← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ــ إلي أنه يصح أن يطلق علي الله كل اسم يصح مع تهافيه، والأفهام الصحيحة البشرية لها سعة ومجال في اختيار الصفات. وقال: وما ذهب إليه أهل الحديث هو الصحيح. ولو ترك الانسان وعقله لما جسر أن يطلق عليه غاية هذه الأسماء التي ورد الشرع بها، إذا كان أكثرها تعارفنا يقتضى أعراضًا، إما كمية نحو العظيم والكبير، وإما كيفية نحو الحي والقادر، أو زمانا نحو القديم والباقي، أو مكانًا نحو العلي والمتعالي، أو انفعالا نحو الرحيم والودود، وهذه معان له تصح عليه سبحأنه علي حسب ما هو متعارف بيننا، وإن كان لها معان معقولة عند أهل الحقائق، من أجلها صح إطلاقها عليه . وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بمال يصف به نفسه، فيقول: ((يا رحيم)) لا ((يا رفيق))، ويقول ((يا قوي))، لا ((يا جليد)). وقال الإمام فخرالدين الرازي: قال أصحابنا: ليس كل مائح معناه جاز إطلاقه عليه سبحأنه وتعالي؛ فأنه الخاق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال: ((يا خالق الذئب، والقردة))، وورد ((وعلم آدم الأسماء كلها))، ((وعلمك مالم تكن تعلم)) ((وعلمناه من لدنك علما)) ولا يجوز ((يا معلم))، ولا يجوز عندي ((يا محب)) وقد ورد ((يحبهم ويحبونه)). فإن قلت: ما ورد في شرح السنة عن أبي أمية قال: أنه رأي الذي بظهر رسول الله صلة الله عليه وسلم، فقال دعني أعالجه، فإني طبيب، فقال: ((أنت رفيق والله الطبيب))، هل هو إذن منه ﷺ في تسمية الله بـ ((الطبيب))؟ قلت: لا، لوقوعه مقابلا لقوله: ((فإني طبيب)) مشاكلة وطباقًا للجواب علي السؤال لقوله تعالي: ((تعلم ما في نفسى ولا أعلم ما في نفسك)) قوله: ((من أحصاها)) فيه وجوه: أحدها ((مح)): معنى ((أحصاها)) حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون. ويؤيده أنه ورد في رواية في الصحيح ((من حفظها دخل الجنة)). أقول: أراد بالحفظ القراءة بظهر القلب، فيكون كناية؛ لأن الحفظ يستلزم التكرار، فالمراد بإحصاء تكرار مجموعها. وثإنيها: أن يكون بمعنى الضي، والتفقد، والرعاية، فيرجع إلي معنى ما ذكره الشارحون: من أتى عليه حصرًا وتعدادًا وعلمًا وإيمانًا، فدعا الله بها استحق بذلك دخول الجنة، وذكر الجزاء بلفظ الماضى تحقيقًا. وثالثها: أن يكون بمعنى الإطاقة، أي أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها، وذلك بأن يعتبر معإنيها فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية، فيتخلق بها. ورابعها: أن تكون بمعنى العلم، أي عقلها وأحاط بمعإنيها، ويكون من قولهم: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل ولب. وخامسها: أن يكون مستعارًا للعلم من الإحصاء الذي هو عد الشيء؛ لكونه موجبًا للعلم به. وأقول: لما أكد الأعداد دفعًا للتجوز واحتمال الزيادة والنقصان، وقد أرشد الله تعالي بقوله:

стр. 1262

ــ ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)) إلي عظم الخطب في الإحصاء، بأن لا يتجأوز المسموع والأعداد المذكورة، وأن لا يلحد منها إلي الباطل، بل يستقيم فيها، ويعمل بمقتضاها. وقد علم من قوله: ((استقيموا ولن تحصوا)) أن الاستقامة أمر شاق. فقوله: ((أحصى)) كلمة جامعة لا تحصى فائدتها، ضرب لمعنى التجنب عن الزيادة والنقصان في عدد مثل تلك الأسماء مثل، وهو أن الطبيب الحاذق إذا وصف لداء مخصوص معجونا مركبا من أدوية معدودة بأوزان معينة، فإذا تصرف فيها بالزيادة والنقصان في العدد والوزن علي ما وصفه، لم يفد فائدة ما إذا لم يتصرف فيها. وهكذا قيل: إذا وصى الوالد ولده بأنى خبأت لك كنزا، ومن موضع كذا إليه كذا خطوات، فإن تعدى خطوة جأوز عنه، وإن نقص خطوة لم يصل إليه؛ لأن لمراتب الأعداد خواص في الشرع علي سبيل التعبد، كأعداد الركعات، ونصب الزكاة، ومقادير الحدود والكفارات، لا يعقل معناها وإن كانت لا تخلو عن حكمة بالغة، وجاء أيضا في رواية الصحاح. ((الوتر)) ((تو)): الوتر الفرد، الله سبحأنه هو الفرد الوتر؛ لأنه واحد لا شريك له، بل هو الوتر من حيث ماله الوحدة من كل وجه. وقوله: ((يحب الوتر)) أي يثيب علي العمل الذي أتى به وترا، ويقبله من عامله؛ لما فيه من التنبيه علي معإني الفردإنية قلبا، ولسانا، وإيمانا، وإخلاصا، ثم أنه أدعى إلي معإني التوحيد. قوله: ((هو الله الذي)) ((هو)) مبتدأ ((الله)) خبره ((الذي لا إله إلا هو)) صفته، و ((الرحمن)) إلي آخره خبر بعد خبر، والجملة مستأنفة، إما بيان لكمية تلك الأعداد أنها ما هي في قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) وذكر الضمير نظرا إلي الخبر، وإما بيان لكيفية الإحصاء في قوله: ((من أحصاها دخل الجنة)) دالة كيف تحصى، فالضمير راجع إلي المسمى الدال عليه قوله ((الله)). كأنه لما قيل: ((ولله الأسماء الحسنى)) سئل وما تلك الأسماء؟ فأجيب: هو ((الله))، أو لما قيل: ((من أحصاها دخل الجنة)) كيف أحصيها؟ فأجيب: قل ((هو الله))، فعلي هذا الضمير ضمير الشأن، و ((الله)) مبتدأ وقوله: ((الذي لا إله إلا هو)) خبره، والموصول مع الصلة صفة ((الله)). فإن قلت: الإحصاء يقتضى أن يلقيها أغفالا من سمية الإعراب، فيقول: الله، الرحمن، الرحيم، موقوفة كما يلقى علي الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبأنها فيقول: دار، غلام، جارية، ولو أعربت ركبت شططا. قلت: إنما عدل عن التعداد تفخيما لشأنها، وإدخالا للروعة في قلب السامع، فيحصل منه.

стр. 1263

ــ التعداد ضمنًا، كما قالت قريش لرسول الله ﷺ : ((صف لنا ربك الذي تدعونا إليه)) فنزلت ((قل هو الله أحد)) يعنى الذي سألتموني وصفه، هو الله. قال الشيخ أبو القاسم القشيري في التحبير في شرح أسماء الله الحسنى: هو للإشارة، وهو للإشارة، وهو عند هذه الطائفة إخبار عن نهاية التحقيق، فإذا قلت: ((هو)) لا يسبق إلي قلوبهم غير الحق فيكتفون عن كل بيان يتلوه لا ستهلكهم في حقائق القرب، واستيلاء ذكر الحق علي أسراهم، وانمحاقيهم عن شواهدهم، فضلا عن إحساسهم ممن سواه. أقول: فيكون ((هو)) إذن بمنزلة اسم الإشارة في قول الشاعر: كأنه في الجلد ... توليع ... البهق كأنه قيل: ما ذلك المسمى، وما تلك الأسماء؟ قيل: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء المعدودة، فكان هذا الوجه أولي الوجوه علي التقديرين: المراد بقوله: ((الله)) المسمى لا الاسم. فإن قلت: قد سبق أن ((الله)) اسم علم، والبواقى صفات، فكيف سميت بالاسم، وجعلت أخبارا لا صفات؟ قلت: لقوله تعالي: ((ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها))، لأنه إذا دعى بها قيل: ياالله يا رحمن، يا رحيم، فالرحمن صفة أقيمت مقام ذات له الرحمة، فلا يكون حينئذ صفة كما يقال: شجاع باسل، فيصفه بالبسالة علي تأويل ذات له الشجاعة، وهو باسل. ((الله)) ((قض)): قيل: أصله ((لاها)) بالسريإنية، فعرب. وقيل: عربي وضع لذاته سبحأنه كالعلم له؛ لأنه يوصف ولا يوصف به؛ ولأنه لابد من اسم يجرى عليه صفاته، وليصلح له غيره، فتعين أن يكون هو اسمه، ولأنه لو كان وصفًا لم يكن قولنا: ((لا إله إلا الله)) توحيدًا، كمثل لا إله إلا الرحيم، فأنه لا يمنع لشركة. والحق أنه وصف في أصله؛ لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غير حقيقي معقول للبشر، فلا يمكنه وضع الفظ له، ولا الإشارة إليه بإطلاق اللفظ عليه. أقول: وفيه نظر؛ لأن الواضع إن كان الله تعالي فظاهر، وإن كان غيره فيكفي في الوضع تعقله بوجه ما. ثم قال: لكنه لما غلب بحيث لا يستعمل في غيرهن وصار كالعلم أجرى مجراه في إجراء الأوصاف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه، ومعناه المستحق للعبادة، وأصله أله إلاهة وألوهة بمعنى عبادة وعبودة، أومن إذا تحير، لأن العقول تتحير في معرفته. واعلم ان إحصاء العوام له: إجراؤه علي اللسان، والذكر به علي الخشية والتعظيم: وإحصاء الخواص أن يتأملوا معناه، ويعلموا أن هذا الاسم لا يستحق ولا يستأهل لأن يطلق إلا علي من كان موجودًا، فائض الجود، جامعا لصفات الإلهية، منعوت الربوبية. وإحصاء الأخص

стр. 1264

ــ له أن يستغرق له قلبه باللهن فلا يلتفت إلي أحد سواه، ولا يرجو ولا يخاف فيما يأتى ويذر إلا إياه؛ لأنه هو الحق الثابت، وما عداه باطل، قال تعالي: ((كل شيء هالك إلأوجهه)). وقال إياه؛ لأنه هو الحق الثابت، ماقال أحد ((الله)) سوى الله، فإن من قال قاله بحظ، وأنى تدرك الحقائق بالحظوظ! قال الشيخ أبو القاسم: قال بعضهم: كل اسم من أسمائه يصلح للتخلق به إلا هذ الاسم، فأنه للتعلق دون التخلق. وقال فياسم المؤمن: اعلم أن الموافقة في الأسماء لا تقتضى المشابهة في الذوات، فيصبح أن يكون الحق سبحانه وتعالي مؤمنًا، والعبد مؤمنًا، ولا يقتضي مشابهة العبد الرب، ألا ترى أن الكلاميين يشتركان في الاسم، ولا يتشبهان. وقال أبو حامد ﵀: إن هذا الاسم أعظم الاسماء؛ لأنه دال علي الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء، وسائر الأسماء لا تدل أحادها إلا علي آحاد الصفت من علم، أو قدرة، أو غيرها. قوله: ((الذي لا إله إلا هو)) قال الشيخ أبو القاسم: هذا القول وان كان المراد ابتداؤه النفي، فالمراد به غاية الاثبات، ونهاية التحقيق، فإن قول القائل: لا أخ لي سواك، ولا معين لي غيرك، أكد من قولهم: أنت أخي، وانت معين. قالوا في هذه الكلمة: أننها نفي ما يستحيل كوننه، وأثبات ما يستحيل فقده، أي أن كون الشريك له سبحأنه وتعالي محال وتقدير العدم لوجوده مستحيل. قال الشيخ أبو علي الدقاق: إذا قال العبد ((لا إله)) صفا قلبه، وحض سره، فيكون ورود قوله ((إلا الله)) علي القلب منقي، وسر مصفي. أقول: كذا فيئ قوله تعالي: ﴿فلبثت فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ الاستثناء في التأكيد لإثبات المعدود بمنزلة المؤكدات في الشمول، نحو كل وأجمع، وفي خبر ((لا)) في هذه الكلمة مذهبان: حجازي، وتميمي. وقد حققنا القول فيه في شرح التبيان ((قض)): لهذه الكلمة فوائد جمة يقف الحصر دون إحصائها، ولها خمس مراتب: الأولي: أن يتكلم بها المنافق مجردًا عن تصديق قلب، قلت وهي وإن لم تنفعه في الأخرة، لكن لا تدعه محروما من بركتها، من حقن دمه وحرز ماله وأهله. ولعله يحظيه من مال الغنيمة، وربما يفضى به إلي الإخلاص. والثانية: ان ينضم إليها عقد قلب علي سبيل التقليد، وفي صحته خلاف. والثالثة: أن يكون صدورها عن اعتقاد مستفاد من الأمارات، والأكثر علي اعتبارها. والرابعة: أن تكون معربة عن عقد جازم مستفاد من حجج قاطعة، وهي مقبولة بالاتفاق،

стр. 1265

الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، ــ مخلصة عن العذاب، موصلة إلي الثواب. والخامسة: أن يكون المتكلم بها مكاشفًا بمفهومها، كأنه يعاينه بصيرته، ويشاهده بقلبه، وهذه هي المرتبة العليا، والنهاية القصوى. قال الشيخ أبو القاسم: فالأهل الإشارة: إذا كان مخلصًا في مقالته، كان داخلا في الجنة في حالته، قال تعالي ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قيل: جنة معجلة، وهي حلأوة الطاعات، ولذة المناجاة، والاستئناس بقبول المكاشفات، وجنة مؤجلة، وهي قبول المثوبات، وعلو الدرجات. ((الرحمن الرحيم)) اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف، يقتضى التفضيل والإحسان علي من رق له. وأسماء الله تعالي وصفاته إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات، فرحمة الله علي العباد إما إرادة الإنعام عليهم، ودفع الضرر عنهم، فيكون الاسمان من صفات الذات، أو نفس الإنعام والدفع، فيعودان إلي فات الأفعال. و ((الرحمن)) أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه. وحظ العارف منهما: أن يتوجه بكليته إلي جناب قدسه، ويتوكل عليه، ويلتجئ فيما يعن له إليه، ويشغل سره بذكره، والاستمداد به عن غيره، لما فهم منهما أنه المنعم الحقيقي المولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها، ويرحم عباد الله؛ فيعأون المظلوم، ويصرف الظالم عن ظلمه بالطريق الأحسن، وينبه الغافل، وينظر إلي العاصي بعين الرحمة دون الإزاء، ويجتهد في إزالة المنكر وإزاحته علي أحسن ماي ستطيعه، ويسعى في سد خلة المحتاجين بقدر وسعة وطاقته. وعن عبد الله بن المبارك: ((الرحمن)) هو الذي إذا سؤل أعطي، و ((الرحيم)) هو الذي إذا لم يسأل غضب. وفي الحديث: ((مالم يسأل الله يغضب عليه)). قال بعض المفسرين: إنما يلي الرحمن ((الله))، لأنه كالعلم إذا كان لا يوصف به غير اله، فكأنه الموصوف، وهو الأقدم، إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل علي عظمها أولي. وهذا المعنى قريب مما في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل علي عظمها أولي. وهذا المعنى قريب مما في – الكشاف - لما قال: ((الرحمن)) فيتنأول جلائل النعم وعظمائها وأصولها، أردفه ((بالرحيم)) كالتتمة والرديف، ليتنأول ما دق منها ولطف. وأقول: قد تقرر في موضعه أن هذا الأسلوب من باب التتميم، وموقع ((الملك)) في الحديث كموقع ((ملك يوم الدين)) في التنزيل علي سبيل التكميل؛ لأنه تتالي لما ذكر ما دل علي النعم والألطاف، أردفه بما يدل علي الغلبة والقوة، وأنه الملك الحقيقي، وأن لا ملم سواه، إذ القدرة الكاملة ليست إلا له. ثم أنه لما وصفه بما قد يوصف به المخلوق، وكان مظنة للتشبيه، فإرداد أن ينزهه عن ذلك أتبعه بقوله. ((القدوس)) بما قد يوصف به المخلوق، وكان مظنة للتشبيه، فأرد أن ينزهه عن ذلك أتبعه بقوله ((القدوس)) وهلم جرا يتابع سائر الأسماء في التناسب، فليتأمل، والله الموفق.

стр. 1266

ــ ((الملك)) معناه ذو الملك، وهو إذا كان عبارة عن القدرة علي التصرف، كان من صفات الذات، كالقادر، وإذا كان عبارة عن التصرف في الأشياء بالخلق، والإبداع، والأمانة، والإحياء، كان من أسماء الافعال، كالخالق. وعن بعض المحققين: الملك الحق، هو الغنى مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كل ما سواه، ويحتاج إليه كل ما سواه، إما بواسطة أو بغير واسطة، فهو بتقديره متفرد منفرد وبتدبيره متوحد، ليس لأمره مرد، ولا لحكمه رد. أما العبد محتاج في الوجود إلي الغير، والاحتياج مما ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق، والملك المطلق مختص عرفًا بمن يسوس ذوى العقول، ويدبر أمورهم، فلذلك يقال له: ملك الناس، ولا يقال ملك الأشياء. وهو أبلغ من المالك باعتبار الزنة في النعوت لأنه فعل في النعوت موضوع للثبات، بخلاف الفاعل، ولذلك أطلق الملك علي الله وحدهن ولم يطلق الملك إلا مضافًا إلي ما يقيد معنى الملك، وباعتبار المعنى؛ لأن كل ملم مالكوا ينعكس. ووظيفة العارف من هذا الاسم: أن يعلم أنه هو المستغنى علي الإطلاق عن كل شيء، وما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه، مسخر لحكمه أنه هو المستغنى علي الأطلاق عن كل شيءن وما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه، مسخر لحكمه وقضائه، فيستغنى عن الناس رأسًا، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، ويتخلق بالاستغناء علي جنوده ورعاياه، من القوى والجوارح، واستعمالها فيما فيه خير الدارين، وصلاح المنزلين. فعلي هذا قال الشيخ أبو القاسم: ((الملك)) عند أهل التحقيق هو القدرة علي الإبداع والإنشاء، فعلي هذا فلا مالك علي الحقيقة إلا الله، والعبد إذا وصف بالملك، فلفظ الملك في حقه مجاز، وإن كان أحكام الملك في مسائل الشرع في حقه حقيقة؛ فإن لفظ الاستنجاء في الاستطابة توسع فيه ثم لا تمنع أن يكون أحكام الاستنجاء في الشريعة علي الحقيقة. قيل: ((الملك)) عبارة عن جواز التصرف في الأعيان إن لم يكن مانعًا، هذا في حق الخلق متفأوت، ولكن بالنسبة إلي الحق واحد؛ لأن القدرة الحقيقية بالتصرف في الأعيان بالإيجاد عن العدم، وبالإعدام بالنسبة إلي الحق واحد؛ لأن القدرة الحقيقة بالتصرف في الأعيان بالإيجاد عن العد، وبالإعدام عن الوجود بلا مانع لله تعالي وحده، قال تعالي: ﴿لله ملك السموات والأرض﴾ وقال: ﴿وإن لنا للآخرة والأولي﴾ ذكر ((لام)) التمليك، وقدم الجار والمجرور فنفي الملك في الدارين إلا له. وقال تعالي: ((مالك الملك)) فالملك مملوك المالك، فإذن لا ملك ولا مالك إلا هو، فكل ملم في الدنيا ملكه عارية من الله تعالي وكل مستعار مردود، وإليه الإشارة بقوله في المحشر: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾، ومن ثم سمى نفسه ﴿ملك يوم الدين﴾؛ لأن العارية من الملك والمالك عادت إلي مالكها وعيرها، ولما كان ملم الملوك في الحقيقة هو الله تعالي وحده، كان أبغض التسمية وأقبحها عنده أن يسمى الرجل نفسه ملك الأملاك.

стр. 1267

ــ قال: إذا تحقق العبد أن الملك لله، وتنكب عن وصف الدعوى، وتبرأ من الحول والقوى، سلم الأمر لمالكه، فلا يقول: لي. ولهذا قال بعض المشايخ: التوحيد إسقاط إيلات يريد الإضافة إلي النفس. وقيل لبعضهم: ألك رب؟ فقال: أنا عبد، وليس لي نملة، فمن أنا حتى أقول: لي! وإذا ثبت أنه مالك علي الإطلاق، يملك من عباده من سبقت له عنايته، وحقت له في عموم الأحوال رعاية، فيملكه هواه، ويعتقه عن أسر نفسه ومناه، ويحرره عن رق البشرية، ويخلصه عن رعونة الإنسإنية. وفي معناه قيل: من ملك نفسه فهو حر، والعبد من يملكه هواه. وحكى أن بعض الأمراء قال لبعض الصالحين: سلنى حاجتك: قال أو لي تقول، ولي عبدان سيداك! قال: ومن هما؟ قال: الشهوة والغضب، غلبتها وغلبك، وملكتهما ومكاك. وإذا ثبت أن لا ملك ولا مالك إلا هو، فلا يعتمد إلا عليه، وليثق إلا به، وأن يكون بما في حكم الله تعالي أوثق منه بما في يده، ولا يهتم ولا يحزن علي المفقود، ولا يفرح بالموجود. حكى الشقيق البلخي: أنه قال: كان ابتداء توبت أنى رأيت غلاما في سنة قحط، يمر في زهو، والناس يعلوهم الكآبة من مقاساة الجدوبة، فقلت ما هذا المرح؟ اما ترى ما فيه الناس من المحن؟ فانتهيت وتبت الحزن، ولسيدي قرية مملوكة يدخل منها ما أحتاج إليه، فقلت في نفسى: إن كان العبد المخلوق، لا يستوحش من السنة والقحط؛ لا أن لسيده قرية مملوكة، فكيف يصح لي أن أستوحش، وسيدى مالك الملوك؟ فانتهيت وتبت. ((القدوس)) فعول من القدس، وهو الطهارة والنزاهة، ومعناه المنزه عن سمات النقص، وموجبات الحدوث، المبرأ عما يدركه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل، وهو من أسماء التنزيه. وحظ العارف منه: أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بد العروج من عالم الشهادة إلي عالم الغيب، وتنزيه السر عن المتخيلات والمحسوسات، والتطواف حول العلوم الإلهية، والأمور الأزلية المتعالية عن تعليقات الحس والخيال، وتطهير القصد عن أن يحوم حول الحظوظ الحيوإنية، واللذائذ الجسمإنية، فيقبل بكليته علي الله تعالي شوقًا إلي لقائه مقصور الهم علي معارفه ومطالعة جماله، حتى يصل إلي جناب العز، وينزل بحبوحة القدس. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف أنه القدوس، تسمو همته إلي أن يطهره الحق من عيوبه وآفاته، ويقدسه عن دنس آثامه في جميع حالاته، فيحتال في تصفية وقته عن الكدورات، ويرجع إلي الله تعالي بحسن استعانته في جميع أوقاته، فإن من طهر الله قلبه سبحأنه وتعالي لسأنه عن الغيبة، طهر الله قلبه عن العيبة، ومن طهر الله قلبه عن العيبة طهر الله طرفه عن نظر الريبة، ومن طهر الله طرفه عن نظر الريبة، طهر الله سره عن الجبة من القربة القريبة. حكى

стр. 1268

ــ عن إبراهيم بن أدهم: أنه مر بسكران مطروح علي قارعة الطرق، وقد تقيأ، فنظر إليه وقال: بأي لسان أصابته هذه الآفة، وقد ذكر الله به، وغسل فمه فلما أن أفاق السكران أخبر بما فعله، فخجل، وتاب، وحسنت توبته، فرأي إبراهيم في المنام كأن قائلا يقول له: غسلت لأجلنا فمه غسلنا لأجلك قلبه. ((السلام)) مصدر، نعت به، والمعنى ذو السلامة ممن كل أفة ونقيضه، أي الذي تسلم ذاته عن الحدوث والعيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر المحض، فإن ما تراه من الشرور فهي مقضية، لا لأنها كذلك، بل لما تتضمن من الخير الغالب الذي يؤدى تركه إلا شر عظيم، فالمقتضى والمفعول بالذات هو الخير، واشر داخل تحت القضاء، وعلي هذا يكون من أسماء التنزيه. والفرق بينه وبين القدوس: أن القدوس يدل علي براءة الشيء من نقص تفتضيه ذاته ويقوم به، فإن القدوس طهارة الشيء في نفسه، ولذلك جاء الفعل منه علي فعل-بالضم- والسلام يدل علي نزاهته عن نقص يعتريه لعروض لآفة، أو صدور فعل، ويقرب منه ما قيل: القدوس فيما لم يزل، والسلام فيما لايزال، وقيل: معناه مالط تسليم العباد من المخأوف والمهالك، فرجع إلي القدرة، فيكون من فات الذات. وقيل ذو السلام علي المؤمنين في الجنان، كما قال تعالي ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ فيكون مرجعه إلي الكلام القديم. ووظيفة العارف: أن يتخلق به حيث يسلم قلبه عن الحقد والحسد، وإرادة الشر، وقصد الخيانة، وجوارحه عن ارتكاب المحظورات، واقتراف الآثام، ويكون سلما لأهل الإسلام ساعيًا في ذب المضار ودفع المعاطب عنهم، ومسلما عن كل من يراه عرفه أو لم يعرفه. وعن بعض الصالحين: السليم من العباد من سلم عن المخالفات سرًا وعلنًا، وبرئ من العيوب ظاهرًا وباطنًا. قال الشيخ أبو القاسم: ومن آداب من تحقق بهذا الاسم أن يعود إلي مولاه بقلب سليم، والقلب السليم هو الخالص من الغل، والحقد، والحسد؛ فلا يضمر للمسلمين إلا كل خير ونصح، فيحسن الظن بكافتهم، ويسئ الظن بنفسهن فإذا رأي من هو أكبر منه سنًا قال: هو خير منى لأنه أكثر منى طاعة، وإذا رأي من هو دونه في السن قال: أنه خير منى؛ لأنه أقل معصية. وقال المشايخ: إذا ظهر لك من أخيك عيب، فاطلب له سبعين بابا من العذر، فإن اتضح لك عذره، وإلا عد علي نفسك باللوم، وقل: بئس الرجل أنت، حيث لم تقبل سبعين عذرًا من أخيك. ((المؤمن)) المؤمن في الأصل الذي يجعل غيره آمنًا، ويقال للمصدق من حيث أنه جعل المصدق آمنًا من التكذيب والمخالفة، وإطلاقه علي الله تعالي باعتبار كل واحد من المعنين صحيح، فأنه تعالي المصدق: بأن صدق رسله بقوله الصدق، فيكون مرجعه إلي الكلام أو

стр. 1269

ــ بخلق المعجزات، وإظهارها عليهم، فيكون من أسماء الأفعال: وقيل: معناه أنه الذي آمن البرية بخلق أسباب الأمان، وسد أبواب المخأوف، وإفادة آلات يدفع بها المضار، فيكون أيضًا من أسماء الأفعال. وقيل: معناه أنه يؤمن عباده الأبرار يوم العرض من الفزع الأكبر، إما بقول مثل ﴿ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾، أو بخلق الأمن والطمإنينة فيهم، فيرجع إلي الكلام، أو الخلق. ووظيفة العارف منه: أن يصدق الحق، ويسعى في تقريره، ويكف نفسه عن الإضرار، والحيف، ويكون بحيث يأمن الناس بوائقه، ويعتضدون به في دفع المخأوف، ورفع المفاسد في أمور الدين والدنيا. قال الشيخ أبو القاسم: إذا كان أحد معانى اسمة أنه يؤمن عباده ويجيرهم، فاعلم: أن إجارته وإيمأنه للعبد علي قسمين: مؤجل، ومعجل، فالمؤجل في القيامة والجنة، قال الله تعالي: ﴿أولئك لهم الأمن﴾، والمعجل علي أقسام، لكل بحسب ما يليق بوقته، فمنهم من يؤمنه من خواطر الشيطان الذي يقدح في الإيمان بما يظهر في قلوبهم من أوضح البرهان، ويلوح لأسرارهم من لائح البيان، حتى إذا عارضهم نوازع الشكوك، أو ناظرهم من هو في حكم المخالف في العقد، غيروا في وجه شبهتهم، ودمروا بالحجج علي أصحاب البدعة، والناس في أسر التهمة، والكرب، والغمة، وامتداد الظلمة، وهم في برد اليقين، وروح الحق المبين. وفي معناه أنشد: ليلي من وجهك شمس الضحى وإنما الظلمة في الجو والناس في ظلمة من ليلهم ونحن من وجهك في الضو وكان الشيخ أبو علي الدقاق كثيًرا ما ينشد: إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب وأنشد بعضهم: هي الشمس إلا ان للشمس غيبة وهذا الذي نعنيه ليس يغيب ومنهم من يؤمنه من هواجس النفوس ودواعى الزلات، حتى لا تدعوه نفسه إلي ارتكاب محظور. يحكى عن أبي زيد أنه قال: كنت هممت أن أدعو الله سبحأنه ليكفيني شهوات النفس. قلت: إن رسول الله ﷺ لم يسأل ذلك، فتركت الدعاء، فمن بركة اتباع هذه السنة، كفانى الله سبحأنه شهوات نفسى حتى لا أميز بين امرأة وجدار. ومنهم من يؤمنه خوف النقر ورعب الضر، حتى يكون فارغ القلب، ساكن السر، يثق بموعود ربه كما يثق أرباب الغفلة بمعلوم النفس، فخوف النقر قرينة الكفر، وحسن الثقة بالرب نتيجة الإيمان. سأل رجل أبا زيد

стр. 1270

ــ عن سبب معيشته، وكان قد صلي خلفه، فقال اصبر حتى أقضى الصلاة التي صليتها خلفك، حيث شككت في أرزاق المخلوقين. ((المهيمن)) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، من قولهم: هيمن الطير إذا نشر جناحه علي فرخة صيانة له، هكذا قاله الخليل، وسيأتى معنى الرقيب. فإن قيل: كيف تجعله مرادفًا للرقيب، والمستفاد من أحد المترادفين عين المستفاد من الآخر، فلا يكون في إحصاء الثانى فائدة؛ لأن فضيلة هذه الأساس لما تحتها من المعانى، فإذا دل عليه بلفظ لم يكن للدلالة عليه بلفظ آخر مزيد فضل؟ قلت: لا أجعله مرادفًا، إذ في ((المهيمن)) من المبالغة باعتبار الاشتقاق والزنة ما ليس في الرقيب، فهما كالغافر والغفور، والرحمن والرحيم. وقيل: معناه الشاهد أي العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، فيرجع إلي العلم، أو الذي يشهد علي كل نفس بما كسبت، فيرجع إلي القول. وقيل: أصله مؤيمن، فقلبت الهمزة هاء، كما قلبت في ((هرقت، وهرجت، وهياك)) ومعناه الأمين الصادق وعده. وقيل: هو القائم علي خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، فيرجع إلي القدرة. قال الشيخ أبو حامد: ((المهيمن)) اسم لمن استجمع ثلاث صفات: العلم بحال الشىء، والقدرة التامة علي مراعاة مصالحه، والقيام عليها. وهو كالشرح والتفصيل للقول الأول، فإن المراقبة والمبالغة في الحفظ إنما تتم بهذه الثلاث، وإن صح وضعه لهذا كان من الأسماء المركبة من صفات المعنى والفعل. وحظ العارف منه: أن يراقب قلبه، ويقوم أحواله، ويحفظ القوى والجوارح عن الاشتغال بما يشغل قلبه عن جناب القدس، ويحول بينه وبين الحق. قال الشيخ أبو القاسم: من تحقق بهذا الاسم يكون محتشما من رريته، مستحيى من محل اطلاعه، وهذا المعنى يسمى مراقبة في لسان أهل المعاملة. قال أبو محمد الحريرى: من لم يحكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة، لم يصل إلي الكشف والمشاهدة. حكى الشيخ أبو علي: أن وزيرًا بين يدى الأمين نظر إلي بعض غلمأنه بمؤخر عينيه، فلمح الأمير إليه، ففطن الوزير أنه يوهم فيه الريبة، فجعل يرى من نفه الحول كلما يدخل علي الأمير، حتى ظن أنه حدث فيه الحول. وحكي: أن ابراهيم بن أدهم كان يصلي قاعدًا فجلس، ومد رجليه، فهتف به هاتف: أهكذا تجالس الملوك؟ وكان الحريرى لا يمد رجليه في الخلوة، فقيل: وليس يراك أحد، فقال: حفظ الأدب مع الله أحق. وفي معناه أنشد: كأن رقيبًا منك يرعى خواطرى وآخر يرعى ناظرى ولسانى فما رمقت عينأي بعدك منظرًا يوؤك إلا قلت: قد رمقانى وما بدرت من في بعدك مزحة بسرك إلا قلت قد سمعانى

стр. 1271

ــ وما خطرت في السر منى خطرة لغيرك إلا عرجا بعنانى وما الزهد أسلي عنهم غير أننى وجدتك مشهودى بكل مكانى وإخوان صدق قد سمعت حديتهم وأمسكت عنهم ناظرى ولسانى ((العزيز)) الغالب من قولهم: عز إذا غلب، ومرجعة إلي القدرة المتعالية عن المعارضة فمعناه مركب من وصف حقيقى، ونعت تنزيهي. وقيل: القوى الشديد من قولهم: عز يعز إذا قوى واشتد. ومنه قوله تعالي: ﴿فعززنا بثالث﴾ وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التنزيه. وقيل: هو الذي يتعذر الإحاطة بوصفه، ويعسر الوصول إليه مع أن الحاجة تشتد إليه. وحظ العارف منه: أن يعز نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيوية، ولا يدنسها بالسؤال عن الناس، والافتقار إليهم، ويجعلها بحيث يشتد إليها احتياج العباد في الإرفاق والإرشاد. قال الشيخ أبو القاسم: ((العزيز)) علي طريقة أهل الإشارة هو الذي لا يدحر (خدمة من خدمة) شيئًا، ولا يؤثر من عرفه هواه علي رضاه، فيقضى حقوقه فرضًا، ولا يرى لنفسه عليه حقًا، وأنشد: وتكرمها جاراتها فيزرنها وتقعد عن إتيأنهن فتعزز والعزيز من العباد: من يمنع فيشكر، ويبلي فلا يشكو، من يعرفه يستلذ بحكمة الهوان ويستحلي منه الحرمان دون الإحسان. وأنشد: وأهنتنى فأهنت نفس صاغرًا ما من يهون عليك ممن أكرم أشبهت أعداتى فصرت أحبهم إذ كان حظى منك حظى منهم قيل: إنما يعرف الله تعالي عزيزًا من أعز أمره وطاعته، فأما من استهان بأوامره، فمن المحال أن يكون متحققًا بعزته. وقيل لبعضهم: ما علامة أنك تعرفه؟ فقال: لا أهم لمخالفته إلا نادانى من قلبى مناد: استحيي منه. وقيل: العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته، وحارة الألباب دون إدراك نعته، وكلت الألسن عن استيفاء مدح جلاله، ووصف جماله. وأنشد: وكل من أغرق في مدحه أصبح منسوبًا إلي العي قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه بعد ما بلغ في ثنائه تعالي: ((لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك)). ومن آداب من عرف أنه العزيز: أن لا يعتقد لمخلوق إجلالا، ولهذا قالوا: المعرفة تحقير الأقدار سوى قدره، ومحو الأذكار سوى ذكره، وإذا عرف أنه المعز لم يطلب العز إلا منه، ولا

стр. 1272

ــ يكون العز إلا في طاعته تعالي. حكى عن بعضهم: أنه قال: رأيت رجلا في الطواف، وبين يديه شرطيان يطردان الناس، ثم بعد ذلك رأيته يتكفف علي الجسر، فسألته عن ذلك، فقال: إنى تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه، فوضعنى الله تعالي في موضع يترفع فيه الناس. قال الشيخ أبو حامد في معنى قوله تعالي: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق الله في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية، والسعادة الأبدية، وذلك مما يقل لا محالة وجوده، ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم، ويشاركهم في العز من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصره، كالخلفاءء وورثتهم من العلماء، وعزة كل واحد منهم بقدر علو رتبته، عن سهولة النيل والمشاركة، وبقدر عناية وإرشاد الخلق. ((الجبار)) بناء مبالغة من الجبر، وهو في الأصل إصلاح الشىء يضرب من القهر، ثم يطلق تارة في الإصلاح المجرد، نحو قول علي ﵁: ((يا جابر كل كسير، ومسهل كل عسير))، وتارة في القهر المجرد، نحو ما ورد: ((لا جبر ولا تفويض)) ثم تجوز عنه لمجرد العلو؛ لأن القهر مسبب عنه، فيقال: نخلة جبارة، للباسقة التي لا تنالها الأيدى، ولذلك قيل: الجبار هو المصلح لأمور العباد والمتكفل لمصالحهم، فهو إذن من أسماء الأفعال، وقيل: معناه حامل العباد علي ما يشاء، لا انفكاك لهم عما شاء من الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، والآجال. فمرجعه أيضا إلي الفعل. وقيل: معناه المتعالي عن أن يناله كيد الكائدين، ويؤثر فيه قصد القاصدين، فيكون مرجعة إلي التقديس والتنزيه. وحظ العارف من هذا الاسم: أن يقبل علي النفس فيجبر نقائصها باستكمال الفضاتل، ويحملها علي ملازمة التقوى، والمواظبة علي الطاعة، ويكسر فيها الهوى والشهوات بأنوع الرياضات، ويترفع عما سوى الحق غير ملتفت إلي الخلق، فيتحلي بحلي المسكينة والوقار، بحيث لا يزلزله تعاور الحوادث، ولا يؤثر فيه تعاقب النوازل، بل يقوى علي التأثير في الأنفي والآفاق بالإرشاد والإصلاح. قال الشيخ أبو القاسم: الاسم إذا احتمل معإني مما يصح في وصفة تعالي، فمن دعاه بهذا الاسم فقد أثنى عليه بتلك المعإني، فهو الجبار علي معنى أنه عزيز، متكبر، محسن إلي عباده، لا يجرى في سلطانة شىء بخلاف مر اده. ومن آداب من عرف أنه لا تناله الأيدى لعلو قدره: أن يتحقق بأنه لا سبيل إليه، ولابد منه. فلا يصيب العبد منه إلا لطفه، وإحسأنه، اليوم عرفانة، وغدًا غفرأنه. وأنشد: فلا بذل إلا ما تزود ناظرى ولا وصل إلا بالخيال الذي يسرى

стр. 1273

المتكبر، الخالقً، البارِىءُ، المصورُ، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، ــ وقلن لنا نحن الآهلة إنما نضىء لمن يسرى بليل ولا نقرى وإذا علم أنه يجبر الخلق علي مراده، وعلم أنه لا يجرى في سلطأنه ما يأباه، ويكرهه ترك ما يهواه، وانقاد لما يحكم به مولاه، فيستريح عن كد الفكر، وتعب التدبير. وفي بعض الكتب: عبدي تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن رضيت بما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم ترض بما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد. قال أبو حامد: الجبار من العباد من ارتفع عن الاتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلو رتبته بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته علي الاقتداء به، ومتابعته في سمته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر. وإنما خص بهذا الوصف سيد البشر صلوات الله عليه، حيث قال: ((لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعى، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر)). ((المتكبر)) هو الذي يرى غيره حقيرًا بالإضافة إلي ذاته، فينظر إلي غيره نظر المالك إلي عبده. وهو علي الإطلاق لا يتصور إلا لله تعالي، فأنه المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلي كل شىء من كل وجه. ولذلك لا يطلق علي غيره إلا في معرض الذم. فإن قيل: هذا اللفظ من باب التفعل ووضعه للتكلف في إظهار ما لا يكون، فينبغى أن لا يطلق علي الله تعالي. قلت: لما تضمن التكلف بالفعل مبالغة فيه، أطلق اللفظ وأريد به مجرد المبالغة. ونظير ذلك فيه شائع في كلامهم، مع أن التفعل جاء لغير التكلف كثيرًا، كالتعمم، والتقمص. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف علوه تعالي وكبرياءه، لازم طريق التواضع، وسلك سبيل التذلل، وقد قيل: هتك ستره، من جاوز قدره. وقد قيل: الفقير في خَلقِه* أحسن منه في جديد غيره، ولا شىء أحسن علي الخدم من التواضع بحضرة السادة، وأنشد: ويظهر في الهوى عز الموالي فيلزمنى له ذل العبيد وسئل يحيى بن معاذ عن المحبة: فقال: هو مالا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء. وقيل: كل من أخلص في وده، وصدق في حبه، كان استلذاذه بمنعه أكثر من استلذاذه بعطائه. وحظ العارف منه: أن يتكبر عن الركون إلي الشهوات، والسكون إلي الدنيا وزخارفها، فإن البهائم تساهمه فيها، بل عن كل ما يشغل سره عن الحق، ويستحقر كل شىء سوى الوصول إلي جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة. ((الخالق، البارىء، المصور)) قيل: أنها ألفاظ مترادفة، وهو وهم، فإن الخالق من الخلق، وأصلة التقدير المستقيم، ويستعمل بمعنى الإبداع، وهو إيجاد الشىء من غير أصل، كقوله

стр. 1274

ــ تعالي: ﴿خلق السموت والأرض﴾ وبمعنى التكوين، كقوله تعالي: ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾ وقوله: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾. و ((البارىء)) مأخوذ من البرء، وأصله خلوص الشىء عن غيره، إما علي سبيل التفصى منه، وعلية قولهم: برىء فلان من مرضه، والمديون من دينه، واستبرأت الجارية رحمها. وإما علي سبيل الإنشاء، ومنه برأ الله النسمة، وهو البارىء لها. وقيل: البارىء هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام الكامل، فهو أيضًا مأخوذ من معنى التفصى. و ((المصور)) هو مبدع صور المخترعات، ومزينها، ومرتبها، فالله سبحأنه خالق كل شىء، بمعنى أنه مقدر، ء أو موجده من أصل، ومن غير أصل، وباريه بحسب ما اقتضته حكمته، وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلال، ومصوره بصورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله، وثلاثتها من أسماء الأفعال، اللهم إلا إذا فسر الخالق بالمقدر، فيكون من صفات المعانى؛ لأن مرجع التقدير إلي الارادة، وإن فسر الخالق بالمقدر، فوجه الترتيب ظاهر؛ لأنه يكون التقدير أولا، ثم الأحداث علي الوجه المقدر ثإنيا، ثم التسوية والتصوير ثالثًا، وإن فسر بالموجد، فالاسمان الآخران كالتفصيل له، فإن الخالق هو الموجد بتقدير واختيار، سواء كان الموجد مادة أو صورة، ذاتًا أو صفة. وحظ العارف منها: أن لا يرى شيئًا، ولا يتصور أمرًا إلا ويتأمل فيما فيه من باهر القدرة، وعجائب الصنع، فيترقى من المخلوق إلي الخالق، وينتقل من ملاحظة المصنوع إلي ملاحظة الصانع، حتى يصير بحيث كلما نظر إلي شىء وجد الله عنده. قال الشيخ أبو القاسم: وإذا عرف العبد أنه لم يكن شيئًا، ولا عينًا، فحولة الله شيئًا، وجعله عينًا، فبالحري أن لا يعجب بحاله، ولا يدل بأفعاله. وقد أشكل عليه حكم ماله، وكيف لا يتواضع من يعلم أنه في الابتداء نطفة، وفي الانتهاء جيفة، وفي الحال صريع جوعة، وأسير شبعة، وحمال وحشة، كنيف في قميص، إن أمسك عن الكلام ساعة تغير عليه خلوفه، وإن عرق في سعيه (سطع) (تفتر) المستطاب صنان إبطه ورائحة رجله، ثم إذا شاهد نقص نفسه، عرف جلال ربه. وقال بعضهم: لما قال تعالي: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ نبههم علي حسن الخلق بما دلهم علي صفة الأرض، وذلك أنه يلقى عليها كل وحشة، فيخرج منها كل زهرة وخضرة، وهكذا المؤمن ينبغى أن يكون متشربًا غير مترشح، محتملا للجفاء غير منتقم، لا يقابل بالجفاء إلا قابل الجافي بالاحتمال، وجميل الإغضاء والأفعال. يحكى أن بعضهم كان يسىء القول في واحد، والرجل يسمع ويسكت، فضاق صدر هذا الرجل، فقال: إياك أعنى، فقال الرجل: وعنك أحلم.

стр. 1275

ــ ((الغفار)) في الأصل بمعنى الستار من الغفر، وهو ستر الشى، بما يصونه، ومنه المغفر، ومعناه أنه يستر القبائح والذنوب، بإسبال الستر عليها في الدنيا، وترك المؤاخذة بالعفو عنها في العقبى، ويصون العبد من أوزارها. وهو من أسماء الأفعال، وقد جاء التوقيف في التنزيل بالغفار والغفور والغافر، والفرق بينها أن الغافر يدل علي اتصافه بالمغفرة مطلقًا، والغفار والغفور يدلان عليه مع المبالغة، والغفار أبلغ لما فيه من زيادة البناء، ولعل المبالغة في الغفور باعتبار الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية، وهو قياس المشدد للمبالفة من النعوت والأفعال. وقال بعض الصالحين: إنه غافر؛ لأنه يزيل معصيتك من ديوانك، وغفور؛ لأنه ينسى الملائكة أفعالك، وغفار؛ لأنه ينسيك ذنبك حتى كأنك لم تفعله. وقال آخر: إنه غافر لمن له علم اليقين، وغفور لمن له عين اليقين، وغفار لمن له حق اليقين. وحظ العارف منه: أن يستر من أخيه ما يحب أن يستر منه، فلا يفشى منه إلا أحسن ما فيه، ويتجاوز عما يندر عنه، ويكافيء المسى، إليه بالصفح والإنعام عليه. قال الشيخ أبو القاسم في قوله تعالي: ((ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾. ((ثم)) تقتضى التراخى، كأنه قال: من زجى عمره في الزلات، وأفنى حياته في المخالفات، وأبلي شبابه في البطالات، ثم ندم قبل الممات، وجد من الله العفو عن السيئات. ((ومن يعمل سوءًا)) إخبار عن الفعل، و ((يستغفر الله)) عن القول، كأنه قيل: الذين زلاتهم حالة، وتوبتهم قالة، ولقد سهل عليك الأمر من رضي عنك بقالة، وقد عملت ما عملت، والاستغفار يستدعى مجرد الغفران، فقوبل بقوله: ((يجد الله)) انظر إلي حال هذا المذنب كيف طلب المغفرة، فوجد الله تعالي والله أعلم. ((القهار)) هو الذي لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته، مسخر لقضائه، عاجز في قبضته، ومرجعه إلي القدرة، فيكون من صفات المعنى. وقيل: هو الذي أذل الجبابرة، وقصم ظهورهم بالإهلاك، ونحوه. فهو إذن من أسماء الأفعال. وعن بعض السالكين: ((القهار)) الذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، وبادت عند سطوته قوى الخلائق أجمعين. قال الله تعالي: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ فأين الجبابرة الأكاسرة عند ظهور هذا الخطاب، وأين الأنبياء والمرسلون والملائكة في هذا العتاب، وأين أهل الضلال والإلحاد والتوحيد والرشاد، وأين آدم وذريته وإبليس وشيعته. فكأنهم بادوا وانقرضوا، زهقت النفوس وتلفت الأرواح، وتبددت الأجسام والأشباح، وتفرقت الأوصال، وبقى الموجود الذي لم يزل ولا يزال. وحظ العارف منه: أن يسعى في تطويع النقس الأمارة للنفس المطمتنة قهرًا، وكسر شهواتها، فإنها أعدى عدوه. قال الشيخ أبو القاسم: من علم أنه القهار خشى بغتات مكره،

стр. 1276

ــ وخاف فجاءة قهره فيكون وجلاً بقلبه، منفردًا عن قومه ورهطه، مستديمًا لكربه، مفارقًا لخلطاته وصحبه، كما قيل: فريد من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد واعلم أن الله تعالي قهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، وقلوب العارفين بسطوة قربته، وأرواح الواجدين بكشف حقيقته، فالعابد بلا نفس لاستيلاء سلطان أفعاله عليه، والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان إقباله عليه، والواجد بلا روح لاستيلاء كشف جماله وجلاله عليه. فمتى أراد العابد خروجه عن قيد مجاهدته، قهرته سطوات العقاب، فردته إلي بذل المهجة، ومتى أراد العارف خروجه عن مطالبات القربة، قهرته بواده الهيبة، فردته إلي توديع المهجة، فشتان بين عبد هو مقهور أفعاله، وبين عبد هو مقهور جماله وجلاله. ((الوهاب)) كثير النعم، دائم العطاء، والهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن المعطى لغرض مستفيض وليس بواهب، وهو من أسماء الأفعال. وحظ العارف منه: أن لا يستمنح، ولا يتوقع إلا من الله، بل أن يبذل جميع ما يملكه حتى الروح خالصة لوجه الله، لا يريد به جزاء ولا شكورًا. قال الشيخ أبو القاسم: من تحقق بأنه الوهاب لم يخش الفقر، ومقاساة الضر، ورجع إليه في كل وقت بحسن المقصد. ويحكى أن الشبلي سأل بعض أصحاب أبي علي الثقفي، فقال: أي اسم من أسمائه يجرى علي لسان أبي علي الثقفي أكثر؟ فقال الرجل: اسمه الوهاب، فقال الشبلي لذلك كثر ماله. ((الرزاق)) خالق الأرزاق والأسباب التي يتمتع بها، والرزق هو المنتفع به، وكل ما ينتفع به منتفع فهو رزقه، سواء كان مباحًا أو محظورًا. وقالت المعتزلة: الرزق هو الملك، وفساده ظاهر طردًا وعكسًا. أما الأول: فلأن كل ما سرى الله تعالي ملكه، وليس رزقًا له، وللفرار من هذا الإشكال زاد بعضهم، وقال: رزق كل مرزوق ما ينتفع به من ملكه. وأما الثانى: فلأن ما يدر علي البهائم رزقها لقوله تعالي: ((وما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها)) وليس ملكًا لها، والرزق نوعان: محسوس ومعقول، فلذلك قال بعض المحققين: الرزاق من رزق الأشباح فوائد لطفه، والأرواح عوائد كشفه، وقال آخر: الرزاق من غذى نفوس الأنبياء بتوفيقه، وحلي قلوب الأخيار بتصديقه. وحظ العارف منه: أن يحقق معناه ليتيقن أنه لا يستحقه إلا الله تعالي، فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه، فيكل أمره إليه، ولا يتوكل فيه إلا عليه، ويجعل يده خزانة ربه، ولسانه وصلة بين الله وبين الناس في وصول الأرزاق الروحإنية والجسمإنية إليهم بالإرشاد، والتعليم،

стр. 1277

ــ وصرف المال، ودعاء الخير، وغير ذلك؟ لينال حظًا وافرًا من هذه الصفة. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف أن الله تعالي هو الرزاق، أفرده بالقصد إليه، وتقرب إليه بدوام التوكل عليه، قيل لبعضهم: من أين يأكل فلان؟ قال: مذ عرفت خالقه، ما شككت في رازقه. وقيل: أراد حاتم الأصم أن يسافر فقال لامرأته: كم تحتاجين من النفقة؟ فقالت: بقدر ما يتخلف من الحياة، فقال حاتم: وما يدرينى كم تعيشين؟ فقالت: كله إلي من يعلم. فلما سافر، قيل لها: إن حاتماً تركك بلا نفقة، فقالت: إنه كان أكلا للرزق، ولم يكن رازقًا. ومن الناس من تسمو همتهم فلا يطلبون منه الحوائج الخسيسة. يحكى عن الشبلي أنه أرسل إلي غني أن ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه، سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشبلي: الدنيا حقيرة وأنت حقير، وإنما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي. واعلم أنه يرزق الأرواح والسرائر، كما يرزق الأشباح والظواهر، وأرزاق القلوب الكشوفات والمعانى، كما أن أرزاق النفوس الغذاء والأحاظى. وقيل لعارف: أيش القوت؟ فقال: ذكر الحى الذي لا يموت. وأنشد: إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها فلم تلبث النفس التي أنت قوتها وقال بعضهم: دخلت علي داود الطائى، فرأيته منبسطًا، وكنت إذا دخلت عليه أراه منقبضًا، فسألته عن ذلك، فقال: سقانى البارحة وقت السحر شراب أنسه، فأردت أن أجعل اليوم عيدًا، وأنشد: فأسكر القوم دور كأسى وكان سكرى من المدير وقال غيره: فمن ذا يلمنى أن أهز معاطفي وقد وصلت ليلي وقد وعدت هند ((الفتاح)) الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم، قال الله تعالي: ((ربنا افتح بيننا وبين قومنا)) أي احكم، وذلك، لأن الحكم فتح الأمر المغلق بين الخصمين، والله سبحانه بين الحق وأوضحه، وميز الباطل وأدحضه، بإنزال الكتب ونصب الحجج، ومرجعة إما إلي القول القديم، أو الأفعال المنتصفة للمظلومين عن الظلمة. وقيل: هو الذي يفتح خزائن الرحمة علي أصناف البرية، قال الله تعالي: ((ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها)). وقيل: معناه مبدع الفتح والنصرة. وعن بعض الصالحين: ((الفتاح)) الذي لا يغلق وجوه النعمة بالعصيان، ولا يترك إيصال الرحمة إليهم باللسان. وعن آخر منهم: ((الفتاح)) الذي فتح قلوب

стр. 1278

الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزُّ، المذل، السميع، البصير ــ المؤمنين بمعرفته، وفتح علي العاصين أبواب مغفرته. وقيل: ((الفتاح)) الذي فتح علي النفوس باب توفيقه، وعلي الأسرار باب تحقيقه. وحظ العارف منه: أن يسعى في الفصل بين الناس، وانتصار المظلومين، ويهتم بتيسير ما تعسر علي الخلق من الأمور الدينية والدنيوية، حتى يكون له حظ من هذا الاسم. قال الشيخ أبو القاسم: من علم أنه ((الفتاح)) للأبواب، والميسر للأسباب، الكافي للخطوب، المصلح للأمور، فإنه لا يتعلق بغيره قلبه، ولا يشتغل بدونه فكره، يعيش معه بحسن الانتظار لا يزداد بلاءً، إلا ويزداد بربه ثقة ورجاءً. واعلم أنه يفتح للنفوس بركات التوفيق، وللقلوب زوائد التحقيق، فبتوفيقه تتزين النفوس بالمجاهدات، وبتحقيقه تتزين القلوب بالمشاهدات. ومن آداب من علم أنه ((الفتاح)) أن يكون حسن الانتظار لنيل كرمه، لوجود لطفه سبحانه، دائم الترقب لحصول فضله، يستديم التطلع لنيل كرمة تاركًا للاستعجال عليه، ساكنًا تحت جريان الحكم، عالماً بأنه لا يقدم ما حكم بتأخيره، ولا يؤخر ما حكم بتقديمه. ويحكى أن مؤذناً لعلي ﵁ قال لجارية له تمر عليه: إنى أحبك، فشكت يومًا إلي علي، فقال: قولي له: وأنا أيضًا أحبك، فأيش بعد هذا؟ فقالت الجارية ذلك له، فقال: إذن نصبر حتى يحكم الله بيننا، فذ كرت ذلك لعلي، فدعا بالمؤذن وسأله عن القصة، فأخبره بالصدق، فقال علي: خذ بيدها فهي لك، فقد حكم الله بينكما. ((العليم)) العليم بناء مبالغة من العلم، والله سبحانه حقيق بالمبالغة في وصفة، وعلمه تعالي شامل لجميع المعلومات، محيط بها، سابق علي وجودها، لا تخفي عليه خافية، ولا يعزب عنه قاصية ولا دإنية، ولا يشغله علم عن علم كما لا يشغله شأن عن شأن، وهو من صفات الذات. وحظ العبد منه: أن يكون مشغوفا بتحصيل العلوم الدينية، لاسيما المعارف الإلهية التي هي باحثة عن ذاته وصفاته، فإنها أشرف العلوم، وأقرب الوسائل إلي الله تعالي، مراقبًا لأحواله، محتاطًا في مصادره وموارده، لعلمه بأنه تعالي عالم بضمائره مطلع علي سرائره. وعن بعض الصالحين: من عرف أنه عليم بحالته، صبر علي بليته، وشكر علي عطيته، واعتذر عن قبيح خطيئته. قال الشيخ أبو القاسم: من آداب من علم أن الله تعالي عالم الخفيات خبير بما في الضمائر والسرائر من الخطرات، لا يخفي عليه شىء من الحوادث في عموم الحالات، فبالحرى أن يستحي عن مواضع اطلاعه، ويرعوى عن الاغترار بجميل ستره. وفي بعض الكتب: إن لم تعلموا أنى أراكم فالخلل في ايمانكم، وإن علمتم أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم؟ فمن شأن من تحققه أن يكون مكتفيًا بعلمه عند جريان حكمة، ساكنًا عن تدبيره وتقديره، فارغًا عن اختياره واحتياله. قيل لبعض الموفقين: أيطلب

стр. 1279

ــ العبد الرزق؟ فقال: إن علم أين هو فليطلب. وقيل: أيسأل الله؟ فقال: إن علم أنه نسيه فليذكره. ((القابض، الباسط)) ((مظ)): مضيق الرزق علي من أراد، وموسعه لمن شاء. وقيل: هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات، وينشر الأرواح في الأجساد عند الحياة، وقيل: قبض القلوب وبسطها،، تارة بالضلالة والهدى، وأخرى بالخشية والرجا،، ولذلك قيل: القابض الذي يكاشفك بجلاله فيفنيك، ويكاشفك بجماله فيبقيك، وكلاهما من منصات الأفعال. وإنما يحسن إطلاقهما معًا ليدل علي كمال القدرة والحكمة. وحظ العارف منهما: أن يراقب الحالين فيرى القبض عدلا من الله، فيصبر عليه، والبسط فضلا منه، فيشكر. وأن يكون ذا قبض وبسط ضنا علي الأسرار الإلهية علي غير أهلها، وإفاضة لها علي من هو أهلها. قال الشيخ أبو القاسم: القبض والبسط نعتان، يتعاقبان علي قلوب أهل العرفان، فإذا غلب الخوف انقبض، وإذا غلبه الرجا، انبسط. ويحكى عن الجنيد أنه قال: الخوف يقبضنى، والرجاء يبسطنى، والحق يجمعنى، والحقيقة تفرقنى، وهو في ذلك كله موحش غير مؤنسى، بحضورى أذوق طعم وجودى فليته أفنانى، أوغيبنى منى. فإذا كاشف الحق عند وصف جلاله قبضه، وإذا كاشفه بنعت جماله بسطه، والقبض يوجب إيحاشه، والبسط يوجب إيناسه. ويحكى عن الشبلي أنه قال: من عرف الله حمل السموات والأرضين علي شعرة من جفن عينه، ومن عرف الله لو تعلق به جناح بعوضة (لضج يحمل متنه) *. هذا علي حالتي القبض والبسط. وقال بعضهم: إنه إذا قبض قبض حتى لا طاقة، وإذا بسط بسط حتى لا فاقة. وينبغى للعبد أن يتجنب الضجر وقت قبضه، ويجتنب ترك الأدب في حال بسطه، ومن هذا خشى الأ كابر والسادة. ((الخافض، الرافع)) هو الذي يخفض القسط ويرفعه، أو يخفض الكفار بالخزى والصغار، ويرفع المؤمنين بالنصر والإعزاز، أو يخفض أعداءه بالإبعاد ويرفع أولياءه بالتقريب والإسعاد، وخفض أهل الشقاء بالطبع والإضلال، ورفع ذوى العادة بالتوفيق والإرشاد، وكلاهما من صفاات الأفعال. وحظ العبد منهما: أن يخفض الباطل، ويرفع الحق، ويعادى أعداء الله فيخفضهم، ويوالي أولياء، فيرفعهم. قال الشيخ أبو القاسم: ليس المرفوع قدرًا، والمعلي شأناً وأمرًا، والمستحق مجدًا وفخرًا، من رفع الطين علي الطين، وتكبر علي المساكين، وتجبر علي أشكاله بكثرة ماله، واستقامة أحواله، وإنما المشرف شأناً، والمعلي رتبة ومكانًا، من رفعه الله بتوفيقه، وأيده لتصديقه، وهداه لطريقه، صفا مع الله قلبه، وجلي له وجهه، وصدق إلي الله شوقه وحنينه.

стр. 1280

ــ وروى في الخبر ((كم من أشعث أغبر زى طمرين لا يؤبه له، لو أقسم علي الله لابرَّه))، وقيل: إن رجلاً رثى واقفاً في الهواء، فقيل له: بم بلغت هذه المنزلة؟ فقال: أنا رجل جعلت هوأي تحت أقدامى فسخر الله لي الهواء. ((المعز، المذل)) الإعزاز جعل الشىء ذا كمال يصير بسببه مرغوبًا قليل المثال، والإذلال جعله ذا نقيصة بسببها يرغب عنه، ويسقط عن درجة الاعتبار، وكلا المعنيين يعرض للإنسان وغيره، والذي يعرض للإنسان منه ما يتعلق بالبدن كالقوة، والجمال، ورفعة الجاه، وكثرة المال، وشرف النسب، والتظاهر بالأتباع والأنصار، ونقائضها. ومنه ما يتعلق بالنفوس كالتخليص عن ذل الحاجة، واتباع الشهوة، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، والإرشاد إلي معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وما يقابل ذلك. وقال بعض الصالحين: ((المعز)) الذي أعز أولياءه بعصمته، ثم غفر لهم برحمته، ثم نقلهم إلي دار كرامته، ثم أكرمهم برؤيته ومشاهدته. و ((المذل)) الذي أذل أعداءه بحرمان معرفته، وركوب مخالفته، ثم نقلهم إلي دار عقوبته، وأهأنهم بطرده ومفارقته. وحظ العبد من ذلك أن يعز الحق وأهله، ويذل الباطل وحزبه، وأن يسأل الله تعالي التوفيق لما يستمد به إعزازه، ويجتهد فيه، ويستعيذ به من موجبات الإذلال ويتوقى عن مظانه. قال الشيخ أبو القاسم: الحق يعز الزاهدين بعزوب نفوسهم عن الدنيا، ويعز العابدين بسلامة نفوسهم عن الرغبات والمنى، ويعز أصحاب العبادات بسلامتهم عن اتباع الهوى، ويعز المريدين بزهادتهم عن صحبة الورى، وانقطاعهم إلي باب المولي، ويعز العارفين بتأهيلهم لمقامات النجوى، ويعز المحبين بالكشف واللقاء، والغنى عن كل ما هو غير وسوى، ويعز الموحدين بشهودهم جلالة من له البقاء والبهاء. قال المشايخ: ما أعز الله عبدًا بمثل ما يرشده إلي ذل نقسه، وما أذل الله عبدًا بمثل ما يرده إلي توهم عزه. وقيل في معنى قوله تعالي: ((تعز من تشاء وتذل من تشاء)) المذلة أن يكون في أسر نفسه، وغطاء شهواته، وسجن تمنيه وآفاته، يصبح محجوبًا ويمسى محرومًا، لا بالطاعات له توفيق، ولا بالقلب تصديق، ولا في الحال تحقيق، نعوذ بالله من شر الأقدار وسوء الاختيار، وبالله التوفيق. ((السميع، البصير)) هما من أوصاف الذات، والسمع إدراك المسموعات حال حدوثها، والبصر إدراك المبصرات حال وجودها. وقيل: إنهما في حقه تعالي صفتان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافًا تامًا، ولا يلزم من افتقار هذين النوعين من الإدراك فينا إلي آلة

стр. 1281

الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، ــ افتقارهما إليها بالنسبة إلي الله تعالي؛ لأن صفات الله تعالي مخالفة لصفات المخلوقين بالذات، وإن كانت تشاركها، فإنما تشاركها بالعوارض، وفي بعض اللوازم، ألا ترى أن صفاتنا أعراض عارضة معرضة للآفة والنقصان، وصفاته تعالي مقدسة عن ذلك؟. وحظ العبد منهما: أن يتحقق أنه بمسمع من الله ومرأي منه، فلا يستهين باطلاع الله عليه ونظره إليه، ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف من عباده أنه السميع البصير فمن آدابه: دوام المراقبة، ومطالعة النفس بدقيق المحاسبة. وقيل: إذا عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك. ومن ألطاف الله تعالي بعباده الذين يحفظون له سمعهم وبصرهم أن يكفيهم مئونة أنفسهم، ويصونهم في أحوالهم، فتكون أسماعهم مصونة عن سماع كل لغو، وأبصارهم محفوظة عن شهود كل كفو وغير، وإليه الإشارة بقوله: ((كنت له سمعًا وبصرًا، فبي يسمع وبي يبصر)) الحديث. وهذا هو محل الحفظ، ووصف التخصيص فن العناية، وروى عن سهل بن عبد الله أنه قال: منذ كذا سنة أنا أخاطب الحق تعالي، والناس يتوهمون أنى أكلمهم. وفي معناه أنشد: وظنونى أخاطبهم قديماً وأنت بما أخاطبهم مرادى وهذا هو صفة الجمع الذي أشار إليه القوم أن لا يكون العبد لنفسه بنفسه، بل يكون لربه بربه. واعلم أنه إذا علم أن مولاه يسمع ما يقول، ويرى ما يختلف به من الأحوال، فإنه يكتفي بسمعه وبصره عن انتقامه وانتصاره، فإن نصرة الحق أتم له من نصرته لنفسه، قال الله تعالي لنبيه صلوات الله عليه: ((ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون)) ثم انظر بماذا سلاه، وكيف خفف عليه تحمل أثقال بلواهم بما يشغله به عنهم، وأمره به حيث قال: ((فسبح بحمد ربك)) أي فاتصف أنت بمدحنا وثنائنا، يعنى إذا تأذيت بسماع السوء منهم، فاستروح بروح ثنائك علينا. قال الشيخ أبو حامد: من أخفي عن غير الله ما لا يخفيه عن الله، فقد استهان ينظر الله. والمراقبة إحدى مراتب الإيمان بهذه الصفة، فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله تعالي يراه، فما أجرأه وما أجسره! ومن ظن أن الله تعالي لا يراه فما أكفره وما أكفره! ((الحكم)) الحاكم الذي لا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ومرجع الحكم إما إلي القول الفاصل بين الحق والباطل، والبر والفاجر، والمبين لكل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر؛ وإما إلي الفعل الدال علي ذلك لنصب الدلائل، والأمارات الدالة عليه؛ وإما إلي المميز بين الشقى والسعيد بالإثابة والعقاب. وقيل: أصله المنع، ومنه سميت حكمة اللجام حكمة؛ فإنها تمنع الدابة عن الجماح، والعلوم حكمًا؛ لأنها تزع صاحبها عن شيم الجهال.

стр. 1282

ــ وحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه، وينقاد لأمره، فإن لم يرض بقضائه اختيارًا أمضى فيه إجبارًا، ومن رضي به طوعًا لعلمه بأن له في كل شىء لطفًا مخفيًا، عاش راضيًا مرضيًا. قال الشيخ أبو القاسم: واعلم أنه تعالي حكم في الأزل لعباده بما شاء، فمن شقي وسعيد، وقريب وبعيد، فمن حكم له بالسعادة فلا يشقى أبدًا، ومن حكم له بالشقاوة لا يسعد أبدًا، كذا قالوا: من آقصته السوابق لم تدنه الوسائل، وقالوا: من قعد به جِدُّه لم ينهض به جَدُّه. واعلم أن الناس علي أربعة أقسام: أصحاب السوابق، فتكون فكرتهم أبدًا فيما سبق لهم من الله تعالي في الأزل، يعلمون أن الحكم الأزلي لا يتغير با كتساب العبد، وأصحاب العواقب يتفكرون فيما يختم به أمرهم، فإن الأمور بخواتيمها، والعاقبة مستورة، ولهذا قيل: لا يغرنك صفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، فكم من مريد لاحت عليه أنوار الإرادة، وظهرت عليه أثمار السعادة، وانتشر صيته في الآفاق، وعقد عليه الخناصر، وظنوا أنه من جملة أوليائه وأهل صفائه بُدل بالوحشة صفاؤه، وبالغيبة ضياؤه. وفي معناه أنشد: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم يخف سوء ما يأتى به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر وأصحاب الوقت وهم لا يشتغلون بالتفكر في السوابق والعواقب، بل بمراعاة الوقت، وأداء ما كلفوا من أحكامه. وقيل: العارف ابن وقته، وأصحاب الشهود هم الذين غلب عليهم ذكر الحق، فهم مأخوذون بشهود الحق عن مراعاة الأوقات، لا يتفرغون إلي مراعاة وقت وزمان، ولا يتطلعون بشهود حين وأوان. ويحكى عن الجنيد أنه قال: قلت للسرى: كيف أصبحت؟ فانشأ يقول: ما في النهار ولا في الليل لي فرح فلا أبالي أطال الليل أم قصرا ثم قال: ليس عند ربكم صباح ولا مساء، أشار بهذا أنه غير متطلع للأوقات، بل هو متوفي شهود الوقت عن الحالات والتارات. ((العدل)) العدل في الأمل مصدر عدلت الشىء أعدله: إذا قومته. ثم قيل للتسوية والإنصاف؛ لما فيه من إقامة الأمر، وحفظه عن طرفي الإفراط والتفريط. ومعناه البالغ في العدل، وهو الذي لا يفعل إلا ماله فعله. مصدر نعت به للمبالغة، وهو من صفات الأفعال. ووظيفة العارف منه: أن لا يعترض علي الله تعالي في تدبيره وحكمه، بل يرى الكل منه حقًا وعدلاً، ويستعمل كل ما منح من الأمور الداخلة فيه والخارجة عنه فيما ينبغى أن يستعمل فيه شرعًا وعقلاً، ويجتنب في مجامع أموره طرفي الإفراط والتفريط، فيتوقى في الأفعال الشهوية

стр. 1283

ــ عن الفجور والخمود، وفي الأفعال الغضبية عن التهور والجبن، وفي الآراء والتدابير عن الجربزة والبلاهة، ويلازم أوساطها التي هي العفة والشجاعة والحكمة، المعبر عن مجموعها بالعدالة، ليندرج تحت المخاطبين بقوله تعالي: ((وكذلك جعلناكم أمة وسط لتكونوا شهداء علي الناس)). قال الشيخ أبو القاسم: حقيقة العدل أن يكون فعله حسنًا صوابًا، وإنما يكون حسنًا وصوابًا إذا كان لفاعله أن يفعل فهو عادل، وأفعاله عدل، وله أن يفعل بحق ملكه ما يريد في خلقه. وحكى أن رجلا جاء إلي سمنون وقال له: ما معني قوله تعالي: ((ومكروا ومكر الله))؟ فأنشد سمنون*: ويقبح من سواك الفعل عندى وتفعله فيحسن منك ذاكا فأنكر عليه السائل، فقال: لم أجبك بالبيت لقصور في الجواب، ولكن أردت أن أبين لك أن في أقل قليل أدل دليل علي ما سألت، فالجواب أن تخليته إياهم مع مكرهم مكره بهم. فمن علم أنه ((العدل)) لم يستقبح منه موجودًا، ولم يستثقل منه حكمًا، بل استقبل حكمة بالرضا والصبر تحت بلاياه بغير شكوى لم يضيق لتحمل بلاياه قلبًا، ووسع لمقاساة فجاءة تقديره ذرعًا. ((اللطيف)) قيل: معناه الملطف كالجميل، فإنه بمعنى المجمل، فيكون من أسماء الأفعال. وقيل: معناه العليم بخفيات الأمور ودقائقها، وما لطف منها. وحظ العبد منه: أن يلطف بعباده، ويرفق بهم في الدعاء إلي الله تعالي، والإرشاد إلي طريقة الحق، ويتيقن أنه تعالي عالم بمكنونات الضمائر علمه بجليات الظواهر، فلا يضمر ما لا يحسن إظهاره. قال الشيخ أبو القاسم: ((اللطيف)) العليم بدقائق الأمور ومشكلاتها، وهذا في وصفه واجب، واللطيف المحسن الموصل للمنافع برفق، وهذا في نعته مستحق، وهو من صفات فعله. وقوله تعالي: ((الله لطيف بعباده)) يحتمل المعنيين جميعًا، أن يكون عالمًا بهم وبمواضع حوائجهم، يرزق من يشاء ما يشاء كما يشاء، ولطيف بهم يحسن إليهم ويتفضل عليهم، ويرفق بهم. قيل: إن من لطفه تعالي بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة، ومن لطفه بعباده توفيق الطاعات، وتسهيل العبادات، وتيسير المرافقات، إذ لولا ذلك لكان للمخالفات مرتكبًا، وفي الزلات منهمكًا، ثم من لطفه بعباده حفظ التوحيد في القلوب، وصيانة العقائد عن الارتياب، وسلامة القلوب عن الاضطراب، وإن بقاء المعرفة بين وحشة الزلة أعجب من إخراج اللبن من بين الفرث والدم، ولكن جرت سنته بحفظ كل لطيفة بين كثيفة، بل أجرى سنته بإخفاء الودائع في مواضع مجهولة.

стр. 1284

ــ وقيل: ((اللطيف)) في الأصل ضد الكثيف. ومن خواصه أن لا يحس به، فإطلاقه علي الله تعالي باعتبار أنه متعال من أن يحس به، فيكون من الصفات التنزيهية، وعلية قوله تعالي: ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)). وفيه لف ونشر، يعنى أنه لطيف لا تحيط بكنهه الأبصار، وهو للطف إدراكه للمدركات يحيط بتلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك علما. ((الخبير)) العليم ببواطن الأشياء من الخبرة، وهي العلم بالخفايا الباطنة، وقيل: هو المتكمن من الإخبار عما علمه. وحظ العبد منه: أن لا يتغافل عن بواطن أحواله، ويشتغل بإصلاحها، وتلافي ما يحدث فيها من المقابح. وعن بعض الصالحين: من عرف أنه خبير كان بزمام التقوى مشدودًا، وعن طريق المنى مصدودًا، والله الموفق. قال الشيخ أبو القاسم: إذا علم العبد أنه تعالي مطلع علي سره، عليم بأمره، يكتفي من سؤاله برفع همته، وإحضار الحاجة بقلبه من غير أن ينطق بلسانه. وحكى أن رجلا جاء إلي أبي يزيد، وقال: أيها الشيخ! إن الناس قد احتاجوا إلي المطر، فادع الله يرزقهم ذلك، فقال أبو يزيد: يا غلام! أصلح الميزاب، فلم يفرغ الغلام من إصلاح الميزاب حتى جاء المطر، ولم يتكلم بشىء. ((الحليم)) هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ علي استعجال العقوبة والمسارعة إلي الانتقام، وحاصلة راجع إلي التنزيه عن العجلة. وحظ العبد منه: أن يتخلق به ويحمل نفسه علي كظم الغيظ، وإطفاء ثائرة الغضب بالحلم. قال الشيخ أبو القاسم: وإنما يلذ حلمة لرجاء عفوه؟ لأنه إذا ستر في الحال بفضله، فالمأمول منه أن يغفر في المال بلطفه. وروى أن بعضهم رئى في المنام بعد وفاته، فتيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أعطانى صحيفتى، فمررت بزلة استحييت أن أقرأها، فقلت: إلهي لا تفضحنى! قال: حين فعلتها ولم تستحي ما فضحتك، أفأفضحك وأنت تستحي!. قال الإمام فخر الدين: ليس الوصف بالحلم أنه لا يحمله غيظ علي استعجال العقوبة علي الإطلاق، فإن الذي لا يعجل الانتقام إذا كان علي عزمه سمى حقودًا، ولم يسم حليمًا، بل الحليم هو الذي لا يقصد الانتقام علي الجزم، وأعرض عن إظهاره، والعَفُوُّ هو الذي أعرض عنه بعد إظهاره. قال القاضى: الفرق بين الحقود والحليم: أن الحقود يؤخي الانتقام انتهازًا للفرصة، والحليم يؤخره انتظارًا للتوبة. ((العظيم)) أصله من عظم الشىء إذا كبر عظمه، ثم استعير لكل جسم كبير المقدار كبرًا يملأ العين، كالجمل والفيل، أو كبرًا يمنع إحاطة البصر بجميع أقطاره كالأرض والسماء. ثم لكل شىء كبير القدر عظيم المرتبة علي هذا القياس، والعظيم المطلق البالغ إلي أقصى مراتب

стр. 1285

ــ العظمة: هو الذي لا يتصور، عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، وهو الله تعالي فيرجع حاصل الاسم إلي التنزيه، والتعالي عن إحاطة العقول بكنه ذاته. وحظ العبد منه: أن يحقر نفسه ويذللها، للإقبال علي الله تعالي بالانقياد لأوامره ونواهيه، والاجتهاد في اقتناص مراضيه. قال الشيخ أبو القاسم: يجب أن يحمل العظيم في صفة الله تعالي علي استحقاق علو الوصف من استحقاق القدم، ووجود الوحدإنية والانفراد بالقدرة علي الإيجاد، وشمول العلم بجميع المعلومات، ونفوذ الإرادة في المتناولات، وإدراك السمع والبصر لجميع المسموعات والمرئيات، وتنزه ذاته عن قبول الحدثان، فسبحانه من عظم لا يصادره ((عن)) ولا يلاصقه ((إلي)) ولا يحده ((كيف)) ولا يقابل بـ ((كم)) - ولا يستخبر عن ذاته، بـ ((أين)) ولا يستخبر عن نفسه بـ ((ما)). ومن عرف أن مقدوراته لا نهاية لها، علم أنه لو أراد أن يخلق في لحظة عشرين ألف ألف عالم لم يكن إلا كما إذا أراد خلق بعوضة بلا تفاوت بينهما، إذ ليس خلق بقة أعظم عليه من خلق ألف عالم. واعلم أن همة العارف أعظم المخلوقات لأنه يضيع ويتلاشى فيها جملة المقدورات فضلا عن المخلوقات. سبحانه ما أعظم شأنه!. ((الغفور)) كثير المغفرة، وهي صيانة العبد عما استحقه من العقاب بالتجاوز عن ذنوبه من الغفر، وهو إلباس الشىء بما يصونه عن الدنس، ولعل الغفار أبلغ منه؛ لزيادة بنائه. وقيل: الفرق بينه ربين الغفار أن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية. ولعل إيراد كل من أبنية المبالغة من الرحمة والمغفرة في الأسماء التسعة والتسعين لتأكيد أمرهما، والدلالة علي أنه تعالي عظيم الرحمة عميمها، كثير المغفرة كبيرها، والإشعار بأن رحمته أغلب من غضبه، وغفرانه أكبر من عقابه. ((الشكور)) هو الذي يعطي الثواب الجزيل ملي العمل القليل، فيرجع إلي الفعل. وقيل: هو المثنى علي العباد المطيعين، فيرجع إلي القول. وقيل: معناه المجازي عباده علي شكرهم، فيكون الاسم من قبيل الازدواج، كما سمى جزاء السيئة سيئة. وحظ العبد منه: أن يعرف نعم الله تعالي، ويقوم بمواجب شكره، ويواظب علي وظائفه، وأن يكون شاكرًا للناس معروفهم، لأن من لم يشكر الناس لم يشكر الله. قال الشيخ أبو القاسم: حقيقة الشكر الثناء علي المحسن يذكر إحسانه، ثم العبد يثنى علي الرب بذكر إحسانه الذي هو نعمته، والرب يثنى علي عبده بأن يمدحه، ويذكر إحسانه وطاعاته. وقد قيل: إن الشكور في وصفه بمعنى أنه يعطي الثواب الكثير علي اليسير من الطاعة. حكى أن رجلا رئى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبنى، فخفت كفة حسناتى، فوقعت فيها صرة، فقلت، فقلت: ما هذا؟ قال: كف تراب ألقيته في قبر مسلم.

стр. 1286

العليُّ، الكبيرُ، الحفيظُ، المقيتُ، الحسيبُ، الجليلُ، الكريمُ، الرَّقيبُ، ــ قال تعالي: ((وقليل من عبادى الشكور)). وقال بعضهم: قليل من عبادى من يشهد النعمة منى، لأن حقيقة الشكر الغيبة عن شهود النعمة بشهود المنعم، وقيل: هم الأكثرون وإن قلُّوا، ومواضع الأنس حيث حلُّوا. ((العلي)) فعيل من العلو، ومعناه البالغ في علو الرتبة إلي حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، وهو من الأسماء الإضافية. قال بعض الصالحين: العلي الذي علا عن الدرك ذاته، وكبر عن التصور صفاته. وقال آخر: هو الذي تاهت الألباب في جلاله، وعجزت العقول عن وصف كماله. وحظ العبد منه: أن يذل نفسه في طاعة الله ويبذل جهده في العلم والعمل، حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات النفسإنية، والمراتب العلمية والعملية. قال الشيخ أبو القاسم: ومن علوه وكبريائه أنه لا يصير بتكبير العباد له كبيرًا، ولا بإجلالهم له جليلا، بل من وفقه لإجلاله فبتوفيقه أجله، ومن أيده بتكبيره وتعظيمه، فقد رفع محله، لا يلحقه نقص فيجبر ذلك بتوحيد عباده، فهو العزيز الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يتوجه عليه سبة ولا لوم. ومن حق من عرف عظمته: أن لا يذل لخلقه ويتواضع لهم، فإن من تذلل لله في نفسه رفع الله قدره علي أبناء جنسه. وقيل: المؤمن له العزة لا الكبر، وله التواضع لا المذلة. ((الكبير)) نقيض الصغير، وهما في الأصل يستعملان للأجسام باعتبار مقاديرها، ثم لعالي الرتبة ودإنيها، قال الله تعالي حكاية عن فرعون: ((إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)) والله سبحانه وتعالي كبير بالمعنى الثانى، إما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها، من حيث أنه قديم، أزلي، غنى، علي الإطلاق، وما سواه حادث بالذات، نازل في حضيض الحاجة والافتقار، وإما باعتبار أنه كبير عن مشاهدة الحواس، وإدراك العقول. وعلي الوجهين فهو من أسماء التنزيه. وحظ العبد منه: أن يجتهد في تكميل نفسه علما وعملا، بحيث يتعدى كماله إلي غيره، ويقتدى بآثاره، ويقتبس من أنواره، قال عيسى ﵇: من علم وعمل، فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء. ((الحفيظ)) الحفظ صون الشىء عن الزوال والاختلال، إما في الذهن، وبإزائه النسيان، وإما في الخارج، وبإزائه التضييع. والحفيظ يصح إطلاقه علي الله تعالي بكل واحد من الاعتبارين، فإن الأشياء كلها محفوظة في علمه تعالي، لا يمكن زوالها عنه بسهو أو نسيان، وإنه تعالي يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، ويصون المتضادات والمتعاديات بعضها عن

стр. 1287

ــ بعض، فيحفظها في المركبات محمية عن إفناء بعضها بعضًا، فلا يطفيء الماء النار، ولا تحلل النار الماء. ويحفظ علي العباد أعمالهم، ويحصى عليهم أفعالهم، وأقوالهم. وحظ العبد منه: أن يحفظ سره عن اتباع الشبهات والبدع، وجوارحه عن انقياد الشهوات والغضب، ويختار قصد الأمور، ويحفظ نفسه عن الميل إلي طرفي الإفراط والتفريط. والعارف خصوصًا أن يحفظ باطنه عن ملاحظة الأغيار، وظاهره عن موافقة الفجار. قال الشيخ أبو القاسم: ومن حفظه تعالي لأوليائه صيانة عقودهم في التوحيد عن اكتفائهم بالتقليد، وتحقيق العرفان في أسرارهم بجميل التأييد، وليس كل الحفظ أن يحفظ عبدًا بين البلاء عن البلاء؛ وإنما الحفظ أن يحفظ قلبًا علي خلوص المعرفة من الأهواء، حتى لا يزل عن الطريقة المثلي، ولا يحيد إلي البدع والهوى. وقيل: من حفظ لله جوارحه، حفظ الله عليه قلبه، لا بل من حفظ لله حقه حفظ الله عليه حظه. وحكى: أن بعض الصالحين وقع بصره يومًا علي محظور، فقال: إلهي إنما أريد بصرى لأجلك، فإذا صار سببًا لمخالفة أمرك فاسلبنيه، فعمى. وكان يصلي بالليل، فاحتاج إلي الطهارة، ولم يتمكن منها فقال: إلهي إنما قلت خذ بصرى لأجلك، فالليل احتاج لأجلك، فعاد إليه بصره. ((المقيت)) خالق الأقوات البدنية، والروحإنية، وموصلها إلي الأشباح والأرواح، وفي الحديث: ((كفي بالمرء إثمًا أن يضيع من بقيت))، فهو من صفات الأفعال. وقيل: هو المقتدر بلغة قريش. قال الشاعر: وذى ضغن كففت النفس عنه وكنت علي إساءته مقيتًا وقيل: الشاهد والمطلع علي الشىء، من أقات الشىء إذا شهد عليه، فهو علي الوجهين من صفات الذات. وحظ العبد منه: أن يصير نافعًا هاديًا، يطعم الجائع، ويرشد الغافل. قال الشيخ أبو القاسم: وإذا اختلفت الأقوات، فمن عباده من يجعل قوت نفسه توفيق العبادات، وقوت قلبه تحقيق المعارف والمكاشفات، وقوت روحه إدامة المشاهدات والمؤانسات، خص كلا بما يليق به علي ما سبق فيه الاختيار، وحق فيه القول، وإذا شغل عبد بطاعاة الله أقام لأجله من يقوم بشغله، وإذا رجع إلي متابعة شهوته، وتحصيل أمنيته، وكله إلي حوله وقوته، ورفع عنه ظل عنايته. ((الحسيب)) الكافي في الأمور، قال الله تعالي: ((ومن يتوكل علي الله فهو حسبه)) من أحسبنى إذا كفانى، فعيل بمعنى مفعل، كأليم، والحسيب المطلق هو الله تعالي، إذ لا يمكن أن تحصل الكفاية في جميع ما يحتاج إليه الشىء في وجوده وبقائه، وكماله البدنى والروحانى

стр. 1288

ــ بأحد سواه. وقيل: المحاسب يحاسب الخلائق يوم القيام، فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس والنديم، فمرجعه بالمعنى الأول إلي الفعل، وبالمعنى الثانى إليه أن جعل المحاسبة عبارة عن المكافأة، وإلي القول إن أريد بها السؤال والمعاتبة، وتعداد ما عملوا من الحسنات والسيئات، وكأنه جمع بين المعنيين من قال: الحسيب من يعد عليك أنفاسك، ويصرف بفضله عنك بأسك. وقيل: الشريف، والحسب الشرف. وحظ العبد منه: أن يتسبب لكفاية حاجات المحتاجين، وسد خلتهم، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويشرف نفسه بالمعرفة والطاعة. قال الشيخ أبو القاسم: كفاية الله للعبد أن يكفيه جميع أحواله وأشغاله، وأجل الكفايات أن لا يعطيه إرادة الشىء، فإن سلامته عن إرادة الأشياء حتى لا يريد شيئًا أتم من قضاء الحاجة، وتحقيق المأمول. ومن علم أن الله تعالي كافية لا يستوحش من إعراض الخلق ثقة بأن الذي قسم له لا يفوته وإن أعرضوا، وأن الذي لم يقسم لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه، وقيل في معناه: إن كان الله معك، فمن تخاف؟ وإن كان الله عليك، فمن ترجو؟ ثم إن العبد إذا اكتفي بحسن توليته تعالي لأحواله فعن قريب يرضيه بما يختار له مولاه، فعند ذلك يؤثر العدم علي الوجود، والفقر علي الغنى، ويستروح إلي عدم الأسباب. وقيل: إن فتحًا الموصلي رجع ليلة إلي بيته فلم يجد عشاء، ولا سراجًا، ولا حطبًا، فأخذ يحمد الله تعالي ويتضرع إليه، ويقول: إلهي! لأي سبب، وبأي وسيلة واستحقاق عاملتنى بما تعامل به أولياءك!. ((الجليل)) المنعوت بنعوت الجلال، وهي من الصفات التنزيهية، كالقدوس والغنى. قال الإمام الرازى: الفرق بينه وبين الكبير العظيم: أن الكبير اسم الكامل في الذات، والجليل اسم الكامل في الصفات، والعظيم اسم الكامل فيهما. وحظ العبد منه: أن ينزه نفسه عن العقائد الزائغة، والخيالات الفارغة، والأخلاق الذميمة، والأفعال الدنية*. قال الشيخ أبو القاسم: إن الله تعالي جعل يقلب قلوب العابدين بين شهود ثوابه وأفضاله، وشهود عذابه وأنكاله، فإذا فكروا في إفضاله ازداد رغبتهم، وإذا فكروا في عذابه وإنكاله ازداد رهبتهم، وأنه جعل تنزه أسرار العارفين في شهود جلاله وجماله، إذا كوشفوا بنعت الجلال، فأحوالهم طمس في طمس، وإذا كوشفوا بوصف الجمال، فأحوالهم أنس في أنس، فكشف الجلال يوجب محوًا وغيبة، وكشف الجمال يوجب صحوًا وقربة، فالعارفون كاشفهم بجلاله، فعابوا، والمحبون كاشفهم بجماله، فطابوا، والحقائق إذا اصطلمت القلوب، لا تبقي ولا تذر، والمعإني إذا استولت علي الأسرار، فلا عين ولا أثر. وإن للعلوم علي القلوب مطالبات، وللحقائق سلطان يغلب علي أقسام الترتيب، فالحال تؤذن حتى ليس الأقرب، والحقائق تبرز نعت الصمدية حتى لا قرب، وأنشد:

стр. 1289

المجيبُ، الواسعُ، الحكيمُ، الودودُ، المجيدُ، الباعثُ، الشهيدُ، ــ بأي نواحى الأرض أبغى وصالكم وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو ((الكريم)) المفضل. الذي يعطى من غير مسألة، ولا وسيلة، وقيل: المتجاوز الذي لا يستقصى في العتاب. وقيل: المقدس عن النقائص والعيوب. من قولهم: كرائم الأموال لنفائسها. ومنه سمى شجر العنب كرمًا، لأنه طيب الثمرة، قريب المتناول، سهل القطاف، عار عن الشوك، بخلاف النخل، وحظ العبد منه: أن يتخلق به، فيعطى من غير موعدة، ويعفو عن مقدورة، ويتجنب عن الأخلاق المردية، والأفعال المؤذية. قال الشيخ أبو القاسم: قيل: الكريم هو الذي إذا أذنبت اعتذر عنك، وإذا هجرت وصلك، وإذا قدم من السفر زارك، وإذا افتقر أحسن إليك ببقية ماله. وقيل: الكريم الذي يرى لمن يقبل عطاءه منه علي نفسه. وقيل: الكريم هو الذي إذا رفعت إليه حاجتك عاتب نفسه، كيف لم يبادر إلي قضائها قبل أن تسأله. وأنشد في المعنى الأول: إذا شئت أن تدعى كريمًا مكرمًا حليما ظريفًا ماجدًا فطنًا* حًرا إذا ما بدا من صاحب لك زلة فكن أنت محتالاً لزلته عذرًا ((الرقيب)) الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، فلا تعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وحظ العبد منه: أن يراقب أحوال نفسه، ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة، فيهلكه علي غفلة فيلاحظ مكامنه ومنافذه، ويسد عليه طرقة ومجاريه. قال الشيخ أبو القاسم: المراقبة عند هذه الطائفة هي أن يصير الغالب علي العبد ذكره بقلبه، ويعلم أن الله تعالي مطلع عليه، فيرجع إليه في كل حال، ويخاف سطوات عقوبته في كل نفس، ويهابه في كل وقت، فصاحب المراقبة يدع من المخالفات استحاء منه وهيبة له، أكثر مما يترك من يدع من المعاصى لخوف عقوبته، وأن من راعى قلبه، عد مع الله أنفاسه، فلا يضيع مع الله نفسًا، ولا يخلو عن طاعته لحظة، كيف وقد علم أن الله يحاسبه علي ما قل وجل. وحكى عن بعضهم: أنه رئى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأحسن إلي إلا أنه حاسبنى حتى طالبنى بيوم كنت صائمًا، فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوت صديق لي فكسرتها، فذكرت أنها ليست لي، فألقيتها علي حنطته، فأخذ من حسناتى مقدار كسرها. ومن تحقق ذلك لم يزج في البطالات عمره، ولم يمحق في الغفلات وقته. ((المجيب)) هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، أو يسعف السائل إلي ما التمسه واستدعاه، وحظ العبد منه: أن يجيب ربه أولا فيما أمره ونهاه، ويتلقى عباده بلطف الجواب وإسعاف السؤال. قال الشيخ أبو القاسم: في الخبر ((إن الله يستحيي أن يرد يد عبده صفرًا)) وأنه تعالي

стр. 1290

ــ إذا علم من أخطر من أوليائه حاجتهم ببالهم يحقق لهم مرادهم قبل أن يذكروا بلسانهم، وربما يضيق عليهم الحال حتى إذا يئسوا وظنوا أنه لا يجيبهم، يتداركهم بحسن إيجاده ودليل وجميل إمداده. ((الواسع)) مشتق من السعة، وهي تستعمل حقيقة باعتبار المكان، وهي لا يمكن إطلاقها علي الله تعالي بهذا المعنى، ومجازًا في العلم والإنعام، والمكنة والمغنى، قال تعالي: ((وسعت كل شىء رحمة وعلما)) وقال تعالي: ((لينفق ذو سعة من سعته)) ولذلك فسر الواسع بالعالم المحيط علمة بجميع المعلومات كليها وجزئيها، موجودها ومعدومها، وبالجواد الذي عمت نعمته، وشملت رحمته كل بر وفاجر، ومؤمن وكافر، وبالغنى التام الغنى المتمكن مما يشاء. وعن بعض العارفين: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه. وحظ العبد منه: أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه، ويكون جوادًا بالطبع، غنى النفس لا يضيق قلبه بفقد الفائت، ولا يهتم بتحصيل المآرب. قال الشيخ أبو القاسم: من الواجب علي العبد أن يعلم أنه ليس كل إنعامه انتظام أسباب الدنيا، والتمكن من تحصيل المنى، والوصول إلي الهوى؛ بل ألطاف الله تعالي إلي ما يزوى عنهم للدنيا أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، وإن قرب العبد من الرب تعالي علي حسب تباعده عن الدنيا. وفي بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلي الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتى. ((الحكيم)) ذو الحكمة، وهي عبارة عن كمال العلم، وإحسان العمل والإتقان فيه. وقد يستعمل بمعنى العليم، والمحكم. وقيل: هو مبالغة الحاكم، فعلي الأول مركب من صفتين إحداهما من صفات الذات، والأخرى من صفات الأفعال، وعلي الثانى يرجع إلي القول. وعن بعضهم: الحكيم هو الذي يكون مصيبًا في التقدير، ومحصيًا في التدبير. وحظ العبد من هذا الاسم: أن يجتهد في تكميل القوة النظرية بتحصيل المعارف الإلهية، واستكمال القوة العملية بتصفية النفس عن الرذائل، والميل إلي الدنيا، والرغبة في زخارفها، والاشتغال بما يوجب الزلق من الله تعالي حتى يندرج تحت ((من)) في قوله تعالي: ((ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا)). قال الشيخ أبو القاسم: من حكمة علي عباده وتخصيصه قومًا بحكم السعادة من غير استحقاق وسبب، ولا جهد وطلب، ولا زيادة أدب ولا شرف نسب، بل تعلق العلم القديم بإسعاده، وسبق الحكم الأولي بإيجاده؟ وخص قومًا بطرده وإبعاده، ووضع قدره بين عباده من غير جرم سلف، ولا ذنب اقترف، بل حقت الكلمة عليه بشقاوته، ونفذت المشيئة بجحد قلبه

стр. 1291

ــ وقساوته. فالذي كان شقيًا في حكمه، أبرزه في نطاق أوليائه، ثم حطه أبلغ حط، وقال: ((فمثله كمثل الكلب)). والذي كان سعيدًا في حكمه خلقه في صورة الكلب، ثم حشره في جملة أوليائه، وذكر، في جملة أصفيائه، فقال: ((رابعهم كلبهم))، وقال: ((وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)). ((الودود)) مبالغة الواد. ومعناه: الذي يحب الخير لجميع الخلائق، ويحسن إليهم في الأحوال كلها. وقيل: المحب لأوليائه. وحاصله يرجع إلي إرادة مخصومة. وحظ العبد منه: أن يريد للخلق ما يريد لنفسه، ويحسن إليهم حب قدرته ووسعه، ويحب الصالحين من عباده. قال الشيخ أبو القاسم: قيل: إنه فعول بمعنى الفاعل، كما يقال: رجل قتول، إذا كان كثير القتل. وقيل: إنه بمعنى المفعول، كقولهم: ناقة حلوب، بمعنى محلوبة، فمعنى ((الودود)) في وصفه أنه يود المؤمنين، ويودونه، قال تعالي: ((يحبهم ويحبونه)). ومعنى المحبة في صفة الحق لعباده تكون بمعنى رحمته عليهم، وإرادته للجميل لهم، ومدحه لهم، وبمعنى إنعامه عليهم، وإحسانه إليهم. ومحبة العبد لله تعالي تكون بمعنى طاعته له، وموافقته لأمره، وتكون بمعنى تعظيمه له، وهيبته عنه. وقد تكلموا في اشتقاق المحبة علي وجوه: أحدها: أنه من حبب الإنسان، وهو صفاؤها ونضارتها، فمحة العبد صفاء وقته، وضياء أحواله. وذلك لتنزهه عن الغفلات، وتباعده عن العلات، وتنقيه عن أوضاع المخالفات، وتوقيه من أدناس الزلات. وثإنيها: أنه من قولهم: أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح، فالمحب أبدًا يكون مقيمًا علي باب محبوبه بنفسه وبدنه، فإن لم يمكنه فبقلبه وروحه، والمحب يصل سيره بسراه، ويدع هواه في رضاه. وأنشد: أحبكم ما دمت حيًا فإن أمت يحبك عظم في التراب رميم يهجر فيأبي إلا الوصال، ويقابل بالصد والرد، والإهانة والطرد، والتنفير والبعد، ولا يزداد بالظاهر إلا جهدًا علي جهد، وبالباطن إلا وجدًا علي وجد، يؤثر العز علي الذل، والبعد علي القرب. وأنشد: رأيتك يدنينى إليك تباعدى فباعدت نفسى لابتغاء التقرب وثالثها: أنه من الحب، وهو القرط، سمى حبًا لقلقه واضطرابه، كما أن القرط لا يستقر بل يضطرب دائمًا، كذلك المحب عديم القرار، فقيد الاصطبار لا يسكن إنينه، ولا يهدأ حنينه، نهاره ليل، وليله ويل، ونومة مفقود، وفي قلبه وقود.

стр. 1292

ــ ورابعها: أنها من الحبة، وهي بذور تنبت في الصحراء، فالمحبة شجرة تغرس في الفؤاد، وتسقى بماء الوفاء، أصلها ثابت في السر، وفرعها ثابت في الهوى، وثمراتها لطائف الأنس تؤتى أكلها دائمًا، جوره أحلي من عدله، ومنعة أشهي من بذلة، ورده أحظى من قبوله، ولا يودى قتيله، ولا يسلك إلا بنعت التحمل سبيله. ((المجيد)) مبالغة الماجد من المجد، وهو سعة الكرم، من قولهم: مجدت الماشية إذا صادفت روضة أنفا، وأمجدها الراعى. ومنه قولهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، والمرخ والعفار شجرتان إذا دلكت أحدهما بالأحرى اصطلم النار منهما. واستمجد أي استكثر. وحظ العبد منه: أن يعامل الناس بالكرم وحسن الخلق، ليكون ماجدًا فيما بينهم. قال الشيخ أبو القاسم: ((المجيد)) في وصفه تعالي، قيل: بمعنى العظيم الرفيع القدر، فهو فعيل بمعنى مفعل. وقيل: معناه الجميل العطاء، فهو فعيل بمعنى فاعل مبالغة. وكل وصف من أوصافه يحتمل معنيين، فمن أثنى عليه بذلك الوصف فقد أتى بالمعنيين، وكل من قال له مجيد فقد وصفه بأنه عظيم رفيع القدر، وأنه محسن جزيل البر. ومن أعظم ما ينعم الله علي عباده، حفظه عليهم توحيدهم ودينهم، حتى لا يزولوا ولا يزيغوا، إذ لولا لطفه وإحسانه لضلوا وارتدوا. ومن وجوه إحسانه إليهم الذي لا يخفي علي أكثر الخلق حفظة عليهم قلوبهم، وتصفيته لهم أوقاتهم، فإن النعمة العظمى نعم القلوب كما أن المحنة الكبرى محن القلوب. ويحكى عن بعضهم قال: رأيت رجلا يطرف بالبيت، وهو يقول: واوحشتاه بعد الأنس! واذلاه بعد العز! وافقراه بعد الغنى! قال: فقلت: أذهب لك مال أم أصابتك مصيبة؟ قال: لا، ولكن كان لي قلب فقدته. ((الباعث)) هو الذي يبعث* ما في القبور، ويحيي الأموات يوم النشور. وقيل: هو باعث الرسل إلي الأمم. وقيل: هو باعث الهمم إلي الترقى في ساحات التوحيد، والتنقى من ظلم صفات العبيد، وهو في الجملة من صفات الأفعال. وحظ العبد منه: أن يؤمن أولاً بمعنييه، ويكون مقبلاً بشراشره علي استصلاح المعاد، والاستعداد ليوم التناد، منقادًا بطبعه للرسل، سالكًا ما يهديهم من السبل، ويحيى النفوس الجاهلة بالتعليم والتذكير، فيبدأ بنفسه، ثم بمن هو أقرب منه منزلة وأدنى رتبة. ويكون معنى الباعث في وصفه أنه يبعث الخواطر الخفية في الأسرار، فمن دواع تبعثها إلي الحسنات، ومن دواع تبعثها إلي السيئات، ومن موفق لاستحقاق وطلب، ومن مخذول لا لعلة وسبب. ((الشهيد)) من الشهود، وهو الحضور، ومعناه العليم بظاهر الأشياء، وما يمكن مشاهدتها، كما أن الخبير هو العليم بباطن الأشياء، وما لم ممكن الإحساس بها. وقيل: مبالغة الشاهد،

стр. 1293

الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبديء، المعيد، ــ والمعنى أنه تعالي يشهد علي الخلق يوم القيامة، وهو علي الوجهين من صفات المعانى؛ لأن مرجعه إما إلي العلم أو إلي الكلام. وحظ العبد منه: أن يسعى في التزكية والتصفية حتى يصير من أهل الشهود، وينخرط في سلك المخاطبين بقوله تعالي: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا)). قال الشيخ أبو القاسم: إن أهل المعرفة لم يطلبوا مع الله مؤنًا سواه، ولا أحدًا يشكون بين يديه غيره، بل رضوا به شهيدًا لأحوالهم عليمًا بأمورهم، وكيف لا، وهو يعلم السر وأخفي، ويسمع النجوى، ويكشف البلوى، ويجزل الحسنى، ويصرف الردى، وأنشد: أنتم سرورى وأنتم مشتكى حزنى وأنتم في سواد الليل سماوى وإن تكلمت لم ألفظ بغيركم ... وإن سكت فأنتم عقد إضمارى ((الحق)) الثابت، وبإزائه الباطل الذي هو المعدوم، والثابت مطلقًا هو الله سبحانه، وسائر الموجودات من حيث أنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها، ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، وإياه عنى الشاعر بقوله: ألا كل شىء ما خلا الله باطل وهو بهذا المعنى من صفات الذات. وقيل: معناه المحق، أي المظهر للحق، أو الموجد للشىء حسبما تقتضيه الحكمة، فيكون من صفات الأفعال. وحظ العبد منه: أن يرى الله تعالي حقًا وما سواه باطلا في ذاته، حقًا بإيجاده واختراعه، وأن له حكمة ولطفًا في كل ما يوجده، وإن خفي علينا كنهه. قال الشيخ أبو القاسم: الحق والحقيقة من صفات الخلق في اصطلاح هذه الطائفة، يعنون بالحق ما يعود إلي العقائد وأوصاف القلوب في المعارف، وبالحقيقة المعاملات والمنازلات، ومأخذ هذا الاصطلاح خبر حارثة حين قال له النبي ﷺ : ((الكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: أسهرت ليلي، وأظمأت نهارى)) فأشار بالحقيقة إلي المعاملات من سهر الليل وظمأ النهار. ((الوكيل)) القائم بأمور العباد، وتحصيل ما يحتاجون إليه. وقيل: الموكول إليه تدبير البرية، وهذا الأمر ينبىء عن أمرين: أحدهما عجز الخلق عن القيام بمجامع أمورهم كما ينبغي، إذ الغالب أن العاقل لا يكل أمره إلي غيره إلا إذا تعذر، أو تعسر عليه. وثإنيهما: أنه تعالي عالم بحالهم قادر علي ما يحتاجون إليه، رحيم بهم، فإن من لم يستجمع هذه الصفات لا يحسن توكيله.

стр. 1294

ــ وحظ العبد منه: أن يكل إليه، ويتوكل عليه، ويستكفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره، ويقوم بأمور الناس، ويسعى في إنجاح مآربهم، وتحصيل مطالبهم. قال الشيخ أبو القاسم: إذا تولي الله تعالي أمر عبد بجميل الكفاية، كفاه كل شغل، وأغناه عن كل غير ومثل. فلا يستكثر العبد حوائجه؛ لأنه يعلم أن كافيه مولاه، ولهذا قيل: من علامات التوحيد كثرة العيال علي بساط التوكل. ومن عرف أنه وكيله، وصدق عليه تعويله، فبالحرى أن يكون وكيله تعالي علي نفسه في استيفاء حقوقه ولوازمه، واقتضاء أوامره وفرائضه، فيكون خصمه تعالي علي نفسه ليلاً ونهارًا، ولا يفتر لحظة، ولا يجوز التقصير منه. وأنشد: علي رقيب منك حال بمهجتى إذا رمت تسهيلاً عليَّ تصعبا ((القوى، المتين)) القوة تطلق علي معانى مرتبة، أقصاها القدرة التامة البالغة إلي الكمال، والله تعالي قوى بهذا المعنى، والمتانة شدة الشىء واستحكامه، وهي في الأصل مصدر متن إذا قوى ظهره، ومرجعهما إلي الوصف بكمال القدرة وشدتها. وحظ العبد منه: أن يقوى نفسه بحيث يغلب أولا علي هواه، فيؤثر فيه ولا يتأثر عنه، ثم إلي ما عداه فلايلتفت إلي سوى الله ولا ينغفل عنه. قال الشيخ أبو القاسم: اعلم أنه تعالي علي ما يشاء قدير، لا يخرج عن قدرته مقدور، كما لا ينفك عن حكمته مفطور، وهو تعالي في إمضائه غير مستظهر بجند ومدد، ولا يستعين بجيش وعضد، إن أراد إهلاك عبد أهلكه بيده، حتى يخرج علي نفسه فيتلف نفسه إما خنقًا أو غرقًا، سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: خف من لا يحتاج إلي عون عليك، بل لو شاء إتلافك أخرجك علي نفسك، حتى يكون هلاكك علي يدك. وأنشد: إلي حتفي مش قدمى أرى قدمى أراق دمى ومن علم أن مولاه قدير علي ما يريد، يقطع رجاءه عن الأغيار، ويفرد سره لمن لم يزل ولا يزال. ((الولي)) المحب الناصر، وقيل: معناه متولي أمر الخلائق. وحظ العبد منه: أن يحب الله ويحب أولياءه، ويجتهد في نصره ونصر أوليائه، وقهر أعدائه، ويسعى في ترويج حوائج الناس ونظم مصالحهم، حتى يتشرف بهذا الاسم. قال الشيخ أبو القاسم: ومن أمارات ولايته لعبد أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءًا، أو قصد محظورًا عصمه عن ارتكابه، ولو جنح إلي تقصير في طاعته أبي إلا توفيقًا له وتأييدًا، وهذا من أمارات السعادة، وعكس هذا من أمارات الشقاوة. ومن أمارات ولايته: أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه، فإنَّ الله تعالي ينظر إلي قلوب أوليائه في كل وقت، فإذا رأي في قلوبهم لعبد محلا نظر إليه باللطف، وإذا رأي همة ولي من أوليائه بشأن عبد، أو سمع دعاء ولي في شأن شخص، يأبي إلا الفضل والإحسان إليه، بذلك أجرى

стр. 1295

سنته الكريمة. وسمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: لو أن وليا من أولياء الله مر ببلدة، لنال بركات مروره أهل تلك البلدة، حتى يغفر الله لهم كلهم، قال الله تعالي:﴾ ولم يكن له ولي من الذل ﴿فأولياؤه يكونون في العز في دنياهم وعقباهم، وآخرتهم وأولاهم. جعلنا الله منهم بفضله ورحمته. ((الحميد)) المحمود المستحق للثناء، فإنه الموصوف بكل كمال، والمولي لكل نوال، وإن من شيء إلا يسبح بحمده بلسان الحال، فهو الحميد المطلق. والحمد أعم من الشكر من حيث إنه يطلق بمعنى الثناء علي الجميل من الصفات والأفعال، يقال: حمدت فلانا علي علمه وكرمه. والشكر مخصوص بالنعم وإن كان الشكر أعم منه من حيث إنه يكون باللسان والقلب والجوارح، والحمد لا يكون إلا باللسان. وحظ العبد منه: أن يسعى لينخرط في سلك المقربين الذين يحمدون الله لذاته لا لغيره، وأن يستضئ بانعكاس نور هذا الاسم إذا سعى قدر ما يقدر في تنقيح عقائده، وتهذيب أخلاقه، وتحسين أعماله، ثم إنه بعد لم يخل عن مذمة خلقه، أو منقصة خلقته لا يستطيع التفصي عنه. قال الشيخ أبو القاسم: حمد العبد لله تعالي الذي هو شكره ينبغي أن يكون علي شهود المنعم؛ لأن حقيقة الشكر الغيبة بشهود المنعم عن شهود النعمة. وقيل: إن داود ﵇ قال في مناجاته: إلهي كيف أشكرك، وشكري لك نعمة منك علي؟ فأوحى الله إليه: الآن قد شكرتني. وكم من عبد يتوهم أنه في نعمة يجب شكرها، وهو في الحقيقة في محنة يجب عليه الصبر عنها، فإن حقيقة النعمة ما يوصلك إلي المنعم لا ما يشغلك عنه، فإذن النعم ما كان دينيا، فإن كان مع النعم الدينية راحات معجلة، فهو الكمال، فإن وجد التوفيق للشكر فذاك، وإلا انقلبت النعمة محنة. ((المحصى)) العالم الذي يحصي المعلومات، ويحيط بها إحاطة العاد بما يعده. وقيل: القادر الذي لا يشذ عنه شيء من المقدورات، وقد سبق الكلام في شرح الإحصاء في أول الباب. والعبد وإن أمكنه إحصاء بعض المعلومات، والوصول إلي بعض ما يقدر عليه، لكنه يعجز عن إحصاء أكثرها، فينبغي أن يحصي ما قدر عليه من أعمال نفسه قبل أن يحصي، ويتلافي مقابح أعماله قبل أن يجازى. قال الشيخ أبو القاسم: ومن آداب من علم أنه المحصى: أن يتكلف عد آلائه لديه وإن علم أنه لا يحصيها، قال الله تعالي:﴾ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴿ليزجى وقته بذكر إنعامه، وشكر أقسامه، مستوجب المزيد من عوائد إحسانه. رئى بعضهم يعد تسبيحاته، فقيل: أتعد عليه؟ قال: لا ولكن أعد له. فيجب أن يراعى

стр. 1296

المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، ــ أيامه، ويعد آثامه، فيشكر جميل ما يوليه ربه، ويعتذر من قبيح ما تأتيه نفسه، ويذكر الأيام الماضية. والتأسف علي ما سلف من الأوقات الصافية صفة الأكثرين من هذه الطائفة؛ إذ قل كثير منهم إلا ولهم من هذه القصة حصة، وها هو سيد هذه الطائفة أبو القاسم جنيد، يقول: لا أزال أحن إلي بدو إرادتي وحدة سمعي وركوبي الأهوال، طمعا في الوصال، وها أنا في أوقات الفترة أبكي علي الأيام الماضية. وأنشد: منازل كنت تهواها وتألفها ... أيام كنت علي الأيام منصور وقال الله تعالي:﴾ وذكرهم بأيام الله ﴿،واعجبا للقلوب التي منيت بالبعاد بعد الوصلة، وأطلقها سبحانه الغيبة بعد أنس القربة! كيف لا تنقطع آسفا، ولا تتفتت حسرة ولهفا؛ لأن هذا العظيم من المحنة شديد الوقعة. ((المبدئ، المعيد)) قال الشيخ أبو القاسم: المبدئ المظهر للشيء من العدم إلي الوجود، وهو بمعنى الخالق المنشيء، والإعادة خلق الشيء بعد ما عدم، والله تعالي قادر علي إعادة المحدثات ((إذا عدمت جواهرها وأعراضها))،خلافا لمن قال: الإعادة خلق مثله لا إعادة عينه. وذلك إذا كان مقدورا قبل أن خلقه، فإذا عدم بعد وجوده أعاد إلي ما كان قبله عليه. ويجوز أن تكون الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة من المكلفين، فإذا بعث الخلق وحشرهم فقد أعادهم. وحظ العبد منه: أن يسعى في إبداء الخيرات، وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع عنها، واضمحل حتى يصير ذا حظ من آثار هذين الاسمين العظيمين. ومن معنى هذا الاسم إعادة الله تعالي للعبد عوائده، وفوائده وألطافه، وإحسانه وإسعافه، وقد أجرى الله تعالي سنته بأن ينعم علي عباده عودا علي بدء، وأن الكريم من يربى صنائعه. وأنشد: بدأت بإحسان، وثنيت بالرضا ... وثلثت بالنعمى، وربعت بالفضل ((المحيي المميت)) الإحياء خلق الحياة في الجسم والإماتة إزالتها عنه. فإن قيل: الموت عدم الحياة، والعدم لا يكون بالفاعل. قلت: العدم الأصلي كذلك، فأما العدم المتجدد، فهو بالفاعل، ولكن الفاعل لا يفعل العدم، وإنما يفعل ما يستلزمه، قال الله تعالي:﴾ وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴿أسند الموت الثاني إلي أفعاله دون الموت الأول، المراد به

стр. 1297

العدم الأصلي. قال بعض الصالحين: المحيي من أحيا قلوب العارفين بأنوار معرفته، وأرواحهم بلطف مشاهدته، والمميت من أمات القلوب بالغفلة، والنفوس باستيلاء الزلة، والعقول بالشهوة. وحظ العبد: أن تسعى روحه بالمعارف الإلهية، والاستعداد لقبول الواردات الغيبية، وإماتة القوى الغضبية والشهوية في نفسه. قال الشيخ أبو القاسم: من أقبل عليه الحق أحياه، ومن غيبه أماته وأفناه. وأنشد: أموت إذا ذكرتك ثم أحيى ... فكم أحيى عليك وكم أموت ((الحي)) ذو الحياة، وهو الفعال الدراك، واختلف في معنى الحياة، فذهب أكثر أصحابنا، والمعتزلة إلي أنه صفة حقيقية قائمة بذاته لأجلها، صح لذاته أن يعلم ويقدر. وذهب آخرون إلي أن معناها: أنه لا يمتنع منه أن يعلم ويقدر، هذا في حقه، وأما في حقنا: فعبارة عن اعتدال المزاج المخصوص بجنس الحيوان. وقيل: هو القوة التابعة له، المعدة لقبوله الحس والحركة الإرادية. وحظ العبد منه: أن يصير حيا بالله حتى لا يموت، كما قال تعالي:﴾ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ﴿قال الشيخ أبو القاسم: إذا علم العبد أنه تعالي حي وعالم، وأنه حي لا يموت، وقديم وقائم، لا يجوز عليه العدم، صح توكله عليه، ولهذا قال تعالي:﴾ وتوكل علي الحي الذي لا يموت ﴿أي أن من اعتمد علي مخلوق، واتكل عليه ليوم حاجته، احتمل وفاته وقت حاجته إليه، فيضيع رجاؤه وأمله لديه. ((القيوم)) فيعول للمبالغة، كالديور والديوم، ومعناه القائم بنفسه المقيم لغيره، وهو علي الإطلاق والعموم لا يصح إلا لله تعالي، فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما علي غيره، وقوام كل شيء به؛ إذ لا يتصور للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده، وللعبد فيه مدخل بقدر استغنائه عما سوى الله وإمداده للناس، وكان مفهومه مركب من نعوت الجلال، وصفات الأفعال. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف أنه القيوم بالأمور استراح عن كد التدبير، وتعب الاشتغال، وعاش براحة التفويض، فلم يضن بكريمة، ولم يجعل في قلبه للدنيا كثرة قيمة. ((الواجد)) هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده، ولا يعوزه شيء من ذلك. وقيل: الغنى مأخوذ من الوجد، قال الله تعالي:﴾ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴿.وحظ العبد: أنه إذا عرف أن الله غني، فمن أماراته أن يستغني به، ويلتجئ إليه. قال الشيخ أبو القاسم: والوجد عند القوم ما يصادفونه من الأحوال من غير تكلف ولا تطلب. قالثوري: الوجد لهيب ينشأ

стр. 1298

في الأسرار، ويسنح عن الشوق، فيضرب الجوارح طربا، أو حزنا عند ذلك. وقيل: الوجد وجود نسيم الحبيب، كقوله سبحانه وتعالي:﴾ إني لأجد ريح يوسف ﴿،وقيل: الوجد نيران الأنس تثيرها رياح القدس. ((الماجد)) بمعنى المجيد، إلا أن في المجيد مبالغة ليست في الماجد، وقد سبق الكلام فيه. ((الواحد الأحد)) ((الأحد)) ليس في جامع الترمذي، والدعوات للبيهقي، وشرح السنة، لكن ثبت في جامع الأصول ((الواحد والأحد)) مأخوذان من الوحدة، فإن أصل ((أحد)) وحد- بفتحتين- فأبدلت الواو همزة، والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه: الأول: أن أحدا لا يستعمل في الإثبات علي غير الله، فيقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد، كما يقال: زيد واحد، وكأنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد. والثاني أن نفيه يعم، ونفي الواحد قد لا يعم، ولذلك صح أن يقال: ليس في الدار واحد بل فيها اثنان، ولا يصح ذلك في ((أحد))؛ فلذلك قال تعالي:﴾ لستن كأحد من النساء ﴿، ولم يقل لستم كواحدة. الثالث: أن الواحد يفتح به العدد، ولا كذلك الأحد. الرابع: أن الواحد يلحقه التاء بخلاف الأحد. ومن حيث المعنى أيضا وجوه: الأول: أن أحدا من حيث البناء أبلغ من واحد كأنه من الصفات المشبهة التي بنيت بمعنى الثبات وتشهد له الفروق اللفظية المذكورة. الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التجزؤ، وتطلق ويراد بها عدم التثني، والنظير كوحدة الشمس، والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول، والأحد يغلب استعماله في الثاني، ولذلك لا يجمع. قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيي عن الآحاد أنه جمع أحد؟ فقال: معاذ الله! ليس للأحد جمع، ولا يبعد أن يقال: جمع واحد، كالأشهاد في جمع شاهد. ولا يفتح به العدد، وإليه أشار من قال: الواحد للوصل، والأحد للفصل، فمن الواحد وصل إلي عباده ما وصل من النعم، ومن الأحد فصل منهم ما فصل من النقم. الثالث: ما ذكره بعض المتكلمين في صفاته تعالي خاصة، وهو الواحد باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات. وحظ العبد: أن يغوص لجة التوحيد، ويستغرق فيه، حتى لا يرى من الأزل إلي الأبد غير الواحد الصمد. قال الشيخ أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالي له ثلاثة معان حقيقة: أحدها: أنه لا قسم لذاته، أنه غير متبعض، ولا متجزئ. والثاني: أنه لا شبيه له، والعرب تقول: فلان واحد في عصره، أي لا شبيه له. يا واحد العرب الذي ما في الأنام له نظير ... لو كان مثلك آخر ما كان في الدنيا فقير والثالث: أنه واحد علي معنى أنه لا شريك له في أفعاله، يقال: فلان متوحد في هذا الأمر، أي ليس يشركه فيه أحد.

стр. 1299

قال الشيخ أبو القاسم: والأولون قالوا: هذه المعإني الثلاثة مستحقة لله تعالي، ولكن لفظ التوحيد فيه حقيقة في نفي القسم، مجاز في الثاني، والتوحيد الحكم بأن الواحد واحد، ويكون ذلك الحكم بالقول، وبالعلم، وقد يكون بالإشارة إذا عقد علي أصبع واحد. والتوحيد ثلاثة: توحيد الحق تعالي لنفسه، وهو علمه بأنه واحد، وإخباره عنه بأنه واحد، وتوحيد العبد للحق بهذا المعنى، وتوحيد الحق للعبد، وهو إعطاؤه التوحيد له، وتوفيقه لذلك. قال الشبلي: التوحيد للحق والخلق طفيل. وقال الجنيد: التوحيد له إفراد القدم من الحدث. وقيل: التوحيد إسقاط اليآات، أي لا يقول: ((بى)) ولا ((منى)) ولا ((لي)).وقيل: التوحيد فناء الاسم لظهور الاسم، وقيل: ثبور الخلق لظهور الحق. ((الصمد)) السيد، سمي بذلك؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب، من صمدت الأمر إذا قصدته. وقيل: إنه المنزه عن أن يكون بصدد الحاجة أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمد، وهو الصلب الذي لا جوف له. ومن كان يقصده الناس فيما يعن لهم من مهام دينهم ودنياهم، فله حظ من هذا الوصف، أو من رسخ في التوحيد، وصار متصلبا في الدين، لا يتزلزل بتقادم الشبهات، وتعاقب البليات، فقد حظى منه. قال الشيخ أبو القاسم: الصمد قيل: معناه: الباقي الذي لا يزول، وقيل: الدائم. ومن حق من عرفه بهذا الوصف أن يعرف نفسه بالفناء والزوال، ووشك الارتحال، ويلاحظ الكون بعين الفناء فيزهد في حطامها، ولا يرغب في حلالها فضلا عن حرامها. وقيل: هو الذي لا يطعم، ولكن يطعم، فمن عرفه به تتوجه رغائبه عند مآربه إليه، ويصدق توكله في جميع حالاته عليه، فلا يتهمه في رزقه كما أنه لم يستغن بأحد في خلقه، كذلك لا يشاركه في رزقه، وقضاء حوائجه غيره. وإذا عرف أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، شكا إليه حاجته وفاقته، ورفع إليه، ويملق بجميل تضرعه، ويقرب بصنوف توسله. وعن بعضهم أنه زار قبر النبي ﷺ ، وقال: إلهي إن غفرت لي سررت نبيك هذا، وإن رددتني أشمت عدوك الشيطان، وأنا لا أتوفع منك أن تؤثر عدوك علي سرور نبيك. ((القادر المقتدر)) معناهما ذو القدرة، إلا أن المقتدر أبلغ لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب، فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالي حقيقة لكنه يفيد المعنى مبالغة، ونظيره سافرت وغادرت لواحد، ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقا غير الله، فإنه القادر بالذات، والمقتدر علي جميع الممكنات، وما عداه فإنما يقدر بإقداره علي بعض الأشياء في بعض الأحوال، فحقيق به أن لا يقال له: إنه قادر إلا مقيدا، أو علي قصد التقييد. قال الشيخ أبو القاسم: ومن عرف أنه قادر علي الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته، وأمل لطائف رحمته، وزوائد نعمته عند سؤاله وحاجته، لا بوسيلة طاعته، ولكن بإسداء كرمه ومنته. وكذلك من عرف أن مولاه قدير، ترك الانتقام ثقة بأن صنع الحق له،

стр. 1300

وانتصاره له أتم من انتقامه لنفسه، ولهذا قيل: احذروا من لا ناصر له غير الله، قال الله تعالي:﴾ إن بطش ربك لشديد ﴿. ((المقدم المؤخر)) هو الذي يقدم الأشياء بعضها علي بعض، إما بالوجود، كتقديم الأسباب علي مسبباتها، أو بالشرف والقربة، كتقديم الأنبياء والصالحين علي من عداهم، أو بالمكان كتقديم الأجسام العلوية علي السفلية، والصاعدات منها علي الهابطات، أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها علي بعض. وعن بعض العارفين: المقدم من قدم الأبرار بفنون المار، والمؤخر من أخر الفجار، وشغلهم بالأغيار. وحظ العبد منه: أن يهتم بأمره فيقدم الأهم فالأهم، كما ورد ((كن في الدنيا كأنك تعيش أبدا، وفي الآخرة كأنك تموت غدا)) فإنه يستدعي تقديم أمر الآخرة، والاستعجال فيها، وتأخير أمور الدنيا والتإني فيها، فإن من وجد في الأمر مهلة أخره، وتساهل فيه، ومن ضاق عليه وقت فعل، قدمه وسارع إليه. قال الشيخ أبو القاسم: إن أولياء الله مختلفون، فمنهم من يتقدم بجهده وعبادته، ويتكلف أن لا يتخلف عن أشكاله في موافقته. وأنشد: السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق ومنهم من لم يروا لأنفسهم استحقاق التقدم، وكانت همتهم السلامة فحسب. وقال أبو سعيد الخزاز: لو خيرت بين القرب والبعد، آثرت البعد علي القرب. وأنشد: وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محله العبد الذليل وأغضيت الجفون علي قذاها ... فمضت النفس عن قال وقيل ومنه ما روى ابن عبد البر في الاستيعاب: حضر الناس باب عمر ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو، وأبو سفيان، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، كصهيب وبلال، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا! فقال سهيل: أيها القوم! إنى والله أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا علي أنفسكم دعى القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم. أما والله لما سبقوكم من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه ثم نفض ثوبه، وقام ولحق بالشام قاصدا الغزو، فقال الحسن- وياله من رجل ما كان أعقله! وصدق-:والله لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه. والله أعلم. ((الأول والآخر والظاهر والباطن)) ((الأول)) السابق علي الأشياء؛ فإنه موجدها ومبدعها. ((الآخر)) الباقي وحده، بعد أن يفنى الخلق كله، أو الذي هو منتهي السلوك، فإنه منه بدأ وإليه يعود. ((الظاهر)) الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه. و ((الباطن)) المحتجب
следующие страницы →