← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، ــ أيامه، ويعد آثامه، فيشكر جميل ما يوليه ربه، ويعتذر من قبيح ما تأتيه نفسه، ويذكر الأيام الماضية. والتأسف علي ما سلف من الأوقات الصافية صفة الأكثرين من هذه الطائفة؛ إذ قل كثير منهم إلا ولهم من هذه القصة حصة، وها هو سيد هذه الطائفة أبو القاسم جنيد، يقول: لا أزال أحن إلي بدو إرادتي وحدة سمعي وركوبي الأهوال، طمعا في الوصال، وها أنا في أوقات الفترة أبكي علي الأيام الماضية. وأنشد: منازل كنت تهواها وتألفها ... أيام كنت علي الأيام منصور وقال الله تعالي:﴾ وذكرهم بأيام الله ﴿،واعجبا للقلوب التي منيت بالبعاد بعد الوصلة، وأطلقها سبحانه الغيبة بعد أنس القربة! كيف لا تنقطع آسفا، ولا تتفتت حسرة ولهفا؛ لأن هذا العظيم من المحنة شديد الوقعة. ((المبدئ، المعيد)) قال الشيخ أبو القاسم: المبدئ المظهر للشيء من العدم إلي الوجود، وهو بمعنى الخالق المنشيء، والإعادة خلق الشيء بعد ما عدم، والله تعالي قادر علي إعادة المحدثات ((إذا عدمت جواهرها وأعراضها))،خلافا لمن قال: الإعادة خلق مثله لا إعادة عينه. وذلك إذا كان مقدورا قبل أن خلقه، فإذا عدم بعد وجوده أعاد إلي ما كان قبله عليه. ويجوز أن تكون الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة من المكلفين، فإذا بعث الخلق وحشرهم فقد أعادهم. وحظ العبد منه: أن يسعى في إبداء الخيرات، وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع عنها، واضمحل حتى يصير ذا حظ من آثار هذين الاسمين العظيمين. ومن معنى هذا الاسم إعادة الله تعالي للعبد عوائده، وفوائده وألطافه، وإحسانه وإسعافه، وقد أجرى الله تعالي سنته بأن ينعم علي عباده عودا علي بدء، وأن الكريم من يربى صنائعه. وأنشد: بدأت بإحسان، وثنيت بالرضا ... وثلثت بالنعمى، وربعت بالفضل ((المحيي المميت)) الإحياء خلق الحياة في الجسم والإماتة إزالتها عنه. فإن قيل: الموت عدم الحياة، والعدم لا يكون بالفاعل. قلت: العدم الأصلي كذلك، فأما العدم المتجدد، فهو بالفاعل، ولكن الفاعل لا يفعل العدم، وإنما يفعل ما يستلزمه، قال الله تعالي:﴾ وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴿أسند الموت الثاني إلي أفعاله دون الموت الأول، المراد به

стр. 1297

العدم الأصلي. قال بعض الصالحين: المحيي من أحيا قلوب العارفين بأنوار معرفته، وأرواحهم بلطف مشاهدته، والمميت من أمات القلوب بالغفلة، والنفوس باستيلاء الزلة، والعقول بالشهوة. وحظ العبد: أن تسعى روحه بالمعارف الإلهية، والاستعداد لقبول الواردات الغيبية، وإماتة القوى الغضبية والشهوية في نفسه. قال الشيخ أبو القاسم: من أقبل عليه الحق أحياه، ومن غيبه أماته وأفناه. وأنشد: أموت إذا ذكرتك ثم أحيى ... فكم أحيى عليك وكم أموت ((الحي)) ذو الحياة، وهو الفعال الدراك، واختلف في معنى الحياة، فذهب أكثر أصحابنا، والمعتزلة إلي أنه صفة حقيقية قائمة بذاته لأجلها، صح لذاته أن يعلم ويقدر. وذهب آخرون إلي أن معناها: أنه لا يمتنع منه أن يعلم ويقدر، هذا في حقه، وأما في حقنا: فعبارة عن اعتدال المزاج المخصوص بجنس الحيوان. وقيل: هو القوة التابعة له، المعدة لقبوله الحس والحركة الإرادية. وحظ العبد منه: أن يصير حيا بالله حتى لا يموت، كما قال تعالي:﴾ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ﴿قال الشيخ أبو القاسم: إذا علم العبد أنه تعالي حي وعالم، وأنه حي لا يموت، وقديم وقائم، لا يجوز عليه العدم، صح توكله عليه، ولهذا قال تعالي:﴾ وتوكل علي الحي الذي لا يموت ﴿أي أن من اعتمد علي مخلوق، واتكل عليه ليوم حاجته، احتمل وفاته وقت حاجته إليه، فيضيع رجاؤه وأمله لديه. ((القيوم)) فيعول للمبالغة، كالديور والديوم، ومعناه القائم بنفسه المقيم لغيره، وهو علي الإطلاق والعموم لا يصح إلا لله تعالي، فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما علي غيره، وقوام كل شيء به؛ إذ لا يتصور للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده، وللعبد فيه مدخل بقدر استغنائه عما سوى الله وإمداده للناس، وكان مفهومه مركب من نعوت الجلال، وصفات الأفعال. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف أنه القيوم بالأمور استراح عن كد التدبير، وتعب الاشتغال، وعاش براحة التفويض، فلم يضن بكريمة، ولم يجعل في قلبه للدنيا كثرة قيمة. ((الواجد)) هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده، ولا يعوزه شيء من ذلك. وقيل: الغنى مأخوذ من الوجد، قال الله تعالي:﴾ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴿.وحظ العبد: أنه إذا عرف أن الله غني، فمن أماراته أن يستغني به، ويلتجئ إليه. قال الشيخ أبو القاسم: والوجد عند القوم ما يصادفونه من الأحوال من غير تكلف ولا تطلب. قالثوري: الوجد لهيب ينشأ

стр. 1298

في الأسرار، ويسنح عن الشوق، فيضرب الجوارح طربا، أو حزنا عند ذلك. وقيل: الوجد وجود نسيم الحبيب، كقوله سبحانه وتعالي:﴾ إني لأجد ريح يوسف ﴿،وقيل: الوجد نيران الأنس تثيرها رياح القدس. ((الماجد)) بمعنى المجيد، إلا أن في المجيد مبالغة ليست في الماجد، وقد سبق الكلام فيه. ((الواحد الأحد)) ((الأحد)) ليس في جامع الترمذي، والدعوات للبيهقي، وشرح السنة، لكن ثبت في جامع الأصول ((الواحد والأحد)) مأخوذان من الوحدة، فإن أصل ((أحد)) وحد- بفتحتين- فأبدلت الواو همزة، والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه: الأول: أن أحدا لا يستعمل في الإثبات علي غير الله، فيقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد، كما يقال: زيد واحد، وكأنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد. والثاني أن نفيه يعم، ونفي الواحد قد لا يعم، ولذلك صح أن يقال: ليس في الدار واحد بل فيها اثنان، ولا يصح ذلك في ((أحد))؛ فلذلك قال تعالي:﴾ لستن كأحد من النساء ﴿، ولم يقل لستم كواحدة. الثالث: أن الواحد يفتح به العدد، ولا كذلك الأحد. الرابع: أن الواحد يلحقه التاء بخلاف الأحد. ومن حيث المعنى أيضا وجوه: الأول: أن أحدا من حيث البناء أبلغ من واحد كأنه من الصفات المشبهة التي بنيت بمعنى الثبات وتشهد له الفروق اللفظية المذكورة. الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التجزؤ، وتطلق ويراد بها عدم التثني، والنظير كوحدة الشمس، والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأول، والأحد يغلب استعماله في الثاني، ولذلك لا يجمع. قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيي عن الآحاد أنه جمع أحد؟ فقال: معاذ الله! ليس للأحد جمع، ولا يبعد أن يقال: جمع واحد، كالأشهاد في جمع شاهد. ولا يفتح به العدد، وإليه أشار من قال: الواحد للوصل، والأحد للفصل، فمن الواحد وصل إلي عباده ما وصل من النعم، ومن الأحد فصل منهم ما فصل من النقم. الثالث: ما ذكره بعض المتكلمين في صفاته تعالي خاصة، وهو الواحد باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات. وحظ العبد: أن يغوص لجة التوحيد، ويستغرق فيه، حتى لا يرى من الأزل إلي الأبد غير الواحد الصمد. قال الشيخ أبو بكر بن فورك: الواحد في وصفه تعالي له ثلاثة معان حقيقة: أحدها: أنه لا قسم لذاته، أنه غير متبعض، ولا متجزئ. والثاني: أنه لا شبيه له، والعرب تقول: فلان واحد في عصره، أي لا شبيه له. يا واحد العرب الذي ما في الأنام له نظير ... لو كان مثلك آخر ما كان في الدنيا فقير والثالث: أنه واحد علي معنى أنه لا شريك له في أفعاله، يقال: فلان متوحد في هذا الأمر، أي ليس يشركه فيه أحد.

стр. 1299

قال الشيخ أبو القاسم: والأولون قالوا: هذه المعإني الثلاثة مستحقة لله تعالي، ولكن لفظ التوحيد فيه حقيقة في نفي القسم، مجاز في الثاني، والتوحيد الحكم بأن الواحد واحد، ويكون ذلك الحكم بالقول، وبالعلم، وقد يكون بالإشارة إذا عقد علي أصبع واحد. والتوحيد ثلاثة: توحيد الحق تعالي لنفسه، وهو علمه بأنه واحد، وإخباره عنه بأنه واحد، وتوحيد العبد للحق بهذا المعنى، وتوحيد الحق للعبد، وهو إعطاؤه التوحيد له، وتوفيقه لذلك. قال الشبلي: التوحيد للحق والخلق طفيل. وقال الجنيد: التوحيد له إفراد القدم من الحدث. وقيل: التوحيد إسقاط اليآات، أي لا يقول: ((بى)) ولا ((منى)) ولا ((لي)).وقيل: التوحيد فناء الاسم لظهور الاسم، وقيل: ثبور الخلق لظهور الحق. ((الصمد)) السيد، سمي بذلك؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب، من صمدت الأمر إذا قصدته. وقيل: إنه المنزه عن أن يكون بصدد الحاجة أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمد، وهو الصلب الذي لا جوف له. ومن كان يقصده الناس فيما يعن لهم من مهام دينهم ودنياهم، فله حظ من هذا الوصف، أو من رسخ في التوحيد، وصار متصلبا في الدين، لا يتزلزل بتقادم الشبهات، وتعاقب البليات، فقد حظى منه. قال الشيخ أبو القاسم: الصمد قيل: معناه: الباقي الذي لا يزول، وقيل: الدائم. ومن حق من عرفه بهذا الوصف أن يعرف نفسه بالفناء والزوال، ووشك الارتحال، ويلاحظ الكون بعين الفناء فيزهد في حطامها، ولا يرغب في حلالها فضلا عن حرامها. وقيل: هو الذي لا يطعم، ولكن يطعم، فمن عرفه به تتوجه رغائبه عند مآربه إليه، ويصدق توكله في جميع حالاته عليه، فلا يتهمه في رزقه كما أنه لم يستغن بأحد في خلقه، كذلك لا يشاركه في رزقه، وقضاء حوائجه غيره. وإذا عرف أنه الذي يصمد إليه في الحوائج، شكا إليه حاجته وفاقته، ورفع إليه، ويملق بجميل تضرعه، ويقرب بصنوف توسله. وعن بعضهم أنه زار قبر النبي ﷺ ، وقال: إلهي إن غفرت لي سررت نبيك هذا، وإن رددتني أشمت عدوك الشيطان، وأنا لا أتوفع منك أن تؤثر عدوك علي سرور نبيك. ((القادر المقتدر)) معناهما ذو القدرة، إلا أن المقتدر أبلغ لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب، فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالي حقيقة لكنه يفيد المعنى مبالغة، ونظيره سافرت وغادرت لواحد، ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقا غير الله، فإنه القادر بالذات، والمقتدر علي جميع الممكنات، وما عداه فإنما يقدر بإقداره علي بعض الأشياء في بعض الأحوال، فحقيق به أن لا يقال له: إنه قادر إلا مقيدا، أو علي قصد التقييد. قال الشيخ أبو القاسم: ومن عرف أنه قادر علي الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته، وأمل لطائف رحمته، وزوائد نعمته عند سؤاله وحاجته، لا بوسيلة طاعته، ولكن بإسداء كرمه ومنته. وكذلك من عرف أن مولاه قدير، ترك الانتقام ثقة بأن صنع الحق له،

стр. 1300

وانتصاره له أتم من انتقامه لنفسه، ولهذا قيل: احذروا من لا ناصر له غير الله، قال الله تعالي:﴾ إن بطش ربك لشديد ﴿. ((المقدم المؤخر)) هو الذي يقدم الأشياء بعضها علي بعض، إما بالوجود، كتقديم الأسباب علي مسبباتها، أو بالشرف والقربة، كتقديم الأنبياء والصالحين علي من عداهم، أو بالمكان كتقديم الأجسام العلوية علي السفلية، والصاعدات منها علي الهابطات، أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها علي بعض. وعن بعض العارفين: المقدم من قدم الأبرار بفنون المار، والمؤخر من أخر الفجار، وشغلهم بالأغيار. وحظ العبد منه: أن يهتم بأمره فيقدم الأهم فالأهم، كما ورد ((كن في الدنيا كأنك تعيش أبدا، وفي الآخرة كأنك تموت غدا)) فإنه يستدعي تقديم أمر الآخرة، والاستعجال فيها، وتأخير أمور الدنيا والتإني فيها، فإن من وجد في الأمر مهلة أخره، وتساهل فيه، ومن ضاق عليه وقت فعل، قدمه وسارع إليه. قال الشيخ أبو القاسم: إن أولياء الله مختلفون، فمنهم من يتقدم بجهده وعبادته، ويتكلف أن لا يتخلف عن أشكاله في موافقته. وأنشد: السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق ومنهم من لم يروا لأنفسهم استحقاق التقدم، وكانت همتهم السلامة فحسب. وقال أبو سعيد الخزاز: لو خيرت بين القرب والبعد، آثرت البعد علي القرب. وأنشد: وما رمت الدخول عليه حتى ... حللت محله العبد الذليل وأغضيت الجفون علي قذاها ... فمضت النفس عن قال وقيل ومنه ما روى ابن عبد البر في الاستيعاب: حضر الناس باب عمر ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو، وأبو سفيان، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه، فجعل يأذن لأهل بدر، كصهيب وبلال، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا! فقال سهيل: أيها القوم! إنى والله أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا علي أنفسكم دعى القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم. أما والله لما سبقوكم من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه ثم نفض ثوبه، وقام ولحق بالشام قاصدا الغزو، فقال الحسن- وياله من رجل ما كان أعقله! وصدق-:والله لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه. والله أعلم. ((الأول والآخر والظاهر والباطن)) ((الأول)) السابق علي الأشياء؛ فإنه موجدها ومبدعها. ((الآخر)) الباقي وحده، بعد أن يفنى الخلق كله، أو الذي هو منتهي السلوك، فإنه منه بدأ وإليه يعود. ((الظاهر)) الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه. و ((الباطن)) المحتجب

стр. 1301

عنه ذاته عن نظر الخلق بحجب كبريائه، وإليه أشار من قال: الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، والظاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة. وقيل: الأول بلا مطلع، والآخر بلا مقطع، والظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا حجاب. قال الشيخ أبو حامد: اعلم أنه تعالي إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وكل ما جاوز حده انعكس علي ضده. وحظ العبد: أن يهتم بأمره، فيتدبر أوله ويتدبر آخره، ويصلح باطنه وظاهره. قال الشيخ أبو القاسم: أشار بهذه الأسماء إلي صفات أفعاله، فهو الأول بإحسانه، والآخر بغفرانه، والظاهر بنعمته، والباطن برحمته. وقيل: هو الأول بحسن تعريفه؛ إذ لولا فضله بدا لك من إحسانه لما عرفته. وأنشد: سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا وهو الآخر بإكمال اللطف، كما كان أولا بإسداء العرف. وهو الظاهر بما يفيض عليك من العطاء والنعماء، والباطن بما يدفع عنك من فنون البلاء وصنوف الأدواء. وقيل: الظاهر لقوم فلذلك وحدوه، والباطن عن قوم فلذلك جحدوه. ويقال: الأول بوده لك بدأ، إذ لولا أنه بدأك بسابق وده، ما أخلصت له في عقده وعهده، آثرك في سابق القدم، وحكم لك عنده بصدق القدم، ورباك بفنون النعم، وعصمك عن سجود الصنم، واختارك علي جميع الأمم، ورداك برداء الإيمان، وكفاك بجميل الإحسان، ورقاك إلي درجة الرضوان، وحرسك من الشرك والبدع، وألقى في قلبك حسن الرجاء والطمع، فإن لم يلبسك صدار العرفان والورع، فلم يؤنسك عن لطفه بنهاية الفزع، وإن الذي هداك في الابتداء هو الذي يكفيك في الانتهاء. يقال: إن العبد يبتهل إلي الله تعالي في الإعتذار، والحق تعالي يقول: عبدي لو لم أقبل عذرك لما وفقتك للعذر. وإن من فكر في صنوف الضلال، وكثرة طرق المحال، وشدة مغاليط الناس في البدع والأهواء، وما تشعب لكل قوم من مختلفي النحل والآراء، ثم فكر في ضعفه، ونقصان عقله، وكثرة تحيره في الأمور، وشدة جهله، وتناقص تدبيره في أحواله، شدة حاجته إلي الاستعانة بأشكاله في أعماله، ثم رأي خالص يقينه، وقوة استبصاره في دينه، ونقاء توحيده عن غبرة الشرك، وصفاء عين عرفانه عن وهج الشك- علم أن ذلك ليس من مناقبه، ولا بجهده، وكده، ووسعه ووجده، بل بفضل ربه، وسابق طوله. ((الوالي)) هو الذي تولي الأمور، وملك الجمهور. ((المتعالي)) هو البالغ في العلاء، والمرتفع عن النقائص.

стр. 1302

المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، ــ ((البر)) المحسن، وهو البر في الحقيقة؛ إذا ما من بر وإحسان إلا وهو موليه. قال الشيخ أبو القاسم: من كان الله تعالي بارا به، عصم عن المخالفات نفسه، وأدام بفنون اللطائف أنسه، وطيب فؤاده، وحصل مراده، ووفر في طريقه اجتهاده، وجعل التقوى زاده، وجعل قصده سداده، ومبتغاه وساده، وأغناه عن إشكاله بإفضاله، وحماه عن مخالفته بيمن إقباله، فهو ملك لا يستظهر بجيش وعدد، وغنى لا يتمول بمال وعدد. ومن آداب من عرف أنه تعالي البر: أن يكون بارا بكل أحد لاسيما بأبويه. ((التواب)) الذي يرجع بالإنعام علي مذنب حل عقد إصراره، ورجع إلي التزام الطاعة بقبول توبته، من التوب وهو الرجوع. وقيل: هو الذي ييسر للمذنبيين أسباب التوبة، ويوفقهم لها، ويسوق إليهم ما ينبههم عن رقدة الغفلة، ويطلعهم علي وخامة عواقب الزلة؛ فسمى المسبب للشيء باسم المباشر له، كما أسند إليه فعله في قولهم: بني الأمير المدينة. وحظ العبد منه: أن يكون واثقا بقبول التوبة غير آيس عن الرحمة، يكره ما اقترفه من الذنوب صفاحا عن المجرمين، قابلا لمعاذيرهم، حتى يفوز بنصيب كامل من هذا الوصف، ويصير متخلقا بهذا الخلق كل التخلق. قال الشيخ أبو القاسم: قيل توبة الله تعالي علي العبد توفيقه للتوبة؛ لأنه ما لم يتب علي العبد لا يتوب، فإذن ابتداء التوبة وأصلها من الله، وكذلك تمامها علي الله تعالي، ونظامها بالله نظامها في الحال، وتمامها في المآل، ولولا أن الله تعالي يتوب علي العبد، ما كان للعبد توبة؟ قال الله تعالي:﴾ ثم تاب عليهم ليتوبوا ﴿.ومن الكرم أن يتوب علي ذنبك فيك. وأنشد: إذا مرضنا أتيناكم نعود ... كم فتذنبون فنأتيكم ونعتذر ((المنتقم)) هو المعاقب للعصاة علي مكروهات الأفعال. والانتقام افتعال من نقم الشيء إذا كرهه غاية الإكراه، وهو لا يحمد من العبد إلا إذا كان انتقامه من أعداء الله، وأحق الأعداء بالانتقام نفسه، فينتقم منها مهما قارفت معصية، أو تركت طاعة، بأن يكلفها خلاف ما حملته عليه. ((العفو)) هو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو أبلغ من الغفور؛ لأن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، وأصل العفو: القصد لتناول الشيء، سمي به المحو؛ لأنه قصد لإزالة الممحو. وحظ العبد منه ظاهر. قال الشيخ أبو القاسم: من عرف أنه تعالي عفو، طلب عفوه، ومن طلب عفوه، تجاوز عن خلقه، فإن الله تعالي بذلك أدبهم،

стр. 1303

وإليه ندبهم، فقال عز من قائل:﴾ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴿. وإن الكريم إذا عفا، حفظ قلب المسئ عن الاستيحاش بتذكره سوء فعله، بل يزيد عنه تلك الخجلة بما يسبل عليه من ثوب العفو، ويفيض عليه من ذيول الصفح، وعفو الله تعالي عن العباد ليس مما يستقصي بالعبارات كنه معإنيه. وروى أن بعضهم قال في آخر مجلس له. اللهم اغفر لأقسانا قلبا، وأجمدنا عينا، وأقربنا بالمعصية عهدا، وكان حاضر المجلس مخنثا، فقال: أعد هذه الدعاء فإني أقساكم قلبا، وأجمدكم عينا، وأقربكم بالمعاصي عهدا، قال: فرأيت في الليلة الثانية في المنام رب العزة يقول: سرني حيث أوقعت الصلح بيني وبين عبدي، وقد غفرت لك ولأهل مجلسك. ((الرءوف)) ذو الرأفة، وهي شدة الرحمة، فهو أبلغ من الرحيم بمرتبة، ومن الراحم بمرتبتين. وقيل: الفرق بين الرأفة والرحمة، أن الرأفة إحسان مبدأه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مبدأه فاقة المحسن إليه. قال الشيخ أبو القاسم: ومن رحمته بعباده أن يصونهم عن موجبات عقوبته، فإن عصمته عن الزلة أبلغ في باب الرحمة من غفران المعصية، ومن رحمته بعبده أن يصونه عن ملاحظة الأغيار والاعتلال، ورفع الحوائج إلي الأمثال والأشكال، بصدق الرجوع إلي الملك الجبار، وبحسن الاستغناء به في جميع الأحوال. وقال رجل لآخر: ألك حاجه؟ فقال: لا حاجة لي إلي من لا يعلم حاجتي. وأن الله تعالي ربما يدني العبد من المحبة، ثم يجري عليه بعد يأسه بفتح باب الرحمة، قال الله تعالي:﴾ وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته ﴿،وإذا كانت الحسنى بعد اليأس كان أوجب للسرور والاستئناس. وعن بعضهم: أنه كان في جيرانه رجل شرير فمات، فرفعت جنازته، قال: فتنحيت من الطريق؛ لئلا يحتاج إلي الصلاة عليه، فرؤى في المنام علي حالة حسنة، فقال له الرائى: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وقال: قل لفلان:﴾ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ﴿. ((مالك الملك)) هو الذي ينفذ مشيئته في ملكه، يجري الأمور فيه علي ما يشاء، لا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ((ذو الجلال والإكرام)) هو الذي لا شرف ولا كمال إلا وهو له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه. قال الشيخ أبو القاسم: جلاله، وكبرياؤه، وعلوه، وبهاؤها كونه الحق بالوصف الذي يحق له العز والإكرام، قريب من معنى الإنعام، إلا أنه أخص؛ لأنه ينعم علي من لا يقال أكرمه، ولكن لا يكرم إلا من يقال أنعم عليه. ومن عرف جلاله تذلل وتواضع له، ومن

стр. 1304

المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، ــ عرف إكرامه لا يشكر غيره، فإذا كان الحق ينعم، والعبد يشكر غيره، وهو يرزق والعبد يخدم غيره، وهو يعطي والعبد يسأل غيره، فقد أخطأ طريق الرشد، وسلك سوء الطريق. ((المقسط)) الذي ينتصف للمظلومين، ويدرأ بأس الظلمة عن المستضعفين، يقال: قسط إذا جار، وأقسط إذا عدل وأزال الجور. وحظ العبد منه: أن يتجنب الظلم رأسا أولا علي نفسه، ثم علي غيره، ويسعى لوجه الله في إماطته حسب منته وطاقته، حتى يكون من المسلمين بطاعته، ومن المستوجبين لمحبته. ((الجامع)) هو المؤلف بين أشتات الحقائق المختلفة والمتضادة، متحاورة وممتزجة في الأنفس والآفاق، ويستجمع للحشر الأجزاء المتفرقة المتبددة، ويعيد من تأليفها الأبدان كما كان. ثم يجمع بينها وبين أرواحها المفرقة، فيحييها، ثم يجمعهم للجزاء في موقف الحساب. فمن جمع بين العلم والعمل، ووافق الكمالات النفسإنية بالآداب الجسمإنية، فله حظ من ذلك. قال الشيخ أبو القاسم: وقد يجمع الله اليوم قلوب أوليائه إلي شهود تقديره، حتى يتخلص من أسباب التفرقة فيطيب عيشه؛ إذ لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، فلا يرى الوسائط، ولا ينظر إلي الحادثات إلا بعين التقدير، إن كان نعمة علم أن الله هو المعطي لها، وإن كان شدة علم أن الله هو الكاشف لها ومزيجها. وأنشد: فلا ألبس الدنيا وغيرك ملبسى ... ولا أقبل الدنيا وغيرك واهبى ((الغني)) هو الذي يستغني عن كل شيء لا يحتاج إليه في ذاته، ولا في شيء من صفاته؛ لأنه الجامع من جميع جهاته. ((المغني)) هو الذي وفر علي كل شيء ما يحتاج إليه حسب ما اقتضته حكمته، وسبقت به كلمته، فأغناه من فضله. والعبد إذا قطع الطمع عما في أيدي الناس، وأعرض عن السؤال عنهم، والتوقع منهم رأسا بحيث لم يبق له حاجة إلا إلي الله، وسعى في سد خلة المحتاجين فاز بحظ أوفر من هذين الاسمين، مع أنهما علي الإطلاق لا يصدقان إلا علي الله تعالي. قال الشيخ أبو القاسم: إن الله تعالي يغني عباده بعضهم عن بعض علي الحقيقة؛ لأن الحوائج لا تكون إلا إلي الله، فمن أشار إلي الله تعالي، ثم رجع عند حوائجه إلي غير الله ابتلاه الله تعالي بالحاجة إلي الخلق، ثم ينزع الرحمة من قلوبهم، ومن شهد محل افتقاره إلي الله تعالي فرجع إليه بحسن العرفان أغناه من حيث لا يحتسب، وأعطاه من حيث لا يرتقب. وإغناء الله العباد علي قسمين، منهم من يغنيه بتنمية أمواله، ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله، وهذا هو المغني الحقيقي. ((المانع)) هو الذي يمنع أسباب الهلاك، والنقصان في الأبدان والأديان، ولما كان المنع من

стр. 1305

مقدمات الحفظ أعني حفظ ما يفضي إلي الفساد، ويؤدي إلي الهلاك، صار كونه مانعا من مقدمات كونه حفيظا. قال الشيخ أبو القاسم: المانع في وصفه تعالي يكون بمعنى منع البلاء عن أوليائه، ويكون بمعنى منع العطاء عمن شاء من عباده وأوليائه وأعدائه. وقد يمنع المنى والشهوات من نفوس العوام، ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب الخواص، ويمنع الشبه عن القلوب، والبدع من العقائد، والمخالفات في الأوقات، والزلل من النفوس، وهو من أجل النعم التي يخص بها عباده المقربين، ويكرم بها أولياءه المنتجيين، جعلنا الله من جملتهم وحشرنا في زمرتهم، ويرحم الله عبدا قال: آمينا. ((الضار النافع)) اعلم أن مجموع الوصفين كوصف واحد، وهو الوصف بالقدرة التامة الشاملة، فهو الذي يصدر عنه النفع والضر، فلا خير ولا شر، ولا نفع ولا ضر إلا وهو صادر عنه، منسوب إليه، إما بواسطة أو بغير واسطة. قال الشيخ أبو القاسم: وفي معنى الوصفين إشارة إلي معنى التوحيد، وهو أنه لا يحدث شيء في ملكه إلا بإيجاده، وحكمه وقضائه، وإرادته ومشيئته، فمن استسلم بحكمه عاش في راحة، ومن آثر اختياره وقع في كل آفة، وقد ورد ((أنا الله لا إله إلا أنا، من استسلم لقضائي، وصبر علي بلائي، وشكر نعمائي؛ فليطلب ربا سواي)). وإذا عرف العبد ذلك فوض الأمور إليه، وعاش في راحة من الخلق، والخلق في راحة منه، فيبذل النصح من نفسه، ولم يستشعر الغش والخيانة لغيره، وورد ((اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم، فإني جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإن فيهم غضبي))،وإن رحمة الحق تعالي بالعبد أتم من رحمة بعضهم لبعضهم. ((النور)) هو الظاهر بنفسه، المظهر لغيره، ولا شك في أن الوجود إذا قوبل بالعدم، كان الظهور للوجود، والخفاء للعدم، ولما كان الباري تعالي موجودا بذاته، مبرأ عن ظلمة العدم، وإمكان طروئه، وكان وجود سائر الأشياء فائضا عن وجوده، صح إطلاق لفظ النور عليه. وحظ العبد منه أن يضئ قلبه بنور معرفته، فإن انشراح القلب وإضاءته بالمعرفة، كما قال تعالي:﴾ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴿. قال الشيخ أبو القاسم: الله نور السموات والأرض، ينور الآفاق بالنجوم والأنوار، والقلوب بفنون الدلائل، وصنوف الحجج والملاطفات، والأبدان بآثار الطاعات؛ لأن العبادات زينة النفوس والأشباح، والمعارف زينة القلوب والأرواح، والتأييد بالموافقات نور الظواهر، والتوحيد بالمواصالات نور السرائر، وإن الله تعالي يزيد قلب العبد نورا علي نور، يهدي الله لنوره من

стр. 1306

يشاء، ويهدي القلوب إلي محاسن الأخلاق ليؤثر الحق ويصطفيه، ويترك الباطل ويدع ما يستدعيه. ((الهادي)) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. والذي هدى خاصة عباده إلي معرفة ذاته، فاطلعوا بها علي معرفة مصنوعاته، وهدى عامة خلقه إلي مخلوقاته حتى استشهدوا بها علي معرفة ذاته وصفاته. والمحظوظ في هذا الاسم من الناس من أرشد الخلق إلي الحق القويم، وهداهم إلي الصراط المستقيم، وهم الأنبياء، ثم العلماء الوارثون لهم. قال الشيخ أبو القاسم: يهديهم ربهم، يكرم قوما بما يلهمهم من جميل الأخلاق، ويصرف قلوبهم إلي ابتغاء ما فيه رضاه، ويهديهم إلي استصغار قدر الدنيا، واستحقار كرائمها، حتى لا يسترقهم ذل الأطماع، ولا تستعبدهم أخطار المستحقرات، فلا يتدنسون بالركون إلي كل خسيسة، ولا يتلبسون بتعاطي كل نفيسة،﴾ ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿.والهداية إلي حسن الخلق ثإني الهداية إلي اعتقاد الحق؛ لأن الدين شيئان، صدق مع الحق، وخلق مع الخلق. ((البديع)) المبدع وهو الذي أتى بما لم يسبق إليه. وقيل: هو الذي لم يعهد مثله. والله سبحانه وتعالي هو البديع مطلقا بالمعنيين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني؛ فلأنه لا مثل له في ذاته ولا نظير له في صفاته وأفعاله، ومرجعه بالمعنى الأول إلي صفات الأفعال، وبالمعنى الثاني إلي صفات التنزيه. وحظ العبد منه: أن يتأمل عجائب صنعه ليرى غرائب حكمته، وليحقق كمال قدرته، وأنه هو المبدع وحده، وكل من أبدع شيئا خلاف ما أبدعه فهو مبتدع، فلا تتبعه. قال الشيخ أبو القاسم: ومن آداب من عرف هذا الاسم لله: أن يجتنب البدعة، ويلازم السنة، والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، قال تعالي:﴾ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴿وقال:﴾ وإن تطيعوه تهتدوا ﴿.وقال أبو عثمان الحيرى: من أمر السنة علي نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى علي نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة. وقال سهل بن عبدالله التستري: أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال وصدق المقال، وإخلاص النية في جميع الأعمال. وقال أيضل: من داهن مبتدعا سلبه الله حلاوة السنن، ومن ضحك إلي مبتدع نزع الله نور الإيمان من قلبه. وسمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: من استهان بأدب من آداب الإسلام عوقب بحرمان السنة، ومن ترك سنة عقوب بحرمان الفريضة، ومن استهان بالفرائض قيض الله مبتدعا يذكر عنده باطلا، فيوقع في قلبه شبهة. وفقنا الله لمتابعة السنة، وعصمنا من اتباع البدعة.

стр. 1307

الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور)).رواه الترمذي، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٢٨٨] ــ ((الباقي)) الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء. قال الشيخ أبو القاسم: حقيقة الباقي من له البقاء، ولا يجوز أن يكون الباقي باقيا ببقاء في غيره. ومما يجب أن يشتد العناية به: أن يتحقق العبد أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفا بصفات الحق تعالي؛ فلا يجوز أن يكون العبد عالما بعلم الحق، ولا قادر بقدرته، ولا سميعا بسمعه، ولا بصيرا ببصره، ولا باقيا ببقائه؛ لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة، كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة بالذات القديمة. وحفظ هذا الباب أصل التوحيد، وإن كثيرا ممن لا تحصيل له ولا تحقيق زعموا: أن العبد يصير باقيا ببقاء الحق، سميعا بسمعه، بصيرا ببصره. وهذا خروج عن الدين وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وربما تعلقوا في نصرة هذه المقالة الشنيعة بما روى في الخبر ((فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا، فبي يسمع وبي يبصر)).ولا احتجاج لهم في ظاهره، إذ ليس فيه أنه يسمع بسمعي، ويبصر ببصري، بل قال: بي يسمع))،قال النصر آبادى: الله تعالي باق ببقائه، والعبد باق بإبقائه. ولقد حقق ﵀ وحصل، وأخذ عن نكتة المسألة وفصل. ((الوارث)) الباقي بعد فناء الموجودات، فترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك، وهذا بالنظر العامى، وأما بالنظر الحقيقي: فهو المالك علي الإطلاق من أزل الآزال إلي أبد الآباد، لم يتبدل ملكه ولا يزال، كما قيل: الوارث الذي يرث بلا توريث أحد، الباقي الذي ليس لملكه أمد. ((الرشيد)) الذي تنساق تدابيره إلي غاياتها علي سنن السداد، من غير استشارة وإرشاد. وقيل: هو المرشد، فعيل بمعنى مفعل، كالأليم والوجيع. والرشيد من العباد من هدى إلي التدابير الصائبة فيما يعن له من مقاصد الدين والدنيا، فيتبع مقتضى العقل والشرع، ويتجنب الهوى والطبع، لتصير آراؤه مصونة عن الخطر والزلل، وأفعاله مأمونة عن الفساد والخطل. قال الشيخ أبو القاسم: إرشاد الله لعبده هدايته لقلبه إلي معرفته، هذا هو الإرشاد الأكبر الذي خص به أولياءه من المؤمنين، ثم إنه تعالي أرشد نفوس الزاهدين إلي طريق طاعته، وقلوب العارفين إلي سبيل معرفته، وأرواح الواحدين إلي حقيقة محبته، وأسرار الموحدين إلي

стр. 1308

تطلع قربته. وأمارة من يرشده الحق لإصلاح نفسه أن يلهممه حسن التوكل عليه، وتفويض أموره بالكلية، واستخارته إياه في كل خطب، واستجارته به في كل شغل. فإن رجع بعد ما أرشده الله إلي ذاك عاتبه الله بما يعلم أنه كان منه سوء أدب، حنى يعود إلي سكونه، وترك اختياره واحتياله. حكى أن إبراهيم بن أدهم جاع يوما، فأخرج شيئا كان معه، وأمر أن يرهن ويؤتى بشيء يأكله، فخرج الرجل، فاستقبله إنسان بين يديه بغلة موقرة طالبا إبراهيم بن أدهم، قال الرجل فقلت له: ما تريد منه؟ فقال: أنا غلام أبيه، وهذه الأشياء له، فدللته عليه، فدخل المسجد، وقال: أنا غلام أبيك ومعي أربعون ألف دينار ميراثا لك من أبيك. فقال: إن كنت صادقا فأنت حر لوجه الله، والذي معك كله وهبته منك، انصرف عني. فلما خرج، قال: يارب كلمتك في رغيف، فصببت علي الدنيا صبا! فوحقك لئن أمتني لم أتعرض بعده لطلب شيء. ((الصبور)) هو الذي لا يستعجل في قوله مؤاخذة للعصاة، ومعاقبة المذنبين. وقيل: هو الذي لا تحمله العجلة علي المسارعة إلي الفعل قبل أوانه، وهو أعم من الأول. والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يشعر بأنه يعاقب بالآخرة بخلاف الحليم. وأصل الصبر حبس النفس عن المراد، فاستعير لمطلق التإني في الفعل. والعبد إذا حبس نفسه عما تدعو إليه القوى، وصبر علي مضض الطاعات، وترك الشهوات، حتى يترقى إلي جناب القدس، ومحل الكرامة والأنس فاز بالحظ الأوفي من هذا الإسم. قال الشيخ أبو القاسم: رتبة العباد في الصبر علي أقسام: أولها التصبر، وهو تكلف الصبر، ومقاساة الشدة فيه، وبعد ذلك الصبر وهو سهولة تحمل ما يستقبله من فنون القضاء وصنوف البلاء وبعد ذلك الاصطبار، وهو النهاية في الباب، ويكون ذلك بأن يألف الضر فلا يجد مشقة بل يجد روحا وراحة. قال: تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلي الصبر وقيل: من شرط الصبر أن لا يتنفس بخلاف الإذن تحت جريان حكمه. وقيل: حقيقة الصبر تجرع البلاء من غير تعبس. وقيل: ينبغي أن يكون الصابر في حكمه، كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. هذا، وإن المحققين من العلماء والراسخين منهم، قد صنفوا فيها مصنفات جمة ذات ذيول وأطراف، ولخصها القاضي تلخيصا غريبا، وكان أجمع للمقصود، وأشمل في المغزى، فآثرنا إيراده من غير تغيير، وأضفنا إليه من كلام الشيخ أبي القاسم القشيري مما لم يورده اختصارا لمعنى دعا إليه. فإن قلت: قد سبق عن الشيخ التوربشتي: أن فائدة التأكيد بقوله: ((مائة إلا واحدة))

стр. 1309

لقوله: ((تسعة وتسعين)) أن لا يزاد فيها ولا ينقص، وإنا نجد في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ أسماء سوى ما في هذا الحديث، ومما دل عليه الكتاب: الرب، الأكرم، الأعلي، أحكم الحاكمين، أرحم الراحمين، أحسن الخالقين، الحافظ، الخلاق، ذو الفضل، ذو الطول، ذو القوة، ذو المعارج، ذو العرش، رفيع الدرجات، ((الساتر، الستار))،العادل، العالم، العلام، غافرالذنب، الغالب، القاهر، الفاطر، الفالق، الفعال لما يريد، قابل التوب، القدير، فإني قريب، القاهر، الكافي، المنير، المحيط، المليك، المولي، مخرج الحي، النصير. ومما وردت به السنة: المقيت، والقريب بدل الرقيب، المبين بدل المتين، كذا ذكره النواوي في الأذكار. وورد في السنة: الحنان، المنان، ونجد مثال ذلك في أحاديث. وروي هذا الحديث الإمام محمد بن يزيد بن ماجه، كما رواه البخاري ومسلم، وعد الأسماء كما عدها الترمذي إلا أن فيها زوائد وتبديلا واختلافا، فأردت أن أذكر تلك الرواية لتحيط بها أيضا، وهي هذه: هو الله، الواحد، الصمد، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الخالق، البارئ، المصور، الملك، الحق، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الرحمن، الرحيم، اللطيف، الخبير، السلام، البصير، العليم، العظيم، البار، المتعالي، الجليل، الجميل، الحي، القيوم، القادر، القاهر، العالي، الحكيم، القريب، المجيب، الغني، الوهاب، الودودـ، الشكور، الماجد، الوالي، الراشد، الحليم، الكريم، التواب، الرب، المجيد، الولي، الشهيد، المبين، البرهان، الرؤوف، المبدئ، المعيد، الباعث، الوارث، القوي، الشديد، الضار، النافع، الباقي، الواقي، الخافض، الرافع، القابض، الباسط، المعز، المذل، المقسط، الرزاق، ذو القوة، المتين، القائم، الدائم، الحافظ، الوكيل، الناظر، السامع، المعطي، المانع، المحيي، المميت، الجامع، الهادي، الكافي، الأبد، العالم، الصادق، النور، المنير، التام، القديم، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. قلت: قد أوقع ﷺ دخول الجنة جزاء للشرط، أي الإحصاء، ثم أتبعه هذه الأسماء، وهو لا يدل علي أن الأسماء لا تزيد علي ما ذكر لغير هذه الخاصية. وتحريره أن من أحصى هذه الأسماء المحصورة دخل الجنة، ومن زاد عليها في غير هذا النص زاد ثوابه، وارتفعت درجاته في الجنة. وما قيل في الجواب: إنه ﷺ لم يرد بقوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) الحصر، ونفي ما يزيد عليها، بل أراد تخصيصها بالذكر؛ لكونها أشهر لفظا، وأظهر معنى- لا يتم جوابا ولا يدفع التناقص، والله أعلم.

стр. 1310

٢٢٨٩ - وعن بريدة: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأنك الله أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، فقال: ((دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٢٨٩] ٢٢٩٠ - وعن أنس، قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي، فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان، المنان، بديع السماوات والأرض، ياذا الجلال والإكرام! يا حي ياقيوم، أسألك. فقال النبي ﷺ : ((دعا الله باسمه الأعظم الذيإذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى،)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٢٩٠] ٢٢٩١ - وعن أسماء بنت يزيد (﵂):أن النبي ﷺ قال: ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين:﴾ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴿،وفاتحة ((آل عمران)):﴾ آلم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴿)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدرامي. [٢٢٩١] ــ الحديث الثاني إلي الرابع عن بريدة: قوله: ((دعا الله باسمه الأعظم)) ((مظ)):قيل الأعظم هنا بمعنى العظيم، وليس أفعل التفضيل؛ لأن جميع أسمائه عظيم، وليس بعضها أعظم من بعض. وقيل: بل هو للتفضيل؛ لأن كل اسم فيه أكقر تعظيما لله، فهو أعظم، فالرحمن أعظم من الرحيم، والله أعظم من الرب، فإنه لا شريك في تسميته به لا بالإضافة ولا بدونها، وأما الرب فيضاف إلي المخلوقات، كما يقال: رب الدار. وفي لباب شرح السنة: في هذا الحديث دلالة علي أن لله تعالي اسما أعظم، إذا دعي به أجاب، وأن ذلك هو المذكور فيها، وهو حجة علي من قال: ليس الاسم الأعظم اسما معينا،

стр. 1311

٢٢٩٢ - وعن سعيد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دعوة ذي النون إذا دعا ربه وهو في بطن الحوت﴾ لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين ﴿،لم يدع بها رجل مسلم في شيء إلا استجاب له)) رواه أحمد، والترمذي. [٢٢٩٢] الفصل الثالث ٢٢٩٣ - عن بريدة (﵁)، قال: دخلت مع رسول الله ﷺ المسجد عشاء، فإذا رجل يقرأ، ويرفع صوته، فقلت: يارسول الله! أتقول: هذا مراء؟ قال: بل مؤمن منين)).قال: وأبو موسى الأشعري يقرأ، ويرفع صوته، فجعل رسول الله ﷺ يستمع لقراءته، ثم جلس أبو موسى يدعو، فقال: اللهم إني أشهدك أنك أنت ــ بكل اسم ذكر بإخلاص تام مع الإعراض عما سوى الله هو الاسم الأعظم، لأن شرف الاسم بشرف المسمى، لا بواسطة الحروف المخصوصة. وأقول: ولناصر هذا الحديث أن يقول: سترد أحاديث مختلفة، فيها أسام لم تذكر في هذا الحديث، قيل في كل منها: إنه الاسم الأعظم، فصح قول من قال: إنه أفعل ليس للتفضيل، بل هو لمطلق الزيادة، نعم! قد ذكر في كل منه لفظ الله تعالي، فإذا استدل بذلك علي أنه الاسم الأعظم استقام وصح. فإن قلت ما الفرق بين قوله: ((إذا سئل به أعطى)) وبين قوله: ((إذا دعي به أجاب))؟ قلت القإني أبلغ، فإن إجابة الدعاء تدل علي شرف الداعي، ووجاهته عند المجيب، فيتضمن أيضا قضاء حاجته، بخلاف السؤال، فإنه قد يكون مذموما، ولذلك ذم السائل في كثير من الأحاديث، ومدح المتعفف عنه، علي أن في الحديث فضل دلالة علي فضل الدعاء علي السؤال. الفصل الثالث الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((أتقول: هذا مراء؟)) أي أتعتقد أو أتحكم، وفي رواية شرح السنة ((أتراه مرائيا))،وإنما أجاب بقوله: ((بل مؤمن منيب))؛لأن المرائيين حينئذ أكثرهم منافقون، وفي الإضراب إنكار علي السؤال. وقوله: ((وأبو موسى يقرأ)) حال من فاعل ((قال))،

стр. 1312

الله، لا إله إلا أنت، أحدا صمدا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحدا، فقال رسوال الله ﷺ : ((لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)) قلت: يارسول الله! أخبره بما سمعت منك؟ قال: ((نعم)).فاخبرته بقول رسول الله ﷺ ، فقال لي: أنت اليوم لي أخ صديق، حدثتني بحديث رسول الله ﷺ . رواه رزين [٢٢٩٣]. (٣) باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الفصل الأول ٢٢٩٤ - عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ ((أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).وفي رواية: أحب الكلام إلي ــ وهو رسول الله ﷺ ، والتقدير: قال رسول الله ﷺ ، والحال أن أبا موسى يقرأ، ويؤيد هذا التأويل رواية شرح السنة بعد هذا، فعلم من ذلك أن الرجل في صدر الحديث هو أبو موسى، وفي رواية شرح السنة ((قال بل هو مؤمن منيب)). عبد الله بن قيس، أو أبي موسى قوله: ((أحدا صمدا)) منصوبان علي الاختصاص، لقوله تعالي:﴾ شهد الله أنه لا إله إلا هو- إلي قوله- قائما بالقسط ﴿. وفي شرح السنة: مرفوعان معرفتان صفتان لله. وفي الحديث دليل علي أن من رأي أو سمع في حق أخيه المسلم ما يسره من أمور الدين، يجب عليه إعلامه ليؤدي حق الأخوة. باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الفصل الأول الحديث الأول عن سمرة: قوله: ((أفضل الكلام أربع)) ((مح)):هذا محمول علي كلام البشر، وإلا فالقرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، وأما المأثور في وقت، أو حال ونحو ذلك، فالاشتغال به أفضل. ((قض)):الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن

стр. 1313

الله أربع، سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت)) رواه مسلم [٢٢٩٤]. ٢٢٩٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن أقول: سبحان الله ــ وجدت في القرآن، لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه علي ما هو فيه؛ ولأنه روى أنه ﷺ قال: ((أفضل الذكر بعد كتاب الله: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))،والموجب لفضلها اشتمالها علي جملة أنواع الذكر، ومن التنزيه، والتحميد، والتمجيد، والتوحيد، ودلالتها علي جميع المطالب الإلهية إجمالا. وهذا النظم وإن لم يتوقف عليه المعنى المقصود؛ لاستقلال كل واحدة من الجمل الأربع، ولذلك جاء في رواية ((لا يضرك بأيهن بدأت)) لكنه حقيق بأن يراعي؛ لأن الناظر المتدرج في المعارف يعرفه سبحانه أولا بنعوت الجلال التي هي تنزيه ذاته عما يوجب حاجة أو نقصا. ثم بصفات الإكرام، وهي الصفات الثبوتية التي بها يستحق الحمد، ثم يعلم أن من هذا شأنه لا يماثله غيره، ولا يستحق الألوهية سواه، فيكشف له من ذلك أنه أكبر، إذ كل شيء هالك إلا وجه، له الحكم، وإليه ترجعون. أقول: قوله: ((لا يضرك)) بعد إيراد الكلمات علي النسق والترتيب يشعر بأن العزيمة أن يراعي الترتيب، والعدول عنه رخصة ورفع للجناح، روي عن مالك بن أنس: أن الباقيات الصالحات هي هذه الكلمة، ولعله صلوات الله عليه قد خصها بالباقيات الصالحات؛ لكونها جامعات للمعارف الإلهية، فالتسبيح تقديس لذاته عما لا يليق بجلاله، وتنزيه لصفاته من النقائص، والتحميد منبه علي معنى الفضل والإفضال من الصفات الذاتية والإضافية، والتهليل توحيد للذات، ونفي للضد والند، وتنبيه علي التبري عن الحول والقوة إلا به، واختتامها بالتكبير اعتراف بالقصور في الأفعال والأقوال. قال: ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك)).وفي هذا التدرج لمعة من معنى العروج للسالك العارف. وتسميتها بالباقيات الصالحات؛ لما أنه تعالي قابلها بالفإنيات الزائلات أعني ((وأضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)) الآية، وخص منها ما هو العمدة فيها، ويحصل منه تزيين المجالس، والتفاخر في المحافل من المال والبنين، وجعلها خير منها ثوابا وخير مؤمل. ((حس)):يحتج بهذا الحديث من يذهب إلي أن من حلف أن لا يتكلم اليوم، فسبح أو كبر، أو هلل، أو ذكر الله أنه يحنث؛ لأن الكل كلام، وهو قول بعض أهل العلم، وذهب قوم إلا أنه لا يحنث إلا أن يريده بنيته. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في ((يوم)) مطلق، لم يعلم في أي

стр. 1314

الحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليا مما طلعت عليه الشمس)) رواه مسلم. [٢٢٩٥] ٢٢٩٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) متفق عليه. ٢٢٩٧ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه)) متفق عليه. ٢٢٩٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان علي اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلي الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) متفق عليه. ــ وقت من أوقاته، لا يقيد بشيء منها. قوله ((مثل زبد البحر)) هذا وأمثاله نحو ((ما طلعت عليه الشمس)) كنايات، عبر بها عن الكثرة عرفا. ((مح)):ظاهر الإطلاق يشعر بأنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال ذلك مائة مرة في يومه، سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أو زاد عليه)) ((مح)):فيه دليل علي أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم، كان له هذا الأجر المذكور والزيادة عليه، وليس هذا من التحديد الذي نهي عن اعتدائها، والمجاوزة عن أعدادها، وأن زيادتها لأفضل فيها، أو يبطلها كالزيادة في عدد الطهارة، وعد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالزيادة ما أتى من أعمال الخير، لا من نفس التسبيح. أقول: والاستثناء قوله: ((إلا أحد)) منقطع، فالتقدير: لم يأت أحد بأفضل مما جاء، ولكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساو له، ولا يستقيم أن يكون متصلا إلا علي التأويل. نحو قول الشاعر: وبلدة ليس بها إنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((كلمتان خفيفتان)) الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريان الكلمتين علي اللسان بما يخف علي الحامل من بعض الأمتعة،

стр. 1315

٢٢٩٩ - وعن سعد بن أبي وقاص. قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: ((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟)) فسأل سائل، من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له مائة حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة)) رواه مسلم. وفي كتابه: في جميع الروايات عن موسى الجهني: ((أو يحط))، قال أبو بكر البرقإني: ورواه شعبة، وأبو عوانة، ويحيي بن سعيد القطان عن موسى، فقالوا: ((ويحط)) بغير ألف. هكذا في كتاب الحميدي. ٢٢٣٠ - وعن أبي ذر، قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطفي الله لملائكته سبحان الله وبحمده)) رواه مسلم. ــ فلا يتعبه كالشيء الثقيل، فذكر المشبه به وأراد المشبه، وأما الثقل فعلي الحقيقة عند علماء أهل السنة؛ إذ الأعمال تتجسم حينئذ، والخفة والسهولة من الأمور النسبية فهما مختصران من قوله: ((سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله، والله أكبر)) فتدبر. وفيه حث علي المواظبة عليها، وتحريض علي ملازمتها، وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة علي النفس ثقيلة، وهذه خفيفة سهلة عليها، مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف، فلا يتركوها إذا. روى في الآثار أنه سئل عيسى ﵇: ما بال الحسنة تثقل، والسيئة تخف؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها، وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم، فلا يحملنكم ثقلها علي تركها، فإن بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة،، والسيئات حضرت حلاوتها، وغابت مرارتها، فخفت عليكم، فلا يحملنكم علي فعلها خفتها، فإن بذلك خفت الموازين يوم القيامة. الحديث السادس عن سعد: قوله: ((وفي كتابه)) إلي آخر الفصل مذكور في شرح صحيح مسلم. أقول: يختلف معنى الواو وأو إذا أريد به أحد الأمرين، وأما إذا أريد به التنويع. فهما سيان في القصد. الحديث السابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((اصطفي الله لملائكته)) لمح به إلي قوله تعالي:﴾ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴿،ويمكن أن تجعل هذه الكلمة مختصرة من قوله: ((سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) لما سبق أنه سبحان الله)) تنزيه

стр. 1316

٢٣٠١ - وعن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلي الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، قال: ((مازلت علي الحال التي فارقتك عليها؟)) قالت: نعم قال النبي ﷺ : ((لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) رواه مسلم. ــ لذاته عما يليق بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى قوله ((لا إله إلا الله))، وقوله ((وبحمده)) صريح في معنى ((والحمدلله ﷺ )؛لأن الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد، ومستلزم لمعنى ((والله أكبر))؛لأنه إذا كان كل الفضل والإفضال لله ومن الله، وليس من غيره، فلا يكون أحد أكبر منه. فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون التسبيح أفضل من التهليل. قلت: لا يلزم ذلك؛ إذ التهليل تصريح في التوحيد، والتسبيح متضمن له، ولأن نفي الإلهية في قول: ((لا إله إلا الله)) نفي لمصححهما من الخالقية والرازقية وكونه مثيبا ومعاقبا من الغير، وقوله: ((إلا الله)) إثبات له، يلزم من ذلك ما نفي ما يضاد الإلهية ويخالفها من النقائض، فمنطوق ((سبحان الله)) تنزيه، ومفهومه توحيد، ومنطوق ((لا إله إلا الله)) توحيد، ومفهومه تقديس، فإذا اجتمعا دخلا في أسلوب الطرد والعكس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الحديث الثامن عن جويرية، وهي زوجة النبي ﷺ ، واسم أبيها الحارث بن ضرار: قوله: ((في مسجدها)) أي موضع سجودها للصلاة بعد أن أضحى، أي دخل في الضحى. و ((أربع كلمات)) نصب علي المصدر، أي تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات. قوله: ((لوزنتهن)) ((تو)):أي ساوتهن، أي لو قوبلت بما قلت لساوتهن، ويحتمل أن يراد الرجحان، أي رجحت عليهن في الوزن، كما تقول: حاججته فحججته، أي غلبته في الحجة، أعاد الضمير إلي ما يقتضيه المعنى لا إلي لفظه ((ما)) في قوله: ((ما قلت))،وفيه تنبيه علي أنها كلمات كثيرة، و ((اليوم)) في قوله: ((منذ اليوم)) مجرور، وهو الاختيار. ((شف)):وقوله: ((عدد خلقه)) وكذلك ما بعده نصب علي المصدر، أي سبحته تسبيحا يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه، ومداد كلماته في المقدار، ويوجب رضي نفسه، أو يكون ما يرتضيه لنفسه. ((مظ)): ((عدد خلقه)) منصوب علي المصدر، أي أعد تسبيحه وتحميده بعدد خلقه، وبمقدار ما يرضاه خالصا، وبثقل عرشه، ومقداره، وبمقدار كلماته. ((تو)): ((زنة عرشه)) ما يوازنه في القدر والرزانة، يقال: هو زنة الجبل أي حذاؤه في الثقل، والوزانة المداد، مصدر، تقول: مددت الشيء أمده مدا ومدادا. وقيل: يحتمل أن يكون جمع مد- بالضم- أي

стр. 1317

٢٣٠٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير في اليوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه)) متفق عليه. ٢٣٠٣ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ : ((يأيها الناس! أربعوا علي أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، وهو معكم، ــ مكيال، فإنه يجمع علي مداد، وكلمات الله علمه، وقيل: كلامه، وقيل: يراد به القرآن، وذكر العدد علي المجاز مبالغة بالكثرة؛ لأنها لا تتعدد ولا تنحصر. ((مح)) فيه ترقى. أقول: قوله: ((أربع كلمات)) يقتضي تقدير الناصب في كل من المنصوبات؛ إذ الكلمات خمس، كأنه قيل: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، وسبحان الله وبحمده رضي نفسه، وهلم جر. فإن قلت: كيف أصرح في القرينة الأولي بالعدد، وفي الثالثة بالزنة، وعزل الثانية والرابعة عنهما؟ قلت: ليؤذن بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون، ولا يحصرهما المقدار لا حقيقة ولا مجازا، فيحصل الترقي حينئذ من عدد الخلق إلي رضي الله، ومن زنة العرش إلي مداد الكلمات. الحديث التاسمع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((محيت عنه مائة سيئة)) ((مح)):جعل في هذا الحديث التهليل ماحيا للسيئات مقدارا معلوما، وفي حديث التسبيح جعل التسبيح ماحيا لها مقدار زبد البحر، فيلزم أن يكون التسبيح أفضل، وقد قال في حديث التهليل: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به))؟ أجاب القاضي عياض: أن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل؛ لأنه جزاءه مشتمل علي محو السيئات، وعلي عتق عشر رقاب، وعلي إثبات مائة حسنة، والحرز من الشيطان. الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: ((أربعوا علي أنفسكم)) أي ارفقوا بها، يقال: أربع علي نفسك، أي انتظر، وقيل: المعنى أمسكوا عن الجهر وقفوا عنه،، من أربع الرجل بالمكان، إذا وقف عن السير وأقام. قوله: ((إنكم تدعون سميعا بصيرا)) كالتعليل لقوله: ((لا تدعون أصم))،وقوله: ((وهو معكم)) لقوله ((ولا غائبا)).فإن قلت: فما فائدة الزيادة في قوله: ((بصيرا))؟ قلت: السميع البصير أشد إدراكا وأكمل إحساسا من الضرير والأعمى.

стр. 1318

والذي تدعونه أقرب إلي أحدكم من عنق راحلته. قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في نفسي، فقال: ((يا عبدالله بن قيس! ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؟))، فقلت بلي يا رسول الله. قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) متفق عليه. الفصل الثاني ٢٣٠٤ - عن جابر، قال: قال رسول الله: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة)) رواه الترمذي [٢٣٠٤]. ــ قوله: ((والذي تدعونه)) أقرب تمثيل لمعنى قرب القريب، والمبالغة فيه، فيكون ترقيا من قوله: ((وهو معكم)).قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) ذكر في إعرابه وجوه خمسة في كتب النحو. ((تو)) الأصل في الحول تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فيفسر بالحالة, وهي ما يتوصل به إلي حيلة ما خفية. وقيل: الحيلة هي الحول, قلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، والمعنى لا توصل إلا تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك. وقيل: الحول الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك، فالمعنى لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله. ومعنى قوله: ((كنز من كنوز الدنيا)) أنه يعد لقائله، ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأن من شأن الكانزين أن يسعدوا به، ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة. قوله: ((كنز من كنوز الجنة)) قد سبق مثل هذا التركيب أنه ليس باستعارة؛ لذكر المشبه وهو الحوقلة، والمشبه به وهو الكنز، ولا التشبيه الصرف؛ لبيان الكنز بقوله: ((من كنوز الجنة))؛بل هو من إدخال الشيء في جنس، وجعل أحد أنواعه علي التغليب ونحوه قوله تعالي:﴾ لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴿فالكنز إذن نوعان: المتعارف. وهو المال الكثير يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، وغير المتعارف، وهي هذه الكلمة الجامعة المكتنزة بالمعإني الإلهية، كما أنها محتوية علي التوحيد الخفي؛ لأنه إذا نفيت الحيلة والحركة والاستطاعة عما من شأنه ذلك، وأثبتت لله علي سبيل الحصر وبإيجاده واستعانته وتوفيقه، لم يخرج شيء من ملكه وملكوته، ومن الدلالة علي أنها دالة علي التوحيد الخفي قول رسول الله ﷺ لأبي موسى ((ألا أدلك علي كنز من الكنوز)) مع أنه كان يذكرها في نفسه، والدلالة إنما تستقيم علي ما لم يكن عليه، وهو أنه لم يعلم أنه توحيد خفي، وكنز من الكنوز، ولأنه لم يقل: ما ذكرته كنز من الكنوز، بل صرح بها وقال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) تنبيها له علي هذا السر، والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن الزبير ﵁ قوله: ((صباح)) نكرة وقعت في سياق النفي،

стр. 1319

٢٣٠٥ - وعن الزبير، قال: قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صباح يصبح العباد إلا مناد ينادي: سبحوا الملك القدوس)) رواه الترمذي. [٢٣٠٥] ٢٣٠٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمدلله)) رواد الترمذي، وابن ماجه. [٢٣٠٦] ــ وضمت إليها ((من)) الإستغراقيو لإفادة الشمول، ثم جئ بقوله: ((يصبح)) صفة مؤكدة لمزيد من الشمول والإحاطة، كقوله تعالي:﴾ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴿الآية. قوله: ((سبحوا الملك القدوس)) ((مظ)):أي قولوا: سبحان الملك القدوس. أو ما في معناه من قوله: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. أقول: كأنه قيل: نزهوا عن النقائص من هو منزه عنها. الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) قال بعض المحققين: إنما جعل التهليل أفضل الذكر؛ لأن لها تأثير في تطهير الباطن عن الأوصاف الذميمة التي هي معبودات في باطن الذاكر، قال تعالي:﴾ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴿فيفيد نفي عموم الإلهية بقول: ((لا إله)) ويثبت الواحد بقوله: ((إلا الله)) ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلي باطن قالبه، فيتمكن فيه ويستولي علي جوارحه. وجد حلاوة هذا من ذاق. وإطلاق الدعاء علي الحمد من باب المجاز، ولعله جعل أفضل الدعاء من حيث أنه دعاء لطيف يدق مسلكه، ومن ذلك قول أمية بن أبي الصلت حين خرج إلي بعض الملوك يطلب نائله: إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء أقول: يمكن أن يكون قوله: ((الحمدلله)) من باب التلميح والإشارة إلي قوله:﴾ اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم ﴿وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك! ونظيره قوله تعالي:﴾ ولقد فضلنا بعض النبيين علي بعض وآتينا داود زبورا ﴿الكشاف: قوله: ((وآتينا داود زبورا)) دلالة علي وجه تفضيل محمد صلوات الله عليه، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم؛ لأن ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالي: ((ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)).ونظائر هذا كثيرة في التبيان. ((مظ)):إنما كان التهليل أفضل الذكر؛ لأنه لا يصح الإيمان إلا به، وإنما جعل ((الحمدلله))

стр. 1320

٢٣٠٧ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدا لا يحمده)). [٢٣٠٧] ٢٣٠٨ - وعن ابن عباس، قال قال رسول الله ﷺ : ((أول ما دعي إلي الجنة ــ أفضل الدعاء؛ لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله، وأن يطلب منه حاجته، و ((الحمدلله)) تشملهما؛ فإن من حمد الله إنما يحمده علي نعمته،، والحمد علي النعمة طلب مزيد، قال تعالي:﴾ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴿. الحديث الرابع عن عبدالله بن عمرو: قوله: ((الحمد رأس الشكر)) –الكشاف-:الحمد الثناء علي الجميل من نعمة وغيرها، تقول: حمدته علي إنعامه وعلي شجاعته، وأما الشكر فعلي النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر. وإنما جعل رأسا؛ لأن ذكر النعمة باللسان، والثناء علي موليها أشيع لها وأدل علي مكانها من الاعتقاد، وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان، وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي، ويجلي عن كل مشتبه. وأقول: ولذلك صرح نبي الله داود وسليمان القول بالتحميد، وقصرا عليه، وكنيا عن أعمال الجوارح والقلب بالواو العاطفة في قوله تعالي:﴾ ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمدلله ﴿إذ التقدير: آتينا داود وسليمان علما، فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة، وقالا: الحمدلله، ونحن لما ذهبنا إلي أن ((الحمدلله)) أفضل الدعاء في الحديث السابق تلميحا إلي ما في الفاتحة، فتقول: إنما كان رأس الشكر؛ لأنه حكم رتب عليه الأوصاف الآتية إشعارا بالعلية، فيجعل اللام فيه للاستغراق؛ ليدل علي أن كل ثناء وشكر صدر عن المخلوقات من الملائكة، والثقلين وغيرهما، من ابتداء خلقتهم إلي الأبد لله تعالي؛ لأنه ربهم ومولي نعمهم جلائلها ودقائقها، وظاهرها وباطنها، ومالك أمورهم في العاقبة، فأي حمد أفضل وأعلي وأسنى منه؟ فطابق معنى الحمد معنى الدعاء في قوله: ((اهدنا الصراط المستقيم)) يعني حمدناك بما هو رأس الشكر, فأولنا ما هو أفضل، وهي الهداية إلي الصراط المستقيم. قوله: ((ما شكر الله عبد لم يحمده)) ((قض)):ولما جعل الحمد رأس الشكر، وأصله والعمدة فيه، حتى انعكس عليه، حتى انعكس عليه، لم يعتد بغيره من الشعب عند فقده، وكان التارك له كالمعرض عن الشكر رأسا. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((في السراء والضراء)) هو عبارة عن

стр. 1321

يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء)) رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٣٠٨] ٢٣٠٩ - وعن أبس سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال موسى ﵇: يارب! علمني شيئا أذكرك به، وأدعوك به، فقال: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن، غيري، والأرضين السبع وضعن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله)) رواه في ((شرح السنة)). [٢٣٠٩] ــ جميع أحوال الإنسان، فالسراء من المسرة، والضراء من المضرة، والمقابلة بينهما من حيث المعنى؛ إذ المقابلة الحقيقية للسرور الحزن، وللضر النفع، فقوبل بينهما لمزيد التعميم والإحاطة، وهو أسلوب غريب في البديع. الحديث السادس عن أبس سعيد ﵁: قوله: ((أذكرك به)) خبر مبتدأ محذوف استئنافا، أي أنا أذكرك، ولا يجزم جوابا للأمر لعطف قوله: ((أو أدعوك به)) ويجوز الجزم، وعطف ((أو أدعوك)) بالجزم علي منوال قوله ولسنا بالجبال ولا الحديدا. قوله: ((قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله)) فإن قلت: طلب موسى ما به يفوق علي غيره من الذكر أو الدعاء، فما مطابقة الجواب السؤال؟ قلت: كأنه تعالي قال: طلبت شيئا محالا؛ إذ لا ذكر ولا دعاء أفضل من هذا، إذ المطلوب من الذكر والدعاء الثواب، فلا ثواب أعظم من ثوابها. وفي إخراج ذاته تعالي من بين عمارها إشعار بأن لا غاية لثواب هذه الكلمة؛ إذ المعنى: أن ثواب هذه الكلمة، أو مدلولها لو وزنت بالسموات والملائكة القانطين فيها، والموكلين بحفظها، والأرضين السبع لترجحت، والزبدة والخلاصة منه: أنه لو وزنت بجميع الكائنات لرجحت، ولإرادة الاستيعاب، وأن المعنى به ما سوى الله استثناه بقوله: ((وعامرهن غيري)) وهذا الذي أردناه بالمحال. قوله: ((عامرهن)) العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارة، والعمر اسم للمدة التي فيها عمارة البدن بالحياة، والعمرة الزيارة التي فيها عمارة الود. وقوله: ((إنما يعمر مساجد الله)) إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من

стр. 1322

٢٣١٠ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة (﵄)، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه. قال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: لا إله إلا أنا لا حول ولا قوة إلا بي)) وكان يقول: ((من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار)) رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢٣١٠] ــ قولهم ((عمرت بمكان كذا)) أي أقمت به. ((قض)):عامر الشيء حافظه، ومدبره، وممسكه من الخلل والانحلال، ولذك سمي الساكن والمقيم في البلدة عامره، وسمي زوار البيت عمارا. وفي الحديث علي المعنى الأعم الذي هو الأصل والحقيقة؛ ليصبح استثناؤه تعالي عنه، فإنه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا بالحقيقة. أقول: لو حمل علي جميع مفهومات العمارة من الإصلاح، والمرمة، والحفظ والإمساك، والزيارة، والإقامة وغير ذلك لم يستبعد، فيكون من باب قوله:﴾ إن الله وملائكته يصلون علي النبي ﴿أو يكون ((غيري)) صفة لـ ((عامرهن))،وهذا أولي بسياق الحديث، وإرادة المبالغة منه. ((مظ)):قوله: ((غيري)) مشكل علي تأويل العامر بالساكن؛ فإن الله ليس بساكن فيها، فمعنى العامر- المصلح؛ لأنه تعالي مصلح للسموات والأرض ومن فيهن، والملائكة في السموات مصلحوها بالسكون، وأهل الأرض مصلحوها كذلك، فإذن صح الاستثناء، ويحتمل أن يكون التقدير: وما فيهن كلامي وذكري، فحذف المضاف. الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁ قوله: ((صدقه ربه)) أي قرره بأن قال ما قال، وهو أبلغ من أن لو قال: صدقت، نحوه قوله تعالي:﴾ لقد صدق الله رسوله الرؤيا ﴿أي حقق في اليقظة ما رآه ﷺ في النوم، وقوله:﴾ والذي جاء بالصدق وصدق به ﴿،فقوله: ((لا إله إلا أنا)) بيان لقوله: ((صدقه)) لأنه هو التصديق بعينه. قوله: ((لم تطعمه النار)) استعار الطعم للإحراق مبالغة، كأن الإنسان طعامها تتغذى وتتقوى به، نحو قوله:﴾ وقودها الناس والحجارة ﴿أي الناس كالوقود والحطب الذي تشتعل به النار.

стр. 1323

٢٣١١ - وعن سعد بن أبي وقاص، أنه دخل مع النبي ﷺ علي امرأة وبين يديها نوى أو حصى، تسبح به فقال: ((ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء. وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد مابين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمدلله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)) رواه الترمذي، وأبو داود, وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٣١١] ٢٣١٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله: ((من سبح مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن حج مائة حجة، ومن حمد الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن حمل علي مائة فرس في سبيل الله، ومن هلل الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ لم يأت في ذلك اليوم أحد بأكثر مما أتى به إلا من قال مثل ذلك، أو زاد علي ما قال)).رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب. [٢٣١٢] ــ الحديث الثامن عن سعد ﵁: قوله: ((أو أفضل)) ((مظ)):شك الراوي أي قال رسول الله ﷺ : أيسر عليك، أو قال: أفضل. أقول: ويمكن أن يكون ((أو)) بمعنى بل، وإنما كان أفضل؛ لأنه اعترف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصي ثناؤه، وتسبيحه علي العد بالنواة إقدام علي أنه قادر علي الإحصاء، كما قال: ((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)).قوله: ((عدد ما خلق في السماء)) في ((ما)) وجهان: أحدهما أنه عام في الأجناس كلها، سواء كانت ذوات العلم أم لا، وثإنيهما جعل ذوا العلم بمنزلة غيره علي تأويل المعدود. قوله: ((ما هو خالق)) أي ما هو خالقه، أجمل بعد التفصيل؛ لأن اسم الفاعل إذا أسند إلي الله يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلي الأبد- الكشاف-:قوله:﴾ وجاعل الليل سكنا ﴿ما هو بمعنى المضي، وإنما هو دال علي جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زمانا دون زمان. قوله: ((مثل ذلك)) ((مثل)) منصوب نصب عدد في القرائن السابقة علي المصدر. الحديث التاسع عن عمرو بن شعيب: قوله: ((من ولد إسماعيل)) تتميم ومبالغة في معنى

стр. 1324

٢٣١٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((التسبيح نصف الميزان. والحمدلله يملؤه. ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه)) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي. [٢٣١٣] ٢٣١٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ((ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا قط إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلي العرش مااجتنب الكبائر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٢٣١٤] ــ العتق؛ لأن فك الرقاب أعظم مطلوب، وكونه من عنصر إسماعيل الذي هو أشرف الخلق نسبا، أعظم وأمثل. الحديث العاشر عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((التسبيح نصف الميزان))،والحمدلله يملؤه)) قالوا: فيه وجهان، أحدهما أن يراد التسوية بين التسبيح والتحميد، بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان، فيملأن الميزان معا، وذلك؛ لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية، والغرض الأصلي من شرعها تنحصر في نوعين، أحدهما: التنزيه، والآخر التمجيد، والتسبيح يستوعب القسم الأول، والتحميد يتضمن القسم الثاني. وثإنيهما: أن يراد بيان تفضيل الحمد علي التسبيح، وأن ثوابه ضعف ثواب التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان، والتحميد وحده يملؤه. وذلك؛ لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرءا عن النقائص، منعوتا بنعوت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملا للأمرين وأعلي القسمين، وإلي الوجه الأول الإشارة بقوله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان علي اللسان، ثقيلتان في الميزان)) وإلي الثاني بقوله ﷺ : ((بيدي لواء الحمد يوم القيامة)).أقول: يؤيد معنى الترجيح الترقي في قوله: ((ولا إله إلا الله ليس لها حجاب))؛ لأن هذه الكلمة اشتملت علي التنزيه والتمجيد لله تعالي كما مر، وعلي نفي ذلك عما سواه صريحا، ومن ثم جعله من جنس آخر؛ لأن الأولين دخلا في معنى الوزن، والمقدار في الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلي الله تعالي من غير حاجز ولا مانع. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى يفضي إلي العرش)) أي ينتهي إليه، وأصله من الفضاء. ((غب)):الفضاء المكان الواسع، ومنه أفضى بيده، وأفضى إلي امرأته، قال: ((وقد أفضى بعضكم إلي بعض)). ((مظ)):الحديث المتقدم يدل علي أنه تجاوز من العرش حتى انتهي إلي الله تعالي، والمراد بهذا وأمثاله سرعة القبول، وكثرة الثواب. قيد سرعة القبول وكمال الثواب باجتناب الكبائر؛ فإن الثواب يحصل للقائل سواء

стр. 1325

٢٣١٥ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي. فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، غريب إسنادا. [٢٣١٥] ٢٣١٦ - وعن بسيرة (﵂)،وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا ــ اجتنب الكبائر أو لم يجتنب، ولكن ثواب من يجتنب الكبائر أكمل ممن لم يجتنب، فإن السيئة لا تحط الحسنة، بل تذهب الحسنة السيئة، قال تعالي:﴾ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴿. الحديث الثاني عشر عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((أنها قيعان)) ((تو)):القيعان جمع قاع، وهو المستوي من الأرض، والغراس جمع غرس، وهو ما يغرس، والغرائس أيضا وقت الغرس، والغرس إنما يصلح في التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب، المعنى: أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة، وتفيد مخارفتها، وأن الساعي في اكتسابها لا يصيع سعيه؛ لأنها المغرس الذي لا يتلف ما استودع فيه. وأقول: هنا إشكال؛ لأن هذا الحديث يدل علي أن الجنة أرض خالية عن الأشجار والقصور، ويدل قوله تعالي:﴾ جنات تجري من تحتها الأنهار ﴿وقوله تعالي:﴾ أعدت للمتقين ﴿علي أنها غير خالية عنها؛ لأنها إذا سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها، وتركيب الجنة دائر علي معنى الستر، وأنها مخلوقة معدة للمتقين. والجواب: أنها كانت قيعانا، ثم إن الله تعالي أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجارا وقصورا علي حسب أعمال العاملين، لكل عامل ما يختص به بحسب عمله، ثم إن الله تعالي لما يسره لما خلق له من العمل لينال به ذلك الثواب، جعله كالغارس لتلك الأشجار علي سبيل المجاز؛ إطلاقا للسبب علي المسبب. مثاله في الشاهد الوالد إذا ألف كتابا جامعا للآداب، فقال: هذا لولدي إذا تعلم ونشأ أدبيا، فإذا حصل له ولد بعد برهة علي ما أراد منه، فقال: أنت صاحب ذلك الكتاب، وأنت الذي حصلته، وجمعت ما فيه؛ لأنك أنت الغرض فيه، ولما كان سبب إيجاد الله الأشجار عمل العامل أسند الغراس إليه. والله أعلم بالصواب. الحديث الثالث عشر عن بسيرة: قوله: ((والتهليل)) ((تو)):العرب إذا كثر إستعمالهم

стр. 1326

رسول الله ﷺ : ((عليكن بالتسبيح والتهليل، والتقديس. وأعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٣١٦] الفصل الثالث ٢٣١٧ - عن سعد بن أبي وقاص، قال: جاء أعرابي إلي رسول الله ﷺ ، فقال: علمني كلاما أقوله، قال: ((قل: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا. والحمدلله كثيرا، وسبحان الله رب العالمين. لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم)) فقال: فهولاء لربي، فما لي؟ فقال: ((قل: اللهم اغفر لي، وأرحمني، واهدني، وازرقني وعافني)) شك الراوي في ((عافني)) رواه مسلم. ــ الكلمتين، ضموا بعض حروف إحداهما إلي بعض حروف الأخرى، مثل الحوقلة، والبسملة، فالتهليل مأخوذ من لا إله إلا الله، يقال: هيلل الرجل وهلل إذا قالها، أخبر رسول الله ﷺ أن تحصيل تلك الكلمات بأناملهن ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الأوزار، فإنهن مسئولات مستنطقات، فيشهدن علي أنفسهن بما اكتسبنها، قال تعالي:﴾ وما كنتم تسترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم)). ((مظ)):فيه تحريض علي استخدام جميع الأعضاء في الخيرات. قوله: ((فتنسين الرحمة)) ((تو)):النسيان ترك ضبط ما استودع، وإما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو قصد، أي استحفظتن ذكر الرحمة، وأمرتن بمسألتها، فإذا غفلتن ضيعتن ما استودعن. ((مظ)):المعنى لا تتركن الذكر، فإنكن إن تركتن الذكر لحرمتن ثواب الذكر، فإن الله تعالي قال:﴾ فاذكروني أذكركم ﴿.وأقول: قوله: ((لا تغفلن)) نهي للأمرين، أي لا تغفلن عما ذكرت، لكن من اللزم علي الذكر والمحافظة عليه، والعقد بالأصابع توثيقا. وقوله: ((فتنسين)) جواب له، أي إنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن تركتن سدى عن رحمة الله، هذا من باب قوله تعالي:﴾ لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ﴿أي لا تكن منكن الغفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، فعبر بالنسيان عن الترك كما في قوله تعالي:﴾ وكذلك اليوم تنسى ﴿. الفصل الثالث الحديث الأول عن سعد ﵁: قوله: ((الله أكبر كبيرا)) ((مح)):هو منصوب بفعل مضمر، أي كبرت كبيرا، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة كقولك: زيد أبوك عطوفا. قوله:

стр. 1327

٢٣١٨ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ مر علي شجرة يابسة الأوراق، فضربها بعصاه، فتناثر الورق، فقال: ((إن الحمدلله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تساقط ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة)) رواه الترمذي، وقال: هذه حديث غريب, [٢٣١٨] ٢٣١٩ - وعن مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها من كنز الجنة)) قال المحكول: فمن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجي من الله إلا إليه؛ كشف الله عنه سبعين بابا من الضر، أدناها الفقر. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، ومحكول لم يسمع عن أبي هريرة. [٢٣١٩] ٢٣٢٠ - وعن أبي هريرة رضي، قال: قال رسول الله صلي اللع عليه وسلم: ((لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم)). [٢٣٢٠] ٢٣٢١ - وعنه. قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أدلك علي كلمة من تحت العرش من كنز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الله تعالي: أسلم عبدي، واستسلم)) رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٣٢١] ــ ((العزيز الحكيم)) هذه التتمة للحوقلة لم ترد في أكثر الروايات إلا عن الإمام أحمد بن حنبل، فإن أردفها بقوله: ((العلي العظيم)). الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((تساقط)) –بضم التاء- وقوله: ((كما يتساقط)) إن جعل صفة مصدر محذوف لم تبق المطابقة بين المصدرين، ولو جعل حالا من الذنوب استقام، ويكون تقديره: تساقط الذنوب مشبها تساقطها بتساقط الورق. الحديث الثالث عن مكحول: قوله: ((فمن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله إلي آخره)) موقوف عليه. الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((من تحت العرش)) صفة ((كلمة))،ويجوز أن تكون ((من)) ابتدائية، أي ناشيءة من تحت العرش، وبيإنية أي كائنة من تحت العرش، ومستقرة فيه. وأما ((من)) الثانية فليست إلا بيإنية، فإذا ذهب إلي أن الجنة تحت العرش، والعرش سقفها جاز أن يكون ((من كنز الجنة)) بدلا من ((تحت العرش)).وقد مر أن ((لا حول)) دل علي نفي التدبير للكائنات، وإثباته لله ، هذا معنى قوله: ((أسلم عبدي

стр. 1328

٢٣٢٢ - وعن ابن عمر/ أنه قال: سبحان الله هي صلاة الخلائق، والحمدلله كلمة الشكر، ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال العبد: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال الله تعالي: أسلم واستسلم. رواه رزين (٤) باب الاستغفار والتوبة الفصل الأول ٢٣٢٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) رواه البخاري. ــ واستسلم)) أي فوض أمور الكائنات كلها إلي الله، وانقاد هو بنفسه لله تعالي مخلصا له الدين، والعرش منصة التدابير، قال الله تعالي:﴾ ثم استوى علي العرش يدبر الأمر ﴿فقوله:)) يقول الله تعالي)) جزاء شرط محذوف، أي إذا قال العبد هذه الكلمة يقول الله. الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((سبحان الله، هي صلاة الخلائق)) ((هي)) ضمير فصل وعماد، وعلي التقديرين الحصر لازم، و ((الخلائق)) جمع محلي بلام الاستغراق، فلا يخرج ذرة من ذرات الكائنات إلا هي مسبحة لله خاضعة لأمره منقادة لطاعته. قال تعالي:﴾ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴿.فالتسبيح إما بالمقال أو بالحال حيث يدل علي الصانع، وعلي قدرته، وحكمته، وحيث ينزه الله مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها، فالمراد بالصلاة كونها منقادو لله تعالي، مسخرة لما يراد منهم، وهي كالسجود في قوله:﴾ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ﴿-الكشاف-:أي يرجع الظلال من جانب إلي جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له. وهي داخرة صاغرة لأفعاله تعالي. قوله: ((والله أكبر تملأ السماء والأرض)) إشارة إلي أن هذه الخاتمة كالمجمل للتفصيل، وقد سبق أنه كاعتراف العبد بالقصور من إجراء تلك الأوصاف علي موصوفها. باب الاستغفار والتوبة الاستغفار استفعال من الغفران، وأصله من الغفر، وهو إلباس الشيء بما يصونه عن الدنس. ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء، فإنه أغفر للوسخ. الغفران والمغفرة من الله، هو أن

стр. 1329

٢٣٢٤ - وعن الأغر المزني (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنه ليغان علي قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم. ــ يصون العبد من أن يمسه العذاب، والتوبة ترك الذنب علي أحمد الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار علي ثلاثة أوجه، إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت أو أسأت، ولقد أقلعت، ولا رابع لذلك. وهذا الأخير هو التوبة، ثم التوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم علي ما فرط منه، والعزيمة علي ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة؛ فمتى اجتمع هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة، وتاب إلي الله. هذا كلام الراغب، وزاد كلام الشيخ محيي الدين النواوي وقال: وإن كان الذنب يتعلق ببني آدم، فلها شرط آخر، وهو رد الظلامة إلي صاحبها، أو تحصيل البراءة منه. والتوبة أهم قواعد الإسلام، وهي أول مقدمات سالكي الآخرة. وأنشد بعضهم في مناجاته: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من وجود كفيك ما علمتني الطلبا يريد به قوله تعالي:﴾ واستغفروا ربكم إنه كان غفارا ﴿. الفصل الأول الحديث الأول والثاني عن الأغر: قوله: ((إنه ليغان علي قلبي)) اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له مفسرة. ((فا)): ((ليغان)) أي ليطبق إطباق الغين، وهو الغيم، يقال: غيت السماء تغان، والفعل مسند إلي الظرف، وموضعه رفعه بالفاعلية. ((مح)): ذكروا في الغين وجوها، أحدها قال القاضي عياض: المراد به فترات وغفلات من الذكر الذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه، أو غفل عنه عد ذلك ذنبا فاستغفر منه. وثإنيها: هو همه بسبب أمته، وما طلع عليه من أحوالهم بعده ويستغفر لهم. وثالثهما: قيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته، وأمورهم ومحاربة العدو ومداراتهم، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك من معاشرة الأزواج، والأكل والشرب والنوم، وذلك مما يحجبه، ويحجزه عن عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلي ذلك المقام العلي، وهو حضوره في حظيرة القدس ومشاهدته، ومراقبته وفراغه مع الله تعالي مما سواه، فيستغفر لذلك. ورابعها: قيل: يحتمل أن الغين هو السكينة التي تغشي قلبه لقوله تعالي:﴾ فأنزل الله سكينته علي رسوله ﴿فالاستغفار لإظهار العبودية والافتقار، والشكر لما أولاه. وخامسها قيل: يحتمل أن الغين هو حالة خشية وإعظام، فالاستغفار شكر لها. قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وسادسها: هو شيء يعتري القلوب مما تتحدث به النفس، كل ذلك في شرح مسلم.

стр. 1330

٢٣٢٥ - وعنه، قال، قال رسول الله ﷺ : ((يأيها الناس! توبوا إلي الله، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم. ــ ((تو)):سئل الأصمعي عن هذا الحديث، فقال: عن قلب من تروى هذا؟ فقال: عن قلب النبي ﷺ ، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك. ولله دره في انتهاجه في منهج الأدب، وإجلال القلب الذي جعله الله موقع وحيه، ومنزل تنزله! وبعد فإن قلبه مشرب، سد عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه، وأحق من يعرب، أو يعبر عنه، مشايخ الصوفية الذين نازل الحق أسرارهم، ووضع الذكر أوزارهم. ومن كلمات شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهروي- قدس الله سره-:لا ينبغي أن يعتقد أن الغين نقص في حاله صلوات الله عليه، بل هو كمال، أو تتمة كمال، وهذا السر دقيق لا ينكشف إلا بمثال، وهو أن الجفن المسبل علي حدقة البصر، وإن كانت صورته صورة نقصان، من حيث هو إسبال وتغطية علي من شأنه أن يكون باديا مكشوفا، فإن المقصود من خلق العين إدراك المدركات الحسية، وذلك لا يتأتى إلا بانبعاث الأشعة الحسية من داخل العين، واتصالها بالمرئيات علي مذهب قوم، وبانطباع صور المدركات في الكرة الجليدية علي مذهب آخرين، فكيف ما قدر لا يتم المقصود إلا بانكشاف العين، وعرائها عما يعمل من انبعاث الأشعة عنها، ولكن لما كان الهواء المحيط بالأبدان الحيوإنية قلما يخلو من الأغبرة الثائرة بحركة الرياح، فلو كانت الحدقة دائمة الانكشاف، لاستضرت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأسبلت أغطية الجفون عليها، وقاية لها، ومصقلة لها؛ لتنصقل الحدقة بإسبال الأهداب، ورفعها لخفة حركة الجفن، فيدوم جلاؤها، ويحتد نظرها. فالجفن وإن كان نقصا ظاهرا، فهو كمال حقيقة، فهكذا لم تزل بصيرة النبي صلي الله معترضة لأن تصدأ بالأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلي إسبال جفن من الغين علي حدقة بصيرته سترا لها، ووقاية وصقالا عن تلك الأغبرة المثارة برؤية الأغيار وأنفاسها، فصه أن الغين وإن كانت صورته نقصا، فمعناه كمال وصقال حقيقة. ثم قال- ﵁:وأيضا فإن روح النبي ﷺ لم تزل في الترقي إلي مقامات القرب، مستتبعة للقلب في رقيها إلي مركزها، وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية، ولا خفاء أن حركة الروح والقلب أسرع وأتم من نهضة النفس وحركتها، فكانت خطى النفس تقصر عن مدى الروح والقلب في العروج والولوج في حريم القلب، ولوحقها بهما، فاقتضت العواطف الربإنية علي الضعفاء من الأمة إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين عليه؛ لئلا يسرع القلب، ويسرح في معارج الروح ومدارجها، فتنقطع علاقة النفس عنه لقوة الانجذاب، فيبقى العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة، والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة، حيث كان يرى ﷺ إبطاء القلب بالغين الملقى عليه، وقصور النفس عن شأنه، وترقي الروح في الرفيق الأعلي،

стр. 1331

٢٣٢٦ - وعن أبي ذر (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن الله تبارك وتعالي أنه قال: ((يا عبادي! إني حرمت الظلم علي نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من اهديته، فاستهدوني أهدكم. يا ــ كان يفزع إلي الاستغفار؛ إذا لم تف قوامهما في سرعة اللحوق بها. وهذا من أعز مقول في هذا المعنى، وأحسن مشروح فيه. والله أعلم. الحديث الثالث والرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((يا عبادي)) ((قض)):الخطاب مع الثقلين خاصة لاختصاص التكليف، وتعاقب التقوى والفجور بهم، ولذلك فصل المخاطبين بالأنس والجن، ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين، ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله: ((وجنكم)) لشمول الاجتنان لهم، وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف علي صدور الفجور منهم، ولا علي إمكانه؛ لأنه كلام صادر علي سبيل الفرض والتقدير. وأقول: يمكن أن يكون الخطاب عاما، ولا يدخل الملائكة في الجن؛ لأن الإضافة في ((جنكم)) تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلا، بل إخراجا للقبيلين الذين يصح اتصاف كل منهما بالتقوى والفجور. قوله: ((حرمت الظلم علي نفسي)) ((نه)):أي تقدست عنه، وتعاليت، فهو في حقي كالشيء المحرم علي الناس. أقول: يريد أنه استعارة مصرحة تبعية، شبه تنزهه تعالي عن الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه، باحتراز المكلف عما نهي عنه شرعا في الامتناع منه، ثم استعمل في جانب المشبه به مبالغة وتشديدا، ويحتمل أن يكون مشاكلة لقوله بعده: ((وجعلته بينكم محرما)). نحو قول الشاعر: من مبلغ أفناه يعرب كلها ... إني بنيت الجار قبل المنزل قوله: ((يا عبادي كلكم ضال)) لما كان الخطاب بعد ((يا عبادي)) معنيا به مهتما بشأنه، كرره تنبيها علي فخامته، ونسبة الضلال إلي الكل بحسب مراتبهم. ((غب)):الضلال العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية، ويقال الضلال عدول عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا. قيل: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة؛ فإن الاستقامة والصواب تجري مجرى المقرطس والمرمى، وما عداه كلها ضلال، وإليه أشار ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا)).فإذا كان الأمر علي ما جرى، صح أن يستعمل لفظ الضلال فيمن أن يكون علي خطأ ما, ولذلك نسب الضلال إلي الأنبياء وإلي الكفار وإن كان بين

стр. 1332

عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا علي أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن ــ الضلالين بون بعيد، قال في حق النبي ﷺ :﴾ ووجدك ضالا فهدى ﴿أي غير مهتد لما سبق إليك من النبوة، وقال موسى ﵇:﴾ فعلتها إذن وأنا من الضالين ﴿تنبيها علي أن ذلك منه سهو. ولما فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في بالامتنان بأمور الدنيا، وذكر منها ما هو أصل فيها، ومكمل لمنافعها من الشبع واللبس ولا يستغنى عنهما، ومن ثم وصف الجنة بقوله:﴾ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴿. فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله:)) إلا من أطعمته، وإلا من كسوته)) إذ ليس أحد من الناس محروما عنهما؟ قلت: الإطعام والكسوة لما كانا معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق، وعدمها من التقتير والضيق، كما قال تعالي:﴾ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴿سهل التقصي عن الجواب، فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه، نفي الشبع والكسوة بالكلية، وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقا، بل المراد بسطهما وتكثيرهما، يوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثاني أنه وضع قوله: ((وكلكم فقراء إلا من أغتنيت)) في موضعه. قوله: ((إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني)) نصب، حذف منه نون الإعراب جوابا عن النفي، أي لن تبلغوا لعجزكم إلي مضرتي، ولا يستقيم، ولا يصح منكم أن تضروني أو تنفعوني، حتى أتضرر منكم أو أنتفع بكم؛ لأنكم لو اجتمعتم علي عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني ولا زدتم في ملكي شيئا، ولو اجتمعتم كلكم علي عصيإني ما ضررتموني، ولا نقصتم من ملكي شيئا، فالقرينتان الأخيرتان كالنشر للأولين. قوله: ((كانوا أتقى قلب رجل واحد)) ((قض)):أي علي تقوى أتقى قلب رجل، أو علي أتقى أحوال قلب رجل واحد. أقول: لا بد من هذا التقدير ليستقيم أن يقع ((أتقى)) خبرا لـ ((كان)) ثم إنه لم يرد أن كلهم بمنزلة رجل واحد، هو أتقى من الناس، بل كل واحد من الجمع

стр. 1333

أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم، كانوا علي أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم، وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خير فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم. ٢٣٢٧ - وعن أبي سعيد الخدري (﵁)، قال: قال رسول الله ﷺ ــ بمنزلته؛ لأن هذا أبلغ، كقولك: ركبوا فرسهم، وعليه قوله تعالي:﴾ ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم ﴿في وجه، ثم إضافة ((أفعل)) إلي نكرة مفردة تدل علي أنك لو تقصيت قلب رجل رجل من كل الخلائق، لم تجد أتقى قلبا من هذا الرجل، قوله: ((ما نقص ذلك من ملكي شيئا)) ((شيئا)) يجوز أن يكون مفعول به، إن قلنا: إن ((نقص)) متعد، ومفعولا مطلقا إن قلنا: إنه لازم، أي نقص نقصانا قليلا، والتنكير فيه للتحقير بقرينة قوله في الحديث الآتي: ((جناح بعوضة)). قوله: ((في صعيد واحد)) الصعيد وجه الأرض. ((قض)):قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول ويبهته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلي مطالبهم. و ((المخيط)) بكسر الميم وسكون الخاء الإبرة، وغمسها في البحر إن لم يخل عن نقص ما، لكنه لما لم يظهر ما ينقصه للحس، ولم يعتد به العقل، وكان أقرب المحسوسات نظيرا ومثالا، شبه به صرف ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يغيضه مثل ذلك، ولا أقل منه. قوله: ((إنما أعمالكم)) ((قض)):أي هي جزاء أعمالكم، فأحفظها عليكم، ثم أؤديها إليكم تاما وافيا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ((مظ)): ((أعمالكم)) تفسير لضمير المؤنث في قوله: ((إنما هي)) يعني إنما نحصي أعمالكم، أي نعد ونكتب أعمالكم من الخير والشر، توفية لجزاء عمل أحدكم علي التمام. أقول: يمكن أن يرجع الضمير إلي ما يفهم من قوله: ((أتقى قلب رجل، وأفجر قلب رجل)) وهي الأعمال الصالحات والطالحات، ويشهد له لفظة ((إنما)) فإنها تستدعي الحصر، أي ليس نفعها وضرها راجعا إلي، بل أحصيها إليكم، لأجازيكم بها، فمن وجد خيرا فليشكر الله؛ لأنه تعالي هو هادي الضلال، وموفقهم للخيرات، ومن وجد شر، فليلم نفسه؛ لأنه باق علي ضلاله الذي أشار إليه بقوله: ((كلكم ضال)). الحديث الخامس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((أله توبة)) ((مظ)):أي هل تقبل

стр. 1334

((كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا، فسأله، فقال: أله توبة؟ قال: لا فقتله؛ وجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلي هذه تقربي، وإلي هذه أن تباعدي، فقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) متفق عليه. ٢٣٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيتستغفرون الله فيغفر لهم)) رواه مسلم. ــ توبته بعد هذه الجريمة العظيمة؟ في الحديث إشكال؛ لأنا إذا قلنا: لا، فقد خالفنا نصوصا، وإن قلنا: نعم، فقد خالفنا أيضا أصل الشرع، فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة، بل توبتها أداؤها إلي مستحقيها، أو الاستحلال منها. فالجواب: أن الله تعالي إذا رضي منه، وقبل توبته، يرضي خصمه. قوله: ((فأدركه الموت)) أي أمارته وسكراته، فالفاء عطف علي محذوف، أي قيل له: ائت قرية كذا، فقصدها وصار نحوها، وقرب من وسط الطريق فأدركه الموت. قوله: ((فناء)) ((نه)):أي نهض، ويحتمل أن يكون بمعنى ناء، أي بعد، يقال: ناء ونائ بمعنى. قوله: ((فأوحى الله إلي هذه، أن تقربي)) ((أن)) مفسرة، لأن ((أوحي)) فيه معنى القول، و ((هذه)) إشارة إلي القرية التي توجه إليها، أي تقربي من الميت، وقوله: ((هذه)) ثإنيا إشارة إلي القرية التي هاجر منها، وقيل: هي إشارة إلي الملائكة المتخاصمين. وفيه بعد؛ إذ لو أريد هذا، لقيل: أبعدا عنه وقيسا. ((مظ)): فيه تحريض للمذنبين علي التوبة، ومنع لهم عن اليأس من رحمة الله تعالي، إذ لا منجأ ولا ملجأ، ولا مجير للمذنبين سواه. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)) ((تو)):لم يورد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين في الذنوب، وقلة اختفال منهم بمواقعة الذنوب، علي ما يتوهم الغرة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب؛ بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين، وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار. والمعنى المراد من الحديث هو أن الله تعالي كما أحب أن يحسن إلي المحسن، أحب أن يتجاوز عن المسئ- وقد دل علي ذلك غير واحد من أسمائه الغفار، الحليم، التواب، العفو لم

стр. 1335

٢٣٢٩ - وعن أبي موسى (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)).رواه مسلم ــ يكن ليجعل العباد شأنا واحدا كالملائكة مجبولين علي التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلي الهوى، متفتنا بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره من مداناته، ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفي فأجره علي الله، وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي ﷺ إنكم لو كنتم مجبولين علي ما جبلت عليه الملائكة، لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتحلي عليهم بتلك الصفات علي مقتضى الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفورا، كما أن الرزاق يستدعي مرزوقا. أقول: تصدير الحديث بالقسم رد لمن ينكر صدور الذنب عن العباد، ويعده نقصا فيهم مطلقا، وأن الله تعالي لم يرد من العباد صدوره، كالمعتزلة ومن سلك مسلكهم، فنظروا إلي ظاهره، وأنه مفسدة صرفة، ولم يقفوا علي سره أنه مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو موقع محبة الله،﴾ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴿و ((‘ن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار))،و ((الله أشد فرحا بتوبة عبده)) الحديث. ولعل السر في إظهار صفة الكرم، والحلم، والغفران، ولو لم يوجد لنثلم طرف من صفات الألوهية، والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه، يتجلي له بصفات الجلال، والإكرام، والقهر، واللطف، والملائكة لما نظروا إلي الجلال والقهر، قالوا:﴾ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴿والله تعالي حين نظر إلي صفة الإكرام واللطف قال:﴾ إني أعلم ما لا تعلمون ﴿.وإلي هذا الموضوع يلمح قوله ﷺ : ((لذهب الله بكم)) ولم يكتف بقوله: ((لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون)) والله أعلم. الحديث السابع عن أبي موسى: قوله: ((إن الله يبسط يده)) ((تو)) بسط اليد عبارة عن التوسع في الجود، والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط. وفي الحديث تنبيه علي سعة رحمة الله، وكثرة تجاوزه عن الذنوب. ((مح)): ((بسط اليد)) عبارة عن قبول التوبة. قال المازري: وذلك أن العرب إذا رضي أحدهم شيء، بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه. أقول: لعله تمثيل، شبه حالة إرادة الله تعالي التوبة من العبد، وأنها مما هو مطلوبه يجب أن ينالها. بحالة من ضاع ما هو تعيشه به، ولا غنى له عنه، فيفتقده وهو يمد يده إلي من وجد
следующие страницы →