفها فى الإسلام، وكذا عاش أبوه وجده وجد أبيه المذكورون، وتوفى سنة أربع وخمسين، ولما جاء ﷺ وفد بنى تميم
стр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشاعرهم الأقرع بن حابس فنادوه: يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فلم يزل النبى ﷺ إلى أن قال: «ذلك الله إذا مدح زان، وإذا ذم شان، إنى لم أبعث بالشعر ولم أؤمر بالفجر، ولكن هاتوا فأمر ﷺ ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم»، فقام الأقرع بن حابس فقال:
أتيناك كيما تعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأنا رءوس الناس من معشر ... وأن ليس فى أرض الحجاز كدارم
فأمر ﷺ حسان يجيبهم، فقال:
بنى دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم
وكان أول من أسلم شاعرهم المذكور، وثابت خطيبه ﷺ وخطيب الأنصار وهو خزرجى شهد ﷺ له بالجنة واستشهد باليمامة سنة اثنتى عشرة.
تتمة: فيها تأييد لما قررته وزيادة عليه، روى أبو داود سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن من البيان لسحرا، وإن من العلم لجهلا، وإن من الشعر لحكما» (١). قال بعض
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السلف صدق رسول الله أما قوله «إن من البيان لسحرا» فالرجل يكون عليه الحق، وألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وأما قوله «إن من العلم لجهلا» فيكلف العالم إلى علمه ما لم يعلم بجهله، وأما قوله: «إن من الشعر لحكما» فهو هذه المواعظ والأمثال التى يتعظ بها الناس، ومفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك إذ «من» تبعيضية، وروى البخارى: «إن من الشعر حكمة» أى: قولا صادقا مطابقا للحق قال الطبرى: وبه يرد على من يكره الشعر مطلقا، ولا حجة له فى قول ابن مسعود: «الشعر لمزامير الشيطان» أى: لأنه محمول على شعر فيه سخف أو نحوهما مما غلب على الشعراء وبه ضلوا وأغووا، وعليه أيضا يحمل خبر: «إن إبليس لما هبط إلى الأرض قال: رب اجعل لى قرآنا قال: قرآنك الشعر» على أنه ضعيف قيل:
وعلى تقدير ثبوته فهو محمول على الإفراط فيه والإكثار منه.
***
стр. 348
٣٨ - باب: ما جاء فى كلام رسول الله ﷺ «فى السّمر»
٢٤٢ - حدثنا الحسن بن صباح البزار، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفى، عبد الله بن عقيل، عن مجالد، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة رضى الله عنها، قالت:
«حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا. فقالت امرأة منهنّ: كان الحديث حديث خرافة. فقال: أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ، فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، وكان يحدّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب. فقال النّاس: حديث خرافة».
ــ
(باب ما جاء فى كلام رسول الله ﷺ فى السمر)
بفتح الميم، وهو حديث الليل، قيل: وهو فى الأصل ضوء القمر ثم سمى به حديث الليل، لأنهم كانوا يتحدثون فى ضوء القمر انتهى، وفى القاموس: السمر محرك الليل وحديث، وظل القمر والدهر انتهى (١)، والمراد هنا الثانى، قيل: ويجوز تسكين الميم مصدرا بمعنى المسامرة، وهى المحادثة بالليل (البزار) بزاى ثم راء.
٢٤٢ - (النضر) بنون فمعجمة. (ذات الليلة) لفظ ذات مقحم على ما مر فى نظيره.
(كان الحديث. . .) إلخ لم يرد ما يراد به من هذا اللفظ، وهو الكفاية من ذكر الحديث بأنه كذب مستملح، لأنها تعلم أنه لا يجرى على لسانه إلا الحق، وإنما أرادت أنه حديث مستملح لا غير، وذلك لأن حديث خرافة يشتمل على وصفين بالكذب والاستملاح
стр. 349
٢٤٣ - حدثنا على بن حجر، أخبرنا عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عائشة رضى الله عنها، قالت:
«جلست إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن، وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا.
فقالت الأولى: زوجى لحم جمل غثّ، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
ــ
فيصح التشبيه به فى أحدهما، أو فى كليهما، لكنه ﷺ لما علم أن كلاهما يوهم بين المراد منه بقوله. (أتدرون. . .) إلخ، وخاطبهن بخطاب المذكر تنزيلا لهن منزلتهم فى كمال العقل ببركة صحبته ﷺ ، وزعم أن هذا بعيد، هو البعيد كما لا يخفى، وإنما البعيد هو قوله: يحتمل أنه كان عندهن محرم ذكر فغلبه عليهن، إذ تصور وجود محرم لجميع أمهات المؤمنين فى غاية البعد، لكن قائل ذلك غلب عليه رعايات الاحتمالات العقلية من غير نظر إلى الخارج، فيخرج الأحاديث عليها غفلة عما يترتب من الركة تارة، والفساد أخرى. (من عذرة) قبيلة من اليمن. (أسرته الجن) أى اختطفته فى الجاهلية أى قبل مبعثه ﷺ . (جلس) وجه تذكيره أنه على حد قال ثلاثا، الذى حكاه سيبويه عن بعض العرب استغناء بظهور تأنيثه عن علامته، أو أنه وعى فيه معنى الجمع لا الجماعة، أو حكم الإسناد إلى الجمع حكم الإسناد إلى الموت غير الحقيقى.
٢٤٣ - (إحدى عشرة امرأة) أى فى بعض قرى مكة وقيل: عدن، عرف منهن أسماء ثمان فقط. (فتعاهدن) ألزمن أنفسهن. (وتعاقدن) أى على الصدق من ضمائرهن.
(غث) مهزول روى بالجر صفة لجمل لقربه منه، وبالرفع صفة للحم، لأن المقصود منه المبالغة فى قلة نفعه وأنه مرغوب عنه. (على رأس جبل وعر) صعب الوصول إليه فلا تنتفع به زوجته فى العشرة ولا غيرها أى: فهو قليل الخير من أوجه منها كونه كلحم الجمل دون الضأن وهو مع ذلك مهزول، ردئ وكونه صعب التناول لا يصل إليه إلا بمشقة شديدة، وقال الخطابى معنى ذلك أنه يترفع ويسم نفسه فوق قدرها فجمع إلى قلة
стр. 350
قالت الثّانية: زوجى لا أبثّ خبره، إنّى أخاف ألاّ أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
ــ
خيره تكبره وسوء خلقه. (لا) ذلك الجبل. (سهل) روى هو وما بعده بالرفع فلا بمعنى ليس. (فيرتقى) هو وما بعد بيان لوجه الشبه فى قولها: لحم جمل إلخ. (ولا) ذلك اللحم. (سمين فينتقل) أى فتنقله الناس إلى بيوتهم ليأكلوه بل يرغبون عنه لرداءته، فلا مصلحة فيه تسهل عشرة يقال: انتقلته بمعنى نقلته لكن قضية قول القاموس: نقلته فانتقل، أن للانتقال لازم مطلقا أبدا، وحينئذ فيشكل بنائه للمجهول، ويجاب بفرض صحة قضيته قول القاموس لأنه ضمن بتنقل، يؤخذ وفى رواية «فينتقى» أى فيختار الأكل أو يستخرج نقيته بكسر النون وإسكان القاف، وهو المخ، لأن مخ السمين مما يقصد ويثابر عليه فكنّت بنقى المخ عنه عن قلة خيره وعقله، وروى مجرورين، «فلا سهل» عطف على وعر، «ولا سمين» يمكن أن يكون عطفا على غث، بل يتعين، لأن المعنى ليس إلا عليه ولا نظر لما فضل به بينهما، لأنه غير أجنبى من كل وجه، ويصح عطفه على سهل بتكلف، أى لا جبل سهل، ولا لحم سمين، وتكلف بعضهم لعطفه عليه بما فيه مزيد تقدير ينبؤ عنه قوانين البلاغة، لأنه إذا أمكن الوجه السالم من مزيد مما لا معنى له عند التأمل ومبنين هذا التقدير تعين سلوكه والإعراض عما سواه على الفتح أى: لا سهل فى الجبل، لا سمين فى اللحم فينتقل. (لا أبث خبره) أى لا أنشره ولا أشيعه. (إنى أخاف ألا أذره) إن عادت الهاء على الخبر كان المعنى: إن خبره طويل إن فصلته لم أتمه لكثرته فأذر بمعنى أتم والمشهور أنها بمعنى أترك أو على الزوج كانت لا زائدة على حد قوله: مامَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ (١) أى: إنى أخاف إن بثثته طلقنى فأذره أى: أتركه، أى: أتركه ولى أولاد منه أخشى ضياعهم ويؤيد الأول قولها إن. . . إلخ. (عجرة وبجرة) بضم أول كل وفتح ثانيه جمع عجرة وهو العقد فى العروق، وبجرة كصفرة، وكذا التى قبلها، وهى السرة كانت ناتئة أولا والعقد فى الوجه والعنق أى عيوبه وأمره كله ذكره فى القاموس، وقضية قوله وأمره كله أنهما كما يطلقان على ذكر العيوب كلها الباطنة والظاهرة كذلك يطلقان على ذكر الأمور كلها، وإن كانت مدحا وعليه، فهل تصح إرادته هنا الظاهر، لا بقرينة السياق كما هو واضح لا يقال هذه كتمت خبر زوجها، فخانت العهد الذى يتحالفن على عدم الخيانة، لأنا نقول لم تكتم
стр. 351
قالت الثالثة: زوجى العشنّق، إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلّق.
قالت الرّابعة: زوجى كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مخافة ولا سامة.
قالت الخامسة: زوجى إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عمّا عهد.
ــ
منه شيئا، بل شرحته على أتم وجه، لكن بدقة لا تخفى على أولئك العرب العرباء، وكذا يقال فى التى بعدها فإنها جمعت كل العيوب فى قولها: العشنّق كما يعلم مما يأتى.
(العشنق) بمهملة فمعجمة مفتوحتين فنون مشددة فقاف: الطويل من غير نفع لسوء خلقه وسفهه وبلادته. (إن أنطق) بعيوبه. (أطلق) أى: يطلقنى لسوء خلقه، وأنا لا أحب الطلاق لأولاد لى منه، أو لاحتياجى إليه، أو لغير ذلك من الأعذار على أن محبة المرأة للطلاق من غير ضرورة، وصمة عظيمة فيها، فإن قلت: طلاق من ذكرت عيوب زوجها ليس فيه سوء خلق، بل هو شأن أهل المرؤة والمغيرة قلت: الكلام فى ذكر عيوب بحق لا تعلق لها بالدين أصلا، وح فالطلاق لذكرها محض سوء خلق. (وإن أسكت) عنها. (أعلق) أى علقنى فيتركنى لا عزبا ولا مزوجة فإن قلت: لا ملازمة بين سكوتها عن عيوبه وتركه لها معلق فكيف لازمت بينهما؟ قلت: لما بينت أنه جمع سوء الخلق والسفه والبلادة، علم بذلك أنه إنما يطلق بلا سبب يوجب الطلاق، وإما يتركها معلقة بلا سبب أيضا يوجبه أيضا فتركها معلقة ليس لازما لسكوتها بل له مع ما فى الزوج من تلك الصفات القبيحة فتأمله، وأعرض عما سواه، (كليل تهامة) قال الحافظ أبو موسى: هى تهامة مكة وما حواليها من الأغوار، وقال الأزهرى: وأول تهامة من ذات عرق إلى البحر وجدة، وقيل: هى ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة أى محاذاتها إذ الذى بين ذات عرق ومكة مرحلتان كما صرحوا به، وما وراء ذلك من الغرب فهو غور، والمدينة لا تهامية ولا نجدية؛ لأنها فوق الغور ودون النجد، وليل تهامة مشهور بالاعتدال وهو المقصود بوجه الشبه ومن ثمة عقبته بقوله: (لا حر ولا قر) بفتح القاف وضمها، أى ولا برد (ولا مخافة ولا سآمة) هذا من بقية أوصاف ليل تهامة الأعم من مكة، فلا يقال مكة لا مخافه فيها ولا سآمة فيها ليلا ولا نهارا، وهذا أبلغ من المدح، لأنها ما نفت عنه سائر أسباب الأذى، وأثبتت له جميع أنواع اللذة فى عشرته، ومنه أنه لا غائلة له تخاف لكرم أخلاقه، ولا قبيح يصدر منه فلا تسأم صحبته كما لا يسأم صحبتها، ويروى برفع الكل، وهو واضح، بل يجوز فيها بقية، الأوجه الخمسة فى: لا حول ولا قوة إلا بالله. (إن دخل فهد) بفتح فكسر فسكون وكنّت بذلك لما يقال
стр. 352
قالت السادسّة: زوجى إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ.
ــ
أنوم من فهد عن نومته وغفلته عن أهل بيته فلا يتأثر لما ذهب منها وهذا معنى (ولا يسأل عما عهد) وح ففى كلامها نوع تكرار فلذلك قال ابن أبى أويس: إنما كنّت بذلك عن أنه إذا دخل وثب عليها وثوب الفهد لإرادة جماعها أو ضربها، ولم يرتض ذلك فى القاموس فقال: نام وتغافل عما يجب تعهده، فأشبه الفهد فى تمدده ونومه، فإن القصد إلى المدح، فالمراد التغافل عما أضاعته المرأة بما يجب عليها تعهده تكرما وحلما، وإن كان إلى المذمة فالمراد: النوم والكسالة وعدم المبالاة بضبط أمور أهل بيته. (وإن خرج أسد) بفتح فكسر أيضا، إذا صار بين الناس وخالط الحرب كان فى فضل قوته وشجاعته كالأسد، وفى القاموس: وكفرح دهش من رؤيته وصار كالأسد وغضب وسفه، وح فكلاهما يحتمل المدح بإرادة شجاعته ومهابته، والذم بإرادة غضبه وسفهه، وظاهر سياق كلامها الأول: ولا يسأل عما تعهد، يحتملها ما يعنيها أى: لا يؤاخذ عليه إكراما وتغافلا وتكاسلا. (لف) أى أكثر من الطعام وخلط من صنوفه حتى لم يبق معه شىء.
(اشتف) استوعب جميع ما فى الإناء من الشفافة بضم الشين، وهى بقية الشراب يقال لمن شربها: اشتفها وتشافها، وهذا صريح فى ذمه، فكان الظاهر أن ما فيه كذلك كما ذكرته فاندفع ما قيل يحتمل أنها أرادت مدحه، بأنه فى غاية الكرم والتنعم بصنوف الأطعمة من غير أن يدخر منها شيئا مخافة الإملاق، (ولا يولج الكف ليعلم البث) قال أبو عبيدة: أحسب أنه كان بجسدها عيب، أو داء أحزنها وجوده بها إذ البث الحزن، فبذلك كان لا يدخل يده تحت ثيابها خوفا من حزنها بسبب مسه منها ما تكره اطلاعها عليه، وهذا وصف له بالمروءة وكرم الخلق، ورده ابن قتيبة: بأنها كيف تمدحه بهذا وقد ذمته فى صدر الكلام، وأجاب عنه ابن الأنبارى: بأنهن تعاهدن أن لا يكتمن شيئا من أخبارهن، فمنهن من تمحض قبح زوجها فذكرته، ومنهن من تمحض حسن زوجها فذكرته، ومنهن من جمع زوجها حسنا وقبحا فذكرتهما، وقال ابن الأعرابى: إنه ذم لأنها أرادت أنه يلتف فى ثيابه فى ناحية عنها ولا يضاجعها ليعلم ما عندها من محبته، وإلى هذا ذهب الخطابى وغيره، واختاره القاضى عياض، وقيل: البث المرض الشديد، أى إنه قليل الشفقة عليها حتى فى مرضها إذ لا يدخل يده ح تحت ثيابها ليعرف ما بها كما هو عادة الأصدقاء فضلا عن الزوجات، وقيل: البث باطن الشىء فهو متغافل عن
стр. 353
قالت السّابعة: زوجى عياياء-أو غياياء-طباقاء، كلّ داء له داء، شجّك. أو فلّك، أو جمع كلا لك.
قالت الثّامنة: زوجى المسّ مسّ أرنب، والرّيح ريح زرنب.
قالت التّاسعة: زوجى رفيع العماد، عظيم الرّماد، طويل النّجاد، قريب البيت من النّاد.
ــ
نفى أمرها وما تريد سره فهو تكرما وحلما منه. (عياياء) بمهملة وتحتيتين، وهو ما لا يلقح أو العنّين. (أو غياياء) بمعجمة، وإن أنكرها أبو عبيدة وغيره، وصوبوا المهملة لأنها صحيحة أيضا كما قاله القاضى عياض وغيره من الغياية، وهى الظلمة، وكل ما أظل الشخص، وهو من لا يهتدى إلى مسلك يسلكه لمصالحه أو أنه ثقيل الروح كالظل المتكاثف المظلم الذى لا إشراق فيه، أو غلبت عليه المودة، أو من الغى الذى هو الانهماك فى الشر الذى هو الخيبة وعدم الظفر بمطلوب، وقيل: يلزم على أنه من الغى غوايا لا غيايا، إذا لا وجه لقلب الياء ح واوا ويرد بأنه قلب على خلاف القياس وهو كثير. (طباقاء) أى منطبقة عليه أموره جمعا وغباوة أو شفتاه إذا أراد الكلام، لأنه من اللكنة، فهو عاجز عن الجماع، أو يطبق على المرأة إذا علاها بصدره لثقله، فلا يحصل لها منه إلا الإيذاء والعذاب، ويرجح فى القاموس الثانى، وقيل: الأرجح الأخير. (كل داء) فى الناس. (له داء) أى مجتمع فيه ففيه سائر النقائص والعيوب، فله داء خبر كل ويحتمل أن له صفة داء، وداء الثانى هو الخبر، والقاعدة أن المبتدأ والخبر إذا اتحد لفظهما، وجب اختلاف معناهما، كأنا أبو الجثم وشعرى شعرى أى كل داء قائم به أى بالغ متناه إلى أعلاه، ونظيره: هذا الرجل رجل عظيم أى: عظيم كامل الرجولة، ويحتمل أن يريد كل داء أى لأجله حصل لى داء عظيم لا يرجى برؤه. (شجك) أى كثير شجاج الرأس، إذ هى خاصة به بخلاف الجرح، فإنه يعم البدن. (أو فلك) أى:
كثير الكسر والضرب فهى معه بين شج الرأس وضرب وكسر عضو وجمع بينهما أو كثير الخصومة. (المس مس أرنب) أى كريم الجانب لين العريكة والخلق حسن العشرة.
(والريح) لجسده وثيابه. (ريح زرنب) نوع من الطيب معروف، أو نبات طيب الرائحة، أو هو الزعفران، أقوال، وقيل: إنها كنّت بذلك عن لين بشرته وطيب عرقه. (رفيع العماد) أى شريف سنى الذكر ظاهر الصيت، إذ العماد فى الأصل: عيدان ترفع بها
стр. 354
قالت العاشرة: زوجى مالك، وما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقنّ أنهنّ هوالك.
ــ
البيوت وكنّت بذلك عن رفعة حسبه ونسبه، وقيل: بل أرادت بها حقيقتها، أى بيته مرتفع العمد ليراه الضيّفان، وذوو الحاجات فيقصدونه. (طويل النجاد) بكسر النون:
حمائل السيف وهو كناية عن طول القامة، لأن طولها ملزوم لطول النجاد. (عظيم الرماد) كناية أيضا عن كثرة الجود المستلزم للإكثار من الضيافة المستلزم لكثرة الطبخ المستلزم لكثرة الرماد ولدوام وقود ناره ليلا يهتدى به الضيفان، والكرام يعظمون النيران ليلا ويرفعونها على نحو التلال والأيد، ليهتدى بها الضيفان. (قريب البيت من الناد) أصله من النادى حذف الياء للسجع أى: مجلس القوم ومتحدثهم، وقريب البيت منه دليل على الكرم، إذ الضيفان إنما يقصدون النادى تعرضا لمن يضيفهم من أهله. (وما ملك) فى رواية لمسلم. «فما مالك» وهو تعظيم لأمره وشأنه وأنه خبر مما يذكر به من الثناء عليه، كما أفاده الإبهام فى ما وضده. فَغَشِيَهُمْ مِنَ اَلْيَمِّ ماغَشِيَهُمْ. (خير من ذلك) أى مما ذكرت السابقات فى وصف أزواجهن من المدح، وقيل المشار إليه ما ستذكره هى بعد أى خير مما أقول فى حقه وذكر بعضهم هنا ما يمجه السمع فاحذره.
(له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح) فهى كثيرة باركة بفنائه لا يسرحها، إلا قليلا قدر الضرورة، ومعظم أوقاتها حاضرة حتى إذا نزل به ضيفان كانت حاضرة عنده ليسرع إليهم بألبانها ولحومها، وح يصدق عليها أنها كثيرات فى مباركها قليلات فى مسارحها، لأنها إذا تركت نحر أكثرها، فلا يصل إلى المسرح إلا قليلها، وبهذا اندفع ما قيل: المراد كثيرة مباركها عند النحر لا مطلقا، إلا لماتت هزالا ووجه اندفاعه: أنها تسرح وقتا تأخذ فيه حاجتها، ثم تعود لمباركها، وقيل: مباركها فى الحقوق، ومآثر الجود كثيرة لكن صرفها فى هذه الوجوه ومراعيها قليلة، لا يقال هذه الإضافة معنوية تفيد التعريف فكيف وصفت النكرة بها؟ لأنا نقول لو سلمنا ذلك كان التقدير هى كثيرات المبارك فتكون الصفة هى الجملة. (إذا سمعن صوت المزهر) بكسر الميم: العود الذى يضرب به عند الغفلة. (أيقن أنهن هوالك) لما أنه عودهن أنه إذا نزل به ضيف نحر لهم منها وأتاه بالعيدان والمعازف والشراب، فلذلك إذا سمعن صوت المزهر علمن مجيئ الضيف، وأنهن منحورات هوالك، وأنكر أبو سعد النيسابوى ما ذكر فى المزهر، وقال: لم تكن العرب تعرف بكسر الميم للعود، وإنما كان يعرفه من خالط الحضر، قال: والمراد هنا:
стр. 355
قالت الحادية عشرة: زوجى أبو زرع، وما أبو زرع، أناس من حلىّ أذنى، وملأ من شحم عضدىّ، وبجّحنى فبجحت إلىّ نفسى. وجدنى فى أهل غنيمة بشقّ، فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، ودائس، ومنقّ، فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقمح.
ــ
المزهر بضم الميم وكسر الهاء، وهو موقد النار للأضياف فهن إذا سمعن صوته أيقن بالهلاك. خطأه القاضى؛ بأنه لم يرو أحد بضم الميم، وبأن كسرها مشهور فى أشعار العرب، وبأن لا نسلم له أن هؤلاء النسوة من غير الحاضرة، لما مر أنهن من قرى مكة، أو عدن. (وما أبو زرع) فيه ما مر فى: وما مالك. (أناس) بالنون والمهملة أى حرك.
(من حلى) بضم أوله وبكسره، وبالتنكير للتعظيم. «أذنى» بالتثنية أى هما يزنيان أى يتحركان لكثرة ما فيهما من الحلى (وملأ من شحم عضدى) أى سمننى بالتربية فى التنعم، وملأ بدنى شحما، ولم ترد اختصاص العضدين، بل إنهما إذا سمنا سمن غيرهما، وقيل: إنما خصتهما لمجاورتهما للأذنين. (وبجحنى فبجحت إلىّ نفسى) بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح أى وفرحنى ففرحت، أو عظمنى فعظمت عند نفسى، من تبجح بكذا أى تعظم وافتخر. (غنيمة) بضم أوله مصغرا للقليل. (بشق) بكسر المعجمة، وهو المعروف لأهل الحديث مع كونى وإياهم فى جهد ومشقة، وبفتحها وهو المعروف لأهل اللغة اسم موضع أى بناحية شاقة أهلها فى غاية الجهد لقلتهم وقلة غنمهم. (صهيل) هو صوت الخيل. (وأطيط) هو صوت الإبل، أرادت أن أهلها كانوا أصحاب غنم لا خيل ولا إبل، والعرب إنما يعدون بأصحابهما دون أصحاب الغنم (ودائس) اسم فاعل من الدوس وهو البقر الذى يدوس الزرع فى بيدره. (ومنق) بضم الميم أيضا وفتح النون وتشديد القاف أى ينقى الطعام بعد درسه من تبنه وقشوره بغربال أو غيره، وتقييد الهروى بالغربال، ليس بشرط، وأرادت بذلك أنه صاحب زرع تدوسه وتنقيه، وقيل: يجوز كسر نونه، وأنكره أبو عبيدة، ورد بأنه من النقيق: وهو صوت الدجاجة والزحمة، أى: جعلنى فى المطاردين للطيور عن الحب كناية عن كثرة زرعهم ونقيقهم، سمى هذا منقى، لأنه إذا طرد الطير نقق أى: صوت، فيصير هو أغنى المطارد ذوى نقيق، وقيل: الأولى تفسير النقق بمذابح الطير لا أنه عند ذبحه نقيق، فيصير هو ذا نقيقى أى: من أهل ذابحى الطير وطاعمى لحومها فهو كناية عن كونه رباها