← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قالت الثالثة: زوجى العشنّق، إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلّق. قالت الرّابعة: زوجى كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مخافة ولا سامة. قالت الخامسة: زوجى إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عمّا عهد. ــ منه شيئا، بل شرحته على أتم وجه، لكن بدقة لا تخفى على أولئك العرب العرباء، وكذا يقال فى التى بعدها فإنها جمعت كل العيوب فى قولها: العشنّق كما يعلم مما يأتى. (العشنق) بمهملة فمعجمة مفتوحتين فنون مشددة فقاف: الطويل من غير نفع لسوء خلقه وسفهه وبلادته. (إن أنطق) بعيوبه. (أطلق) أى: يطلقنى لسوء خلقه، وأنا لا أحب الطلاق لأولاد لى منه، أو لاحتياجى إليه، أو لغير ذلك من الأعذار على أن محبة المرأة للطلاق من غير ضرورة، وصمة عظيمة فيها، فإن قلت: طلاق من ذكرت عيوب زوجها ليس فيه سوء خلق، بل هو شأن أهل المرؤة والمغيرة قلت: الكلام فى ذكر عيوب بحق لا تعلق لها بالدين أصلا، وح فالطلاق لذكرها محض سوء خلق. (وإن أسكت) عنها. (أعلق) أى علقنى فيتركنى لا عزبا ولا مزوجة فإن قلت: لا ملازمة بين سكوتها عن عيوبه وتركه لها معلق فكيف لازمت بينهما؟ قلت: لما بينت أنه جمع سوء الخلق والسفه والبلادة، علم بذلك أنه إنما يطلق بلا سبب يوجب الطلاق، وإما يتركها معلقة بلا سبب أيضا يوجبه أيضا فتركها معلقة ليس لازما لسكوتها بل له مع ما فى الزوج من تلك الصفات القبيحة فتأمله، وأعرض عما سواه، (كليل تهامة) قال الحافظ أبو موسى: هى تهامة مكة وما حواليها من الأغوار، وقال الأزهرى: وأول تهامة من ذات عرق إلى البحر وجدة، وقيل: هى ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة أى محاذاتها إذ الذى بين ذات عرق ومكة مرحلتان كما صرحوا به، وما وراء ذلك من الغرب فهو غور، والمدينة لا تهامية ولا نجدية؛ لأنها فوق الغور ودون النجد، وليل تهامة مشهور بالاعتدال وهو المقصود بوجه الشبه ومن ثمة عقبته بقوله: (لا حر ولا قر) بفتح القاف وضمها، أى ولا برد (ولا مخافة ولا سآمة) هذا من بقية أوصاف ليل تهامة الأعم من مكة، فلا يقال مكة لا مخافه فيها ولا سآمة فيها ليلا ولا نهارا، وهذا أبلغ من المدح، لأنها ما نفت عنه سائر أسباب الأذى، وأثبتت له جميع أنواع اللذة فى عشرته، ومنه أنه لا غائلة له تخاف لكرم أخلاقه، ولا قبيح يصدر منه فلا تسأم صحبته كما لا يسأم صحبتها، ويروى برفع الكل، وهو واضح، بل يجوز فيها بقية، الأوجه الخمسة فى: لا حول ولا قوة إلا بالله. (إن دخل فهد) بفتح فكسر فسكون وكنّت بذلك لما يقال

стр. 352

قالت السادسّة: زوجى إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ. ــ أنوم من فهد عن نومته وغفلته عن أهل بيته فلا يتأثر لما ذهب منها وهذا معنى (ولا يسأل عما عهد) وح ففى كلامها نوع تكرار فلذلك قال ابن أبى أويس: إنما كنّت بذلك عن أنه إذا دخل وثب عليها وثوب الفهد لإرادة جماعها أو ضربها، ولم يرتض ذلك فى القاموس فقال: نام وتغافل عما يجب تعهده، فأشبه الفهد فى تمدده ونومه، فإن القصد إلى المدح، فالمراد التغافل عما أضاعته المرأة بما يجب عليها تعهده تكرما وحلما، وإن كان إلى المذمة فالمراد: النوم والكسالة وعدم المبالاة بضبط أمور أهل بيته. (وإن خرج أسد) بفتح فكسر أيضا، إذا صار بين الناس وخالط الحرب كان فى فضل قوته وشجاعته كالأسد، وفى القاموس: وكفرح دهش من رؤيته وصار كالأسد وغضب وسفه، وح فكلاهما يحتمل المدح بإرادة شجاعته ومهابته، والذم بإرادة غضبه وسفهه، وظاهر سياق كلامها الأول: ولا يسأل عما تعهد، يحتملها ما يعنيها أى: لا يؤاخذ عليه إكراما وتغافلا وتكاسلا. (لف) أى أكثر من الطعام وخلط من صنوفه حتى لم يبق معه شىء. (اشتف) استوعب جميع ما فى الإناء من الشفافة بضم الشين، وهى بقية الشراب يقال لمن شربها: اشتفها وتشافها، وهذا صريح فى ذمه، فكان الظاهر أن ما فيه كذلك كما ذكرته فاندفع ما قيل يحتمل أنها أرادت مدحه، بأنه فى غاية الكرم والتنعم بصنوف الأطعمة من غير أن يدخر منها شيئا مخافة الإملاق، (ولا يولج الكف ليعلم البث) قال أبو عبيدة: أحسب أنه كان بجسدها عيب، أو داء أحزنها وجوده بها إذ البث الحزن، فبذلك كان لا يدخل يده تحت ثيابها خوفا من حزنها بسبب مسه منها ما تكره اطلاعها عليه، وهذا وصف له بالمروءة وكرم الخلق، ورده ابن قتيبة: بأنها كيف تمدحه بهذا وقد ذمته فى صدر الكلام، وأجاب عنه ابن الأنبارى: بأنهن تعاهدن أن لا يكتمن شيئا من أخبارهن، فمنهن من تمحض قبح زوجها فذكرته، ومنهن من تمحض حسن زوجها فذكرته، ومنهن من جمع زوجها حسنا وقبحا فذكرتهما، وقال ابن الأعرابى: إنه ذم لأنها أرادت أنه يلتف فى ثيابه فى ناحية عنها ولا يضاجعها ليعلم ما عندها من محبته، وإلى هذا ذهب الخطابى وغيره، واختاره القاضى عياض، وقيل: البث المرض الشديد، أى إنه قليل الشفقة عليها حتى فى مرضها إذ لا يدخل يده ح تحت ثيابها ليعرف ما بها كما هو عادة الأصدقاء فضلا عن الزوجات، وقيل: البث باطن الشىء فهو متغافل عن

стр. 353

قالت السّابعة: زوجى عياياء-أو غياياء-طباقاء، كلّ داء له داء، شجّك. أو فلّك، أو جمع كلا لك. قالت الثّامنة: زوجى المسّ مسّ أرنب، والرّيح ريح زرنب. قالت التّاسعة: زوجى رفيع العماد، عظيم الرّماد، طويل النّجاد، قريب البيت من النّاد. ــ نفى أمرها وما تريد سره فهو تكرما وحلما منه. (عياياء) بمهملة وتحتيتين، وهو ما لا يلقح أو العنّين. (أو غياياء) بمعجمة، وإن أنكرها أبو عبيدة وغيره، وصوبوا المهملة لأنها صحيحة أيضا كما قاله القاضى عياض وغيره من الغياية، وهى الظلمة، وكل ما أظل الشخص، وهو من لا يهتدى إلى مسلك يسلكه لمصالحه أو أنه ثقيل الروح كالظل المتكاثف المظلم الذى لا إشراق فيه، أو غلبت عليه المودة، أو من الغى الذى هو الانهماك فى الشر الذى هو الخيبة وعدم الظفر بمطلوب، وقيل: يلزم على أنه من الغى غوايا لا غيايا، إذا لا وجه لقلب الياء ح واوا ويرد بأنه قلب على خلاف القياس وهو كثير. (طباقاء) أى منطبقة عليه أموره جمعا وغباوة أو شفتاه إذا أراد الكلام، لأنه من اللكنة، فهو عاجز عن الجماع، أو يطبق على المرأة إذا علاها بصدره لثقله، فلا يحصل لها منه إلا الإيذاء والعذاب، ويرجح فى القاموس الثانى، وقيل: الأرجح الأخير. (كل داء) فى الناس. (له داء) أى مجتمع فيه ففيه سائر النقائص والعيوب، فله داء خبر كل ويحتمل أن له صفة داء، وداء الثانى هو الخبر، والقاعدة أن المبتدأ والخبر إذا اتحد لفظهما، وجب اختلاف معناهما، كأنا أبو الجثم وشعرى شعرى أى كل داء قائم به أى بالغ متناه إلى أعلاه، ونظيره: هذا الرجل رجل عظيم أى: عظيم كامل الرجولة، ويحتمل أن يريد كل داء أى لأجله حصل لى داء عظيم لا يرجى برؤه. (شجك) أى كثير شجاج الرأس، إذ هى خاصة به بخلاف الجرح، فإنه يعم البدن. (أو فلك) أى: كثير الكسر والضرب فهى معه بين شج الرأس وضرب وكسر عضو وجمع بينهما أو كثير الخصومة. (المس مس أرنب) أى كريم الجانب لين العريكة والخلق حسن العشرة. (والريح) لجسده وثيابه. (ريح زرنب) نوع من الطيب معروف، أو نبات طيب الرائحة، أو هو الزعفران، أقوال، وقيل: إنها كنّت بذلك عن لين بشرته وطيب عرقه. (رفيع العماد) أى شريف سنى الذكر ظاهر الصيت، إذ العماد فى الأصل: عيدان ترفع بها

стр. 354

قالت العاشرة: زوجى مالك، وما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر، أيقنّ أنهنّ هوالك. ــ البيوت وكنّت بذلك عن رفعة حسبه ونسبه، وقيل: بل أرادت بها حقيقتها، أى بيته مرتفع العمد ليراه الضيّفان، وذوو الحاجات فيقصدونه. (طويل النجاد) بكسر النون: حمائل السيف وهو كناية عن طول القامة، لأن طولها ملزوم لطول النجاد. (عظيم الرماد) كناية أيضا عن كثرة الجود المستلزم للإكثار من الضيافة المستلزم لكثرة الطبخ المستلزم لكثرة الرماد ولدوام وقود ناره ليلا يهتدى به الضيفان، والكرام يعظمون النيران ليلا ويرفعونها على نحو التلال والأيد، ليهتدى بها الضيفان. (قريب البيت من الناد) أصله من النادى حذف الياء للسجع أى: مجلس القوم ومتحدثهم، وقريب البيت منه دليل على الكرم، إذ الضيفان إنما يقصدون النادى تعرضا لمن يضيفهم من أهله. (وما ملك) فى رواية لمسلم. «فما مالك» وهو تعظيم لأمره وشأنه وأنه خبر مما يذكر به من الثناء عليه، كما أفاده الإبهام فى ما وضده. فَغَشِيَهُمْ مِنَ اَلْيَمِّ ماغَشِيَهُمْ. (خير من ذلك) أى مما ذكرت السابقات فى وصف أزواجهن من المدح، وقيل المشار إليه ما ستذكره هى بعد أى خير مما أقول فى حقه وذكر بعضهم هنا ما يمجه السمع فاحذره. (له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح) فهى كثيرة باركة بفنائه لا يسرحها، إلا قليلا قدر الضرورة، ومعظم أوقاتها حاضرة حتى إذا نزل به ضيفان كانت حاضرة عنده ليسرع إليهم بألبانها ولحومها، وح يصدق عليها أنها كثيرات فى مباركها قليلات فى مسارحها، لأنها إذا تركت نحر أكثرها، فلا يصل إلى المسرح إلا قليلها، وبهذا اندفع ما قيل: المراد كثيرة مباركها عند النحر لا مطلقا، إلا لماتت هزالا ووجه اندفاعه: أنها تسرح وقتا تأخذ فيه حاجتها، ثم تعود لمباركها، وقيل: مباركها فى الحقوق، ومآثر الجود كثيرة لكن صرفها فى هذه الوجوه ومراعيها قليلة، لا يقال هذه الإضافة معنوية تفيد التعريف فكيف وصفت النكرة بها؟ لأنا نقول لو سلمنا ذلك كان التقدير هى كثيرات المبارك فتكون الصفة هى الجملة. (إذا سمعن صوت المزهر) بكسر الميم: العود الذى يضرب به عند الغفلة. (أيقن أنهن هوالك) لما أنه عودهن أنه إذا نزل به ضيف نحر لهم منها وأتاه بالعيدان والمعازف والشراب، فلذلك إذا سمعن صوت المزهر علمن مجيئ الضيف، وأنهن منحورات هوالك، وأنكر أبو سعد النيسابوى ما ذكر فى المزهر، وقال: لم تكن العرب تعرف بكسر الميم للعود، وإنما كان يعرفه من خالط الحضر، قال: والمراد هنا:

стр. 355

قالت الحادية عشرة: زوجى أبو زرع، وما أبو زرع، أناس من حلىّ أذنى، وملأ من شحم عضدىّ، وبجّحنى فبجحت إلىّ نفسى. وجدنى فى أهل غنيمة بشقّ، فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، ودائس، ومنقّ، فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقمح. ــ المزهر بضم الميم وكسر الهاء، وهو موقد النار للأضياف فهن إذا سمعن صوته أيقن بالهلاك. خطأه القاضى؛ بأنه لم يرو أحد بضم الميم، وبأن كسرها مشهور فى أشعار العرب، وبأن لا نسلم له أن هؤلاء النسوة من غير الحاضرة، لما مر أنهن من قرى مكة، أو عدن. (وما أبو زرع) فيه ما مر فى: وما مالك. (أناس) بالنون والمهملة أى حرك. (من حلى) بضم أوله وبكسره، وبالتنكير للتعظيم. «أذنى» بالتثنية أى هما يزنيان أى يتحركان لكثرة ما فيهما من الحلى (وملأ من شحم عضدى) أى سمننى بالتربية فى التنعم، وملأ بدنى شحما، ولم ترد اختصاص العضدين، بل إنهما إذا سمنا سمن غيرهما، وقيل: إنما خصتهما لمجاورتهما للأذنين. (وبجحنى فبجحت إلىّ نفسى) بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح أى وفرحنى ففرحت، أو عظمنى فعظمت عند نفسى، من تبجح بكذا أى تعظم وافتخر. (غنيمة) بضم أوله مصغرا للقليل. (بشق) بكسر المعجمة، وهو المعروف لأهل الحديث مع كونى وإياهم فى جهد ومشقة، وبفتحها وهو المعروف لأهل اللغة اسم موضع أى بناحية شاقة أهلها فى غاية الجهد لقلتهم وقلة غنمهم. (صهيل) هو صوت الخيل. (وأطيط) هو صوت الإبل، أرادت أن أهلها كانوا أصحاب غنم لا خيل ولا إبل، والعرب إنما يعدون بأصحابهما دون أصحاب الغنم (ودائس) اسم فاعل من الدوس وهو البقر الذى يدوس الزرع فى بيدره. (ومنق) بضم الميم أيضا وفتح النون وتشديد القاف أى ينقى الطعام بعد درسه من تبنه وقشوره بغربال أو غيره، وتقييد الهروى بالغربال، ليس بشرط، وأرادت بذلك أنه صاحب زرع تدوسه وتنقيه، وقيل: يجوز كسر نونه، وأنكره أبو عبيدة، ورد بأنه من النقيق: وهو صوت الدجاجة والزحمة، أى: جعلنى فى المطاردين للطيور عن الحب كناية عن كثرة زرعهم ونقيقهم، سمى هذا منقى، لأنه إذا طرد الطير نقق أى: صوت، فيصير هو أغنى المطارد ذوى نقيق، وقيل: الأولى تفسير النقق بمذابح الطير لا أنه عند ذبحه نقيق، فيصير هو ذا نقيقى أى: من أهل ذابحى الطير وطاعمى لحومها فهو كناية عن كونه رباها

стр. 356

أمّ أبى زرع، فما أمّ أبى زرع، عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبى زرع، فما ابن أبى زرع، مضجعه كمسلّ شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة. بنت أبى زرع، فما بنت أبى زرع، طوع أبيها، وطوع أمّها، وملء كسائها، وغيط جارتها. ــ بلحم الطير الوحشين، وهو أمرأ وأطيب من لحم غيره. (فلا أقبح) أى لا يقبح قولى، بل يقبله منى. (فأتصبح) أى أنام حتى الصبحة وهى ما بعد الصبح، لأنى مكفية عنده بمن يخدمنى، وهو يرفق بى، ولا يوقظنى، ولا يذهب لغيرى مع مرؤته وكمال عزته. (فاتقمح) بقاف ونون كما فى الصحيحين أيضا أى: أقطع الشرب وأتمهل فيه، لأن الماء كثير عنده، فلا أخاف أن تفوتنى حاجتى منه، ويجوز إبدال نونه ميما، قال البخارى: وهو أصح أى: أروى حتى أدع الشراب من الرى، وقال أبو عبيدة: لا أراها قالت هذا إلا لعزة الماء عندهم. (أم أبى زرع) انتقلت من مدحه إلى مدح أمه، مع ما جبل النساء عليه من كراهة أم الزوج، إعلاما بأنها فى غاية الإنصاف والخلق الحسن. (فما أم أبى زرع) تعجب منها وقرنت بالفاء، إشعارا بأنه سبب عن التعجب من ولدها أبى زرع. (عكومها) جمع عكم بكسر أوله أى: إعدالها وأوعية طعامها. (رداح) بفتح أوله، وروى بكسره عظام كثيرة ومنه امرأة رداح عظيمة الأكفال، ووصف الجمع بالمفرد على إرادة كل عكم منها رداح، أو على أن رداح هنا مصدر كالذهاب. (فساح) بفاء مفتوحة وروى بالضم فمهملة مفتوحة مخففة أى: واسع، أو كنّت بوسعه عن كثرة خيره ونعمته. (مضجعه كمسل) بفتح أوله وثانيه المهملة وتشديد اللام مصدر بمعنى المسلول من قشره. (شطبة) بشين معجمة فمهملة ساكنة فموحدة: ما شطب أى شق من جريد النخل، وهو السعف، أى: هو مهفهف خفيف اللحم كالشطبة، وهو ما يمدح به الرجل، وقيل: الشطبة: السيف أى إنه كالسيف يسل من غمده، والمسل: اسم المكان كما هو وضعه أى: إن مضجعه كغلاف السيف أو محل سل منه الغصن، أو إن موضع نومه نظيف طاهر لم يتلوث بقذر على خلاف الأطفال. (ذراع) مؤنثة، وقد تذكر. (الجفرة) بفتح الجيم: أنثى ولد المعز، وقيل: الضأن إذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها، والذكر جفر لأنه جفر جنباه، أى: عظما فهو قليل الأكل، وقلته محمودة شرعا وعرفا لا سيما عند العرب. (طوع أبيها وطوع أمها) أى مطيعة لهما غاية الإطاعة. (ملء

стр. 357

جارية أبى زرع، فما جارية أبى زرع لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخّض: فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمّانتين، فطلقنى ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ــ كسائها) أى لسمنها، وفى رواية. «صفر درائها» قيل: ضامرة البطن، لأن الرداء ينتهى إليها. والصفر: الخالى، وقيل: ضعيفه أعلى البدن، وهو محل الرداء، أو ممتلئة أسفله، وهو محل الكساء لرواية: «وملء إزارها»، قال القاضى: والأول على أن المراد امتلاء منكبيها، وقيام نهديها بحيث يرفعان الرداء عن أعلى جسدها، فلا يمسه فيصير خاليا بخلاف أسفلها. (وغيظ جارتها) أى ضرتها لما ترى من جمالها ووضأتها وعفتها وأدبها، وفى رواية: «وعقر جارتها» بفتح العين وإسكان القاف، أى: تغيظها فتصير كمعتورة، أو تدهشها من غير دهش، أو عبر بضم العين وإسكان الموحدة من الاعتبار، أو العبرة أى: البكاء أى: ترى من ذلك ما تقهر به أو ما تقهر به أو ما يبكيها لغيظها وحسدها (لا تبث) بفوقية فموحدة أو نون فمثلثة أى تظهر وتشيع، بل تكتم (ولا تنقث) يروى تنقث من باب التفعيل. (ميرتنا) هى الطعام المجلوب، أى: لا تفسده بتفرقه لأمانتها. (تعشيشا) بالعين المهملة، أى: لا تترك الكناسة والقمامة مفرقة فيه كعش الطائر، بل تصلحه وتنظفه، ولا تجن الطعام فى مواضع منه بحيث تصيرها كأعشاش الطيور، وفى رواية: بالغين المعجمة أى «غشنا» بالخيانة فى الطعام، أو بالنهيمة. (والأوطاب) جمع وطب بفتح فسكون أى: أسقيه اللبن. (تمخض) أى: تتحرك لاستخراج الزبد. (يلعبان من تحت خصرها) وفى رواية: «صدرها» (برمانتين) أى ذات كفل عظيم، فإذا استلقت على قفاها ارتفع الكفل منها من الأرض حتى يصير تحتها فجوة يجرى فيها الرمان، أو ذات ثديين حسنين كالرمانتين قال القاضى: وهو أظهر لما روى من تحت درعها، ولأنه لم يعتد الصبيان يلعبون برمان تحت ظهر أمهاتهم، ولا باستلقاء النساء كذلك، ولك أن تقول: هذه ثلاث روايات: «من تحت صدرها» (١)، «من تحت درعها» (٢)، وهما

стр. 358

ركب شريا، وأخذ خطّيا، وراح علىّ نعما ثريا، وأعطانى من كلّ رائحة روجا وقال: كلى أمّ زرع وميرى أهلك. فلو جمعت كلّ شىء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبى زرع. قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: فقال لى رسول الله ﷺ : كنت لك كأبى زرع لأم زرع». ــ متحدتان، «من تحت خصرها» (١) وهى مخالفة لهما، وقد يجمع: بأن الثديين كان فيهما طول بحيث يقربان إذا نامت من خاصرتها، ولا ينافيه قول القاضى صغيرين كالرمانتين، لأن ذلك باعتبار رأسيهما فهما من رأسيهما بشبهان الرمانتين وإن كان فيهما نوع من طول (سريا) بالمهملة وحكى إعجمامها شريا، وقيل: سخيا (ركب شريا خطيا) بالمعجمة أى فرسا يمضى بلا فتور ولا انكسارا أو فائقا خيارا. (وأخذ خطيا) بفتح أوله، وحكى كسره، وهو الرمح منسوب إلى الخط قرية بين البحر والساحل سميت بذلك، لأنها فى فاصلة بين الماء والتراب، وهى من ساحل بحر عمان يجمع فيها خشبات الرماح ويعمل فيها، لأنها تنبت فى أراضيها. (وراح على نعما) أتى بها لمراحها بالضم موضع بيتها وهى الإبل والبقر والغنم، ولعل المراد هنا بعضها وهى الإبل بل زعم القاضى أن أكثر أهل اللغة على أنها مختصة بالإبل. (ثريا) بمثلثة وتحتية أى: كثيرة ومنه الثروة فى المال أى كثرته. (رائحة) أى ما يروح من النعم بأصنافها والأرقاء. (زوجا) أى اثنين أو صنفا. (ميرى أهلك) بكسر الميم من الميرة أى: أعطيهم ما يميرهم، أى يغنيهم ويكفيهم (كنت لك كأبى زرع لأم زرع) تطييب لنفسها وإيضاح لحسن معاشرته لها، وكان هنا للدوام أى: أنا معك كذلك فيما مضى وفيما يأتى، أو زائدة واعترض الأول بأنه لا حاجة إليه لأنه ﷺ أخبر عما مضى إلى وقت تكلمه بذلك وأبقى المستقبل إلى علمه تعالى، فأى حاجة مع ذلك إلى جعلها للدوام إذ هو خروج عن الظاهر من غير دليل ولا ضرورة، والثانى بأن الزائدة غير عاملة ولا يوصل بها الضمير الذى هو مبتدأ فى الأصل، وافهم قوله: «لك» أنه كأبى زرع فى النفع لا فى الضرر الذى هو (٢) الطلاق لا

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التزوج عليها لأنها لم تزدد معه إلا كمالا وعزا فالنفع باق معه كيف وقد حباها من العلم وكمال التربية ما فاقت به سائر أمهات المؤمنين إلا خديجة رضى الله عنها وزعم بعضهم محتجا بأنه مما أفيض بها عليه أنه أراد أنه لها كأبى زرع حتى فى المفارقة لأنه سيفارقها وتحرم من منافع دينية كانت تأخذها منه انتهى، وأنت فى هذا لا يرضى نسبته إليه إلا من عدم تمييزه من وراء التأمل على أن هذا الزاعم يجهل أن أمهات المؤمنين بعد وفاته ﷺ فى حكم الزوجات ولذا وجبت نفقتهن وحرم نكاحهن فلم يحصل لعائشة بالموت إلا فراق صورى وليس هو كفراق أبى زرع بوجه فلا يراد ذلك من قوله: «كأبى زرع لأم زرع» لا يخفى ذلك على أدنى متبصر وفى هذا الحديث من الفوائد منها: ندب حسن المعاشرة للأهل، وحل الإخبار عن الأمم الخالية، وحل السمر فى الخير لملاطفة زوجة، وأن المشبه لا يعطى حكم المشبه به من كل وجه، لأن أبا زرع طلق أم زرع، وهو لم يطلق عائشة، وأن كناية الطلاق لا يقع بها الطلاق، إلا بالنية، إذ المشبه به يحتمل حتى فى الطلاق ومع ذلك لم يؤثر، لأنه ﷺ لم ينوه به، وذكر لك المفيد ما مر، لا يمنع كون اللفظ محتملا حتى الطلاق، فيؤثر بنيته، خلافا لمن نازع فى ذلك بما يحذره، فيه أنه لم يحط بكلام الأئمة فى الطلاق وأن الغيبة إنما تكون فى معين والحكاية على غير معين مما يكرهه كما هنا لا غيبة فيها والمراد: عدم التعيين عند المتكلم والسامع، فإن كان معينا عند المتكلم دون السامع، فالذى رجحه القاضى عياض: أنه لا حرمة، ح وقضية مذهبنا خلافه، لأن أئمتنا صرحوا بحرمة الغيبة بالقلب، وبالضرورة، إن الغيبة بالقلب لا يطلع عليها أحد، فإذا حرمت به فأولى حرمتها باللسان ولو بحضرة من لا يعرف المغتاب، وقول القاضى نقلا عن غيره: لا يكون غيبة ما لم يسم صاحبها باسمه، أو ينبه عليها بما لا يفهم منه غيبة، رأى له، وهؤلاء النسوة مجهولات الأعيان على أن أزواجهن لم يثبت لهم إسلام، أو أنا لن نحرم غيبتهم لو تعينوا، فكيف مع الجهل؟ وح، ففى أخذ الأخير من الحديث نظر، لأن عائشة إنما ذكرت نساء مجهولات ذكرن عن مساوئ أزواج مجهولين ومثل ذلك لا يتوهم أنه غيبة. ***

стр. 360

٣٩ - باب: ما جاء فى صفة نوم رسول الله ﷺ ٢٤٤ - حدثنى محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء بن عازب رضى الله عنهما: «أنّ النبىّ ﷺ كان إذا أخذ مضجعه وضع كفّه اليمين تحت خدّه الأيمن وقال: ربّ قنى عذابك يوم تبعث عبادك». ــ (باب ما جاء فى نوم رسول الله ﷺ اعلم أنه ﷺ كان ينام أوائل الليل ويستيقظ عند نصف الليل الثانى فيستاك ثم يتوضأ ثم يصلى إلى أن يبقى من الليل نحو سدسه فيضطجع مع أهله فإن كان له حاجة إلى أهله ألم بهن وإلا حدثهن أو نام إلى قبيل الفجر فلم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من المحتاج إليه منه وكان ينام على شقه الأيمن ذاكرا الله حتى تغلبه عيناه غير ممتلئ البدن من الطعام والشراب، وكان ينام تارة على الفراش المحشو بالليف كما مر فى بابه وتارة على النطع وتارة على الحصير وتارة على الأرض. ٢٤٤ - (إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم محل الاضطجاع أى أراد النوم. (خده الأيمن) فيه دليل لندب التيمن فى النوم لأنه أسرع إلى الانتباه لعدم استقرار القلب ح لأنه معلق بالجانب الأيسر فيقلق ولا يستغرق فى النوم فيكون الاستراحة ح أبطأ للانتباه قالوا: والنوم عليه وإن كان أهنئ لكن إكثاره مضر بالقلب يسبب ميل الأعضاء إليه

стр. 361

٢٤٥ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعى بن حراش، عن حذيفة، قال: «كان النبىّ ﷺ إذا أوى إلى فراشه، قال: اللهمّ باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». ــ فينصب المواد، واعلم أن هذا التعليل، إنما هو بالنسبة إلينا دونه ﷺ ، فإنه لا ينام قلبه، فلا فرق فى حقه بين النوم على الشق الأيمن أو الأيسر، وإنما كان يؤثر الأيمن، لأنه كان يحب التيامن فى شأنه كله، ولتعليم أمته، وأراد فى النوم على الظهر بخلاف مجرد الاستلقاء عليه من غير نوم، واردا منه النوم منبطحا على الوجه، وروى ابن ماجه، «أنه ﷺ لما مر بمن هو كذلك فى المسجد، فضربه برجله، وقال: قم، أو اقعد، فإنها نومة جهنمية» (١). (قنى عذابك) ذكر ذلك مع عصمته تواضعا، وإجلالا له، وتعليما لأمته، إذ يندب لهم التأسى به فى الإتيان بذلك عند النوم، لاحتمال أن هذا آخر عمره، وليكون آخر أعمالهم ذكر الله، مع الاعتراف بالتقصير الموجب للعذاب. ٢٤٥ - (حراش) بالحاء المهملة. (باسمك) أى على ذكرى لاسمك مع اعتقادى لعظمة مدلوله، وتفرده بالألوهية والملك. (أموت وأحيا) أى يميتنى ويحيينى وقيل: الاسم هنا بمعنى المسمى، وقيل: الموت بمعنى النوم، لأنه مثله بجامع زوال العقل والحركة فى كل منهما، وأيضا فانتفاع الإنسان بالحياة إنما هو من حيث الفوز بالطاعة والبعد عن المعصية فمن لم ينتفع بها من هذه الحيثية كان كالميت ويدل لهذا القول قوله ﷺ الآتى: بعد ما أماتنا وقد يطلق على السكون، يقال: ماتت الريح إذا سكنت وعلى الجهل نحو قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (٢)، فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ اَلْمَوْتى (٣) وقد

стр. 362

٢٤٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل-أراه عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفيه، فنفث فيهما، وقرأ فيهما قل هو الله أحد، وقل أعوذ بربّ الفلق، وقل أعوذ بربّ النّاس، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يصنع ذلك ثلاث مرات». ــ يستعار للفقر والذل والسؤال والهرم ونحو ذلك (الحمد لله. . .) إلخ إنما حمد على الحياة بعد النوم لأنها من أهم النعم إذ بها يتميز الإنسان من الحيوان ويتأهل للمعارف والعبادات قال الله تعالى: وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرى أى نفس التمييز إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (وإليه النشور) الإحياء للبعث يوم القيامة نبه ﷺ على أنه ينبغى للإنسان أن يتذكر باليقظة بعد النوم البعث ووقوعه، وأن الأمر ليس غفلا بل لا بد من مرجع الخلق كلهم إلى تلك الدار التى هى دار الثواب والعقاب ليجزوا بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ومر أن حكمة الدعاء عند النوم وقوع الذكر خاتمة أمره وعلمه وحكمته: إذا أصبح افتتح نهاره، ووقوع أول أعماله بذكر التوحيد والكلم الطيب، تذكيرا له بأنه ينبغى له فى جميع يومه أن يكون مستحضرا لعظمة الله وجلاله، وأن لا ينطق إلا بكلام طيب خالص من الإثم وشوائبه. ٢٤٦ - (فضالة) بفتح الفاء. (فنفث فيهما) أى نفخ فيهما. (وقرأ) وفى رواية أخرى: «فقرأ» وبالأولى تبين أن الفاء فى الثانية، ليست لترتيب، بل بمعنى الواو، فلا فرق بين تقدم النفث على القراءة، وعكسه لكن يكون كل منهما متأخر عن جمع الكفين، وظاهر كلام بعضهم: أن الأولى تأخير النفث فيه على القراءة، وأنه حمل رواية الفاء، على أن المراد: فأراد أن ينفث فيهما قرأ فنفث، قيل: وكان اليهود يقرأون

стр. 363

٢٤٧ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس: «أنّ رسول الله ﷺ نام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام وصلّى ولم يتوضّأ». وفى الحديث قصة. ٢٤٨ - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: «أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه، قال: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافى له ولا مؤوى». ــ ولا ينفثون، فزاد عليهم ﷺ النفث مخالفة لهم. (يبدأ. . .) إلخ بيان لجملة. (يمسح) أو بدل منه. (يصنع ذلك) أى الجمع والنفث والقراءة. ٢٤٧ - (نفخ) أى بفمه. (فآذنه) أعلمه. (ولم يتوضأ) لأنه كان من خصائصه أن وضوءه لا ينتقض بالنوم مطلقا، لأن عينيه تنامان، ولا ينام قلبه، فلو خرج منه حدث لأحس به. (قصة) تأتى تقريبا. ٢٤٨ - (أطعمنا وسقانا) ذكرهما لأن الحياة لا تقم ولا تتم بدونهما، كالنوم، فالثلاثة من واد واحد، فكان ذكره مستدعيا لذكرهما، وأيضا النوم فرع الشبع والرى، وفراغ الخاطر عن المهمات، والأمن من الشرور. (وآوانا) بالمد بدليل قوله: (ولا مؤوى له) ويجوز فيه القصر، والأفصح فى اللازم القصر وفى المتعدى المد. (فكم) تعليل للإتيان بالحمد، وبيان سببه الحامل عليه، إذ لا تعرف النعم إلا بقيدها. (ممن لا كافى له ولا

стр. 364

٢٤٩ - حدثنا الحسين بن محمد الحريرى، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن بكر بن عبد الله المزنى، عن عبد الله بن رباح، عن أبى قتادة: «أنّ النّبىّ ﷺ كان إذا عرّس بليل اضطجع على شقّه الأيمن، وإذا عرّس قبيل الصّبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفّه». ــ مؤوى) أى لا راحم له ولا عاطف عليه، ولا يعرف كافية ولا مؤوية أو لا كافى له ولا مؤوى على الوجه الأكمل عادة، فلا ينافى أنه تعليل كاف لجميع لخلقه ومرويهم، ونظيره. ذلِكَ بِأَنَّ اَللهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ اَلْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١) أى لا ناصر لهم، وبتأمل هذا يتعين ازدياد الشكر على من كفاه الله المهمات، ودفع عنه الأذيات وهيأ له مأوى ومسكنا فكم من خلق لم يكف أشر الأشرار، وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوى، بل تركهم يهيمون فى البرارى؟ واستشكل كم هنا للتكثير، ومن هذا حاله قليل، بل نادر، ويرد: بمنع قلته، وعلى التنزل، فالتكثير يصدق بثلاثة فأكثر، ومنه قول الفرزدق: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علىّ عشارى ٢٤٩ - (الحريرى) بالمهملة المفتوحة، كذا قيل، وصوابه: بضم الجيم نسبة إلى جرير مصغرا. (عرس بليل) من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم، أو الاستراحة. (اضطجع على شقه الأيمن) أى وضع رأسه الشريف على لبنة كما فى رواية. (نصب. . .) إلخ حكمته تعليم أمته بذلك، لئلا يثقل بهم النوم، فتفوتهم صلاة الصبح أول وقتها، ويسن للمسافر تحرى ذلك، اقتداء به ﷺ ، وتحصيلا لفضيلة صلاة الصبح أول وقتها.

стр. 365

٤٠ - باب: ما جاء فى عبادة النبى ﷺ ــ (باب ما جاء فى عبادة رسول الله ﷺ عقّبه لنومه لأن عبادته ﷺ المقصودة هنا كانت تعقب نومه على أن نومه من أجل العبادات ولكلها والأصل فى ذلك قوله تعالى: وَاُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ أى: الموت سمى يقينا لأنه متيقن وفائدة الغاية الأمر بالدوام أى: اعبد ربك فى جميع أزمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظة الحياة من هذه العبادة ولو حذفت تلك الغاية لاكتفى بالخروج عن عهدة الأمر بأدنى درجات العبادة إذ الأمر لا يفيد التكرار ولا ينافيه على الأصح كما حرر فى الأصول، وروى البغوى وأبو نعيم: «ما أوحى إلىّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إلىّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». ورتب التسبيح وما بعده على ضيق الصدر لأن الاشتغال بها يكشف رين القلوب فيستحقر الدنيا فلا يحزن لفقدها ولا يفرح لحصولها وح تزول جميع الهموم والغموم، وقوله تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاِصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أى: واصبر على مشاق التكليف فى الإنذار والإبلاغ وغيرهما، وعدى اصطبر باللام دون على لأن العبادة جعلت بمنزلة القرآن فى قولك لمحارب: اصطبر لقرانك أى لما يورده عليك من مشاق شجاعته، واعلم أنهم اختلفوا هل كان ﷺ قبل متعبدا بشرع من قبله؟ فقال الجمهور: لا وإلا لنقل، ولما أمكن كتمه عادة، ولأنه يبعد أن يكون متبوعا من من عرف تابعا، قال إمام الحرمين بالوقف، وقال آخرون: نعم كان متعبدا بشرع، ثم أحجم بعضهم عن التعيين وجسر عليه بعضهم وعليه، فقيل: آدم، وقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى وقيل: عيسى، وقيل: جميع الشرائع، والقول بأنه كان على شريعة إبراهيم، وليس له شرع ينفرد به، بل القصد من بعثه إحياء لشرع إبراهيم لقوله تعالى: أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (١) سخف وحماقة، إذ المراد: الاتباع فى أصل التوحيد كما فى قوله تعالى: فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ (٢) وشرائعهم مختلفة، لا يمكن الجمع بينهما فلم يبق إلا ما أجمعوا عليه من التوحيد ومعنى متابعتهم فى التوحيد، المتابعة فى كيفية الدعوى إليه بطريق الرفق، وإيراد الدلائل المرة بعد الأخرى على ما هو المألوف

стр. 366

٢٥٠ - حدثنا قتيبة بن سعيد، وبشر بن معاذ، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن زياد ابن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، قال: «صلّى رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه. فقيل له: أتتكلّف هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا». ــ فى القرآن، قال شيخ الإسلام السراج البلقينى فى شرح البخارى: ولم يجئ فى الأحاديث التى وقفنا عليها كيف كان تعبده؟ لكن روى ابن إسحاق وغيره. «أنه ﷺ كان يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا يتنسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاوزته، لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وقيل: عبادته الفكر. ٢٥٠ - (علاقة) بكسر أوله وغلط من قال بفتحه وبالقاف. (عن المغيرة) خرجه الشيخان عن عائشة أيضا بلفظ «قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه-وفى رواية: تفطرت-فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا» (١) قال: فلما بدن وكثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع» (٢). (حتى انتفخت قدماه) أى اجتهد فى الصلاة حتى حصل له ذلك. (أتتكلف هذا؟) أى أتلزم نفسك هذه الكلفة والمشقة التى لا تطاق؟ (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أتوا به على طبق ما فى الآية وح يأتى فيه ما قدمته فيها فى

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ باب خاتم النبوة. (أفلا) الفاء للسببية عن محذوف أى: أترك الكلفة نظرا إلى عمدة المغفرة «أفلا أكون عبدا شكورا» لا بل ألزمها وإن غفر لى لأكون عبدا شكورا فالمعنى أن المغفرة سبب لكون ذلك التكليف شكرا فكيف أتركه؟ بل أفعله لأكون مبالغا فى الشكر بحسب الإمكان البشرى لحظر تلك النعمة العظيمة ومن ثمة أتى بلفظ العبودية لأنها أخص أوصافه ولذا ذكرها الله فى أعلى المقامات وأفضل الأحوال إذ هى تقتضى صحة النسبة المستلزمة للقيام على الخدمة وهو الشكر إذ العبد لحظ كونه عبدا، أو أن مالكه مع ذلك أنعم عليه بما لم يكن فى حسابه علم تأكد وجوب الشكر والمبالغة فيه عليه ولحيازة سائر أنواع الشرف وما قررته، ومعنى «أفلا»: واضح جلى وإن زعم زاعم أنه متكلف وأن التقدير الأولى إذا أنعم علىّ بالإنعام الواسع «أفلا أكون عبدا شكورا» أى: يصير هذا الإنعام سببا لخروجى عن دائرة المبالغين فى الشكر، والاستفهام للإنكار سببه مثل هذا الإنعام لعدم كونه عبدا شكورا. انتهى. وأنت خبير بأن هذا هو الذى فيه التكلف ويصح أن يكون التقدير أيضا: غفر لى ما تقدم وما تأخر لعلمه بأن أكون مبالغا فى عبادته فأكون عبدا شكورا أفلا أكون كذلك؟ وهذا أقرب من الأول وقد ظن من سأله عن سبب تحمله للمشقة فى العبادة أن سببها إما خوف الذنب أو رجاء المغفرة فأفادهم أن لها سببا آخر أتم وأكمل، هو الشكر على التأهل لها مع المغفرة، وأجر النعمة، ونفى الشكر نفى الاعتراف بالنعمة، والقيام فى الخدمة ببذل المجهود، فمن أدام ذلك كان شكورا، وقليل ما هم، ومن ثم قال تعالى. وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ اَلشَّكُورُ (١) ولم يفز بكمال هذه المرتبة غير نبينا ﷺ ثم سائر الأنبياء، وإنما ألزموا أنفسهم بذلك من الجد فى العبادة وعظيم الخشية لعلمهم بعظيم نعمة ربهم عليهم ابتدأهم بها منه وفضلا من غير سابقة توجب استحقاقها أداء لبعض الشكر وإلا فحقوقه تعالى أعظم من أن يقوم بها أحد من خلقه، وفى هذه الأحاديث ينبغى تشمير ساق الجد فى العبادة، وإن أدى إلى كلفة، لأنه ﷺ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له فكيف ممن لم يعلم ذلك فضلا عمن لا يأمن النار؟ نعم محل ذلك؛ إن لم يفض إلى الإملال، وإلا فالأخذ بما لا يفضى إليه أولى للخبر الصحيح «عليكم من الأعمال ما تطيقونه، فإن الله لا يمل حتى تملوا» (٢)،

стр. 368

٢٥١ - حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يصلّى حتّى ترم قدماه. قال: فقيل له: تفعل هذا، وقد جاءك أنّ الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا». ٢٥٢ - حدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن الرملى، حدثنا عمى يحيى بن عيسى الرملى، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يقوم من الليل حتّى تنتفخ قدماه. فيقال له: تفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا». ٢٥٣ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبى ــ ولا ينبغى التأسى ح، لأنه ﷺ منزّه عن الملل، لما أن حاله أكمل الأحوال سيما وقد جعلت قرة عينه فى الصلاة كما أخرجه النسائى وغيره. ٢٥١ - (تفعل هذا) أى أتفعله كما فى نسخة. ٢٥٣ - (أول الليل) أى من بعد صلاة العشاء إلى تمام نصفه الأول. (ثم يقوم) ثم

стр. 369

إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عائشة رضى الله عنها عن صلاة رسول الله ﷺ ، بالليل، فقالت: «كان ينام أوّل الليل، ثمّ يقوم، فإذا كان من السّحر أوتر، ثمّ أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ألمّ بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنبا أفاض عليه من الماء، وإلا توضّأ وخرج إلى الصّلاة». ــ يقوم السدس الرابع والخامس للتهجد. (فإن كان من السّحر) أى قريبا منه كذا قيل، ولا يصح، لأن حقيقة السحر آخر الليل، والسدس الأخير منه، وبهذا اندفع ما قيل كأنه جعل القلب الأخير كله سحرا ووجه اندفاعه أمر قيامه انتهى إلى السدس السادس، وهو من السحر كما تقرر، وأى شىء أفضى له، أنه جعل الثلث الأخير كله سحر. (أوتر) أى صلى ركعة من الوتر. (ثم أتى فراشه) للنوم فإنه سنة فى السدس السادس ليقوى به على صلاة الصبح وما بعدها من وظائف العبادات. (حاجة) أى مباشرة أهله. (ألم بأهله) أى قرب منهم لذلك. (وثب) أى قام بنهضة وسرعة، وفيه أن الأكمل فى القيام قيامه ﷺ ، وقد صرح ﷺ بأن أفضل القيام: قيام داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، فينبغى تحرى ذلك، والعمل به، وأن الأولى تأخير الجماع عن ابتداء النوم، ليكون على طهارة، فإنه ينبغى الاهتمام للعبادة وعدم التكاسل عنها بالنوم، والقيام إليها بنشاط، وفيه غير ذلك مما يأتى بعضه، وعن عائشة أيضا: «ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط، فدخل بيتى إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات» (١) رواه أبو داود، وأيضا: «كان يقوم إذا سمع الصارخ» (٢) أى وهو يصرخ فى النصف الثانى، وأيضا: «كان ينام أول الليل، ويقوم آخره، فيصلى فيرجع إلى فراشه، فإذا أذن المؤذن وثب، فإذا كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ» رواهما الشيخان، وأيضا: «ربما اغتسل فى أول الليل، وربما اغتسل فى آخره، وربما أوتر فى أول الليل، وربما أوتر فى آخره، وربما جهر بالقراءة، وربما خفض» وعن أم سلمة: «كان يصلى بنا ثم ينام قدر ما يصلى

стр. 370

٢٥٤ - حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس: (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن، عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، أنه أخبره: «أنّه بات عند ميمونة «وهى خالته» قال: فاضطجعت فى عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ فى طولها، فنام رسول الله ﷺ حتّى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، فاستيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النّوم عن وجهه، ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثمّ قام إلى شنّ معلّق فتوضّأ منها فأحسن الوضوء، ثمّ قام يصلّى. قال عبد الله بن عباس: فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسى ثمّ أخذ بأذنى اليمنى ففتلها، فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين- قال: من ستّ مرات-ثمّ اضطجع. ثمّ جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصّبح». ــ ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح» رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى وفى رواية النسائى: «كان يصلى العتمة ثم يصلى بعدها ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلى مثل ما نام وصلاته تلك الأخرى تكون إلى الصبح». (توضأ) قيل: تجديدا لأن نومه لا ينقض (١) الوضوء. انتهى، والجزم بهذا تساهل، بل يحتمل ذلك، وأنه حصل له شىء آخر فتوضا منه (٢).

стр. 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنها لما جاءته خطبته وهى على بعيرها قالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، وجعلت أمرها للعباس فأنكحها النبى ﷺ وهو محرم، فلما رجع بنى بها بسرف حلالا وعند مسلم: «أنه تزوجها حلالا» (١) فرواية: «وهو محرم» (٢) محمولة على أن المعنى وهو داخل الحرم على أن من خصوصياته أن له النكاح وهو محرم، وماتت بسرف المحل الذى تزوجها فيه، على عشرة أميال من مكة سنة إحدى وخمسين، وقيل: ست وستين، وقيل: ثلاث وستين، وصلى عليها ابن عباس ودخل قبرها. (وهى خالته) فهو محرم لها. (عرض) بفتح العين على أنه الأفصح الأشهر، وفى رواية: «بضمها» أى جانبها. (الوسادة) المعروفة تحت الرأس وقيل: هى هنا الفراش لقوله: «واضطجع فى طولها» (٣) ورد: بأنه ضعيف أو باطل، ففى رواية مسلم «فاضطجع رسول الله ﷺ وأهله فى طولها» (٤) وبهذا يندفع ما قيل: كأنه نام تحت رجليه تأدبا وتبركا، وفيه دليل لحل نوم الرجل وأهله من غير مباشرة بحضرة رحم لها مميز، وفى رواية: «أنها كانت حائضا» (٥) قال القاضى: وهذه اللفظة، وإن لم تصح فهى حسنة جدا، إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت فى ليلة للنبى ﷺ فيها حاجة إلى أهله للعلم بالتبرك مع حضوره، سيما وهو فى تلك الليلة مراقبا لأفعاله، إذ لم ينم أو نام قليلا جدا. (واضطجع رسول الله ﷺ فى طولها) أى هو وزوجته ميمونة كما مر من قبل، وقد جرى على عادته السنية من نومه مع أزواجه ومواظبته على ذلك، مع مواظبته على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام وتركها، فيجمع بين وظيفتى القيام وأداء حقها وحسن المعاشرة معها، إذ النوم معها فى فراش واحد فيه غاية الإيناس والملاطفة بها، ومن ثمة: واظب عليه ﷺ ، وتأكد التأسى به سيما إن حرصت عليه، واعتزالها فى النوم عادة الأعاجم والمتكبرين، والاقتداء بهم فيه قبيح مذموم. (فنام) رواية الصحيحين: «فتحدث

стр. 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مع أهله ساعة ثم رقد». (أو قبله بقليل أو بعده بقليل) الظاهر أن الشك من ابن عباس، ورواية الشيخين «فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه قعد ينظر إلى السماء فقرأ». (يمسح النوم) أى أثره بما يعترى الوجه من الفتور ونحوه، وفيه ندب ذلك، لأنه به يزول الكسل ويقوى النشاط للعبادة. (ثم قرأ العشر آيات) فيه حل القراءة للمحدث حدثا أصغر وهو إجماعا، بل ندبها له، وفيه أيضا ندب مخصوص هذه الآيات عقب الاستيقاظ. (من سورة آل عمران) فيه حل قول ذلك، وكراهة بعض السلف له لا أصل لها. (شن) هو القربة الخلقة. (معلق) لتبريد الماء وحفظه وذكّره هنا وأنثه فى متنها على ما فى أكثر النسخ باعتبار لفظه فى الأولى ومعناه فى الثانى. (فتوضأ) رواية الشيخين: «وأطلق شناقها ثم صب فى الجفنة ثم توضأ»، وفى رواية النسائى: «فتوضأ واستاك، وهو يقرأ هذه الآيات حتى فرغ منها إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ. . .، ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام، فتوضأ واستاك وصلى ركعتين، وأوتر بثلاث، وسلم فاستيقظ، واستاك، وتوضأ، وهو يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ. . . حتى ختم السورة، فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، وانصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ، ويقول: هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث» ولا تنافى بين هذه الروايات، لأن فى بعضها زيادة فيعمل بها، وإن سكت الرواة عنها، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وليست الواقعة متعددة حتى يحمل الاختلاف عليها، وإنما هى واحدة، فوجب عند عدم التعارض الأخذ بالزيادة وعند العمل بالأصح من تلك الرواية، وهى رواية الشيخين ثم أخذهما. (فأحسن الوضوء) سبغه وأكمله وهو معنى رواية: «وضوءا حسنا بين الوضوئين لم يكثر وقد أبلغ» أى: فلم يكثر صب الماء، وقد أبلغ الوضوء ما أمكنه أى أسبغه. (فقمت إلى جفنة) رواية الشيخين: «فقمت وتوضأت فقمت عن يساره». (على رأسى) وضعها به أولا: ليتمكن من مسك الأذن، أولاتها لم تقع إلا عليه، أو لتترك بركتها به، ليعى جميع أفعاله فى ذلك المجلس وغيره. (ففتلها) رواية الشيخين: «فأخذ بأذنى فأدارنى عن يمينه» وفتلها، إما لينهه عن مخالفته للسنة، أو ليزداد تيقظه لحفظ تلك الأفعال، أو ليزيل ما عنده من النعاس لرواية: «فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمة أذنى ست مرات». (ثم أوتر) رواية

стр. 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشيخين: «فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة». (ثم اضطجع حتى جاء المؤذن) رواية الشيخين: «ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ»، ووتره آخر الليل هو الأغلب، وإلا فقد رويا هما وغيرهما عن عائشة: «أوتر من كل الليل، من أوله وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى السحر» والمراد بأوله: بعد صلاة العشاء، واختلاف هذه الروايات، لعله لاختلاف الأحوال والأعذار، فإيتاره أوله، لعله كان لمرض وأوسطه لعله لسفر، وفى الحديث فوائد كثيرة منها: أنه يسن للمأموم الواحد الوقوف عن يمين الإمام، والتحول إذا وقف عن يساره فإن لم يتحول حوله الإمام ندبا، وكذا يندب له حيث ارتكب المأموم خلاف السنة فى صلاته إرشاده إلى السنة بما يمكنه من فعل وغيره، وأن الفعل القليل لا يؤثر، بل قد يكون سنة كما علمت، وأن الصبى كالبالغ جماعة وموقفا وغيرهما، وصحة النافلة فى الجماعة، وندب السلام من كل ركعتين فى الوتر وغيره [من بقيته] (١) وأفضلية الوتر من بقيته، وصح الوصل فيه من فعله أيضا، لكن الأول أكثر وأصح فقدم، وندب إتيان المؤذن إلى الإمام، ليخرج إلى الصلاة، وتخفيف سنة الصبح، وصح «أنه ﷺ أمر بالاضطجاع بينها وبين الصبح» قيل: وإن الإيتار بثلاث عشر ركعة أكمل، ويرد: بأن أكثر الروايات الاقتصار على إحدى عشرة ورواية: «ثلاث عشرة» واقعة حال فعليه يحتمل أنه حسب منها ركعتى مقدما الوتر، إن صح أنه ﷺ كان يفتتحه بركعتين، وزعم أن هذا تأويل ضعيف، ليس فى محله، كيف وفى رواية عن ابن عباس: «فصلى ركعتين خفيفتين، قلت: قرأ فيهما بأم القرآن فى كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر؟ وفى أخرى عنه: «فصلى ﷺ ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتى الفجر حررت قيامه فى كل ركعة بقدر يا أيها المزمل»، وفى أخرى للنسائى: «أنه ﷺ صلى إحدى عشر ركعة بالوتر» أن بعض الحنابلة قال: إذا اختلف ابن عباس وعائشة فى شىء من أمر قيامه بالليل، فالقول قول عائشة، لأنها أعلم الخلق بقيامه بالليل انتهى، ورواية: «خمس عشرة» حسب مع هاتين سنة قيام العشاء، ورواية: «سبع عشرة» حسب مع هؤلاء سنة الفجر، وكان ربما صلى تسعا، أو سبعا، وأن الأولى فى النافلة التى لا تندب فيها الجماعة أن تكون فى البيت، سواء فى ذلك أهل المدينة ومكة وغيرهم، إذ هى فيه

стр. 374

٢٥٥ - حدثنا أبو كريب: محمد بن العلاء، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبى جمرة، عن ابن عباس قال: «كان النّبىّ ﷺ يصلّى من الليل ثلاث عشرة ركعة». ٢٥٦ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة: «أنّ النّبىّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل؛ منعه من ذلك النّوم، أو غلبته عيناه، صلّى من النّهار ثنتى عشرة ركعة». ــ أفضل منها فى غيره حتى فى الكعبة. (خفيفتين) هما (١) سنة الصبح، قيل: وفيه دليل على جواز تخفيفها، وهو خير من الإلمام فى الفقه أصلا فالصواب على ندب تخفيفها» (٢).

стр. 375

٢٥٧ - حدثنا محمد بن العلاء، أنبأنا أبو أسامة، عن هشام-يعنى ابن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﷺ ، قال: «إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين». ــ القضاء، لأنه لا بد فيه من حكاية المقضى بل على جهة التعبد لله بعبادة يعادل ثوابها ثواب ما فاته أو يقرب منه وأثر الشفع لما تقرر أنها نفل مطلق، والأفضل فيه أن يكون شفعا للحديث الصحيح «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (١) وفى الحديث دليل على ندب قضاء النافلة فى أحاديث أخر توقيت القضاء بما بين الفجر والزوال، وهو بيان لوقته الأفضل. (منه) جملة مستأنفة لبيان ما قبلها، أو جواب عن سؤال مقدر فكأنه قيل: ما منعه من ذلك؟ قال منعه. . . إلخ. (أو) يحتمل أنها للشك وللتقسيم ومنع النوم قوة الرغبة فيه مع إمكان منعه. (وغلبته) العين أن لا يستطاع دفعه أو العكس وفيه دليل على ندب قضاء النافلة كما تقرر على أن صلاة الليل ثنتى عشرة ركعة خلافا لمن زعمه لأن الثابت عنه ﷺ أنها إحدى عشر ركعة أو ثلاث عشرة ركعة وأما وقوع اثنتى عشرة فى القضاء لا يدل إلا على أن القضاء لا يجب إلا أن يحاكى الأداء وهذه مسألة أخرى قيل ولم يرد فى شىء من الأخبار أنه قضى الوتر أو أمر بقضائه انتهى وهو وإن سلم وإلا فقد ورد ما يدل عليه وهو قضاء إحدى عشرة لا يقتضى منع قضائه لثبوته من دليل آخر وهو قياسه على ركعتى الفجر فإنه ﷺ قضاها فى قصة الوادى بل فى خبر ابن خزيمة فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة وحمله على الفجر الأول بعيد. ٢٥٧ - (عن أبى هريرة) رواه أحمد ومسلم عن عائشة أيضا. (فليفتتح) إلخ فيه دليل لندب هاتين الركعتين، وأنهما مقدمة لصلاة الوتر، ليدخل فيه بعد مزيد يقظة وتأمل، وكما ندب قيام السنة القبلية على الفرض لنحو ذلك، فكذا ندب هنا بذلك لتأكد الوتر، حتى اختلف فى وجوبه، فالقول بأنهما شكر للوضوء، والتهجد إنما هو اسم للصلاة

стр. 376

٢٥٨ - حدثنا قتيبة بن سعيد؛ عن مالك بن أنس. (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن عبد الله بن أبى بكر، عن أبيه، أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره، عن زيد بن خالد الجهنى، أنه قال: «لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ . قال: فتوسّدت عتبته، أو فسطاطه-فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ صلّى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة». ــ بعد النوم، فبينه وبين الوتر عموم وخصوص من وجه لاجتماعهما فى صلاة بعد النوم بنية الوتر، وانفرد الوتر بصلاة قبله بنيته، والتهجد بصلاة بعده بنية التهجد. ٢٥٨ - (عن زيد) إلخ رواه عنه أيضا مالك، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم، واتفق هؤلاء على أن قوله: «ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبله» (١) يكرر أربع مرات. (لأرمقن) الرمق: النظر للشىء شرزا نظر المعد، وأريد به هنا الكناية عن حدة النظر، ومزيد التأمل، فيه عدل للمضارع استحضارا لتلك الحالة، فيزداد تقررهما فى ذهن السامع، ومن ثم أكد باللام والنون. (أو) للشك. (فسطاطه) أى عتبه فسطاطه، وهى الخيمة العظيمة، والظاهر الثانى، وأن رموق زيد لا يتصور فى الحضر لأنه ﷺ يكون عند نسائه. (خفيفتين) هما مقدمة الوتر. (طويلتين. . .) إلخ قيل: كون تكرار الوصف يفيد المبالغة فيه ليس أمرا لغويا انتهى، ويرد: بأن هذا يفيد أنه لغوى، وحكمة ذلك: أن أول الدخول فى الصلاة يكون النشاط أقوى، والخشوع أتم، فسن التطويل لوجود

стр. 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مقتضيه، ومن ثم يسن فى الفرض تطويل الركعة الأولى على الثانية وأما بعد الأولى فينتقض كل من ذينك فسن التخفيف ح، ويدرج فى التخفيف بعد الست مع جعله لهن غطاء واحدا إشارة لما قلناه من توفر كل من ذينك فى الأوائل فكانت الست جميعها بمنزلة الأولى من الفريضة ثم وقع التدريج مطابقا لنقض ذلك فإنه إنما يقع على التدريج أيضا، ومن ثم كانت الثانية من الرباعية أطوال من الأخيرة وأقصر من الأولى. (ثلاث عشرة ركعة) مر الجواب عنه فلا دليل عليه خلافا لمن زعمه للوجه الضعيف عند الشافعية: أن أكثر الوتر كذلك ومما يؤيده أن المعتمد قول عائشة: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة» (١) ثم ما رواه المصنف عنها من طريق أبى سلمة وعروة والأسود رواه غيره أيضا وزيادة، فلمسلم عن سعيد بن هشام عنها «كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله متى شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلى تسع ركعات ولا يجلس فيهما إلا فى الثانية فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم فيصلى التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ثم يصلى ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع فى الركعتين مثل ما صنعه فى الأولى فتلك تسع» (٢) وفعله هاتين الركعتين قيل إن الأمر يجعل آخر صلاة الليل وترا للندب لا للوجوب زاد النسائى بعد ويحمد «ويصلى على نبيه» وفى رواية له «يصلى ست ركعات يخيل إلى أنه سوى بينهن فى القراءة والركوع والسجود ثم يوتر بركعة ثم يصلى ركعتين وهو جالس» (٣) ولأبى داود «كان ﷺ يصلى فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية. . . الحديث» (٤) وللبخارى عن مسروق «أنه سألها عن صلاته ﷺ فقالت: سبعا وتسعا وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتى الفجر» (٥) وعن القاسم عنها: «كان ﷺ

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة من الوتر وركعتى الفجر» (١) قال القرطبى: أشكل حديثها على كثير حتى ينسب للاضطراب، وربما يتم ذلك لو اتحد الراوى عنها والوقت، والصواب: أن ما ذكرته محمول على أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز انتهى، فكان تارة يصلى سبعا وتارة إحدى عشرة وهو الغالب، وكان تارة يصلى فيصلى الجميع بسلام واحد وتارة يصلى فيسلم من كل ركعتين، وهو الغالب أيضا وحكمة الاقتصار على إحدى عشرة أنها الباقية من جملة الفرائض بعد إسقاط العشاء والصبح لاكتنافهما صلاة الليل فناسب أن يحاكى ما عداهما جملة وتفصيلا، وعلم مما تقرر وغيره أن صلاته ﷺ بالليل كانت أنواعا ستا مفصولة ثم يوتر بثلاث، مسلم عن ابن عباس: «إحدى عشرة مفصولة وقبلها ركعتان خفيفتان» (٢) الشيخان عن عائشة «ثلاث عشرة» (٣) كذلك مسلم وغيره عن زيد «ثمانيا مفصولة وخمسا موصولة لا يجلس إلا فى آخرهن» (٤) الشيخان عن ابن عباس «تسعا موصولة بتشهدين فى الأخيرتين ثم ركعتين جالسا سبعا كالشفع ثم ثنتين جالسا» (٥) مسلم عن عائشة «ثنتين ثم يوتر بثلاث موصولة» (٦) أحمد عنها «أربعا يطيل فيهن حتى جاء بلال آذنه بالغداة» (٧) النسائى عن حذيفة، وسيأتى عند المصنف، وسيعلم مما يأتى أنه تارة كان يصلى قائما، وهو الأغلب وتارة جالسا ثم قبل الركوع يقوم، وبما تقرر علم أن صلاة الوتر موصولة ومفصولة ثلاثا وأقل وأكثر، وقال أبو حنيفة ﵀ يتعين بثلاث موصولة، واحتج له بأن الصحابة أجمعوا على أن هذا أحسن واختلفوا فيما زاد ونقص وأخذ بالمجمع عليه وترك، ورد: بأن سليمان بن يسار كره الثلاث الموصولة فى الوتر ويؤيده الخبر الصحيح «لا توتروا بثلاث فتشبهوا بصلاة المغرب» (٨) فكيف مع ذلك يقال أجمعوا على حسنه، وإن سلمنا

стр. 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحسنه لأنه فعله كما رواه الحاكم وغيره فهو لا يقتضى بطلان غيره كيف وقد روى الطحاوى بسند قوى «أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة» (١) وهو يرد على من زعم أن كل ما ورد من الثلاث محمول على الوصل، ومر عن عائشة كما فى الصحيحين «أنه ﷺ كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتم ورده إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بركعة» (٢) وهذا نص فى محل النزاع، وفى رد قول الطحاوى يحمل هذا ومثله على أن الركعة مضمومة للركعتين قبلها للنهى عن الثنتين. انتهى، ولا حجة له فى النهى عنها، لأن حقيقتها أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شىء، ونحن نقول بكراهة الاقتصار عليها قيل: ويدل لأفضلية الفصل أنه ﷺ فعله، وأمر به بخلاف الوصل، فإنه فعله فقط، وقولها فى رمضان قد يعارضه رواية مسلم عنها «كان يجتهد فى رمضان ما لا يجتهد فى غيره وفى العشر الأواخر منه ما لا يجتهد فى غيره» (٣) ويجاب: بأن المراد نفى الزيادة على عدد تلك الصلاة دون غيرها من سائر أنواع الطاعات ومن ثم كان يطيل القراءة فى قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، لأن صلاة حذيفة الآتى حديثها كانت فى رمضان كما أخرجه أحمد والنسائى بلفظ: «أنه صلى معه ليلة فى رمضان قال: فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل قال: فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة» ورواه الشيخان: «أنه ﷺ خرج من جوف الليل فصلى فى المسجد فصلى رجال بصلاته فتحدث الناس بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج فى الثانية فصلوا رجال بصلاته فتحدثوا بذلك فكثروا من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كان فى الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى الفجر أقبل عليهم ثم تشهد فقال: أما بعد، فإنه لم يخف على شأنكم الليلة ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» (٤) وفى رواية

стр. 380

٢٥٩ - حدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره، أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ فى رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله ﷺ ليزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، ويصلّى أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّى أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّى ثلاثا. ــ لها «وذلك فى رمضان» (١) وتوقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها بما أوحى إليه إن واظبت عليها معهم افترضها عليهم فأحب التخفيف عنهم أو خشى أن يظن أحد من مداومته عليها الوجوب، وإنما خشى مع أمنه من التبديل لقوله تعالى ليلة الإسراء كما يأتى فى «مبعثه هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدى» (٢) لأنه يحتمل أن المخوف افتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد فى المسجد جماعة شرطا فى صحة التنفل بالليل ويومئ إليه رواية: «قد خشيت أن تكتب عليكم، ولو كتبه عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس فى بيوتكم» (٣) أو المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية وفرض الكفاية غير زائد على الخمس، لأنه ليس من جنسها، ولذا قال بذلك جمع فى العيد ونحوها، أو المخوف افتراض قيام رمضان خاصة لرواية «خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر» (٤)، وقيامه لا يتكرر كل يوم فى السنة فليس بزائد على الخمس. ٢٥٩ - (لا تسأل. . .) إلخ أى: لأنهن من كمال الطول والحسن فى غاية ظاهرة مغنية عن السؤال وفيه، دليل الأفضلية تطويل القيام على تكثير الركوع والسجود ويدل عليه

стр. 381

قالت عائشة: قلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة، إنّ عينىّ تنامان ولا ينام قلبى». ــ خبر «أفضل الصلاة طول القنوت» (١) أى القيام، وقيل: الأفضل تكثير الركوع والسجود لخبر «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (٢) ويجاب: بأن الأول صريح فى الأفضلية، بخلاف الثانى لاحتمال أن الأقربية فيه بالنسبة للركوع؛ بل يتعين حمله على ذلك جمعا بينه وبين «أفضل الصلاة طول القنوت» (٣) والحاصل: أن هذا لا يمكن رده لذلك بخلاف العكس، وقيل: تطويل القيام ليلا أفضل، وتكثير الركوع والسجود نهارا أفضل. (قالت عائشة. . .) إلخ رواه البخارى عنها أيضا. (أتنام. . .) إلخ إنما سألت عن ذلك، لأنها ظنت أنه يريد الاقتصار على الأربعة الأولى، فإن قضيته ثمّ أنه فصل بينها وبين ما بعدها. (فقال. . .) إلخ: أى إنما فعلت ذلك لأنى أخشى فوت الوتر (٤)، ومن لا يخشى ليس (٥) له تأخير كما فى غير هذا الحديث أيضا ولا يرد عليه يوم الوادى لما فيه والحاصل: أنه ﷺ لأجل ما خصه الله به من هذه الخصوصية كان واثقا بقيامه وإن نام وإن نومه فى الوادى جاء على خلاف الوثوق للحكمة الآتية. (ولا ينام قلبى) هو من خصائص الأنبياء لحياة قلوبهم واستغراقها فى شهود جلال الحق وجماله ومر أن وضوئه ﷺ لا ينتقض بالنوم لذلك، لأن القلب يقظان فيحس بالحدث وإنما فاتته الصبح فى قصة الوادى، لأن رؤية الفجر من وظائف البصر وقد علمت أنه ينام وأما الجواب بأنه كان له حال ينام فيه قلبه لكنه نادر فصادف يوم الوادى فضعيف بل شاذ لمخالفته تصريح ولا ينام قلبى الشامل لسائر الحالات، إذ الفعل المنفى يفيد العموم، ولا يلزم من استيقاظه إدراكه لذلك الزمن الذى هو من قبل طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس لما مر آنفا؛ أن ذلك من وظائف البصر ولاحتمال أن قلبه إذ ذاك كان مستغرقا بالوحى واستغراقه به لا يستلزم وصفه، فقد كان يستغرق به فى اليقظة أيضا وحكمة ذلك بيان

стр. 382

٢٦٠ - حدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: «أنّ رسول الله ﷺ كان يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقّه الأيمن». ــ التشريع بالفعل، إذ هو واقع كما فى سهوه بالصلاة، ومن ثمة قال ابن المنير: القلب يسهو يقظة لمصلحة التشريع فكذا نوما، وقال ابن العربى: إنه يقبل بقلبه على الله فى نومه كيقظته، ولذلك قالت الصحابة: «كان إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ لأنا لا ندرى ما هو فيه» (١) فلم يكن ذلك عن آفة بل بالتصرف من حال إلى مثله ليكون سنة، وزعم بعضهم: أن معنى «ولا ينام قلبى» لا يستغرقه النوم حتى لا يحس بالحدث، وهو تخصيص للنفى العام من غير دليل، كيف والحديث خرج جوابا لقول عائشة المذكور، وهو يبطل هذا الزعم، ولا ينافى استيقاظه قول بلال كما فى مسلم «أخذ بنفسى الذى أخذ بنفسك» وأقره مع أن نومه كان مستغرقا فيقتضى أن نومه ﷺ كان كذلك، وذلك لأن مراده التشبيه من حيث مطلق النوم لما هو مقرر عندهم: من أن قلبه الشريف كان لا ينام، ومن ثمة كانوا لا يوقظونه كما علمت، وبالغ بعضهم فى الشذوذ فقال: كان قلبه يقظانا، وعلم بخروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك لمصلحة التشريع. ٢٦٠ - (عن عائشة. . .) إلخ مر أنه فى الصحيحين. (يوتر منها بواحدة) صريح فى أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة المفردة صلاة صحيحة، ودعوى تأويل الحديث أو نسخه، لا دليل عليها ومر لذلك بقية. (على شقه الأيمن) مر ندبه وحكمته.

стр. 383

٢٦١ - حدثنا هنّاد، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلى من الليل تسع ركعات». ٢٦٢ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن أبى حمزة-عن رجل من الأنصار-عن رجل من بنى عبس، عن حذيفة بن اليمان أنه: «صلّى مع رسول الله ﷺ قال: فلمّا دخل فى الصّلاة قال: الله أكبر ذو الملكوت والكبرياء والعظمة. ــ ٢٦٢ - (عن رجل) عيّنه بعض الأئمة ووثقه. (عن حذيفة) رواه عنه أيضا الشيخان، وأبو داود، والنسائى مع مخالفة فى بعضه، وسأنبه على بعض ذلك. (فلما دخل فى الصلاة) أى أراد الدخول فيها. (الله أكبر) أى من كل شىء كما درجوا عليه قيل: والمراد: من كل شىء يعرف كنهه فيرد تنزيهه من معرفة كنهه وقيل المراد: من كل شىء يتعقل أن يكون ربا والمقصود أن لا يجعل على طبق من علمنا بل يجعل فوق كل ما تطيقه عقولنا وقيل: أكبر معناه: المتناهى فى الكبر أى العظيم فليس أفعل تفضيل لأنه تعالى أجل من أن يفضل على غيره، ولهذا لم يستعمل استعمال اسم التفضيل، وقيل: أكبر بمعنى: كبير، وزاد أبو داود: «ثلاثا»، ومنه يؤخذ ندب ذلك، وإن لم يذكروه فيما

стр. 384

قال: ثمّ قرأ البقرة، ثمّ ركع، فكان ركوعه نحوا من قيامه. وكان يقول: سبحان ربى العظيم، سبحان ربى العظيم، ثمّ رفع رأسه، وكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: لربّى الحمد، لربّى الحمد. ثمّ سجد فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربى الأعلى، سبحان ربى الأعلى، ثمّ رفع رأسه، فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود. وكان يقول: ربّ اغفر لى، ربّ اغفر لى. حتّى قرأ البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة». شعبة هو الذى شك فى المائدة والأنعام. ــ علمت، ومحل كراهة تكرير الركن القولى ما لم يرد تكريره، وروى البخارى عن ابن عمر «رأيت النبى ﷺ يفتتح التكبير فى الصلاة» (١) وفى رواية: «إنه كان ليفتتح الصلاة بالتكبير» (٢)، وصح «كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر» (٣)، وصح «تحريمها بالتكبير، وتحليلها بالتسليم» (٤) وهذه صرائح فى تعيين لفظ: الله أكبر، وهو مذهب الشافعى والجمهور، ولم يختلف أحد فى وجوب النية فى الصلاة، بل فى وجوب مقارنتها للتكبير، وفى لفظ ندب التلفظ بها قبيله، ولابن القيم هنا تشنيعات على القائلين بالندب، ليست فى محلها كما بينته فى شرح العباب، كيف وقد صح «أنه ﷺ قال: لبيك حجا وعمرة» (٥) وفى رواية للبخارى: «وقل: عمرة فى حجة» (٦) فقد تلفظ ﷺ بالنية، والصلاة مقيسة على الحج؟ بل الأولى، لأنه علمه التلفظ بذلك، لأنه أعون على استحضار القلب، ووسيلة المندوب مندوبة، ودعوى الفرق بين الحج والصلاة، لا يلتفت إليها. (ذو. . .) إلخ هذا من أدعية الاستفتاح، وهى كثيرة، وقد

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ استوفى النووى أكثرها فى أذكاره. (الملكوت) بفتح أوليه الملك والعزة. (والجبروت) الجبر والقهر، والتاء فيهما زائدة للمبالغة، والجبار: هو الذى يقهر غيره على ما أراده. (والكبرياء) الترفع والتنزه عن كل نقص. (والعظمة) تجاوز القدر عن الإحاطة. (ثم قرأ البقرة) أى بعد الفاتحة. (من قيامه) أى قريبا منه وعجيب ممن زعم أن من هذه للبيان. (يقول) هى وأمثالها حكاية للحال الماضية، استحضارا لها فى ذهن السامع. (سبحان ربى العظيم سبحان ربى العظيم) أى كان يكرر هذه الكلمات فى هذا الركوع مع طوله، وهذا الذكر مطلوب فى كل ركوع وأقله مرة، وأدنى الكمال فيه ثلاث مرات، وأكمله: إحدى عشرة مرة أخذا من مجموع الأحاديث، ورواية ذلك أى الثلاثة أوفاه تحمل على أن الثلاثة أو فى الكمال باعتبار ما دونها وإن كانت أدناه باعتبار ما فوقها من الخمس فالسبع فالتسع فالإحدى عشرة ووقع لبعضهم هنا خبط نشأ من عدم إلمامه بكلام الفقهاء والمحدثين لا حامل له ولا معول عليه. (نحوا من ركوعه) فيه مع ما يأتى فى الجلوس بين السجدتين دليل لما اختاره النووى فى كتبه أنهما ركنان طويلان، لكن المذهب أنهما قصيران، لأنهما مقصودان لغيرهما لا لذاتهما وقد يجاب عن الأول بأن القرب من الركوع أمر نسبى فليس فيه نص على أنه يطوله أكثر من التطويل المشروع عندنا وهو ما يسع أذكاره الواردة فيه وقدر الفاتحة، وروى الشيخان «كان ركوعه ﷺ وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا من السورة» (١) قال النووى: وهذا محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبت تطويل القيام، وقال غيره: المراد أن صلاته كانت معتدلة، فكان إذا أطال أطال الكل، وإذا خفف خفف الكل. (لربى الحمد لربى الحمد) إلى آخره فيه ما مر فى تكرير الركوع، ويجاب عن كون أئمتنا لم يأخذوا بقضية التكرير هنا وفيما مر، بل قالوا: الأكمل ثم الإحدى عشر واقتضى صريح كلامهم هنا: أنه لا يسن له التكرير بأن الذى واظب عليه النبى ﷺ هو ما قالوه وأما فى هذا الحديث فإنه وقع نادرا فلم يغيروا به ما علم واستقرأ من أحواله، ومن ثم صرحوا بأن ربنا لك الحمد أو لك الحمد ربنا أفضل مما هنا، وقول ابن القيم: لم يصح الجمع بين اللهم والواو غلط، كيف وهو فى رواية البخارى؟ قال ابن دقيق العيد: وفى الواو معنى زائد أى: ربنا استجب، أو نحوه ولك الحمد فيجمع بين الدعاء والخير،

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حكى ابن قدامة عن الشافعى إسقاطها، لأن للمعطف وليس هنا شىء يعطف عليه وعن مالك وأحمد فى ذلك خلاف، وقال النووى: كلاهما جاءت به أخبار كثيرة والمختار أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر. انتهى. كذا نقل بعضهم عنه والذى فى المجموع عن الشافعى والأصحاب، هو ما قاله ابن دقيق العيد، ووجهه: أنه يجمع بين معنيين: الدعاء والاعتراف أى: ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك إيانا بناء على أن الواو عاطفة لا زائدة خلافا للأصمعى، والحاصل: أن الحرف الزائد يقابله ثواب مع أنه يفيد ما لا يستفاد مع حذفه. (نحوا من قيامه) أى اعتداله. (الأعلى) خص بالسجود، والعظيم بالركوع للمناسبة، إذ الركوع الخضوع، ويقابله العظمة، والسجود صح فيه «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا» (١) وهذا ربما توهم منه من لا معرفة له قرب المسافة والله متعال عن ذلك علوا كبيرا، فأشير إلى ذلك بذكر الأعلى ونظيره قول إمام الحرمين فى قوله ﷺ «لا تفضلونى على يونس بن متى» (٢) إنما خصّ يونس لأنه ربما توهم أن قربه من ربه وهو فى بطن الحوت دون قرب محمد ﷺ من ربه، وهو فوق سبع سماوات ليلة الإسراء، وهو ليس كذلك بل قربهما مع ما بينهما من تباعد المكان سواء بالنسبة إليه تعالى لتعاليه عن المكان على حد سواء، كيف وهو موجود قبل خلق الزمان والمكان؟ إذ هما من جملة المحدثات والله سبحانه منزه عن سمات الحدوث متعال عن كل نقص ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. (حتى) غاية لمحذوف أى: ولا يزال يطول. (حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء) ظاهره، أنه قرأ السور الأربع فى أربع ركعات، وبه صرحت رواية أبى داود. «فصلى أربع ركعات قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة والأنعام» (٣) لكن رواية الشيخين: «فافتتح البقرة قلت: يركع عند المائدة ثم مضى قلت: يصلى بها فى ركعة فمضى، فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مرتلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول:

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سبحان ربى العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده» (١) وظاهرها أنه قرأ الكل فى ركعة واحدة، وإما أن الواقعة متعددة، أو رواية أيتهما أصح فيقدم، وكذا يقال فى روايتهما أنه قرأ النساء قبل آل عمران، فإنها منافية لرواية المصنف وغيره، فإن ظاهرها تقديم آل عمران، وإن كانت الواو لا تقتضى ترتيبا، ثم الأولى لبيان الجواز، وإلا فالأفضل القراءة على ترتيب المصحف، لأنه المعروف المستقر من أحواله ﷺ وإما على ترتيب الآية فواجبة، فيحرم بعكس الآية، لأن الترتيب بينهما توقيفى قطعا وبين السور فيه خلاف، وهذه القراءة كانت فى صلاة الليل كما علم من أول الحديث وأما قراءته فى الفرائض فوردت على أنحاء شتى منها: «فى الصبح ما بين الستين إلى المائة من المفصل قصار فى المغرب»، النسائى «وَاَللَّيْلِ إِذاعَسْعَسَ. . .» (٢)، مسلم أى: سورته الرواية النسائى «إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ. . . ونحوها وكان قراءته تعد تخفيفا» (٣) مسلم، «وسورة المؤمنون فأخذته سعلة عند ذكر موسى وهارون، أو عيسى فركع» (٤) مسلم، «وإِذازُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ. . . فى ركعتيها» (٥) أبو داود، وفيه: أنه لا يكره قطع القراءة، ولا القراءة ببعض السور، ولا قراءة بعض الآية، ودعوى كراهة ذلك، يحتاج لدليل كيف، «وقدم أبو بكر بالصحابة، فقرأ البقرة فى ركعتيها والم* تَنْزِيلُ. . . السجدة وهَلْ أَتى عَلَى اَلْإِنْسانِ. . . فى صبح يوم الجمعة» (٦) الشيخان وغيرهما وكان يديم ذلك كما رواه الطبرانى ورجاله ثقات، وهو وإن صوب أبو حاتم إرساله، لكن له شواهد من حديث ابن عباس: «كل جمعة» أخرجه الطبرانى فى الكبير، وبه يرد على من قال: الأولى تركهما فى بعض الجمع، لئلا يعتقد العامة وجوبهما، وروى الطبرانى أيضا: «أنه ﷺ سجد فى الصبح يوم الجمعة فى الم* تَنْزِيلُ. . .» وبه يرد على من قال يحتمل أنه كان يقرؤها ولا يسجد، ومنها فى الظهر:

стр. 388

٢٦٣ - حدثنا أبو بكر بن نافع البصرى، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدى، عن أبى المتوكل، عن عائشة، قالت: «قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة». ــ «وَاَللَّيْلِ إِذايَغْشى. . .، سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى. . .» (١) مسلم «وَاَلسَّماءِ ذاتِ اَلْبُرُوجِ. . .، وَاَلسَّماءِ وَاَلطّارِقِ. . .» (٢) وكذا فى العصر أبو داود، والترمذى «لقمان، والذاريات، سبح، وهل أتاك» (٣) النسائى، ومنها فى المغرب: «المرسلات، والطور» (٤) الشيخان وغيرهما «الأعراف» (٥) البخارى وغيره: «حم، الدخان» (٦) النسائى «الكافرون، والإخلاص» (٧) ابن ماجه وفيه علة، والذى صح قصار المفصل من غير تعيين، وهذه الرواية فيها مبينة لجواز التطويل بل وندبه لغير الإمام وللإمام بشروطه المقررة فى الفقه، ودعوى نسخ التطويل ممنوعة، بأن آخر صلاة صلاها بهم فى مرض موته: المغرب بالمرسلات كما فى البخارى ومنها فى العشاء: وَاَلتِّينِ. . . (٨) الشيخان. ٢٦٣ - (محمد بن نافع) قيل: هو مجهول، لأنه لم يوجد فى كتب الرجال فلعله

стр. 389

٢٦٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن ــ محمد بن واسع البصرى. (قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن) هى كما جاء فى طريق آخر قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (١). (ليلة) يحتمل أن المراد: أنه ﷺ استمر يكررها فى ركعات تهجده تلك الليلة، فلم يقرأ فيها بغيرها، وأنه صار يكررها فى قيامه، أو فى قيام ركعة واحدة إلى أن طلع الفجر، وأنه لم يكن فى صلاته، بل قرأها خارجها، فاستمر يكررها إلى الفجر، وهو قائم، أو قاعد، وعلى الأخير يكون من قام بالأمر أخذه وعزم من غير فتور، أو قامت الحرب على ساقها أى اشتدت وحمى وطيسها وح، فمعنى قام بها أى داوم على تكريرها، والتفكر فى معانيها إلى الفجر، لما أنه اعتراه عند قرأتها من هيبة ما ابتدئت به ما أوجب اشتعال نار الخوف، من حلاوة ما ختمت به ما أوجب اهتزاز أريحة طربا وسرورا، وفيها من الأسرار: أنه لما ذكر العذاب علل بوصف العبودية، إشارة إلى عظيم تحليه بوصف الاستحقاق والعدل، إذ لم يتصرف إلا فى ملكه، والمتصرف فى ملكه بأى نوع شاء، لا ينسب لجور ولا ظلم، ولما ذكر المغفرة علله بتحليه بوصف العزة والحكمة، إشارة ما هو تحليه بوصف التفضل والإنعام المقترن بغاية العزة والقهر والحكمة البالغة، وإن خفيت عن الخلق، ثم رأيت ما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالات السابقة فى معنى قيامه تلك الآية، وهو ما فى فضائل القرآن عن أبى ذر قال: «قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالى فقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح، بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد» (٢) ولا ينافيه خبر مسلم: «إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا» (٣) لاحتمال أن ذلك النهى كان بعد تلك الليلة. ٢٦٤ - (فلم يزل قائما. . .) إلخ فيه أن صلاة النافلة جماعة، وأنه يسن للإمام

стр. 390

الأعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله، قال: «صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبىّ ﷺ ». ٢٦٥ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبى النضر، عن أبى سلمة، عن عائشة: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يصلّى جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقى من قراءته قدر ما ــ التطويل، إذا كان الجمع محصورون، ورضوا به، ولم يطرأ غيرهم، وإن ندر حضوره، ولم يتعلق بعين أحد منهم حق، بأن لا يكون فتى، ولا أجير عين ولا زوجة، وكانوا بمسجد غير مطروق، فإن اختل شرط من ذلك سن للإمام التخفيف ما أمكن، والاقتصار من القراءة على قصار المفصل، ومن نحو التسبيح على أدنى الكمال، وهو ثلاث، وكره له التطويل، نعم ما عين الشارع فيه سورة مخصوصة كالجمعة، والعيدين، والكسوفين، يسن قرأتها، وإن لم ينحصروا للاتباع. (بأمر سوء) بالإضافة وعدمها، وبفتح السين وضمها، قيل: المفتوحة غلبت وإيضافها لما يراد ذمه، والمضمومة شاعت فيما يقابل الخير انتهى، والذى فى الصحاح: المفتوح، مصدر نقيض المسرة، والمضموم: اسم، وساغ الإضافة إلى المفتوح كرجل سوء، ولا يقال: سوء بالضم انتهى، قوله: ولا يقال إلخ ردّ بالقراءة المتواترة. عَلَيْهِمْ دائِرَةُ اَلسَّوْءِ (١) بالضم ويرد بأن ما فيه من إضافة الاسم الجامد كرجل، وما فيها من إضافة المصدر، وبينهما فرق ظاهر. ٢٦٥ - (عن عائشة. . .) إلخ أخرجه مسلم أيضا، وروى عنها الدارقطنى: «كان متربعا» وابن ماجه: «كان يوتر بواحدة، ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما، وهو جالس فإذا
следующие страницы →