← Сира

Сира · id 122255

أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (602 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حكى ابن قدامة عن الشافعى إسقاطها، لأن للمعطف وليس هنا شىء يعطف عليه وعن مالك وأحمد فى ذلك خلاف، وقال النووى: كلاهما جاءت به أخبار كثيرة والمختار أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر. انتهى. كذا نقل بعضهم عنه والذى فى المجموع عن الشافعى والأصحاب، هو ما قاله ابن دقيق العيد، ووجهه: أنه يجمع بين معنيين: الدعاء والاعتراف أى: ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك إيانا بناء على أن الواو عاطفة لا زائدة خلافا للأصمعى، والحاصل: أن الحرف الزائد يقابله ثواب مع أنه يفيد ما لا يستفاد مع حذفه. (نحوا من قيامه) أى اعتداله. (الأعلى) خص بالسجود، والعظيم بالركوع للمناسبة، إذ الركوع الخضوع، ويقابله العظمة، والسجود صح فيه «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا» (١) وهذا ربما توهم منه من لا معرفة له قرب المسافة والله متعال عن ذلك علوا كبيرا، فأشير إلى ذلك بذكر الأعلى ونظيره قول إمام الحرمين فى قوله ﷺ «لا تفضلونى على يونس بن متى» (٢) إنما خصّ يونس لأنه ربما توهم أن قربه من ربه وهو فى بطن الحوت دون قرب محمد ﷺ من ربه، وهو فوق سبع سماوات ليلة الإسراء، وهو ليس كذلك بل قربهما مع ما بينهما من تباعد المكان سواء بالنسبة إليه تعالى لتعاليه عن المكان على حد سواء، كيف وهو موجود قبل خلق الزمان والمكان؟ إذ هما من جملة المحدثات والله سبحانه منزه عن سمات الحدوث متعال عن كل نقص ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. (حتى) غاية لمحذوف أى: ولا يزال يطول. (حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء) ظاهره، أنه قرأ السور الأربع فى أربع ركعات، وبه صرحت رواية أبى داود. «فصلى أربع ركعات قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة والأنعام» (٣) لكن رواية الشيخين: «فافتتح البقرة قلت: يركع عند المائدة ثم مضى قلت: يصلى بها فى ركعة فمضى، فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها مرتلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول:

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سبحان ربى العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده» (١) وظاهرها أنه قرأ الكل فى ركعة واحدة، وإما أن الواقعة متعددة، أو رواية أيتهما أصح فيقدم، وكذا يقال فى روايتهما أنه قرأ النساء قبل آل عمران، فإنها منافية لرواية المصنف وغيره، فإن ظاهرها تقديم آل عمران، وإن كانت الواو لا تقتضى ترتيبا، ثم الأولى لبيان الجواز، وإلا فالأفضل القراءة على ترتيب المصحف، لأنه المعروف المستقر من أحواله ﷺ وإما على ترتيب الآية فواجبة، فيحرم بعكس الآية، لأن الترتيب بينهما توقيفى قطعا وبين السور فيه خلاف، وهذه القراءة كانت فى صلاة الليل كما علم من أول الحديث وأما قراءته فى الفرائض فوردت على أنحاء شتى منها: «فى الصبح ما بين الستين إلى المائة من المفصل قصار فى المغرب»، النسائى «وَاَللَّيْلِ إِذاعَسْعَسَ. . .» (٢)، مسلم أى: سورته الرواية النسائى «إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ. . . ونحوها وكان قراءته تعد تخفيفا» (٣) مسلم، «وسورة المؤمنون فأخذته سعلة عند ذكر موسى وهارون، أو عيسى فركع» (٤) مسلم، «وإِذازُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ. . . فى ركعتيها» (٥) أبو داود، وفيه: أنه لا يكره قطع القراءة، ولا القراءة ببعض السور، ولا قراءة بعض الآية، ودعوى كراهة ذلك، يحتاج لدليل كيف، «وقدم أبو بكر بالصحابة، فقرأ البقرة فى ركعتيها والم* تَنْزِيلُ. . . السجدة وهَلْ أَتى عَلَى اَلْإِنْسانِ. . . فى صبح يوم الجمعة» (٦) الشيخان وغيرهما وكان يديم ذلك كما رواه الطبرانى ورجاله ثقات، وهو وإن صوب أبو حاتم إرساله، لكن له شواهد من حديث ابن عباس: «كل جمعة» أخرجه الطبرانى فى الكبير، وبه يرد على من قال: الأولى تركهما فى بعض الجمع، لئلا يعتقد العامة وجوبهما، وروى الطبرانى أيضا: «أنه ﷺ سجد فى الصبح يوم الجمعة فى الم* تَنْزِيلُ. . .» وبه يرد على من قال يحتمل أنه كان يقرؤها ولا يسجد، ومنها فى الظهر:

стр. 388

٢٦٣ - حدثنا أبو بكر بن نافع البصرى، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدى، عن أبى المتوكل، عن عائشة، قالت: «قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة». ــ «وَاَللَّيْلِ إِذايَغْشى. . .، سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى. . .» (١) مسلم «وَاَلسَّماءِ ذاتِ اَلْبُرُوجِ. . .، وَاَلسَّماءِ وَاَلطّارِقِ. . .» (٢) وكذا فى العصر أبو داود، والترمذى «لقمان، والذاريات، سبح، وهل أتاك» (٣) النسائى، ومنها فى المغرب: «المرسلات، والطور» (٤) الشيخان وغيرهما «الأعراف» (٥) البخارى وغيره: «حم، الدخان» (٦) النسائى «الكافرون، والإخلاص» (٧) ابن ماجه وفيه علة، والذى صح قصار المفصل من غير تعيين، وهذه الرواية فيها مبينة لجواز التطويل بل وندبه لغير الإمام وللإمام بشروطه المقررة فى الفقه، ودعوى نسخ التطويل ممنوعة، بأن آخر صلاة صلاها بهم فى مرض موته: المغرب بالمرسلات كما فى البخارى ومنها فى العشاء: وَاَلتِّينِ. . . (٨) الشيخان. ٢٦٣ - (محمد بن نافع) قيل: هو مجهول، لأنه لم يوجد فى كتب الرجال فلعله

стр. 389

٢٦٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن ــ محمد بن واسع البصرى. (قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن) هى كما جاء فى طريق آخر قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (١). (ليلة) يحتمل أن المراد: أنه ﷺ استمر يكررها فى ركعات تهجده تلك الليلة، فلم يقرأ فيها بغيرها، وأنه صار يكررها فى قيامه، أو فى قيام ركعة واحدة إلى أن طلع الفجر، وأنه لم يكن فى صلاته، بل قرأها خارجها، فاستمر يكررها إلى الفجر، وهو قائم، أو قاعد، وعلى الأخير يكون من قام بالأمر أخذه وعزم من غير فتور، أو قامت الحرب على ساقها أى اشتدت وحمى وطيسها وح، فمعنى قام بها أى داوم على تكريرها، والتفكر فى معانيها إلى الفجر، لما أنه اعتراه عند قرأتها من هيبة ما ابتدئت به ما أوجب اشتعال نار الخوف، من حلاوة ما ختمت به ما أوجب اهتزاز أريحة طربا وسرورا، وفيها من الأسرار: أنه لما ذكر العذاب علل بوصف العبودية، إشارة إلى عظيم تحليه بوصف الاستحقاق والعدل، إذ لم يتصرف إلا فى ملكه، والمتصرف فى ملكه بأى نوع شاء، لا ينسب لجور ولا ظلم، ولما ذكر المغفرة علله بتحليه بوصف العزة والحكمة، إشارة ما هو تحليه بوصف التفضل والإنعام المقترن بغاية العزة والقهر والحكمة البالغة، وإن خفيت عن الخلق، ثم رأيت ما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالات السابقة فى معنى قيامه تلك الآية، وهو ما فى فضائل القرآن عن أبى ذر قال: «قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالى فقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح، بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد» (٢) ولا ينافيه خبر مسلم: «إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا» (٣) لاحتمال أن ذلك النهى كان بعد تلك الليلة. ٢٦٤ - (فلم يزل قائما. . .) إلخ فيه أن صلاة النافلة جماعة، وأنه يسن للإمام

стр. 390

الأعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله، قال: «صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبىّ ﷺ ». ٢٦٥ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبى النضر، عن أبى سلمة، عن عائشة: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يصلّى جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقى من قراءته قدر ما ــ التطويل، إذا كان الجمع محصورون، ورضوا به، ولم يطرأ غيرهم، وإن ندر حضوره، ولم يتعلق بعين أحد منهم حق، بأن لا يكون فتى، ولا أجير عين ولا زوجة، وكانوا بمسجد غير مطروق، فإن اختل شرط من ذلك سن للإمام التخفيف ما أمكن، والاقتصار من القراءة على قصار المفصل، ومن نحو التسبيح على أدنى الكمال، وهو ثلاث، وكره له التطويل، نعم ما عين الشارع فيه سورة مخصوصة كالجمعة، والعيدين، والكسوفين، يسن قرأتها، وإن لم ينحصروا للاتباع. (بأمر سوء) بالإضافة وعدمها، وبفتح السين وضمها، قيل: المفتوحة غلبت وإيضافها لما يراد ذمه، والمضمومة شاعت فيما يقابل الخير انتهى، والذى فى الصحاح: المفتوح، مصدر نقيض المسرة، والمضموم: اسم، وساغ الإضافة إلى المفتوح كرجل سوء، ولا يقال: سوء بالضم انتهى، قوله: ولا يقال إلخ ردّ بالقراءة المتواترة. عَلَيْهِمْ دائِرَةُ اَلسَّوْءِ (١) بالضم ويرد بأن ما فيه من إضافة الاسم الجامد كرجل، وما فيها من إضافة المصدر، وبينهما فرق ظاهر. ٢٦٥ - (عن عائشة. . .) إلخ أخرجه مسلم أيضا، وروى عنها الدارقطنى: «كان متربعا» وابن ماجه: «كان يوتر بواحدة، ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما، وهو جالس فإذا

стр. 391

يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائم، ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع فى الرّكعة الثّانية مثل ذلك». ٢٦٦ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا هشيم، أنبأنا خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة، عن صلاة رسول الله ﷺ ، عن تطوعه، فقالت: «كان يصلّى ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس». ــ أراد أن يركع قام فركع» (١) ومر أن فعله ما بين الركعتين لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، ولا ينافيه لفظ «كان» لأنها لا تفيد دواما، قيل: ولا أكثرية هنا وغلط من جعلهما سنة راتبة بعده، فإنه ﷺ ما داومهما، ولا تشبه السنة بالفرض، حتى يكون للوتر راتبة بعده انتهى. وقد أنكرها مالك أيضا، وقال أحمد: لا أفعله، ولا أمنعه، وقال بعضهم: هما سنة والأمر بجعل آخر صلاة الليل وترا مختص بمن أوتر آخر الليل: «فيقرأ وهو جالس» إلخ فيه جواز جعل بعض قراءة النافلة فى القيام، وبعضها فى الجلوس كذا قيل والأولى أن يقال: فيه ندب ذلك لمن يشق عليه طول القيام فى النافلة كبيرا وغيره، ومن ما يعلم منه أنه ﷺ لم يفعل ذلك، إلا لما كثر، وثقل باللحم. ٢٦٦ - (عن تطوعه) بدل مما قبله بإعادة حرف الجر أى: عن كيفيته. (طويلا) صفة ليل ومن زعم أنها صفة صلاة وأنها لما حذفت حذف تأنيث صفتها فقد وهم وأراد بالليل بعضه أى زمنا طويلا من الليل وما يصله فى ذلك الزمن بعضه أطول وبعضه طويل وبعضه قصير. (قائما) حال من فاعل يصلى، أى: يصلى زمنا طويلا حال كونه قائما فيه وزمنا طويلا حال كونه قاعدا فيه، قائما مبينة أن المراد بطول زمن الصلاة طول

стр. 392

٢٦٧ - حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن المطلب بن أبى وداعة السهمى، عن حفصة زوج النبى ﷺ ، أنها قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى فى سبحته قاعدا حتّى كان قبل وفاته ﷺ بعام فإنّه كان يصلّى فى سبحته قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها». ــ قيامها أو قعودها. (وهو) أى والحال أن انتقاله لها كان وهو. (قائم) وكذا التقدير فى «وهو جالس» وفيه حلّ التنفل قاعدا مع القدرة، وهو إجماع لكن القاعد لغير عذر له نصف أجر القائم والمضطجع على جنبه له نصف أجر القاعد، وهذا فى حق غيره، إذ من خصائصه أن تطوعه قاعدا كتطوعه قائما، لأن الكسل مأمون فى حقه ﷺ . (ركع وسجد وهو قائم) فائدة: وهو قائم هنا؛ للاحتراز عن جلوس قبل الركوع وبعده أى كان يستمر قائما إلى الركوع ثم يعتدل قائما ثم يسجد فهو احتراز عن جلوس قبلهما عكس الوارد فيما مر وكذا يقال فى. (ركع وسجد وهو جالس) فهو احتراز عن قيام قبل الركوع وعن قيام حال الاعتدال ولا ينافى هذا ما مر من أنه كان ببعض قراءته إلى جلوس ثم قيام، لأنه ﷺ كان له أحوال مختلفة فى تهجده وغيره، فيحمل اختلاف الروايات وإن اتحد راويها على اختلاف تلك الأحوال. ٢٦٧ - (فى سبحته) أى فى نافلته، وسميت سبحة لاشتمالها على التسبيح. (عن حفصة. . .) إلخ رواه عنها أيضا مسلم. (ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها) أى يرتل السورة القصيرة كالأنفال، حتى تصير لاشتمالها على الترتيل أطول من طويلة خالية عنه كالأعراف، وقيل: المراد أن تطويله يبلغ غايته يفوق لكل تطويل انتهى، وليس بشىء، وإن قال زاعمه أنه معنى دقيق.

стр. 393

٢٦٨ - حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانى، حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنى عثمان بن أبى سليمان، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أن عائشة أخبرته: «أنّ النّبىّ ﷺ لم يمت حتّى كان أكثر صلاته وهو جالس». ٢٦٩ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، رضى الله عنهما، قال: «صلّيت مع النّبىّ ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب فى بيته، وركعتين بعد العشاء فى بيته». ــ ٢٦٨ - (أكثر صلاته) أى النافلة. (وهو) أى والحال أنه. (جالس) مكان قيامه أى حتى وجد أكثرنا نافلته فى جلوسه، وزعم أنها ناقصة والواو زائدة وجملة «وهو جالس» خبرها تكلف بعيد لا يعول عليه. ٢٦٩ - (فى بيته) يحتمل رجوعه للثلاثة قبله، ولسنة المغرب فقط، وعليه فعلت أفضلية البيت للنافلة، حتى من جوف الكعبة للخبر الصحيح: «أفضل صلاة المرء فى بيته، إلا المكتوبة» (١).

стр. 394

٢٧٠ - حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال ابن عمر: وحدثتنى حفصة: «أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّى ركعتين حين يطلع الفجر وينادى المنادى». قال أيوب: أراه قال: «خفيفتين». ــ ٢٧٠ - (وحدثتنى) الواو عاطفة على محذوف أى حدثتنى غير حفصة وحدثتنى حفصة، وهذا أولى من دعوى زيادتها. (ركعتين حين يطلع الفجر) هما سنة. (قال: خفيفتين) صح ذلك من طرق فى الصحيحين وغيرهما فيسن تخفيفهما اقتداء به ﷺ ، والحديث المرفوع فى تطويلهما من مرسل سعيد بن جبير على أن فيه راويا لم يسمّ، فلا حجة فيه لمن قال: يندب تطويلهما ولو لمن فاته شىء من قراءته فى صلاة الليل أو إن صح ذلك عن الحسن البصرى ولا ينافى ذلك ما فى مسلم «كان ﷺ كثيرا ما يقرأ فى الأولى: قُولُوا آمَنّابِاللهِ وَماأُنْزِلَ إِلَيْناآية البقرة، وفى الثانية: قُلْ ياأَهْلَ اَلْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَناآية آل عمران» (١) لأن المراد بتخفيفهما عدم تطويلهما على الوارد فيهما، حتى لو قرأ الشخص فى الأولى آية البقرة وأَ لَمْ نَشْرَحْ. . .، والكافرون، وفى الثانية: آية آل عمران، وأَ لَمْ تَرَ كَيْفَ. . .، والإخلاص لم يكن مطولا تطويلا يخرج به عن حد السنة والاتباع، وروى أبو داود «أنه قرأ فى الثانية: رَبَّناآمَنّابِماأَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ فَاكْتُبْنامَعَ اَلشّاهِدِينَ، وإِنّاأَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ اَلْجَحِيمِ» (٢) فيسن الجمع بينهما ليتحقق الإتيان بالوارد أخذا مما قاله النووى فى «إنى ظلمت نفسى ظلمت كثيرا»، والاعتراض عليه فى هذا رددته فى حاشية الإيضاح فى مبحث الدعاء يوم عرفة، وروى مسلم وغيره: «قرأ فيهما سورة الإخلاص» وصح: «نعم السورتان يقرأ بهما فى ركعتى الفجر: قُلْ ياأَيُّهَا

стр. 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اَلْكافِرُونَ. . .، وقُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ. . .، وكان يقرأ بهما فى الوتر أيضا» (١) وعن على رضى الله عنه «كان يوتر بثلاث يقرأ فيهن تسع سور من المفصل يقرأ فى كل ركعة بثلاث سور آخرهن قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ. . .» (٢) رواه المصنف، وعن ابن عباس «كان يقرأ فى الوتر سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى. . .، وقُلْ ياأَيُّهَا اَلْكافِرُونَ. . .، وقُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ. . . فى كل ركعة» (٣) وعن عائشة «كان يقرأ فى الوتر: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى. . .، وفى الثانية ب قُلْ ياأَيُّهَا اَلْكافِرُونَ. . .، وفى الثالثة: ب قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ. . . والمعوذتين» (٤) رواه أبو داود والمصنف، وحكمة إيثاره سورة الإخلاص: جمعها لتوحيد العلم والإيمان وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد، ف قُلْ هُوَ اَللهُ أَحَدٌ. . . متضمنة للتوحيد العلمى والاعتقادى، لاشتمالها على ما يجب إثباته له تعالى من الأحدية والصمدية المثبتة له بجميع صفات الكمال الذى لا يلحقه نقص، ومن نفى الولد والوالد والكفؤ، المتضمن لنفى الشبيه والنظير فتضمنت إثبات أكمل كمال له، ونفى كل نقص عنه، ونفى كل شبيه، وهذه هى مجامع التوحيدين المذكورين، ومن ثمة عدلت ثلث القرآن، إذ هو إما إنشاء وهو أمر ونهى وإباحة، وهذا ثلث، وإما خبر: وهو عن الخلق وهو ثلث ثان، أو عن الخالق وصفاته وأحكامه، وهو ثلث ثالث مندرج فى سورة الإخلاص فلذا عدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها [المؤمن بها] (٥) من الشرك العلمى، كما خلصته سورة قُلْ ياأَيُّهَا اَلْكافِرُونَ. . . من الشرك العملى.

стр. 396

٢٧١ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مروان بن معاوية الفزارى، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، قال: «حفظت من رسول الله ﷺ ثمانى ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء». قال ابن عمر: «وحدّثتنى حفصة بركعتى الغداة، ولم أكن أراهما من النّبىّ ﷺ ». ــ ٢٧١ - (عن ابن عمر. . .) إلخ رواه عنه أيضا البخارى لكن بزيادة ولفظه كان يصلى قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين فى بيته وبعد صلاة العشاء ركعتين فكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى فى بيته ركعتين. (قال) وأخبرتنى حفصة أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا له صلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة فهذه عشر ركعات، لأن ركعتى الجمعة البعدية مع ركعتى الظهر البعدية لا يجتمعان إلا لعارض بأن تصلى الجمعة وسنتها البعدية فتبين له فسادها فيصلى الظهر وسنتها البعدية. (بركعتى الغداة) أى الفجر. (ولم أكن. . .) إلخ لأنه ﷺ كان يفصلهما دائما، أو غالبا عند أهله قبل خروجه بخلاف بقية الرواتب، فإنه ربما كان يفعلها فى المسجد على أن المصنف والنسائى رويا عنه: «رمقت رسول الله ﷺ شهرا فكان يقرأهما» (١) أى: سورة الكافرون والإخلاص فى ركعتى الفجر ومن ثمة استدل بعضهم به على الجهر بالقراءة فيهما، وأجيب: بأنه لا حجة له فيه لاحتمال أنه عرف ذلك بقراءته بعض السورة على أنه صح عن عائشة «أنه كان يسر فيهما بالقراءة» (٢) وهذا كله صريح فى أنه رأى النبى ﷺ يصليهما فينافى رواية المصنف فى هذا الكتاب أنه لم يره يصليهما، وروى الشيخان وغيرهما عن عائشة «لم يكن النبى

стр. 397

٢٧٢ - حدثنا أبو سلمة: يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد ــ ﷺ على شىء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتى الفجر» (١) ولمسلم «لهما أحب إلىّ من الدنيا جميعها» (٢) ومن ثمة قال أئمتنا: إنها أفضل من سائر الرواتب بعد الوتر وإن اختلف فى وجوبه ووجوبهما، لأن أدلة وجوبه أظهر، وروى الشيخان «أنه ﷺ كان إذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقة الأيمن» (٣) فسن هذه الضجعة بين سنة الفجر وفرضه لذلك، وأمره بها رواه أبو داود وغيره بسند لا بأس به، خلافا لمن نازع فيه وهو صريح فى ندبها لمن بالمسجد وغيره خلافا لمن خص ندبها بالبيت، وقول ابن عمر: إنها بدعة، وقول النخعى: إنها ضجعة الشيطان، وإنكار ابن مسعود لها، فهو لأنه لم يبلغهم ذلك، وحكمتها: الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وأقول: لها حكمة أخرى أظهر من ذلك، وهو أن فاعلها يتذكر بها ضجعة القبر فيحمله استحضار ذلك فى أول نهاره على أن يستغرقه بالطاعة، أو يقل فيه من المخالفة ويؤيد ذلك: أنه لا فرق عندنا فى ندبها بين المتهجد وغيره، وقول ابن العربى: تختص بالتهجد ضعيف، ولا حجة له فى خبر عائشة «لم يضطجع لسنته ولكنه كان يدأب ليلته فليستريح» لأن فى سنده مجهولا وقد أفرط ابن حزم فى قوله بوجوبها على كل أحد وأنها شرط لصحة صلاة الصبح، واعلم أنا وإن قلنا إنها سنة لكن يحصل أصل تلك السنة بكل فصل بين سنة الفجر وفرضه بنحو مشى أو كلام. ٢٧٢ - (قبل الظهر. . .) إلخ هذه العشرة هى السنن الرواتب المؤكدة، لأنه ﷺ كان

стр. 398

الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: «كان يصلّى قبل الظّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ثنتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين». ــ يداوم عليهن كما يعلم مما مر، ومما يأتى فى بعضهن وينافى الباقى على أن كان هذه الرواية، ورواية البخارى السابقة تقتضى التكرار، وهو ما صححه ابن الحاجب آخذا من قولهم: كان حاتم يكرم الضيف لكن الذى صححه الفخر الرازى، وقال النووى: إنه المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين: أنها لا تقتضيه لغة ولا عرفا، وقال ابن دقيق العيد: إنها تقتضيه عرفا، وبقيت رواتب أخرى، لكنها لم تتأكد تأكد تلك، وهى ركعتان أيضا لخبر مسلم عن عائشة «كان يصلى فى بيته قبل الظهر أربعا» (١) بل روى الشيخان «كان لا يدع أربعا قبل الظهر» (٢) وهذا نص فى تأكد الأربعة وح فيشكل على جعل أئمتنا المتأكد منهن ثنتين فقط لكن يحتمل أن تلك الأربعة، لم تكن سنة الظهر بل صلاة مستقلة كان يصليها بعد الزوال، كما سيأتى أحاديثها، وبهذا يعلم أنه لا تنافى بين ما صح عن ابن عمر «صليت مع النبى ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها»، وعن عائشة «كان لا يدع أربعا قبل الظهر» فالأول: فى سنة الظهر، والثانى: فى سنة الزوال، أو الأول فيما إذا صلى فى المسجد والثانى: فيما إذا صلى فى بيته قيل: وهذا أظهر وركعتان بعدها، والجمعة مثلها قبلا وبعدا فى الثنتين والأربع، خلافا لمن نازع فى ذلك من أئمتنا، وإن طال فيه، وروى البزار: «كان يصلى قبل الجمعة وبعدها أربعا» (٣) وهو وإن كان ضعيفا يعمل به هنا، وصح: «ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان» (٤) وأربعا قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وسيأتيان، وركعتان قبل العشاء، وركعتان بعد المغرب، ندب الوصل بينهما وبين الفرض، وإن لم أر من

стр. 399

٢٧٣ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبى إسحاق. قال: سمعت عاصم بن ضمرة يقول: سألنا عليا رضى الله عنه عن صلاة رسول الله ﷺ من النهار، قال: قال: «إنّكم لا تطيقون ذلك. قال، قلنا: من أطاق منّا ذلك صلّى. فقال: كان إذا كانت الشّمس من هاهنا، كهيئتها من هاهنا عند العصر صلّى ركعتين. وإذا كانت الشمس من هاهنا، كهيئتها من هاهنا عند الظّهر صلّى أربعا، ويصلّى قبل الظّهر أربعا وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعا يفصل بين كلّ ركعتين بالتّسليم على الملائكة المقرّبين والنّبيّين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين». ــ ذكره لخبر رزين: «من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم-أى بغير الذكر الوارد كما هو ظاهر-رفعت صلاته فى عليين» (١). (وركعتين بعد العشاء) وهو ما فى مسلم عن عائشة والصحيحين عن ابن عمر، لكن روى أبو داود عنها. «ما صلى ﷺ العشاء قط فدخل بيتى إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات» (٢). ٢٧٣ - (من النهار) أى عن كيفية نوافله التى كان يفعلها فيه، ولما فهم ﷺ أن سؤالهم عنها للاقتداء به لا لمجرد العلم بها. (قال: إنكم لا تطيقون ذلك) أى من حيث الدوام والملازمة، سيما مع ما يصحب ذلك من الخضوع والخشوع. (صلى ركعتين) هما سنة الضحى، وسيأتى الكلام فيها. (وقبل العصر أربعا) لا ينافيه خبر أبى داود عن على رضى الله عنه أيضا: «كان يصلى قبل العصر أربعا» لا ينافى خبر أبى داود عن على

стр. 400

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيضا «كان يصلى قبل العصر ركعتين» (١) لاحتمال أنه كان تارة يصلى أربعا، وتارة ثنتين، وورد: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» (٢) واعلم أنه ﷺ كان يصلى ركعتين بعد العصر، وفى الصحيحين عن عائشة «ما تركهما بعد العصر عندى قط» (٣) وفى مسلم عنها «كان يصليهما قبل العصر، ثم شغل عنهما ونسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم نسيهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها» (٤) أى داوم عليها، وفى أبى داود عنها «كان يصليهما وينهى عنهما» (٥) وهو صريح فى أنه من خصوصياته لكن الذى اختص به إنما المداومة عليها لا أصل القضاء، وقول ابن عباس: إنه صلاهما مرة ولم يعدهما أخرى بحسب علمه لما مر عن عائشة من إثبات المداومة عليهما والمثبت مقدم وكذا قول أم سلمة صلاهما فى بيتى مرة واحدة وفى رواية عنها «لم أره يصليهما قبل ولا بعد» (٦) ثم هاتان هما سنة الظهر البعدية شغل عنها بقسمة مال كما رواه المصنف وبإسلام جماعة من عبد القيس ولا مانع لاحتمال الاشتغال بكل منهما، وأما ما مر عن مسلم من أنهما اللتان قبل العصر فيمكن حمله على أنه كان يقضى اللتين قبل العصر أولا ثم شغل عنهما قبله أيضا فقضاهما بعده، واستمر على ذلك ومذهبنا ندب ركعتين خفيفتين قبل المغرب لما فى الصحيحين عن أنس أن الصحابة كانوا يصلونهما قبله زاد أبو داود «رآنا رسول الله ﷺ فلم يأمرنا ولم ينهنا» وهو لكونه شيئا مقدم على قول ابن عمر ما رأيت أحدا يصليهما على عهد رسول الله ﷺ وروى أبو داود «صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء» خشيته أن يتخذها الناس سنة، أى: طريقة لازمة ولم يرد نفى ندبهما إذ لا يمكن الأمر بما لا يندب ودعوى النسخ لا دليل عليها وإنهما يخرجان المغرب عن أول وقتها فاسدة لمنابذتها للسنة مع أن زمنها يسير لا يفوت أول الوقت. (يفصل بين كل ركعتين) أى أن الأفضل فى صلاة النهار أن يسلم منها من كل ركعتين بالتسليم وخير صلاة الليل

стр. 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثنى مثنى يحمل على أن الليل أولى بذلك وأفضل لا أنه خاص به. (بالتسليم. . .) إلخ قيل: أى فى التشهد وسمى تسليما لاشتماله عليه ويؤيده الخبر المتفق عليه أنهم كانوا يقولون فى تشهدهم: السلام على الله قبل عباده السلام على خير أهل السلام على ميكائيل السلام على فلان وفيه نظر ولفظ الحديث ينافى ذلك وإنما المراد بالتسليم فيه تسليم التحليل من الصلاة فيسن للمسلم منها أن ينوى بقوله السلام عليكم من على يمينه ويساره وخلفه وأمامه من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن وأن يلتفت حتى يرى بياض خده وأن يسلم تسليمتين لخبر مسلم وغيره كان ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده وروى المصنف: كان يسلم عن يمينه ويساره السلام عليكم ورحمة الله، وقد روى التسليمتين عنه خمسة عشر صحابيا وخبر كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه الذى أخذ به مالك وطائفة لم يثبت من وجه صحيح وخبر عائشة «كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته حتى يوقظنا» معلول أيضا وإن كان فى السنن على أن غاية ما فيه أنه ساكت عن التسليمة الثانية إذ لم يصرح فى حكمها بشىء، وعلى التنزل فهو فى صلاة الليل، والذين رووا التسليمتين، رووا ما شاهدوه فى الفرض والنفل، فهم أولى بالاعتماد، وعلى فرض التساوى فالجمع بأنه: قد كان يترك الثانية متعين. ***

стр. 402

٤١ - باب: صلاة الضحى ٢٧٤ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسى، أنبأنا شعبة، عن يزيد الرّشك، قال: سمعت معاذة، قالت: قلت لعائشة: «أكان النّبىّ ﷺ يصلّى الضّحى؟ قالت: نعم، أربع ركعات ويزيد ما شاء الله». ــ (باب صلاة الضحى) هو بالضم والقصر لغة: فوق الضحوة كطلحة، والضحية: كعشية التى هى ارتفاع أول النهار، وبه سميت صلاة الضحى، فالإضافة بيانية، وقيل: الإضافة بمعنى فى، أو من باب إضافة السبب إلى المسبب كصلاة الظهر، والضحاء بالفتح والمد من حين الارتفاع إلى ربع السماء، وأما شرعا: فيدخل وقتها بخروج وقت الكراهة، بأن ترتفع الشمس كرمح، وسنة الإشراق فى غيرها، وهى ركعتان عند شروق الشمس، وصلاهما مع كونهما فى وقت الكراهة، لأنهما من ذوات السبب المقارن، بل جرى كثيرون من أئمتنا على أن الضحى يدخل بمجرد طلوع الشمس أيضا. ٢٧٤ - (الرشك) بكسر الراء وضمها وسكون المعجمة، قيل: القسام الذى يقسم الدور، وكان يقسمها بمكة قبل الموسم بالمساحة أى يتصرف الملاك فى أملاكهم بالموسم، وقيل: كبير اللحية، وكان يزيد كبيرها وهو بالفارسية العقرب، قال ابن الجوزى وغيره: دخل عقرب لحيته فأقام بها ثلاثة أيام، وهو لا يشعر، واستشكل عرفة كونها ثلاثا، وأجيب: بأنه يحتمل أنه دخل مكانا كثير العقارب ثم رآها بعد الخروج منه بثلاثة أيام، فعلم أنها من ذلك المكان وبأنه يحتمل أن أحدا رآها حين دخل ولم يخبره بها، إلا بعد ثلاثة أيام ليعلم هل يحس بها أم لا؟ وزعم أن ما ذكر فى العقرب قد يقع لخفيف

стр. 403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللحية، فلا وجه لتسميته الرشك بذلك لكبر لحيته مكابرة بأن الوجود قاض بأن ذلك إنما يقع لكبير اللحية خبا وهو فى بعض الأصول مجرور نظير سعيد كرز، ومرفوع نظير أبو حفص عمر والله أعلم. (قالت: نعم) رواه عنها أيضا مسلم وأحمد، وفيه: ندب صلاة الضحى، وهو ما عليه جمهور العلماء، وأما ما صح عن ابن عمر من قوله: «بدعة ونعمت البدعة» (١)، ومن قوله: «قتل عثمان وما أحد نسخها، وما أحدث الناس شيئا أحب إلىّ منها» (٢) فأولوه: بأنه لم يبلغه ما يأتى من الأحاديث أو أنه أراد أنه ﷺ لم يداوم عليها، أو أن التجمع لها فى نحو المسجد هو البدعة، والحاصل أن نفيه لا يدل على عدم مشروعيتها، لأن الإثبات زيادة علم خفيت على النافى مقدم على المنفى رويته ويؤيده خبر البخارى: «قلت لابن عمر: أتصلى الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ فقال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبى ﷺ ؟ قال: لا أخاله» أى لا أظنه وهو بكسر الهمزة وحكى فتحها أو أراد نفى صفته كالتجمع المذكور، لا نفى أحد صلاها، لأن أحاديثها تكاد أن تكون متواترة كيف وقد رواه عن النبى ﷺ من أكابر الصحابة تسعة عشر نفسا، كلهم شهدوا أن النبى ﷺ كان يصليها كما بينه الحاكم وغيره، ومن ثمة قال شيخ الإسلام أبو زرعة: ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبرى: إنها بلغت حد التواتر، والسنة أن تفعل فى المسجد لحديث ورد بذلك فتكون مستثناه، ويجىء أنها مستثناة أيضا من أن الأفضل فى النوافل أن تفعل فى البيت (أربع ركعات) حمول ليصلى المدلول عليه بنظيره فى كلام السائل. (ويزيد ما شاء الله) يؤخذ من مجموع الأحاديث أن أقلها ركعتان كما فعل ﷺ رواه ابن عدى، بل هو أصح شىء فى الباب كما نقله [المصنف] (٣) عنه رضى الله عنه وأكثرها ثنتى عشرة ركعة لخبر: «من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له قصرا فى الجنة» (٤) استغربه المصنف، وقول النووى فى مجموعه فى ذلك: حديث ضعيف كأنه يشير إليه فيه نظر لأن له طرقا تقويه وترقيه إلى درجة الحسن، ولكن أفضلها ثمان كما فى الروضة

стр. 404

٢٧٥ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنى حكيم بن معاوية الزيادى، حدثنا زياد ابن عبيد الله بن الربيع الزيادى، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يصلّى الضّحى ستّ ركعات». ٢٧٦ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، أنبأنا شعبة، عن عمرو ــ وغيرها، لأن حديثها الآتى خبر أصح من حديث اثنتى عشرة، بل قال كثيرون: أكثرها ثمان، ولا تجوز الزيادة فيها عليها، لكن الصحيح: أن أكثرها من حديث الجواز ثنتى عشرة، وأفضلها ثمان، وقد يفضل العمل القليل كما اشتمل عليه من مزيد فضل الاتباع العمل الكثير، «ويزيد» عطف على يصلى مقدارا بعد شاء الله، فتبين أنه لا تضر الزيادة، لكن باستقراء الأحاديث الصحيحة والضعيفة علم أنه لم يزد على الثمان، ولم يرغب فى أكثر من الثنتى عشر وفى جوابها بما ذكر زيادة على ما طلبه السائل، وهى محمودة فى الجواب لها تعلق بالسؤال. ٢٧٦ - (ما أخبرنى. . .) إلخ إنما نفى علمه، فلا ينافى ما حفظه غيره على أنه يكفى

стр. 405

ابن مرة، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: «ما أخبرنى أحد أنه رأى النبى ﷺ يصلّى الضّحى إلاّ أمّ هانئ، فإنّها حدّثت أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح ثمانى ركعات، ما رأيته صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود». ــ إخبار. (أم هانئ فإنها حدثت. . .) إلخ رواه عنها البخارى، وفى رواية «ضحى»، ولمسلم: «أنه ﷺ صلّى فى بيتها عام الفتح ثمان ركعات فى ثوب واحد قد خالف بين طرفيه»، وقد بينا فيهما رواية النسائى: «أنها ذهبت إليه ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره بثوب فسلمت فقال: من هذا؟ قلت: أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفا فى ثوب واحد» (١)، إلا أن يجاب بتعدد الواقعة، فمرّة كان فى بيتها، وأخرى ذهبت إليه، ويحتمل أنه كان فى بيتها فى ناحية عنها وعنده فاطمة فذهبت إليه، وكان ذهابها إليه لشكوى أخيها على رضى الله عنه، إذ أراد أن يقتل من أجارته فقال ﷺ «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» (٢)، وروى أبو داود: «أنه ﷺ يوم

стр. 406

٢٧٧ - حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا وكيع، حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله ابن شقيق قال: قلت لعائشة: «أكان النّبىّ ﷺ يصلّى الضّحى؟ قالت: لا إلاّ أن يجىء من مغيبه». ــ الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات فسلم من كل ركعتين»، ولمسلم فى كتاب الطهارة: «ثم صلى ركعات سبحة الضحى» وبها بطل قول عياض وغيره: حديثها ليس بظاهر فى قصده سنة الضحى، ولابن عبد البر أنها قالت له ﷺ : «ما هذه الصلاة؟ قال: صلاة الضحى»، وأما قول من قال: لا تفعل صلاة الضحى إلا بسبب، لأنه ﷺ إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، فيبطله ما مر من الأحاديث، وما صح عن أبى هريرة «أوصانى خليلى بثلاث لا أدعهن حتى أموت وذكر منهن: الضحى» (١)، والجواب: بأنه يروى «أنه كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمر بالضحى بدلا عن قيام الليل»، ولهذا أمر دون بقية أكابر الصحابة أن لا ينام إلا على وتر، يرده: بأن هذه القصة غير خاصة به، بل رواها مسلم عن أبى الدرداء والنسائى عن أبى ذر. (فاغتسل) أخذ منه أئمتنا أنه يسن لمن دخل مكة أن يغتسل أول يوم لصلاة الضحى اقتداء به ﷺ . (فسبح) أى صلى من باب تسمية البعض باسم الكل لاشتمال الصلاة على التسبيح. (أخف منها) لا يؤخذ منه ندب التخفيف فى صلاة الضحى، لأنه لا يعلم من المواظبة على ذلك فيها، بخلافه فى سنة الفجر، بل الثابت عنه ﷺ أنه صلى الضحى فطول فيها وإنما خفف يوم الفتح، لاحتمال أنه قصد التفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به. ٢٧٧ - (إلا أن يجىء من مغيبه) بفتح فكسر ثم هاء أى: من سفره، لما ورد: أنه ﷺ

стр. 407

٢٧٨ - حدثنا زياد بن أيوب البغدادى، حدثنا محمد بن ربيعة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى. قال: «كان النّبىّ ﷺ يصلّى الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها حتّى نقول لا يصلّيها». ــ كان لا يقدم من سفره إلا نهارا وقت الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد أول قدومه، فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه، وسمى السفر بذلك لأنه يستلزم الغيبة عن الأهل والوطن، وقول شارح: إنها تاء التأنيث، مردود: بأن الذى فى الأصول المصححة الأول، وقولها هنا «لا» موافق لقولها: «ما صلى سبحة الضحى قط»، وإن خالفه فى «إلا» إلخ، «وإنى لأصليها» رواه الشيخان، ولما صح عنها «ما رأيته يصلى سبحة الضحى» فينافى قولها السابق: «نعم»، على ما قيل، وليس كذلك بل قولها «ثم نعم» محمول على أنها علمت منه، أو من غيره أنه كان يفعلها، وقولها هنا: «لا وما صلاها وما رأيته» محمول على نفى رؤيتها فحسب، ومما يرجحه أنه ﷺ كان يفعلها أحيانا ويتركها أحيانا كما يأتى، ولم يكن عند عائشة دائما، بل فى نوبتها، وهى يوم من تسعة أيام، وربما اشتغل فى يومها عنها، أو صلاها بالمسجد، فصدق قولها: «لا وما رأيته» باعتبار المشاهدة وقولها: «نعم» باعتبار العلم، قيل: وقولها السابق: «ما رأيته يصليها ينازع من جعل من خصائصه أنها واجبة عليه، ورواية الدارقطنى «أمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها» (١) ضعيف، ويرد: بأن الذى من خصوصياته كما صرحوا به أصل صلاتها لا تكريرها كل يوم.

стр. 408

٢٧٩ - حدثنا أحمد بن منيع، عن هشيم، أنبأنا عبيدة، عن إبراهيم، عن سهم ابن منجاب، عن قرثع الضبى-أو عن قزعة عن قرثع-عن أبى أيوب الأنصارى: «أنّ النّبىّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس. فقلت: يا رسول الله، إنّك تدمن هذه الأربع الرّكعات عند زوال الشّمس. فقال: إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس، فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لى فى تلك السّاعة خير. قلت: أفى كلّهنّ قراءة؟ قال: نعم. قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: لا». ــ بسور منها: الشمس وضحاها، والضحى» ومناسبة ذلك ظاهرة. ٢٧٩ - (منجاب) بكسر فسكون النون فجيم موحدة. (قرثع) بقاف فراء فمثلثة فمهملة كجعفر. (عن أبى أيوب. . .) إلخ، وروى البزار نحوه من حديث ثوبان، «وهو أنه ﷺ كان يستحب أن يصلى حد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، فقال: تفتح فيها أبواب، وينظر الله إلى خلقه بالرحمة، وهى صلاة كان يحافظ عليه: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى» (١). (يدمن)

стр. 409

٢٨٠ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبى الوضاح، عن عبد الكريم الجزرى، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب: «أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّى أربعا بعد أن تزول الشّمس قبل الظّهر، وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السّماء، فأحبّ أن يصعد لى فيها عمل صالح». ــ أى يواظب ويلازم. (ترتج) أى تغلق. (خير) فيه دليل على أن الصلاة خير موضوع، كما ذكره ﷺ فى حديث آخر قالت: «نعم» إن حمل على قراءة الفاتحة فهو ظاهر وعلى قراءة السورة فكذلك لأن مذهبنا أنه إذا وصل بين ركعات واقتصر على تشهد واحد قرأ فى الجميع وإلا قرأ فيما قبل التشهد الأول تشبيها بالفرض. (قال: لا) فيه دليل لجواز سنة الزوال والظهر والعصر الأربع بتسليمة واحدة، ولا يشكل عليه امتناع صلاة أربع من التراويح بتسليمة واحدة، لأن تلك بطلب الجماعة فيها أشبهت الفرائض فاقتصر فيها على الوارد، بخلاف نحو سنة الظهر على أن الوارد فيها كما علمت، الفصل والوصل وسرّه ما تقرر من الفرق. ٢٨٠ - (عن عبد الله بن السائب. . .) إلخ روى المصنف فى غير هذا الكتاب نحوه أيضا، وهو حديث: «أربع قبل الظهر وعند الزوال يحسب بمثلهن فى السحر، وما من شىء إلا وهو يسبح بحمد الله فى تلك الساعة» ثم قرأ: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَاَلشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (١) أى: صاغرون خاضعون. وهذه الأربع ورد مستقل سببه انتصاف النهار وزوال الشمس، لأن انتصافه مقابل لانتصاف الليل وعند زوالها. (تفتح أبواب السماء) فهو نظير النزول الإلهى المنزه عن الحركة والانتقال، وسائر سمات الحدوث، إذ كل منها وقت قرب ورحمة، واستشكلت المناسبة فى هذين الحديثين بصلاة الضحى، ويجاب: بأن يؤخذ عن مجموع صلاته ﷺ للضحى ولهذه الركعات الأربع بعد الزوال، وتعليل فعلها بما ذكر فى الحديث: أن وقت صلاة الضحى يمتد إلى الزوال، وهو مذهبنا فكان فيه نوع إشارة إلى آخر وقتها، وأما أولها فاسمها

стр. 410

٢٨١ - حدثنا أبو سلمة: يحيى بن خلف، حدثنا عمر بن على المقدمى، عن مسعر بن كدام، عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن على كرم الله وجهه: «أنّه كان يصلّى قبل الظّهر أربعا، وذكر أنّ النّبىّ ﷺ كان يصلّيها عند الزّوال، ويمدّ فيها». ــ مشارا إليه كما قدمته لك أول الباب، ثم رأيت بعضهم أجاب: بأن الضحى فى الترجمة أعم من الحقيقى والمجازى، وهو بعيد، إذ هذا التجوز أعنى تسمية سنة الظهر صلاة الضحى لم يصر إليه أحد من الفقهاء فيما علمت، فلا ينبغى أن يظن بالمصنف مع سعة علمه وإطلاعه الذهاب إلى ذلك الذى ليس فيه إلا محض حرف اصطلاحهم، وعجيب من قول هذا البعض بناء على ما قدمه أن قوله. ٢٨١ - (يمد فيها) أى يطول فيها، فيه دليل لاستحباب طول القراءة فى صلاة الضحى. ...

стр. 411

٤٢ - باب: صلاة التطوع فى البيت ٢٨٢ - حدثنا عباس العنبرى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن معاوية، عن عمه عبد الله بن سعد، قال: «سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة فى بيتى والصّلاة فى المسجد. قال: قد ترى ما أقرب بيتى من المسجد، فلأن أصلّى فى بيتى أحبّ إلىّ من أن أصلّى فى المسجد، إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة». ــ ٢٨٢ - (قد ترى. . .) إلخ فيه زيادة الإيضاح فى الجواب إذ بين له ﷺ ما يفعله، ليكون ذلك أدعى إلى الاقتداء به، وليفهمه أنه لا فرق فى أن كونها فى البيت أفضل منها فى المسجد من قرب المسجد من بيته وبعده عنه، وسبب ذلك أنها فيه مصونة عن أن يتطرق إليها نحو رياء، أو يجاب، وبها تعود البركة على البيت، ويحفظ من الشيطان، كما جاء فى روايات من ذلك، وبه علم أفضلية صلاة البيت حتى على جوف الكعبة، وأنه لا فرق بين أن يكون المسجد خاليا أو فيه الناس، لأنه وإن انتفى نحو الرياء بخلوة بقى طلبها بالبيت بعود الرحمة والبركة فيه، فكانت أفضل فيه مطلقا، نعم يستثنى من ذلك نوافل فى المسجد أفضل وأولى منها فى البيت صلاة الضحى كما مر وسنة الطواف، وما سن فيه جماعة من النوافل وغير ذلك وقوله. (ما أقرب) صيغة

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعجب ابتدأ بها فى ضمن قوله: «قد ترى» زيادة فى الإيضاح والتأكيد بفضل النافلة فى البيت. (فلأن. . .) إلخ تفسير الإبهام الذى قصده بها، ليتقرر فى النفس بالتفسير بعد الإبهام أى: لأن أصلى فى بيتى مع قربه من المسجد أحب إلىّ. وقول: (إلا. . .) إلخ قيل تقديره: أحب إلى من أن أصلى فى المسجد أى وقت إلا وقت أن تكون الصلاة صلاة مكتوبة، انتهى، وفيه بعد وإبهام، والتقدير الأصوب: أن أصلى فى المسجد كل صلاة، إلا أن تكون الصلاة مكتوبة، فالأحبّ إلىّ صلاتها فيه. ***

стр. 413

٤٣ - باب: ما جاء فى صوم رسول الله ﷺ ــ (باب ما جاء فى صوم رسول الله ﷺ فرضا ونفلا، والصوم لغة: الإمساك، وشرعا: الإمساك عن المفطرات بشروطها والقصد به إمساك النفس عن شهواتها، وكفى بشرفه إضافته تعالى له فى خبر مسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به» (١) وسبب اختصاصه بذلك لم يعبد به غير الله وما وقع من عبادة النجوم بالصوم فهو ليس مع اعتقاد أنها فعالة بأنفسها أو بعده عن الرياء، إذ لا يدخله الرياء إلا بالإخبار عن فعله بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها، وأنه لاحظ للنفس فيه أو أن الاستغناء عن نحو الطعام من صفاته تعالى فأضافه إليه لموافقته لصفاته فكأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إلىّ بأمر يتعلق بصفة من صفاتى، أو أنه من صفات الملائكة، أو أنه تعالى انفرد بعلم قدر ثوابه وغيره قد يطلع عليه بعض خلقه، ولذا قال: «وأنا أجزى به»، وتولى الكريم للجزاء يستدعى سعة العطاء، ولهذا وخبر النسائى: «عليك بالصوم، فإنه لا عدل له» (٢) قيل: إنه أفضل حتى من الصلاة، لكن الأصح تفضيلها لخبر أبى داود: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» فهى أفضل العبادات البدنية وللصوم أحكام كثيرة صحت عنه ﷺ وأهملها المصنف، فلا بأس بالإشارة إلى بعضها فنقول: روى أبو داود: «كان ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عدّ ثلاثين يوما ثم صام» (٣) وقوله: «عدّ ثلاثين» مفسر لقوله ﷺ فى خبر مسلم: «فإن غم عليكم

стр. 414

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاقدروا له» (١) أى: قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما عند حيلولة غيم بينكم وبينه، ولا يجوز الصوم عندنا كالجمهور خلافا لإيجاب أحمد له، وصح «أنه ﷺ صام بشهادة ابن عمر وحده، وأمر الناس بالصيام»، وروى الشيخان: «أنه كان يقبّل بعض نسائه وهو صائم» (٢) ولا يقاس به غيره كما أشارت إليه عائشة، بل إن حركت شهوته حرم وإلا كرهت، وفى خبر ضعيف: «كان يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم» (٣) وعلى فرض صحته فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه المختلط بريقها وصح: «كان ﷺ يصبح جنبا من جماع لا حلم ثم لا يفطر ولا يقضى» (٤)، وصح: «كان يكتحل بالإثمد وهو صائم» (٥)، وروى أبو داود والترمذى: «رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصى» (٦)، وصح: «أنه كان يفطر عقب غيبوبة الشفق» وإن بقى آثار ضياء وحمرة وظن بعض أصحابه أن هذه البقايا من النهار فقال: يا رسول الله إن عليك نهارا، فأجابه ﷺ بقوله وأشار بيده: «إذا غابت الشمس من هاهنا، وجاء الليل من ههنا فقد أفطر الصائم» أى: دخل وقت إفطاره، وروى أبو داود: «أنه كان يفطر كل يوم على رطبات، فإن لم يجد رطبات فتمرات، فإن لم يجد رطبات فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسى حسوات من ماء» (٧)، وحكمة الأولتين أن الطبيعة مع خلوها أقبل للمساء، ولانتفاع القوى به، لا سيما قوة البصر وحكمة الماء أن الكبد تيبس من الصوم

стр. 415

٢٨٣ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صيام رسول الله ﷺ قالت: «كان يصوم حتّى نقول: قد صام، ويفطر حتّى نقول: قد أفطر قالت: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا منذ قدم المدينة، إلاّ رمضان». ــ فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، وإن كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده وصح من طرق «أنه ﷺ نهاهم عن الوصال، وهو عدم تناول مفطر بين الصومين، فقالوا: إنك تواصل فقال: «إنى لست مثلكم إنى أظل عند ربى يطعمنى ويسقينى» (١)، وفى رواية: «إنى أبيت»، قيل: والإطعام والإستقاء على حقيقته فكان يؤتى بطعام وشراب له لا كرامة له، ورد بأنه لم يكن مواصلا، وح بأن أظل يدل على وقوع ذلك نهارا، فلو كان بالأكل والشرب حقيقة لم يكن صائما، وأجيب: بأن رواية «أبيت» هى الأكثر بل الأرجح «فأظل» محمولة عليها بأن يراد بها معنى أبيت مجازا، وعلى بقائها على ظاهرها فالإطلاق باق على حقيقته لأن ما يؤتى به من طعام الجنة، فلا تجرى عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره الشريف فى طست الذهب مع تحريمه على ما يأتى فى مبحث الإسراء، والجمهور أنه مجاز أى: يطيق قوة المطاعم والمشارب بأن يخلق فيه من الشبع والرى ما يعدل الطعام والشراب، أو ما يغذيه من معارفه وقرة عينه بقربه، قال النووى فى مجموعه: أو معناه أن محبة الله تشغلنى عن الطعام والشراب إذ الحب البالغ يشغل عنهما. ٢٨٣ - (قالت: كان. . .) إلخ روى نحوه ونحو الأحاديث بعده الشيخان وغيرهما ولفظ مسلم: «حتى يقال: قد صام صام، ويفطر حتى يقال: أفطر أفطر» (٢) وفى البخارى: «حتى يقول القائل: والله ما يفطر حتى يقول: لا والله ما يصوم» (٣). (نقول) بالنون وتاء الخطاب أى: أيها السامع لو أبصرته، وبالنصب وهو الأفصح، ويجوز الرفع، لأن حتى هنا ليست للغاية حقيقة. (وما دام) أى داوم على الصوام وكذا يقال فى (قد أفطر) وهو معنى الرواية الأخرى: «كان يصوم حتى يقول: لا يفطر، ويفطر

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حتى يقول: لا يصوم» (١). (منذ قدم المدينة) قيل: قيدت به لإفادة النفى لجميع الأزمنة فى المدينة، لا لنفى الصوم فى غيرها، لأنه لم يكن فى مكة من يعرف حاله ﷺ انتهى، وفيه نظر لأنها عرفت كثيرا من أحواله بمكة بالسؤال عنها من غيرها فى ابتداء الوحى وغيره، فالأولى أن يقال: قيدت به، لأن الأحكام لما كثرت وتتابعت من حين قدومه، على أن رمضان لم يفرض إلا فيها فى شعبان فى السنة الثانية. (إلا رمضان) من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور بناء على القول الضعيف أن الواضع غير الله، وأقول: إن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك كما سموا الربيعين لموافقتهما من الربيع، لا من رمض الذنوب أى: حرقها، لأن تلك التسمية قبل الشرع، وفى الحديث: دليل على أنه لم يصم شعبان كله، لكن فى الرواية الآتية «أنه صامه كله» (٢) فيحمل على كثرة كما فى روايات أخر على أن صوم النفل لا يختص بزمن، وعلى أنه يسن أن لا يخلى شهر منه، وعلى أن كل السنة صالحة إلا رمضان، ويضم إليه العيدان، وكذ أيام التشريق مطلقا، وعلى تفصيل عند غيرنا والدليل يساعده، وعلى أن رمضان لا يقبل غيره حتى لو فرض أن فرضه سقط عن نحو مريض ومسافر، ثم أراد أن يصوم يوما منه نفلا من غير رمضان من نحو نذر، أو قضاء، أو نفل لم يصح منه، وعلى أنه لا يكره أن يقال: رمضان، وهو ما عليه أكثر العلماء، وقد جاء فى روايات كثيرة صحيحة عرفا عن لفظ شهر، ومن ثمة كان القول بالكراهة شاذا دليلا وقياسا، وزعم أنه من أسماء الله مردود، والحديث فيه ضعيف، وكذا القول بالتفصيل بين أن يكون هناك قرينة تصرفه عن أن يطلق على الله كصمت رمضان فلا يكره، وبين أن لا كجاء رمضان فيكره فهو شاذ كذلك، ففى الحديث: «إذا جاء رمضان فتحت له أبواب الجنة. . .» (٣) الحديث.

стр. 417

٢٨٤ - حدثنا على بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس ابن مالك، أنه سئل عن صوم النبى ﷺ ، فقال: «كان يصوم من الشّهر حتّى نرى ألا يريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نرى أنه لا يريد أن يصوم منه شيئا، وكنت لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلاّ رأيته مصليا، ولا نائما إلاّ رأيته نائما». ــ ٢٨٤ - (نرى) أى نظن بالنون والياء متكلما أو غائبا. (أن) مخففة من الثقيلة. (لا تشاء. . .) إلخ، لا: نافية داخلة على محذوف أى: ليس من زمن من أزمنة الليل تريد أن تراه فيها متهجدا إلا رأيته كذلك، وليس من زمن تلك الأزمنة تريد أن تراه فيها نائما إلا رأيته نائما، والحصر فى ذلك إضافى باعتبار تفاوت هذين الحالين عليه مع غلبة التهجد على النوم تارة وعكسه أخرى فالحكم للغالب، فبهذا الاعتبار صح الحصر فى كل من الطرفين، وتبين أنه لم يكن له زمن معين لأحدهما لا يختل عنه، كما هو شأن أصحاب الأوراد الباقين مع نفوسهم، فعاداتهم التى توطنت نفوسهم عليها فلم يكن فى تركها كبير مشقة، وهذا الذى ذكرته، وإن لم أر من سبقنى إليه أولى وأظهر فى المعنى من قول بعضهم: لعل هذا التركيب من باب الاستثناء على البدل وتقديره على الإثبات أن يقال: إن شاء رؤيته متهجدا رأيته متهجدا، وإن شاء رؤيته نائما رأيته نائما، وقوله: «إلا إن رأيته» معناه: إلا وقت إن رأيته والتقدير: وقت مشيئتك أبدا يكون وقت الصلاة، أو النوم بالاعتبارين السابقين فى رواية: «إلا رأيته رأيته» هو على حذف مضاف أى: إلا زمان رؤيتك إياه، فالتقدير هنا كهو فيما قبله، وإيهام بعض الروايات خلاف ما تقرر غير مراد لما دل عليه مجموع الأحاديث، والحاصل: أن أمره ﷺ فى صومه وصلاته كان على غاية من الاعتدال، ومجانبة الإسراف والتقصير، والإفراط والتفريط، ينام أو أن ينبغى أن ينام فيه كأول الليل ويصلى، أو أن يصلى فيه كأواخره،

стр. 418

٢٨٥ - حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النّبىّ ﷺ يصوم حتّى نقول: ما يريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نقول: ما يريد أن يصوم، وما صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا رمضان». ٢٨٦ - حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، عن سفيان بن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن أبى سلمة، عن أم سلمة، قالت: «ما رأيت النّبىّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان». قال أبو عيسى: هذا إسناد صحيح. أى أن هذا الإسناد المذكور سابقا صحيح على شرط الشيخين. وذكر ذلك ابن حجر. ــ وكذا فى الصوم، ومن ثمة: لما بلغه ﷺ أن بعض أصحابه حلف ليصلين الليل أبدا وبعضهم حلف ليصومن الدهر قال: «أما أنا فأصلى وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتى فليس منى» (١)، وزاد أنس فى الجواب حكم الصلاة فى الليل تنبيها للسائل على أنها إن لم تكن أحق بالسؤال عنها بالصوم كانت مثله. ٢٨٦ - (عن أم سلمة. . .) إلخ رواية الشيخين عن عائشة. «ما رأيته صام شهرا قط إلا

стр. 419

(وهكذا قال عن أبى سلمة، عن أم سلمة، وروى هذا الحديث غير واحد عن أبى سلمة، عن عائشة عن النبى ﷺ ، ويحتمل أن يكون أبو سلمة بن عبد الرحمن قد روى هذا الحديث عن عائشة، وأم سلمة جميعا عن النبى ﷺ . وهذا صحيح، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن، كان يروى عن عائشة وأم سلمة، رضى الله عنهما. ــ شهر رمضان، وما رأيته فى شهر أكثر منه صياما فى شعبان» (١)، وفى رواية لهما: «لم يكن يصم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم كله» (٢)، وفى أخرى لأبى داود: «كان أحب الشهور إليه أن يصوم شعبان، ثم يصل به رمضان» (٣)، وفى أخرى للنسائى: «كان يصوم شعبان أو عامة شعبان» (٤) وفى أخرى له أيضا: «كان يصوم شعبان كله حتى يصله برمضان» (٥) أى أكثره كما مر بما فيه، ويحتمل أنه فى بعض السنين صامه كاملا فحفظته أم سلمة، ثم رأيت الطيبى صرح به فقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ومعظمه أخرى، ولا يصح الجمع بأنه كان قبل قدومه المدينة قد يستكمل صوم شعبان أخذا من قول عائشة فيما مر منه منذ قدم المدينة، لأن صوم رمضان إنما فرض فى المدينة فى شعبان فى السنة الثانية من الهجرة، وفى مكة لم يحفظ منه ﷺ سرد صوم لا فى شعبان ولا فى غيره فى التقييد بالمدينة فى كلام عائشة لا يستثنى رمضان لا لإفادة أنه بمكة كان يستكمل شهرا، أو شهورا بالصوم، ونقل المصنف عن ابن المبارك: أنه يجوز فى كلام العرب أن يعبر بصوم كل شهر عن صوم معظمه. (قال) كأنه جمع بين الحديثين بذلك. (صحيح على شرط الشيخين) وكذا (قال) أى ابن أبى الجعد. (ويحتمل. . .) إلخ يتعين هذا الاحتمال لتصح الروايتان ويسلما من الأخطاء أن أبا سلمة بن عبد الرحمن كان يروى عن كل من أم سلمة وعائشة.

стр. 420

٢٨٧ - حدثنا هنّاد، حدثنا عبدة، عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن عائشة، قالت: «لم أر رسول الله ﷺ يصوم فى الشّهر أكثر من صيامه فى شعبان، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا بل كان يصومه كلّه». ــ ٢٨٧ - (لم أر) الظاهر أنها علمية. و (أكثر) ثانى مفعولها. (من صيامه فى شعبان) فبأنه كان يصوم منه ومن غيره لكن صومه منه أكثر. (إلا قليلا بل كان يصومه كله) رواية البخارى: «كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا» (١)، فالثانى تفسير الأول ومبين لأن المراد بالكل فى هذه الرواية الأكثر، وإن قيل: إنه مجاز قليل الاستعمال إذ التأكيد بكل الرفع المجاز، ويرد: بأن ذلك للغالب وأن التأكيد بها قد يكون لغير رفع المجاز، كما يعلم من قولى الآتى، وحكمة الاضطراب إلخ ومعلوم أن ضرورة الجمع بين الأحاديث، سيما إن اتحد راويها يسهل ارتكاب المجاز أو البعيدة والتأويلات المتكلفة، لأن هذا أسهل من إلغاء بعض الأحاديث من صحته، وقال ابن المنير: يجمع بأن قولها الثانى متأخر عن قولها الأول فأول أمره: كان يصوم أكثره، والآخر: كان يصوم كله انتهى، ولم أدر ما الحامل له على الجمع بهذا الذى هو عكس الترتيب اللفظى أوجه، أى: كان أول أمره يصوم كله، فلما أسن وضعف صار يصوم أكثره ويجزئ الجمع بذلك فى قولها هذا، بل يصومه كله، وحكمه الاضطراب: أن قولها: «إلا قليلا» ربما يتوهم منه أن ذلك القليل يصدق بماله وقع نحو ثلث الشهر، فيثبت بكله أنه لم يكن يفطر منه، إلا ما وقع له بحيث يظن أنه صامه كله وإن لم يكمله لئلا يظن وجوبه، واختار صومه على أشهر الحرم حتى على المحرم مع قوله: «إن أفضل الصوم

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعد رمضان صوم المحرم» (١) رواه مسلم، إما لاحتمال أنه لم يعلم أفضل الصوم المحرم إلا فى آخر حياته، وإن كان يعرض له فيه وفى بيته المحرم عذر يشق معه الصوم كسفر ومرض، وإما أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو لغيره، لخبر الطبرانى بسند ضعيف عن عائشة «كان ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر» (٢) فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان، وإما تعظيما لرمضان لخبر غريب عند المصنف قال: وفيه صدقة، وهو ليس بذلك القوى، وسئل ﷺ : «أى الصوم أفضل بعد رمضان قال: شعبان» (٣) لتعظيم رمضان، وإما لأنه يغفل عنه للخبر الصحيح عن أسامة «قلت: يا رسول الله ﷺ لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم شعبان قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم» (٤) فبين ﷺ حكمة إفراده: بأن لما اكتنفه شهران عظيمان اشتغل الناس بهما فصار مغفولا عنه مع ما انضم لذلك من رفع الأعمال فيه، أى: رفع جملة أعمال جميع السنة، فلا ينافى رفعها كل يوم وليلة ويوم الإثنين والخميس، لأن الأول خاص بأعمال اليوم والليلة، والثانى خاص بأعمال الأسبوع، قيل: ويؤخذ من هذا الحديث: أن صوم شعبان أفضل من صوم رجب انتهى، وله وجه، لكن مذهبنا أن رجب أفضل لأنه من الحرم وقد مر عن مسلم «أن المحرم أفضل» (٥) فيقاس به رجب كيف وقد قال بعض الشافعية: إنه أفضل الحرم؟ لكنه

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضعيف، وفى سنن أبى داود: «أنه ﷺ ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم» (١) ورجب أحدها، وعن عروة «أنه قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله ﷺ يصوم فى رجب؟ قال: نعم وشرفه قالها ثلاثا» (٢) أخرجه أبو داود وغيره، وعن أبى قلابة «إن فى الجنة قصرا لصوام رجب» قال البيهقى: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ، وأما ما ذكره ابن ماجه من حديث ابن عباس «أنه نهى عن صيامه» فالصحيح: وقفه على ابن عباس، فلا حجة فيه، وإما لأنه ينسخ فيه الآجال لخبر ضعيف عن عائشة «قلت: يا رسول الله أرى أكثر صيامك فى شعبان، قال: إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت من يقبض، فإنى أحب أن لا ينسخ اسمى إلا وأنا صائم»، وإما لأن صومه كالتمرن على صوم رمضان، والمنهى عن الصوم فى النصف الثانى من شعبان محله فى ما لم يصله بما قبله، ولم تكن له عادة، ولا قضاء عليه، ولا نذر. فائدة: روى أبو داود: «أنه ﷺ كان يصوم تسع ذى الحجة» (٣)، ولا ينافيه خبر مسلم عن عائشة: «ما رأيته صائما فى العشر قط» (٤)، لأنه لا يلزم من انتفاء رؤيتها انتفاء وقوع ذلك كيف وقد أثبت غيرها؟ وفى البخارى «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه فى هذه» (٥) يعنى العشر الأول من ذى الحجة والصوم من العمل الصالح، وفى رواية: «ما من علم أزكى عند الله، ولا أعظم أجرا من خير يعمله فى عشر الأضحى» (٦)، وفى

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صحيح أبى عوانة وابن حبان: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذى الحجة» (١) وهو صريح فى أن هذا العشر أفضل أيام السنة، ولا ينافيه خبر مسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة يوم عرفة والنحر» (٢) وما من جملة العشر، وسبب امتيازه: اجتماع أمهات العبادة فيه من نحو الصلاة والصوم والحج، كذا قيل وفيه وقفه من أن ظاهر الحديث أنه أفضل بالنسبة للحاج وغيره، إلا أن يقال: إن صلاحيته لذلك اقتضت أفضليته مطلقا، واستفيد من قوله: «ما من أيام» أن أيامه أفضل حتى من العشر الأخير من رمضان، لاشتماله على يوم عرفة لم ير الشيطان أحقر منه فيه، وأن صومه يكفر سنتين، وعلى أعظم الأيام عند الله وحرمته وهو يوم النحر الذى سماه الله يوم الحج الأكبر وليالى العشر الأخير أفضل من لياليه لاشتماله على ليلة القدر التى هى خير من ألف شهر، قال ابن النقاش وأطنب فى الانتصار له، وله وجه لكن الذى يصرح كلام الأئمة أن أيام العشر الأخير أفضل من أيام هذه أيضا بل أيام جميع رمضان أفضل لأنه سيد الشهور كما فى الحديث، ولأن الله اختارها لهذا الغرض الذى أضافه لنفسه دون بقية العبادات ومن ثم كان الصوم أفضل من الحج فتخصيص الشارع لها بالأفضل دليل على أنها أفضل، وح تعين حمل تلك الأحاديث على رمضان ويؤيده أن أفضلية الزمن ليس معناها، إلا أفضلية العبادة فيه، وقد تقرر أن عبادة أيام رمضان أفضل من عبادة أيام تلك العشر، فكانت تلك أفضل من هذه.

стр. 424

٢٨٨ - حدثنا القاسم بن دينار الكوفى، حدثنا عبيد الله بن موسى، وطلق بن غنام، عن شيبان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، قال: «كان النّبىّ ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة». ــ ٢٨٨ - (من غرة كل شهر) أى من أوله. (ثلاثة أيام) رواه أيضا أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة، وإنما كان يفعل ذلك ليفتتح الشهر بما يحصل عليه، إذ الحسنة بعشر أمثالها، ومن ثمة: ورد عنه ﷺ أنه قال: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله» (١)، وروى مسلم: «ثلاثة أيام من كل شهر ورمضان إلى رمضان فصيام الدهر كله» (٢). (وقلما كان يفطر يوم الجمعة) لا ينافى كراهة صومه لنهيه بقوله فى الحديث المتفق عليه: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» (٣) لاحتمال أنه كان يصومه مضموما إلى الخميس والسبت، وعند ضمه إلى غيره

стр. 425

٢٨٩ - حدثنا أبو حفص: عمرو بن على، حدثنا عبد الله بن أبى داود، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن ربيعة الجرشى، عن عائشة قالت: «كان النّبىّ ﷺ يتحرّى صوم الإثنين والخميس». ــ لا كراهة، وإنما المكروه: إفراده كما دل عليه الحديث، وسبب الكراهة أمور أصحها: أنه يوم عيد يتعلق به وظائف كثيرة دينية، والصوم يضعفه عنها، ومن ثمة كره صوم عرفة للحاج، لأنه يضعفه عن تلك الوظائف الدينية التى هى فيه بخلاف ما إذا ضم إلى غيره، فإن بصلة صوم ما قبله أو ما بعده يجبر ما فات سبب ذلك الضعف، لكن على هذا يصح أن يقال: أفضلية صوم يوم الجمعة يجبر ما فات من الوظائف، وكذا لا يكره إن وافق نذرا كأن نذر صوم يوم قدوم زيد فوافقه وأما دعوى: أن صوم يوم الجمعة بلا كراهة من خصائصه ﷺ يحتاج إلى دليل، ومجرد صومه مع نهيه لا يدل على الخصوصية، إلا لو ثبت أنه كان يفرده، ويداوم إفراده، وإلا احتمل أنه لبيان الجواز، وكذا دعوى: أن المراد بالصوم الإمساك إلى ما بعد صلاة الجمعة ثم يتعدى ح، ولم يبلغ مالكا النهى عن صومه فاستحسنه وأطال فى موطأه وهو وإن كان معذورا لكن السنة مقدمة على ما رواه هو وغيره قاله النووى. ٢٨٩ - (الجرشى) بجيم مضمومة فراء مفتوحة فمعجمة. (قالت. . .) إلخ رواه
следующие страницы →